دعوتهم الناس إلى الضلال
المسألة الرابعة والسبعون
[دَعْوَتُهُمُ النَّاسَ إِلَى الضَّلاَلِ بِغَيْرِ عِلْمٍ] .
الشرح
الدعوة إلى الله بغير علم هي من عمل أهل الجاهلية، لأن الله أمر بالدعوة إلى سبيله على بصيرة وبالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن.
فدعوتهم الناس إلى الضلال، أي: ترغيب الناس في مخالفة الحق قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] فيدعونهم إلى الشرك، وإلى تحريم الحلال وتحليل الحرام بغير حجة، ويدعونهم إلى أشياء ما أنزل الله بها من سلطان، فهؤلاء دعاة ضلال، والدعاة إلى الحق هم الذين يدعون إلى ما أنزل الله وإلى ما شرع.
ومن دعاة الضلال اليوم: الذين يدعون الناس إلى
стр. 212
الشرك، وعبادة الأضرحة والقبور، ويدعون الناس إلى البدع والمحدثات في الدين، التي ما أنزل الله بها من سلطان، ويكتبون ويؤلفون ويتكلمون بدعوة الناس إلى إحياء البدع والمحدثات، والذين يدعون الناس إلى الإباحة والفسوق والعصيان، كل هؤلاء دعاة ضلال، حذّرنا الله منهم ومن طريقتهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٩] .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٠٠] ، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ﴾ [البقرة: ٢٢١] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام:١١٦] ، فبيَّنَ سبحانه أن الكفار على اختلاف مللهم قديماً وحديثاً، جادون في الدعوة إلى الضلال في كل زمان وفي كل مكان، كما قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩] .
стр. 213
المسألة الخامسة والسبعون: دعوتهم الناس إلى الكفر، مع العلم
...
دعوتهم الناس إلى الكفر، مع العلم
المسألة الخامسة والسبعون
[دَعْوَتُهُمْ إِيَّاهُمْ إِلَى الكُفْرِ، مَعَ العِلْمِ] .
الشرح
وهذا صنف آخر من دعاة الضلال، وهم الذين يدعون إلى صرف الناس عن الحق مع معرفته؛ بغياً وعناداً، والصنف الأول يدعون الناس إلى الباطل وهم لا يعرفون الحق، وكلا الصنفين خطير وهم لا يقولون للناس: اكفروا، وإنما يأتونهم بطريقة مزخرفة، ظاهرها أنها حسنة وباطنها كفر، هكذا دعاة الضلال، وإبليس جاء إلى قوم نوح لما وجدهم قد حزنوا على الصالحين الذين ماتوا، جاءهم بطريق دين، وقال: صَوِّروا صُوَرَهم من أجل إذا رأيتموها أن تنشطوا على العبادة وتذكروا أحوالهم وصلاحهم ودينهم فينشطونكم على العبادة. فهو جاءهم بطريق النصيحة، وطريق الدين، وهو يريد أن هذه الصور تكون أصناماً في النهاية، فكانت أصناماً، لما مات أهل العلم ومات هذا الجيل، جاء جيل جاهل بعدهم، فقال
стр. 214
الشيطان: إن آباءكم ما نصبوا هذه الصور إلا ليعبدوها، وبها كانوا يُسقون المطر، فعبدوها من دون الله .
وكذلك دعاة الضلال، لا يأتون للناس بالدعوة إلى الشر المكشوف، إنما يأتونهم بطريقة مزخرفة يحسنونها للناس، ثم في النهاية يحصل لهم مقصدهم، ودعاة الضلال لما دعوا الناس إلى الشرك بعبادة الأضرحة لم يقولوا لهم: اعبدوها، بل قالوا: لهم: هؤلاء أولياء وصالحون، لهم مكانة عند الله، فأنتم تقرّبوا إليهم من أجل أن يقرّبوكم إلى الله، ويكونوا وسائط ووسائل لكم عند الله ، جاءهم بهذه الطريقة، وهي محبة الصالحين واتخاذهم وسائل ووسائط عند الله ، فعبدوا القبور والأضرحة بهذه الخديعة الشيطانية، وأشركوا بالله . فدعاة الكفر يدعون الناس بأساليب مختلفة، لا يظهر عليها شيء من الانتقاد، ولا يعرفها إلا أهل البصيرة، وقد تبين من هاتين المسألتين أن دعاة الضلال على قسمين. قسم يدعو الناس بغير علم، وقسم يدعو الناس إلى مخالفة الحق وهو يعلمه والأول ضال والثاني فاسق.
стр. 215
المسألة السادسة والسبعون: المكر الشديد لتثبيت الشرك ودفع الحق
...
المكر الشديد لتثبيت الشرك ودفع الحق
المسألة السادسة والسبعون
[المَكْرُ الكُبّارُ، كفِعْلِ قوم نوح]
الشرح
المكر: إيصال المكروه بطريقة خفية وهو نوعان: مكر حسن ومكر سيئ.
والمكر السيئ هو: الحيل الخفية لإيصال الشر لمن لا يستحقه، قال تعالى في قوم نوح: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً﴾ [نوح: ٢٢-٢٤] والكبّار هو: العظيم، فهم يمكرون بالناس مكراً عظيماً بهذه الحيل، وهذه الطرق الخبيثة التي يدعونهم بها إلى الشرك، وإذا جاءتهم دعوة التوحيد حذّروهم منها، وقالوا: هؤلاء يريدون أن يترأسوا عليكم، ويريدون أن يتفضلوا عليكم.
فتحسين القبيح للناس، وتقبيح الحسن، هو المكر الكُبّار الذي لا يزال يزاوله دعاة الضلال قديماً وحديثاً؛ لصرف
стр. 216
الناس عن الحق إلى الباطل، وإخراجهم من النور إلى الظلمات، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧] وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢] أي: اتركهم وكذبهم، ولا تلتفت إليهم. فهذا فيه: النهي عن الإصغاء لدعاة الضلال، إلا على سبيل معرفة باطلهم لرده.
стр. 217
المسألة السابعة والسبعون: اقتداؤهم بمن لا يصلح للقدوة
...
اقتداؤهم بمن لا يصلح للقدوة
المسألة السابعة والسبعون
[إِنَّ أَئِمَّتَهُم: إِمّا عالِمٌ فاجرٌ، وإمَّا عابدٌ جاهلٌ، كمَا في قوله: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٥-٧٨] .
الشرح
قدوة أهل الجاهلية من اليهود والنصارى وغيرهم: إما عالم فاجر، وهو الذي لا يعمل بعلمه، مثل أحبار اليهود. وإما عابد جاهل، وهو العامل بغير علم، مثل رهبان النصارى، كما قال الله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] يحلِّلون لهم الحرام، ويحرِّمون عليهم الحلال، ويطيعونهم في ذلك، وفي سورة البقرة يقول تعالى:
стр. 218
﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥] فقوله: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ أي: من بعد ما عرفوا لفظه ومعناه الصحيح، من أجل أهوائهم وأغراضهم وشهواتهم، كما حصل منهم في قصة الزاني في عهد النبي ﷺ في المدينة، حينما زنا رجل من اليهود بامرأة من اليهود، فقالوا: اذهبوا إلى هذا الرجل – يعنون محمداً ﷺ ؛ لأنهم يعلمون أن التوراة فيها الرجم، وهم لا يريدون الرجم، لعله يحكم فيهما بحكم أسهل من الرجم، فجاءوا إليه يطلبون منه الحكم على هذا الزاني وهذه الزانية، فالرسول ﷺ قال: "ما تجدون في التوراة على من زنى؟ " وفي رواية: "ما تجدون في التوراة في شأن الرجم" قالوا: فيها أننا نُسَوِّدُ وجوههم، ونُركبهم على حمير، ونطوف بهم في الأسواق. فسأل النبي ﷺ عبد الله بن سلام (لأنه من أحبارهم، وقد أسلم) قال: كذبوا يا رسول الله، فطلب النبي ﷺ منهم التوراة، فلما أحضروها وضع ابن صوريا أصبعه على آية الرجم، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع أصبعك، فلما رفعه إذا آية الرجم تلوح
стр. 219
في التوراة، فأمر بهما النبي ﷺ فرجما بالحجارة حتى ماتا ١.
فهذا من تحريف علمائهم لكلام الله، وقد كذبوا على الله وأخفوا حكمه.
ومن تحريفهم: ما ذكره الله أن الله أمرهم أن يدخلوا الباب سجداً، وأن يقولوا حطة، يعني: حط عنا خطايانا، فأبدلوا حطة بكلمة: حنطة، بالنون، فزادوا في كلام الله ما ليس منه.
والتحريف هو: الزيادة في كتاب الله، أو النقص من كتاب الله، أو تفسير كتاب الله بغير معناه، هذا هو التحريف؛ لأن التحريف إما أن يكون في اللفظ، وإما أن يكون في المعنى، وعلى هذا النمط كل من يحاول تفسير القرآن أو الأحاديث بغير معناهما الصحيح؛ من أجل نصرة مذهبه، أو اتباع شهوته، أو حصول مطعمه، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة: ٧٦] الآية، وهذا هو النفاق، والنفاق وتحريف النصوص طريقة اليهود.
ثم قال بعدها: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا
стр. 220
أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨] ، هؤلاء هم العُبَّاد الجُهّال، يقرؤون التوراة ولكن لا يعرفون معناها، فيتخذهم هؤلاء، يقرؤون التوراة ولكن لا يعرفون معناها، فيتخذهم هؤلاء أئمة لهم وهم جُهّال، فلا يجوز الاقتداء إلا بعالم عامل، وهؤلاء هم الربانيون. وكذلك العبّاد الجهّال لا يُقتدى بهم، وإن كان عندهم زهد وعبادة، لكنهم على غير طريق صحيح وغير هدىً من الله .
стр. 221
المسألة الثامنة والسبعون: تناقضهم في محبة الله
...
تناقضهم في محبة الله
المسألة الثامنة والسبعون
[دعواهم مَحَبَّةَ اللهِ، مع تركهم شَرْعَهُ، فطالبهم الله بقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٣١] .
الشرح
من ضلال اليهود ومن شابههم: دعواهم محبة الله مع أنهم يخالفون أمره ، وعلامة محبة الله: اتباع أمره، كما قال الشاعر
إن المحب لمن يحب مطيع
وهذا كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فاليهود والنصارى يقولون: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] ، ومع هذا يخالفون شرع الله ، فدل ذلك على كذبهم في دعواهم، حيث طالبهم الله بإقامة الدليل على ما يدعونه من محبته، وذلك باتباع رسوله محمد ﷺ ، فلما لم يفعلوا ظهر كذبهم، وكذلك الصوفية يبنون دينهم على أنهم يحبون الله ، ويقولون العبادة هي المحبة، فنحن لا نعبد الله خوفاً من ناره، ولا طمعاً
стр. 222
في جنته، وإنما نعبده؛ لأننا نحبه. مع أنهم يخالفون شرع الله ، فلا يتبعون الرسول ﷺ ، وإنما يتبعون مشائخهم، وأصحاب الطرق التي يبايعونهم عليها على السمع والطاعة لهم، وأنهم لا يخالفون لهم أمراً مهما أُمِروا، حتى إنهم يقولون: إن المريد مع شيخه كالميت بين يدي غاسله، ما له اختيار ولا له ما غير ما اختاره شيخه. فأين اتباع الرسول ﷺ ؟ فهم كاذبون في هذه الدعوى.
ولهذا تحدّى الله جل وعلا هؤلاء المدّعين لمحبته بهذه الآية: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فعلامة محبة الله: اتباع رسوله ﷺ ، فمن وجدت فيه هذه الصفة فإنه صادق في دعواه المحبة، ومن فقد هذه الصفة –وهي الاتباع للرسول –فإنه كاذب في دعواه، فقد ذكر سبحانه دليل المحبة وثمرتها، فدليلها اتباع الرسول ﷺ ، وثمرتها نيل محبة الله للعبد، ومغفرة ذنوبه، وكذلك هذا يطّرد في كل من يدّعي محبة الرسول وهو لا يتبعه، كمن يدعون محبة الرسول ويكتبون في الصحف والمجلات: عَلِّموا أولادكم محبة رسول الله ﷺ . وهم يبتدعون البدع، ويحدثون الموالد، والنبي ﷺ نهى عن البدع فهم يدّعون محبته، ويخالفونه في إحداث البدع والخرافات.
стр. 223
المسألة التاسعة والسبعون: اعتمادهم على الأماني الكاذبة
...
اعتمادهم على الأماني الكاذبة
المسألة التاسعة والسبعون
[تَمَنّيهمِ الأَمَانِيَّ الكّاذِبَةَ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] .
الشرح
اليهود والنصارى يعتمدون على الأماني الكاذبة، ويتمنون على الله الأماني، كما ذكر الله تعالى عنهم أنهم قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] هي أيام عبادتهم للعجل –بزعمهم-، فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٠، ٨١] فهذا رد على قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] ، كما رد عليهم في سورة آل عمران: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا
المسألة الثمانون: غلوهم في الأشخاص
...
غُلُوُّهم في الأشخاص
المسألة الثمانون
[اتِّخَاذُ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِم مَسَاجِدَ.]
الشرح
مما عليه أهل الجاهلية من أهل الكتاب وغيرهم: اتخاذ قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، وهذا كان ولا يزال عند اليهود والنصارى، وعند مشركي العرب، وعند المنتسبين إلى الإسلام ممن يعبدون القبور والأضرحة، وأهل الكتاب هم أول من عمل ذلك، قال ﷺ : "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد" يعني: مصليات يصلون عندها؛ لأن الصلاة عندها وسيلة إلى عبادتها، وإن كان المصلي يصلي لله، لكن إذا صلى عند القبر واستنجد به واستغاث بهن كما يقال الآن عند الأضرحة؟ هذا من دين الجاهلية، من يهود ونصارى وغيرهم، قال ﷺ ، لما أخبرته أم سلمة وأم حبيبة رضي الله تعالى عنها عما رأتاه في أرض الحبشة من الكنايس وما فيها من التصاوير؛ لأن أم سلمة وأم حبيبة قد هاجرتا إلى الحبشة مع زوجيهما الهجرة الأولى، فرأتا في بلاد الحبشة
стр. 226
الكنائس المزخرفة، بها الصور، فذكرتا ذلك، فقال النبي ﷺ : "أولئك قوم إذا مات فيهم الرجل الصالح، أو العبد الصالح، بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله" ١.
فمن دين الجاهلية: اتخاذ الأولياء والصالحين أرباباً من دون الله ، يزعمون أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، وأنهم يشفعون لهم عند الله، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] وهؤلاء لا يعتقدون فيهم أنهم يخلقون ويرزقون ويحيون ويميتون، بل لا يعترفون أن هذا خاص بالله ، وإنما اتخذوهم وسائط بينهم وبين الله وشفعاء، فصرفوا لهم أنواعاً من العبادات؛ من أجل أن يقرِّبوهم إلى الله زلفى. فهذا دين الجاهلية، وعليه عُبَّاد القبور اليوم، نسأل الله العافية والسلامة.
ومن الغلو في القبور وأصحابها البناء عليها وإسراجها ووضع الستائر عليها والكتابة عليها وتجصيصها وغير ذلك من مظاهر الغلو. ولهذا نهى الرسول ﷺ عن ذلك كله.
стр. 227
المسألة الحادية والثمانون: الغلو في آثار الأنبياء
...
الغلو في آثار الأنبياء
المسألة الحادية والثمانون
[اتخاذ آثار أنبيائهم مساجد كما ذُكِرَ عَنْ عُمَرَ]
الشرح
من دين الجاهلية: اتخاذ آثار أنبيائهم مساجد، أي يصلون عندها تبركاً بها والفرق بين هذه والتي قبلها: أن التي قبلها غلو في الأشخاص، وهذا غلو في آثار الأشخاص، والآثار: جمع أثر، وهو المكان الذي جلس فيه نبي أو صلى فيه، يتتبعون هذه المواطن فيتعبدون فيها لله ، يظنون أن الصلاة فيها فيها فضيلة، مثل الذين يذهبون الآن إلى غار حراء؛ لأن الرسول ﷺ كان قد تعبد فيه قبل البعثة. فهم يذهبون إليه للصلاة والدعاء فيه، ولم يكن النبي ﷺ يزوره بعد البعثة، ولا أحد من صحابته الكرام ذهب إلى غار حراء؛ لعلمهم أن ذلك غير مشروع.
كذلك يذهبون إلى غار ثور الذي اختفى فيه النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 228
قبل الهجرة، ويصلون فيه، ويضعون فيه الطيب، وربما يرمون فيه النقود.
هذا كله من دين الجاهلية، فالجاهلية هي التي تُعَظِّم آثار أنبيائها، ولهذا يقول عمر ﵁ – لما رأى الناس يذهبون إلى شجرة البيعة -: "إنما أهلك من كان قبلكم أنهم تتبعوا آثار أنبيائهم" ثم أمر بقطع الشجرة، وهذه الأماكن لم يقصدها النبي ﷺ للتشريع، أما الأماكن التي قصدها النبي ﷺ للتشريع، مثل صلاته عند مقام إبراهيم، عملاً بقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البقرة: ١٢٥] ، فإنها تشرع الصلاة فيها اقتداء بالنبي ﷺ أما جلوسه في غار حراء، وفي غار ثور، أو جلوسه في الطريق بين مكة والمدينة للاستراحة، فهذا لم يفعله من أجل التشريع، وإنما فعله اتفاقاً وللحاجة.
فيجب أن يُفَرَّق بين هذا وهذا، فالأماكن التي لم يقصدها للتشريع، وإنما مرّ بها أو جلس فيها من باب العادة؛ أو للاستراحة أو صادفته الصلاة وصلى فيها من غير قصد لها، فإنه لا يتخذ هذا المكان الذي صلى فيه الرسول مصلى؛ لأنه فعله لا من باب القصد، وإنما فعله لأن الصلاة أدركته في هذا المكان فصلى فيه، وهذا المكان وغيره سوى من الأرض، ليس له ميزة، ولأن تتبعها يحدث الوثنية فيما بعد بتبرك الناس
стр. 229
به، ويقصدونه من بعيد، ويسافرون إليه، فيحصل في ذلك ما حصل في الأمم السابقة من الشرك، وربما يُبنى عليه، وهناك من يطالبون الآن بذلك، يقولون: ابنوا على الآثار التي مر بها الرسول وجلس فيها، ابنوا عليها من أجل الذكرى. وهذا كلام باطل، نحن لا نفعل شيئاً لم يفعله سلفنا الصالح، لو كان هذا مشروعاً لسبق إليه الصحابة والتابعون ومن بعدهم، وما هلكت الأمم إلا بمثل هذه الأفعال، فإحياء آثار المعظّمين يجر إلى الوثنية، كما حدث في قوم نوح والأمم السابقة، ولا يقال: إن الناس الآن على وعي من دينهم فلا يخاف عليهم؛ لأنها تأتي أجيال جاهلية فيزيّن لها الشيطان الوثنية.
ولأنها لا تؤمن الفتنة على أحد كما قال الخليل ﵇ ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] .
стр. 230
المسألة الثانية والثمانون: اتخاذهم لوسائل الشرك
...
اتخاذهم لوسائل الشرك
المسألة الثانية والثمانون
[اتخاذ السرج على القبور] .
الشرح
اتخاذ السرج على القبور: أن يجعل فيها أنوار من المصابيح أو الفوانيس، أو الكهرباء، على شكل قناديل؛ لأجل الزيارة. ولا يجوز هذا؛ لأنه من أسباب الشرك، وإذا احتاج الناس إلى النور من أجل دفن الميت، فإنهم يأتون معه بسراج أو فانوس بقدر الحاجة، أما إنه يجعل في المقبرة أعمدة كهرباء وتنور، فهذا منهي عنه، قال ﷺ : "لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" ١، والحديث في السنن، ولعن النبي ﷺ زائرات القبور يدل على أن المرأة ممنوعة من زيارة المقابر، وإنما زيارة القبور خاصة بالرجال،
стр. 231
واللعن يفيد أن زيارة المرأة للقبور كبيرة من كبائر الذنوب.
ولعن ﷺ المتخذين عليها المساجد، أي: الذين يتحرون الصلاة عندها، أو يبنون عليها المساجد، وهذا أشد؛ أو الذين ينورونها لأن هذا وسيلة إلى الشرك، بأن تعبد هذه القبور وتدعى من دون الله ، فالقبور تترك كما كانت قبور الصحابة في عهد النبي ﷺ ، لا تسرج ولا يبنى عليها أبنية، وإنما تترك كما هي على حالها، وترفع عن الأرض قدر شبر فقط، ويوضع عليها نصايب؛ لتعرف أنها قبور، ولا يزاد على ذلك، قال ﷺ لعلي بن أبي طالب: " لا تدع قبراً مشرفاً" يعني مرتفعاً: "إلا سويته" ١ يعني: أزلت ارتفاعه وسويته بالأرض؛ لأن إشرافه وارتفاعه يغري الجهال بقصده؛ لأن الشرك أسرع إلى قلوب الجهال من السيل إلى منحدره؛ لأن شياطين الإنس والجن يزينون للناس هذه الأمور ويفتنونهم بها، فإذا كان القبر ليس فيه ما يلفت النظر، ولا يعرف هل هو قبر نبي أو غيره، فهذا أبعد عن الفتنة، أمّا إذا قصد وعظم وجعل عليه بنية وزخارف، ووضع عليه أنوار، فهذا يصرف الأنظار إليه، ويقول الجهال: ما عمل فيه هذا الشيء إلا لأن له سراً، فيقصدونه بالعبادة.
стр. 232
فالواجب أن يتبع في القبور هدي النبي ﷺ ، الذي ليس فيه غلو أو بناء أبنية، أو إيقاد سرج، أو كتابات، أو تجصيص، أو غير ذلك، كما كانت القبور في عهد النبي ﷺ .
стр. 233
المسالة الثالثة والثمانون: عكوفهم عند القبور
...
عكوفهم عند القبور
المسألة الثالثة والثمانون
[اتخاذ القبور أعياداً]
الشرح
الأعياد جمع عيد، وهو: ما يتكرر ويعود، وهو ينقسم إلى قسمين:
عيد زماني: كعيد رمضان، وعيد الأضحى.
القسم الثاني: عيد مكاني: وهو المكان الذي يجتمع فيه على مدار السنة، أو على مدار الأسبوع، أو على مدار الشهر، يجتمع فيه للعبادة، والنبي ﷺ يقول: "لا تجعلوا قبري عيداً" يعني: مكاناً للاجتماع حوله، والعكوف حوله، والتردد عليه، "وصلوا عليّ حيث كنتم، فإن صلاتكم تبلغني" ١ فليس للصلاة على الرسول عند قبره خاصية، بل صَلِّ عليه في أي
стр. 234
مكان في المشرق أو في المغرب، في أي مكان صَلِّ على الرسول، ويبلغه ذلك.
وتكرار زيارته، والجلوس عنده، من اتخاذه عيداً، وهو يؤول إلى الشرك، فأهل الجاهلية يتخذون قبور الصالحين أعياداً، يجتمعون حولها ويعكفون عندها، كما هو الآن حاصل عند قبر البدوي وغيره، يأتيه الزوار من كل مكان، ويجلسون وينصبون الخيام، ويذبحون الذبائح ويقيمون الأيام، عند قبر البدوي أو غيره، وهذا من دين الجاهلية. وإذا كان قبر الرسول ﷺ منهياً عن الاجتماع حوله والتردد عليه، فكيف بقبر غيره؟ لأن هذا وسيلة من وسائل الشرك.
ولما سأل رجل النبي ﷺ : أنه نذر أن ينحر إبلاً ببوانة – اسم موضع – فقال له النبي ﷺ : "هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد." قالوا: لا، قال: "هل كان فيها عيد من أعيادهم – أي اجتماع – يجتمعون فيه؟ " قالوا: لا، قال: "أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم" ١.
الشاهد: قوله: "هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ " أي:
стр. 235
عيد مكاني، فدل على أنه لا يجوز اتخاذ مكان مخصص للعبادة، إلا ما خصصه الله ورسوله، كالمساجد ومشاعر الحج والعمرة، وما عداها فالأرض كلها سواء، وكما قال ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً" ١
стр. 236
المسالة الرابعة والثمانون: تقربهم إلى الله بالذبح عند القبور
...
تقربهم إلى الله بالذبح عند القبور
المسألة الرابعة والثمانون
[الذبح عند القبور]
الشرح
قال الله تعالى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] . وقال تعالى: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١-١٦٢] فالذبح عبادة لله.
والذبح عند القبور: إذا كان تعظيماً لها فهذا شرك أكبر. وإذا كان تعظيماً لله، ولكن فعله عند القبر يظن أنه مشروع، فهذا بدعة ووسيلة إلى الشرك، فلا يجوز الذبح عند القبور حتى ولو كان الذابح لا يعتقد في القبور وإنما يذبح لله؛ لأنه إذا اعتاد الناس الذبح عند القبور آل هذا إلى عبادتها دون الله ، وكذلك الذبح للجن لاتقاء شرهم أو للعلاج، فهذا
стр. 237
شرك بالله.
أما الذبح للأكل، أو الذبح لإكرام ضيف ويذكر عليه اسم الله، فهذا لا بأس؛ لأنه من العادات لا من العبادات.
أما ذبح الأضحية وذبح العقيقة والذبح الذي يقصد به العبادة، فهذا عبادة لله ؛ ولا يذبح لمخلوق، تعظيماً له تعظيم عبادة ولا يذبح عند قبر مخلوق؛ لأن هذا يؤول إلى عبادته.
стр. 238
المسألتان الخامسة والسادسة والثمانون: احتفاظهم بآثار المعظمين
...
احتفاظهم بآثار المعظَّمين
المسألتان الخامس والسادسة والثمانون
[التَّبَرُكُ بآثار المعظَّمين، كدار النَّدوة، وافتخار من كانت تحت يده بذلك، كما قيل لحكيم بن حزام: بعت مكرمة قريش؟! فقال: ذهبت المكارم إلا التقوى] .
الشرح
تعظيم آثار المعظمين من العلماء أو من الملوك أو من الرؤساء، بأن تُحيا هذه الآثار وترمم وتصان، فهذا العمل وسيلة من وسائل الشرك، وهذا من دين الجاهلية؛ لأنه يأتي جيل فيما بعد ويقولون – أو يقول لهم الشيطان -: إن آباءكم ما احتفظوا بهذه الآثار إلا لأن فيها بركة وفيها خيراً، فيعبدونها من دون الله؛ لأن الجيل الأول هيأ لهم الأسباب، كما فعل الشيطان مع قوم نوح لما أمرهم بتصوير الصالحين لأجل أن تبعث فيهم النشاط على العبادة، فهم أسّسوا هذا الشيء بنية صالحة، ولكن جاء جيل جُهّال فعبدوها، وهذا من فعل
стр. 239
الجاهلية، هم الذين يعظمون آثار العظماء، ويحافظون عليها ويصونونها، ثم تعبد من دون الله ولو على المدى البعيد.
فلا يقل قائل: الناس الآن على دين صحيح وعلى توحيد.
نقول: لا يقتصر على الوقت الحاضر، وإنما يجب النظر للمستقبل، مع أن الحاضرين لا تُؤمن عليهم الفتنة أيضاً، ولكن المستقبل أشد، فلا يجوز العناية بهذه الآثار، وما هلكت الأمم إلاّ بمثل هذا، وهو أنهم عظّموا آثار كبرائهم حتى صارت أوثاناً في المستقبل، فالواجب على المسلمين التنبه لهذا الأمر.
وذكر الشيخ شاهداً لذلك؛ دار الندوة في مكة، وهي مكان يجتمع فيه أكابر قريش؛ للتشاور في الأمور المهمة.
فلما جاء الإسلام وزالت الجاهلية، بقي مبنى دار الندوة على حاله إلى وقت معاوية ﵁ للتملك والانتفاع بسكناها وتحويلها عن هيئتها، فاشترى هذه الدار من حكيم بن حزام ﵁، فلام الناس حكيماً على ذلك، قالوا: لِمَ بعت هذا الأثر من آثار أسلافنا، وبعت مكرمة قريش؟ قال: ﵁: ذهبت المكارم إلا التقوى. وهذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] هذا هو
стр. 240
الجواب السديد الموافق لكلام الله ، وهذا من نور البصيرة ونور الإيمان.
فدل على أنه لا يجوز الاحتفاظ بالآثار القديمة؛ لأن هذا يؤول إلى الشرك، ولو فيما بعد، والدين جاء بسد الطرق المفضية إلى الشرك.
стр. 241
المسال السابعة والثامنة والتاسعة والثمانون، والتسعون: من خصال الجاهلية الباقية في بعض هذه الأمة
...
من خصال الجاهلية الباقية في بعض هذه الأمة
المسائل السابعة والثامنة والتاسعة والثمانون، والتسعون
[الفَخْرُ بالأحساب، الطعن في الأنساب، الاستسقاء بالأنواء، النياحة على الميت]
الشرح
هذه المسائل الأربع من مسائل الجاهلية، قال ﷺ : "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على الميت" ١.
والفخر بالأحساب: أن يفتخر الإنسان بأمجاد آبائه وأجداده، وهذا من دين الجاهلية؛ لأنهم كانوا يجتمعون في منى، وبدل أن يذكروا الله يذكرون مفاخر آبائهم، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ [البقرة: ٢٠٠] ، فالواجب ذكر الله
стр. 242
عز وجل، ليس ذكر الآباء والأجداد.
والطعن في الأنساب: كأن يقول: فلان ما له أصل، فلان من قبيلة ليست هي أصيلة، وهذا معناه تنقّص الآخرين، والله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] فالفخر ليس بالنسب، الفخر إنما هو بالتقوى، ولا ينفعك النسب إذا فقدت التقوى، قال ﷺ : "من بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه" ١، فلا ينفع الإنسان كونه من قريش، ولا كونه من بني هاشم، ولا كونه من بيت الرسول ﷺ إذا لم يكن معه عمل صالح لا ينفعه إلا العمل الصالح وتقوى الله .
والاستسقاء بالنجوم: اعتقاد أن المطر ينزل من تأثير طلوع النجم أو غروبه، وهذا من دين الجاهلية، فالمطر إنما يحصل بإرادة الله ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى: ٢٨] ، فالله هو الذي ينزل المطر بإرادته ومشيئته وحكمته، وينزله كيف يشاء ، ينزله على أرض، ويمنع منه أرضاً أخرى ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً﴾ [الفرقان:
стр. 243
٥٠] ، فالذي يعتقد أن لطلوع النجم أو غروب النجم تأثيراً في نزول المطر، فهذا الاعتقاد شرك، تجب التوبة منه، ويجب نسبة نزول المطر إلى الله جل وعلا.
والنياحة على الميت: والمراد بها: رفع الصوت عند موت الميت؛ جزعاً وتسخطاً، أو ذكر محاسن الميت، فالنياحة من كبائر الذنوب، قال ﷺ : "النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب" ١، فالنياحة كبيرة من كبائر الذنوب، وهي من أمور الجاهلية، والواجب: الصبر والاحتساب.
ولا يدخل في هذا البكاء على الميت؛ لأنه ليس باستطاعة الإنسان أن يحبسه، والنبي ﷺ بكى لما مات ابنه إبراهيم، وقال: "إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون" ٢، وقال ﷺ : "إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا – يعني اللسان – أو يرحم" ٣، فإذا تكلم الإنسان بكلام يرضي الله عند المصيبة، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون،
стр. 244
وحَمِدَ الله وشَكَرَه؛ غفر الله له وجبر مصيبته.
فهذه الأربع من أمور الجاهلية، وهي باقية في الناس، فيجب التوبة منها، ودلّ الحديث على أنه ليس كل من فيه شيء من الجاهلية يكون كافراً، فأمور الجاهلية منها ما هو كفر، ومنها ما هو دون ذلك.
стр. 245
المسألة الحادية والتسعون: قيام مجتمعهم على البغي
...
قيام مجتمعهم على البغي
المسألة الحادية والتسعون
[إِنَّ أَجَلَّ فَضَائِلَهُمُ البَغْيُ، وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ فِيهِ مَا ذَكَرَ]
الشرح
البغي هو: التعدِّي على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وأهل الجاهلية يعتبرون ذلك من مفاخرهم، ويتمدحون به في أشعارهم ومقالاتهم، فجاء الإسلام بتحريمه والنهي عنه، وأمر بالعدل بين الناس، وشرع لمن بُغي عليه أن يقتص لنفسه؛ حتى يرتدع الباغي وينتصر المظلوم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) [لأعراف:٣٣] ، فقرن البغي مع الفواحش والشرك والقول عليه بغير علم.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ
стр. 246
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] .
وقال النبي ﷺ في خطبة الوداع: "إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا هل بلغت؟ " ١.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ [النساء:٩٣] وبإقامة هذه الأحكام الربانية استتب الأمن، وسادت المحبة بين المسلمين، وزالت عنهم فوضى الجاهلية وعنجهيتها، والحمد لله رب العالمين.
стр. 247
المسالة الثانية والتسعون: الفخر بغير الحق أو بحق
...
الفخر بغير الحق أو بحق
المسألة الثانية والتسعون
[إِنَّ أَجَلَّ فَضَائِلَهُمُ الفَخْرُ وَلَوْ بِحَقٍّ، فَنُهِيَ عَنْهُ] .
الشرح
من مسائل الجاهلية: الفخر ولو بحق، فهم يفخرون بأفعالهم وأفعال آبائهم، وهذا منهي عنه؛ لأن الفخر بالأعمال يؤدِّي إلى الإعجاب بالنفس واحتقار الآخرين، وهو منهي عنه، وهو من أفعال الجاهلية، فلا يجوز للمسلم أن يفتخر؛ لأنه مهما بذل ومهما عمل فإنه مقصر، ولا يؤدي كل ما أوجب الله عليه، فحق الله عظيم، وحق الوالدين عظيم، وحق الأقارب عظيم، وعليه حقوق عظيمة، فكيف يفخر الإنسان إذا فعل شيئاً من الإحسان، أو من المعروف، أو من أفعال الخير، مع أنه إنما أتى بشيء يسير؟ هذا في الافتخار فيما بينه وبين الخلق، أما إذا افتخر بأعماله التي بينه وبين الله، فهذا أشد؛ لأنه يؤدي إلى الإعجاب بالعمل، وإلى استكثار العمل، وهذا يبطل العمل.
стр. 248
فالواجب على الإنسان أن يعتبر نفسه مقصراً دائماً وأبداً فيما بينه وبين الله، وهذا واضح، وفيما بينه وبين الخلق أيضاًُ؛ فإنه إذا اعتبر نفسه مقصراً، حمله ذلك على التواضع، وحمله ذلك إلى المزيد من الخير، أما إذا اعتبر نفسه مكمّلاً، وأنه قام بالواجب، فهذا يستدعي أنه يتوقف عن فعل الخير، ويرى أنه قد بلغ النهاية، فيتوقف عن فعل الخير.
والحاصل: أن الافتخار لا ينبغي أن يصدر من مسلم، وإنما هو من أفعال الجاهلية، والنبي ﷺ –لما ذكر أنه سيد ولد آدم- قال: "ولا فخر" ١ مع أن مقامه هذا لا يساويه فيه أحد، ومع هذا قال "ولا فخر"، نفى عن نفسه الفخر، وإنما أخبر بذلك من باب التحدث بنعمة الله والشكر عليها لا من باب الفخر.
стр. 249
المسألة الثالثة والتسعون: التعصب الممقوت
...
التعصب الممقوت
المسألة الثالثة والتسعون
[أنَّ تَعَصُّبَ الإِنْسَانِ لِطَائِفَتِهِ عَلَى الحَقِّ وَالبَاطِلِ، أَمْرٌ لاَبُدَّ مِنْهُ عَنْدَهُمْ، فَذَكَرَ اللهُ فِيهِ مَا ذَكَرَ]
الشرح
التعصب المذموم هو الاستمرار على الباطل، مع العلم ببطلانه؛ تكبراً وعناداً ونصرة للشخص أو للقبيلة على حق أو باطل، وهذا من أمور الجاهلية.
ويقول شاعرهم:
غَوَيْتُ وإنْ تَرْشَدْ غزية أَرْشد ... وما أنا مِنْ غزية إن غَوَتْ
فأنزل الله في ذلك ما أنزل، من قوله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: ٨] أي: لا يحملكم بغض قوم على ألا تعدلوا في حقهم، ولو كانوا أعداءكم، فالعدل مطلوب مع الأصدقاء ومع الأعداء، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢] ، فلا تحملك القرابة على أنك تحيف مع قريبك، بل إذا كان مخطئاً
стр. 250
تُغيِّر خطأه، ولا تتابعه بل تنصحه، ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ [النساء:١٣٥] .
فالواجب على الإنسان العدل مع نفسه ومع صديقه ومع عدوه، لا تحمله عداوة أحد أن يظلمه، أو يجور عليه، هذا هو شأن المسلم.
وأما أهل الجاهلية فإنهم يتعصبون لقومهم، ولو كان قومهم ظالمين، فأمرنا الله جل وعلا بمخالفتهم، وأن نقول الحق ولو على أنفسنا وعلى أقاربنا وعلى أصدقائنا وعلى أعدائنا، وقال ﷺ : "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"، قالوا: يا رسول الله، ننصره إذا كان مظلوماً، فكيف ننصره إذا كان ظالماً؟! قال: "تمنعه عن الظلم، فذلك نصره" ١فنصره: أن تمنعه من الظلم، وليس نصره أن تساعده على الظلم، فهذا خذلان له.