← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11272

صفحات مشرقة من حياة السلف - سفيان الثوري

محمد بن مطر الزهراني

Полный текст (146 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وعن يحيى بن يمان وأبي هاشم الرفاعي قالا: قال الثوري: "ما استودعت أذني شيئاً قط إلا حفظته، حتى أني أمر بالحائك يغنِّي، فأسد أذني مخافة أن أحفظ ما يقول". ١ وعن علي بن المديني قال: سألت يحيى بن سعيد القطان: "أيما أحب إليك رأي مالك أو رأي سفيان؟ قال: سفيان لا نشك في هذا، ثم قال: وسفيان فوق مالك في كل شيء". ٢ وذكر الخطيب البغدادي بإسناده إلى عبد المؤمن بن خلف النسفي أنه قال: سألت أبا علي صالح بن محمد عن سفيان الثوري ومالك فقال: "سفيان ليس يتقدمه عندي في الدنيا أحد، وهو أحفظ وأكثر حديثاً، ولكن كان مالك ينتقي الرجال، وسفيان يروي عن كل أحد". ٣ وعن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: "ما رأت عيناي

стр. 37

أفضل من أربعة أو مثل أربعة: ما رأيت أحفظ للحديث من الثوري، ولا أشد تقشفاً من شعبة، ولا أعقل من مالك، ولا أنصح للأمة من ابن المبارك". ١ وقال أيوب السختياني: "ما لقيت كوفياً أفضله على سفيان". ٢ وسئل الإمام أحمد: سفيان الثوري كان أحفظ أو ابن عيينة؟ فقال: "كان الثوري أحفظ وأقل الناس غلطاً، وأما ابن عيينة فكان حافظاً". ٣ قال يونس بن عبيد: "ما رأيت أفضل من سفيان، فقيل له: فقد رأيت سعيد بن جبير، وإبراهيم، وعطاء، ومجاهد، وتقول هذا، قال: هو ما أقول، ما رأيت أفضل من سفيان". ٤

стр. 38

وقال أبو عبيدة الآجري (ت ٣٦٠ هـ): سمعت أبا داود يقول: "ليس يختلف سفيان وشعبة في شيء إلا ظفر به سفيان، خالفه في أكثر من خمسين حديثاً القول فيها قول سفيان". ١ وعن يحيى بن معين قال: "ما خالف أحد سفيان في شيء إلا كان القول قول سفيان". ٢

стр. 39

ما ذكر من معرفة سفيان برواة الأخبار وناقلة الآثار وكلامه فيهم: ١ ١ - روى أبو نعيم في "الحلية" بسنده عن يحيى بن سعيد القطان قال: "كان سفيان أبصر بالرجال من شعبة". ٢ ٢ - قال عبد الله بن المبارك: قال سفيان: "حفاظ الناس ثلاثة: إسماعيل بن أبي خالد، وعبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وحفاظ البصريين ثلاثة: سليمان التيمي، وعاصم الأحول، وداود ابن أبي هند، وكان عاصم أحفظهم". ٣ ٣ - وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: "كان سفيان يقدم سعيد بن جبير على إبراهيم النخعي". ٤

стр. 40

٤ - قال ابن عيينة: قال سفيان الثوري: "رأيت منصوراً، وعبد الكريم الجزري، وأيوب السختياني، وعمرو بن دينار، هؤلاء الأعين الذين لا يشك فيهم". ١ ٥ - وقال عثمان بن زائدة: قلت لسفيان: إلى من أجلس بعدك؟ فأطرق ساعة ثم قال: ما أعرف أحداً، فقلت: الله الله، أو كما قلت، قال: "لا عليك أن تكتب الحديث من ثلاثة: من زائدة بن قدامة، وأبي بكر بن عياش، وسفيان بن عيينة". ٢ ٦ - عن بشر بن المفضل قال: لقيت سفيان الثوري بمكة فقال: "ما خلفت بعدي بالكوفة آمن على الحديث من منصور بن المعتمر"٣ ٧ - قال جرير: "كان سفيان إذا أصاب في الباب عن

стр. 41

منصور بدأ به قبل الناس". ١ ٨ - عن وكيع قال: سمعت سفيان يقول: "كان عمر ابن عبد العزيز من أئمة الهدى". ٢ ٩ - وقال عبد الله بن المبارك: "سئل سفيان الثوري عن سفيان بن عيينة فقال: ذاك أحد الأحدين، وسئل عن عبد الملك بن أبي سليمان فقال: ذاك ميزان". ٣ ١٠ - وعن عثمان بن أبي زائدة قال: "قدمت الكوفة قدمة فقلت لسفيان الثوري: من ترى أن أسمع منه؟ قال: عليك بزائدة وسفيان بن عيينة، قلت: فأين أبو بكر بن عياش، فقال: إن أردت التفسير فعنده". ٤ ١١ - قال عبد الله بن المبارك: قال سفيان الثوري: "حدثنا سلمة بن كهيل، وكان ركناً من الأركان - وشد

стр. 42

قبضته -". ١ ١٢ - وقال علي بن الحسن بن شقيق: قال عبد الله بن المبارك: "سئل سفيان بن سعيد عن ثور بن يزيد الشامي، فقال: خذوا عنه واتقوا قرنيه، يعني إنه كان قدرياً". ٢ ١٣ - عن مهران بن أبي عمر العطار قال: "كنت مع سفيان الثوري في المسجد الحرام، فمر عبد الوهاب بن مجاهد، فقال سفيان: هذا كذاب". ٣ ١٤ - وعن مسدد بن مسرهد قال: قال لي يحيى بن سعيد: قال لي سفيان بن سعيد: "كان ابن أبي ليلى مؤدياً"، قال أبو محمد - ابن أبي حاتم - يعني أنه لم يكن بحافظ. ٤ ١٥ - قال أبو نعيم الفضل بن دكين (ت ٢١٨ هـ):

стр. 43

سمعت سفيان الثوري يقول: "قدمت الري وعليها الزبير بن عدي قاضياً، فكتبت عنه خمسين حديثاً، ثم مررت بجرجان وبها جواب التيمي ١، فلم أكتب عنه، ثم كتبت عن رجل عنه"، قال الراوي عن أبي نعيم: ولِمَ لَمْ يكتب عنه قال: لأنه كان مرجئاً. ٢ ١٦ - عن علي بن المديني قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي قال: "روى شعبة عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله. وعن الأعمش عن إبراهيم عن مسروق عن عبد الله (في رجل طلق امرأته مائة) قال عبد الرحمن: فذكرته لسفيان فأنكره، وقال: إنما هو منصور والأعمش جميعاً عن إبراهيم عن علقمة - يعني عن عبد الله -". ٣

стр. 44

١٧ - قال علي بن المديني: سألت يحيى - ابن سعيد - عن حديث مهدي بن ميمون عن واصل عن أبي وائل قال: "أتينا عبد الله قبل طلوع الشمس فقال يحيى: قال سفيان: ليس هذا عن أبي وائل". ١ ١٨ - وعن علي عن عبد الرحمن بن مهدي قال سفيان: "يحدثون عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن عليٍّ فيمن صلى وهو على غير وضوء قال: يعيد ولا يعيدون. قال: ما سمعت حبيباً يحدِّث عن عاصم بن ضمرة حديثاً قط". ٢ ١٩ - وعن علي قال: سمعت يحيى يقول: "قلت لسفيان في أحاديث عبد الأعلى عن محمد بن الحنفية، فوهَّنها". ٣

стр. 45

٢٠ - وبهذا الإسناد أيضاً قال سفيان: "حديث الأعمش عن أبي صالح: الإمام ضامن، لا أراه سمعه من أبي صالح". ١ ٢١ - وبه أيضاً قلت لسفيان: "حديث الأعمش قال: قال شقيق قال عبد الله: "إن هذا الصراط محتضر"، فأنكره، وقال: هذا حديث منصور". ٢

стр. 46

ما ذكر من عبادة سفيان وزهده وورعه: كانت عبادة وزهد وورع السلف رحمهم الله تعالى مبنية على ثلاثة أمور: الأول: الاقتداء التام بالرسول ﷺ وعدم تجاوز ما جاء به من الهدى والعلم وما كان عليه من العمل، وهاديهم في ذلك قوله ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" ١، وقوله أيضاً: "من رغب عن سنتي فليس مني". ٢ الثاني: علم صحيح ثابت عن الله ورسوله ﷺ الثالث: الفقه في الدين بالفهم السليم لنصوص الشرع وأحكامه. قال ابن القيم ﵀ (ت ٧٥١ هـ) - في تفسير قول

стр. 47

ابن شهاب الزهري: "ما عُبِدَ الله بمثل الفقه" -: "وهذا الكلام ونحوه يراد به أنه ما يُعْبَدُ الله بمثل أن يعبد بالفقه في الدين، فيكون نفس التفقه عبادة، وقد يراد به أنه ما عُبِدَ الله بعبادة أفضل من عبادة يصحبها الفقه في الدين لعلم الفقيه في دينه بمراتب العبادات ومفسداتها وواجباتها وسننها، وما يكملها وما ينقصها وكلا المعنيين صحيح". ١ وهذا أبو عبد الله سفيان الثوري مثال من أولئك السلف في عبادته، وزهده، وورعه، وهذا بعض ما جاء في سيرته في ذلك: أخرج ابن أبي حاتم بسنده إلى زائدة بن قدامة الثقفي (ت ١٦٠ هـ أو بعدها) قال: قال سفيان: "إني لأفرح بالليل إذا جاء". وفي رواية أخرى عنه قال: قال سفيان: "إذا جاء الليل فرحت، وإذا جاء النهار حزنت".

стр. 48

وبسنده إلى أبي نعيم الفضل بن دكين (ت ٢١٨ هـ) قال: "كان سفيان إذا ذكر الموت مكث أياماً لا ينتفع به، فإذا سئل عن شيء قال: ما أدري ما أدري". وبسنده أيضاً إلى أبي أسامة حماد بن أسامة (ت ٢٠١هـ) قال: "كثيراً ما كنت أسمع سفيان يقول: اللهم سلم سلم، رب بارك لي في الموت وفيما بعد الموت". وأخرج أيضاً عن أبي الأحوص سلام بن سليم (ت ١٧٩ هـ) قال: سمعت سفيان الثوري يقول: "عليك بعمل الأبطال: الاكتساب من الحلال، والإنفاق على العيال". وعن أبي خالد الأحمر سليمان بن حيان (ت ١٩٠هـ أو قبلها) قال: "أكل سفيان ليلة فشبع فقال: إن الحمار إذا زيد في علفه زيد في عمله، فقام حتى أصبح". وعنه أيضاً قال: "صحبت سفيان في طريق مكة، فكان يقرأ في المصحف كل يوم، فإذا لم يقرأ فيه، فتحه فنظر فيه وأطبقه". ١

стр. 49

وعن يوسف بن أسباط قال لي سفيان الثوري: "لأن أخلف عشرة آلاف درهم يحاسبني عليها أحب إلي من أن أحتاج إلى الناس". ١ وفي "الحلية" لأبي نعيم الأصبهاني (ت ٤٣٠ هـ) عن عبد الرحمن بن مهدي قال: "كنا نكون عند سفيان الثوري فكأنه قد أوقف للحساب فلا نجترئ أن نكلمه، فنعرض بذكر الحديث، فيذهب ذلك الخشوع، فإنما هو حدثنا وحدثنا". وعن ابن عُلَيّة قال: قلت لسفيان: "إذا أخذت في الحديث نشطت وأنكرتك، وإذا كنت في غير الحديث كأنك ميت؟ قال سفيان: أما علمت أن الكلام فتنة". ٢ وعن عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت ٢١١ هـ): "كان الثوري جعل على نفسه لكل ليلة جزءاً من القرآن وجزءاً من الحديث، قال: فيقرأ جزأه من القرآن، ثم يجلس

стр. 50

على الفراش فيقرأ جزأه من الحديث، ثم ينام". ١ وعن أبي أحمد محمد بن عبد الله الزبيري (ت ٢٠٣هـ): "كتب بعض الإخوان إلى سفيان: أن عظني وأوجز، فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، عافانا الله وإياك من السوء، اعلم يا أخي أن الدنيا غمها لا يفنى، وفكرها لا ينقضي، وفرحها لا يدوم، فلا توان فتعطب، والسلام عليكم". ٢ وعن يوسف بن أسباط قال: "ما رأيت رجلاً قط أترك للدنيا من سفيان الثوري ومحمد بن النضر الحارثي". ٣ وقال علي بن هشام القرشي: "جاء سفيان الثوري إلى صيرفي بمكة يشتري دراهم بدينار، فأعطاه الدينار وكان معه آخر فسقط من سفيان، فطلبه فإذا إلى جانبه دينار آخر، فقال له الصيرفي: خذ دينارك، قال: ما أعرفه، قال: خذ

стр. 51

الناقص، قال: فلعله الزائد، قال: فتركه ومضى". ١ وعن إسحاق بن إبراهيم الحنيني قال: "كنا في مجلس سفيان الثوري وهو يسأل رجلاً رجلاً عما يصنع في ليله فنخبره، حتى دار القوم، فقالوا: يا أبا عبد الله قد سألتنا فأخبرناك، فأخبرنا أنت كيف تصنع في ليلك فقال: لها عندي أول نومة تنام ما شاءت لا أمنعها، فإذا استيقظت فلا أقيلها والله". ٢ وعن زيد بن الحباب (ت ٢٠٣ هـ) قال: "نفدت نفقة سفيان بمكة فقدم عليه رجل من قومه، فقال لسفيان: لك معي عشرة دراهم، قال: من أين؟ قال: من غزل فلانة، قال: ائتني بهم، فإني منذ ثلاث استف الرمل". ٣ في "الحلية" لأبي نعيم: قال أبو شهاب الحناط عبد ربه ابن نافع (ت ١٧١ هـ): "جلست إلى سفيان الثوري، وهو

стр. 52

في دير الكعبة مستلق فسلمت عليه، فلم يرد علي كما ينبغي، فقلت: إن اختك قد بعثت إليك معي بشيء فاستوى، فقلت له: يا أبا عبد الله سلمت عليك فلم ترد علي كما كنت أريد، فلما قلت لك بعثت أختك معي بشيء استويت، قال: تكتم علي: لم آكل منذ ثلاث، فلما قلتَ: بعثت إليك أختك علمت من ذا - وأشار بيده - أي بغزلها". ١ وفي "الجرح والتعديل" عن حسين بن روح قال: "أتى سفيان الثوري رجل فقال: إني مررت بفلان فأعطاني صرة فيها ألف دينار أعطيك إياها، قال له سفيان: فمررت بأختي فأعطتك شيئاً من دقيق؟ قال: نعم، قال: فأتني بصرة الدقيق، ورد صرة الدنانير، قال: فكان يختبز منها أقراصاً ويأكل". ٢ وعن أبي محمد قال سفيان الثوري: "الزهد في الدنيا هو

стр. 53

الزهد في الناس، وأول الزهد في الناس زهدك في نفسك". ١ وقال يوسف بن أسباط: "كان سفيان إذا أخذ في ذكر الآخرة يبول الدم". ٢ وقال وكيع: سمعت سفيان يقول: "ليس الزهد بأكل الغليظ ولبس الخشن، ولكنه قصر الأمل وارتقاب الموت". ٣ وعن يحيى بن يمان عن سفيان قال: "إني لأرى الشيء يجب علي أن أتكلم فيه، فلا أفعل فأبول الدم كمداً". ٤ وقال شجاع بن الوليد: "كنت أحج مع سفيان، فما يكاد لسانه يفتر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذاهباً وراجعاً". ٥ وعن عبد الرحمن بن مصعب قال: "برز سفيان على

стр. 54

الناس، لأنه كان صحيح الأديم بعيداً من الأهواء عابداً يقول الحق ويريده إن شاء الله". ١ وقال يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية: "ما رأيت أحداً أصفق وجهاً في ذات الله من سفيان". ٢ وعن أبي أسامة حماد بن أسامة قال: "اشتكى سفيان ابن سعيد فذهبت بمائه في قارورة، فأريته الديراني، فنظر إليه فقال: بول من هذا؟ ينبغي أن يكون هذا بول راهب، هذا رجل قد فتت الحزن كبده، ما لهذا دواء". ٣ قال عبد الرحمن بن عمر رسته (ت ٢٥٠ هـ): سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: "بات سفيان عندي فجعل يبكي فقيل له، فقال: لذنوبي عندي أهون من ذا - ورفع شيئاً من الأرض - إني أخاف أن أسلب الإيمان قبل أن

стр. 55

أموت". ١ وقال عطاء بن الخفاف: "ما لقيت الثوري إلا باكياً، فقلت: ما شأنك؟ قال: أخاف أن أكون في أم الكتاب شقياً". ٢ وفي "الحلية" و "تاريخ بغداد" عن عبد الرحمن بن مهدي قال: "ما عاشرت في الناس رجلاً هو أرق من سفيان وكنت أرمقه في الليلة بعد الليلة، ينهض مذعوراً ينادي: النار النار، شغلني ذكر النار عن النوم والشهوات، وقال أيضاً: وما كنت أقدر أن أنظر إليه استحياءً وهيبة منه". ٣ وعن يوسف بن أسباط قال: "قال لي سفيان الثوري - وقد صلينا العشاء الآخرة -: ناولني المطهرة، فناولته فأخذها بيمينه ووضع يساره على خده، ونمت، فاستيقظت وقد طلع الفجر، فنظرت فإذا المطهرة بيمينه كما هي، فقلت:

стр. 56

هذا الفجر قد طلع، فقال: لم أزل منذ ناولتني المطهرة أتفكر في الآخرة حتى الساعة". ١ وعن مؤمل بن إسماعيل (ت ٢٠٦ هـ) قال: "أقام سفيان بمكة سنة، فما فتر من العبادة سوى من بعد العصر إلى المغرب، كان يجلس مع أصحاب الحديث، وذلك عبادة". ٢ في "الحلية" عن يحيى بن سعيد القطان: "ما رأيت رجلاً أفضل من سفيان، كان يصلي ما بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء صلاة، فإذا سمع مذاكرة الحديث ترك الصلاة وجاء". ٣ وعن عبد الرحمن بن مصعب المعني قال: "كان سفيان الثوري إذا أصبح مد رجليه إلى الحائط ورأسه إلى الأرض كي يرجع الدم إلى مكانه من قيام الليل". ٤

стр. 57

وقال ابن مهدي: "كنت لا أستطيع سماع قراءة سفيان الثوري من كثرة بكائه". ١ وقال مؤمل أيضاً: "ما رأيت عالماً يعمل بعلمه إلا سفيان". ٢ وفي "سير أعلام النبلاء" عن عبد الرحمن بن مهدي قال: سمعت سفيان يقول: "ما بلغني عن رسول الله ﷺ حديث قط إلا عملت به ولو مرة". ٣ وفي "التاريخ الكبير" للبخاري عن عبدان قال: قال ابن المبارك: "كنت إذا شئت رأيت سفيان مصلياً، وإذا شئت رأيته محدثاً، وإذا شئت رأيته في غامض الفقه". ٤ وعن الفريابي وقبيصة قالا: سمعنا سفيان يقول: "

стр. 58

وددت أني نجوت من هذا العلم كفافاً لا لي ولا علي". ١ وعن عبد الرحمن بن مصعب المعني قال الثوري: "من ازداد علماً ازداد وجعاً، لو لم أعلم لكان أقل لحزني". ٢ وفي "السير" للذهبي: قال سفيان: "وددت أني قرأت القرآن ووقفت عنده ولم أتجاوز إلى غيره"، وقال أيضاً: "وددت أن علمي نسخ من صدري، فنوقش في ذلك فقال: ألست أريد أن أسأل غداً عن كل حديث رويته: إيش أردت به". ٣ وقال القطان: "كان الثوري قد غلبت عليه شهوة الحديث، ما أخاف عليه إلا من حبه للحديث". قال الذهبي ﵀ معلقاً على هذا: "حب ذات الحديث والعمل به مطلوب من زاد المعاد، وحب روايته

стр. 59

وعواليه والتكثر بمعرفته وفهمه مذموم مخوف، فهو الذي خاف سفيان والقطان وأهل المراقبة، فإن كثيراً من ذلك وبال على المحدث". ١ وقال ﵀ في "التذكرة" تعليقاً أيضاً على قول سفيان: "ليس طلب الحديث من عدة الموت لكنه علة يتشاغل بها الرجل". قلت: "صدق والله، إن طلب الحديث شيء غير الحديث، فطلب الحديث اسم عرفي لأمور زائدة على تحصيل ماهية الحديث وكثير منها مراقٍ إلى العلم وأكثرها أمور يشغف بها المحدث من تحصيل النسخ المليحة وتطلب العالي وتكثير الشيوخ والفرح بالألقاب والثناء وتمني العمر الطويل ليروي وحب التفرد إلى أمور عديدة لازمة للأغراض النفسانية لا الأعمال الربانية، فإذا كان طلبك الحديث النبوي محفوفاً بهذه الآفات فمتى خلاصك منها إلى

стр. 60

الإخلاص، وإذا كان علم الآثار مدخولاً فما ظنك بعلم المنطق والجدل وحكمة الأوائل التي تسلب الإيمان وتورث الشك والحيرة التي لم تكن والله من علم الصحابة ولا التابعين، ولا من علم الأوزاعي والثوري ومالك وأبي حنيفة وابن أبي ذئب وشعبة، ولا والله عرفها ابن المبارك وأبو يوسف القائل: من طلب الدين بالكلام تزندق، ولا وكيع ولا ابن مهدي الخ وأمثالهم، بل كانت علومهم القرآن والحديث والفقه والنحو وشبه ذلك". ١ اهـ مختصراً. وفي "سير أعلام النبلاء" قال علي بن ثابت الجزري: سمعت سفيان يقول: "طلبت العلم فلم يكن لي نية، ثم رزقني الله النية". ٢ وأخرج ابن عبد البر بإسناده إلى وكيع قال: قال سفيان:

стр. 61

"لا أعلم من العبادة شيئاً أفضل من أن تعلم الناس العلم". ١ وأخرج أيضاً بإسناده إلى بشر بن الحارث - الحافي - (ت ٢٢٧ هـ): "إنما يراد من العلم العمل، اسمع وتعلم، واعلم وعلّم واهرب، ألم تر إلى سفيان الثوري كيف طلب العلم فعلم وعلّم وعمل وهرب، وهكذا العلم إنما يدل على الهرب عن الدنيا ليس على طلبها". ٢ وفي "الحلية" عن محمد بن يحيى الخنيسي قال: "سمعت رجلاً قال لسفيان: لو أنك نشرت ما عندك من العلم رجوت أن ينفع الله به بعض عباده وتوجر على ذلك فقال سفيان: والله لو أعلم بالذي يطلب هذا العلم لا يريد به إلا ما عند الله لكنت أنا الذي آتيه في منزله فأحدثه بما عندي مما أرجو أن ينفعه الله به". ٣

стр. 62

وعن محمد بن أبي عتاب الأعين قال: سمعت محمد بن يوسف الفريابي يقول: "كان سفيان الثوري إذا رأى هؤلاء النبط يكتبون العلم يتغير وجهه، فقلت له: يا أبا عبد الله: نراك إذا رأيت هؤلاء يكتبون العلم يشتد عليك فقال: كان العلم في العرب وفي سادة الناس، فإذا خرج عنهم صار إلى هؤلاء - يعني النبط والسفلة - غُيِّر الدين". ١ وفي "الحلية" عن خلف بن تميم قال: سمعت سفيان الثوري بمكة - وقد كثر الناس عليه - فسمعته يقول: "ضاعت الأمة حين احتيج إلي". ٢ وعن أبي قدامة السرخسي سمعت أحمد بن حنبل يقول: "كان سفيان الثوري إذا قيل له: إنه رؤي في المنام يقول: أنا أعرف بنفسي من أصحاب المنامات". ٣ عن يحيى بن أبي بكير قال: قيل لسفيان الثوري: إلى

стр. 63

متى تطلب الحديث؟ قال: "وأي خير أنا فيه خير من الحديث فأصير إليه إن الحديث خير علوم الدنيا". ١ أخرج أبو نعيم بإسناده إلى الحسين بن الحسن الحناط قال: سمعت فرقداً إمام مسجد البصرة يقول: "دخلوا على سفيان الثوري في مرضه الذي مات فيه، فحدثه رجل بحديث فأعجبه وضرب يده إلى تحت فراشه، فأخرج ألواحاً له فكتب ذلك الحديث، فقالوا له: على هذه الحال منك؟ فقال: إنه حسن إن بقيت فقد سمعت حسناً، وإن مت فقد كتبت حسناً". وفيه أيضاً عن يوسف بن أسباط قال: سمعت سفيان الثوري يقول: "الرجل إلى العلم أحوج منه إلى الخبز واللحم". وفيه أيضاً قال أبو عبد الرحمن الحارثي: "دفن سفيان ابن سعيد كتبه وكنت أعينه عليها، فدفن منها كذا وكذا

стр. 64

قمطرة إلى صدري، فقلت: يا أبا عبد الله وفي الركاز الخمس، فقال لي: خذ ما شئت فعزلت منها شيئاً كان يحدثني به منه". وفي "السير" عن وكيع قال: "أوصى سفيان إلى عمارة بن سيف في كتبه فأحرقها". ١ وفي "الحلية" أيضاً عن الأصمعي قال: "أما سفيان الثوري فأوصى أن تدفن كتبه وكان ندم على أشياء كتبها عن قوم، قال: حملني عليه شهوة الحديث". ٢

стр. 65

هذه جملة مما ذُكِرَ من عبادة سفيان وفقهه في العبادة وورعه في العلم والعمل. وأما عن زهده في الدنيا وحطامها الفاني وورعه وفقهه في ذلك، فهذه طائفة مما ورد في سيرته: أخرج ابن أبي حاتم بسنده إلى قبيصة بن عقبة (ت ٢١٥ هـ) قال: "رأيت على الثوري كساء ما يساوي درهماً، ورأيت عليه نعلين مخصوفتين قومتهما ديناراً". ١ وأخرج أبو نعيم في "الحلية" ٢ عن علي بن ثابت قال: "رأيت سفيان الثوري في طريق مكة، فقومت كل شيء عليه حتى نعليه: درهم وأربع دوانق، وما رأيت الثوري في صدر مجلس قط، إنما كان يقعد إلى جنب حائط ويجمع بين ركبتيه". وفيه أيضاً عن بشر بن الحارث قال: قيل لسفيان الثوري: "أيكون الرجل زاهداً ويكون له مال؟ قال: نعم

стр. 66

إن كان إذا ابتلي صبر وإذا أعطي شكر". ١ وعن داود بن الجراح قال: سمعت سفيان يقول: "كان المال فيما مضى يكره، فأما اليوم فهو ترس المؤمن". ٢ وقال عبد الله بن محمد الباهلي: جاء رجل إلى الثوري فقال: "يا أبا عبد الله تمسك هذه الدنانير فقال: اسكت لولا هذه الدنانير لتمندل بنا هؤلاء الملوك، ثم قال: من كان في يده من هذه شيء فليصلحه، فإنه في زمان من احتاج كان أول ما يبذل دينه". ٣ وعن يوسف بن أسباط قال: قال لي الثوري: "لأن أخلف عشرة آلاف درهم يحاسبني الله عليها أحب إلي من أن أحتاج إلى الناس". ٤

стр. 67

قال محمد بن عبيد: "كان سفيان الثوري إذا أبطأت عليه بضاعته نقض جذوع بيته فباعها، فإذا رجعت بضاعته أعادها". ١ وقال يحيى بن يمان: "ما رأيت مثل سفيان، ولا أبصر سفيان مثل نفسه، أقبلت الدنيا عليه فصرف وجهه عنها". ٢ عن محمد بن يوسف الفريابي (ت ٢١٢ هـ): سمعت سفيان يقول: "لنعمة الله علي فيما زوى عني من الدنيا أفضل من نعمته فيما أعطاني". ٣ وعن حفص بن غياث (ت ١٩٤ هـ) قال: "كنا نتعزى بمجلس سفيان الثوري عن الدنيا". وعن سفيان بن وكيع عن أبيه قال: "مات سفيان وله مائة دينار بضاعة". ٤

стр. 68

وفي "الحلية" لأبي نعيم عن محمد بن مزاحم قال: "كان جعل سفيان على نفسه ثلاثة أشياء: أن لا يخدمه أحد، وأن لا تطوى له ثوب، وأن لا يضع لبنة على لبنة". ١ وفيه أيضاً عن عبد الله بن داود الخريبي (ت ٢١٣ هـ) قال: قال سفيان: "ما أنفقت قط درهماً في بناء". ٢ وفي "الجرح والتعديل" قال عبد الرحمن بن مصعب: "كان سفيان الثوري يكره الطيلسان الطرازي والثوب المروي، وقال: إنهما من ثياب المترفين". ٣ وعن أحمد بن عبد الله بن يونس: سمعت سفيان الثوري ما لا أحصي يقول: "اللهم سلم سلم، اللهم سلمنا منها إلى خير، اللهم ارزقنا العافية في الدنيا والآخرة". ٤ وعن متٍّ البلخي قال: "أهديت لسفيان الثوري ثوباً

стр. 69

فرده علي، قلت له: يا أبا عبد الله لست أنا ممن يسمع الحديث حتى ترده علي، قال: علمت أنك ليس ممن يسمع الحديث، ولكن أخوك يسمع مني الحديث، فأخاف أن يلين قلبي لأخيك مما يلين لغيره". ١ وعن يحيى بن سليم الطائفي قال: "بعث محمد بن إبراهيم الهاشمي - كان والياً على مكة - إلى سفيان الثوري بمائتي دينار فأبى أن يقبلها، فقلت: يا أبا عبد الله كأنك لا تراها حلالاً، قال: بلى، ما كان آبائي وأجدادي إلا في العطية، ولكن أكره أن أذل لهم"٢ وذكر الخطيب بسنده إلى يحيى بن أيوب عن مبارك بن سعيد - أخو سفيان - قال: "جاء رجل إلى سفيان ببدرة أو ببدرتين - شك أبو زكريا -، وكان أبو ذلك الرجل صديقاً لسفيان جداً، وكان سفيان يأتيه فيقيل عنده، ويأتيه

стр. 70

كثيراً، قال: فقال: يا أبا عبد الله في نفسك من أبي شيء؟ فأثنى عليه، وقال: رحم الله أباك وذكر من فضله، فقال له: يا أبا عبد الله قد عرفت كيف صار إلي هذا المال، وأنا أحب أن تقبل هذا الذي جئتك به تستعين به على عيالك، قال: فقبله منه، فخرج الرجل، فلما خرج أو كاد أن يخرج قال لي: يا مبارك الحق فرده، قال: فلحقته فرددته، فقال: يا ابن أخي أحب أن تقبل هذا المال، فإني قد قبلته منك، ولكن أحب أن تأخذه فترجع به، فقال: يا أبا عبد الله في نفسك منه شيء قال: لا، ولكن أحب أن تقبله، فلم يزل به حتى أخذه، فلما خرج وقد داخلني ما لا أملك، فقعدت بين يديه فقلت: ويحك يا أخي إيش قلبك هذا حجارة أنت ليس لك عيال، أما ترحمني، أما ترحم إخوانك أما ترحم صبياننا، قال: فأكثرت عليه من هذا النحو فقال: يا مبارك تأكلها أنت هنيئاً مريئاً وأسأل أنا عنها لا يكون هذا

стр. 71

أبداً". ١ وفي "طبقات ابن سعد" قال: "وكانوا يرون أن سفيان أخذ مرة من بعض الولاة مالاً وصلة، ثم ترك ذلك فلم يقبل من أحد شيئاً، وكان يأتي اليمن فيتجر، وكان يفرق ما عنده على قوم من إخوانه يبضعون له به ويوافي الموسم كل عام فيلقاهم ويحاسبهم ويأخذ ما ربحوا". ٢ وفي"السير" للذهبي: "قيل: إن سفيان سار إلى اليمن بأربعة آلاف مضاربة، فأنفق الربح". ٣ وعن يحيى بن يمان قال لي سفيان: "إن اقتصرت على خبزك وبقلك، لم يستعبدك هؤلاء". ٤

стр. 72

ما ذكر من إمامة الثوري في السنة والحديث: أخرج ابن أبي حاتم بسنده إلى عبد الرحمن بن مهدي قال: "الناس على وجوه: فمنهم من هو إمام في السنة، إمام في الحديث، ومنهم من هو إمام في السنة وليس بإمام في الحديث، ومنهم من هو إمام في الحديث ليس بإمام في السنة، فأما من هو إمام في السنة وإمام في الحديث فسفيان الثوري". ١ وعنه أيضاً قال: "أئمة الناس في زمانهم أربعة: سفيان الثوري بالكوفة، ومالك بن أنس بالحجاز، وأبو عمرو الأوزاعي بالشام، وحماد بن زيد بالبصرة". ٢ وأخرج أبو نعيم بسنده إلى عبد الرزاق قال: سمعت ابن عيينة يقول: "أئمة الناس ثلاثة - بعد أصحاب رسول الله ﷺ ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والثوري في

стр. 73

زمانه". ١ وقال أبو القاسم اللالكائي (ت ٤١٨ هـ): "باب سياق ذكر من رسم بالإمامة في السنة والدعوة والهداية إلى طريق الاستقامة بعد رسول الله ﷺ إمام الأئمة" ثم ذكر طوائف من الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى قريب عصره، وذكر منهم الإمام سفيان بن سعيد الثوري. ٢ ثم ذكر بإسناده عن ابن المبارك قال: قال سفيان الثوري: "استوصوا بأهل السنة خيراً فإنهم غرباء". وبسنده إلى يوسف بن أسباط قال: سمعت الثوري يقول: "إذا بلغك عن رجل بالمشرق صاحب سنة وآخر بالمغرب فابعث إليهما بالسلام وادع لهما، ما أقل أهل السنة والجماعة". ٣ وعن أبي بكر المروزي عن أحمد بن حنبل قال: "أتدري

стр. 74

من الإمام؟ الإمام سفيان الثوري لا يتقدمه أحد في قلبي". ١ وعن أحمد بن عمران قال: سمعت يحيى بن يمان يقول: "ما رأينا مثل سفيان ولا رأى سفيان مثل نفسه، كان سفيان في الحديث أمير المؤمنين". ٢ قال أبو داود سليمان بن داود الطيالسي (ت ٢٠٤ هـ): "قدمت المسجد الحرام فرأيت حلقة نحواً من خمسمائة - أقل أو أكثر - ورجل وسطها نائم، قلت: من هذا قالوا: هذا أمير المؤمنين، هذا سفيان الثوري". ٣ وأخرج الخطيب بإسناده إلى شعبة وابن عيينة قالا: "سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث". ٤ وبسنده إلى يحيى بن معين قال: "سفيان الثوري أمير

стр. 75

المؤمنين في الحديث". ١ وفي "سير أعلام النبلاء": قال شعبة وابن عيينة وأبو عاصم - النبيل - وابن معين وغيرهم: "سفيان أمير المؤمنين في الحديث". ٢ وأخرج أبو نعيم بسنده عن بشر بن الحارث قال: "كان سفيان الثوري عندي إمام الناس". ٣ وعن أبي أسامة حماد بن أسامة قال: "كان زائدة يرى الثوري سيد الناس". ٤ وقال أبو قطن عن شعبة أنه قال: "ساد سفيان الناس بالورع والعلم". ٥ وقال أحمد بن حنبل: "قال لي ابن عيينة: لن ترى
следующие страницы →