← Акыда

Акыда · id 11282

عقيدة التوحيد في القرآن الكريم

محمد خليل ملكاوي

Полный текст (427 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

واعلم وأيقِن أن ملكك زائل ... واعلم بأنك ما تدين تدان١ قال القرطبي: "الدين، والجزاء على الأعمال والحساب بها.. يدل عليه قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمْ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَق﴾ ٢: أي حسابهم ... ومنه: الديان في صفة الرب تعالى: أي المجازي. وفي الحديث: "الكيس من دان نفسه": أي حاسبها٣. وقوله تعالى: ﴿أَئِنَّا لَمَدِينُون﴾ ٤: أي هل نحن مجزيون محاسبون، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِع﴾ ٥. ٤- وتطلق كلمة الدين في اللغة كذلك على العادة والشأن والسيرة والطريقة, يقال: دِينَ: أي عُوِّد, ويقال: ما زال ذلك ديني وديدني، أي دأبي وعادتي, وعدّه الزبيدي بأنه هو أصل المعنى، وكان ﷺ على دين قومه: ليس معناه على الشرك وعبادة الأصنام, إنما معناه: على عادتهم من الكرم والشجاعة وغير ذلك من أخلاقهم الحميدة. فكأن الدين أطلق على العادة؛ لأن النفس إذا اعتادت شيئًا مرنت معه وانقادت له٦.

стр. 107

٥- وتطلق كلمة الدين في اللغة أيضًا على ما يتدين به الرجل، ومنه: دان بالإسلام ديِنًا وتدين به: أي تعبد به واتخذه دينا، ودَيِّن: مثل سيد أي صاحب دين وديّنته: بالتثقيل: وكلته إلى دينه وتركته وما يدين به، قال الزبيدي: "والدين: اسم لما يتعبد الله به عباده, والدين الملة، يقال اعتبارًا بالطاعة والانقياد للشريعة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلام﴾ ١ ٢ أ. هـ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "والدين يتضمن الخضوع والذل, يقال: دِنته فدان: أي ذللته فذل، ويقال: يدين الله ويدين لله: أي يعبد الله ويطيعه ويخضع له، فدين الله عبادته وطاعته والخضوع له"٣ أ. هـ. وقد ذكر الزبيدي، عدة معان لكلمة الدين في اللغة منها: الجزاء، والمكافأة والإسلام، والعادة والشأن، والعبادة، والطاعة والذل، والانقياد، والحساب والقهر، والغلبة، والاستعلاء، والسلطان، والملك والحكم والسيرة والتوحيد والدين اسم لما يتعبد به، والدين الملة, والدين الورع، والمعصية، والإكراه، والحال، والقضاء٤. هذه المعاني الكثيرة التي تدخل تحت مفهوم الدين، متقاربة حسب ارتباط بعضها ببعض, ونستطيع حصرها حسب اشتقاقات الكلمة، وبالنظر إلى تعديتها بالباء أو باللام أو بنفس الكلمة بثلاثة وجوه٥.

стр. 108

١- إذا عديت الكلمة بنفسها فقلنا: "دانه دينا": شملت معاني: الملك والحكم والقضاء والقهر والمحاسبة والجزاء والأمر والإكراه والغلبة والاستعلاء والسلطان وما في معناها. ٢- وإذا عديت الكلمة باللام فقلنا: "دان له" شملت معاني: الطاعة والخضوع والعبادة والذل والانقياد وما في معناها. ونلاحظ هنا أن بين المعنيين تلازمًا، وكلاهما مرتبط بالآخر: فقولنا: "دانه فدان له": أي قهره فخضع له وأطاع وذل. ٣- وإذا عديت بالباء فقلنا: "دان به", شملت معاني: العادة والشأن والملة والطريقة والسيرة ومافي معناها، لأن كل من دان بشيء فقد اتخذه مذهبًا ودينًا واعتاده وتخلق به، وعلى هذا فكل طريقة يسير عليها المرء في حياته نظرية كانت أو عملية تسمى دينًا، وهذا المعنى الأخير مرتبط بما قبله كذلك، لأن من دان بالشيء يكون قد خضع له وانقاد والتزم طاعته واتباعه، وقد بين كيفية التلازم بينها الدكتور محمد عبد الله دراز فقال: "وجملة القول في هذه المعاني اللغوية: أن كلمة الدين عند العرب تشير إلى علاقة بين طرفين يعظم أحدهما الآخر ويخضع له، فإذا وصف بها الطرف الأول, كانت خضوعًا وانقيادًا. وإذا وصف بها الطرف الثاني، كانت أمرًا وسلطانًا وحكمًا وإلزامًا، وإذا نظر بها إلى الرباط الجامع بين الطرفين، كانت هي الدستور المنظم لتلك العلاقة والمظهر الذي يعبر عنها، ونستطيع الآن أن نقول: إن المادة كلها تدور على معنى لزوم الانقياد، فإن الاستعمال الأول: الدين هو إلزام الانقياد، وفي الاستعمال الثاني: هو التزام الانقياد، وفي الاستعمال الثالث: هو المبدأ الذي تلتزم الانقياد له "١. انتهى بلفظه.

стр. 109

وقد عرف العلماء المسلمون الدين بتعاريف مختلفة منها تعريف ابن الكمال بأنه: وضع إلهي يدعو أصحاب العقول إلى قبول ما هو عن الرسول، وقال غيره بأنه: وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم إلى الصلاح في الحال والفلاح في المآل، وعرفه الدكتور محمد عبد الله دراز: بأنه ما شرعه الله على لسانه نبيه من الأحكام, وسمى دينًا لأننا ندين به وننقاد له١. إن مفهوم الدين في الإسلام واسع لا يقتصر على النواحي الاعتقادية والتعبدية فهو يشمل نظام الحياة الكامل الشامل لنواحيها الاعتقادية والتعبدية والفكرية والخلقية والعلمية والعملية والاقتصادية وغيرها، فإن كان هذا النظام مستندًا إلى شرع الله وسلطته، فهو دين الله الحق، وإن كان هذا النظام مستندًا إلى شرع البشر والحكام وسلطانهم فهو دين الحكام، وهو دين باطل، ويجب البراءة منه كما أمر بذلك رسول الله ﷺ بتوجيه الله تعالى له أن يقول للكفار الذين عبدوا الأصنام وشرعوا من عند أنفسهم ما لم يأذن به الله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين﴾ ٢، وقد بين ابن القيم رحمه الله٣: بأن هذه الآية ليست إقرارًا من الرسول ﷺ لدين الكفار ورضًا به, بل هو أمرَ بالبراءة من دينهم وكلِّ دين باطل، والمعنى أن الدين الذي أدين به غير دينكم الباطل الزائف. وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ ٤، فواضح في هذه الآية أن الدين يشمل النظام العام في البلاد وفي جميع مناحي الحياة؛ لأن نظام الملك وشرعه، ما كان يجعل عقوبة السارق هو أخذه جزاء سرقته، إنما كان هذا نظام يعقوب وشريعة دينه، فالدين هنا هو النظام والشرع،

стр. 110

وإن كثيرًا من الناس يقصرون مفهوم الدين على الاعتقاد والشعائر, ويعتبرون أن كل من يعتقد وحدانية الله وصدق رسوله ويؤمن بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ويؤدي الشعائر المكتوبة، داخلًا في دين الله وإن كان خاضعًا بالطاعة لغير الله من الأرباب والآلهة المتفرقين في الأرض, وإنما سمى الله الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله، لإعطائهم لأنفسهم حق التشريع في الحلال والحرام, فقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١. إن هذا الانكماش في مفهوم الدين حتى أصبح لا يعني في تصور كثير من الناس إلا الاعتقاد والشعائر، لم يكن كذلك يوم جاء هذا الدين منذ آدم ونوح إلى محمد ﵈، لقد كان هذا الدين يعني دائمًا الالتزام بشرع الله في العقائد والشعائر والشرائع، ورفض ما يشرعه غيره وإفراده تعالى بالألوهية، وهذه هي الصورة الوحيدة التي تدخل الناس في دين الله، وأما إذا حكموا في حياتهم نظامًا وشرعًا من عند غير الله من الحكام والرؤساء، فهم في دين الحاكم الذي قبلوا نظامه وشرعه, ولا يجوز لمسلم أن يجهل هذه الحقيقة، وجهله لا يعفيه من أنه قد أشرك بالله غيره، وخرج من دينه لدين غيره من الأرباب والآلهة، لأن دين الله منهج شامل لجزئيات الحياة اليومية وتفصيلاتها، وكل جزئية من جزئيات الحياة اليومية وتفصيلاتها فضلًا عن أصولها وكلياتها داخلة في دين الله، وهي الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينًا غيره، وأن الشرك بالله لا يتمثل فحسب في الاعتقاد بألوهية غيره معه، ولكنه يتمثل ابتداء في تحكيم أرباب غيره، وأن عبادة الأصنام لا تقتصر على الأحجار والأشجار، بل تتمثل في إقامة شعارات ومبادئ ونظم لها كل ما لتلك الأصنام من نفوذ، يقول ابن تيمية ﵀: وجماع الدين أصلان: أن لا نعبد إلا الله, ولا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بالبدع، وكما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ٢، ففي الأولى:

стр. 111

أن لا نعبد إلا إياه، وفي الثانية: أن محمدًا هو رسوله المبلغ عنه, فعلينا أن نصدق خبره، ونطيع أمره، وقد بين لنا ما نعبد الله به١ أ. هـ. وقال في موضع آخر: "ودين الإسلام بني على أصلين: أن نعبد الله وحده لا شريك له، وأن نعبده بما شرعه من الدين، وهو ما أمرت به الرسل أمر إيجاب أو أمر استحباب، فيعبد في كل زمان بما أمر به في ذلك الزمان، فلما كانت شريعة التوراة محكمة، كان العاملون بها مسلمين، وكذلك شريعة الإنجيل، وكذلك في أول الإسلام، لما كان النبي ﷺ يصلي إلى بيت المقدس، كانت صلاته إليه من الإسلام, ولما أمر بالتوجه إلى الكعبة، كانت الصلاة إليها من الإسلام، والعدول عنها إلى الصخرة خروجًا عن دين الإسلام٢أ. هـ.

стр. 112

معنى كلمة "العبادة " معنى كلمة عبد ... ٤- معنى كلمة "العبادة" أذكر تحت هذه الكلمة معنى كلمة العبادة ثم العبودية الخاصة والعامة ومعناهما والفرق بينهما, وأن الرسل جميعًا دعوا إلى عبادة الله, وما هي شروط صحة العبادة وأنواعها - باختصار. أ- كلمة عبد تدل لغة على اللين والذل، وسمى المملوك عبدًا؛ لأن فيه معنى الذل والخضوع والطاعة لغيره، وكلمة العبد تطلق على الإنسان حرًّا كان أو رقيقًا على معنى أنه مربوب لباريه وذليلًا لمولاه. ومعنى العبادة لغة على هذا الأصل: الطاعة مع الذل والخضوع والاستكانة. والتعبيد: التذليل، واستعباد الشخص وتعبيده أن يتخذ عبدًا، وفي القرآن أن موسى قال لفرعون: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ١. أي اتخذتهم

стр. 113

عبيدًا لك، والطريق المعبد: هو المسلوك المذلل بكثرة الوطء عليه، قال طرفة بن العبد: تُباري عتاقًا ناجياتٍ وأتبعت ... وظيفًا وظيفًا فوق موْر مُعبَّدِ١ وقيل كذلك للبعير: المبعد من جهة أنه مذلل بالركوب أو هو المهنؤ بالقطران لأن ذلك يذله٢. قال الطبري في تفسير سورة الفاتحة عند قوله: ﴿إياك نعبد﴾ : "وإنما اخترنا البيان عن تأويله بأنه بمعنى نخشع ونذل ونستكين.. لأن العبودية عند جميع العرب أصلها الذلة" أ. هـ. وفسر قوله تعالى عن فرعون: ﴿وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُون﴾ ٣ أي دائنون, وكل من دان لملك فهو عابد له، والعابد: الخاضع المستسلم المنقاد لأمره. وقد عرّف شيخ الإسلام ابن تيمية العبادة بأنها: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال الباطنة والظاهرة، أو هي طاعة الله بامتثال ما أمر به على ألسنة الرسل٤ وهذا تعريف جامع لكل عمل يقوم به العبد إذا أخلص فيه نيته لله تعالى. والعبادة المأمور بها، يؤديها المسلم وهو ذليل خاضع لمولاه، مع حبه له، فهي

стр. 114

تتضمن غاية الذل لله بغاية الحب له، وليس ذلك لأحد إلا لله تعالى، فمن خضع لإنسان وهو يبغضه لم يكن عابدًا له، ومن أحب إنسانًا ولم يخضع له، لا يسمى عابدًا له، فحب الرجل لولده وأهله لا يسمى عبادة لأنه حب طبيعي، وفي حق الله تعالى لا يكفي أحدهما منفردًا عن الآخر، فالخضوع الذي ليس فوقه خضوع والحب الذي ليس فوقه حب، هو حق لله وحده ولا يستحقه غيره؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ١، ٢.

стр. 115

ب- انقسام العبودية إلى عبودية عامة وعبودية خاصة ١. والعبودية العامة: هي عبودية القهر والملك, أو هي العبودية القسرية، وتتمثل في عبودية الخلق كلهم لله تعالى، أبرارًا وفجارًا، مؤمنين وكافرين، لأن الله ربهم ومليكهم لا يخرجون عن ملكه ومشيئته وقدرته، يقول تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ ٢، فالكائنات كلها مسلمة لله، ومتعبدة له التعبد التام، سواء من أقر ومن أنكر، هذه هي عبودية الربوبية التي لا تخرج صاحبها من الكفر إلى الإيمان, وقد ذكرت في القرآن بعدة مواضع مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ ٣ أي ذليلًا خاضعًا وقال:

стр. 116

﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَاد﴾ ١ وقال: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَاد﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْها﴾ ٣ وقال: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُون﴾ ٤، فالخلق كلهم عبيد ربوبيته مع كون كثير منهم مشركين لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُون﴾ ٥. والعبودية الخاصة: هي الفرق ما بين أولياء الله وأولياء الشيطان، فلما كان الخلق جميعًا عبيدًا للربوبية، انفرد المؤمنون بالعبودية الخاصة، فهم عبيد ألوهيته تعالى؛ لأنهم خضعوا طوعًا واختيارًا وحبًّا، وتسمى هذه العبودية عبودية الطاعة والمحبة أو العبودية الإرادية أو عبودية الألوهية، لأن المؤمنين أفردوا الله بالألوهية, وقد وردت هذه العبودية الخاصة بالقرآن حيث نسب أصحابها إليه تعالى فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً﴾ ٦، وقال: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّه﴾ ٧، وقال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ ٨، وقال: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُون﴾ ٩، وهم الذين خرجوا من سلطان إبليس وإنما سلطانه على من تولاه, فقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَان﴾ ١٠.

стр. 117

جـ- الفرق بين العبودية العامة والخاصة: ١- العبودية العامة تشمل الخلق كلهم, والخاصة لا يدخل فيها إلا المؤمنون, فيشترك المؤمنون مع الكافرين بالعبودية العامة وينفرد المؤمنون بالعبودية الخاصة. ٢- العبودية العامة قهرية قسرية لا خروج للكائنات عنها، وأما العبودية الخالصة فهي إرادية اختيارية. ٣- أن الحساب والجزاء يوم القيامة على العبودية الخاصة؛ لأنها هي المطلوبة من العباد, ولذلك كانت العبودية العامة لا تدخل في الإيمان ولا في الجنة ولا تخلص صاحبها من النار ما لم يدخل في العبودية الخاصة. ٤- العبودية العامة لا تأتي في القرآن إلا مقيدة, وتأتي العبودية الخاصة مطلقة , فإذا أضيف العباد إلى الله في القرآن مطلقًا عني بهم عبيد إلهيته, وأما إضافة عبيد الربوبية فتأتي مقيدة, كما بين ذلك ابن القيم بقوله: "فالخلق كلهم عبيد ربوبيته, وأهل طاعته وولايته هم عبيد إلهيته، ولا يجيء في القرآن إضافة العباد إليه مطلقًا إلا لهؤلاء". وأما وصف عبيد ربوبيته بالعبودية فلا يأتي إلا أحد خمسة أوجه: ١- إما منكرًا كقوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدا﴾ ١. ٢- معرفًا باللام كقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَاد﴾ ٢. ٣- مقيدًا بالإشارة أو نحوها كقوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاء﴾ ٣.

стр. 118

٤- أن يُذكروا في عموم عباده فيندرجوا مع أهل طاعته في الذكر كقوله: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِك﴾ ١. ٥- أن يذكروا موصوفين بفعلهم كقوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ ٢، وإنما انقسمت العبودية إلى خاصة وعامة لأن معنى اللفظة الذل والخضوع.. لكن أولياءه خضعوا له وذلوا طوعًا واختيارًا وانقيادًا لأمره ونهيه, وأعداؤه خضعوا له قهرًا ورغمًا٣ انتهى باختصار.

стр. 119

د- دعوة الرسل جميعًا إلى عبادة الله: كانت وظيفة الرسل جميعًا هي الدعوة إلى الله وإفراده في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، وقد وردت هذه الوظيفة على لسان كل رسول إلى قومه كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ١، وقال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٢، وقد قرر القرآن هذه الحقيقة بصيغتين مختلفتين ومدلوهما واحد، فقال تعالى: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٣، وقال: ﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ ٤. إن مدلول الصيغة الأولى: الأمر بعبادة الله، وتقرير أن ليس هناك إله يعبد غيره، ومدلول الصيغة الثانية: النهي عن عبادة غير الله. فالقرآن الكريم دعا لعبادة الله ونهى عن عبادة غيره؛ لأن النفس البشرية بحاجة إلى

стр. 120

النص القاطع على شطري هذه الحقيقة، فلم يكتفِ القرآن بالنهي الضمني المفهوم من الأمر الصريح على ما هو مقرر في علم الأصول من أن الأمر بالشيء نهى عن ضده الذي لا يجتمع معه, بل أتى بالنهي الصريح عن عبادة غير الله؛ لأن كثيرًا من الناس يعبدون الله ويعبدون معه غيره، فيقعون في الشرك ويحسبون أنهم مسلمون. وقد وصف الله بالعبودية أخص أوليائه ورسله وأنبيائه فقال في وصف الملائكة: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ١، وقال عن نوح: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُورا﴾ ٢، وقال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ﴾ ٣، وقال عن عيسى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْه﴾ ٤، فجعل صفته العظمى أنه عبد لا كما يدعي أعداؤه النصارى من وصفه بالإلهية، وقد وصف أكرم خلقه عليه وأعلاهم عنده منزلة بالعبودية في أشرف مقاماته في عدة مواضع من كتابه, فقال في مقام إنزال الكتاب: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ ٥ وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ ٦، وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَاب﴾ ٧، وقال في مقام الدعوة إلى الله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوه﴾ ٨، وقال في مقام الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِه﴾ ٩، وآيات كثيرة تبين أن الله وصف رسله في أشرف مقاماتهم بالعبودية وخاصة صفوتهم محمد ﷺ ، فقد أمره ربه بالعبادة حتى يأتيه الأجل, قال

стр. 121

تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ ١؛ وذلك لأن كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله, وكلما ازداد عبودية لله كلما ازداد كماله وعلت درجته، ومن توهم أن الخروج عن العبودية أكمل وأنه سقط عنه التكليف الشرعي أو عن غيره كالخضر أو الرسول، فهو جاهل ضال كافر، وذلك لأن الغاية الوحيدة التي خلق الله من أجلها الخلق وأحبها ورضيها لهم هي العبادة, قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون﴾ ٢، ومن لم يكن عابدًا لله فلا شك أنه واقع في عبودية غيره، لأنه لا بد أن يكون للقلب مراد محبوب هو منتهى حبه وإرادته، فمن لم يكن الله محبوبه ومعبوده، كان غير الله له محبوبًا مرادًا، إما الصنم أو الشمس والقمر الكواكب، أو الملائكة والأنبياء والصالحين أو المال والجاه والسلطان، أو المبادئ والشعارات واللافتات اللا إسلامية، لما لها عليه من سلطان وقهر، ولما يعطيها من الخضوع والطاعة، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أُعطى رضي وإن لم يُعط لم يرض" ٣، فمن لم يكن عبدًا لله كان عبدًا لهواه ولما يهواه, لأن الرق والعبودية الحقيقية هو رق القلب وعبوديته٤.

стр. 122

هـ- شروط صحة العبادة وأنواعها: إن الأساس الذي تدور عليه العبادة هو توحيد الله تعالى في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ولذلك يرد في القرآن اقتران الأمر بالعبادة بالتوحيد كقول الله تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ ١. وكقوله تعالى

стр. 123

﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢، ولذلك لا تصح العبادة إلا إذا توفر شرطاها وهما: الإخلاص والمتابعة, وأعني بالإخلاص: أن تكون العبادة خالصة لله ولا شريك معه فيها غيره سواء بالعمل أو بالنية، وأعني بالمتابعة: أن تقع وفق ما سنه لنا رسول الله ﷺ ؛ لأنه هو المبين عن الله مراده في آياته, وليس لنا حق الاعتراض أو الزيادة أو النقص, ومن استحل ذلك خرج من الملة، قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون﴾ ٣، فقوله: مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ ، إشارة إلى الإخلاص، وقوله ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ إشارة إلى المتابعة، وقد قيل للفضيل بن عياض عن قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ٤ فقال: أخلصه وأصوبه قيل: يا أبا علي, ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل, حتى يكون خالصًا وصوابًا، فالخالص: أن يكون لله وحده، والصواب: أن يكون على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم٥. وأما أنواع العبادة فهي تشمل الإنسان كله، حتى لم يبق فيه جزء لم يشترك في العبادة، وعليه تتنوع العبادة إلى خمسة أنواع: ١- العبادات القلبية: وهي الأساس لما بعدها؛ لأنه يترتب على الإخلال بها الدخول في الشرك الأكبر أو الأصغر، وسميت قلبية؛ لأنها من عمل القلب

стр. 124

وحده, وأعظمها: أن يعتقد الإنسان بانفراد الله تعالى بالربوبية والألوهية والأسماء الحسنى والصفات العلى، وأن له الكمال المطلق من غير تشبيه أو تمثيل أو تكييف أو تعطيل, ويعتقد بجميع ما أنزل الله على رسوله مما هو معلوم من الدين بالضرورة ولا يسع المسلمَ جهلُه. ومنها الحب، والخوف، والإخلاص، والتوكل, والصبر، والرجاء, وغيرها، والمقصود: أن لا نشرك فيها أحدًا مع الله، أما الحب الطبيعي كحب الولد، أو الخوف الطبيعي كخوف الحيوان المفترس، فلا يدخل في النهي. ٢- العبادات القولية: وتسمى اللفظية لأنها تنطق باللسان، وأعلاها: كلمة التوحيد، فمن اعتقد بكل ما سبق ولم ينطق بكلمة التوحيد من غير عذر كالأبكم, لم يحقن دمه ولا ماله، ومنها الذكر والدعاء والتسمية وكذلك الاستعاذة والاستغاثة, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ونشر العلوم. ٣- العبادات البدنية: وهي التي يؤديها الجسم، كالصلاة والصوم وأفعال الحج والجهاد بالنفس, والرحلة في طلب العلم أو لكسب القوت الحلال. ٤- العبادات المالية: وهي التي تعتمد على المال وحده، كالزكاة والصدقات والنذور والذبائح والهدي١. ٥- العبادات البدنية المالية كالحج.

стр. 125

الفصل الثاني: أنواع التوحيد وفي أيها وقع النزاع بين الرسل وأممهم أحببت أن أكتب في هذا الفصل لجهل الكثيرين بأنواع التوحيد وعدم التفرقة منهم بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، بل قد أنكر هذا التقسيم بعض العلماء والسبب عدم تفريقهم بين معنى كلمتي الإله والرب وحيث أنهم فسروا كلمة الإله بالقادر على الاختراع والخالق المالك، وهذا المعنى مختص بالرب, وأما الإله فهو المعبود كما مر معنا في الفصل السابق. وسأبين في هذا الفصل أقسام التوحيد ثم شبهة المنكرين لهذا التقسيم والرد عليها، ثم أبين معنى أنواع التوحيد الثلاثة وفيما يلي يبان ذلك.

стр. 126

أ- أقسام التوحيد ينقسم التوحيد إلى قسمين: الأول: توحيد المعرفة والإثبات ويقال له التوحيد العلمي الاعتقادي الخبري، وذلك لتعلقه بالأخبار المعروفة ولأنه مختص بالاعتقاد المحض، وهو يشمل توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات. والثاني: توحيد الإرادة والقصد والطلب ويقال له كذلك: توحيد العبادة والعمل, وذلك لتعلقه بالقصد والإرادة، وهذا النوع هو توحيد الألوهية.

стр. 127

وهذا التقسيم إذا نظرنا إليه من جهة الشخص الموحد فهو قسمان: توحيد العلم والاعتقاد, وتوحيد العبادة والعمل. وبالنظر إلى توحيد الله فهو ثلاثة أنواع: فمن جهة انفراده بالخلق والرزق والتدبير يسمى توحيد الربوبية، ومن جهة انفراده بالأسماء الحسنى للعبادة يسمى توحيد الألوهية، أو توحيد العبادة والعمل.

стр. 128

ب- شبهة المنكرين لهذا التقسيم والرد عليها أنكر بعض العلماء هذه التقسيم بحجة أن النبي ﷺ لم يقل ذلك ولم يرد عنه مثل هذا التقسيم، ويُرد عليهم بنقطتين: أولًا: أن هذا التقسيم وإن كان لم ينطق به الرسول ﷺ لفظًا إلا أن معناه قد ورد على لسانه ﵊، فهو يقول: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله, ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة, فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله" ١، ومعروف أن العرب ما نازعوه في توحيد الرب, لإقرارهم بذلك كما سيأتي معنا، إنما نازعوه في توحيد الإله المعبود فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً﴾ ٢ وعلى هذا لا يضرنا كون الرسول ﷺ لم يرد على لسانه لفظ توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية, فإن المعنى كان واردًا

стр. 129

فهو وإن لم يقسم هذا التقسيم لكنه لم يحصره في نوع واحد, واستقراء الأدلة من القرآن والسنة يدل على أن التوحيد ينقسم للأقسام التي ذكرناها. ثانيًا: هذا التقسيم راجع للفرق بين معنى كلمتي الرب والإله، والخلق والقدرة على الإنشاء من معنى كلمة الرب، أما معنى كلمة الإله فهو المعبود، وغاية قول المنكرين أنهم فسروا الإله بالقادر على الاختراع فحصل عندهم الخلط وعدم التمييز، والقرآن لم ينزل ليقول للناس وحدوا الرب فحسب، بل أمرهم بتوحيد الإله المعبود١.

стр. 130

جـ- معاني أنواع التوحيد الثلاثة وكيف يحصل الإشراك بكل نوع منها ١- توحيد الربوبية: أ- معناه: هو الاعتقاد الجازم بأن الله وحده هو رب كل شيء ومليكه وهو الخالق الرازق المحيي المميت الضار النافع المعطي المانع المتصرف في هذا الكون بمشيئته المطلقة وليس معه رب آخر يشركه. والقلوب مفطورة على الاعتراف بالرب سبحانه أكثر من اعترافها بأي شيء آخر، ولذلك أجاب الرسل أممهم بالاستفهام الإنكاري بقولهم: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٢. وقد كان المشركون مقرين بتوحيد الربوبية، وذلك واضح في كثير من آيات القرآن الكريم، منها قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ

стр. 131

السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ١، ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ, سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ, قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ, سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ، قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ٢، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٣، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ٤، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُون﴾ ٥. وهكذا نرى أن مشركي العرب ومن سبقهم من الأمم كانوا مقرين بتوحيد الربوبية؛ لأن دلائل ربوبيته تعالى واضحة في كل شيء، فأشد الناس إلحادًا لا يصدق بأن يكون الأثر بلا مؤثر، وأن تكون الصدفة هي التي نظمت هذا الكون بما فيه أبدع تنظيم وأحكمه، ولهذا كان إقرار الخلق بالله من جهة ربوبيته أسبق من إقرارهم به من جهة ألوهيته٦، فقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت: وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل٧.

стр. 132

ومن هنا يتبين خطأ المتكلمين الذين بذلوا جهدهم وأتعبوا أنفسهم لتقرير توحيد الربوبية وأنكروا معرفة الله الفطرية -ومنهم الجهمية والقدرية الذين هم عند سلف الأمة من أجهل الطوائف وأضلهم- ظانين أن مشكلة البشرية من أول التاريخ أنها لا تعرف وجود الرب، وقد غفلوا عن هذه المعرفة الفطرية وأن المشكلة الحقيقية هي انحراف البشرية عن توحيد الألوهية١. ب- الشرك في الربوبية: المثبتون للخالق نوعان: أهل توحيد وأهل إشراك في الربوبية، ولم يقع الشرك في الربوبية إلا من طوائف معدودة، والشرك في الربوبية نوعان: أ- شرك التعطيل: وهو من أقبح أنواع الشرك كشرك فرعون عندما قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِين﴾ ٢ فهو أشهر مَن أنكر الصانع لكنه كان في الباطن مستيقنًا أن موسى أصدق منه في الدعوة لربوبية الله، قال تعالى عنه وعن قومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّا﴾ ٣، لذلك كان رد موسى عليه: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ ٤. وكذلك القائلون بالصدفة والطبيعة، والدهريون الذين قالوا: ﴿مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْر﴾ ٥، وهم الشيوعيون في زماننا

стр. 133

وكذلك الفلاسفة القائلون بقدم العالم وأبديته وأن العقل الفعال هو الخالق المدبر لكل ما تحته, ومنهم الذين يقولون بأن النجوم أحياء فاعلة مؤثرة بالخلق، وكذلك من أهل شرك التعطيل القائلين بوحدة الوجود كابن عربي وابن سبعين. ب- النوع الثاني من شرك الربوبية يكون باعتقاد أكثر من صانع للعالم كالثنوية من المجوس الذين يقولون بوجود أصلين خالقين للعالم وهما: يزدان إله النور ويخلق الخير، وأهرمن: إله الظلمة ويخلق الشر، لكن إله الخير عندهم أحسن من إله الشر. وكذلك شرك النصارى الذين يقولون بالآب والابن والروح القدس، ولكنهم لم يثبتوا للعالم ثلاثة أرباب منفصلة بل يقولون بأن صانع العالم واحد وهم مضطربون جدًّا في تعبيرهم بالأقانيم الثلاثة لأنهم يفسرون الأقنوم تارة بالخواص وتارة بالأشخاص وأخرى بالصفات١. مما سبق يتبين لنا أن العباد جميعًا حتى المشركون في الربوبية هم مفطورون على فساد شرك الربوبية؛ لأن المعطلة كفرعون والدهريين الطبيعيين والشيوعيين والفلاسفة وأهل وحدة الوجود وأمثالهم من المعطلين للصانع هم مقرون في الباطن بالرب سبحانه بدليل رجوع فرعون وماركس ولينين إلى الإيمان عند موتهم. وأما الذين قالوا بأكثر من صانع للعالم كالثنوية والنصارى، فإنهم لم يسووا بينهم كما بينا, بل يفاضلون بينهم, فيكون شركهم شركًا في بعض الربوبية. وبهذا يتبين أنه ليس في طوائف العالم قط من يثبت صانعين خالقين متماثلين في

стр. 134

جميع الصفات. فالشرك في الربوبية إذن بهذا الاعتبار معلوم الامتناع عند جميع طوائف أهل الأرض من الموحدين والمشركين١.

стр. 135

٢- توحيد الألوهية: أ- معناه: وهو المسمى بتوحيد العبادة أو التوحيد العملي، ومعناه الاعتقاد الجازم بأن الله وحده هو المستحق لجميع أنواع العبادة, مع القيام بصرف هذه العبادات له وحده ولا يصرف منها شيء لغيره، والكلمة المعبرة عن هذا المعنى أدق تعبير هي كلمة الشهادة: لا إله إلا الله، فمعناها أنه لا معبود بحق إلا الله١. وهذا التوحيد هو الذي جاءت به الرسل ودعوا إليه أقوامهم، فالرسل مقررون لتوحيد الربوبية داعون لتوحيد الألوهية كما أخبر الله عنهم٢، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٣، وقال تعالى: عن نوح ﵇: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ, أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ ٤، وقال تعالى عن هود ﵇: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ﴾ ٥ وقال تعالى عن صالح ﵇: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا

стр. 136

إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ ١، وقال تعالى عن شعيب ﵇: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٢، وقال تعالى عن موسى ﵇ قوله لقومه: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهاً﴾ ٣، وقال تعالى عن عيسى ﵇ قوله لقومه: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ٤ وقال تعالى آمرًا لنبيه محمد ﷺ أن يقول لقومه: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ ٥ وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ ٦، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ, لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ, وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ, وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ, وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ, لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ ٧ , وهذه السورة قد اختصت بتوحيد الإلهية أو التوحيد العملي وهو توحيد العبادة, كما اختصت سورة الإخلاص بتوحيد الأسماء والصفات٨. وبالجملة: فكل الرسل بعثوا بالدعوة لتوحيد الألوهية وإفراد الله بالعبادة وترك عبادة الطواغيت والأصنام كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٩، فكان كل رسول أول ما يقرع به سمع قومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه﴾ . وافتتاح الدعوة بهذا النداء دليل أكيد على أن الرسل لم يبعثوا لتعريف الخلق بخالقهم وإثبات وجوده؛ لأن معرفته والإيمان بوجوده فطري

стр. 137

إنما بعثوا لتعبيد الخلق لإلههم ومعبودهم الحق ونبذ كل ما يعبد من دونه من الآلهة المزعومة١. وفي هذا النوع من التوحيد -توحيد الألوهية- وقع النزاع بين الرسل وأممهم حيث أنكر المشركون الدعوة لتوحيد الإله المعبود بقولهم: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٢، ولهذا كان سياق الآيات الدالة على الربوبية يأتي بالاستفهام التقريري لأنهم مقرون بالرب كقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ ٥. ويتضح هذا المعنى تمامًا إذا علمنا أن مبدأ انحراف البشرية عن حقيقة التوحيد لم يكن شركًا في الربوبية إنما كان شركًا في الألوهية، وهكذا كل انحراف خلال التاريخ البشري إنما كان عن طريق الانحراف في العبادة، قال تعالى عن قوم نوح ﵇: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ ٦. وهي أسماء رجال صالحين ماتوا فصورهم قومهم ثم جاء مَن بعدهم فعبدوهم٧. وكذا شرك كل قوم كان مبدؤه من عبادة غير الله، كذلك العرب

стр. 138

الذين كانوا على بقية من دين إبراهيم حتى جاء عمرو بن عامر الخزاعي بأصنام من الشام إلى الجزيرة فنصب هبل وعبده وعظمه وتبعه الناس في ذلك١. ب- الشرك في الألوهية: هذا أدق أنواع الشرك وأكثرها شيوعًا بين الناس, فمن صرف أي نوع من أنواع العبادات لغير الله أو صرفها لله ولغيره، فهو مشرك في الألوهية٢، ولذلك حارب القرآن هذا النوع من الشرك وهدم كل وسائله, فقال تعالى في عبادة الحب: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ ٣، وقال تعالى في عبادة التوكل: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِين﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُون﴾ ٦، وقال تعالى في عبادة الرجاء: ﴿أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّه﴾ ٧، وقال: ﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّه﴾ ٨، وقال تعالى في عبادة الدعاء: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٩. وقال: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُون

стр. 139

مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ, إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ ١، وقال في عبادة الصلاة والذبح: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر﴾ ٢، وقال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٣، وقال في عبادة الصلاة والزكاة: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ ٤، وقال في عبادة الطواف والنذر: ﴿ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ٥، وقال في عبادة الاستغفار: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ٦، وقال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٧، وقال في عبادة الاستعاذة: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم﴾ ٨، وقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق﴾ ٩، وقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس﴾ ١٠،وقال: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١١، وقال في عبادة الاستغاثة: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ ١٢، والأمثلة في القرآن كثيرة جدًّا.

стр. 140

وبهذا نرى أن القرآن قد ركز تركيزًا شديدًا على توحيد الألوهية وإخلاص العبادة لله بجيمع أنواعها، وهذا التركيز يتمثل من جانبين: إما بالدعوة لعبادة الله وحده, وإما بنفي استحقاق غير الله للعبادة؛ لأنه لا يتم توحيد الألوهية إلا بهذين الجانبين المتلازمين, وهذا كما سبق أن بينا أن كل رسول دعا قومه إليه، وتمثل ذلك بدعوة نوح ﵇ لقومه فقال تعالى عنه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ١، وقال عنه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ, أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ﴾ ٢، فهو ﵇ دعا قومه إلى عبادة الله وحده وترك عبادة ما دونه وهذا هو المقصود بقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ ٣، وبقوله تعالى: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُون﴾ ٤ أي تخصيص الله بالعبادة دون غيره؛ لأن تقديم إياك على العبادة لا يفيد إلا هذا، حيث إن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر٥، وهذا هو مدلول كلمة الشهادة لا إله إلا الله، ففيها نفي وإثبات، أي نفي استحقاق ما سوى الله للعبادة وحصر استحقاق الله -وحده لا شريك له- للعبادة؛ولذلك كانت هذه الكلمة أعظم واجب وأول واجب على الإنسان على الإطلاق؛ لأن إلهية ما سواه من أبطل الباطل وأظلم الظلم فلا يستحق العبادة سواه، كما لا تصلح الإلهية لغيره، فكما نفت الإلهية عما سواه وإثباتها له وحده، كذلك نفت استحقاق ما سواه للعبادة, وإثباتها له وحده, وهذا يفهمه المخاطب من هذا النفي والإثبات٦.

стр. 141

وبهذا يتبين أن الأمم لم يخالفوا رسلهم من حيث الدعوة لتوحيد الربوبية والخالقية والرازقية بذلك كما بينا، إنما خالفوهم من حيث دعوتهم لتوحيد الإلهية الذي هو المقصود الأعظم من بعثة الرسل، وهذا التوحيد لا يتحقق إلابصرف العبادات كلها لله وحده دون سواه١.

стр. 142

٣- توحيد الأسماء والصفات وسأبين معناه عند أهل السنة والجماعة ومذهب من خالفهم في ذلك إجمالًا ١- أما معناه فقد أوضحه شيخ الإسلام بما لا مزيد عليه، حيث يقول في الرسالة التدمرية: "فالأصل في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسله نفيًا وإثباتًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه وينفي عنه ما نفاه عن نفسه, وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها: إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد لا في أسمائه ولا في آياته، فإن الله تعالى ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته, كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ ٢، فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات: إثباتًا بلا تشبيه وتنزيهًا بلا تعطيل, كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ٣, ففي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد للتشبيه والتمثيل، وفي قوله:

стр. 143

﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ رد للإلحاد والتعطيل"١. وكما اختصت سورة "الكافرون" بتوحيد العبادة, فقد اختصت سورة "الإخلاص" بتوحيد الأسماء والصفات، ففيها إثبات الوحدانية والصمدية لله تعالى, كما فيها تنزيه الله عن الولد والوالد والزوجة والنظير، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "إن الصمد المستحق للكمال وهو السيد الذي كمل في سؤدده والشريف الذي قد كمل فيشرفه والعظيم الذي قد كمل في عظمته.. وهو الله , وهذه صفة لا تنبغي إلا له, ليس كفوء ولا كمثله شيء"٢. (ب) أما مذهب من خالفهم إجمالًا فبيانه فيما يلي: إن هذا التوحيد يضاده أمران: الأول: التمثيل: وهو تمثيل الله بخلقه, ويدخل في هذا اليهود والنصارى والرافضة الذين يصفون الله بالأكل والنوم والتعب والراحة٣. الأمر الثاني: التعطيل وهو أربعة أقسام ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في الرسالة التدمرية وهي: ١- سلب النقيضين عن الله تعالى، كقولهم: لا موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل, ويقول بهذا الباطنية والجهمية والقرامطة. ٢- وصف الله بالسُّلُوب والإضافات دون صفات الإثبات وجعله هو الوجود المطلق, ويقول بهذا الفلاسفة. ٣- إثبات الأسماء دون الصفات, كقولهم: عليم بلا علم، قدير بلا قدرة, سميع بلا سمع, بصير بلا بصر, فأثبتوا الاسم دون ما تضمنه من الصفة أو إخراج

стр. 144

الصفة عن ظاهرها إلى غير المراد منها كتأويل الوجه بالذات واليد بالقدرة والاستواء بالاستيلاء١ وهم المعتزلة. ٤- إثبات بعض الصفات دون بعض, كمن بثبت سبع صفات وينفي غيرها وهم الأشعرية.

стр. 145

د- العلاقة بين أنواع التوحيد أذكر في هذه النقطة استلزام التوحيد العلمي للتوحيد العملي, وتضمن التوحيد العملي للعلمي, واحتجاج الله سبحانه على المشركين بتوحيد الربوبية داعيًا إياهم لتوحيد الألوهية؛ لأن توحيد الربوبية لا يدخل الجنة ولا ينجي من النار ولا يعصم الدم والمال إن لم يتبعه توحيد الألوهية، وفيما يلي بيان ذلك. ١- توحيد العلم والاعتقاد -وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات- مستلزم لتوحيد الألوهية الذي هو التوحيد العملي، بمعنى أن الإيمان بوحدانية الرب الخالق الرازق المحيي المميت وبكافة أسمائه وصفاته يستلزم الموحد أن يعبد الله ويوحده في ألوهيته؛ لأنه مادام أقر بالرب الواحد لزم لأن يتبع ذلك بتوحيد الإله. وأما توحيد الألوهية فهو متضمن لتوحيد الربوبية والأسماء والصفات, بمعنى أن الإيمان بوحدانية الله وتقديم العبادة له لا يحصل إلا ممن أقر بأن هذا الإله المعبود رب العالمين، لأن العبادة لا تصرف حقيقة إلا للرب المتصف بالكمال المنزه عن النقص. ونقول بعبارة أخرى: إن التوحيد علمي اعتقادي وعملي طلبي، والعملي متضمن للعلمي, فإذا علم العبد أن ربه لا شريك له في خلقه وأمره
следующие страницы →