ذكر الجاحظ: لما علم واصل بن عطاء أنه ألثغ فاحش اللثغ، وأن مخرج ذلك منه شنيع وأنه إذا كان داعية مقالة، ورئيس نِحْلَة، وأنه يريد الاحتجاج على أرباب النِّحل، وزعماء الملل، وأنه لابد من مقارعة الأبطال، ومن الخطب الطوال، وأن البيان يحتاج إلى تمييز وسياسة وإلى ترتيب ورياضة، وإلى تمام الآلة وإحكام الصنعة، وإلى سهولة المخرج ومهارة المنطق، وتكميل الحروف، وإقامة الوزن، وأن حاجة المنطق إلى الطلاوة والحلاوة لحاجته إلى الجلالة والفخامة، وأن ذلك من أكبر ما تستمال به القلوب، وتنثني إليه الأعناق وتزين به المعاني.
ويوضح الجاحظ طريقة العلاج فيقول:
ومن أجل الحاجة إلى حسن البيان رام واصل إسقاط الراء من كلامه وإخراجها من حروف المنطوقة، فلم يزل يكابد ذلك ويغالبه، ويناضله ويساجله، ويتأتى لستره والراحة من هجنته، حتى انتظم له ما حاول، واتسق له ما آمل ١.
وكانت العرب ومازالت تعيب ما يعتري اللسان من ضروب الآفات، ولقد ذكر ابن الأعرابي أن أبا رمادة طلق امرأته حين وجدها لثغاء، وخاف أن تلد له ولدًا ألثغ، وقال في ذلك ٢.
لثغاء تأتي بحيفس ألثغ ... تميس في الموشي والمصبغ
ولذا كانت منة الله على خلقه أن جعل لهم لسانًا وشفتين، وجعلها مدار الفصاحة والبيان؛ ولذا كانت العناية بهما ومحاولة النطق السليم دليلا على الكمال وسبيلا إلى سلامة النطق.
стр. 107
والعيب في عدم إجادة النطق وإبدال بعض الحروف ببعض مثل نطق اللسان نطقًا يخالف ذلك نحو: الشلتان بدلا من السلطان، وكذلك ما شعرت بدلا منها ما سعرت، وإنك لخائن ينطق بدلا منها لهائن، وكلمة أحسن ينطقها أهسن، وحمار وحش: همار وهس، والقمر: الكمر وغير ذلك.
وإذا بحثنا عن أسباب تلك العيوب فسنجد أن جانبًا منها يرجع إلى ما يعتري الإنسان من اضطراب نفسي أو عضلي، مثل ما يحدث في التأتأة والفأفأة واللعثمة ... فهي عيوب وقتية ليست أساسية في الصوت، فهي نتيجة لحركة عصبية أو نفسية تصيب الفك فتعيقه عن الحركة الطبيعية.
وتزول هذه الحالة العارض من خوف أو مرض أو رعشة أو قلق، وقد تكون هذه الأحوال مزمنة، فتحتاج إلى مران طويل؛ لأنها دخلت عنده ومكثت معه فترة طويلة، فأصبحت في حكم العادة ويتسبب عن ذلك:
الصوت المرتعش Tremole:
الذي نلحظه في النطق حين يحاول صاحبه إجهاد صوته وإخراجه من طبقة قد لا تلائمه حتى يقضي على الرعشة التي أصابته، كما نلحظ أنه يتنفس بطريقة خاطئة، وهذا يرجع إلى الضعف النفسي أوالعصبي أو الخوف أو الشيخوخة.
الصوت المندفع Frontal tone:
وهو صوت تشعر معه باندفاع صاحبه في الإلقاء، فصوته يندفع من مقدمة الحنجرة من أعلاها، فيفقد بذلك الصوت لونه الملائم، وقد
стр. 108
يكون مملا لا ترتاح إليه النفس، ثقيلا في السمع.
وهذا يحدث من اندفاع صاحبه في القول دون تروٍّ أو تمهل، أو نتيجة غرور أصاب المتكلم فدفعه هذا الصوت المندفع في حماس إلى القول بهذه النغمة التي قد تتصلب معها أعصاب الرقبة والحنجرة.
الصوت الحلْقي Throaty Tutiral tone:
إنه صوت يصدر من الحلق أو الحنجرة أو الرقبة أو الزور وذلك نتيجة التصلب أو الارتفاع في مؤخرة الرأس أو عدم الجلسة الطبيعية أو الوقفة المناسبة.
ويخرج الصوت في هذه الحالة مغرغرًا تغلب عليه نغمة العين؛ لأن هذا التصلب في منطقة الرأس قد يؤدي إلى ارتفاع مؤخرة اللسان مما يجعل الكلام قريبًا من مخرج حرف الغين.
الصوت الأنفي Nosal tone:
وسببه عاهة عضوية أو زكام يصيب الإنسان أو ضغط اللسان إلى الداخل أو انكماشه فيكون عائقًا أمام خروج الصوت كله من الفم فيخرج من الأنف، وهو أقرب إلى أن يقال عنه: إنه صوت أخنف؛ لتسربه من الأنف.
الصوت المكتوم Wooly tone:
وهو صوت تشعر معه أنه مكتوم أو مغطى بالصوف -كما يعبر عنه الإنجليز- فيأتي الصوت خافتًا نتيجة لمرض عضوي أو لطبيعة ينتج عنه ابتعاد الأوتار الصوتية عن بعضها ويمكن علاج ذلك بكثرة استعمال حروف المد.
стр. 109
الصوت المعدني Metal tone:
وهو عكس الصوت المكتوم ويسميه بعض الموسيقيين بالصوت الأقرع الذي يشبه قرع المعدن أو النحاس. وسببه شدة اقتراب الأوتار الصوتية من بعضها، ويمكن علاج ذلك بكثرة استعمال حروف المد التي تخرج من الحلق وهي منطقة تساعد على انفتاح الحنجرة مع أحرف المد.
الصوت الأجش Husky tone:
وهو صوت يتصف بالخشونة وقد تحدث من إجهاد الصوت أو من إصابته بنزلات البرد في الحنجرة، وهي قد تكون ملازمة له أو طارئة على صوته.
الصوت الخافت Deadened tone:
وهذا الصوت الخافت يستعمله الإنسان عند الهمس لمن يتحدث بحديث هامس خشية أن يسمع أحد صوته، ولكن حين يكون كل حديثه خافت وهامس فيكون ذلك عيب ناتج من مرض أو حياء أو عادات تأصلت عنده منذ الطفولة.
والإلقاء الجيد هو الإلقاء الطبيعي الذي يتميز بالنبرة الصوتية الواضحة، والتي يستطيع صاحبها أن يعبر بها عن إحساساته وانفعالاته، أو ما يتطلبه منه الموقف من تلوين صوتي.
стр. 110
فن تشكيل الأصوات
موضوع هذا العلم هو أن يدرس الصوت في سياقه مع غيره من الأصوات؛ ولذا يطلق عليه علم الأصوات التشكيلي ذلك حتى يتبين الدارس تشكيل الصوت وفق لغة ما، كما ينطقها أصحابها.
فتشكيل الصوت مع غيره في سياق الكلمات يحتاج إلى جهد في نطقه يختلف عن الجهد الذي يحتاجه الإنسان في نطق الصوت المجرد.
فالصوت المجرد لا توجد بجانبه مؤثرات تؤثر عليه، أما الصوت في سياقه يتأثر بالأصوات السابقة عليه واللاحقة به وهذا التأثير له أثره في عملية النطق وله كذلك قوانينه في جميع اللغات.
ويدرس علم الأصوات التشكيلي البناء المقطعي للغة والبناء العام لها.
والوحدة الكبرى للغة تتكون من الجمل، والجملة الواحدة تتكون من وحدات أصغر منها هي: ما يطلق عليها اسم الكلمات، فجملة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ ، تتكون من كلمات هي: قُلْ، هُوَ، اللَّهُ، أَحَد.
وكل كلمة من هذه الكلمات تتركب من وحدات أصغر منها تعرف باسم الأصوات فمثلاكلمة: قُلْ، تتكون من حرف القاف، وحين النطق به يعرف بصوت القاف، فهو صوت صامت، ثم صوت
стр. 111
الضمة، إذ إن الحركة من ضم وفتح وكسر إنما هي أصوات لين، ثم صوت اللام صوت صامت ساكن. فكلمة: قُلْ، تتكون من ثلاثة أصوات: صوت القاف، صوت الضمة، صوت اللام.
وعلم الأصوات يدرس الأصوات اللغوية من ناحية وصف مخارجها وكيفية حدوثها، ومن المعروف أن اللغة هي الأصوات التي ينتجها جهاز النطق معبرًا بها الإنسان عما يشعر به من أشياء يريد أن يحدث الناس بها.
وابن جني يوضح أن اللغة أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم ١ حتى يتم التفاهم بينهم عن طريق الإلقاء والتلقي، أي عن طريق النطق والسماع.
ولكن نطق الإنسان للكلام يتم عبر عمليات صوتية، فالإنسان لا ينطق الكلمات مرة واحدة ولكن يقسمها إلى مقاطع حين النطق بها.
стр. 112
المقاطع الصوتية
من المعروف أن الكلام يحدث عند عملية الزفير، وعملية الزفير التي يتم خلالها النطق ليست مجرد إخراج الهواء على نحو ما، ولكن إخراجه على نحو مناسب للكلام.
стр. 113
فالهواء يخرج من الرئتين في دفعات تنفق كل دفعة منها مع إنتاج مقطع صوتي كامل.
فلكل مقطع دفعة هوائية تنتج من انقباضات متوالية يقوم بها الحجاب الحاجز، فيؤثر الضغط على الهواء الخارج من الرئتين وذلك حتى يتم النطق بالمقطع ١.
والمقطع هو عبارة عن كمية من الأصوات تحتوي على حركة ويمكن تحديد المقطع الصوتي: بأنه الفترة الفاصلة بين عمليتين من عمليات غلق جهاز التصويت سواء أكان الغلق كاملا أم جزئيًّا هي التي تمثل المقطع٢.
وحين نتبين أشكال المقاطع العربية نجد أن العربية عرفت ثلاثة أشكال أساسية هي:
١- مقطع قصير:
ويتكون من صوت صامت+ حركة قصيرة، مثل صوت الكاف في كلمة كتب.
والمقطع القصير لا يكون إلا مفتوحًا أي يقبل الزيادة عليه، فإذا زاد عليه شيء بأن طالت الحركة، أو أضيف إليه صوت آخر صامت تحول إلى مقطع طويل.
стр. 114
٢- مقطع طويل مفتوح:
ويتكون من: صوت صامت+ حركة طويلة، مثل: الكاف في كلمة كاتب، وحرف: في، وهو في هذه الحالة مفتوح؛ لأنه يقبل الزيادة عليه.
٣- مقطع طويل مغلق أو مقفل:
ويتكون من: صوت صامت + حركة قصيرة + صوت صامت، مثل: كم، من، عن، وكذلك ما بدئ بصامت تليه حركة طويلة، كما في كلمة: باب عند الوقف.
وفي العربية صورتان مقطعيتان ترد في حالة الوقف غالبا وهما:
أ- مقطع مديد مقفل بصامت، ويتكون من: صوت صامت+ حركة طويلة + صامت، مثل النطق بالفعل: نام، كان.
ب- مقطع مديد مقفل بصامتين، ويتكون من: صوت صامت+ حركة قصيرة+ صوتين صامتين، مثل: قدر، بنت.
ونطق المقاطع في العربية يبين لنا أن تقسيم اللغة إلى أصوات ومقاطع هو تقسيم طبيعي.
فاللغة العربية لا يمكن أن تتكون من أصوات صوامت فحسب، كما لا يمكن أن تبدأ الكلمة العربية بصامتين دون وجود حركة، كما لا يمكن أن تبدأ الكلمة بحركة دون صامت.
ولهذا يجب في المقطع في اللغة العربية:
أن يبدأ بصوت صامت.
وأن يُثَنَّى بحركة له.
стр. 115
وتختلف المقاطع بعد ذلك بالنسبة لتكوين الكلمة، وذلك حسب موقع حركة الثاني، وصوت الصامت الثالث.
والعربية عند النطق بها ينبغي أن ندرك أنها لا تقبل تجاور ثلاثة أصوات صوامت -أحرف ثلاث دون وجود حركة- إذن لابد من مبدأ التحريك، وفق الحركة الصحيحة للمبني أو المعرب من الكلام.
وكذلك لا يمكن أن تبدأ الكلمة العربية بحركة، دون أن نجلب قبلها همزة تسمى: همزة الوصل، أما في اللغة الإنجليزية، فيمكن البدء بحركة في أول الكلمة مثل: Ink حبر، in في، Important مهم.
وينبغي أن يدرك القارئ أن كلمات اللغة العربية تتكون من أحرف ساكنة وأحرف لينة، ولكل حرف طبيعته الصوتية الخاصة، كما أن معرفة الفرق بينهما تعين الدارس على الإلقاء الجيد.
стр. 116
الأصوات الساكنة وأصوات اللين
قسم المحدثون الأصوات اللغوية على أساس الطبيعة الصوتية إلى قسمين أساسيين هما:
الأول: الأصوات الساكنة.
الثاني: الأصوات اللينة.
ويمكن التعرف على الفرق بينهما، بإدراك طبيعة نطق كل منهما وفق دراستنا لمخارج الأصوات، فالأصوات الساكنة: هي الأصوات التي يحدث عند النطق بها أن يمر الهواء من الرئتين إلى الحنجرة ثم
стр. 117
يتخذ مجراه في الحلق والفم بعد أن تعترضه حوائل مثل: اللسان أو الأسنان أو الشفتين، فتضيِّق مجراه أو تحبسه.
أما الأصوات اللينة فعند النطق بها يندفع الهواء من الرئتين مارًّا بالحنجرة في ممر لا حوائل تعترضه.
وأصوات اللين في اللغة العربية هي ما أسماه القدماء: بالحركات من فتحة وكسرة وضمة، وكذلك ما سموه بحروف المد: ألف المد، وياء المد، وواو المد.
وما عدا ذلك من الأصوات أو الحروف فيسمى: بالأصوات الساكنة، مثل: أ، ب، ت، ث، ج ...
أصوات اللين في اللغة العربية:
عني القدماء عناية فائقة بالأصوات الساكنة للحروف، ولم يعنوا بأصوات اللين في اللغة العربية، ولم يدرسوها على أنها من بنية الكلمات، بل درسوها كعرض يعرض لها، وهي في الحقيقة عنصر أساسي في الكلمات.
وبيَّن ابن جني أن الحركات أبعاض لحروف المد، فإن ما يسمى بألف المد هو في الحقيقة فتحة طويلة، وما يسمى بياء المد ليست إلا كسرة طويلة، وكذلك واو المد تعد من الناحية الصوتية ضمة طويلة فقال:
إن الحركات أبعاض لهذه الحروف، إنك متى أشبعت واحدة منهن حدث بعدها الحرف الذي هي بعضه، إلا أن هذه الحروف التي يحدثن لإشباع الحركات لا يكن إلا سَوَاكِن؛ لأنهن مدَّات والمدات لا
стр. 118
يحركن أبداً١.
وقد رأى القدماء أن ما يسمى بالحركات اعتبر في رأيهم عَرَضًا يصيب الحروف، ولا تكاد تكون عناصر أساسية في الكلمات، وقد اعترض على ذلك الأستاذ الألماني: شادة٢.
ويرى الدكتور إبراهيم أنيس:
أن القدماء قد ضلوا الطريق السَّوي، حين ظنوا أن هناك حركات قصيرة قبل حروف المد، فقالوا مثلا: إن هناك فتحة على التاء في: كتاب، وكسرة تحت الراء في: كريم، وضمة فوق القاف في: يقول ٣.
ثم يتعجب ويقول:
والحقيقة أن هذه الحركات القصيرة لا وجود لها في تلك المواضع، فالتاء في: كتاب، محركة بألف المد وحدها، والراء في: كريم، محركة بياء المد وحدها، والقاف في: يقول، محركة بواو المد وحدها.
ويقول: ويظهر أن الكتابة العربية في صورتها المألوفة من وضع فتحة على التاء في: كتاب، وكسرة تحت الراء في: كريم، وضمة فوق القاف في: يقول، قد جعلت القدماء يتوهمون وجود حركات قصيرة في مثل هذه المواضع.
وأصوات اللين عنصر رئيسي في اللغات، وأكثر شيوعا فيها، ولهذا
стр. 119
عني المحدثون بدراسة أصوات اللين، ووضع المقاييس لها عناية فاقت عنايتهم بالأصوات الساكنة، وتعددت تجاربهم في تسجيل مقاييس أصوات اللين فوق أُسطوانات؛ ليرجع إليها طالب اللغات فيسمعها ويقلدها حتى يتقنها.
ورغم أن الأساس في تكوين هذه المقاييس هو موضع أول اللسان بالنسبة للحنك الأعلى، أو موضع أقصى اللسان بالنسبة لأقصى الحنك، ورغم أن هذا هو الأساس، فقد لاحظ المحدثون أن شكل الشفتين يختلف مع كل من هذه المقاييس، وتأثر الشفتين مع كل هذه المقاييس أمر لا يصح إغفاله في وصفها، فالشفتان مع الأصوات: a-e-i، منفرجتان، وليس فيهما استدارة أو بروز، أما في حالة الأصوات: a-u-o-à، فتبدأ الشفتان في الاستدارة حتى تصلا إلى أقصى ما تصل إليه من كمال في الاستدارة مع الصوت١.
ورغم أن جميع أصوات اللين تشترك في صفات خاصة، أهمها: أنها كلها مجهورة، وأن مجرى الهواء معها لا تعترضه حوائل في مروره، بل يندفع إلى الحلق والفم حرا طليقا، فرغم اشتراكها في مثل هذا، فقد قسمها العلماء إلى مجاميع متجانسة.
فحين نظروا إلى نسبة صعود اللسان نحو الحنك أمكنهم أن يقسموا أصوات اللين إلى مجموعتين.
المجموعة الاولى: تشتمل أصوات اللين الضيقة CLOSE وأفراد هذه المجموعة هي: UI وما قرب منهما؛ لأن اللسان في كل منهما يبلغ في صعوده نحو الحنك، أقصى ما يمكن للنطق بصوت لين.
стр. 120
والمجموعة الثانية هي أصوات اللين المتسعة OPEN وأفرادها a، وما قرب منها؛ لأن اللسان معها يبلغ أقصى ما يمكن أن يصل إليه من هبوط في قاع الفم والفراغ بين اللسان والحنك حينئذ يكون أوسع ما يمكن في هذا الوضع ١.
ولهذا حين ننظر إلى جزء اللسان الذي يصعد ويهبط فنجد أن هناك أصوات لين أمامية وهي A I وما بينهما، إذ إن أول اللسان هو الذي يصعد نحو الحنك الأعلى ويهبط نحو قاع الفم.
وهناك أيضا أصوات لين خلفية وهي A U وما بينهما ذلك لأن أقصى اللسان هو الذي يصعد ويهبط حين النطق بها.
الوضوح السمعي
هناك سبب بنيت عليه التفرقة بين الأصوات الساكنة وأصوات اللين وهو درجة الوضوح السمعي، فصوت حرف اللين أوضح من صوت الحرف الساكن، إذ إن الصفة التي تختص بها أصوات اللين هي كيفية مرور الهواء من الحلق إلى الفم وخلو مجراه من حوائل وموانع وهذا يؤثر بدوره على درجة وضوح الصوت في السمع.
فأصوات اللين تسمع من مسافة قد لا تتضح فيها الأصوات الساكنة؛ ولذا في الحديث بين شخصين بعدت بينهما المسافة أو يتحدثان عبر الهاتف قد يخطئ أحدهما في سماع صوت ساكن، ولكن يندر أن يخطئ سماع صوت لين مثل ألف المد في باع، ولكن يخطئ في حرف ساكن فيسمعها ماع.
стр. 121
وأصوات حرف اللين رغم وضوحها عن الحروف الساكنة إلا أن أصوات اللين بعضها أوضح من بعض، فأصوات اللين المتسعة مثل: الفتحة أوضح من الضيقة، أي من الضمة، أو الكسرة.
وكذلك الأصوات الساكنة بعضها أوضح من بعض، فالأصوات المجهورة أوضح في السمع من الأصوات المهموسة.
وكذلك نجد أن اللام والميم والنون أكثر الأصوات الساكنة وضوحا، وأقربها إلى طبيعة أصوات اللين، ويميل بعضهم إلى القول بأنها أشباه أصوات اللين، فهي أكثر وضوحا في السمع؛ ولذا يمكن أن تعد حلقة وسط بين أصوات اللين والأصوات الساكنة.
وفن الإلقاء يعنى بأصوات اللين من: ألف المد وياء المد وواو المد، والفتح والكسر والضم في اللغة العربية، بل وفي كل لغة؛ ذلك لأنها كثيرة الشيوع والدوران في كلماتها، وتظهر في السمع واضحة.
وأي انحراف عن أصول النطق السليم بها يبعد المتكلم عن الطريقة المألوفة عند أهل هذه اللغة والناطقين بها، ويظهر غير مألوف للأذن، كما أن كثرة ورودها في اللغة، مما يجعل الخطأ فيها واضحا وقد يجسمه.
ولهذا كان التلقين أساسا في عملية تعلم اللغات، بل قد وُجدت المعامل الصوتية، لمعرفة طريقة النطق السليم، ووضعت في الإذاعات برامج للناطقين باللغة، وكذلك نرى الأشرطة المسجلة -كاست- تبرز للوجود.
بل من الصعوبات التي تواجه نطق الذين يتعلمون اللغة الإنجليزية هي أصوات اللين فيها: a -e- i- o- u وكيفية النطق بها نطقا
стр. 122
صحيحا كما ينطق بها أهلها، يحتاج إلى تعلم؛ وذلك لأن الناطق بلغة غير لغته نجد في نطقه لأصوات اللين أنه لا يحسن النطق بها إلا بعد جهد ومران طويل.
والفرق بين أصوات اللين في اللغة كبير، حتى إنه لا تكاد تشترك لغة من اللغات مع أخرى في طريقة النطق بأصوات اللين، بل إن الفروق بينهما واضحة، بل إن لهجة اللغة الواحدة لتختلف فيها اختلافا بينا.
والأصوات الساكنة بين لغات البشر لا نجد فيها هذه الفروق الكثيرة، فهي لا تمثل عقبة أمام نطق الأجنبي؛ ذلك لأن من السهل ضبطها متى استطاع الإنسان أن يحدد مخرجها، هذا فضلا على أن معظم اللغات تشترك في كثير من الأصوات الساكنة.
وأوضح علماء الأصوات أن الأنواع الفرعية لأصوات اللين ما يلي:
١- الفتحة الْمَشُوبَة بالكسرة: وهي التي في إمالة ما قبل تاء التأنيث، كما في قراءة: رحمة، حين الوقف عليها، قراءة الكسائي.
٢- ألف المد حين تُمَال تصبح مشوبة بالكسرة، كما في قراءة: ربا، بالإمالة، والفرق بين النوع الأول وبين هذا النوع في الكمية.
٣- ما يسمى بألف التفخيم، وهي: ألف مد ممالة نحو الضم، كما في قراءة: الصلاة.
٤- ياء المد الممالة نحو الضم، وذلك ما سماه النحاة والقراء بالإشمام، مثل: قيل، وبيع، في الفعل المبني للمجهول.
٥- الفتحة بأنواعها.
стр. 123
الفصل الخامس: الوقف أهميته
التعريف به
أقسامه
علامات الوقف
الوقف على آخر الكلمات
همزة الوصل وهمزة القطع
стр. 124
الوقف: أهميته
لما كان فن الإلقاء يهدف إلى إيجاد نوع من الصلة بين المعاني التي يتضمنها الكلام، فإن عملية التقطيع ترمي إلى تجميع الكلمات التي تحمل معنى واحدا، حتى لا تختلط المعاني بعضها ببعض، ويتم ذلك بالوقف بين كل معنى والمعنى الذي يليه.
ولهذا كان ضروريا للمتحدث أن يجعل لنفسه مواقف، يقف عندها، تتفق ومعاني الجمل التي يلقيها، وأن يُنَظِّم عملية التنفس؛ حتى يستعد للمعنى المكمل في الجملة التالية، وينتقل بدرجة الصوت أو نغمته إلى ما يتناسب مع المعنى الجديد.
فلابد للقارئ أو المذيع من تحليل العبارات، وتحليل معناها؛ حتى يتبين مواطن الوقف؛ لأن مواطن الوقف عديدة، وليس هناك سبيل إلى معرفة هذه المواضع إلا عن طريق مراعاة المعنى؛ لأنه لا يحسن الوقف إلا إذا انتهى المعنى المراد بيانه.
وينبغي إدراك أن ظاهرة الوقف ينبغي أن تكون لونا من الدراسة
стр. 125
الصوتية والدراسة التصريفية، وفقا للدلالة. وقد أدرك القدماء أهمية ذلك: سيبويه، فأطلق مصطلح الوقف على حالة من أحوال الإعراب الأربعة وهي: حالة السكون، فيقول: هذا باب مجاري أوخر الكلم من العربية، وهي تجري على ثمانية مجارٍ: على النصب والرفع والجر والجزم، والفتح والضم والكسر والوقف١.
كما عبر الراضي عن الوقف بقوله: هو قطع الكلمة عما بعدها، أي: أن تسكت على آخرها، قاصدا لذلك مختارا بجعلها آخر الكلام سواء كان بعدها كلمة، أو كانت آخر الكلام٢.
ولمعرفة أهمية الوقف، ما روي أن رجلين جاءا إلى النبي ﷺ فتشهد أحدهما فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما، ووقف الرجل، فقال رسول الله ﷺ : "قم أو اذهب، بئس الخطيب أنت".
وقيل: إن علي بن أبي طالب ﵁ سئل عن قوله تعالي: ﴿وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ فقال: هو تجويد الحروف ومعرفة الوقوف٣، والوقف هو حيلة التلاوة، وزينة القارئ، وبلاغ التالي، وفهم المستمع، وفخر العالم٤. وبه يعرف الفرق بين المعنيين المختلفين والنقيضين المتباينين والحكمين المتغايرين، وقد ورد عن ابن عمر
стр. 126
رضي الله عنهما قوله: لقد عشنا برهة من دهرنا، وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد ﷺ فنتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها، كما تتعملون أنتم اليوم القرآن، ولقد رأيت اليوم رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان؛ فيقرأ مما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما أمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه، وينثره نثر الدقل١.
وقد روى هذا الحديث أيضا بخلاف يسير، الحافظُ ابن الجزري في كتابه: النشر في القراءات العشر٢، وفيه دلالة على أن الصحابة كانوا يتعلمون الوقف على ما تمَّ معناه، وصلح البدء بما بعده، سواء كان الوقت تامًّا أم كافيا، وفي كلام الإمام علي ﵁ في تفسير معنى الترتيل، دليل على وجوب تعلمه ومعرفته، وفي كلام ابن عمر دليل وبرهان على أن تعلمه إجماع من الصحابة رضوان الله عليهم.
التعريف به
لغة: هو الكفُّ والحبس، يقال: أوقفت الدابة أي: حبستها.
واصطلاحا: هو عبارة عن قطع الصوت عن آخر كلمة زمنا؛ ليتنفس فيه القارئ عادة، بنية استئناف القراءة لا بنية الإعراض عنها٣.
قال في البرهان: ولابد معه من التنفس، ولا يأتي وسط الكلمة، ولا فيما اتصل بخلاف السكت والقطع.
стр. 127
وهذا يجعلنا نفرق بين الوقف والقطع والسكت، وهذه المصطلحات جرت عند كثير من القدماء، وبعضهم يرى أنها يراد بها الوقف غالبا، والقطع يراد به قطع القراءة رأسا، أي كالانتهاء عند بعضهم، ولكن الدراسات أثبتت أن هناك فروقا بين كل من الوقف والقطع والسكت، وأصبح لكل منها معنى.
فالقطع: قطع القراءة بنية الانتهاء، ولا يجوز إلا بعد تمام الآية، كما يذكر علماء القراءة، أو بعد تمام المعنى أو الفهم بالنسبة للكلام، وقد يقع القطع لعذر أو للانتقال من حال إلى حال، أو من قول لآخر.
والسكت: هو قطع الصوت زمنا دون زمن الوقف عادة من غير تنفس، ولا يجوز السكت إلا على ساكن، وقد اختلف في زمن السكت أي: بين طول السكت وقصره ١، إلا أن معظم القراء يرون أن تسكت سكتة يسيرة أي: زمنًا يسيرًا بدون تنفس أي: أقل من زمن إخراج التنفس؛ لأنه إن طال صار وقفًا.
وإن كان كثير من الباحثين يرون أن السكت في القرآن الكريم مبني على السماع ومقيد به، إلا أن له معنى في كل سكتة، وخاصة إذا رجعت إلى ما روي فيه السكت وهو: ﴿عِوَجَا قَيِّماً﴾ ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا﴾ ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ ﴿بَلْ رَانَ﴾ .
فالسكت يعطي أهمية للكلمة التي حدثت فيها السكت، ويضيف معنى جديدا لا يتحقق بدون السكت.
стр. 128
أقسامه
ينقسم الوقف إلى أربعة أقسام هي:
- الوقف الاضطراري.
- الوقف الانتظاري.
- الوقف الاختباري.
- الوقف الاختياري.
وهذه الأقسام قد روعي في النظر إليها أن تشتمل على كل الأحوال التي يمكن أن تكون سببا يدعو القارئ إلى أن يقف في أثناء القراءة، وسنتوقف قليلا عند كل قسم من هذه الأقسام.
أولا: القسم الاضطراري:
وهو الذي يعرض للقارئ لضرورة ألجأته إلى الوقف، مثل: ضيق التنفس أو العطاس أو النسيان، وغير ذلك من الظروف الطارئة التي تلجئ الإنسان وتضطره إلى الوقف، وحينئذٍ يجوز للقارئ الوقوف على أي كلمة كانت وإن لم يتم المعنى، وبعد ذهاب هذه الضرورة التي ألجأته إلى الوقف عل هذه الكلمة، يعود ليبتدئ منها ويصلها بما بعدها إن صلح البدء بها، وإلا فيبتدئ بما قبلها بما يصلح البدء به.
ثانيا: الوقف الانتظاري:
وهو أن يقف القارئ على الكلمة ليعطف عليها غيرها، وذلك
стр. 129
عند جمعه لاختلاف الروايات، أو قراءة الأسماء أو الجملة الحوارية، وفي المناقشة وفي الندوة ...
ثالثا: الوقف الاختباري:
الذي يُطلب من القارئ بقصد الامتحان والاختبار، أو بقصد من القارئ إعلام غيره بكيفية الوقف على الكلمة بكونه عالما بها من حيث القطع أو الوصل، ونوع الوقف، وكيفية المقطوع والموصول، والثابت والمحذوف من حروف المد والمجرور، والمربوط من التاءات، وما يوقف عليه لحاجة: كسؤال ممتحن وتعليم قارئ كيف يقف إذا اضطر لذلك.
رابعا: الوقف الاختياري:
وهو الذي يختاره القارئ، ويقصد لذاته من غير عروض سبب من الأسباب المتقدمة في كل من الاختباري -الباء الموحدة- والاضطراري، وقد يبتدأ مما بعد الكلمة الموقوف عليها، وقولا يبتدأ بها أن توصل بما بعدها.
وهذا النوع من الوقف هو المقصود بيانه هنا، بل ينبغي أن يتعرف عليه الدارسين لأهميته في فن الإلقاء.
وينقسم الوقف الاختياري إلى أربعة أقسام: تام، كافٍ، حسن، قبيح.
وهذا القبيح وإن كان لا يصح الوقوف عليه، لكنه ذكر تتمة للأقسام؛ ليتحرز منه؛ وليعرفه القارئ ليتجنب الوقف عليه١.
стр. 130
أولًا: الوقف التام:
وهو الوقف الذي يتم به الكلام لفظا ومعنى أي: الوقف على كلام تم معناه، وليس متعلقًا بما بعده، لا لفظًا ولا معنى، وأكثر ما يكون هذا الوقف على رءوس الآي وانتهاء القصص، كالوقف على قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّين﴾ ، والابتداء بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ .
وكالوقف على نحو: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُون﴾ ، والابتداء بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .
ونحو الوقف على قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِين﴾ والابتداء بقوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُم﴾ ؛ وذلك لأن لفظ المفلحون تمام الآيات المتعلقة بالمؤمنين وما بعده منفصل عنه متعلق بأحوال الكافرين، وكذلك لفظ ﴿لِلْمُتَّقِين﴾ تمام الكلمات المتعلقة بقصة سيدنا نوح ﵇ وما بعده منفصل عنه ابتداءً، فالوقف التام هو الذي يؤدي معنى صحيحًا تامًّا.
وقد يكون الوقف وسط الآية، كالوقف على لفظ: ﴿جَاءَنِي﴾ من قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ فهذا تمام حكاية قول الظالم في نهاية الحكاية، وكذلك القول أو القصة ...
ثانيا: الوقف الكافي:
هو الوقف على كلام تم معناه في نفسه، وتعلق بما بعده معنى لا لفظًا١، ويوجد في رءوس الآي وفي أثنائها. كالوقف على نحو قوله
стр. 131
تعالى: ﴿ومِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون﴾ والابتداء بما بعدها وعلى نحو قوله تعالى: ﴿وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ .
والابتداء بما بعدها وعلى قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُون﴾ فكل هذا كلام تام مفهوم وما بعده مستغنٍ عما قبله في اللفظ وإن اتصل في المعنى، ويحسن الوقوف عليه، والابتداء بما بعده.
قال ابن الجزري رحمه الله تعالى: وقد يتفاصل- أي الوقف الكافي- في الكفاية، كتفاصل التام نحو: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ كافٍ ﴿فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً﴾ أكفى منه ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ أكفى منهما ١.
وحكمه أنه يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده كالوقوف التام وسمي كافيًا للاكتفاء به عما بعده لعدم تعلقه به من جهة اللفظ وإن كان متعلقًا به من جهة المعنى.
قال ابن مسعود ﵁ قال: قال لي رسول الله، ﷺ : "اقرأ عليَّ"، فقلت: أعليك وعليك أنزل؟! قال: "إني أحب أن أسمعه من غيري"، قال: فافتتحت سورة النساء، فلما بلغت ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ قال: فرأيت عينيه تذرفان دموعًا فقال لي: "حسبك" ٢، قال الداني أبو عمرو: فهذا دليل جواز القطع على الوقف الكافي؛ لأن شهيد
стр. 132
ليس من التام وهو متعلق بما بعده معنى؛ لأن المعنى: فكيف يكون حالهم إذا كان هذا يومئذ يود الذين كفروا، فما بعده متعلق بما قبله، والتمام: ﴿حَدِيثًا﴾ ؛ لأنه انقضاء القصة وهو آخر الآية الثانية، وقد أمر النبي ﷺ أن يقطع عليه دونه، مع تقارب ما بينهما فدل ذلك دلالة واضحة على جواز القطع على الكافي.
ونخلص من ذلك أن الوقف الكافي هو ما لا يتعلق ما قبله بما بعده في اللفظ وكل منهما جملة مفيد بنفسها.
ثالثا: الوقف الحسن:
هو الوقف على كلام تم معناه في ذاته وتعلق بما بعده لفظًا ومعنى، مع الفائدة من الوقوف عليه، كأن يكون اللفظ الموقوف عليه موصوفًا وما بعده صفة له، أو معطوفًا وما بعده معطوفًا عليه، أو مستثنى منه وما بعده مستثنى، أو بدل وما بعده مبدل منه، ونحو ذلك من كلام تعلق بما بعده لفظًا ومعنى.
وسمي حسنًا لحسن الوقف عليه؛ لأنه أفاد معنى يحسن السكوت عليه، وحكمه أنه يحسن الوقوف عليه لما أفاد من غاية يرمي إليها.
وأما الابتداء بما بعده ففيه تفصيل؛ لأنه قد يكون في رءوس الآي، وقد يكون في أثنائها وغيرها.
فإن كان في غير رءوس الآي فحكمه أن يحسن الوقوف عليه ولا يحسن الابتداء بما بعده؛ لتعلقه به لفظًا ومعنى كالوقوف على لفظ: الله، من قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّه﴾ فإنه كلام تام يحسن الوقف عليه ولا يحسن الابتداء بما بعده لتعلقه به لفظًا ومعنى؛ لأن ما بعده وهو قوله:
стр. 133
﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أو قوله: ﴿فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْض﴾ ، صفة للفظ الجلالة، أو قوله في الموصوفين من سورة الفاتحة، ومن سورة فاطر، والصفة والموصوف كالشيء الواحد لا يُفرَّق بينهما، والابتداء يكون حينئذ غير حسن؛ لأنه تعلق بما بعده لفظًا ومعنى، فإن ما بعد لفظ الجلالة متعلق به على أنه صفة له، وحكمه أنه يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده إن كان رأس آية، كلفظة العالمين من قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ ، بل حسنه، كما ذكر الحافظ الجزري ﵀ ١.
وكان ﷺ إذا قرأ قطع قراءته آية آية ٢، فإن لم يكن رأس آية كـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ حسن الوقف عليه دون الابتداء بما بعده، فإن وَقَفَ وأراد الابتداء وصل بما بعده.
ذلك لأن الوقف الحسن، هو الوقف على ما يؤدي معنى صحيحًا، ويؤدي فائدة من الوقوف عليه ولكنه متعلق بما بعده لفظًا ومعنى.
رابعا: الوقف القبيح:
وهو الوقف على كلام لم يتم معناه لتعلقه بما بعده لفظًا ومعنى مع عدم الفائدة، أو أفاد معنى غير مقصود أو أوهم فساد المعنى، فهذه أنواع ثلاثة وهذا تفصيلها.
стр. 134
النوع الأول: الذي لم يتم معناه، ضابطه الوقف على العامل دون معموله ويشمل هذا النوع صورًا شتى منها: الوقف على المضاف دون المضاف إليه كالوقف على لفظ: ﴿بِسْمِ﴾ ، و ﴿مَالِكِ﴾ ، من نحو قوله تعالى: ﴿بِسِْم الله﴾ ، أو ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّين﴾ فالوقف على مثل هذا قبيح؛ لأنه لم يتم به الكلام ولا يفهم منه معنى وحده. ومنها الوقف على المبتدأ دون خبره، كالوقف على لفظ: ﴿الْحَمْدُ﴾ من ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ .
ومن ذلك الوقف على الموصوف دون صفته كالوقف على لفظ: ﴿الصِّرَاط﴾ من قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم﴾ .
ومنها الوقف على الفعل دون فاعله كالوقف على لفظ: ﴿يُتَقَبَّل﴾ من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ فكل هذا وما ماثله لا يجوز الوقف عليه ولا الابتداء بما بعده؛ لأنه لا يتم معه كلام ولا يفهم منه معنى، ولهذا لا يجوز الوقوف:
على المضاف دون المضاف إليه.
ولا على الفعل دون الفاعل.
ولا على المبتدأ دون الخبر.
ولا على فعل الشرط دون جوابه إذا ذكر، وقد يحذف.
ولا يجوز أن يوقف على كان وأخواتها أو إن وأخواتها دون أسمائها: المبتدأ والخبر.
ولا يجوز أن يوقف على النعت دون المنعوت.
ولا على العطف دون المعطوف.
ولا على القسم دون جوابه.
стр. 135
ولا على حرف دون ما دخل عليه سواء أكان حرف جر أم عطف أم حرف علة.
فالأداء السليم يتخير المعنى ويتجنب مثل هذه الوقفات القبيحة التي قد تؤدي إلى عدم تمام المعنى أو تحريفه، أو إلى معنى قد لا يريده المتكلم، ولا يجوز للقارئ أن يتعمد الوقف على شيء من هذا وما شاكله إلا لضرورة، كضيق نفس أو عطاس أو عجز أو عي أو نسيان، وسمي حينئذ وقف الضرورة، وهو مباح للقارئ، فإذا زالت الضرورة التي ألجأته لذلك بدأ بما وقف عليه، إن صح الابتداء به، وإلا رجع لما يصح الابتداء به قبله.
وأما النوع الثاني: وهو الذي أفاد معنى غير مقصود، فما بعده ضروري أن يتصل به ليتم منه المعنى المراد، فنحو الوقف على لفظ: ﴿الصَّلاة﴾ من قوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ١.
وذلك لأنه يوهم النهي عن أداء الصلاة مطلقا، وليس كذلك، وإنما المقصود من الآية الكريمة: لا تقربوا الصلاة حال كونكم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، وهذا المعنى المقصود لا يتم إلا إذا انضم إليه ما بعده، وعليه فالوقف على الصلاة قبيح فيوصل بما بعده إلى أن يقف على قوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ فهو كافٍ، ولهذا النوع صور شتى يمكن الرجوع إليها في كتب القراءات٢.
وأما النوع الثالث: وهو ما أوهم فساد المعنى وفيه سوء الأدب مع الله ﵎، وهو أقبح من القبيح فنحو الوقف على لفظ
стр. 136
الجلاله من قوله تعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ، ومثل الوقف على ﴿يَسْتَحْي﴾ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ ، وهذا لا يجوز بحال إنما يكون الوقف على ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ ، ولا يخفى ما في ذلك من فساد المعنى وسوء الأدب مما هو ظاهر لا يصح التَّفَوُّه به، وأقبح من هذا وأشنع الوقف على المنفي الذي بعده الإيجاب، وفي هذا الإيجاب وصف لله تعالى أو لرسله عليهم الصلاة والسلام، وذلك نحو الوقف على: ﴿إله﴾ من قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّه﴾ ، وقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّه﴾ والقبح في هذا لا يصح التَّفَوُّه به أيضا، وصور ذلك شتى لا يسمح المقام لذكرها، والأصل في الوقف القبيح من السنة المطهرة ما ذكره الحافظ ابن الجزري بسنده المتصل إلى عدي بن حاتم، قال عدي بن حاتم: جاء رجلان إلى النبي ﷺ فتشهد أحدهما فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما، ووقف فقال رسول الله ﷺ : "قم أو اذهب بئس الخطيب أنت" ١.
قالوا: وهذا دليل على أنه لا يجوز القطع على القبيح أو الوقوف عليه؛ لأن النبي ﷺ كره منه ذلك، وقال له: "قم بئس الخطيب أنت" لأنه جمع بين حال من أطاع الله ورسوله، ومن عصى ففسد بذلك المعنى، والأولى أنه كان يقف على رشد ثم يقول: ومن يعصهما فقد غوى.
стр. 137
علامات الوقف
وهناك علامات للوقف اصطلح عليها قراء القرآن الكريم، وأصبحت ملازمة لخط المصحف فضلا عن الوقف على آخر الآية، وأهم تلك العلامات هي:
مـ: تفيد لزوم الوقف.
لا: تفيد النهي عن الوقف، أي هي علامة الوقف الممنوع.
ج: تفيد جواز الوقف جواز مستوي الطرفين أي: الوقف والوصل.
صلي: علامة الوقف الجائز مع كون الوصل أولى.
قلي: علامة الوقف الجائز مع كون الوقف أولى.
(:. -:.) علامة تعانق الوقف، بحيث إذا وقفت على أحد الموضعين لا يصح الوقف على الآخر.
وفي غير المصحف نرى ما يسمى بعلامات الترقيم أو أن يضع القارئ لنفسه علامات تعينه على ما يريد من وقف يطول أحيانًا أو يقصر أو يكتفي بعلامات الترقيم المعروفة، لكي تعينه على إعطاء الإلقاء معنى، فعلامات الترقيم تتخلل الكتابة لتساعد على الإلقاء الجيد.
стр. 138
علامات الترقيم هي:
١- النقطة (٠) توضع في نهاية الكلام للدلالة على تمام المعنى.
٢- الفصلة (،) تكون بين الجمل المتصلة المعنى.
٣- الفصلة المنقوطة (؛) وتكون بين جملتين إحداهما سبب في حدوث الأخرى.
٤- النقطتان (:) توضعان بعد القول أو في معناه، نحو قال الرجل: من جاء بك، كما توضعان بين المجمل من القول وما يفصله مثل: في هذه أمور ثلاثة: أولها ...
٥- علامة الاستفهام (؟) توضع في نهاية الجملة الاستفهامية.
٦- علامة التعجب (!) توضع في نهاية الكلام الذي يحمل معنى الدهشة من شيء ما.
٧- علامة التنصيص ("....") ويوضع بنيهما ما ينقل بنصه من الكلام حتى يأخذ نغمته في الإلقاء.
٨- الشرطة (-) توضع في كتابة العدد في أول السطر وفي حالة المجاورة بين اثنين، حتى يمكن الفصل بينهما.
٩- الشرطتان (- ... -) توضع بين الجمل المعترضة فيتصل ما قبل الشرطة الأولى في الإلقاء بما بعد الشرطة الثانية.
١٠- القوسان [ ( ... ) ] وتوضع بنيهما الجمل المعترضة التي لا تربط بالسياق نحو: وصية عمر ﵁ لواليه.
стр. 139
وهكذا فعلامات التنقيط هي عبارة عن رموز توضع بني أجزاء الكلام؛ تسهيلا على القارئ حتى يدرك مواقع الوقف وأنواعه والابتداء، وتعينه على تنويع نبرات صوته وفقًا لما يوضع له من علامات.
ويمكن أن نقسم تلك العلامات إلى ثلاثة أنواع:
أولا: ثلاثة منها تبين للقارئ أنواع الوقف وهي:
١- الشولة أو الفصلة ورسمها هكذا: (،) وهي علامة الوقف الناقص وهو سكوت القارئ قليلا، وتوضع بعد المنادى المتصل مثل: يا علي، احفظ الله يحفظك. وبين المفردات المعطوفة التي تفيد التنوع أو التقسيم مثل: الجهات الأصلية أربعة: الشرق، والغرب، والشمال، والجنوب. وبين الجمل القصيرة التامة المعنى والتي استقلت كل جملة منها بغرض مثل: الصدق خير، والكذب شر، والصادق محبوب من الله، محبوب من الناس. كما تقع بين المفردات الشبيهة بالجملة لطولها، وتقع كذلك بين جملتي الشرط والجزاء إن طالت جملة الشرط.
٢- الشولة المنقوطة: (؛) وتسمى الفصلة المنقوطة، وهي علامة الوقف الكافي، وتوضع بين الجمل التي بينها علاقة في المعنى كأن تكون الجملة الثانية دالة على سبب متعلق بالجملة الأولى مثل: كن كريما؛ فإن البخيل لا حَظَّ له ولا للناس في ماله. أو أن تكون الجملة الثانية مسببة عن الأولى، أو أن تكون بين الجمل مشاركة في المعنى، مثل قل الحق وإلا فاسكت؛ الحق نور؛ وكاتم الحق شيطان أخرس.
٣- النقطة: (.) وهي علامة الوقف التام وتوضع بين الجمل المستقلة
стр. 140
عما بعدها في المعنى والإعراب، كما توضع في نهاية كل فقرة، وفي نهاية كل فصل أو باب في كتاب.
وهذه العلامات الثلاث تبين أنواع الوقف حتى تكون عونًا على الإلقاء السليم.
ثانيًا: وهناك إلى جانب ذلك أربع علامات تدل على تنويع النبرات الصوتية وهي:
أ- النقطتان (:) وهي تدل على علامة التوضيح.
ب- علامة الحذف: ( ... ) وهي تدل على أن كلامًا ناقصًا.
ج- علامة الاستفهام:؟
د- علامة التعجب:!!!
وكل علامة من هذه العلامات تحتاج إلى أداء لها يتلاءم مع طبيعتها، وإلى نبرة صوتية تختلف وفقًا لاختلاف المراد منها.
ثالثًا: وهناك علامات تعرف بالعلامات الصامتة إلا أن لها في الأداء نغمة تتلاءم مع طبيعة الدور الذي ينبغي أن تكون عليه، وهذه العلامات هي:
علامة التنصيص: " ... ".
والقوسان أو علامة الحصر: ( ... ) .
الجملة المعترضة أو علامة البدل ورسمها هكذا: (- ... -) .
علامة المتابعة: (=) وهي علامة تدل على التساوي.
علامة المماثلة: (//) .
وإدراك الباحث والدارس لشكل كل واحدة من هذه العلامات
стр. 141
تعينه على أن يعطي لنفسه القدرة أو الاستعداد لما تحمل من نبرات ينبغي أن تؤدى بها حتى تأتي في أذن السامع وافية بالمعنى المراد.
стр. 142
الوقف على آخر الكلمات
الوقف على آخر الكلمات يحتاج إلى تأمل وتدبر من القارئ، فبعض الكلمات تكون صحيحة الآخر، وقد تكون متحركة أو ساكنة وبها حرف تنوين أو مد، وقد يكون في آخر الكلمات حرف علة، ولهذا ينبغي أن نتبين طبيعة الوقف على آخر الكلمات.
فمن المعروف أن الوقف على آخر الكلمات يكون بالسكون، ولكن هذا القول يحتاج مِنَّا إلى أن ننظر هل هذا السكون يكون سكونًا طبيعيًّا بسبب من الأسباب؟ كما في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ .
فالسكون هنا في آخر الكلمة عند الوقف سيكون طبيعيًّا، سواء وقفت عليه أم وصلت، ومن هنا ينبغي أن يكون الوقف وقفًا لازمًا وليس أمام القارئ إلا الوقف بالسكون.
أما إذا كان آخر الكلمة المراد الوقوف عليها متحركًا وعرضت عليه سكون الوقف؛ لأن السكون هو الأصل في الوقف، إذ يسكن الإنسان لكي يقف ويكف عن القراءة.
وبذا يكون قد كفَّ عن الإتيان بالحركة في الحرف الأخير ولذا لا ينبغي الوقف إلا بالسكون.
стр. 143
وإذا أردت أن تقف على الحركة، لإعطاء لون من التجانس أو النغم الصوتي، فلا يجوز لك بحال من الأحوال أن تقف بالحركة كاملة من: فتح أو كسر أو ضم أو تنوين، وإنما يجوز لك أن تأتي ببعض منها، وهو ما عرف عند علماء القراءة: الوقوف بالروم، والروم معناه في اللغة: الطلب، رام الشيء أي: طلبه.
وفي الاصطلاح: تضعيف الصوت بالحركة حتى يذهب بذلك التضعيف، بل إن أفضل ما قيل في ذلك: هو الإتيان ببعض الحركة، وقدَّر العلماء هذا الإتيان بأن يكون بالثلث فقط، وهذا يدل على أن الوقف يمكن مع إضعاف صوت الحركة على ألا يذهب بها كلية.
ويجوز له كذلك أن يقف على الحركة الوقف المعروف بالإشمام، وهو عبارة عن ضم الشفتين من غير صوت بعد النطق بالحرف الأخير ساكنًا، إشارة إلى الضم مع إبقاء فرجة، والإشمام في هذه الحالة يكون في المضموم من المعرب، وفي المضموم من المبني١.
وبهذا يكون أمام القارئ حين الوقف ثلاثة أوجه، يختار منها ما يتلاءم مع طبيعة الموقف، والحالة التي يجب الوقوف عليها:
إما أن يقف بالسكون المحض والروم والإشمام، وهو ما كان متحركًا في الوصل بالرفع.
ما يجوز فيه الوقف بالسكون المحض والروم، ولا يجوز فيه الإشمام، وهو ما كان متحركًا في الوصل بالجر.
ما يجوز فيه الوقف بالسكون المحض فقط، ولا يجوز فيه روم ولا إشمام، وهو هاء التأنيث وميم الجمع وما كان محركًا في الوصل بحركة عارضة، أو ما كان آخره ساكنًا في الوصل والوقف، أو ما كان
стр. 144
متحركا في الوصل بالنصب في غير المنون.
والوقوف بالروم: وهو عبارة عن إخفاء الصوت بالحركة.
وهو عند النحويين جائز في الحركات الثلاث.
وعند القراء يجوز في الضمة والكسرة، ولا يجوز في الفتحة.
وتختص الضمة بجواز الوقف عليها بالإشمام١.
الوقف على المقصور:
لا يوقف على المقصور من الأسماء إلا بالألف، منونًا كان، أو غير منون.
وفي الوقوف على المقصور المنون ثلاثة مذاهب:
١- مذهب سيبويه: وهو الحكم عليه في الرفع والضم بأن تنوينه محذوف دون عوض، وأن الوقف فيه على الألف التي من نفس الاسم، والوقف عليه في حالة النصب يكون بإبدال تنوينه ألفًا، إجراء له مجرى الصحيح.
٢- ما ذهب إليه المازني: أن الألف الثابتة في الوقف هي بدل التنوين منصوبًا كان المقصور مرفوعًا
أو مجرورًا ٢.
٣- وذهب أبو عمرو والكسائي: أن الألف الموقوف عليها في المقصور لا تكون أبدًا، إلا الألف التي هي نفس الاسم مرفوعة كانت أو مجرورة أو منصوبة.
وذكر في شرح الكافية: أن هذا المذهب أقوى من غيره، وهذا
стр. 145
موافق لمذهب ربيعة في حذفهم تنوين الصحيح دون بدل، والوقوف عليه بالسكون مطلقًا، ويقوي هذا المذهب الرواية بإحالة الألف وقفًا والاعتداد به رويًّا.
وكما ذكر ابن مالك في شرح الكافية، أنه لا خلاف في المقصور غير المنون، أن لفظه في الوقف كلفظه في الوصل، وأن أَلِفَه لا تحذف إلا في ضرورة ١.
الوقوف على الاسم المنقوص:
الاسم المنقوص هو: الذي آخره ياء مكسور ما قبلها نحو قاضي، إذا أردت الوقوف عليه، وكان منصوبا أبدل من تنوينه ألف، إن كان منونا.
وأثبتت ياؤه ساكنة إن لم يكن منونًا كقولك: قطعت واديًا وأحب الداعي٢.
وهذا يجعلنا ننظر إلى الاسم المنقوص، إما أن يكون منونًا أو لا، فإن كان منونًا، فالأفصح الوقوف عليه رفعًا وجرًا بالحرف، فتقول: هذا قاضٍ ومرت بقاضٍ.
ويجوز أن تقف عليه بالياء، وبذلك وقف ابن كثير على: هادٍ، ووالٍ، وواقٍ من قوله تعالى: "وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادي" "وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالي" "وَمَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَاقي".
وإن كان غير منون، فالأفصح الوقوف عليه رفعًا وجرًّا بالإثبات كقوله: هذا قاضي، ومررت بالقاضي، ويجوز الوقوف عليه بالحذف، وبذلك وقف الجمهور على: المتعال، والتلاق، في قوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾
﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ ووقف