← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 11281

ضمانات حقوق المرأة الزوجية

محمد يعقوب الدهلوي

Полный текст (175 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المبحث الأول: (الضمان السابع) : أن الشريعة منعت الولي من عضل موليته إن أرادت أن تنكح. من حقوق المرأة الأساسية حقها في الزواج، وبما أن الولي هو الذي يقوم بإجراء عقد النكاح، فإنه يخشى منه أن يعتدي على حقها في ذلك بمنعها من الزواج، لأسباب شخصية، كطمعه في ميراثها، أو قصده تزويجها ممن ينال منه مصلحة شخصية، أو عنادا وضرارا، فضمنت الشريعة الإسلامية هذا الحق الأساسي للمرأة بمنع الولي من عضلها. وسأذكر - بعون الله تعالى - فيما يلي تعريف العضل، وحكمه موضحا ضمان الشريعة لحق المرأة في الزواج. تعريف العضل وحكمه أولا: تعريف العضل: والعضل: من عضَل الرجل حرمته، عضلا، من بابي قتل وضرب: منعها التزويج١، وقال القرطبي ﵀: ﴿تعضلوهن﴾ ، معناه: تحبسوهن...، وعضل فلان أيِّمه، أي: منعها٢.

стр. 72

قال ابن قدامة ﵀: ومعنى العضل: منع المرأةِ من الزواج بكفئها إذا طلبت ذلك، ورغب كل واحد منهما في صاحبه١. ثانيا: حكم العضل: عضل الولي موليته، حرام، وظلم للمرأة، لما يشتمل عليه العضل من إضرار بها، بمنعها من حقها في الزواج بمن ترضاه من الرجال الأكفاء؛ لأن العاضل بعضله بمثابة من كان عليه دين فامتنع من قضائه، ويفسق به٢. وقد ثبت تحريم العضل، بقوله ﵎: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣. وسبب نزول الآية، أن معقل بن يسار منع أخته من الزواج من مطلقها أبي البداح، فنزلت الآية بمنعه من العضل.

стр. 73

روى البخاري، عَنِ الْحَسَنِ في قوله: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ قَالَ زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا، حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطِبُهَا، فَقُلْتُ لَهُ: زَوَّجْتُكَ وَفَرَشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ فَطَلَّقْتَهَا ثُمَّ جِئْتَ تَخْطِبُهَا، لا وَاللَّهِ لا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا، وَكَانَ رَجُلا لا بَأْسَ بِهِ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ فَقُلْتُ: الآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ"١. ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ نقلا عن ابن جرير ﵀ وغيره، قال: اتفق أهل التفسير على أن المخاطب بذلك الأولياء. وروى ابن المنذر من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هي في الرجل يطلق امرأته فتنقضي عدتها، فيبدو له أن يراجعها وتريد المرأة ذلك، فيمنعها وليها٢. أقول: والآية وإن كانت قد نزلت في واقعة اشتملت على منع الولي من العضل في حالة رغبة المرأة في الرجوع إلى زوجها السابق بنكاح جديد، إلا أن عموم اللفظ دليل على منع العضل في الجملة.

стр. 74

وذكر ابن رشد١ ﵀، اتفاق العلماء على منع الولي من العضل، فقال: "واتفقوا على أنه ليس للولي أن يعضل وليته إذا دعت إلى كفء"٢. ففي منع الولي من عضل موليته ضمان لحق المرأة في الحصول على أهم حق من حقوقها المتعلقة بالنكاح.

стр. 75

المبحث الثاني: (الضمان الثامن) : أن الولاية تتحول من الولي الأقرب إلى الولي الأبعد في حالة عضله أو غيابه هذا الوجه من الضمان بمثابة تكملة للوجه السابق، أقرته الشريعة إمعانا في حفظ حق المرأة في الزواج، وتحاشيا لتخلفها عنه، لِما للوقت والسن من أهمية بالغة في نيلها حظَّها من النكاح؛ لأن تأخرها عن الوقت المناسب للزواج، وعدم تزويجها بالكفء المتقدم لها، قد يفوتها فرصة لا تعوض. فمن أجل ذلك أقرت الشريعة، أن الولي إذا منع موليته من النكاح من كفء، أو غاب غيبة طويلة، سقطت ولايته، وانتقلت إلى من بعده من الأولياء، أو السلطان، على خلاف بين الفقهاء، كما سيأتي. وسأذكر ذلك في فرعين: الفرع الأول: انتقال ولاية التزويج بسبب العضل. الفرع الثاني: انتقال ولاية التزويج بسبب الغيبة.

стр. 76

الفرع الأول: انتقال ولاية التزويج بسبب العضل إذا عضل الولي الأقرب، فهل تنتقل ولاية التزويج إلى الولي الأبعد أو إلى السلطان؟ اختلف الفقهاء في ذلك إلى قولين: القول الأول: أن ولاية التزويج في حالة عضل الولي الأقرب تنتقل إلى الولي الأبعد غير العاضل، فلو امتنع الولي الأقرب من تزويج موليَّته بالكفء، زوجها الولي الأبعد، لا السلطان، ولا يزوجها السلطان إلا إذا عدم الأولياء جميعا، أو عضل الكل. وهو قول الحنفية، والراجح عند المالكية، ورواية عن الإمام أحمد رحمه الله١. واستدلوا لذلك بما رواه أبو داود عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: " أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل

стр. 77

باطل باطل، فإن أصابها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا١ فالسلطان ولي من لا ولي له"٢. ووجه الاستدلال من الحديث أن النبي ﷺ ، جعل الولاية للسلطان في حالة عدم وجود الولي، وهذه لها ولي، ولا ينتقل إلى السلطان إلا إذا عضل الكل؛ لأن قوله: "فإن اشتجروا" ضمير جمع يتناول الكل. وعللوا لذلك٣: ١- بأنه تعذر التزويج من جهة الولي الأقرب، فملكه الأبعد، كما لو جُنَّ الولي الأقرب. ٢- ولأنه يفسق بالعضل فتنتقل الولاية عنه، كما لو شرب الخمر. القول الثاني: أن ولاية التزويج في حالة عضل الأقرب تنتقل إلى السلطان، لا إلى الولي الأبعد، فلو امتنع الولي الأقرب من تزويج موليَّته بالكفء، قام السلطان أو القاضي بتزويجها.

стр. 78

وهو قول المالكية ومذهب الشافعية ورواية عن الإمام أحمد رحمه الله١. وقد استدلوا لذلك: ١- بالحديث، "فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له"٢. ووجه الاستدلال من الحديث أن النبي ﷺ ، جعل الولاية في حالة اشتجار الأولياء للعضل وامتناعهم عن التزويج للسلطان، لأن الولي إذا امتنع من التزويج، فكأنه لا ولي لها، فيكون السلطان وليها٣، فدل على انتقال الولاية إليه. ٢- ولأن ذلك حق عليه امتنع من أدائه، فقام الحاكم مقامه، كما لو كان عليه دين فامتنع من قضائه٤. الراجح: بالنظر في أدلة الفريقين يبدو رجحان ما ذهب إليه الفريق الأول القائل بانتقال الولاية إلى الولي الأبعد عند عضل الولي الأقرب، وذلك: - لقوة ما استدلوا به.

стр. 79

- ولأن المعتبر في النكاح وجود الولي، لأداء واجب ثبت عليه لموليته، فإذا تقاعس عن أداء ذلك الواجب، ووجد من يتصف بصفة الولاية، وغيرُ ممتنع عن أداء واجبه، فهو أولى بالأداء من السلطان؛ لأنه الأصل في الأداء، والسلطان بدل منه. - وقد رد ابن قدامة ﵀ على قياس الولاية على الدَّيْن؛ بأنه قياس مع الفارق من وجوه ثلاثة: أحدها: أنها حق للولي، والدَّيْن حق عليه. الثاني: أن الدَّيْن لا ينتقل عنه، والولاية تنتقل لعارض، من جنون الولي، أو فسقه، أو موته. الثالث: أن الدَّيْن لا يعتبر في بقائه، العدالة، والولاية يعتبر لها ذلك، وقد زالت العدالة بما ذكرنا١. الفرع الثاني: انتقال ولاية التزويج بسبب الغيبة. إذا غاب الولي الأقرب، فهل تنتقل ولاية التزويج إلى الولي الأبعد أو إلى السلطان؟ اختلف الفقهاء في ذلك إلى قولين:

стр. 80

القول الأول: أن ولاية التزويج في حالة غيبة الولي الأقرب تنتقل إلى الولي الأبعد، فلو غاب الولي الأقرب غيبة منقطعة١، زوجها الولي الأبعد، لا السلطان، ولا يزوجها السلطان إلا إذا عدم الأولياء جميعا. وهو قول الحنفية والحنابلة٢. واستدلوا لذلك:

стр. 81

١- بحديث "فالسلطان ولي من لا ولي له "١، ووجه الاستدلال أن النبي ﷺ جعل الولاية للسلطان لمن لا ولي لها، وهذه لها ولي، فلا يكون السلطان ولياً لها. ٢- ولأن الأقرب تعذر حصول التزويج منه، فتثبت الولاية لمن يليه من العصبات، كما لو جُنَّ أو مات. ٣- ولأنها حالة يجوز فيها التزويج لغير الأقرب فكان ذلك للأبعد، كالأصل٢. القول الثاني: أن ولاية التزويج في حالة غيبة الولي الأقرب تنتقل إلى السلطان. فلو غاب الولي الأقرب غيبة منقطعة، زوجها السلطان لا الولي الأبعد. وهو قول المالكية والشافعية٣. وقد عللوا لذلك: ١_ بأن الولي الغائب، ولايته باقية لم تنته، فلا تنتقل إلى الولي الأبعد، وإنما يزوجها الحاكم؛ لأنه وكيل الغائب فله أن يزوجها، لا الولي الأبعد٤.

стр. 82

٢- ولأن الأبعد محجوب بولاية الأقرب، فلا يجوز له التزويج، كما لو كان حاضرا، ودليل بقاء ولايته أنه لو زوج من حيث هو، أو وكل، صح١. الراجح: ويبدو رجحان ما ذهب إليه الفريق الأول القائل بانتقال الولاية إلى الولي الأبعد عند غيبة الولي الأقرب، وذلك: لقوة تعليلهم واستدلالهم. ولأن الحديث نص على أن"السلطان ولي من لا ولي له"، فلو جعلنا الولاية للسلطان، مع وجود من يطلق عليه اسم الولي، كان في ذلك مخالفة للحديث، مع ما في ذلك من هضم لحق الولي الأبعد. والله أعلم.

стр. 83

المبحث الثالث: (الضمان التاسع) : أن الشريعة جعلت لها الحق في أن تشترط من الحقوق المادية والمعنوية ما فيه مصلحتها سبق وأن ذَكرتُ أنَّ الشريعة الإسلامية أقرت من الأحكام، ما تضمن به للمرأة الحقوق الزوجية الواجبة لها من لدن الشارع، وذلك بالتأكيد على أداء حقوقها ومنع التنازل عن بعضها شرعا. وهناك ضمان آخر، للحقوق التي لم توجبها الشريعة، وهو أنها أجازت للمرأة أن تشترط ما ترى فيه مصلحتها، من الفوائد المادية والمعنوية، فيصبح ما اشترطته حقا واجباً لها بالاشتراط في نظر الشرع، وعلى الزوج أن يلتزم بها، إذا قبلها، ما دامت لا تخالف الشرع في أحكامه. فللمرأة أن تشترط مثلاً، أن لا يخرجها من بلدها، أو يبقيها مع أهلها، أو أن تسكن في دار معينة، ونحو ذلك من الأمور التي تشترط فيها المرأة مصلحة زائدة على ما يقتضيه العقد، بشرط أن لا تكون منافية لمقتضاه، ولا مخالفة فيها لأوامر الشرع الحكيم. وقد دل على صحة اشتراط المرأة ما فيه ضمان لحقوقها، أدلة منها: ١- ما رواه البخاري عن عقبة عن النبي ﷺ قال: "أحق ما وفيتم من الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج"١.

стр. 84

٢- وقول النبي ﷺ : "المسلمون على شروطهم "١. ٣- وأخرج ابن أبي شيبة: أن رجلا تزوج امرأة وشرط لها دارها، ثم أراد نقلها، فخاصموه إلى عمر، فقال: لها شرطها، فقال الرجل: إذًا يطلقننا، فقال عمر: "مقاطع الحقوق عند الشروط"٢. ٤- وعلل ابن قدامة ﵀ تأييده لثبوت الحقوق بالاشتراط قائلا: أ - "ولأنه قول كثير من الصحابة، ولم يُعلم لهم مخالف في عصرهم، فكان إجماعاً". ب -" ولأنه شرط، لها فيه منفعة، ومقصودٌ لا يمنع المقصودَ من النكاح، فكان لازما، كما لو شرطت عليه زيادة في المهر أو غير نقد البلد"٣.

стр. 85

المبحث الرابع: (الضمان العاشر) : أن المرأة لو زوِّجت من غير رضاها كان لها حق الفسخ رضا المرأة بمن تتزوجه، من الحقوق الشرعية التي أوجبها الشرع الحكيم لها، إذا كانت ممن يعتبر رضاها، وقد منحتها الشريعة حق فسخ عقد النكاح الذي لم ترض به، ضمانا لثبوت حقها في الرضا بالنكاح، ونفيا لإجبارها على الزواج بمن تكرهه. وقد ثبت بالسنة الثابتة عن النبي ﷺ أنه جعل للمرأة خيار فسخ النكاح إذا أكرهت على الزواج بمن لا ترضاه. فقد روى النسائي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَتَاةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي زَوَّجَنِي ابْنَ أَخِيهِ لِيَرْفَعَ بِي خَسِيسَتَهُ١ وَأَنَا كَارِهَةٌ قَالَت: اجْلِسِي حَتَّى يَأْتِيَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَتْهُ فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِيهَا فَدَعَاهُ فَجَعَلَ الأَمْرَ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَجَزْتُ مَا صَنَعَ أَبِي وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَعْلَمَ ألِلنِّسَاءِ مِنَ الأمر شَيْءٌ٢

стр. 86

وروى أحمد من حديث ابن عباس ﵄" أن جارية بكرا أتت النبي ﷺ فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي ﷺ "١. ووجه الاستدلال من الحديثين أن النبي ﷺ جعل لها الخيار في فسخ النكاح الذي لم ترض به، وذلك دليل على ثبوت ضمان ذلك الحق. وروى ابن ماجه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ"٢. قال الزنجاني٣ ﵀ عند كلامه على هذا الحديث كأصل يتفرع عليه مسائل، قال: "منها أن طلاق المكره، وعتاقه، وبيعه، وإجارته، ونكاحه، ورجعته، وغيرها من التصرفات لا يصح عندنا - أي:

стр. 87

الشافعية –؛ لأن رفع حكم الإكراه إنما يكون بانعدام الحكم المتعلق به، كوقوع الطلاق والعتاق، وصحة البيع والنكاح١. وإمعانا في ضمان حق الرضا في نظر الشرع، يسقط أثر التصرف بالإكراه، رخصة من الله تعالى، كما ذكر ذلك الزركشي٢ ﵀ في المنثور في القواعد٣. وقد اختلف الفقهاء فيمن يعتبر رضاها ممن لا يعتبر، نظرا لكونها ثيبا أم بكرا، صغيرة أم كبيرة.٤

стр. 88

المبحث الخامس: (الضمان الحادي عشر) : أن الشريعة الإسلامية ضمنت للمرأة مهرها، بأوجه عدة بما أن المهر من أهم الحقوق الزوجية المالية للمرأة، فإن الشريعة الإسلامية ضمنت هذا الحق لها بأوجه عدة، وفيما يلي تلك الأوجه: الوجه الأول: أن الشريعة منعت نفي المهر في النكاح.١ من ضمانات حقوق المرأة المالية المتعلقة بالمهر، أن الشريعة منعت نفي المهر عند عقد النكاح، فلا يجوز التنازل عن المهر وإسقاطه ابتداء، وإذا تم العقد من غير ذكر للمهر - وهو ما يسمى بنكاح التفويض - صحَّ النكاح، وفُرض لها مهر المثل، وذلك: - لأن فرض المهر في عقد النكاح، حق مشترك بين الله والعبد، وحق الله فيه غالب، فما كان حق الله فيه هو الغالب، لا يقبل الإسقاط والتنازل، لوجوبه شرعا.

стр. 89

- ولأن الإسقاط فيه منافاة لما هو مشروع، فلا يصح النكاح من غيره، ولو اتفق الطرفان على نفيه وجب مهر المثل. وقد ثبت وجوب المهر في النكاح بالكتاب والسنة والإجماع؛ فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ ١. قال القرطبي ﵀: هذه الآية تدل على وجوب الصداق للمرأة، وهو مجمع عليه ولا خلاف فيه.٢ وأما السنة فأحاديث منها: ما رواه البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ " أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَ: "كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا"؟ قَالَ: زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ" ٣. وأما الإجماع: فقد نقل الإجماع على وجوب المهر في النكاح القرطبي وابن قدامة وغيرهم رحمهم الله٤.

стр. 90

الوجه الثاني: أن للمرأة الامتناع من تسليم نفسها لزوجها، حتى تقبض مهرها المعجل. إن المهر كما هو معلوم جُعل إكراما للمرأة، وتعويضا لها على بذلها منفعة نفسها وبُضعها للرجل، لأنه مستحَق للمرأة بالنكاح، وهو عقد معاوضة، والعوض فيها المهر، فكان مشروعا أن تطالب به عند استحقاقها. ووقت وجوب المهر واستحقاقه، هو عند عقد النكاح، فلها حينئذ أن تطالب به. ووقت أداء المهر يقرر بحسب ما يتفق عليه أطراف عقد النكاح، ولا يخلو حينئذ من أن يكون كله معجلا، أو مؤجلا، أو بعضه معجلا والبعض الآخر مؤجلا، أو كان مطلقا دون ذكر تعجيله أو تأجيله. وقد ضمنت الشريعة حق المرأة في مهرها، بأن أباح لها أن تمتنع عن تسليم نفسها لزوجها، أو الانتقال إلى بيت الزوجية، والسفر معه، حتى تقبض مهرها الكامل، إن كان المهر كله معجلا، أو تقبض الجزء الذي تم الاتفاق على تعجيله، فإن لم يكن قد اتفق على التعجيل أو التأجيل حُكِّم فيه العُرف، فيحين أجله بحسبه١.

стр. 91

وقد نص الفقهاء رحمهم الله١ على: أن للمرأة أن تمتنع عن تسليم نفسها لزوجها، أو الانتقال إلى بيت الزوجية، أو السفر معه، حتى يدفع لها المعجل من مهرها٢. الوجه الثالث: أن المهر لو هلك في يد الزوج، أو استهلكه، أو تبين أنه لغيره، كان ضمانه عليه. من الأحكام الشرعية لضمان المهر، أن المهر إذا تلف، وكان لازال في يد الزوج، فإنه يضمن المهر للزوجة بمثله إن كان مثلياً٣، أو بالقيمة إن كان قيمياً٤. وكذلك الحكم لو استهلك الزوج المهر، أو تبين أن المهر المعين كان لغير الزوج، ضمنه بمثله، أو بقيمته.

стр. 92

وسبب ضمان الزوج للمهر راجع لوضع اليد عليه، والحيلولة بين المهر وبين استلام المرأة له، بعد استحقاقها إياه، أو اتلاف ذلك فيما إذا استهلكه بنفسه، أو منحه لغيره، وضمان الأموال، كما قال إمام الحرمين١: "مبني على جبر الفائت"٢. ولأن المهر يصبح دينا في ذمة الزوج، بالتلف أو الاستهلاك، فلا يبرأ منه إلا بالسداد، أو الإبراء. وذكر الزركشي ﵀ من أسباب الضمان: "ما وجب ضمانه قبل التسليم...، ما هو ضمان عقد (قطعا) ، وهو: ضمان العوض المعين في عقد المعاوضة المحضة"٣.

стр. 93

وتضمين الزوج المهر المتلف، من هذا النوع من الضمان١. وقد اتفق الفقهاء، على تضمين الزوج للمهر في حالة تلفه في يده في الجملة، إن كان ذلك بفعل الزوج، واشترط بعد ذلك المالكية لضمان الزوج للمهر، أن يكون مما يغاب عليه - أي: يمكن إخفاؤه٢، وكذلك ضمَّن الشافعيةُ، الزوجَ، إن كان المهر عينا، وتلفت في يده٣، وكذلك يرى الحنابلة أن المهر المعين إن ظهر مغصوبا، أو تلف، ضمن الزوج مثل المهر، إن كان مثليا، أو قيمته، إن كان قيمياً٤. الوجه الرابع: أن لها المهر المسمى كاملا، ولو مات الزوج دون المسيس. - وذلك لأنها تستحق المهر بالعقد نفسه، ويجب أداؤه بالدخول، وحيث أن الرجل لم يتمكن من الدخول بسبب الموت، فلم يكن عدم الدخول والبناء بها، بسبب من جهتها، فاستحقت المهر كاملا.

стр. 94

- ولأن عقد النكاح لم ينفسخ بالموت، وإنما انتهى به، لانتهاء أمده، وهو الموت، وحيث أن المهر ثبت لها بالعقد، وهو سابق، فاستحقت المهر كاملا. - ولأن المهر كله ثبت دينا في ذمة الزوج بالعقد، فوجب أداؤه للزوجة، ولم يسقط بالموت، إذ لم يكن الموت مسقطا للدَّين في الشريعة، كسائر الديون. هذا وقد اتفق الفقهاء ﵏ على ثبوت كامل المهر المسمى بموت الزوج، أو مهر المثل في حالة عدم التسمية، على اعتبار أن الموت مؤكد للمهر١. فقد جاء في مغني المحتاج: "ويستقر المهر أيضا بموت أحدهما، قبل الوطء، في النكاح الصحيح، لإجماع الصحابة ﵃، ولأنه لا يبطل به النكاح، بدليل التوارث، وإنما هو نهاية له، ونهاية العقد كاستيفاء المعقود عليه، بدليل الإجارة"٢. الأدلة: وقد دل على ثبوت المهر بالموت ما رواه الترمذي عَنْ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا وَلَمْ

стр. 95

يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا لا وَكْسَ وَلا شَطَطَ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا الْمِيرَاثُ فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الأشْجَعِيُّ فَقَالَ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ، امْرَأَةٍ مِنَّا، مِثْلَ الَّذِي قَضَيْتَ فَفَرِحَ بِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ١.

стр. 96

المبحث السادس: (الضمان الثاني عشر) : أن الشريعة جعلت أمر الطلاق بيد الرجل . من ضمانات حقوق المرأة الزوجية، أن تدوم الحياة الزوجية، فتستمر في الحصول على مصالحها، إلا أن تلك الحياة قد يعتريها ما يوجب إنهاءها من نزاع وشقاق بين الزوجين، وأمور لا يمكن معالجتها إلا بذاك، فشرع الله لذلك الطلاق. وبما أن الأصل لتحقيق مصالح المرأة - وكذلك الزوج - أن تستمر العلاقة الزوجية بينهما، فإن مما يضمن استمرارها، أن جعل الله أمر إنهائها في يد الرجل لحِكَم علمها العليم الحكيم، ولم تخف على العاقل البصير. وسأذكر فيما يلي - بعون الله تعالى - مشروعية الطلاق وكونه في يد الزوج، وحكمة ذلك. أولا: مشروعية الطلاق: الطلاق مشروع وثابت بالكتاب والسنة والإجماع. فأما الكتاب فآيات منها:

стр. 97

قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا﴾ ١. وأما السنة، فأحاديث منها: - ما رواه أبو داود عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَبْغَضُ الْحَلالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الطَّلاقُ "٢. - وما رواه ابن ماجه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ سَيِّدِي زَوَّجَنِي أَمَتَهُ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا، قَالَ: فَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يُزَوِّجُ عَبْدَهُ أَمَتَهُ ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا إِنَّمَا الطَّلاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ"٣. وأجمع المسلمون على جواز إيقاع الطلاق في الجملة٤.

стр. 98

كما اتفقوا أن طلاق المسلم العاقل البالغ الذي ليس سكراناً ولا مكرها ولا غضباناً ولا محجورا ولا مريضا، لزوجته التي قد تزوجها زواجا صحيحا جائز...الخ١. ثانيا: حكمة كون الطلاق في يد الرجل، وأنه ضمان للمرأة. جعل الشارع الطلاق علاجا نهائيا، لمشاكل الحياة الزوجية، "فالطلاق محظور نظرا إلى الأصل، ومباح نظرا إلى الحاجة"٢. ولسنا بصدد ذكر حكمة تشريع الطلاق، إذ ليس هذا مجاله، وإنما القصد بيان ما في الطلاق من ضياع للمرأة وحقوقها، وأن مصلحتها في استمرار الحياة الزوجية، ما بقيت قابلة للاستمرار، وأن الشارع جعل من أسباب ضمان استمرار الحياة الزوجية، ومن ثمَّ ضمان الحقوق الزوجية، أن جعل أمر الطلاق بيد الزوج، لا بيد الزوجة. وبيان ذلك أن من مقاصد الشريعة أن تستمر الحياة الزوجية بين الزوج وزوجته مدى الحياة، ولا تنقطع هذه العلاقة الشرعية إلا بموت أحدهما، وفي ذلك مصلحة الزوجين، وضمان لحقوق المرأة الزوجية بصفة خاصة.

стр. 99

إلا أن الحياة الزوجية لا يتوقع منها أن تدوم على نمط واحد، فيعتريها الدفء والبرودة في العلاقات، والحماس والفتور كذلك، كما يتخللها خلافات بين الزوجين، غيُر خافية. وهذه الخلافات قد لا تكون عميقة، لدرجة يضطر فيها الزوجان إلى إنهاء حياتهما الزوجية، إلا أن طبيعة المرأة العاطفية، وقصر نظرها في إدراك الأمور، وأحاسيسها المرهفة _ والتي لا تكون في الغالب طويلة الأمد _ قد تعرض حياتها الزوجية للخطر والانتهاء، لو كان أمر إنهائها بيدها، فكان من حكمة الله أن جعل أمر الطلاق بيد الرجل الذي يتثبت من كل الأمور والعواقب، ويحسب كل حساباته، قبل الإقدام على الطلاق. ذلكم أن الرجل قد تكلف من أمواله ومساعيه في دفع المهر، وتكاليف الزواج، وتأسيس بيت الزوجية الشيء الكثير، فهو يفكر مليًّا قبل تدمير ذلك البيت الذي كلفه كل ذاك، ويعلم أن الأمر لن يتوقف عند ذلك الحد، بل عليه بعد ذلك أن ينفق على زوجته أيام العدة، وأن يدفع لها ما تبقى من مهرها المؤجل، وأنه هو الذي يقع عليه العبء الأكبر لمعاناة الأطفال بسبب الفراق، مع يجب عليه من نفقتهم كاملة، فلا يقدم على الطلاق إلا إذا انسدت أمامه السبل الأخرى لحل مشاكله الزوجية. وفي ذلك ضمان لحقوق المرأة ومصلحتها، وزوجها، بالمحافظة على بيت الزوجية.

стр. 100

المبحث السابع: (الضمان الثالث عشر) : أن الشريعة جعلت أمر الطلاق بيدها بالاشتراط . إذا كان الأصل: أن ضمان حقوق المرأة في كون أمر الطلاق بيد الزوج، حفاظا على الحياة الزوجية، إلا أن المرأة قد تحذر أن يظلمها الرجل أو يتقاعس عن أداء حقوقها الزوجية، أو لا يمكنه ذلك لسبب من الأسباب، أو يضارَّها بالزواج عليها من امرأة أخرى، أو يتصف بصفات لا ترغبها، أو أن لا يتصف بصفات ترغب الزوجة وجودها في زوجها، أو غير ذلك من الأمور التي تُعتبر معقولة المعنى، ولا يكون في اشتراطها محظور شرعي، وتخشى المرأة أن لا يلبي لها الرجل ذلك، أو لا توجد فيه الصفات التي ترغبها، فيلحقها الضرر به، فحين ذلك ضمنت الشريعة حقوقها، بإزالة الظلم المحتمل وقوعه عليها، أو نفي ما ترى ضرره عليها، بجعل إنهاء العلاقة الزوجية بيدها، وذلك بأن أباحت لها أن تشترط في عقد النكاح، أن يكون أمرها بيدها لو فعل كذا وكذا، أو لم يفعل كذا. مثاله: لو اشترطت المرأة قبل العقد، أو في صلبه، على أن لا يتزوج عليها، فإن تزوج عليها كان أمرها بيدها، ونحو ذلك، وقبل الزوج هذا

стр. 101

الشرط، كان اشتراطها جعلَ أمرِ الطلاق بيدها معتبرا، وكذلك لو جعل أمر الطلاق بيدها دون تعليقها على شرط، على ما سيأتي بيانه. ويسمى هذا التصرف بتفويض الطلاق بالاشتراط، كما يسمى هذا النوع من الاشتراط لدى الفقهاء بتعليق الطلاق، واليمين في الطلاق، وتمليك الطلاق مشروطا، وجعل الأمر بيد الزوجة مشروطا. يقول ابن القيم ﵀: "إذا تزوجت المرأة وخافت أن يسافر عنها الزوج ويدعها، أو يسفر بها ولا تريد الخروج من دارها، أو أن يتزوج عليها، أو أن يتسرى، أو يشرب المسكر، أو يضربها من غير جُرم، أو يتبين فقيرا وقد ظنته غنيا، أو معيبا وقد ظنته سليما، أو أميا وقد ظنته قارئا، أو جاهلا وقد ظنته عالما، أو نحو ذلك، فلا يمكنها التخلص، فالحيلة لها في ذلك كله أن تشترط عليه أنه متى وُجد شيء من ذلك فأمرها بيدها، إن شاءت أقامت معه، وإن شاءت فارقته، وتُشهد عليه بذلك... فمتى كان الأمر كذلك ملكت تطليق نفسها، ولا بأس بهذه الحيلة، فإن المرأة تتخلص بها من نكاح مَن لم ترض بنكاحه، وتستغني عن رفع أمرها إلى الحاكم ليفسخ نكاحها بالغيبة والإعسار ونحوهما"١.

стр. 102

وقد اتفق الفقهاء على صحة هذا العقد، ولزوم الوفاء بالشرط المذكور، وأن الزوج لو خالف ما اتفقا عليه، كما لو تزوج بأخرى، كان أمرها بيدها، حسبما اتفقا عليه١. وقال ابن جُزي٢ ﵀، وهو يذكر أقسام هذا التصرف: "منها أن يجعل أمرها بيدها إن تزوج، فيجب أن يذكر هل ملَّكها طلقة رجعية، أو بائنة، أو ثلاثا، أو أي الطلاق شاءت؟، فيعمل على حسبه"٣. وقد نص الحنفية على صحة عقد النكاح على أن أمرها بيدها، من غير تقييد أو شرط.

стр. 103

جاء في رد المحتار: "نكحها على أن أمرها بيدها صح"، وفي حاشية رد المحتار: "قوله: (صح) مقيد بما إذا ابتدأت المرأة فقالت: زوَّجت نفسي منك على أن أمري بيدي، أطلق نفسي كلما أريد، أو على أني طالق، فقال الزوج: قبلت، أما لو بدأ الزوج لا تطلق ولا يصير الأمر بيدها"١. هذا ومستند جعل الخيار للمرأة، وجعل الطلاق بيدها، ما رواه البخاري في بَاب مَنْ خَيَّرَ نِسَاءه وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لأزوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ ٢. عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَاخْتَرْنَا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَلَمْ يَعُدَّ ذَلِكَ عَلَيْنَا شَيْئًا"٣. والحديث رواه مسلم أيضا، بطوله، عن عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: "لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِي فَقَال: "إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلا عَلَيْكِ أَنْ لا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ". قَالَت: قَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ قَالَتْ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ

стр. 104

أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ قَالَتْ: فَقُلْتُ: فِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، قَالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ"١. فالحديث فيه دلالة على صحة جعل أمر طلاق المرأة بيدها، فتكون بالخيار بين إمضاء النكاح، أو تطليق نفسها٢.

стр. 105

المبحث الثامن: (الضمان الرابع عشر) : أن الشريعة جعلت لها الخيار، إذا لحقها ضرر مادي أو معنوي من قبل الزوج من الضمانات لحقوق المرأة في الإسلام، أنها حرمت الإضرار بالمرأة، سواء كان الإضرار بها ماديا، أو معنويا. يقول الحق ﵎: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنّ﴾ ٢. وجاء عن النبي ﷺ في الحديث الذي رواه ابن ماجه عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "قَضَى أَنْ لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ".٣

стр. 106

وروى الإمام مالك أيضا عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ" ١. وقوله ﷺ : "لا ضَرَرَ ولا ضِرَار" قاعدة شرعية في نفي الضرر ابتداء ونفيه كذلك جزاء، وإزالته إذا وقع، كما فسره العلماء، بأنه: "لا يضر الرجل أخاه ابتداء ولا جزاء"٢. والمقصود بعقد النكاح كما هو معلوم، حصول المنفعة المادية والمعنوية المطلوبة شرعا لكل من الزوجين، ونظرا لشدة قرب العلاقة بين الزوجين، في الجسد والأحاسيس، والمصالح، فإن كلا منهما يتأثر بالآخر بما لا يتأثر به غيره، ويقع التأثير النافع بوجود الصفات المرجوة، والحالة المطلوبة في كل منهما، كما يقع التأثير الضار بوجود الصفات المرفوضة، والحالة الملفوظة في كل منهما. وبما أن موضوعنا يختص بضمانات حقوق المرأة، فإنني أقتصر هنا على ذِكر الأضرار التي تلحق المرأة باتصاف الزوج بصفات غير مرضية في بدنه، أو ماله، أو حاله، مما يؤثر في حياة المرأة تأثيراً سلبيا. وقد ضمنت الشريعة الإسلامية حق المرأة في عدم الإضرار بها، بأن جعل لها الخيار في إمضاء عقد النكاح، أو فسخه، إذا لحقها الضرر من

стр. 107

قِبل الزوج بسبب وجود عيب فيه، أو التغرير بصفة ترغب الزوجة وجودها فيه، أو إعساره، أو فقده١. وقد اتفق جمهور العلماء على أن تنفيذ خيار المرأة في فسخ النكاح، وإنهائه، إنما يكون بعد الرجوع إلى القاضي، أو الحاكم الذي له الحق في الإبقاء على النكاح، أو فسخه بالنظر إلى الحالة الراهنة، وبحسب ما يوصله إليه اجتهاده٢. وسأتكلم - بعون الله تعالى - عن كل واحد من هذه الأسباب بذكر أوجه الضمان فيها، على ما يأتي: الوجه الأول: أن الشريعة جعلت لها الخيار، في حالة وجود عيب جسدي في الزوج. لا يخفى أن العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة تستدعي أن يكون كل منهما على قدر كاف من الصحة والعافية، ليتمكن من أداء حقوقه

стр. 108

الزوجية تجاه الآخر، على الوجه المطلوب، فإن لم يكن الأمر كذلك، لحق الضرر بالعلاقة الزوجية، وتعثر الاستمرار فيها. وهذه العيوب التي تعرقل سير الحياة الزوجية، منها ما تكون بالمرأة، ومنها ما تكون بالرجل، وحيث أن موضوعنا يختص بحقوق المرأة، فإنني أذكر منها ما يتعلق بعيوب الرجل وحده. فقد يكون بالرجل عيب يستوجب الخيار للزوجة، لعدم إمكانية العيش معه، مع وجوده، أو كونه خطرا عليها، كجنون الزوج، أو كونه مصابا بمرض معد كالجذام، أو بمرض تنفر منه الطباع، كالبرص، أو مرض يمنع المتعة الجنسية، ككون الزوج مجبوبا، أو مخصيا، أو عنينا. وسأذكر فيما يلي أقوال العلماء في خيار الزوجة بسبب عيب في الزوج، والعيوب التي توجب للمرأة خيار التفريق: أولا: أقوال العلماء في خيار الزوجة بسبب عيب في الزوج. القول الأول: يرى جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة تخيير الزوجة بسبب العيوب الخَلقية في الزوج، وأن هذا الخيار خاص بالزوجة،

стр. 109

دون غيرها من الأولياء، وإن كانوا قد اختلفوا بعد ذلك في العيوب التي توجب الخيار من التي لا توجبه١. القول الثاني: ويرى ابن حزم وعمر بن عبد العزيز وغيرهما ﵏ جميعا، عدم ثبوت الخيار، وعدم فسخ النكاح بعد وقوعه صحيحا، بالعيوب الخَلقية، والأمراض، كالجذام، والبرص، والجنون، والعنانة، وداء الفرج، سواء كانت تلك العيوب قديمة، أو حدثت بعد النكاح٢. الأدلة: وقد استدل الجمهور على ما ذهبوا إليه، بما قضى به عمر بن الخطاب ﵁ بالخيار في العنين أن يؤجل سنة. فعن سعيد بن المسيب قال: طقضى عمر في العنين أن يؤجل سنة". وعن عمر قال: أتته امرأة - فذكر القصة-، فلما مضى الحول خيرها، فاختارت نفسها، ففرق بينهما.٣

стр. 110

ويلاحظ أنه لم يرد نص صريح من كتاب أو سنة، على جعل الخيار بالعيب، إلا أن الفقهاء، يستدلون لذلك بقضاء عمر - كما سبق- وأقوال الصحابة، وبعموم النصوص الواردة في وجوب حقوق كل منهما على الآخر، والأمر بالإمساك بالمعروف، الوارد في قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ١، يوجب أداء تلك الحقوق على الوجه المطلوب، وإلا لم يكن قد أمسك بالمعروف، فوجود تلك العيوب المانعة من الجماع أو المسببة للعدوى أو النفرة، حائلة دون تحقيق الإمساك بالمعروف. قال الكاساني٢ ﵀ وهو يتكلم عن ثبوت حق الفسخ للمرأة بسبب العُنَّة: "لأن الله تعالى أوجب على الزوج الإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان بقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ٣، ومعلوم أن استيفاء النكاح عليها مع كونها محرومة الحظ من الزوج ليس
следующие страницы →