← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11272

صفحات مشرقة من حياة السلف - سفيان الثوري

محمد بن مطر الزهراني

Полный текст (146 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أبداً". ١ وفي "طبقات ابن سعد" قال: "وكانوا يرون أن سفيان أخذ مرة من بعض الولاة مالاً وصلة، ثم ترك ذلك فلم يقبل من أحد شيئاً، وكان يأتي اليمن فيتجر، وكان يفرق ما عنده على قوم من إخوانه يبضعون له به ويوافي الموسم كل عام فيلقاهم ويحاسبهم ويأخذ ما ربحوا". ٢ وفي"السير" للذهبي: "قيل: إن سفيان سار إلى اليمن بأربعة آلاف مضاربة، فأنفق الربح". ٣ وعن يحيى بن يمان قال لي سفيان: "إن اقتصرت على خبزك وبقلك، لم يستعبدك هؤلاء". ٤

стр. 72

ما ذكر من إمامة الثوري في السنة والحديث: أخرج ابن أبي حاتم بسنده إلى عبد الرحمن بن مهدي قال: "الناس على وجوه: فمنهم من هو إمام في السنة، إمام في الحديث، ومنهم من هو إمام في السنة وليس بإمام في الحديث، ومنهم من هو إمام في الحديث ليس بإمام في السنة، فأما من هو إمام في السنة وإمام في الحديث فسفيان الثوري". ١ وعنه أيضاً قال: "أئمة الناس في زمانهم أربعة: سفيان الثوري بالكوفة، ومالك بن أنس بالحجاز، وأبو عمرو الأوزاعي بالشام، وحماد بن زيد بالبصرة". ٢ وأخرج أبو نعيم بسنده إلى عبد الرزاق قال: سمعت ابن عيينة يقول: "أئمة الناس ثلاثة - بعد أصحاب رسول الله ﷺ ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والثوري في

стр. 73

زمانه". ١ وقال أبو القاسم اللالكائي (ت ٤١٨ هـ): "باب سياق ذكر من رسم بالإمامة في السنة والدعوة والهداية إلى طريق الاستقامة بعد رسول الله ﷺ إمام الأئمة" ثم ذكر طوائف من الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى قريب عصره، وذكر منهم الإمام سفيان بن سعيد الثوري. ٢ ثم ذكر بإسناده عن ابن المبارك قال: قال سفيان الثوري: "استوصوا بأهل السنة خيراً فإنهم غرباء". وبسنده إلى يوسف بن أسباط قال: سمعت الثوري يقول: "إذا بلغك عن رجل بالمشرق صاحب سنة وآخر بالمغرب فابعث إليهما بالسلام وادع لهما، ما أقل أهل السنة والجماعة". ٣ وعن أبي بكر المروزي عن أحمد بن حنبل قال: "أتدري

стр. 74

من الإمام؟ الإمام سفيان الثوري لا يتقدمه أحد في قلبي". ١ وعن أحمد بن عمران قال: سمعت يحيى بن يمان يقول: "ما رأينا مثل سفيان ولا رأى سفيان مثل نفسه، كان سفيان في الحديث أمير المؤمنين". ٢ قال أبو داود سليمان بن داود الطيالسي (ت ٢٠٤ هـ): "قدمت المسجد الحرام فرأيت حلقة نحواً من خمسمائة - أقل أو أكثر - ورجل وسطها نائم، قلت: من هذا قالوا: هذا أمير المؤمنين، هذا سفيان الثوري". ٣ وأخرج الخطيب بإسناده إلى شعبة وابن عيينة قالا: "سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث". ٤ وبسنده إلى يحيى بن معين قال: "سفيان الثوري أمير

стр. 75

المؤمنين في الحديث". ١ وفي "سير أعلام النبلاء": قال شعبة وابن عيينة وأبو عاصم - النبيل - وابن معين وغيرهم: "سفيان أمير المؤمنين في الحديث". ٢ وأخرج أبو نعيم بسنده عن بشر بن الحارث قال: "كان سفيان الثوري عندي إمام الناس". ٣ وعن أبي أسامة حماد بن أسامة قال: "كان زائدة يرى الثوري سيد الناس". ٤ وقال أبو قطن عن شعبة أنه قال: "ساد سفيان الناس بالورع والعلم". ٥ وقال أحمد بن حنبل: "قال لي ابن عيينة: لن ترى

стр. 76

بعينيك مثل سفيان الثوري حتى تموت، قال أحمد: وهو كما قال". ١ وأخرج أبو نعيم إلى عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت ٢١١ هـ) قال: سمعت أبا عمرو الأوزاعي يقول: "لو قيل لي اختر رجلاً يقوم بكتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ لاخترت لهما الثوري". ٢ وبسنده إلى أبي أسامة قال: "الثوري حجة". ٣ وعن الهيثم بن جميل قال: سمعت شريكاً يقول: "إن الله تعالى لا يدع الأرض من حجة تكون لله على عباده، ونرى أن سفيان منهم". ٤ وقال شعيب بن حرب: "إني لأحسب أنه يجاء غداً

стр. 77

بسفيان حجة من الله على خلقه". ١ وقال عثمان بن أبي زائدة: "ما رأيت مثل سفيان قط، بسفيان أقتدي وعليه أبكي". ٢ وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: "برز سفيان الثوري على الناس لأنه كان صحيح الأديم بعيداً عن الأهواء عابداً يقول الحق ويريده إن شاء الله". ٣ وأخرج ابن أبي حاتم عن مطرف بن مازن قال: قال لنا معمر - لما بلغه أن سفيان قادم عليهم اليمن -: "إنه قدم عليكم محدث العرب". وفيه أيضاً عن محمد بن المعتمر بن سليمان قال: قلت لأبي: "من فقيه العرب؟ قال: سفيان الثوري". ٤ قال الحافظ الذهبي (ت ٧٤٨ هـ): "قد كان سفيان

стр. 78

رأساً في الزهد والتأله والخوف، رأساً في الحفظ، رأساً في معرفة الآثار، رأساً في الفقه، لا يخاف في الله لومة لائم، من أئمة الدين". ١

стр. 79

ما ذكر من تعظيم العلماء لسفيان الثوري ونزولهم عند قوله وفتواه: أخرج ابن أبي حاتم عن أبي زنبور عمرو بن أبي زنبور قال: "رأيت سفيان الثوري بالري والزبير بن عدي على القضاء، والزبير يستفتي الثوري في قضايا ترد عليه ويفتيه الثوري ويقضي به". ١ وعن أبي بكر بن عياش: "إني لأرى الرجل يصحب سفيان فيعظم في عيني"، وفي رواية: "فينبل في عيني". ٢ وقال ابن إدريس: "ما رأيت بالكوفة رجلاً أتبع للسنة ولا أحداً أودُّ أني في مسلاخه - هديه وسمته - من سفيان الثوري". ٣ وعن حفص بن غياث قال: "ما أدركنا مثل سفيان، ولا أنفع من مجالسته". ٤

стр. 80

وقال أبو عبيد الآجري: سمعت أبا داود (ت ٢٧٥ هـ) يقول: "لا يختلف سفيان وشعبة في شيء إلا ظفر به سفيان، خالفه في أكثر من خمسين حديثاً القول فيه قول سفيان". ١ وعن يحيى بن معين قال: "ما خالف أحد سفيان في شيء إلا كان القول قول سفيان". ٢ وعن عباس بن الوليد بن مزيد عن أبيه عن الأوزاعي أنه كتب إلى عبد الله بن يزيد: "بلغني كتابك، تذكر دروس العلم وذهاب العلماء، وإن كنت لم تعرف ذهاب العلماء إلا في عامك هذا فقد أغفلت النظر، فإنه قد أسرع بهم منذ حين وذهب بقاياهم منذ أعوام، فلم يبق منهم رجل واحد يجتمع عليه العامة بالرضا والصحة إلا ما كان من رجل واحد بالكوفة"، قال عباس: يعني الثوري. ٣ عن يحيى بن يمان ويحيى بن الضريس قال سفيان:

стр. 81

"أتاني عاصم بن بهدلة (ت ١٢٨ هـ) في حاجة فقلت له: ألا تبعث إلي فآتيك قال: في بيته يؤتى الحكم". ١ وعن المبارك بن سعيد قال: "رأيت عاصم بن أبي بهدلة يجيء إلى سفيان يستفتيه ويقول: يا سفيان أتيتنا صغيراً وأتيناك كبيراً". ٢ قال علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد القطان: "أيما أحب إليك رأي مالك أو رأي سفيان؟ قال: سفيان، لا نشك في هذا، ثم قال: سفيان فوق مالك في كل شيء". ٣ وعنه أيضاً قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: "ما سمعت من سفيان عن الأعمش أحب إلي مما سمعت أنا من الأعمش؛ لأن الأعمش كان يمكن سفيان ما لا يمكنني". ٤

стр. 82

وقال عبد الله المبارك: "كنت إذا أعياني الشيء أتيت سفيان أسأله فكأنما أغتمسه من بحر". ١ وقال يونس بن عبيد: "ما رأيت أفضل من سفيان، فقيل له: فقد رأيت سعيد بن جبير، وإبراهيم، وعطاء، ومجاهد، وتقول هذا قال: هو ما أقول، ما رأيت أفضل من سفيان". ٢

стр. 83

اعتقاد أبي عبد الله سفيان بن سعيد الثوري: دأب السلف ﵏ بعد ظهور الفرق وانتشار الأهواء وكثرة البدع على كتابة معتقدهم في قضايا العقيدة، لا سيما تلك التي خاض فيها أصحاب الأهواء بآرائهم وعقولهم القاصرة والمتناقضة، كالأسماء والصفات، والقدر، والإيمان، والسمع والطاعة لولاة الأمر، ومعارضة نصوص الشرع بالآراء والعقل والقياس، وغير ذلك. والمتتبع لتراجم أئمة السلف وسيرهم منذ القرن الثاني وما بعده، يجد ما يلي: ١ - أن أكثرهم قد كتب معتقده، وأوضحه ثم نشره في الأمة ٢ - أنهم متفقون على وجوب أخذ الدين كله من الكتاب والسنة. ٣ - أنهم أخذوا دينهم وعقائدهم خلفاً عن سلف وقرناً عن قرن إلى أن انتهوا إلى التابعين، وأخذه التابعون عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأخذه

стр. 84

أصحاب رسول الله صلى الله وسلم عليه وعلى آله عن رسول الله صلى الله وسلم عليه وعلى آله. ٤ - أنهم لما طلبوا الدين من الكتاب والسنة لم يطلبوه لتأييد ما هم عليه، وما رأوه بآرائهم وعقولهم بل طلبوه لتصحيح ما هم عليه، فيعرضون ما وقع لهم وخواطرهم على الكتاب والسنة فإن وجدوه موافقاً لما في الكتاب والسنة قبلوه وشكروا الله حيث أراهم ذلك ووقفهم عليه، وإن وجدوه مخالفاً لهما تركوا ما وقع لهم وأقبلوا على الكتاب والسنة، ورجعوا بالتهمة على أنفسهم، فإن الكتاب والسنة لا يهديان إلا إلى الحق. ٥ - لما كان الكتاب والسنة عند السلف هما مصدر تلقي الدين ومنهج التلقي عندهم للعمل والتصحيح صاروا على تباعد ديارهم وبلدانهم واختلاف أزمانهم وأعصارهم وكثرة مصنفاتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة ونمط واحد يجرون فيه على طريقة لا يحيدون عنها ولا يميلون فيها قولهم في ذلك واحد وفعلهم واحد لا ترى بينهم اختلافاً ولا

стр. 85

تفرقاً في شيء ما وإن قل. ١ فهذا عبد الله بن فيروز الديلمي - أحد كبار التابعين - يقول: "أتيت أبي بن كعب فقلت: أبا المنذر إنه وقع في قلبي شيء من هذا القدر، فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه عني، فقال: إن الله لو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، لو كان لك مثل جبل أحد ذهباً أنفقته في سبيل الله، ما قبل الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وإنك إن مت على غير هذا دخلت النار، ولا عليك أن تأتي عبد الله بن مسعود فتسأله، فأتيت ابن مسعود فسألته، فقال

стр. 86

مثل ذلك، ثم قال ابن مسعود: ولا عليك أن تأتي أخي حذيفة بن اليمان فتسأله، فأتيت حذيفة بن اليمان، فسألته فقال مثل ذلك، وقال: فأت زيد بن ثابت، فأتيت زيد بن ثابت فقال مثل ذلك". ١ وقد ساق أبو القاسم هبة الله بن الحسن اللالكائي (ت ٤١٨ هـ) مجمل اعتقاد طائفة من أعلام السلف كالثوري وابن عيينة والأوزاعي وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني وغيرهم وذلك في كتابه القيم "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" ٢ فقال ﵀: "سياق ما روي من المأثور عن السلف في جمل اعتقاد أهل السنة والتمسك بها والوصية بحفظها قرناً

стр. 87

بعد قرن". ١ وقد بدأ بذكر اعتقاد أبي عبد الله سفيان بن سعيد الثوري، فذكر بإسناده إلى علي بن حرب الموصلي قال: سمعت شعيب بن حرب يقول: قلت لأبي عبد الله سفيان بن سعيد الثوري: حدثني بحديث من السنة ينفعني الله به، فإذا وقفت بين يدي الله ﵎ وسألني عنه فقال لي: من أين أخذت هذا قلت: يا رب حدثني بهذا الحديث سفيان الثوري وأخذته عنه، فأنجو أنا وتؤاخذ أنت. فقال: "يا شعيب هذا توكيد وأي توكيد اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، من قال غير هذا فهو كافر، والإيمان قول وعمل ونية يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ولا يجوز القول إلا بالعمل، ولا يجوز القول والعمل إلا بنية، ولا يجوز القول

стр. 88

والعمل والنية إلا بموافقة السنة. ١ قال شعيب: فقلت له: يا أبا عبد الله وما موافقة السنة قال: تقدمة الشيخين: أبي بكر وعمر ﵄. يا شعيب: لا ينفعك ما كتبت حتى تقدم عثماناً وعلياً على من بعدهما. يا شعيب بن حرب: لا ينفعك ما كتبت لك حتى لا تشهد لأحد بجنة ولا نار إلا العشرة الذين شهد لهم رسول الله وكلهم من قريش. يا شعيب بن حرب: لا ينفعك ما كتبت لك حتى ترى المسح على الخفين دون خلعهما أعدل عندك من غسل قدميك.

стр. 89

يا شعيب بن حرب: ولا ينفعك ما كتبت حتى يكون إخفاء بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة أفضل عندك من أن تجهر بها. ١ يا شعيب بن حرب: لا ينفعك الذي كتبت حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره، كل من عند الله . يا شعيب بن حرب: والله ما قالت القدرية ما قال الله،

стр. 90

ولا ما قالت الملائكة، ولا ما قال النبيون، ولا ما قال أهل الجنة، ولا ما قال أهل النار، ولا ما قال أخوهم إبليس لعنه الله. قال الله : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ الله عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ الله أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾. ١ وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ الله﴾. ٢ وقالت الملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾. ٣ وقال موسى ﵇: ﴿إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾. ٤ وقال نوح ﵇: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ

стр. 91

أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ الله يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. ١ وقال شعيب ﵇: ﴿وَمَا يَكُونَ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلا أَنْ يَشَاءَ الله رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيءٍ عِلْمًا﴾. ٢ وقال أهل الجنة: ﴿الحَمْدُ الله الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله﴾. ٣ وقال أهل النار: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾. ٤ وقال أخوهم إبليس لعنه الله: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾. ٥ يا شعيب: لا ينفعك ما كتبت حتى ترى الصلاة خلف كل بر وفاجر، والجهاد ماض إلى يوم القيامة، والصبر تحت لواء السلطان جار أم عدل.

стр. 92

قال شعيب: فقلت لسفيان: يا أبا عبد الله الصلاة كلها قال: لا، ولكن صلاة الجمعة والعيدين صل خلف من أدركت، وأما سائر ذلك فأنت مخير لا تصل إلا خلف من تثق به وتعلم أنه من أهل السنة والجماعة. يا شعيب بن حرب: إذا وقفت بين يدي الله فسألك عن هذا الحديث فقل: يا رب حدثني بهذا الحديث سفيان بن سعيد الثوري، ثم خل بيني وبين ربي " اهـ. ١ هذا مجمل اعتقاد أبي عبد الله الثوري، وهي عين ما نقل عن الأئمة قبله وبعده، كما ذكر ذلك الحافظ أبو القاسم اللالكائي وغيره. وقد ضمَّن سفيان ما كتبه لتلميذه شعيب بن حرب التأصيل العلمي والمنهجي في الرد على أصحاب البدع والأهواء، فذكر مسألة خلق القرآن والقول الحق فيها

стр. 93

وكذلك الإرجاء والقدر، ومسألة معارضة السنن بالرأي والهوى، أو القياس والعقل، ثم مسألة السمع والطاعة لولاة الأمر وبيان منهج أهل السنة والجماعة فيها. لقد كان سفيان وأقرانه من الأئمة في عصره كابن المبارك والأوزاعي وأبي إسحاق الفزاري وغيرهم كانوا شجاً في حلوق أصحاب الأهواء والبدع وعلقماً في أفواههم، فحفظ الله بهم الدين وأحيا بهم السنة وقمع بهم البدع والأهواء في زمانهم. قال مؤرخ الإسلام أبو عبد الله الذهبي: "وفي زمان هذه الطبقة - الخامسة من تذكرة الحفاظ - كان الإسلام وأهله في عز تام وعلم غزير، وأعلام الجهاد منثورة والسنن مشهورة، والبدع مكبوتة، والقوَّالون بالحق كثير، والعباد متوافرون والناس في بُلهنية من العيش بالأمن وكثرة الجيوش المحمدية من أقصى المغرب وجزيرة الأندلس، وإلى قريب

стр. 94

مملكة الخطا - كذا - وبعض الهند وإلى الحبشة". ١ وهذه نماذج من مواقف سفيان من أهل الأهواء وآرائه فيهم: عن يحيى بن يمان قال: سمعت سفيان الثوري يقول: "من أصغى سمعه إلى صاحب بدعة فقد خرج من عصمة الله تعالى". ٢ وفي "سير أعلام النبلاء": أن سفيان الثوري قال: "من أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة وهو يعلم، خرج من عصمة الله، ووكل إلى نفسه". ٣ وفيه أيضاً عنه أنه قال: "من سمع ببدعة فلا يحكها لجلسائه ولا يلقها في قلوبهم". ٤ قال الذهبي: "أكثر أئمة السلف على هذا التحذير، يرون أن القلوب ضعيفة والشبة خطافة".

стр. 95

عن عبد الله بن المبارك: "سئل سفيان بن سعيد عن ثور ابن يزيد الشامي فقال: خذوا عنه واتقوا قرنيه - يعني أنه كان قدرياً -". ١ وعن أحمد بن عبد الله بن يونس: "سمعت رجلاً يقول لسفيان: رجل يكذب بالقدر، أأصلي وراءه قال: لا تقدموه، قال: هو إمام القرية ليس لهم إمام غيره، قال: لا تقدموه، لا تقدموه، وجعل يصيح". ٢ وعن أبي غسان قال: حدثنا إبراهيم بن المغيرة - وكان حجاجاً - قال: "سألت سفيان: أأصلي خلف من يقول الإيمان قول بلا عمل قال: لا، ولا كرامة". ٣ وذكر أبو نعيم في "الحلية" بسنده عن المؤمل بن إسماعيل قال سفيان الثوري: "خالفتنا المرجئة في ثلاث: نحن نقول: الإيمان قول وعمل، وهم يقولون: الإيمان قول بلا عمل،

стр. 96

ونحن نقول: يزيد وينقص، وهم يقولون: لا يزيد ولا ينقص، ونحن نقول: نحن مؤمنون بالإقرار، وهم يقولون: نحن مؤمنون عند الله". ١ وبإسناده إلى محمد بن يوسف الفريابي قال سفيان: "ليس أحد أبعد من كتاب الله من المرجئة". ٢ وعن يوسف بن أسباط قال: سمعت سفيان يقول: "من كره أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله فهو عندنا مرجئ" يمد بها صوته. ٣ وفي "الحلية" عن عبد الصمد بن حسان قال: سمعت الثوري يقول: "عليكم بما عليه الحمالون والنساء والصبيان في الكُتَّاب، من الإقرار والعمل". ٤

стр. 97

وفيه أيضاً عن عبد الله بن المبارك قال: سمعت سفيان الثوري يقول: "من زعم أن ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ مخلوق فقد كفر بالله ". ١ عن غياث بن واقد - من أهل اصطخر - قال: سمعت سفيان يقول: "ارج كل شيء مما لا تعلم إلى الله، ولا تكن مرجئاً، واعلم أن ما أصابك من الله، ولا تكن قدرياً". قال: وسمعت سفيان يقول: "لقد تركت المرجئة هذا الدين أرق من السابري". ٢ وعن أبي بكر الحنفي قال: سمعت سفيان الثوري يقول: "الصلاة والزكاة من الإيمان ٣، والإيمان يزيد، والناس

стр. 98

عندنا مؤمنون مسلمون، ولكن الإيمان متفاضل، وجبريل أفضل إيماناً منك". ١ وعن أبي نعيم الفضل بن دكين (ت ٢١٨ هـ) قال: سمعت سفيان الثوري يقول: "قدمت الري وعليها الزبير بن عدي قاضياً، فكتبت عنه خمسين حديثاً، ثم مررت بجرجان وبها جوَّاب - بتشديد الواو - التيمي فلم أكتب عنه، ثم كتبت عن رجل عنه"، قال أبو نعيم لم يكتب عنه لأنه كان مرجئاً. ٢ قال عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت ٢١١ هـ): سمعت مالكاً والأوزاعي وابن جريج والثوري ومعمراً يقولون: "الإيمان قول وعمل يزيد وينقص". ٣ وفي "السير" عن أبي بكر بن عياش: "كان سفيان

стр. 99

ينكر على من يقول العبادات ليست من الإيمان، وعلى من يقدم على أبي بكر وعمر أحداً من الصحابة، إلا أنه كان يقدم علياً على عثمان". ١ وفيه أيضاً عن محمد بن يوسف الفريابي (ت ٢١٢ هـ) قال: سمعت سفيان يقول: "إن قوماً يقولون: لا نقول لأبي بكر وعمر إلا خيراً، ولكن علي أولى بالخلافة منهما، فمن قال ذلك فقد خطَّأ أبا بكر وعمر وعلياً والمهاجرين والأنصار، ولا أدري ترتفع مع هذا أعمالهم إلى السماء". ٢ وفي رواية عن عبد العزيز بن أبان: سمعت الثوري يقول: "من قدم على أبي بكر وعمر أحداً، فقد أزرى على اثني عشر ألفاً من أصحاب رسول الله ﷺ توفي رسول الله وهو عنهم راض". ٣

стр. 100

أخرج أبو نعيم في "الحلية" بسنده إلى زيد بن الحباب قال: "كان رأي سفيان الثوري رأي أصحابه الكوفيين، يفضل علياً على أبي بكر وعمر، فلما صار إلى البصرة رجع عنها، وهو يفضل أبا بكر وعمر على علي، ويفضل علياً على عثمان". ١ وفي "السير" عن زيد بن الحباب قال: "خرج سفيان إلى أيوب وابن عون فترك التشيع". ٢ وعن علي بن قادم قال سفيان: "ما قاتل عليّ أحداً إلا كان علي أولى بالحق منه". ٣ وفيه أيضاً عن محمد بن يوسف الفريابي: "سمعت سفيان ورجل يسأله عن مَنْ يشتم أبا بكر فقال: كافر بالله العظيم، قال: نصلي عليه قال: لا، ولا كرامة. قال: فزاحمه الناس حتى حالوا بيني وبينه، فقلت للذي

стр. 101

قريباً منه: ما قال قلنا: هو يقول: لا إله إلا الله ما نصنع به قال: لا تمسوه بأيديكم ارفعوه بالخشب حتى تواروه في قبره". ١ وفي "الحلية" عن رواد بن الجراح قال: "قال سفيان لعطاء بن مسلم: كيف حبك اليوم لأبي بكر قال: شديد، قال: كيف حبك لعمر قال: شديد، قال: كيف حبك لعلي قال: شديد، وطولها وشدَّدها، فقال سفيان: يا عطاء هذه الشديدة تريد كية وسط رأسك". ٢ وعن عطاء بن مسلم قال: قال لي سفيان: "إذا كنت في الشام فاذكر مناقب علي، وإذا كنت بالكوفة فاذكر مناقب أبي بكر وعمر". ٣ وعن المسيب بن وضاح قال: سمعت عبد الوهاب الحلبي يقول: "سألت سفيان الثوري ونحن نطوف بالبيت عن

стр. 102

الرجل يحب أبا بكر وعمر إلا أنه يجد لعلي من الحب ما لا يجد لهما، قال: هذا رجل به داء ينبغي أن يسقى دواء". ١ وعن مؤمل بن إسماعيل قال: سمعت سفيان يقول: "منعتنا الشيعة أن نذكر فضائل علي". ٢ وفي "السير" عن عثام بن علي: سمعت سفيان يقول: "لا يجتمع حب علي وعثمان إلا في قلوب نبلاء الرجال". ٣ عن شعيب بن حرب قال: "ذكروا سفيان الثوري عند عاصم بن محمد، فذكروا مناقبه حتى عدوا خمس عشرة منقبة، فقال: فرغتم إني لأعرف فيه فضيلة أفضل من هذه كلها: سلامة صدره لأصحاب محمد صلى الله وسلم عليه وعلى آله". ٤ وفي "السير": "سئل سفيان عن أحاديث الصفات

стр. 103

فقال: أمروها كما جاءت". ١ وعن عبد الله بن المبارك قال سفيان: "الجهمية كفار، والقدرية كفار"، قال الراوي عن ابن المبارك: فما رأيك قال: رأيي رأي سفيان. ٢ وفي "الحلية" عن ضمرة قال: "سألت سفيان الثوري أصافح اليهود والنصار فقال: برجلك نعم". ٣ وقال مؤمل بن إسماعيل: "مات عبد العزيز بن أبي رواد، وكنت في جنازته حتى وضع عند باب الصفا، فصف الناس، وجاء الثوري فقال الناس: جاء الثوري، حتى خرق الصفوف والناس ينظرون إليه فجاوز الجنازة ولم يصل عليه، لأنه كان يرمى بالإرجاء". ٤ وقد تكرر هذا الموقف من سفيان في جنازة عباد بن كثير

стр. 104

العابد المجاور بمكة لما كان فيه من الغفلة في الرواية عن كل أحد، وهذا الموقفان من سفيان يراد بهما التحذير من البدع وأصحابها، وحتى لا يغتر أحد بصلاته عليهما، وإلا فهو يرى جواز الصلاة عليهما لأنه لم يكفرهما وأمثالهما من أهل البدع غير المكفرة، والله أعلم.

стр. 105

ما ذكر من كلام سفيان في العلم والهدي والزهد والورع: أولاً: من كلامه في الزهد والورع: قال خالد بن نزار الأيلي: قال سفيان: "الزهد زهدان: زهد فريضة، وزهد نافلة، فالفرض: أن تدع الفخر والكبر والعلو والرياء والسمعة، والتزين للناس، وأما زهد النافلة: فأن تدع ما أعطاك الله من الحلال، فإذا تركت شيئاً من ذلك صار فريضة عليك ألا تتركه إلا لله". ١ وأخرج أبو نعيم في "الحلية" بسنده إلى مبارك أبي حماد قال: سمعت سفيان الثوري يقرأ على علي بن الحسن: "لا تحسدن ولا تغتابن فتذهب حسناتك، وقد كان بعض الفقهاء يتوضأ من الغيبة كما يتوضأ من الحدث، وأحسن سريرتك يحسن الله علانيتك، وأصلح فيما بينك وبين الله يصلح الله ما بينك وبين الناس، واعمل لآخرتك يكفك الله أمر دنياك، بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعاً، ولا تبع

стр. 106

آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعاً". ١ وعن عبد الله بن داود الحريبي (ت ٢١٣ هـ) عن سفيان قال: "احذر سخط الله في ثلاث: احذر أن تقصر فيما أمر، واحذر أن يراك وأنت لا ترضى بما قسم لك، وأن تطلب شيئاً من الدنيا فلا تجده أن تسخط على ربك". ٢ وأخرج ابن أبي حاتم بسنده إلى سفيان قال: "أكرموا الناس على قدر تقواهم، وتذللوا عند أهل الطاعة، وتعززوا عند أهل المعصية، واعلموا أن القراءة لا تحلو إلا بالزهد في الدنيا". ٣ وفي لفظ عن قبيصة بن عقبة (ت ٢١٥ هـ) قال: قال سفيان: "لا تصلح القراءة إلا بالزهد، واغبط الأحياء بما تغبط به الأموات، أحبهم على قدر أعمالهم، وذل عند

стр. 107

الطاعة، واستعص عند المعصية". ١ وعن وكيع قال: قال سفيان: "لو أن اليقين استقر في القلوب لطارت شوقاً أو حزناَ، إما شوقاً إلى الله ، وإما فرقاً من النار". ٢ وعن يوسف بن أسباط قال سفيان: "كثرة الإخوان من سخافة الدين". ٣ وعنه أيضاً قال سفيان: "لم يفقه عندنا من لم يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة". ٤ وعن بكر العابد قال سفيان: "إن القراءة لا تصلح إلا بالزهد بالدنيا، فازهد، ونم، وصل الخمس". ٥ وفي "الحلية" عن يحيى بن يمان قال: سمعت سفيان

стр. 108

الثوري يقول: "الحديث أكثر من الذهب والفضة، وليس يدرك، وفتنة الحديث أشد من فتنة الذهب والفضة". ١ وفيه أيضاً عن مبارك أبي حماد سمعت الثوري يقول: "إياك وخشوع النفاق، وأن تظهر على وجهك خشوعاً ليس في قلبك". ٢ وعن بكر بن عابد قال: سمعت الثوري يقول: "لا خير في القارئ يعظم أهل الدنيا". ٣ وقال يوسف بن أسباط: سمعت سفيان الثوري يقول: "ما رأيت الزهد في شيء أقل منه في الرياسة، ترى الرجل يزهد في المطعم والمشرب والمال والثياب، فإذا نوزع في الرياسة حامى عليها وعادى". ٤ قال وكيع سمعت سفيان يقول: "ليس الزهد بأكل

стр. 109

الغليط ولبس الخشن، ولكنه قِصَرُ الأمل وارتقاب الموت". ١ وفي "الحلية" عن يحيى بن يمان قال: سمعت سفيان الثوري يقول: "العالم طبيب الدين، والدرهم داء الدين، فإذا جذب الطبيب الداء إلى نفسه فمتى يداوي غيره". ٢ وفيه أيضاً عن عبد الله بن محمد الباهلي قال: "جاء رجل إلى سفيان فقال: يا أبا عبد الله إني أريد الحج، قال: لا تصحب من يكرم عليك فإن ساويته في النفقة أضر بك، وإن تفضل عليك استذلك". ٣ وفيه أيضاً عن عطاء بن مسلم الخفاف قال سفيان الثوري: "قدمت البصرة فجلست إلى يونس بن عبيد، فإذا فتيان كأن على رؤوسهم الطير، فقلت: يا معشر القراء ارفعوا رؤوسكم فقد وضح الطريق، واعملوا ولا تكونوا

стр. 110

عالة على الناس، فرفع يونس رأسه إليهم فقال: قوموا فلا أعلمن أحداً منكم جالسني حتى يكسب معاشه من وجهه، فتفرقوا قال سفيان: فوالله ما رأيتهم عنده بعد". ١ وعن محمد بن عبيد الطنافسي قال: سمعت سفيان يقول: "يا معشر القراء ارفعوا رؤوسكم، لا تزيدوا التخشع على ما في القلب، فقد وضح الطريق، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا تكونوا عيالاً على المسلمين". ٢ وعن يوسف بن أسباط قال: سمعت سفيان يقول: "ثلاثة من الصبر: لا تحدث بمصيبتك، ولا بوجعك، ولا تزك نفسك". ٣ وقال عثمان بن زائدة: كتب إليَّ سفيان الثوري: "إذا أردت أن يصح جسمك ويقل نومك فأقلل من الأكل". ٤
следующие страницы →