← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 11281

ضمانات حقوق المرأة الزوجية

محمد يعقوب الدهلوي

Полный текст (175 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وروى الإمام مالك أيضا عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ" ١. وقوله ﷺ : "لا ضَرَرَ ولا ضِرَار" قاعدة شرعية في نفي الضرر ابتداء ونفيه كذلك جزاء، وإزالته إذا وقع، كما فسره العلماء، بأنه: "لا يضر الرجل أخاه ابتداء ولا جزاء"٢. والمقصود بعقد النكاح كما هو معلوم، حصول المنفعة المادية والمعنوية المطلوبة شرعا لكل من الزوجين، ونظرا لشدة قرب العلاقة بين الزوجين، في الجسد والأحاسيس، والمصالح، فإن كلا منهما يتأثر بالآخر بما لا يتأثر به غيره، ويقع التأثير النافع بوجود الصفات المرجوة، والحالة المطلوبة في كل منهما، كما يقع التأثير الضار بوجود الصفات المرفوضة، والحالة الملفوظة في كل منهما. وبما أن موضوعنا يختص بضمانات حقوق المرأة، فإنني أقتصر هنا على ذِكر الأضرار التي تلحق المرأة باتصاف الزوج بصفات غير مرضية في بدنه، أو ماله، أو حاله، مما يؤثر في حياة المرأة تأثيراً سلبيا. وقد ضمنت الشريعة الإسلامية حق المرأة في عدم الإضرار بها، بأن جعل لها الخيار في إمضاء عقد النكاح، أو فسخه، إذا لحقها الضرر من

стр. 107

قِبل الزوج بسبب وجود عيب فيه، أو التغرير بصفة ترغب الزوجة وجودها فيه، أو إعساره، أو فقده١. وقد اتفق جمهور العلماء على أن تنفيذ خيار المرأة في فسخ النكاح، وإنهائه، إنما يكون بعد الرجوع إلى القاضي، أو الحاكم الذي له الحق في الإبقاء على النكاح، أو فسخه بالنظر إلى الحالة الراهنة، وبحسب ما يوصله إليه اجتهاده٢. وسأتكلم - بعون الله تعالى - عن كل واحد من هذه الأسباب بذكر أوجه الضمان فيها، على ما يأتي: الوجه الأول: أن الشريعة جعلت لها الخيار، في حالة وجود عيب جسدي في الزوج. لا يخفى أن العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة تستدعي أن يكون كل منهما على قدر كاف من الصحة والعافية، ليتمكن من أداء حقوقه

стр. 108

الزوجية تجاه الآخر، على الوجه المطلوب، فإن لم يكن الأمر كذلك، لحق الضرر بالعلاقة الزوجية، وتعثر الاستمرار فيها. وهذه العيوب التي تعرقل سير الحياة الزوجية، منها ما تكون بالمرأة، ومنها ما تكون بالرجل، وحيث أن موضوعنا يختص بحقوق المرأة، فإنني أذكر منها ما يتعلق بعيوب الرجل وحده. فقد يكون بالرجل عيب يستوجب الخيار للزوجة، لعدم إمكانية العيش معه، مع وجوده، أو كونه خطرا عليها، كجنون الزوج، أو كونه مصابا بمرض معد كالجذام، أو بمرض تنفر منه الطباع، كالبرص، أو مرض يمنع المتعة الجنسية، ككون الزوج مجبوبا، أو مخصيا، أو عنينا. وسأذكر فيما يلي أقوال العلماء في خيار الزوجة بسبب عيب في الزوج، والعيوب التي توجب للمرأة خيار التفريق: أولا: أقوال العلماء في خيار الزوجة بسبب عيب في الزوج. القول الأول: يرى جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة تخيير الزوجة بسبب العيوب الخَلقية في الزوج، وأن هذا الخيار خاص بالزوجة،

стр. 109

دون غيرها من الأولياء، وإن كانوا قد اختلفوا بعد ذلك في العيوب التي توجب الخيار من التي لا توجبه١. القول الثاني: ويرى ابن حزم وعمر بن عبد العزيز وغيرهما ﵏ جميعا، عدم ثبوت الخيار، وعدم فسخ النكاح بعد وقوعه صحيحا، بالعيوب الخَلقية، والأمراض، كالجذام، والبرص، والجنون، والعنانة، وداء الفرج، سواء كانت تلك العيوب قديمة، أو حدثت بعد النكاح٢. الأدلة: وقد استدل الجمهور على ما ذهبوا إليه، بما قضى به عمر بن الخطاب ﵁ بالخيار في العنين أن يؤجل سنة. فعن سعيد بن المسيب قال: طقضى عمر في العنين أن يؤجل سنة". وعن عمر قال: أتته امرأة - فذكر القصة-، فلما مضى الحول خيرها، فاختارت نفسها، ففرق بينهما.٣

стр. 110

ويلاحظ أنه لم يرد نص صريح من كتاب أو سنة، على جعل الخيار بالعيب، إلا أن الفقهاء، يستدلون لذلك بقضاء عمر - كما سبق- وأقوال الصحابة، وبعموم النصوص الواردة في وجوب حقوق كل منهما على الآخر، والأمر بالإمساك بالمعروف، الوارد في قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ١، يوجب أداء تلك الحقوق على الوجه المطلوب، وإلا لم يكن قد أمسك بالمعروف، فوجود تلك العيوب المانعة من الجماع أو المسببة للعدوى أو النفرة، حائلة دون تحقيق الإمساك بالمعروف. قال الكاساني٢ ﵀ وهو يتكلم عن ثبوت حق الفسخ للمرأة بسبب العُنَّة: "لأن الله تعالى أوجب على الزوج الإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان بقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ٣، ومعلوم أن استيفاء النكاح عليها مع كونها محرومة الحظ من الزوج ليس

стр. 111

من الإمساك بالمعروف في شيء، فتعين عليه التسريح بالإحسان، فإن سرح بنفسه، وإلا ناب القاضي منابه في التسريح"١. وأما ابن حزم، ومن نحا نحوه في منع الخيار بسب العيوب، فقد استدلوا بحديث رفاعة القرظي، الذي رواه البخاري عَنْ عَائِشَةَ ﵂ "أَنَّ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيَّ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا فَتَزَوَّجَتْ آخَرَ فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرَتْ لَهُ أَنَّهُ لا يَأْتِيهَا وَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إِلا مِثْلُ هُدْبَةٍ، فَقَالَ: "لا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ"٢. قال أبو محمد ابن حزم ﵀: فهذه تذكر أن زوجها لم يطأها، وأن إحليله كالهدبة لا ينتشر إليها، وتشكو ذلك إلى رسول الله ﷺ وتريد مفارقته، فلم يشكها، ولا أجل لها شيء، ولا فرق بينهما٣. كما احتج ابن حزم ﵀ على صحة ما ذهب إليه٤"بأن كل نكاح صح بكلمة الله وسنة رسوله ﷺ فقد حرم الله تعالى بشرتها وفرجها على كل من سواه فمن فرق بينهما بغير قرآن أو سنة ثابتة فقد

стр. 112

دخل في صفة الذين ذمهم الله تعالى بقوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ ١. الرد على القول الثاني: ويُرد على استدلال ابن حزم بالحديث، بأن في قوله ﷺ : "لا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ"، إشعار بإمكان ذلك، كما قال ذلك ابن حجر ﵀،"لأنه علقه على الإمكان وهو جائز الوقوع"٢، وإن كان ذلك ممكنا فلا داعي للتفريق، ولذا لم يفرق النبي ﷺ بينهما بهذا العيب. ويمكن أن يرد على ابن حزم ﵀، بأنه قال: "فإن اشترطا السلامة في عقد النكاح فوجد عيبا، أي عيب كان، فهو نكاح مفسوخ مردود، لا خيار له في إجازته...الخ"٣. أقول: يمكن أن يرد عليه بأن السلامة من العيوب تكون مشروطة ضمنا وعُرفا في العقود، ومنه عقد النكاح بالأولى، و (المعروف عرفا كالمشروط شرطا) كما تقول القاعدة الفقهية٤، فوجب اعتبار السلامة من العيوب، والرد بعدمه.

стр. 113

ثانيا: العيوب الموجبة للخيار: هذا وقد اختلف الفقهاء في العيوب التي تجيز الفسخ، والرد، وهل هي محصورة في المذكورة، أو يُقاس عليها عيوب أخرى، إذا كانت على تلك الصفات. وجملة العيوب التي نصوا عليها، في الرجل، أو التي تكون مشتركة بين الرجل والمرأة هي: العنة، والجبّ، والخصاء، والجنون، والبرص، والجذام وبخر الفم، واستطلاق غائط، وباسور وناسور، وقرع رأس - مع الريح -، وكونه خنثى غير مشكل. هذا ونجد أن العيوب المذكورة - على ما فيها من خلاف في اعتبار بعضها دون البعض في الخيار - معلولة، بكونها١: - توجب نفرة تمنع قربانه بالكلية، ومسه. - أو يُخاف منه التعدي إلى النفس والنسل. - أو يُخاف منه الجناية. - أو تمنع الوطء، أو الاستمتاع، أو اللذة. فالذي ينبغي القول به، أن كل عيب وجدت فيه صفة من الصفات المذكورة، أو وجدت فيه مضرة أشد منها، كان موجبا للخيار، لاسيما وأن الفقهاء قد أثبتوا الخيار فيما ذكر من عيوب، مستنبطين حكمها من

стр. 114

عموم الأدلة النافية للضرر، لا بالنص على كل واحدة بعينها، فإن وجد ما يشترك معها في الضرر، صح أن يقاس على ما ذكر، بجامع وجود الضرر في كل، بنفس الدرجة أو أشد. هذا ومن المعروف أن الأمراض في هذا الزمان قد تنوعت، ووجد منها ما هو أشد ضررا من تلك الأمراض والعيوب التي كانت معروفة في الأزمنة السابقة، واحتمال تعدِّيها إلى الزوجة، أو إليها وإلى ولدها، ولحوق الضرر بها أكثر من تلك، وقد تكون منها، الفتاكة والمميتة، مثل الأمراض الجنسية المعروفة في هذا الزمان، كالزهري والسيلان، ونقص المناعة المكتسبة - والمسمى بالإيدز - وغيرها من الأمراض التي ابتلي بها المنحرفون جنسيا، عقوبة ونكالا من الله، فينبغي إلحاقها بالمذكورة، من باب أولى، لوجود العلة الموجبة للخيار فيها، بصفة أولى وأشد وأوضح.

стр. 115

الوجه الثاني: أن الشريعة جعلت لها الخيار، في حالة فقدان١ الزوج. الوجه الثاني من أوجه الخيار التي جُعلت للمرأة ضمانا لحقوقها الزوجية، بسبب ما يلحقها من ضرر من قِبل حالة الزوج، أن الشريعة جعلت لها الخيار في فسخ العقد في حالة فقدان الزوج، أو غيبته غيبة طويلة، أو وقوعه في الحبس، وذلك لأنه حينئذ لن يكون قادرا على أداء حقوقه الزوجية تجاه زوجته، ويفوِّت عليها الغرض من النكاح، وفي ذلك مضارَّة لها غير خافية، فكان لها الخيار عند ذلك، على ما ذكره العلماء، ولهم تفصيل وآراء في جعل الخيار لها بذلك، وفي الوقت الذي يكون لها فيه الخيار على ما يأتي.

стр. 116

مسألة: متى يجعل لزوجة المفقود الخيار؟ الأصل في المفقود أن يكون حيا، ومن ثم تبقى زوجته في عصمته، إلا أن بقاء المرأة في عصمة رجل غائب غيبة طويلة، ولا يُعلم حاله، فيه ضرر وتعطيل لمصالحها، ولذا رأى العلماء أن يرفعوا عنها الضرر، بإزالة عصمة النكاح عنها، بعد أن يُضرب للمفقود الأجل، ويُبحث عنه فيُعجز، فإن عاد وإلا حكموا بموته، ثم تتربص المرأة عدة الوفاة، على اعتبار موت زوجها حكما، وتحل بعدها للآخرين. وقد اختلف العلماء في الأجل الذي يضرب لانتظار المفقود، ليحكم بعد ذلك بموته، ومن ثم يجعل الخيار لزوجته، على أقوال: القول الأول للحنفية: أن المفقود يعتبر حيا، ولا يعتبر ميتا، إلا بمضي تسعين سنة، وفي ظاهر الرواية، إذا مات أقرانه في أهل بلده اعتبر ميتا، لكن المختار عندهم، أنه يفوض إلى رأي الإمام١. وقد استدلوا لظاهر الرواية، بما روي عن النبي ﷺ في امرأة المفقود: "أنها امرأته حتى يأتيها البيان"٢

стр. 117

القول الثاني للمالكية: يفرق المالكية في الحكم على المفقود بين أن يكون فقده في دار الإسلام أو في دار الكفر، وبين أن يكون فقده في زمن الوباء، أو زمن السلامة، وهل الفقد وقع في قتال بين المسلمين والكفار، أو في قتال بين المسلمين أنفسهم. ولكل حالة حكم عندهم١، وقد ذكر ذلك الدسوقي ﵀ ملخِصا أحكام الحالات الأربع، فقال٢: "المفقود في بلاد الإسلام وحكمه، أنه يؤجل أربع سنين بعد البحث عنه، والعجز عن خبره، ثم تعتد زوجته. والمفقود بأرض الشرك كالأسير، وحكمهما، أن تبقى زوجتاهما لانتهاء مدة التعمير ثم تعتد زوجته. والمفقود في الفتن بين المسلمين، وحكمه، أن يؤجل سنة بعد النظر والكشف عنه، ثم تعتد زوجته، هذا حاصل ما تقدم وظاهره أنه لا يحتاج للحكم بموته في الأقسام كلها، ولا لإذن القاضي للزوجة في العدة" اهـ. القول الثالث للشافعية: "بأن المفقود يبقى حيا، ولا يعتبر ميتا، حتى تمضي مدة يُعلم أو يُغلب على الظن أنه لا يعيش فوقها، وإذا مضت المدة المذكورة فيجتهد

стр. 118

القاضي حينئذ ويحكم بموته؛ لأن الأصل بقاء الحياة". وهو مروي عن علي رضي الله عنه١. وقد اختلفت أقوال الشافعية في المدة التي يحتمل أن لا يعيش فيها المفقود، فقيل: هي غير مقدرة، وقيل: هي مقدرة بسبعين سنة، وقيل: بثمانين، وقيل: بتسعين، وقيل بمائة، وقيل بمائة وعشرين سنة؛ لأنها العمر الطبيعي عند الأطباء، وأنه لابد من اعتبار حكم الحاكم فلا يكفي مضي المدة من غير حكم بموته٢. القول الرابع للحنابلة٣: فقالوا: بالتفريق بين فقد الزوج في حال غالبه السلامة، وحال يغلب عليه الهلاك. فأما الأول: أن يكون ظاهر غيبته السلامة، كسفر التجارة في غير مهلكة، وطلب العلم، والسياحة. فالحكم حينئذ أن لا تزول الزوجية ما لم يثبت موته، وروي عن الإمام أحمد ﵀ بتحديد المدة في هذه الحالة بتسعين سنة من حين ولادته؛ لأن الظاهر أنه لا يعيش أكثر من هذا العمر، والمذهب الأول.

стр. 119

وأما الثاني: أن تكون غيبته ظاهرها الهلاك، كالذي يفقد من بين أهله ليلا أو نهارا، أو يُفقد من بين الصفين، أو يُفقد في مهلكة. فمذهب الإمام أحمد ﵀ الظاهر عنه، أن زوجته تتربص أربع سنين، أكثر مدة الحمل، ثم تعتد للوفاة أربعة أشهر وعشرا، وتحل للأزواج. وقد استدلوا لذلك بقضاء عمر ﵁ في امرأة فُقد زوجها، فذكرت ذلك له، فقال: انطلقي فتربصي أربع سنين، ففعلت، ثم أتته، فقال: انطلقي: فاعتدي أربعة أشهر وعشرا، ففعلت، ثم أتته، فقال: أين ولي هذا الرجل؟ فجاء وليه، فقال: طلقها، ففعل، فقال لها عمر: انطلقي فتزوجي من شئت...الخ١. وروي نحوه عن علي وعثمان وابن عباس رضي الله عنهم٢. وقال ابن قدامة ﵀: وهذه قضايا انتشرت في الصحابة فلم تُنكر، فكانت إجماعا٣. الخلاصة والترجيح: بالنظر في أقوال العلماء في تخيير الزوجة في حال فقده، أو عدم تخييرها، وجعلها تتربص حتى موتها، أو حتى يغلب على الظن موت

стр. 120

زوجها المفقود بمضي مدة لا يعيش فوقها غالباً، أو تحديد المدة بغير ذلك، والأحكام التي ذكروها لحالة فقدان الزوج، فإننا نخلص لما يأتي: ١- لم يرد في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ حكم على ما يجب فعله في حالة فقدان الزوج، وما روي في ذلك عن النبي ﷺ لم يثبت. ٢- روي عن عمر ﵁ أنه قضى في امرأة المفقود أن تتربص أربع سنين، بروايات متعددة، وروي نحوه عن غيره من الصحابة - كما سبق-، وحيث لم يرد نص من كتاب أو سنة، فالمعول ما قضى به أحد الخلفاء الراشدين، إن وُجد.١ ٣- أن المرأة تتضرر حتما بفقد زوجها، بحرمانها من تلبية رغباتها الجسدية، والنفسية، والمالية أحيانا، فتكون كالمعلقة. ٤- إن إزالة الضرر عنها واجب شرعا، لقاعدة "الضرر يزال"، ولقاعدة "لا ضرر ولا ضرار"، وعملا بقوله تعالى: ﴿وَلا تُضَارُّوهُنّ﴾ . ٥- وبناء عليه فإنه ينبغي القول بتخيير المرأة في طلب فسخ النكاح، إذا فقد زوجها، وأن القول بأن تبقى زوجة حتى ١ قول الصحابي إذا لم يظهر له مخالف حجة عند مالك والشافعي في القديم، وبعض الحنفية، وعند أحمد في رواية، انظر للتفصيل: روضة الناظر وجنة المناظر (ص ٨٤) .

стр. 121

يرجع زوجها، أو يتبين موته، أو تموت، قول مرجوح، لأنه ينافي إزالة الضرر عنها. ٦- وأن الحاكم هو الذي يقضي لها بالتخيير، كما فعل عمر ﵁، وذلك تحاشيا لوقوع الخلاف بين الطرفين. ٧- وأن الحاكم يبذل جهده في تبيين حال الزوج المفقود. ٨- وأنها تتربص أربع سنوات انتظارا لرجوع زوجها المفقود، كما قضى بذلك عمر ﵁، حيث لا يوجد دليل آخر يمكن الاستناد عليه في تحديد مدة التربص، وإنما يُصار إلى التحديد بالتوقيف. ٩- وأنها تتربص أربعة أشهر وعشرا بعد انتهاء مدة التربص، كما قضى بذلك عمر ﵁. ١٠- وأنه لا فرق بين أن يكون الفقد في حالة يغلب عليها الهلاك، أو يغلب عليها السلامة، وحملُ الحنابلة قضاءَ عمر ﵁ على ما غالبه الهلاك، فيه نظر، لأن أغلب الروايات التي أوردت قضاء عمر ﵁، لم تذكر الحالة التي غاب فيها المفقود، كما لم يقيد قضاء عمر بذلك، والرواية التي ذكرت الرجل الذي قضى فيه عمر ﵁، ذكرت أنه خرج للصلاة، وتلك حالة، تحتمل السلامة أكثر من الهلاك، لاحتمال أن يكون الرجل غاب في طلب الرزق، ولم يُرد إخبارَ أحد بذلك، بخلاف ما لو فقد بين الصفين في القتال، أو في طريقة مخوفة، أو في ركوب البحر،

стр. 122

ونحو ذلك، فحملُ قضاءِ عمر ﵁ على ما يغلب فيه الهلاك، ضعيف. ١١- وأنها تستحق النفقة والسكنى خلال مدة التربص، لحجز منافعها لمصلحة زوجها، لأن الأصل أن كل من يستحق النفقة في ماله في حال حضرته بغير قضاء القاضي يُنفق عليه من ماله عند غيبته.١ ١٢- وأنه لو رجع خلال مدة التربص، فإنها زوجته، وكذلك لو رجع، بعد التربص وهي في العدة، أو خرجت من العدة، أو تزوجت بآخر، ولم يدخل بها.٢ وأما لو تزوجت بعد التربص، وانتهاء العدة وبنى بها الثاني ثم ظهر الأول حياً، فإن الحنفية يرون: أن لا سبيل للأول عليها، وهو رواية عند الحنابلة.٣ وفي رواية أخرى عند الحنابلة، وهي الراجحة عندهم: أن الأول يخير بين الصداق وبين امرأته٤. ويبدو رجحان القول الثاني، لقضاء عمررضي الله عنه.٥

стр. 123

الوجه الثالث: أن الشريعة جعلت لها الخيار، في حالة غيبة الزوج غيبة منقطعة، أو أسره. غيبة الزوج عن زوجته لا تخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن تكون الغيبة غير منقطعة بحيث يكون على اتصال بزوجته، ففي هذه الحالة لا يجوز للمرأة أن تطلب الفراق إذا لم يتعذر الإنفاق عليها من مال زوجها، وذلك لعدم حصول ضرر بها يوجب التفريق، وحكم هذه الحالة متفق عليها بين الفقهاء.١ وأما إذا تعذر الإنفاق، فإن الحكم يندرج تحت حالة الخيار بسبب عدم الإنفاق، كما سيأتي. الحالة الثانية: أن تكون الغيبة طويلة منقطعة، فإن العلماء اختلفوا في جعل الخيار لزوجته بسبب تلك الغيبة - التي لا يخفى لحوق الضرر بالزوجة بسببها - على أقوال:

стр. 124

القول الأول: أنه ليس لها الخيار في طلب الطلاق بسبب غيبة زوجها، أو أسره. وهو قول الحنفية والشافعية، والحنابلة، إلا أن الحنابلة أجازوا الفسخ إذا تعذرت النفقة من مال زوجها.١ القول الثاني: أن الزوج لو غاب وقد ترك نفقة وعُلم مكانه، فإن الزوجة ترفع أمرها إلى الحاكم، فإن عاد، وإلا حكم عليه بالطلاق. وأما إذا لم يعلم مكانه، فحكمه حكم المفقود. وهو قول المالكية، ويلاحظ أنهم يجعلون الخيار للزوجة بطلب التفريق بسبب الغيبة، لو اشترطت المرأة ذلك في عقد النكاح. كما أن قولهم في الأسير مثل قول الجمهور بأن تبقى زوجته مدة التعمير، ثم تعتد.٢ الترجيح: لا يخفى أن النكاح شرع لمصلحة الزوجين وقضاء حاجة كل منهما من الآخر، وأن العلاقة بين الزوجين هي علاقة مبادلة المصالح بالمصالح

стр. 125

بالدرجة الأولى، فإذا انقلبت تلك المصالح إلى مفاسد، أو حرمان من الحقوق، فالأولى قطع تلك العلاقة، حفاظاً على حقوق الطرفين. وإذا كانت الشريعة قد راعت مصلحة النفقة الزوجية للمرأة وجعلت لها الخيار في طلب الفسخ لعدمها، وراعت كذلك حاجة المرأة الجنسية، وأوجبت الفراق بالإصرار على الإيلاء، فإن الذي ينبغي القول به، أن كل تصرف من الزوج إذا اشتمل على مضرة، أو نفي مصلحة معتبرة شرعا للمرأة موجب لإعادة النظر في استمرار العلاقة الزوجية بينهما، وذلك ضمانا لحقوق المرأة الزوجية. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وحصول الضرر للزوجة بترك الوطء مقتض للفسخ بكل حال، سواء كان بقصد من الزوج أو بغير قصد، ولو مع قدرته وعجزه كالنفقة أولى، للفسخ بتعذره في الإيلاء إجماعا. وعلى هذا: فالقول في امرأة الأسير والمحبوس ونحوهما ممن تعذر انتفاع امرأته به إذا طلبت فرقته، كالقول في امرأة المفقود بالإجماع، كما قاله أبو محمد المقدسي" اهـ١.

стр. 126

الوجه الرابع: أن الشريعة جعلت لها الخيار، في حالة امتناع الزوج عن النفقة، أو إعساره بها. إن نفقة الزوجة كما هو معلوم واجبة على زوجها إجماعا.١ وحقها في النفقة مقابل حبس منافعها لمصلحة الزوج، فكان واجبا عليه أن يقوم ببذل العوض. وقد ضمنت الشريعة حقها في النفقة بجعل الخيار لها في طلب التفريق؛ إذا لم تتمكن من أخذ حقها من النفقة، إلا أن الجدير بالتنبيه أن للعلماء تفصيل وآراء في ثبوت خيار التفريق للزوجة بسبب عدم التمكن من حصولها على النفقة، وتفصيل ذلك على ما يأتي: إن عدم حصول المرأة على نفقتها قد يكون بسبب إعسار الزوج بها، وقد يكون بسبب امتناعه عن النفقة عليها مع كونه موسرا، فها هنا حالتان لعدم الإنفاق، ولكل حالة حكمها. الحالة الأولى: إعسار الزوج بالنفقة: إذا أعسر الزوج بالنفقة ولم يكن لديه ما ينفقه على زوجته، فهل يثبت لها الخيار بطلب التفريق؟

стр. 127

اختلف العلماء في ذلك إلى قولين: القول الأول: أن لها الخيار في طلب التفريق بسبب إعسار الزوج بالنفقة. وهو قول الجمهور (المالكية، والراجح عند الشافعية، وقول الحنابلة) ١. الأدلة: استدل الجمهور على ما ذهبوا إليه بأدلة، منها: - قوله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا﴾ ٢. وواضح أن إمساك المرأة من غير الإنفاق عليها إضرار بها، والإضرار منهي عنه "لا ضرر ولا ضرار "، فإمساكها من غير الإنفاق عليها مندرج كذلك تحت النهي. - ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ٣. - كما استدلوا بما رواه البخاري عن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِي ﵁ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى

стр. 128

وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُول"، تَقُولُ الْمَرْأَةُ إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي وَيَقُولُ الْعَبْدُ أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي وَيَقُولُ الابنُ أَطْعِمْنِي إِلَى مَنْ تَدَعُنِي" فَقَالُوا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ لا هَذَا مِنْ كِيسِ أَبِي هُرَيْرَةَ١. قال الحافظ ابن حجر ﵀: واستدل بقوله"إما أن تطعمني وإما أن تطلقني" من قال يُفَرَّق بين الرجل وامرأته إذا أعسر بالنفقة واختارت فراقه.٢ القول الثاني: أنه ليس لها الخيار في طلب التفريق بسبب إعسار الزوج بالنفقة. وهو قول الحنفية والظاهرية.٣ الأدلة: وقد استدل هذا الفريق لما ذهبوا إليه بأدلة منها: - قول الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ ٤.

стр. 129

قال الجصاص ﵀: "وقد تضمن معنى آخر من جهة الحكم وهو الإخبار بأنه إذا لم يقدر على النفقة لم يكلفه الله الإنفاق في هذه الحال، وإذا لم يكلف الإنفاق في هذه الحال لم يجز التفريق بينه وبين امرأته لعجزه عن نفقتها"١. - ومن السنة ما رواه مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَا لَ دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ النَّاسَ جُلُوسًا بِبَابِهِ لَمْ يُؤْذَنْ لأَحَدٍ مِنْهُمْ قَالَ فَأُذِنَ لأبِي بَكْرٍ فَدَخَلَ ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ فَوَجَدَ النَّبِيَّ ﷺ جَالِسًا حَوْلَهُ نِسَاؤُهُ وَاجِمًا سَاكِتًا قَالَ فَقَالَ لأقُولَنَّ شَيْئًا أُضْحِكُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ رَأَيْتَ بِنْتَ خَارِجَةَ سَأَلَتْنِي النَّفَقَةَ فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَوَجَأْتُ عُنُقَهَا فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: "هُنَّ حَوْلِي كَمَا تَرَى يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ" فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، فَقَامَ عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، كِلاهُمَا يَقُولُ: تَسْأَلْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، فَقُلْنَ: وَاللَّهِ لا نَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا أَبَدًا لَيْسَ عِنْدَهُ، ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾ حَتَّى بَلَغَ، ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ ٢ قَالَ: فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكِ أَمْرًا أُحِبُّ أَنْ لا تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى

стр. 130

تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ" قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَتلا عَلَيْهَا الآيَةَ، قَالَتْ: أَفِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْتَشِيرُ أَبَوَيَّ، بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ وَأَسْأَلُكَ أَنْ لا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ، قَالَ: "لا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلا أَخْبَرْتُهَا إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا ولا مُتَعَنِّتًا وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا "١ ووجه الاستدلال كما قال ابن القيم ﵀ نقلا: "فهذا أبو بكر وعمر ﵄ يضربان ابنتيهما بحضرة رسول الله ﷺ إذ سألاه نفقة لا يجدها، ومن المحال أن يضربا طالبتين للحق، ويقرهما رسول الله ﷺ على ذلك، فدل على أنه لا حق لهما فيما طلبتاه من النفقة في حال الإعسار، وإذا كان طلبهما لها باطلا فكيف تمكَّن المرأة من فسخ النكاح بعدم ما ليس لها طلبه، ولا يحل لها، وقد أمر الله سبحانه صاحب الدين أن يُنظر المعسر إلى الميسرة". وقال: "والذي تقتضيه أصول الشريعة وقواعدها في هذه المسألة أن الرجل إذا غرَّ المرأة بأنه ذو مال، فتزوجته على ذلك فظهر معدما لا شيء له، أو كان ذا مال، وترك الإنفاق على امرأته، ولم تقدر على أخذ كفايتها من ماله بنفسها، ولا بالحاكم أن لها الفسخ،، وإن تزوجته عالمة بعسرته، أو كان موسرا ثم أصابته جائحة اجتاحت ماله، فلا فسخ لها في

стр. 131

ذلك، ولم تزل الناس تصيبهم الفاقة بعد اليسار، ولم ترفعهم أزواجهم إلى الحكام ليفرقوا بينهم وبينهن، وبالله التوفيق" اهـ١ الراجح: بالنظر في أدلة الفريقين، يبدو - كما هو واضح - أن الأدلة جميعها محتملة، فليس ثمة تصريح بالحكم على إعطاء المرأة الحق في اختيار الفراق، وقطع الصلة الزوجية للعسر بالنفقة. وأما حديث أبي هريرة فقد صرح فيه أنه من كيسه، فلا يعول عليه. إلا أن حديث تخيير النبي ﷺ أزواجه فيه دلالة على ثبوت حق الزوجة في التخير بسبب العسر بالنفقة - على خلاف بين العلماء فيما خير فيه النبي ﷺ أزواجه - لأنهن كن قد طالبن بالنفقة مما لم يكن عند النبي ﷺ ، فخيرهن بين أن يخترنه والآخرة، أو يخترن الدنيا، فاخترنه والآخرة٢. أما استدلال ابن القيم ﵀ بضرب أبي بكر وعمر ﵄ ابنتيهما بحضرة رسول الله ﷺ إذ سألاه نفقة لا يجدها، على عدم التخيير، ففيه نظر، وذلك لأن فعلهما ذلك لا يدل على سقوط الحق في التخيير مع تخيير النبي ﷺ .

стр. 132

ومما ينبغي ملاحظته أن إعسار الزوج لو بلغ به الأمر بحيث لا يمكن للمرأة أن تتحمله، أو تجد منه مخرجا، ورفعت أمرها إلى الحاكم متظلمة، فإن على الحاكم أن يرى في ذلك رأيه برفع الضرر الواقع على المرأة عملا بقاعدة: "الضرر يزال" وقاعدة: "الضرورات تبيح المحظورات"، وقاعدة: "درء المفاسد أولى من جلب المصالح" إذ قد يكون حينئذ في الإبقاء على النكاح مفسدة أشد من جلب المصلحة، فينبغي الأخذ بأهون الشرين. ولعل من هذا الباب خروج بعض الحنفية - القائلين بعدم التفريق بسبب الإعسار - عن قولهم ذلك، حيث جاء في حاشية ابن عابدين: "ثم اعلم أن مشايخنا استحسنوا أن ينصب القاضي الحنفي نائبا ممن مذهبه التفريق بينهما، إذا كان الزوج حاضرا، وأبى عن الطلاق؛ لأن دفع الحاجة الدائمة لا يتيسر بالاستدانة، إذ الظاهر أنها لا تجد من يقرضها، وغنى الزوج مآلا أمر متوهم، فالتفريق ضروري إذا طلبته"١. الحالة الثانية: امتناع الزوج عن النفقة مع اليسار: إذا كان الزوج موسرا ومع ذلك امتنع عن الإنفاق على زوجته، بخلاً، أو إضرارا بها، فهل يجعل للمرأة الخيار في طلب التفريق؟ اتفق الفقهاء على أن للمرأة التي امتنع زوجها من الإنفاق عليها وهي مستحقة للنفقة، أن لها أن تأخذ ما يكفيها وولدها بالمعروف.

стр. 133

وذلك استناداً إلى ما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂، أن هنداً بنت عتبة، قالت يارسول الله: إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني، وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"١. فإن لم تتمكن من أخذ ما يكفيها وولدها بالمعروف رفعت أمرها إلى الحاكم، فأجبره على الإنفاق عليها، وله حسبه لذلك٢. فإن أصر على عدم الإنفاق فهل للحاكم أن يفرق بينه وبين زوجته لذلك؟ اختلف العلماء في ذلك إلى أقوال: القول الأول: أن القاضي يطلق عليه حالا إذا لم يدع العجز، فإن ادعى العجز طولب إثباته، فإن أثبت عجزه كان حكمه حكم المعسر، وإن لم يثبت عسره، أُمِر بالإنفاق أو الطلاق. وهو قول المالكية٣. القول الثاني: أنه لو امتنع عن الإنفاق، أجبره الحاكم على الإنفاق، فإن أبى حبسه، فإن صبر على الحبس أخذ الحاكم النفقة من ماله، فإن غيب ماله

стр. 134

ولم يقدر الحاكم له على مال يأخذه، فلها الخيار في الفسخ. وهو قول الحنابلة١. وقد استدلوا على جواز التفريق للامتناع بما رواه البيهقي عن ابن عمر ﵄،"أن عمر ﵁ كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم، فأمرهم أن يأخذوهم بأن ينفقوا أو يطلقوا، فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما حبسوا"٢. القول الثالث: أن ليس لها الخيار في الفسخ لو امتنع عن الإنفاق ولو كان موسرا؛ لأن الخيار إنما يكون بسبب الإعسار، وهذا غير معسر. وهو قول الشافعية في الراجح٣. الراجح: بالنظر في الأقوال الثلاثة في المسألة نجد أنه لا يوجد نص على حكم هذه الحالة، ولذلك ينبغي الاستناد إلى حكم عمر ﵁ في إلزام الممتنعين عن الإنفاق به، أو إلزامهم بالطلاق، كما قضى بذلك ﵁.

стр. 135

وكذلك لأن الممتنع عن الإنفاق مع اليسار قاصدٌ الإضرار بزوجته دون وجه شرعي، فكان رفع الضرر عنها بالتفريق لذلك راجحا. إلا أنه ينبغي عدم التسرع بالتفريق بل يتخذ الحاكم ما يراه مناسبا لإجبار الزوج على النفقة، فإن لم يجد ذلك قضى بالتفريق. ولذا فإن ما ذهب إليه الحنابلة من القول بإجبار الزوج على الإنفاق، وما يلزم الحاكم من اتخاذه لذلك، والتفريق عند عدم إمكان أخذ النفقة من ماله، ضمانا لحق المرأة في النفقة، هو الراجح.

стр. 136

المبحث التاسع: (الضمان الخامس عشر) : أن الشريعة أباحت للمرأة طلب الخلع إن لم تطق العيش مع زوجها سبق وأن ذكرت في الضمانات السابقة الحالات التي يكون للمرأة فيها الخيار في طلب التفريق بينها وبين زوجها، بفسخ نكاح، أو إيقاع طلاق، ويجب على الحاكم فيها أن يجيب طلبها، ولو لم يرض به الزوج. هذا إذا كان التفريق له مبرر شرعي واضح، كما سبق، إلا أن العلاقة الزوجية التي تَفرض بقاء الزوجين قرب بعضهما البعض، تستدعي وجود صفات فيهما تجعل كلا منهما منجذبا إلى الآخر وراغبا فيه، فإذا فقدت تلك الصفات من أحدهما، فإن ذلك يؤدي إلى نفرة الطرف الآخر منه. ولذا نجد أن المرأة قد تكون كارهة لزوجها راغبة عنه، رغم أدائه حقوقها، وتخشى حينئذ أن لا تقوم بأداء حقوقه الزوجية، فتقع في المحظور، فلا ترغب في البقاء معه. ففي هذه الحالة ضمنت لها الشريعة الإسلامية أن تفتدي نفسها من زوجها ببذلها له ما أخذته منه، لكيلا تضطر إلى البقاء معه رغم كراهيتها له، وذلك ما يسمى في المصطلح الفقهي بالخلع.

стр. 137

يقول الحصني في النوع الثالث من التخفيفات في المناكحات: "ومنها تيسير مشروعية الطلاق لمشقة بقاء الزوجية، وكذا الخلع، وكذا كل موضع شرع فيه خيار الفسخ لها لما في صبرها على تلك الحالة من المشقة، حيث لم يجعل الشرع الطلاق بيدها"١. يقول ابن قدامة ﵀ مبينا حكمة مشروعية الخلع: "والخلع لإزالة الضرر الذي يلحقها بسوء العشرة والمقام مع من تكرهه وتبغضه"٢.ويقول ابن القيم ﵀: "أن الله تعالى شرع الخلع رفعا لمفسدة المشاقة الواقعة بين الزوجين، وتخلص كل منهما من صاحبه"٣.وحيث أن الخلع من الأحكام التي وضعت ضمانا لحقوق المرأة، فإنني أذكر - بعون الله تعالى – فيما يلي تعريف الخلع، لتتضح صورته، وحكمه، وما يجوز الخلع عليه. أولا: تعريف الخلع لغة واصطلاحا: الخلع لغة: من خلع يخلع من باب قطع، وخلعت النعل وغيره خلعا، نزعته، وخالعت المرأة زوجها مخالعة: إذا افتدت منه وطلقها على الفدية فخلعها

стр. 138

هو خلعا، والاسم الخلع، بالضم، وهو استعارة من خلع اللباس لأن كل واحد منهما لباس للآخر، فإذا فعلا ذلك فكأن كل واحد نزع لباسه عنه.١ الخلع اصطلاحا: عرف الفقهاء الخلع بتعريفات مختلفة في الألفاظ متقاربة في المعنى، وكلها ترجع إلى طلب الزوجة إزالة النكاح بعوض تبذله لزوجها. ففي البحر الرائق:" إزالة ملك النكاح المتوقفة على قبولها بلفظ الخلع أو ما في معناه"٢. وفي كشاف القناع:" وهو: فراق الزوج امرأته بعوض يأخذه الزوج من امرأته أو غيرها بألفاظ مخصوصة" ٣. ثانيا: مشروعية الخلع: الخلع ثابت بالكتاب والسنة والإجماع: فأما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ

стр. 139

﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١) قال ابن العربي وهو يذكر سبب الخلع في معرض تفسي قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ :" وفي ذلك تاويلات كلها أباطيل، وإنما المراد به أن يظن كل واحد منهما بنسه ألا يقيم حق النكاح لصاحبه مسبما يجب عليه فيه لكراهية يعتقدها، فلا حرج على المرأة أن تفتدي ولا على الزوج أن يأخذ. (٢) ومن السنة: ما رواه البخاري عن ابن عباس ﵄ قال جاءت امرأة ثايت بن قيس بن شماس إلة النبي ﷺ فقالت يا رسول الله ما أنقم على ثابت في دين ولا في خلق إلا أني أخاف الكفر فقال رسول الله ﷺ :فتردين عليه حديقته فقالت نعم فردت عليه وأمره ففارقها" (٣) وما راه أيضا عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال:"جاءت امرأة ثابت إلى رسول الله فقالت: يا رسول الله إني لا أعتب على

стр. 140

ثَابِتٍ فِي دِينٍ ولا خُلُقٍ وَلَكِنِّي لا أُطِيقُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" فَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ" قَالَتْ: نَعَمْ"١. وأما الإجماع: فقد قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وأجمع العلماء على مشروعيته إلا بكر بن عبد الله المزني"٢ وقال ابن قدامة ﵀: "وبهذا قال جميع الفقهاء بالحجاز والشام، قال ابن عبد البر: ولا نعلم أحدا خالفه، إلا بكر بن عبد الله المزني٣، فإنه لم يجزه..."٤. ثالثا: ما تخالع عليه الزوجة: إذا كان الخلع بنشوز من الزوج، وحصول الإضرار من قبله، فقد كره جمهور العلماء للرجل أن يأخذ شيئا على الخلع في هذه الحالة،٥

стр. 141

فإن أخذ شيئا كان آثما عاصيا، بل نص ابن قدامة ﵀ على بطلان الخلع إذا كان بعضل من الزوج، فقال:" فأما إن عضل زوجته، وضارها بالضرب والتضييق عليها، أو منَعَها حقوقها، من النفقة والقسم ونحو ذلك لتفتدي نفسها منه، ففعلت فالخلع باطل، والعوض مردود".١ ولا يخفى ما في ذلك من ضمان لحقها، لأن القصد هو رفع الضرر الواقع عليها، بسبب كراهيتها لزوجها، فإن كان ذلك من قِبله، فلا ينبغي له أن يأخذ شيئا، ويجب رفع الضرر عنها من غير عوض، وأما إن كان ذلك من قِبلها، فلا يضار الزوج بما لم يرتكبه، إذ القاعدة "لا يزال الضرر بالضرر"، فله حينئذ أن يأخذ عوضا على الخلع. هذا ولا خلاف بين العلماء في أن الخلع إذا كان بسبب من قِبل الزوجة، أن للزوج أن يأخذ على الخلع ما كان قد أعطى زوجته، أو أقل من ذلك، لكنهم اختلفوا بعد ذلك في مطالبة الزوج أكثر مما أعطاها لتخالعه إلى قولين: القول الأول: يجوز الخلع على ما تراضا عليه الزوجان، ولو كان أكثر مما أعطاها، ولكن يكره أخذه الزيادة

стр. 142

وهو قول الجمهور (الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة) .١ وقد استدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ٢. قال القرطبي ﵀ عند ذكره لأحكام الآية:" دل على جواز الخلع بأكثر مما أعطاها"٣. القول الثاني: أنه لا يجوز للزوج أن يأخذ أكثر مما أعطاها، فإن أخذ رد الزيادة. وهي رواية عن الإمام أحمد٤، وقول طاووس٥،

стр. 143

وعطاء١، والأوزاعي٢. وقد استدل الفريق الثاني بما رواه ابن ماجه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ "أَنَّ جَمِيلَةَ بِنْتَ سَلُولَ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ وَاللَّهِ مَا أَعْتِبُ عَلَى ثَابِتٍ فِي دِينٍ وَلا خُلُقٍ وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلامِ لا أُطِيقُهُ بُغْضًا فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ قَالَتْ نَعَمْ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا حَدِيقَتَهُ وَلا يَزْدَادَ" ٣. ووجه الاستدلال أن النبي ﷺ نهاه عن أخذ الزيادة. الراجح: بما أن لفظ القرآن الكريم قد نص على أن لا جناح عليهما فيما افتدت به، فإن الذي يتأكد ترجيحه، هو جواز المخالعة على ما اتفق عليه الزوجان، ويحمل نهيه ﷺ عن الزيادة على الكراهة جمعا بين الآية الحديث، كما ذكر ذلك ابن قدامة رحمه الله٤، وقد قال الإمام مالك ﵀ عن أخذ الزيادة: أنه ليس من مكارم الأخلاق.٥

стр. 144

المبحث العاشر: (الضمان السادس عشر) : أن الشريعة أمرت ببعث الحكمين للإصلاح بين الزوجين إن الأصل في العلاقات الزوجية أن يتم حل الخلافات الناشئة بين الزوجين فيما بينهما، وأن يحصر نزاعهما داخل بيت الزوجية، لأن إظهار المشاكل العائلية خارج نطاق الزوجين من شأنه تفاقم الأزمة بينهما، ولذا نجد أن القرآن الكريم خاطب الزوج أولا، لإصلاح ما بينه وبين زوجته، فقال تعالى: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ ١. كما خاطب الزوجة بذلك قال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ ٢. إلا أن المشكلة بين الزوجين قد تتعاظم، حتى يخشى منها حصول الشقاق بينهما، ولم يمكن إصلاحها فيما بينهما، فحينئذ يأمر الله سبحانه

стр. 145

وتعالى ببعث حكم من أهل الزوج وحكم من أهل الزوجة للإصلاح بينهما. ولا يخفى ما في هذا الحكم من ضمان لحقوق المرأة المتعلقة بحياتها الزوجية، بل وفيه ضمان لحق الزوجين بمحاولة الإبقاء على بيت الزوجية؛ لأن الإبقاء على العلاقة مقصد هام من مقاصد الشريعة. وتوضيح ذلك أن الزوجين في حالة الشقاق يدعي كل منهما الحق لنفسه، وقد يؤدي ذلك إلى هضم صاحب الحق حقه، وتُظلم المرأةُ حينئذ أو تَظلم، وفي كلتا الحالتين ليس الخير في جانبها، فبعث الحكمين ضمان لها من الوقوع في الظلم أو التظلم. وقد خاطب الله الأمراء والحكام١ ببعث الحكمين لإصلاح الشقاق بين الزوجين في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾ ٢. وقد اشترط العلماء في الحكمين: - أن يكون أحدهما من أهل الزوج، والآخر من أهلها. - وأن يكونا عدلين مسلمين. - وممن عرفوا بالاستقامة والصلاح والإصابة في الرأي.
следующие страницы →