← Акыда

Акыда · id 1127

رسم الوداد في إيضاح تحفة الأولاد في توحيد رب العباد

غازي بن سالم أفلح

Полный текст (189 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

النفع، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] فهذه الآية الكريمة أمر الله فيها نبيه ﷺ أن يسأل المشركين عن هذه الأشياء وأخبر أنهم سيقولون أن فاعلها هو الله وحده ولهذا قال تعالى: ﴿فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ المعنى أفلا تتقون الله في ترك الشرك به، وأنتم تعلمون أنه سبحانه هو المتصرف في هذه الأمور والمدبر لها. وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨] … قال ﵀: … والأقرب إلحاقه بالأسباب الأخيرة المحرمة؛ لأنه من جنس الحلقات والتمائم والأوتار التي جاء فيها النهي؛ (١) وقال أيضا: في إجابة سائل عن خصائص الأسورة النحاسية التي حدثت أخيرا لمكافحة (الروماتيزم)، قال ﵀: أفيدكم أني درست موضوعها كثيرا، وعرضت ذلك على جماعة كثيرة من أساتذة الجامعة ومدرسيها، وتبادلنا جميعا وجهات النظر في حكمها، فاختلف الرأي: … والذي أرى في هذه المسألة هو ترك الأسورة المذكورة، وعدم استعمالها: • سدا لذريعة الشرك، • وحسما لمادة الفتنة بها والميل إليها، وتعلق النفوس بها،

стр. 72

• ورغبة في توجيه المسلم بقلبه إلى الله سبحانه ثقة به، واعتمادا عليه • واكتفاء بالأسباب المشروعة المعلومة إباحتها بلا شك … إلخ وقال العلامة ابن عثيمين ﵀ وقد سئل عن حكم لبس السوار لعلاج الروماتيزم؟ فأجاب: اعلم أن الدواء سبب للشفاء، والمسبب هو الله تعالى فلا سبب إلا ما جعله الله تعالى سببا، والأسباب التي جعلها الله تعالى أسبابا نوعان: النوع الأول: أسباب شرعية كالقرآن الكريم والدعاء كما قال النبي ﷺ في سورة الفاتحة: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ»، وكما كان النبي ﷺ يرقي المرضى بالدعاء لهم فيشفي الله تعالى بدعائه من أراد شفاءه به النوع الثاني: أسباب حسية كالأدوية المادية المعلومة عن طريق الشرع كالعسل، أو عن طريق التجارب مثل كثير من الأدوية وهذا النوع لا بد أن يكون تأثيره عن طريق المباشرة لا عن طريق الوهم والخيال، فإذا ثبت تأثيره بطريق مباشر محسوس صح أن يتخذ دواء يحصل به الشفاء بإذن الله تعالى. أما إذا كان مجرد أوهام وخيالات يتوهمها المريض فتحصل له الراحة النفسية بناء على ذلك الوهم والخيال ويهون عليه المرض وربما ينبسط السرور النفسي على المرض فيزول، فهذا لا يجوز الاعتماد عليه ولا إثبات كونه دواء؛ لئلا ينساب الإنسان وراء الأوهام والخيالات، ولهذا نُهي عن لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع المرض أو دفعه؛ لأن ذلك ليس سببا شرعيا ولا حسيا، وما لم يثبت كونه سببا شرعيا ولا حسيا لم يجز أن يجعل سببا فإن جعله سببا نوع من منازعة الله تعالى في ملكه وإشراك به حيث شارك الله تعالى في وضع الأسباب لمسبباتها، وقد ترجم الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ لهذه المسألة في كتاب التوحيد بقوله: (باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لدفع البلاء أو رفعه) وما أظن السوار الذي أعطاه الصيدلي لصاحب الروماتيزم

стр. 73

الذي ذكر في السؤال إلا من هذا النوع، إذ ليس ذلك السوار سببا شرعيا ولا حسيا تعلم مباشرته لمرض الروماتيزم حتى يبرئه فلا ينبغي للمصاب أن يستعمل ذلك السوار حتى يعلم وجه كونه سببا، والله الموفق ا. هـ (١)

стр. 74

التبرك بالقبور ٤١ - وَمَنْ بِقَبْرِ صَالِحٍ تَبَرَّكَا … أَوْ طَافَ حَوْلَهُ يَكُنْ قَدْ أَشْرَكَا قال الشيخ الوزير صالح آل الشيخ ما ملخصه: "تبرك": تفعل من البركة، والبركة: هي كثرة الخير وثبوته، والتبرك: طلب البركة، والنصوص في القرآن والسنة دلت على أن البركة من الله جل وعلا، وأن الله جل وعلا، هو الذي يبارك، وأنه لا أحد من الخلق يبارك أحدا، فالذي يبارك هو الله جل وعلا، فلا يجوز للمخلوق أن يقول: باركت على الشيء، أو أبارك فعلكم؛ لأن البركة وكثرة الخير ولزومه، وثباته، إنما ذلك من الذي بيده الأمر، وهو الله . وقد دلت النصوص في الكتاب والسنة على أن الأشياء التي أحل الله - جل وعلا - البركة فيها قد تكون: • أمكنة أو أزمنة؛ • وقد تكون مخلوقات آدمية، فهذان قسمان: القسم الأول: أن الله - تعالى - بارك بعض الأماكن كبيت الله الحرام، فهو مبارك لا من جهة ذاته، يعني: ليس كما يعتقد البعض أن من تمسح به انتقلت إليه البركة وإنما هو مبارك من جهة المعنى، يعني: اجتمعت فيه البركة التي جعلها الله في هذه البنية، من جهة: تعلق القلوب بها، وكثرة الخير الذي يكون لمن أرادها، وأتاها، وطاف بها، وتعبد عندها، وكذلك الحجر الأسود هو حجر مبارك، ولكن بركته لأجل العبادة، يعني أن من استلمه تعبدا مطيعا للنبي ﷺ في استلامه له، وفي تقبيله، فإنه يناله به بركة الاتباع. وقد قال عمر ﵁ لما قبّل الحجر: " إني

стр. 75

لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر " فقوله: لا تنفع ولا تضر، يعني لا يجلب لمن قبله شيئا من النفع، ولا يدفع عن أحد شيئا من الضر، وإنما الحامل على التقبيل مجرد الاتِّساء، تعبدا لله، ولذلك قال: " .. ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك " فهذا معنى البركة التي جعلت في الأمكنة. وأما معنى كون الزمان مباركا - مثل شهر رمضان، أو بعض أيام الله الفاضلة- فيعني: أن من تعبد فيها، ورام الخير فيها، فإنه ينال من كثرة الثواب ما لا يناله في غيرها من الأزمنة. والقسم الثاني: البركة المنوطة ببني آدم، وهي: البركة التي جعلها الله - جل وعلا - في المؤمنين من الناس، وعلى رأسهم: سادة المؤمنين: من الأنبياء والرسل فهؤلاء بركتهم بركة ذاتية، يعني: أن أجسامهم مباركة، فالله - جل وعلا - هو الذي جعل جسد آدم ﵈ مباركا وجعل جسد إبراهيم ﵈ مباركا، وجعل جسد نوح ﵈ مباركا، وهكذا جسد عيسى، وموسى، عليهم جميعا الصلاة والسلام جعل أجسادهم جميعا مباركة، بمعنى: أنه لو تبرك أحد من أقوامهم بأجسادهم، إما بالتمسح بها، أو بأخذ عرقها، أو التبرك ببعض أشعارهم، فهذا جائز؛ لأن الله جعل أجسادهم مباركة بركة متعدية، وهكذا نبينا محمد ﷺ جسده أيضا جسد مبارك؛ ولهذا ورد في السنة أن الصحابة كانوا يتبركون بعرقه، ويتبركون بشعره، وإذا توضأ اقتتلوا على وضوئه، إلى آخر ما ورد في ذلك؛ وهذا مخصوص بالأنبياء والرسل، أما غيرهم فلم يرد دليل على أن من أصحاب الأنبياء والرسل مَنْ بركتهم بركة ذاتية، حتى أفضل هذه الأمة أبو بكر وعمر ﵄ فقد جاء بالتواتر القطعي: أن الصحابة والتابعين والمخضرمين لم يكونوا يتبركون بأبي بكر، وعمر،

стр. 76

وعثمان، وعلي ﵃ كما كانوا يتبركون بشعر النبي ﷺ ، أو بوضوئه، أو بنخامته، أو بعرقه أو بملابسه، ونحو ذلك، فعلمنا بهذا التواتر القطعي أن بركة أبي بكر وعمر ﵄ إنما هي بركة عمل، ليست بركة ذات تنتقل كما هي بركة النبي ﷺ بل هي: بركة عمل راجعة إلى الإيمان، وإلى العلم، والدعوة، والعمل. وكل مسلم فيه بركة، وهذه البركة ليست بركة ذات، وإنما هي بركة عمل، وبركة ما معه من الإسلام والإيمان، وما في قلبه من الإيقان والتعظيم لله - جل وعلا - والإجلال له، والاتباع لرسوله ﷺ ، فهذه البركة التي في العلم، أو العمل، أو الصلاح: لا تنتقل من شخص إلى آخر وعليه: فيكون معنى التبرك بأهل الصلاح هو الاقتداء بهم في صلاحهم، والتبرك بأهل العلم هو الأخذ من علمهم والاستفادة منه وهكذا، ولا يجوز أن يُتبرك بهم بمعنى أن يُتمسح بهم، أو يُتبرك بريقهم؛ لأن أفضل الخلق من هذه الأمة وهم الصحابة لم يفعلوا ذلك مع خير هذه الأمة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ﵃ وهذا أمر مقطوع به. فمعنى تبرك المشركين: أنهم كانوا يرجون كثرة الخير، ودوام الخير، ولزوم الخير وثبات الخير، بالتوجه إلى الآلهة، وهذه الآلهة يكون منها: الصنم الذي من الحجارة، والقبر من التراب، ويكون منها الوثن والشجر، ويكون منها البقاع المختلفة، كالغار أو عين ماء، أو نحو ذلك، فهذه التبركات المختلفة جميعها تبركات شركية. والتبرك بالشجر، أو بالحجر أو بالقبر، أو ببقاع مختلفة: قد يكون شركا أكبر، وقد يكون شركا أصغر.

стр. 77

فيكون شركا أكبر: إذا طلب بركتها، معتقدا أنه بتمسحه بهذا الشجر، أو الحجر أو القبر، أو تمرغه عليه، أو التصاقه به: يتوسط له عند الله. فإذا اعتقد فيه أنه وسيلة إلى الله فهذا: اتخاذ إله مع الله - جل وعلا - وشرك أكبر، وهذا هو الذي كان يعتقده أهل الجاهلية في الأشجار والأحجار التي يعبدونها، وفي القبور التي يتبركون بها؛ يعتقدون أنهم إذا عكفوا عندها، وتمسحوا بها، أو نثروا ترابها على رؤوسهم، فإن هذه البقعة، أو صاحب هذه البقعة، أو الروحانية وهي: الروح التي تخدم هذه البقعة: أنه يتوسط له عند الله - جل وعلا - فهذا الفعل - إذًا - راجع إلى اتخاذ أنداد مع الله - جل وعلا -، ويكون التبرك شركا أصغر: إذا كان يتخذ هذا التبرك بنثر التراب عليه، أو إلصاق الجسم به، أو التبرك بعين ونحوها، أسبابا لحصول البركة بدون اعتقاد أنها توصل وتقرب إلى الله، يعني: أنه جعلها أسبابا فقط، كما يفعل لابس التميمة، أو الحلقة، أو الخيط؛ فكذلك هذا المتبرك، يجعل تلك الأشياء أسبابا فإذا أخذ - مَنْ هذه حاله - تراب القبر، ونثره عليه لاعتقاده أن هذا التراب مبارك، وإذا لامس جسمه فإن جسمه يتبارك به أي: من جهة السببية: فهذا شرك أصغر؛ لأنه لا يكون عبادة لغير الله - جل وعلا - وإنما اعتقد ما ليس سببا مأذونا به شرعا: سببا. وأما إذا تمسح بها كما هي الحال الأولى وتمرغ والتصق بها، لتوصله إلى الله - جل وعلا -، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة.

стр. 78

الاستهزاء بالدين وأهله ٤٢ - أَوْ كَانَ هَازِءًا بِحُكْمِ الْلَّهِ … أَوْ سَاخِرًا مِنْ عَابِدٍ أَوَّاهِ من استهزأ بشيء من دين الرسول ﷺ أو ثوابه أو عقابه كفر، ولا فرق في ذلك بين الهازل والجاد والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦] وروى ابن وهب، قال: حدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قَالَ رَجُل فِي غَزْوَة تَبُوك فِي مَجْلِس: مَا رَأَيْنَا مِثْل قُرَّائِنَا هَؤُلَاءِ أَرْغَب بُطُونًا وَلَا أَكْذَب ألسنة وَلَا أَجَبْنَ عِنْد اللِّقَاء، فَقَالَ رَجُل فِي المجلس: كَذَبْت، وَلَكِنَّك مُنَافِق، لَأُخْبِرَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ فَبَلَغَ ذَلِكَ النبي ﷺ وَنَزَلَ الْقُرْآن، قال عَبْد اللَّه بْن عُمَر ﵄: فأنا رَأَيْته مُتَعَلِّقًا بِحُقُبِ نَاقَة رَسُول اللَّه ﷺ تَنْكُبهُ الْحِجَارَة، وَهُوَ يَقُول: يَا رَسُول اللَّه إِنَّمَا كُنَّا نَخُوض وَنَلْعَب، وَرَسُول اللَّه ﷺ يقول: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ا. هـ (١)

стр. 79

وقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ مَخْشِيُّ بْنُ حِمْيَرٍ: لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقَاضَى عَلَى أَنْ يُضْرَبَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ مِائَةً مِائَةً عَلَى أَنْ نَنْجُوَ مِنْ أَنْ يَنْزِلَ فِينَا قُرْآنٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵄: أَدْرَكِ الْقَوْمَ فَإِنَّهُمْ قَدِ احْتَرَقُوا، فَاسْأَلْهُمْ عَمَّا قَالُوا، فَإِنْ هُمْ أَنْكَرُوا وَكَتَمُوا، فَقُلْ: بَلَى، قَدْ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، فَأَدْرَكَهُمْ فَقَالَ لَهُمُ: الَّذِي أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَاءُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَعْتَذِرُونَ، وَقَالَ مَخْشِيُّ بْنُ حِمْيَرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَعَدَ بِي اسْمِي وَاسْمُ أَبِي فَأَنْزَلَ- اللَّهُ تَعَالَى- فِيهِمْ ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة: ٦٦] فَكَانَ الَّذِي عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: مَخْشِيُّ بْنُ حِمْيَرٍ، فَتَسَمَّى: عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُقْتَلَ شَهِيدًا لَا يَعْلَمُ بِمَقْتَلِهِ فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ لَا يَعْلَمُ مَقْتَلَهِ وَلا مَنْ قَتَلَهُ وَلا يُرَى لَهُ أَثَرٌ وَلا عَيْنٌ". (١) وقال تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [الجاثية: ٩] قال الحافظ عماد الدين ابن كثير ﵀: أي: إذا حفظ شيئًا من القرآن كفر به واتخذه سخريا وهزوا، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي: في مقابلة ما استهان بالقرآن واستهزأ به ا. هـ

стр. 80

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٢] قال الحافظ ابن كثير ﵀: يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْمُجْرِمِينَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا ﴿يَضْحَكُونَ﴾ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، أَيْ: يَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ وَيَحْتَقِرُونَهُمْ ﴿وَإِذَا مَرُّوا﴾ بِالْمُؤْمِنِينَ ﴿يَتَغَامَزُونَ﴾ عَلَيْهِمْ، أَيْ: مُحْتَقِرِينَ لَهُمْ، ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ أَيْ: إِذَا انْقَلَبَ، أَيْ: رَجَعَ هَؤُلَاءِ الْمُجْرِمُونَ إِلَى مَنَازِلِهِمُ، انْقَلَبُوا إليها فاكهين، أَيْ: مَهْمَا طَلَبُوا وَجَدُوا، وَمَعَ هَذَا مَا شَكَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، بَلِ اشْتَغَلُوا بِالْقَوْمِ الْمُؤْمِنِينَ يَحْتَقِرُونَهُمْ وَيَحْسُدُونَهُمْ، ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ أَيْ: لِكَوْنِهِمْ عَلَى غَيْرِ دِينِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ [المطففين: ٣٣] أَيْ: وَمَا بُعث هَؤُلَاءِ الْمُجْرِمُونَ حَافِظِينَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ مَا يَصْدُرُ مِنْ أَعْمَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ، وَلَا كُلِّفُوا بِهِمْ؟ فَلِمَ اشْتَغَلُوا بِهِمْ وَجَعَلُوهُمْ نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١٠٨ - ١١١]. وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿فَالْيَوْمَ﴾ يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤)﴾ أَيْ: فِي مُقَابَلَةِ مَا ضَحِكَ بِهِمْ أُولَئِكَ، ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥)﴾ أَيْ: إِلَى اللَّهِ ، فِي مُقَابَلَةِ مَنْ زَعَمَ فِيهِمْ أَنَّهُمْ ضَالُّونَ، لَيْسُوا بِضَالِّينَ، بَلْ هُمْ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُقَرَّبِينَ، يَنْظُرُونَ إِلَى رَبِّهِمْ فِي دَارِ كَرَامَتِهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾؟ أَيْ: هَلْ جُوزِيَ الْكُفَّارُ عَلَى مَا كَانُوا يُقَابِلُونَ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الِاسْتِهْزَاءِ وَالتَّنَقُّصِ أَمْ لَا؟ يَعْنِي: قَدْ جُوزُوا أَوْفَرَ الْجَزَاءِ وَأَتَمَّهُ وَأَكْمَلَهُ ا. هـ ويلزم التفريق هنا بين تكفير المعين وغير المعين كما سيأتي (ص ١٣٢).

стр. 81

الذبح والنذر لغير الله والاستعاذة بغير الله ٤٣ - أَوْ ذَابِحًا أو مُوفِيًا بِنَذْرِ … أَوْ مُسْتَعِيذاً غَيْرَهُ مِنْ ضُرِّ الذبح لغير الله شرك بالله جل وعلا لأنه عبادة كما تقدم ولا يجوز صرفها لغير الله قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] قال الشيخ صالح آل الشيخ ما ملخصه: والذبح فيه شيئان مهمان: الأول: الذبح باسم الله، أو الذبح بالإهلال باسم ما. الثاني: أن يذبح متقربا لما يريد أن يتقرب إليه، فإذًا: ثَمَّ التسمية، وثَمَّ القصد، وهما شيئان، أما التسمية، فظاهر: أن ما ذُكر عليه اسم الله فإنه جائز وأن ما لم يذكر اسم الله عليه، فهذا مما أهل لغير الله به فالتسمية على الذبيحة من جهة المعنى: استعانة، فإذا سمى الله: فإنه استعان في هذا الذبح بالله - جل وعلا -؛ لأن الباء في قولك: باسم الله، يعني أذبح متبركا، ومستعينا بكل اسم لله - جل وعلا -، أو بالله - جل وعلا - الذي له الأسماء الحسنى، فجهة التسمية إذًا جهة استعانة. وأما القصد: فهذه جهة عبودية ومقاصد، فمن ذبح باسم الله لله كانت الاستعانة بالله والقصد من الذبح أنه لوجه الله تقربا لله - جل وعلا -، فصارت الأحوال عندنا أربعة: • أن يذبح باسم الله لله، فهذا هو التوحيد. • أن يذبح باسم الله لغير الله، وهذا شرك في العبادة.

стр. 82

• أن يذبح باسم غير الله لغير الله، وهذا شرك في الاستعانة، وشرك في العبادة أيضا. • أن يذبح بغير اسم الله ويجعل الذبيحة لله، فهذا شرك في الربوبية. فالواجب أن يذبح لله: قصدا وتقربا، وأن يسمي الله - جل وعلا - على الذبيحة، فإن لم يسم الله - جل وعلا - وترك التسمية عمدا فإن الذبيحة لا تحل، وإن لم يقصد بالذبيحة التقرب إلى الله - جل وعلا - ولا التقرب لغيره، وإنما ذبحها لأجل أضياف عنده أو لأجل أن يأكلها، يعني: ذبحها لقصد اللحم، ولم يقصد بها التقرب: فهذا جائز، وهو من المأذون فيه؛ لأن الذبح لا يُشترط فيه أن ينوي الذابح التقرب بالذبيحة إلى الله - جل وعلا -. والنذر أن يلزم المكلف المختار نفسه لله شيئاً ممكناً بأيِّة صيغة كانت، كأن يقول: لله عليّ أو لله نذر أو أنذر أو غير ذلك من الصيغ التي تفيد الالتزام، والأصل في النذر أنه مكروه، كما تقدم عند البيت (١٨) والذبح والنذر: عبادتان عظيمتان. فعبادة الذبح فعلية عملية، وعبادة النذر عبادة قولية إنشاءً، وعملية وفاءً، فالشرك الأكبر الذي يكون من جهة العمل، أنواع، ومنه الذبح لغير الله، والشرك الأكبر الحاصل من جهة القول أنواع ومنه النذر لغير الله، وكل من الذبح والنذر يصاحبهما اعتقاد تعظيم المخلوق، كتعظيم الله ، وهذا شرك، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]

стр. 83

وقال تعالى: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٦ - ٩٨] والاستعاذة: بغير الله من الشرك الأكبر والاستعاذة: طلب العياذ، أو طلب العوذ؛ وهو الدعاء المشتمل على ذلك يقال استعاذ: إذا طلب العياذ، والعياذ: ما يؤمِّن من الشر، كالفرار من شيء مخوف إلى ما يؤمِّن منه، أو إلى من يؤمِّن منه، ويقابلها اللياذ، وهو: الفرار إلى طلب الخير، والتوجه إليه، والاعتصام به، والإقبال عليه، لطلب الخير. والطلب من أنواع التوجه والدعاء، لأن الطلب يدل على أن هناك من يُطلب منه والمطلوب منه لما كان أرفع درجة من الطالب: كان الفعل المتوجه إليه يسمى دعاء. وإذا كان دعاء فإنه يكون عبادة، والعبادة حق لله وحده دون من سواه، كما قام الإجماع على هذا، ودلت النصوص عليه، كقوله سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] إذًا: فكل فعل من الأفعال، أو قول من الأقوال فيه طلب: يكون عبادة؛ لأنه دعاء؛ وكل طلب: فهو دعاء. وصرفه لغير الله شرك وهذا ينطبق على الاستعاذة كما أوضحنا. وقال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] قال الحافظ ابن كثير: أَيْ: كُنَّا نَرَى أَنَّ لَنَا فَضْلًا عَلَى الْإِنْسِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعُوذُونَ بِنَا، أَيْ: إِذَا نَزَلُوا وَادِيًا أَوْ مَكَانًا مُوحِشًا مِنَ الْبَرَارِي وَغَيْرِهَا كَمَا كَانَ عَادَةُ الْعَرَبِ فِي جَاهِلِيَّتِهَا. يَعُوذُونَ بِعَظِيمِ ذَلِكَ الْمَكَانِ مِنَ الْجَانِّ، أَنْ يُصِيبَهُمْ بِشَيْءٍ يَسُوؤُهُمْ كَمَا كَانَ أَحَدُهُمْ يَدْخُلُ بِلَادَ أَعْدَائِهِ فِي جِوَارِ رَجُلٍ كَبِيرٍ وَذِمَامِهِ وَخَفَارَتِهِ، فَلَمَّا رَأَتِ الْجِنُّ أَنَّ الْإِنْسَ يَعُوذُونَ بِهِمْ مِنْ خَوْفِهِمْ مِنْهُمْ: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أَيْ: خَوْفًا

стр. 84

وَإِرْهَابًا وَذُعْرًا، حَتَّى تَبْقَوْا أَشَدَّ مِنْهُمْ مَخَافَةً وَأَكْثَرَ تَعَوُّذًا بِهِمْ، كَمَا قَالَ قَتَادَةُ: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أَيْ: إِثْمًا، وَازْدَادَتِ الْجِنُّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ جَرَاءَةً ا. هـ فدلت الآية على ذم أولئك، وإنما ذموا؛ لأنهم صرفوا تلك العبادة لغير الله - جل وعلا - والله سبحانه أمر أن يستعاذ به دون ما سواه فقال سبحانه ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] وغيرها من الآيات فَعُلِمَ من التنصيص على المستعاذ به وهو الله - جل وعلا - أن الاستعاذة حصلت بالله، وبغيره وأن الله أمر نبيه أن تكون استعاذته به وحده دون ما سواه. وقال الشيخ صالح آل الشيخ أيضا ما ملخصه: والاستعاذة فيها عمل ظاهر، وفيها عمل باطن، فالعمل الظاهر: أن يطلب العوذ، وأن يطلب العياذ، وهو أن يُعصم من هذا الشر، أو أن ينجو من هذا الشر، والعمل باطن هو: توجه القلب وسكينته، واضطراره، وحاجته إلى هذا المستعاذ به، واعتصامه بهذا المستعاذ به، وتفويض أمر نجاته إليه. فإذا كانت الاستعاذة تجمع هذين النوعين فيصح أن يقال: إن الاستعاذة لا تصلح إلا بالله، لأن منها ما هو عمل قلبي كما تقدم وهو بالإجماع لا يصلح التوجه به إلا لله. وإذا قصد بالاستعاذة العمل الظاهر فقط وهو طلب العياذ والملجأ، فيجوز أن يتوجه بها إلى المخلوق، وعلى هذا يحمل الدليل الوارد في جوازها ا. هـ

стр. 85

من أحكام الرقية ٤٤ - أَوْ كَانَ رَاقِيًا بِمَا لا يُفْهَمُ … كَذَاكَ يَا أَوْلادِيَ التَّمَائِمُ شروط جواز الرقية: الأول: أن لا يعتقد أنها تنفع بذاتها دون الله، فإن اعتقد أنها تنفع بذاتها من دون الله؛ فهو محرم، بل شرك، بل يعتقد أنها سبب لا تنفع إلا بإذن الله. الثاني: أن لا تكون مما يخالف الشرع؛ كما إذا كانت متضمنة دعاء غير الله، أو استغاثة بالجن، وما أشبه ذلك؛ فإنها محرمة، بل شرك. الثالث: أن تكون مفهومة معلومة، فإن كانت من جنس الطلاسم والشعوذة؛ فإنها لا تجوز. فالرقى الشركية المحرمة هي: التي فيها استعاذة، أو استغاثة بغير الله، أو كان فيها شيء من أسماء الشياطين أو اعتقد المرقي فيها أنها تؤثر بنفسها وهي التي قال ﷺ فيها: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك». والتمائم جمع تميمة وهي: شيء يعلق على الأولاد من خرز أو غيره؛ وهي شيء يتخذ من جلد، أو ورق، ويكون فيه أذكار وأدعية وتعوذات تعلّق على الصدر، أو في التعضد، وقد تتخذ التميمة من خرزات وحبال ونحو ذلك، يعلق على الصدر، وقد تكون التميمة باتخاذ شيء يجعل على باب البيت، أو في السيارة، أو أي مكان ما، فالحاصل: أن التمائم يجمعها أنها: شيء يراد منه تتميم أمر الخير، وتتيم أمر دفع الضر وذلك الشيء لم يؤذن به لا شرعا، ولا قدرا. وقد تقدم حديث عقبة بن عامر الجهني ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَقْبَلَ إِلَيْهِ رَهْطٌ، فَبَايَعَ

стр. 86

تِسْعَةً وَأَمْسَكَ عَنْ وَاحِدٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، بَايَعْتَ تِسْعَةً وَتَرَكْتَ هَذَا؟ قَالَ: " إِنَّ عَلَيْهِ تَمِيمَةً " فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَقَطَعَهَا، فَبَايَعَهُ، وَقَالَ: ﷺ (مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ) وقال عُقْبَة بن عَامِرٍ ﵁ فِي التَّمَائِمِ: إِنَّهَا أَيْنَمَا وُضِعَتْ مِنَ الْإِنْسَانِ فَإِنَّ مَوْضِعَهَا شِرْكٌ. رواه ابن وهب في الجامع بسند صحيح وقوله: " فقد أشرك ": هذا الشرك يكون أكبر؛ إن اعتقد أنها ترفع أو تدفع بذاتها دون أمر الله، وإلا؛ فهو أصغر كما تقدم. وعن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً، فَلَا أَتَمَّ اللهُ لَهُ) أخرجه أحمد كما تقدم حكم التميمة من القرآن قال الشيخ الوزير صالح آل الشيخ ما ملخصه: إذا كان المعلّق من القرآن بمعنى أنه جعل في منزله مصحفا؛ ليدفع العين، أو علّق على صدره شيئا كسورة الإخلاص، أو آية الكرسي، ليدفع العين، أو ليدفع الضرر عنه، فهذا من حيث التعليق يسمى تميمة، فهل هذه التميمة جائزة أو غير جائزة؟ اختلف فيها السلف: فجوزها، ورخّص فيها بعض السلف، وممن لم يرخّص فيها ابن مسعود ﵁ وأصحابه الكبار، منهم: إبراهيم النخعي، وعلقمة، وعبيدة، والربيع بن خثيم، والأسود، والقاعدة: أن السلف إذا اختلفوا في مسألة وجب الرجوع فيها إلى الدليل، والدليل قد دل على أن كل أنواع التمائم منهي عنها، كما جاء في قوله ﷺ : «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» فمن تعلّق القرآن أو شيئا منه كان داخلا في النهي، لكن إذا كان المعلَّق من القرآن فلا يكون مشركا؛ لأنه علق شيئا من صفات الله - جل وعلا - وهو كلام الله - جل وعلا - فلا يكون قد أشرك مخلوقا؛ لأن

стр. 87

الشرك معناه: أن تشرك مخلوقا مع الله - جل وعلا - والقرآن ليس بمخلوق؛ بل هو كلام الله الباري - جل وعلا - منه بدأ، وإليه يعود، فإذا أخرجت التميمة المتخذة من القرآن عن كونها شركا من عموم قوله: «إن التمائم شرك» فلأجل كون القرآن كلام الله، ليس بمخلوق. لكن هل هي منهي عنها، أو غير منهي عنها؟ الجواب: (أن) الحجة مع من يجعل التمائم التي من القرآن مما لا يُرخّص فيه كابن مسعود، وكغيره من الصحابة ﵃، وكذلك هو قول عامة أهل العلم، … بقي أن نقول: إن تجويز اتخاذ التمائم من القرآن يترتب عليه مفاسد منها: • أنه يفضي إلى الاشتباه فقد نرى من عليه التميمة، فيشتبه علينا الأمر، هل هذه تميمة شركية، أو من القرآن … • أن الجهلة من الناس إذا علقوا التمائم من القرآن تعلقت قلوبهم بها، فلا تكون عندهم مجرد أسباب، بل يعتقدون أن فيها خاصية بنفسها بجلب النفع، أو دفع الضر، ولا شك أن هذا فتحا لباب الاعتقادات الفاسدة على الناس يجب وصده • ومن المفاسد المتحققة أيضا أنه إذا علق شيئا من القرآن، فإنه يعرضه للامتهان، فقد ينام عليه، أو يدخل به مواضع قذرة، أو يكون معه في حالات لا يليق أن يكون معه فيها شيء من القرآن فهذا مما ينبغي اجتنابه وتركه. فتحصل - بالدليل وبالتعليل -: أن تعليق التمائم بكل أنواعها: لا يجوز، فما كان منها من القرآن فنقول يحرم على الصحيح ولا يجوز، ويجب إنكاره، وما كان منها من غير القرآن، فهذا نقول فيه: إنه من الشرك بالله؛ لقول النبي ﷺ : «إن الرقى والتمائم والتولة شرك».

стр. 88

بَابُ سَبَبِ الشِّرْكِ ٤٥ - وَسَبَبُ الشِّرْكِ هُوَ الْغُلُوُّ … فَذُو الصَّلاحِ عِنْدَهُمْ مَدْعُوُّ ٤٦ - أَوْ يَعْبُدُونَ الْلَّهَ عِنْدَ قَبْرِهِ … تَبَرُّكًا فِي زَعْمِهِمْ بِسِرِّهِ الغلو: مجاوزة الحد المعتاد. والغلو في الدين: التشدد فيه ومجاوزة الحد وهو محرم قال الله تعالى: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] وقال الطحاوي في آخر عقيدته: وَدِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَاحِدٌ وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] وهو بين الغلو والتقصير وَبَيْنَ التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ وَبَيْنَ الْجَبْرِ وَالْقَدَرِ وَبَيْنَ الأمن والإياس ا. هـ وسبب الشرك هو الغلو: يعني الغلو في الصالحين. قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: في "الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد": والمراد بالغلو في الصالحين: رفعهم فوق منزلهم التي أنزلهم الله إلى ما لا يجوز إلا لله؛ من الاستغاثة بهم في الشدائد، والطواف بقبورهم، والتبرك بتربتهم، وذبح القرابين لأضرحتهم، وطلب المدد منهم … وقد أدخل الشيطان الشرك على قوم نوح من باب الغلو في الصالحين؛ (١)

стр. 89

فيجب الحذر من ذلك، وإن كان القصد حسنا. وقد وقع في هذه الأمة مثل ما وقع لقوم نوح لما أظهر الشيطان لكثير من المفتونين الغلو والبدع في قالب تعظيم الصالحين ومحبتهم؛ ليوقعهم فيما أوقع به قوم نوح؛ فما زال الشيطان يوحي إلى عباد القبور ويلقي إليهم أن البناء والعكوف على قبور الصالحين يعد محبة لهم، وأن الدعاء عند قبورهم يستجاب، ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء والتوسل بها، فإذا ألفوا ذلك؛ نقلهم منه إلى دعاء المقبورين وعبادتهم وسؤالهم الشفاعة من دون الله ، فتصبح قبورهم أوثانا، تعلق عليها القناديل، وتسدل عليها الستور، ويطاف بها، وتستلم، وتقبل … فإذا ألفوا ذلك؛ نقلهم إلى أن يدعوا الناس إلى عبادة هذه القبور، واتخاذها أعيادًا ومناسك، فإذا ألفوا ذلك، وتقرر عندهم؛ نقلهم إلى اعتقاد أن من نهى عنه؛ فقد تنقص الأولياء وأبغضهم، وزعم أنه لا حرمه لهم ولا قدر لهم، وقد سرى ذلك في نفوس كثير من الجهال والطغام، وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين؛ حتى عادوا أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم، ونفروا الناس عنهم؛ فعلوا ذلك كله تحت ستار حب الصالحين وتعظيمهم، وقد كذبوا في ذلك؛ لأن محبة الصالحين على الحقيقة تكون على وفق الكتاب والسنة، وذلك بمعرفة فضلهم، والاقتداء بهم في الأعمال الصالحة، من غير إفراط ولا تفريط ا. هـ

стр. 90

من الغلو بناء المساجد على القبور ٤٧ - وِيَبْتَنُونَ فَوْقَهَا الْمَسَاجِدَا … وَيَفْعَلُونَ فِعْلَ مِنْ تَهَوَّدَا الغلو في الصالحين، وبناء المساجد على القبور، والغلو في القبور، كل هذا من الوسائل المُفضية إلى الشرك، وقد نهى النبي ﷺ عنها سدّاً للطريق الموصِّل إلى الشرك، وقد ورد في النهي عن البناء على القبور أحاديث كثيرة جمعها العلامة الألباني في كتابه العظيم "تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد" وسأذكر هنا بعضها: ١. عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ﵄ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَذَكَرَتَا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» متفق عليه ٢. عن عَائِشَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَا: لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا متفق عليه ٣. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» متفق عليه ٤. عَنْ عَائِشَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: «لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا»، قَالَتْ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَبْرَزُوا قَبْرَهُ غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. متفق عليه

стр. 91

٥. وعن جُنْدَبٌ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: « … أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» رواه مسلم واتخاذ القبور مساجد معناه بناء المساجد على القبور أو الصلاة عندها ولو لم يُبْنَ مسجد. ٤٨ - وَذَاكَ إِخْبَارٌ مِنَ الْمَصْدُوقِ … مُحَذِّرًا بِمَنْطِقِ الشَّفوقِ ٤٩ - حَيْثُ نَهَانَا عَنْ تَتَبُّعِ السَّنَنْ … قِيَلَ الْيَهُوْدُ وَالْنَّصَارَى قَالَ مَنْ؟ عَنْ أَبي سَعِيدٍ ﵁ أن النبي ﷺ قال: لَتَتُّبِعُن سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ، شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاع، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبّ لَسَلَكْتُمُوهُ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، اَلْيَهُودَ وَاَلنُّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟!. متفق عليه. قَالَ أَبُو عُمَرَ ابن عبد البر في "التمهيد ": كَانَتِ الْعَرَبُ تُصَلِّي إِلَى الْأَصْنَامِ وَتَعْبُدُهَا فَخَشِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ أَنْ تَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ بَعْضُ مَنْ مَضَى مِنَ الْأُمَمِ كَانُوا إِذَا مَاتَ لَهُمْ نَبِيٌّ عَكَفُوا حَوْلَ قَبْرِهِ كَمَا يُصْنَعُ بِالصَّنَمِ فَقَالَ ﷺ : اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُصَلَّى إِلَيْهِ وَيُسْجَدُ نَحْوَهُ وَيُعْبَدُ فَقَدِ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَذِّرُ أَصْحَابَهُ وَسَائِرَ أُمَّتِهِ مِنْ سُوءِ صَنِيعِ الْأُمَمِ قَبْلَهُ الَّذِينَ صَلَّوْا إِلَى قُبُورِ أَنْبِيَائِهِمْ وَاتَّخَذُوهَا قِبْلَةً وَمَسْجِدًا كَمَا صَنَعَتِ الْوَثَنِيَّةُ بِالْأَوْثَانِ الَّتِي كَانُوا يَسْجُدُونَ إِلَيْهَا وَيُعَظِّمُونَهَا وَذَلِكَ الشِّرْكُ الْأَكْبَرُ فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُخْبِرُهُمْ بِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ سُخْطِ اللَّهِ وَغَضَبِهِ وَأَنَّهُ مِمَّا لَا يَرْضَاهُ خَشْيَةً عَلَيْهِمُ امْتِثَالَ طُرُقِهِمْ وَكَانَ ﷺ يُحِبُّ مُخَالَفَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَسَائِرَ الْكُفَّارِ وَكَانَ يَخَافُ عَلَى أُمَّتِهِ اتِّبَاعَهُمْ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ ﷺ على جهة التعبير وَالتَّوْبِيخِ (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَكُمْ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ لَوْ دَخَلَ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ) ا. هـ

стр. 92

بَابُ التَّوَكُّلِ ٥٠ - وَعَمَلُ الْقَلْبِ هُوَ التَّوَكُّلُ … عَلَى الإِلَهِ الْحَقِّ يَا مَنْ يَعْقِلُ التوكل على الله فريضة من الفرائض، وواجب من الواجبات، وإفراد الله - جل وعلا- به توحيد، والتوكل على غير الله شرك مخرج من الملة، والتوكل: هو الاعتماد على الله- في حصول المطلوب، ودفع المكروه، مع الثقة به، وفعل الأسباب المأذون فيها. فلا بد حينئذ من أمرين: الأول: أن يكون الاعتماد على الله اعتمادا صادقا حقيقيا. الثاني: فعل الأسباب المأذون فيها. ومن هذا التعريف فإن حقيقة التوكل على الله ﷻ : تجمع بين تفويض الأمر إلى الله- جل وعلا-، وفعل الأسباب. وذلك أنه يجب على المتوكل: أن يعلم أن هذا الملكوت إنما هو بيد الله- جل وعلا- يصرفه كيف يشاء، فيفوض الأمر إليه، ويلتجئ بقلبه في تحقيق مطلوبه وفي الهرب مما يسوءه، يلتجئ في ذلك ويعتصم بالله ﷻ وحده، فينزل حاجته بالله ويفوض أمره إلى الله، ثم يعمل السبب الذي أمر الله به " فترك فعل الأسباب ينافي حقيقة التوكل الشرعية، كما أن الاعتماد على السبب وترك تفويض الأمر إلى الله- جل وعلا- ينافي حقيقة التوكل الشرعية، والتوكل- كما قال الإمام أحمد -: عمل القلب، فالتوكل عبادة قلبية محضة؛ ولهذا كان إفراد الله- جل وعلا- بها واجبا، وكان صرفها لغير الله - جل وعلا- شركا. والتوكل على الله شرط في صحة الإسلام، وشرط في صحة الإيمان

стр. 93

و الأدلة على فضله والأمر به، وبيان محبة الله للمتوكلين كثيرة منها: ١. قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. أي: اعتمد على حول الله وقوته، متبرئا من حولك وقوتك. (١) ٢. وقال في سبعة مواضع من كتابه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢ و ١٦٠، والمائدة: ١١، التوبة: ٥١، إبراهيم: ١١، المجادلة: ١٠، التغابن: ١٣] فجاءت الآية الكريمة بتقديم المعمول وهو يؤذن بالحصر، أي: على الله توكلوا لا على غيره، لأنه قد علم أنه هو الناصر وحده، فالاعتماد عليه توحيد محصل للمقصود، والاعتماد على غيره شرك غير نافع لصاحبه، بل ضار. وفي هذه الآية الأمر بالتوكل على الله وحده، وأنه بحسب إيمان العبد يكون توكله. ٣. وقال تعالى في ثلاثة مواضع من كتابه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١، والأحزاب: ٣ و ٤٨] أي ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ بأن تعتمد على ربك، اعتماد من لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة، ولا نشورًا، في سلامتك من كل شر، وفي إقامة الدين، الذي أمرت به، وثق بالله في حصول ذلك الأمر على أي: حال كان. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ توكل إليه الأمور، فيقوم بها، وبما هو أصلح للعبد، وذلك لعلمه بمصالح عبده، من حيث لا يعلم العبد، وقدرته على إيصالها إليه، من

стр. 94

حيث لا يقدر عليها العبد، وأنه أرحم بعبده من نفسه، ومن والديه، وأرأف به من كل أحد، خصوصًا خواص عبيده، الذين لم يزل يربيهم ببره، ويُدِرُّ عليهم بركاته الظاهرة والباطنة، خصوصًا وقد أمره بإلقاء أموره إليه، ووعده، فهناك لا تسأل عن كل أمر يتيسر، وصعب يسهل، وخطوب تهون، وكروب تزول، وأحوال وحوائج تقضى، وبركات تنزل، ونقم تدفع، وشرور ترفع. وهناك ترى العبد الضعيف، الذي فوض أمره لسيده، قد قام بأمور لا تقوم بها أمة من الناس، وقد سهل الله عليه ما كان يصعب على فحول الرجال وبالله المستعان. ٤. وقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: ٦١] ٥. وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] أي: قم بعبادته، وهي جميع ما أمر الله به مما تقدر عليه، وتوكل على الله في ذلك. وقد جمع الله في هذه الآية بين الأمر بعبادته والتوكل عليه كقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] لأنهما يحصل بمجموعهما كمال العبد، ويفوته الكمال بفوتهما أو فوت أحدهما. ٦. وقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٨] أمر سبحانه نبيه ﷺ أن يتوكل عليه ويستعين به فقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ﴾ الذي له الحياة الكاملة المطلقة ﴿الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ أي: اعبده وتوكل عليه في الأمور المتعلقة بك والمتعلقة بالخلق. ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ يعلمها ويجازي عليها. فأنت ليس عليك من هداهم شيء وليس عليك حفظ أعمالهم، وإنما ذلك كله بيد الله.

стр. 95

٧. وقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢١٧ - ٢٢٠] أعظم مساعد للعبد على القيام بما أمر به، الاعتماد على ربه، والاستعانة بمولاه على توفيقه للقيام بالمأمور، فلذلك أمر الله تعالى بالتوكل عليه فقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ والتوكل هو اعتماد القلب على الله تعالى، في جلب المنافع، ودفع المضار، مع ثقته به، وحسن ظنه بحصول مطلوبه، فإنه عزيز رحيم، بعزته يقدر على إيصال الخير، ودفع الشر عن عبده، وبرحمته به، يفعل ذلك. ثم نبهه على الاستعانة باستحضار قرب الله، والنزول في منزل الإحسان فقال: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ أي: يراك في هذه العبادة العظيمة، التي هي الصلاة، وقت قيامك، وتقلبك راكعا وساجدا خصها بالذكر، لفضلها وشرفها، ولأن من استحضر فيها قرب ربه، خشع وذل، وأكملها، وبتكميلها، يكمل سائر عمله، ويستعين بها على جميع أموره. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لسائر الأصوات على اختلافها وتشتتها وتنوعها، ﴿الْعَلِيمُ﴾ الذي أحاط بالظواهر والبواطن، والغيب والشهادة. فاستحضار العبد رؤية الله له في جميع أحواله، وسمعه لكل ما ينطق به، وعلمه بما ينطوي عليه قلبه، من الهم، والعزم، والنيات، مما يعينه على منزلة الإحسان. ٨. وقال ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: ٦٧] أي: القضاء قضاؤه، والأمر أمره، فما قضاه وحكم به لا بد أن يقع، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: اعتمدت على الله، لا على ما وصيتكم به من السبب، ﴿

стр. 96

وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ فإن بالتوكل يحصل كل مطلوب، ويندفع كل مرهوب. ٩. وقال ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: ١٢] والمعنى: أي شيء يمنعنا من التوكل على الله والحال أننا على الحق والهدى، ومن كان على الحق والهدى فإن هداه يوجب له تمام التوكل، وكذلك ما يعلم من أن الله متكفل بمعونة المهتدي وكفايته، يدعو إلى ذلك، بخلاف من لم يكن على الحق والهدى، فإنه ليس ضامنا على الله، فإن حاله مناقضة لحال المتوكل. وفي هذا كالإشارة من الرسل عليهم الصلاة والسلام لقومهم بآية عظيمة، وهو أن قومهم -في الغالب- لهم القهر والغلبة عليهم، فتحدتهم رسلهم بأنهم متوكلون على الله، في دفع كيدكم ومكركم، وجازمون بكفايته إياهم، وقد كفاهم الله شرهم مع حرصهم على إتلافهم وإطفاء ما معهم من الحق، فيكون هذا كقول نوح ﵍ لقومه: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١] الآيات. وقول هود ﵍ ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [هود: ٥٤] وقوله تعالى: ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾ أي ولنستمرن على دعوتكم ووعظكم وتذكيركم ولا نبالي بما يأتينا منكم من الأذى فإنا سنوطن أنفسنا على ما ينالنا منكم من الأذى احتسابا للأجر ونصحا لكم لعل الله أن يهديكم مع كثرة التذكير ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ وحده لا على غيره ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ فإن التوكل عليه مفتاح لكل خير. واعلم

стр. 97

أن الرسل عليهم الصلاة والسلام توكلهم في أعلى المطالب وأشرف المراتب وهو التوكل على الله في إقامة دينه ونصره وهداية عبيده وإزالة الضلال عنهم وهذا أكمل ما يكون من التوكل ا. هـ ١٠. وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨] أي: ﴿وَلَئِنْ﴾ سألت هؤلاء الضلال الذين يخوفونك بالذين من دونه، وأقمت عليهم دليلا من أنفسهم، فقلت: ﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ لم يثبتوا لآلهتهم من خلقها شيئا. ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ الذي خلقها. وحده. ﴿قُلْ﴾ لهم مقررا عجز آلهتهم، بعد ما تبينت قدرة الله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ﴾ أي: أخبروني ﴿مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ أيَّ ضر كان. ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ بإزالته بالكلية، أو بتخفيفه من حال إلى حال؟. ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾ يوصل إليَّ بها منفعة في ديني أو دنياي. ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ومانعاتها عني؟. سيقولون: لا يكشفون الضر ولا يمسكون الرحمة. فقل لهم بعد ما تبين الدليل القاطع على أنه وحده المعبود، وأنه الخالق للمخلوقات، النافع الضار وحده، وأن غيره عاجز من كل وجه. عن الخلق والنفع والضر، مستجلبا كفايته، مستدفعا مكرهم وكيدهم: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ أي: عليه يعتمد المعتمدون في جلب مصالحهم ودفع مضارهم، فالذي بيده - وحده - الكفاية هو حسبي، سيكفيني كل ما أهمني وما لا أهتم به.

стр. 98

١١. وقال الله تعالى عن شعيب ﵍ أنه قال: ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩] ١٢. وقال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾ [المائدة: ٢٣] دلت الآية على وجوب التوكل، وعلى أنه بحسب إيمان العبد يكون توكله "حيث جعل الإيمان لا يصح إلا بالتوكل، وأن التوكل شرط الإيمان، فقال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] وهذا هو الشرط، وجوابه محذوف، وتقديره: فأفردوا الله بالتوكل، فجزاء الشرط هو إفراد الله بالتوكل، فصارت دلالة الآية من جهتين". وهي في المعنى كالآية الآتية: ١٣. قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤ - ٨٥] قال الشيخ صالح آل الشيخ في التمهيد لشرح كتاب التوحيد: فقوله ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ أمر بإفراده بالتوكل -جل وعلا- وقدم الجار والمجرور، لإفادة الحصر والقصر والاختصاص بالله -جل وعلا-، ثم جعل إفراده بالتوكل -جل وعلا- شرطا في صحة الإسلام فقال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ فهاتان الآيتان دلتا على أن التوكل عبادة، وأن إفراد الله به -جل وعلا- واجب، وأنه شرط في صحة الإسلام، وشرط في صحة الإيمان، وهذا كله يدل على أن انتفاءه مذهب لأصل التوحيد ومناف لأصله إذا توكل على غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله ﷻ ا. هـ

стр. 99

١٤. وقال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: ٤] أي ولكم أسوة حسنة في إبراهيم ومن معه، حين دعوا الله وتوكلوا عليه وأنابوا إليه، واعترفوا بالعجز والتقصير، فقالوا: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾ أي: اعتمدنا عليك في جلب ما ينفعنا ودفع ما يضرنا، ووثقنا بك يا ربنا في ذلك. ﴿وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾ أي: رجعنا إلى طاعتك ومرضاتك وجميع ما يقرب إليك، فنحن في ذلك ساعون، وبفعل الخيرات مجتهدون، ونعلم أنا إليك نصير، فسنستعد للقدوم عليك، ونعمل ما يقربنا الزلفى إليك. ١٥. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] لما كان الإيمان قسمين: إيمانا كاملا يترتب عليه المدح والثناء، والفوز التام، وإيمانا دون ذلك ذكر الإيمان الكامل فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ الألف واللام للاستغراق لشرائع الإيمان. ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: خافت ورهبت، فأوجبت لهم خشية الله تعالى الانكفاف عن المحارم، فإن خوف الله تعالى أكبر علاماته أن يحجز صاحبه عن الذنوب. ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ ووجه ذلك أنهم يلقون له السمع ويحضرون قلوبهم لتدبره فعند ذلك يزيد إيمانهم،. لأن التدبر من أعمال القلوب، ولأنه لا بد أن يبين لهم معنى كانوا يجهلونه، أو يتذكرون ما كانوا نسوه، أو يحدث في قلوبهم رغبة في الخير، واشتياقا

стр. 100

إلى كرامة ربهم، أو وجلا من العقوبات، وازدجارا عن المعاصي، وكل هذا مما يزداد به الإيمان. ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ﴾ وحده لا شريك له ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: يعتمدون في قلوبهم على ربهم في جلب مصالحهم ودفع مضارهم الدينية والدنيوية، ويثقون بأن الله تعالى سيفعل ذلك. والتوكل هو الحامل للأعمال كلها، فلا توجد ولا تكمل إلا به. وظاهر من دلالة الآية حيث قدم الجار والمجرور على أنهم أفردوا الله بالتوكل. ١٦. وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٤١ - ٤٢] ١٧. وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٨ - ٥٩] ١٨. وقال تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الشورى: ٣٦] وصف أوليائه بأنهم جمعوا بين الصبر على أوامر الله وعن نواهيه، وعلى أقدار الله المؤلمة، وعلى الأذية فيه والمحن وصدق التوكل عليه أي: يعتمدون عليه في تنفيذ محابّه، لا على أنفسهم. وبذلك تنجح أمورهم وتستقيم أحوالهم، فإن الصبر والتوكل ملاك الأمور كلها، فما فات أحدا شيء من الخير إلا لعدم صبره وبذل جهده فيما أريد منه، أو لعدم توكله واعتماده على الله. وصبرهم على عبادة الله، يقتضي بذل الجهد والطاقة في ذلك، والمحاربة العظيمة للشيطان، الذي يدعوهم إلى الإخلال بشيء من ذلك،

стр. 101

وتوكلهم، يقتضي شدة اعتمادهم على الله، وحسن ظنهم به، أن يحقق ما عزموا عليه من الأعمال ويكملها، ونص على التوكل، وإن كان داخلا في الصبر، لأنه يحتاج إليه في كل فعل وترك مأمور به، ولا يتم إلا به ١٩. وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٨ - ٩٩] أخبر جل وعلا أنه سبحانه يدفع عن المؤمنين المتوكلين عليه شر الشيطان ولا يبقِ له عليهم من سبيل. ٢٠. وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد قال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم: هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي التَّوَكُّلِ، وَأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الَّتِي يُسْتَجْلَبُ بِهَا الرِّزْقُ، قَالَ اللَّهُ : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، … قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: بِحَسْبِكَ مِنَ التَّوَسُّلِ إِلَيْهِ أَنْ يَعْلَمَ مِنْ قَلْبِكَ حُسْنَ تَوَكُّلِكَ عَلَيْهِ، فَكَمْ مِنْ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ قَدْ فَوَّضَ إِلَيْهِ أَمْرَهُ، فَكَفَاهُ مِنْهُ مَا أَهَمَّهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ وَحَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ: هُوَ صِدْقُ اعْتِمَادِ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ فِي اسْتِجْلَابِ الْمَصَالِحِ، وَدَفْعِ الْمَضَارِّ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كُلِّهَا، وَكِلَةُ الْأُمُورِ كُلِّهَا إِلَيْهِ، وَتَحْقِيقُ الْإِيمَانِ بِأَنَّهُ لَا يُعْطِي وَلَا يَمْنَعُ وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ سِوَاهُ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: التَّوَكُّلُ جِمَاعُ الْإِيمَانِ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: الْغَايَةُ الْقُصْوَى التَّوَكُّلُ. وقَالَ الْحَسَنُ:

стр. 102

إِنَّ تَوَكُّلَ الْعَبْدِ عَلَى رَبِّهِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ ثِقَتُهُ … قال: وَاعْلَمْ أَنَّ تَحْقِيقَ التَّوَكُّلِ لَا يُنَافِي السَّعْيَ فِي الْأَسْبَابِ الَّتِي قَدَّرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمَقْدُورَاتِ بِهَا، وَجَرَتْ سُنَّتُهُ فِي خَلْقِهِ بِذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِتَعَاطِي الْأَسْبَابِ مَعَ أَمْرِهِ بِالتَّوَكُّلِ، فَالسَّعْيُ فِي الْأَسْبَابِ بِالْجَوَارِحِ طَاعَةٌ لَهُ، وَالتَّوَكُّلُ بِالْقَلْبِ عَلَيْهِ إِيمَانٌ بِهِ ا. هـ وفي فتاوى اللجنة الدائمة: (١/ ٣٨٠): معنى الحديث أن الناس لو حققوا التوكل على الله بقلوبهم واعتمدوا عليه اعتمادا كليا في جلب ما ينفعهم ودفع ما يضرهم وأخذوا بالأسباب المفيدة لساق إليهم أرزاقهم مع أدنى سبب، كما يسوق إلى الطير أرزاقها بمجرد الغدو والرواح، وهو نوع من الطلب ولكنه سعي يسير، وتحقيق التوكل لا ينافي السعي في الأسباب التي قدر الله المقدرات بها وجرت سننه في خلقه بذلك فإن الله تعالى أمر بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل، فالسعي في الأسباب بالجوارح طاعة والتوكل بالقلب عليه إيمان به، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ١١] فجعل التوكل مع التقوى التي هي القيام بالأسباب المأمور بها والتوكل بدون القيام بالأسباب المأمور بها عجز محض وإن كان مشوبا بنوع من التوكل، فلا ينبغي للعبد أن يجعل توكله عجزا ولا عجزه توكلا، بل يجعل توكله من جملة الأسباب التي لا يتم المقصود إلا بها كلها ا. هـ

стр. 103

الشرك في التوكل ٥١ - وَغَيْرُهُ شِرْكٌ، فَشِرْكٌ أَصْغَرُ … عَلَى الَّذِي يَعِيْشُ فِيمَا يَقْدِرُ ٥٢ - وَالأَكْبَرُ الثَّانِي عَلَى الأَمْوَاتِ … فَعَوِّدِ الْقَلْبَ عَلَى الإِخْبَاتِ التوكل على غير الله- جل وعلا- له حالان: الحال الأولى: أن يكون شركا أكبر، وهو أن يتوكل على أحد من الخلق فيما لا يقدر عليه إلا الله ﷻ ، كأن يتوكل على المخلوق في مغفرة الذنب، وأن يتوكل على المخلوق في تحصيل الخيرات الأخروية، أو يتوكل على المخلوق في تحصيل ولد له، أو في تحصيل وظيفة له، فيتوكل عليه بقلبه، وهو لا يقدر على ذلك الشيء، وهذا يكثر عند عباد القبور وعباد الأولياء، فإنهم يتوجهون إلى الموتى بقلوبهم يتوكلون عليهم، ويفوضون أمر صلاحهم فيما يريدون في الدنيا والآخرة إلى أولئك الموتى وإلى تلك الآلهة والأوثان التي لا تقدر من ذلك على شيء، فهذه عبادة صرفت لغير الله - جل وعلا- وهو شرك أكبر بالله - جل وعلا- مناف لأصل التوحيد. والنوع الثاني: أن يتوكل على المخلوق فيما أقدره الله- جل وعلا- عليه، وهذا نوع شرك، بل هو شرك خفي، وشرك أصغر؛ ولهذا قال طائفة من أهل العلم: لا يجوز أن يقول: توكلت على الله ثم عليك؛ لأن المخلوق ليس له نصيب من التوكل، فإن التوكل إنما هو تفويض الأمر والالتجاء بالقلب إلى من بيده الأمر وهو الله- جل وعلا-، والمخلوق لا يستحق شيئا من ذلك.

стр. 104

فالتوكل على المخلوق فيما يقدر عليه شرك خفي ونوع شرك أصغر، والتوكل على المخلوق فيما لا يقدر عليه المخلوق، وهذا يكثر عند عباد القبور والمتوجهين إلى الأولياء والموتى، هو شرك يخرج من الملة. وحقيقة التوكل الذي ذكرناه لا يصلح إلا لله- جل وعلا-؛ لأنه تفويض الأمر إلى من بيده الأمر والمخلوق ليس بيده الأمر، فإن اعتماد القلب ورغب القلب وطمع القلب في تحصيل المطلوب إنما يكون ذلك ممن يملكه وهو الله - جل وعلا-، أما المخلوق فلا يقدر على شيء استقلالا وإنما هو سبب، فإذا كان سببا فإنه لا يجوز التوكل عليه؛ لأن التوكل عمل القلب وإنما يجعله سببا بأن يجعله شفيعا، أو واسطة، ونحو ذلك، فهذا لا يعني أنه متوكل عليه، فيجعل المخلوق سببا فيما أقدره الله عليه ولكن يفوض أمر النفع بهذا السبب إلى الله- جل وعلا-، فيتوكل على الله ويأتي بالسبب الذي هو الانتفاع من هذا المخلوق بما جعل الله جل وعلا له من الانتفاع أو من القدرة ونحو ذلك. وقال العلامة ابن عثيمين في القول المفيد على كتاب التوحيد: و التوكل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: توكل عبادة وخضوع، وهو الاعتماد المطلق على من توكل عليه، بحيث يعتقد أن بيده جلب النفع ودفع الضر؛ فيعتمد عليه اعتمادا كاملا، مع شعوره بافتقاره إليه؛ فهذا يجب إخلاصه لله تعالى، ومن صرفه لغير الله؛ فهو مشرك شركا أكبر؛ كالذين يعتمدون على الصالحين من الأموات والغائبين، وهذا لا يكون إلا ممن يعتقد أن لهؤلاء تصرفا خفيا في الكون، فيعتمد عليهم في جلب المنافع ودفع المضار.

стр. 105

الثاني: الاعتماد على شخص في رزقه ومعاشه وغير ذلك، وهذا من الشرك الأصغر، وقال بعضهم: من الشرك الخفي، مثل اعتماد كثير من الناس على وظيفته في حصول رزقه، ولهذا تجد الإنسان يشعر من نفسه أنه معتمد على هذا اعتماد افتقار؛ فتجد في نفسه من المحاباة لمن يكون هذا الرزق عنده ما هو ظاهر؛ فهو لم يعتقد أنه مجرد سبب، بل جعله فوق السبب. الثالث: أن يعتمد على شخص فيما فوض إليه التصرف فيه، كما لو وكلت شخصا في بيع شيء أو شرائه، وهذا لا شيء فيه؛ لأنه اعتمد عليه وهو يشعر أن المنزلة العليا له فوقه؛ لأنه جعله نائبا عنه وقد وكل النبي ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ أن يذبح ما بقي من هديه، ووكل أبا هريرة ﵁ على الصدقة، ووكل عروة بن الجعد ﵁ أن يشتري له أضحية، وهذا بخلاف القسم الثاني؛ لأنه يشعر بالحاجة إلى ذلك، ويرى اعتماده على المتوكل عليه اعتمادَ افتقارٍ .... ا. هـ

стр. 106

بَابُ التَّوَسُّلِ ٥٣ - ثُمَّ التَّوَسُّلُ عَلَى نَوْعَيْنِ … أَوَّلُهَا الصَّحِيحُ دُونَ مَيْنِ ٥٤ - بِاللَّهِ وَالأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ … أَوْ دَعْوَةِ الْحَاضِرِ وَالطَّاعَاتِ ٥٥ - وَالثَّانِ فِي التَّوَسُّلِ البِدْعِيُّ … بِأَيِّ مَخْلُوقٍ وَلَوْ نَبِيُّ قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥] قال الحافظ المفسر ابن جرير الطبري ﵀: يعني جل ثناؤه بذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ﴾ صدّقوا الله ورسوله فيما أخبرهم ووعَد من الثواب وأوعدَ من العقاب ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ يقول: أجيبوا الله فيما أمركم ونهاكم بالطاعة له في ذلك، وحقِّقوا إيمانكم وتصديقكم ربَّكم ونبيَّكم بالصالح من أعمالكم ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ يقول: واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه. و"الوسيلة": هي"الفعيلة" من قول القائل: "توسلت إلى فلان بكذا"، بمعنى: تقرَّبت إليه، … ثم أسند عن أبي وائل وعطاء والحسن ومجاهد قولهم: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، قال: القربة في الأعمال. وعن قتادة أي: تقربوا إليه بطاعته والعملِ بما يرضيه ا. هـ وقال الجوهري في صحاحه: (الوسيلة: ما يتقرب به إلى الغير. والجمع: الوسيل؛ والوسائل والتوسل واحد وسل فلان إلى ربه وسيلة وتوسل إليه بوسيلة أي تقرب إليه بعمل). والتوسل شرعاً: هو التقرب إلى الله تعالى بطاعته وعبادته واتباع أنبيائه ورسله وبكل عمل يحبه الله ويرضاه.

стр. 107

وقال الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله: الوسيلة: التقرب إلى الله بأنواع القرب والطاعات، وأعلاها: إخلاص الدين له، والتقرب إليه بمحبته، ومحبة رسوله، ومحبة دينه، ومحبة من شرع حبه، بهذا يجمع ما قاله السلف، وقولهم من اختلاف التنوع. وتأمل قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، ففي تقديم الجار والمجرور "إليه" إفادة اختصاص الوسائل بالله، لا يشركه معه فيها أحد كما في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وقال العلامة الشنقيطي ﵀ في "تفسيره" (٩٨/ ٢): " التَّحْقِيقُ فِي مَعْنَى الْوَسِيلَةِ هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عَامَّةَ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَنَّهَا التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْإِخْلَاصِ لَهُ فِي الْعِبَادَةِ، عَلَى وَفْقِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ وَتَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ دَاخِلٌ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ دُعَاءَ اللَّهِ وَالِابْتِهَالَ إِلَيْهِ فِي طَلَبِ الْحَوَائِجِ مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ عِبَادَتِهِ الَّتِي هِيَ الْوَسِيلَةُ إِلَى نَيْلِ رِضَاهُ وَرَحْمَتِهِ. وَبِهَذَا التَّحْقِيقِ تَعْلَمُ أَنَّ مَا يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِنْ مَلَاحِدَةِ أَتْبَاعِ الْجُهَّالِ الْمُدَّعِينَ لِلتَّصَوُّفِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَسِيلَةِ فِي الْآيَةِ الشَّيْخُ الَّذِي يَكُونُ لَهُ وَاسِطَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، أَنَّهُ تَخَبُّطٌ فِي الْجَهْلِ وَالْعَمَى وَضَلَالٌ مُبِينٌ وَتَلَاعُبٌ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاتِّخَاذُ الْوَسَائِطِ مَنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ أَصُولِ كُفْرِ الْكَفَّارِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ عَنْهُمْ: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وَقَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الطَّرِيقَ الْمُوَصِّلَةَ إِلَى رِضَى اللَّهِ وَجَنَّتِهِ وَرَحْمَتِهِ هِيَ اتِّبَاعُ رَسُولِهِ ﷺ وَمَنْ حَادَ عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ، ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] الْآيَةَ ا. هـ

стр. 108

وقوله: عَلَى نَوْعَيْنِ: يعني نوع جائز ونوع غير جائز كما سيأتي. بِاللَّهِ وَالأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ: يعني التوسل بالله تعالى وأسمائه وصفاته وهو من التوسل الصحيح كما سيأتي. أَوْ دَعْوَةِ الْحَاضِرِ: أي طلب الدعاء من الصالحين بشرطه كما سيأتي وَالطَّاعَاتِ: التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة وهو من التوسل المشروع. وَالثَّانِ فِي التَّوَسُّلِ البِدْعِيُّ وفي نسخة (الشِّرِكِيُّ) بِأَيِّ مَخْلُوقٍ: من الأحياء أو الأموات بما لم يرد بجوازه الشرع المطهر، أو ورد فيه ما يدل على منعه. وَلَوْ نَبِيُّ: يعني ولو كان المتوسل به نبيا يعني التوسل بذاته بعد وفاته قال العلامة ابن عثيمين ﵀ في مجموع الفتاوى والرسائل: التوسل: مصدر توسل يتوسل؛ أي اتخذ وسيلة توصله إلى مقصوده، فأصله طلب الوصول إلى الغاية المقصودة. و ينقسم التوسل إلى قسمين: (١) القسم الأول: قسم صحيح، وهو التوسل بالوسيلة الصحيحة الموصلة إلى المطلوب؛ وهو على أنواع نذكر منها: ١ - النوع الأول: التوسل بأسماء الله تعالى وذلك على وجهين: الوجه الأول: أن يكون ذلك على سبيل العموم، ومثاله ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ في دعاء الهم والغم قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ اللهم بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ،

стр. 109

أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي [وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي] … » "إلخ؛ فهنا توسل بأسماء الله -تعالى - على سبيل العموم " «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ». الوجه الثاني: أن يكون ذلك على سبيل الخصوص بأن يتوسل الإنسان باسم خاص لحاجة خاصة تناسب هذا الاسم، مثل ما جاء في حديث أبي بكر ﵁ حيث طلب من النبي ﷺ دعاءً يدعو به في صلاته، فقال: «قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ» فطلب المغفرة والرحمة وتوسل إلى الله تعالى باسمين من أسمائه مناسبين للمطلوب وهما "الغفور" و"الرحيم". وهذا النوع من التوسل: داخل في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] فإن الدعاء هنا يشمل دعاء المسألة، ودعاء العبادة. ٢ - النوع الثاني: التوسل إلى الله تعالى بصفاته، وهو أيضًا كالتوسل بأسمائه على وجهين: الوجه الأول: أن يكون عامًّا كأن تقول: "اللهمَّ إني أسْأَلُكَ بِأَسْمَائِكَ الْحُسْنَى وصِفَاتِكَ العُلْيَا" ثم تذكر مطلوبك. الوجه الثاني: أن يكون خاصًّا، كأن تتوسل إلى الله -تعالى- بصفة معينة خاصة لمطلوب خاص، مثل ما جاء في الحديث «اللهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى

стр. 110

الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي» فهنا توسل لله تعالى بصفة "العلم" و"القدرة" وهما مناسبتان للمطلوب. ومن ذلك أن يتوسل بصفة فعلية مثل: «اللَّهُمَّ صَلَّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ». ٣ - النوع الثالث: أن يتوسل الإنسان إلى الله بالإيمان به، وبرسوله ﷺ : فيقول: "اللهم إني آمنت بك، وبرسولك فاغفر لي أو وفقني"، أو يقول: "اللهم بإيماني بك وبرسولك أسألك كذا وكذا"، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩٣] فتوسلوا إلى الله - تعالى - بالإيمان به أن يغفر لهم الذنوب، ويكفر عنهم السيئات، ويتوفاهم مع الأبرار. ٤ - النوع الرابع: أن يتوسل إلى الله بالعمل الصالح ؛ ومنه قصة النفر الثلاثة الذين أووا إلى غار ليبيتوا فيه، فانطبق عليهم الغار بصخرة لا يستطيعون زحزحتها، فتوسل كل منهم إلى الله بعمل صالح فعله؛ فأحدهم توسل إلى الله - تعالى - ببره بوالديه؛ والثاني بعفته التامة؛ والثالث بوفائه لأجيره، قال كل منهم «اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ» فانفرجت الصخرة، فهذا توسل إلى الله بالعمل الصالح. ٥ - النوع الخامس: أن يتوسل إلى الله -تعالى- بذكر حاله ؛
следующие страницы →