← Акыда

Акыда · id 11282

عقيدة التوحيد في القرآن الكريم

محمد خليل ملكاوي

Полный текст (427 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وبهذا يتبين أن الأمم لم يخالفوا رسلهم من حيث الدعوة لتوحيد الربوبية والخالقية والرازقية بذلك كما بينا، إنما خالفوهم من حيث دعوتهم لتوحيد الإلهية الذي هو المقصود الأعظم من بعثة الرسل، وهذا التوحيد لا يتحقق إلابصرف العبادات كلها لله وحده دون سواه١.

стр. 142

٣- توحيد الأسماء والصفات وسأبين معناه عند أهل السنة والجماعة ومذهب من خالفهم في ذلك إجمالًا ١- أما معناه فقد أوضحه شيخ الإسلام بما لا مزيد عليه، حيث يقول في الرسالة التدمرية: "فالأصل في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسله نفيًا وإثباتًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه وينفي عنه ما نفاه عن نفسه, وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها: إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد لا في أسمائه ولا في آياته، فإن الله تعالى ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته, كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ ٢، فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات: إثباتًا بلا تشبيه وتنزيهًا بلا تعطيل, كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ٣, ففي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد للتشبيه والتمثيل، وفي قوله:

стр. 143

﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ رد للإلحاد والتعطيل"١. وكما اختصت سورة "الكافرون" بتوحيد العبادة, فقد اختصت سورة "الإخلاص" بتوحيد الأسماء والصفات، ففيها إثبات الوحدانية والصمدية لله تعالى, كما فيها تنزيه الله عن الولد والوالد والزوجة والنظير، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "إن الصمد المستحق للكمال وهو السيد الذي كمل في سؤدده والشريف الذي قد كمل فيشرفه والعظيم الذي قد كمل في عظمته.. وهو الله , وهذه صفة لا تنبغي إلا له, ليس كفوء ولا كمثله شيء"٢. (ب) أما مذهب من خالفهم إجمالًا فبيانه فيما يلي: إن هذا التوحيد يضاده أمران: الأول: التمثيل: وهو تمثيل الله بخلقه, ويدخل في هذا اليهود والنصارى والرافضة الذين يصفون الله بالأكل والنوم والتعب والراحة٣. الأمر الثاني: التعطيل وهو أربعة أقسام ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في الرسالة التدمرية وهي: ١- سلب النقيضين عن الله تعالى، كقولهم: لا موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل, ويقول بهذا الباطنية والجهمية والقرامطة. ٢- وصف الله بالسُّلُوب والإضافات دون صفات الإثبات وجعله هو الوجود المطلق, ويقول بهذا الفلاسفة. ٣- إثبات الأسماء دون الصفات, كقولهم: عليم بلا علم، قدير بلا قدرة, سميع بلا سمع, بصير بلا بصر, فأثبتوا الاسم دون ما تضمنه من الصفة أو إخراج

стр. 144

الصفة عن ظاهرها إلى غير المراد منها كتأويل الوجه بالذات واليد بالقدرة والاستواء بالاستيلاء١ وهم المعتزلة. ٤- إثبات بعض الصفات دون بعض, كمن بثبت سبع صفات وينفي غيرها وهم الأشعرية.

стр. 145

د- العلاقة بين أنواع التوحيد أذكر في هذه النقطة استلزام التوحيد العلمي للتوحيد العملي, وتضمن التوحيد العملي للعلمي, واحتجاج الله سبحانه على المشركين بتوحيد الربوبية داعيًا إياهم لتوحيد الألوهية؛ لأن توحيد الربوبية لا يدخل الجنة ولا ينجي من النار ولا يعصم الدم والمال إن لم يتبعه توحيد الألوهية، وفيما يلي بيان ذلك. ١- توحيد العلم والاعتقاد -وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات- مستلزم لتوحيد الألوهية الذي هو التوحيد العملي، بمعنى أن الإيمان بوحدانية الرب الخالق الرازق المحيي المميت وبكافة أسمائه وصفاته يستلزم الموحد أن يعبد الله ويوحده في ألوهيته؛ لأنه مادام أقر بالرب الواحد لزم لأن يتبع ذلك بتوحيد الإله. وأما توحيد الألوهية فهو متضمن لتوحيد الربوبية والأسماء والصفات, بمعنى أن الإيمان بوحدانية الله وتقديم العبادة له لا يحصل إلا ممن أقر بأن هذا الإله المعبود رب العالمين، لأن العبادة لا تصرف حقيقة إلا للرب المتصف بالكمال المنزه عن النقص. ونقول بعبارة أخرى: إن التوحيد علمي اعتقادي وعملي طلبي، والعملي متضمن للعلمي, فإذا علم العبد أن ربه لا شريك له في خلقه وأمره

стр. 146

وأسمائه وصفاته نتج عنه أن يعمل على طاعته وعبادته، ومن عبد إلهه ووحده يكون قد اعترف أولًا بأن لا رب غيره يشركه فيخلقه وأمره، ولا يجوز العكس لأن القلب يتعلق أولًا بتوحيد الربوبية ثم يرتقي إلى توحيد الألوهية١. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "والإلهية التي دعت الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها هي العبادة والتأليه, ومن لوازمها توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون فاحتج الله عليهم به, فإنه يلزم من الإقرار به الإقرار بتوحيد الإلهية٢". وقال شارح الطحاوية: "وتوحيد الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية دون العكس , فمن لا يقدر على أن يخلق يكون عاجزًا والعاجز لا يصلح أن يكون إلهًا" ٣. قال الشيخ عبد الله بن حسن تعقيبًا على كلام شارح الطحاوية السابق: قوله: "وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية دون العكس" وقد تقدم من كلامه أن توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية, فالمعنى أن الاستلزام غير التضمن، فمن لازِم الإقرار بتوحيد الربوبية وأن الله هو الذي تفرد بالخلق والرزق والإحياء والإماتة الإقرار بتوحيد الألوهية وأنه هو المعبود المرجو المسئول وحده دون سواه، وأما التضمن فلا يقال: إن الإقرار بتوحيد الربوبية يتضمن توحيد الألوهية لا بالعكس"٤.

стр. 147

٢- بناء على النقطة السابقة فقد احتج الله بتوحيد الربوبية على المشركين داعيًا الناس عن طريقه لتوحيد الألوهية؛ لأن القادر على الخلق والأمر والتدبير يستحق أن يكون إلهًا يعبد, والعاجز عن ذلك لا يستحق أن يكون إلهًا١, فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ, الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ٣، وقال تعالى عن المسيح ﵇: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ ٤. والقرآن مملوء بهذه الآيات التي تدعو لتوحيد العبادة عن طريق الاحتجاج بتوحيد الربوبية المركوز في الفطر، لأنه ما دام أنهم مقرون بربوبيته فينبغي أن يتخذوه إلهًا لهم دون غيره، وإذا كانوا مقرين ببطلان ربوبية ما سواه فإلهية ما سواه باطلة كذلك٥. ٣- توحيد الربوبية والأسماء والصفات وحده لا يكفي لإدخال صاحبه في الإسلام ولا ينقذه من النار ولا يعصم دمه ولا ماله، وهذا كان توحيد العرب ومع ذلك قاتلهم رسول الله ﷺ , يقول تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ٦، فعن ابن عباس ومجاهد: إيمانهم بالله: قولهم: إن الله

стр. 148

خلقنا ورزقنا ويميتنا إيمان مع شرك في عبادتهم غيره؛ لأنهم يؤمنون بأنه خالق ويعبدون غيره١، ولذلك لم يطالبهم القرآن بأن يشهدوا أن لا رب إلا الله إنما طالبهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله؛ لأنهم مقرون بالأولى منازعون في الثانية التي هي أدل على المقصود من الخلق وهو العبادة المأمور بها, كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون﴾ ٢ ٣. وكذلك قال ﷺ لمعاذ بن جبل: "يا معاذ, أتدري ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. أتدري ما حقهم عليه؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: أن لا يعذبهم" ٤، وكذلك قال ﷺ لمعاذ بن جبل عندما بعثه إلى اليمين: "فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله" ٥. وبهذا يتبين أن توحيد الربوبية وحده لا يكفي في تحقيق مقام "إياك نعبد وإياك نستعين", ولا يتم هذا المقام إلا بتوحيد الألوهية, فإذا أقر العبد بتوحيد الربوبية والألوهية يتحقق هذا المقام علمًا وحالًا وهذا هو المطلوب للنجاة من النار ودخول الجنة٦. وكلمة الشهادة التي دعا إليها الرسل "لا إله إلا الله" تشتمل على أنواع التوحيد الثلاثة، فقد دلت على توحيد الألوهية؛ لأن معناها: لا معبود بحق إلا الله, ففيها إثبات العبادة لله ونفيها عما سواه.

стр. 149

ودلت على توحيد الربوبية؛ لأن العاجز لا يكون إلا إلهًا معبودًا, ولابد للإله أن يكون خالقًا مدبرًا. ودلت على توحيد الأسماء والصفات؛ لأن فاقد الأسماء الحسنى وصفات الكمال غير كامل, ولا يصلح من هذا حاله أن يكون إلهًا خالقًا. فكلمة الشهادة هذه جمعت الأصول الثلاثة, وعليها تدور بعثة الرسل وما أنزل إليهم من الكتب١. وغالب سور القرآن متضمنة لأنواع التوحيد الثلاثة, بل كل سورة في القرآن, بل كل آية, يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "إن كل آية في القرآن الكريم متضمنة للتوحيد, شاهدة به, داعية إليه, فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله فهو التوحيد العلمي الخبري, وإما دعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له وخلع كل ما يعبد من دونه فهو التوحيد الإرادي الطلبي, وإما أمر أو نهي وإلزام بطاعته في نهيه وأمره فهي حقوق التوحيد ومكملاته, وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة فهو جزاء توحيده, وإما خبر عن أهل الشرك وما فُعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد. فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم"٢.

стр. 150

الفصل الثالث: الضرورة إلى عقيدة التوحيد في هذا الفصل سأبين لماذا عقيدة التوحيد ضرورية لانتظام حياة الفرد والجماعة, وكيف تختلف حياة الفرد بين كونه موحدًا ومشركًا. والتوحيد هو الاعتقاد بأن الله واحد في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفات كماله، فهو سبحانه واحد في ذاته وأفعاله, فليس له شريك في الخلق والأمر كما قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْر﴾ ١، وواحد في أفعاله فليس له معين من مخلوقاته, وله الكمال المطلق المنزه عن جميع النقائض كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير﴾ ٢، ٣. ونظرًا لأهمية التوحيد في حياة البشر فقد عمت الدعوة إليه جميع الأمم وأرسل الله به الرسل, وأنزل عليهم الكتب فدعوا الناس إلى التوحيد الخالص وكان هو أول مطلوب من العباد كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون﴾ ٤، وهو المقدمة الأولى لكل رسالة, قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت﴾ ٥، إلا أنه لم تبق ديانة من

стр. 151

الديانات السماوية السابقة إلا دخلها التحريف والتبديل حتى صار الشرك طابعها، ما عدا دين محمد ﷺ ؛ لأن الله تعالى حفظ كتابه من التحريف, قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد﴾ ٢. وحاجة العباد إلى التوحيد كحاجتهم إلى الله في الخلق والرزق واستمرار الحياة, بل أعظم لأن أقصى ما يترتب على فقدان الطعام والشراب والحياة موت الأبدان, بينما يترتب على عدم التوحيد موت الأرواح واندثار الأديان والشقاء في الدنيا والآخرة ودخول النار والحرمان من الجنة٣. والتوحيد الذي نتكلم عن ضرورته وحاجة العباد إليه ليس هو جعل الله واحدًا، فالله سبحانه واحد أحد بدون جعل جاعل، ولا نعني به كذلك التوقف عند الاعتقاد بوحدانية الله ذاتًا وصفاتًا وأفعالًا فحسب، بل يتبع هذا الاعتقاد حقه من التسليم المطلق لله والخضوع والطاعة والانقياد التام، وعدم صرف شيء من العبادات القولية والفعلية والمالية والقلبية لغيره سبحانه؛ لأن التوحيد ليس كلمة تقال باللسان دون أن تستقر في القلب وتظهر آثارها على الإنسان في منهج كامل للحياة يبدأ من الاعتقاد الصحيح وينتهي بتنظيم شامل لحياة الفرد والجماعة، والتوحيد الصحيح لاحد لتأثيره في رقي الحياة البشرية في كل جوانبها؛ ولذلك استحق أن يرسل الله من أجله كل هؤلاء الرسل, وأن يبذلوا في سبيله كل هذه الجهود ويتحملوا الآلام، لا لأن الله سبحانه في حاجة لتوحيد العباد إياه؛ ولكن لأن استقامة الحياة البشرية وصلاحها متوقف على التوحيد.

стр. 152

وجه الحاجة إلى التوحيد: إن صلاح الإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة مرتبط بالتوحيد ونبذ الشرك ووسائله:

стр. 153

أما الحاجة للتوحيد في الآخرة: فمن المقطوع به أنه لن يدخل الجنة وينجو من النار إلا من حقق التوحيد الذي أمر الله به عباده استنادًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ١، والشرك الأكبر يناقض التوحيد ويبطله, وإذا مات العبد عليه حُرم من الجنة ووجبت له النار, وإن مات على التوحيد الصحيح حُرِّمت عليه النار ودخل الجنة، لما روى أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ وهو رديفه على الرحل: "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه إلا حرّمه الله على النار. قال: يا رسول الله, أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: إذًا يتكلوا. وأخبر بها معاذ عند موته تأثُّمًا" ٢، والأحاديث في هذا كثيرة٣. وأما غير الموحد فإنه لو جاء بأعمال كثيرة يوم القيامة فإنها لن تنفعه, لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٤, وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ ٥، وقال في انخداع الكافرين بأعمالهم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ ٦.

стр. 154

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الشرك نوعان أكبر وأصغر فمن خلص منهما وجبت له الجنة ومن مات على الأكبر وجبت له النار, ومن خلص من الأكبر وحصل له بعض الأصغر مع حسنات راجحة على ذنوبه دخل الجنة، فإن تلك الحسنات توحيد كثير مع يسير من الشرك الأصغر, ومن خلص من الشرك الأكبر ولكن كثر الأصغر حتى رجحت به سيئاته دخل النار"١.

стр. 155

واما الحاجة للتوحيد في الدنيا: فأما بالنسبة للحياة العامة: فإن الحياة لا تستقيم ولا تصلح إلا على أساس الإيمان بالله الواحد وأنه المتصرف الوحيد في هذا الكون، ثم العبودية الكاملة لهذا الإله الواحد، لأن الأرض عندما يحكمها إله غير الله يتعبد الناس تفسد الحياة على ظهرها ويعمها الشر، ولذلك لما دمر الله فرعون علل ذلك بكونه مفسدًا فقال تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ١، فاستعمل هنا كلمة المفسدين وهي مرادفة لكلمة الكفر والظلم؛ لأن الكفر والظلم أشنع الفساد في الأرض، لا لأنه يضر الله سبحانه، ولكن لأنه اعتداء على عقائد الناس وإفسادها حتى يسلس للطواغيت أن يتحكموا في رقاب العباد وتعبيدهم لهم من دون الله, كما حكى الله تعالى عن قول فرعون لموسى: ﴿لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلَهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ ٢. وليست الحياة على الأرض فقط متوقفةً على الوحدانية، بل الكون كله بما فيه ومن فيه لا يستقيم أمره إلا بإله واحد مدبر له: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ٣.

стр. 156

وأما بالنسبة للمجتمع: فالتوحيد يعطي المجتمع صبغة ثابتة ومنهجًا واضحًا يميزه عن غيره من المجتمعات الكافرة، والتوحيد يدفع بالمجتمع في مضمار التقدم والرقي؛ لأنه ينفي عن المجتمع المساوئ الكثيرة للشرك، ولأنه يهيئ الأذهان لرفض الأوهام والخرافات والأساطير التي تفتك بالمجتمع وتهدم كيانه وتضعفه وتجعله في اضطراب مستمر وتقف حاجزًا دون رقيه وازدهاره، ولا تخفى الحاجة للتوحيد في سائر أوضاع الحياة البشرية والدينية والاقتصادية والسياسية والزراعية والاجتماعية وغير ذلك.

стр. 157

وأما بالنسبة للفرد: فالموحد هو الفرد الصالح في كيان المجتمع، لأن التوحيد يحرره من عبودية العباد والخضوع لغير الله ويسمو به للخضوع للواحد الأحد، ويمنحه الاستقلال والحرية ويطلق قواه من سلطان غير الله، وأما المشرك فعنده استعداد داخلي للخضوع للقوى البشرية كالرؤساء والمسيطرين -خاصة إن اعتقد أن فيهم جزاءًا من الألولهية- وللقوى الوهمية سواء أكانت حجرًا أو شجرًا أو حيوانًا أو كوكبًا أو قبرًا وما إلى ذلك، والموحد لا يتعلق قلبه بهذه الأشياء قط، لعلمه بقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ١، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ ٢، ولهذا فإن الموحد عنده وضوح تام في الحياة بحيث لا يتوجه إلا إلى الله ولا يدعو إلا إياه ولا يتقرب لغيره، لعلمه أنه وحده المعبود الحق واهب الكرامة الحقة، والموحد قوي في مجابهة المحتالين والدجالين ممن يستغلون جهل العوام وضعف عقولهم ويزعمون أن لهم حق الولاية عليهم وأنهم يتحكمون في مصائرهم لأنهم يقومون بدور الوساطة والشفاعة، والموحد يعلم أنه

стр. 158

لا يشفع أحد عند الله إلا بإذنه ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِه﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ٢. والمشرك بالإضافة لتعطيل عقله, عنده خلل وعمى في البصيرة بتقربه لغير الله من الآلهة المزعومة وصرفه شتى أنواع القربات لها كالنذور والذبائح وطلب الشفاعة والتوسل بها ودعائها في حوائجه، واعتقاده نفعها وضرها، فيكون قد عطل مواهبه وأذل نفسه, وسخر قواه في خدمة من لا يضر ولا ينفع بل هو مخلوق لأجله مسخر لخدمته, فقال تعالى في حقه: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِير﴾ ٤. إن الموحد لله لا تتوزع طاقاته, ولا تتبدد جهوده ومشاعره بين آلهة شتى, كما وصف الله بذلك المشرك فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ٥، فهو دائمًا في تمزق داخلي وعدم استقرار وطمأنينة، لدينونته لآلهة متعددة؛ لأنه لن يبلغ رضاهم جميعًا، وبين الله حالة المشرك هذه بقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾ ٦، فمثله كمثل العبد المملوك لعدة أشخاص لا يمكنه أن يبلغ رضاهم كلهم, فهو في شقاء دائم لتصارع رغباتهم عليه ومطالبهم منه، بينما الموحد مرتاح الضمير مطمئن البال، لدينونته لإله واحد يعرف ما يطلبه منه وما يرضيه وما يسخطه، فيتجه بكل أشواقه وطاقاته وحاجاته لإله واحد يرجوه

стр. 159

ويخافه ويتقي غضبه ويطلب رضاه؛ لأنه وحده هو المالك الخالق الرازق المانع المانح، فلا تصادم عند الموحد بين عقيدته وفطرته كما هو حال المشرك, ولا يعبد ما كتب عليه الهلاك والفناء، إنما يعبد الذي يغير ولا يتغير ولا يلحقه فناء ولا هلاك، لذا نجد المشرك دائمًا مصادمًا لفطرته، مضطربًا في وجهته وغايته ودوافع عمله وسلوكه، ولن يستوي من يعبد الباقي الحي الذي لا يموت وله الكمال المطلق، ومن يعبد الفاني الموصوف بالنقص, والفرق بين النقص والكمال كالفرق بين الشرك والتوحيد. والتوحيد يضيء جوانب النفس ويطهرها, وينقي الضمير ويحييه, ويرقق القلب والروح، بينما الشرك حجب كثيفة على القلب والروح، وما يصدر عن القلبين الموحد والمشرك كما يصدر عن الشجرة الطيبة والخبيثة, لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ, تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ, وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ ١. قال ابن القيم ﵀: "فالله سبحانه شبَّه شجرة التوحيد في القلب بالشجرة الطيبة الثابتة الأصل الباسقة الفرع في السماء علوًا, ولا تزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة في كل وقت بحسب ثباتها في القلب وإخلاصه فيها.."٢ ا. هـ. فإذا استقرت عقيدة التوحيد في القلب صلح وصلح سائر الجسد حتى يعم النفع لغيره، وإذا فسد القلب بالشرك فسد سائر الجسد حتى لا يصدر عنه إلا كل خبيث كما قال تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً﴾ ٣.

стр. 160

يقول ابن القيم ﵀: "فليس في الكائنات شيء غير الله يسكن القلب إليه ويطمئن به ويأنس به ويتنعم بالتوجه إليه، ومن عبد غيره سبحانه وحصل له به نوع منفعة ولذة, فمضرته بذلك أضعاف أضعاف منفعته وهو بمنزلته أكل الطعام المسموم اللذيذ، وكما أن السموات والأرض ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ١ فكذلك القلب إذا كان فيه معبود غير الله تعالى فسد فسادًا لا يرجى صلاحه إلا بأن يخرج ذلك المعبود منه, ويكون الله تعالى وحده إلهه ومعبوده الذي يحبه ويرجوه ويخافه ويتوكل عليه وينيب إليه.."٢ انتهى بلفظه. والتوحيد هو مفزع أعداء الله وأوليائه؛ لأن الله وحده هو الذي ينجي أعداءه من الكروب الدنيوية والشدائد التي تحل بهم, لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ٣، ولقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ ٤. وأما أولياؤه فينجيهم من كربات الدنيا والآخرة وأهوالها، ولذلك فزع إليه الأنبياء جميعًا في شدائدهم, ومنهم يونس ﵇ عندما نادى في الظلمات فقال: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِين﴾ ٥. وفزع إليه أتباع الرسل: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِين﴾ ٦.

стр. 161

وفزع إليه فرعون عندما غرق، ولكن لم ينفعه فزعه حينئذ، وهذه هي سنة الله في خلقه, ولا تدفع الشدائد إلا بتوحيده, ولا يُلقي في الكربات والظلمات إلا الشرك به١.

стр. 162

المنهج القرآني في تقرير عقيدة التوحيد تمهيد الباب ... تمهيد إن للقرآن الكريم منهجه الخاص به في تقرير عقيدة التوحيد، وذلك لأنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلقه. ومحاولتي هنا لإبراز المنهج الذي سلكه القرآن الكريم في تقرير عقيدة التوحيد تبقى محاولة ناقصة؛ لأنها محاولة بشرية, والكمال المطلق لله وحده، وهي محاولة لبيان الخطوط العريضة للطريقة التي سلكها القرآن في تقرير عقيدة التوحيد ومحاربة الشرك. وقد كتبت كتابات كثيرة عامة حول موضوعات فصول هذا الباب، ولكن لم أجد من كتب عن هذه الموضوعات متقيدًا بموضوع الباب وهو المنهج الذي سلكه القرآن لإثبات عقيدة التوحيد وإبطال الشرك، ولذلك كان الاعتماد الكبير في مراجع هذا الباب على كتب التفسير, وعلى رأسها خمسة تفاسير هي: ١- تفسير الطبري. ٢- تفسير القرطبي. ٣- تفسير البحر المحيط. ٤- تفسير ابن كثير. ٥- تفسير الزمخشري. وبالنسبة لتفسير الزمخشري فقد كنت حذرًا جدًّا في النقل عنه؛ لاعتناق صاحبه للاعتزال, ولكن النسخة التي اعتمدت عليها حققها ابن المنير الذي يقول بأنه أخرج الاعتزال من الكشاف بالمناقيش. وإنني أعتبر أن الباب ما زال مفتوحًا للدراسة ولكل من يرى زيادة عليه وإضافة ما يراه مناسبًا. وقد جاء هذا الباب مشتملًا على خمسة فصول:

стр. 163

أولها: تحدثت فيه عن استعمال القرآن للأدلة الكونية في دعوته للتوحيد وإبطاله للشرك, وأن النظر في الكون وآياته المبثوثة يؤيد عقيدة التوحيد. ثانيها: بينت فيه ضرب القرآن للأمثال في تثبيته لعقيدة التوحيد، وفي القرآن أمثال كثيرة, إلا أن منها ما اختص للدعوة إلى التوحيد وإبطال الشرك. وثالثها: تحدثت فيه عن استعمال القرآن للقصص في بيان مصارع الأمم المشركة المنحرفة عن التوحيد ونصر الله تعالى لأتباعه المؤمنين الموحدين أفرادًا وجماعات، أنبياء وغير أنبياء. ورابعها: بينت فيه تذكير القرآن بنعم الله التي لا تحصى على هذا الإنسان، ومن ثم دعوته لتوحيد الله وعبادته شكرًا له على هذه النعم, وأن من الظلم عبادة غير المنعم من الآلهة والأوثان المصنوعة. خامسها: تحدثت فيه عن الأدلة العقلية التي جاءت مقررة للتوحيد مبطلة للشرك.

стр. 164

الفصل الأول: تقرير القرآن للتوحيد بالأدلة الكونية تمهيد إنني لن أتحدث في هذا الفصل عن الآيات القرآنية الكونية بمنطق النظريات العلمية؛ لأن القرآن الكريم كتاب هداية وإعجاز لا كتاب فيزياء وكيمياء وجيولوجيا وغيرها من العلوم العصرية، وكلامي على الآيات القرآنية الكونية من حيث بساطتها ووضوحها, وأن النظر فيها يؤدي لمعرفة الله ووحدانيته كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "النظر لا ريب في صحته في الجملة، وأنه إذا كان في دليل أفضى إلى العلم بالمدلول, وإذا كان في آيات الله أفضى إلى الإيمان به الذي هو رأس العبادة"١. وقد تحدثت في هذا الفصل عن أربع نقاط هي: أ- اشتمال الآيات القرآنية الكونية على دليلي الخلق والعناية. ب- آية السموات والأرض. جـ- آية الشمس والقمر والليل والنهار. د- آية الرياح والسحاب والمطر والنبات. ولم أذكر في هذا الفصل جميع ما ورد في القرآن من الآيات الكونية؛ لأن استقراءها يجعل الموضوع طويلًا جدًّا, والغرض هو التنبيه على الاستدلال بهذا النوع من الآيات, فرأيت الاكتفاء بما يدل على المقصود، وفيما يلي الكلام على هذه النقاط مرتبًا.

стр. 165

اشتمال الآيات القرآنية الكونية على دليلي الخلق والعناية مدخل ... أ- اشتمال الآيات القرآنية الكونية على دليل الخلق والعناية إذا نظرنا إلى الآيات القرآنية الكونية نرى أنها تنبه إلى دليلي الخلق والعناية في الكون, وهما دليلا الشرع, وقد يكون الدليلان معًا في الآية الواحدة, فآيات القرآن: أ- إما أن تتضمن التنبيه على دليل الاختراع. ب- وإما أن تتضمن التنبيه على دليل العناية. جـ- وإما أن تتضمن التنبيه على الدليلين السابقين معًا١. وهذان الدليلان ترد عليهما شبهتا الطبيعة والصدفة، وفيما يلي بيان كل دليل ورد الشبهة الواردة عليه.

стр. 166

١- دليل الخلق ويسمى دليل الإبداع أو الاختراع وهو مبني على أصلين: أ- أن الموجودات مخترعة. ب- كل مخترَع لا بد له من مخترع١. ويعتمد هذا الدليل على إثارة الفكر للتعرف على خالق الموجودات جميعها والاستدلال بذلك على وحدانيته تعالى، وهو أول دليل تلفت الآيات النظر إليه, كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ, بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٢، وقوله

стр. 167

تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ, وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ١. وملخص هذا الدليل أن كل ما في الكون مخلوق، والمخلوق لا بد له من خالق؛ لأنه يستحيل أن يكون خُلق من غير خالق، ولهذا كان كل رسول يقول لقومه: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٢. وقد كان المشركون يؤمنون بهذا الدليل من حيث دلالته على توحيد الربوبية ولا يؤمنون بدلالته على توحيد الألوهية. قال تعالى عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ٤. وقد أقام القرآن الحجة عليه بهذا التوحيد توحيد الربوبية ليكون موصلًا لهم لتوحيد الألوهية, حيث يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ ٦، والمعنى: كما أنه المتفرد بربوبية المشرق والمغرب وربوبية السموات والأرض وليس لذلك رب سواه, فكذلك ينبغي أن لا يُتخذ إلهٌ سواه٧.

стр. 168

وكذلك لما أقسم على الوحدانية في سورة الصافات، أتبع هذا القسم بذكر ربوبيته تعالى للسموات والأرض ومشارقها فقال تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفّاً, فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً, فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً, إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ, رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ ١. يقول ابن القيم: فإن الإقسام كالدليل والآية على صحة ما أقسم عليه من التوحيد.. وأقسم سبحانه بذلك على توحيد ربوبيته وإلهيته وقرر توحيد ربوبيته فقال: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ, رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ من أعظم الأدلة على أنه إله واحد ولو كان معه إله آخر لكان الإله مشاركًا له في ربوبيته كما شاركه في إلهيته، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وهذه قاعدة القرآن يقرر توحيد الإلهية بتوحيد الربوبية, فيقرر كونه معبودًا واحدًا بكونه خالقًا ورازقًا وحده"٢ انتهى باختصار.

стр. 169

الشبهة على هذا الدليل: ويورد الملحدون شبهًا على هذا الدليل أعظمها شبهة الطبيعة ، وملخص هذه الشبهة: أننا إذا سألنا الطبيعيين عمن خلق الكون بما فيه, فالجواب عندهم: الطبيعة، فالطبيعة هي التي خلقت الكون بما فيه من سماوات وأرضين وشمس وقمر ونجوم وبحار وإنسان وحيوان وغير ذلك. الرد على هذه الشبهة: للرد على شبهة الطبيعيين نسألهم: ماذا تعنون بكلمة الطبيعة؟ هل تعنون بها ذات الأشياء أو صفاتها؟ فإن عنوا بالطبيعة ذات الأشياء فيكون على قولهم كل شيء خلق نفسه، فالسماء خلقت السماء، والأرض خلقت الأرض، فيصبح كل شيء هو الخالق والمخلوق بنفس اللحظة، وبما أن المخلوق مفتقر إلى الخالق فيكون هذا الشيء مفتقرًا

стр. 170

لنفسه وهو موجود فيجتمع فيه النقيضان بنفس الوقت؛ لاستحالة أن يكون موجودًا معدومًا بنفس الوقت كما يستحيل أن يكون خالقًا ومخلوقًا، وبهذا يظهر بطلان هذا الادعاء وتهافته. وإن عنوا بكلمة الطبيعة صفات الأشياء وقابلياتها من حرارة وبرودة وملاسة وخشونة, فقولهم هذا أكثر تهافتًا من سابقه؛ لأن من البدهيات أن الصفات والقابليات لا تقوم إلا بذات الأشياء، فهي مفتقرة للأشياء, فالصفة دائمًا مفتقرة إلى الموصوف لأنها لا تظهر إلا به، وإذا كانت الأشياء الموصوفة ذاتها عاجزة عن إيجاد نفسها فعجز الصفة والقابلية عن إيجاد موصوفاتها من باب أولى -بل إن الصفة نفسها بحاجة إلى موجد يوجدها في موصوفها؛ لأن الموصف كما هو عاجز عن إيجاد نفسه فهو عاجز عن إيجاد صفته. وبهذا يظهر بطلان قول أهل الطبع الذين جعلوا من الأشياء آلهة ونحلوها أسماء باطلة، فالطبيعة ليست إلهًا يخلق، وإنما هي أصنام الملحدين الذين فروا من التوحيد تحت شعار هذا الاسم الخادع، يقول تعالى على لسان هود ﵇ قوله لقومه عندما جادلوه في أصنامهم: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾ ١، وقال تعالى عن يوسف قوله لصاحبيه في السجن: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ ٢. وقد رفض هذا التفسير للخلق عدد من العلماء الغربيين, وهذه جملة من أقوالهم؛ يقول "كلودم هاثاوي" المصمم للعقل الإلكتروني في مقال له بعنوان المبدع العظيم: "إن فلسفتي تسمح بوجود غير المادي لأنه بحكم تعريفه لا يمكن إدراكه

стр. 171

بالحواس الطبيعية، فمن الحماقة إذن أن أنكر وجوده بسبب عجز العلوم عن الوصول إليه، وفوق ذلك فإن الفيزياء الحديثة قد علمتني أن الطبيعة أعجز من أن تنظم نفسها أو تسيطر على نفسها"١. ويقول كذلك: "إن الطبيعة لا تستطيع أن تصمم أو تبدع نفسها؛ لأن كل تحول طبيعي لا بد أن يؤدي إلى نوع من أنواع ضياع النظام أو تصدع البناء العام, إن هذا الكون ليس إلا كتلة تخضع لنظام معين لا بد له من سبب أول لا يخضع للقانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية, ولا بد أن يكون هذا السبب غير مادي في طبيعته"٢ انتهى باختصار. ويقول "كريسي موريسون": "والطبيعة لم تخلق الحياة, فإن الصخور التي حرقتها النار والبحار الخالية من الملح لم تتوافر فيها الشروط اللازمة"٣. ويقول عالم الطبيعة الدكتور "أدوين فاست" في مقال له بعنوان نظرة إلى ما وراء القوانين الطبيعية: "إن جميع القوانين الطبيعية التي نصفها ونستخدمها ليست إلا مجرد وصف لما يحدث أو يشاهد, فهي بذلك ليست تدبيرًا أو إلزامًا, فليس الوصف في ذاته سببًا لحدوث ظاهرة من الظواهر.. ومهما بالغنا في تحليل الأشياء وردها إلى أصولها الأولى، فلا بد أن نصل في نهاية المطاف إلى ضرورة وجود قوانين طبيعية تخضع لها ذرات هذا الكون, ويعد ذلك في ذاته دليلًا على وجود إله قادر مدير هو الذي قدر لكل ظاهرة من ظواهر هذا الكون أن تسير في طريقها المرسوم"٤. انتهى باختصار.

стр. 172

ويحسن بنا أن نختم الجواب عن هذه الشبهة بكلام لابن القيم حيث يقول في حديثه عن عجائب خلق الإنسان: "من أين للطبيعة هذا الاختلاف والفرق الحاصل في النوع الإنساني بين صورهم, فقلّ أن يرى اثنان متشابهان من كل وجه وذلك من أندر ما في العالم, بخلاف أصناف الحيوان كالنعم والوحوش والطير وسائر الدواب.. فمن الذي ميز بين صورهم وأصواتهم وفرق بينها بفروق لا تنالها العبارة ولا يدركها الوصف، فسل المعطِّل أهذا فعل الطبيعة؟ وهل في الطبيعة اقتضاء هذا الاختلاف والافتراق في النوع؟ وأين قول الطبائعيين أن فعلها متشابه لأنها واحدة في نفسها لا تفعل بإرادة ولا مشيئة فلا يمكن اختلاف أفعالها؟ فكيف يجمع المعطل بين هذا وهذا؟ فإنها لا تعمى الأبصار, ولكن تعمى القلوب التي في الصدور١. انتهى باختصار.

стр. 173

٢- دليل العناية: ويسمى دليل النظام أو التناسق؛ لأنه ينطلق بنا ضمن الآيات الكونية ليوصلنا إلى أن الذي نظم الكون وربط أجزاءه بحيث يكمل بعضها بعضًا وقدر كل شيء فيه تقديرًا, هو الله الواحد الأحد, ومن الآيات القرآنية التي ورد فيها دليل العناية قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ, وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ, وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ, وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ, وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ, وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً, وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً, وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً, وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ

стр. 174

سُبَاتاً, وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً, وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً, وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً, وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً, وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً, لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً, وَجَنَّاتٍ أََلْفَافاً﴾ ١. هذه الآيات القرآنية التي ذكرناها وآيات أخرى كثيرة تلفت نظر الإنسان لما في هذا الكون من التنظيم الدقيق والتناسق بين أجزاء الكون أقصى غايات الدقة والإتقان ليدل دلالة قاطعة على العناية التامة بهذا الكون وما فيه، وأن إلهًا واحدًا قادرًا هو الذي نظم كل ما فيه أحسن تنظيم٢. إنه لا يوجد أي شيء في الكون إلا في محله المناسب وبالقدر المناسب، فكل ما فيه في غاية الحكمة والعناية والإتقان، والناظر لهذا الإتقان العجيب والتنظيم المدهش في كل شيء في الأرض وفي السماء وما بينهما -بحيث أن أي تغيير فيه يؤدي إلى الخلل والفساد؛ لا يسعه إلا أن يؤمن بوحدانية الله تعالى. إننا لو سألنا عالم الفلك فإنه يبين لنا من دقائق الحسابات الفلكية وتنظيم الكواكب وأحجامها وأبعادها ما يحير العقول. ولو سألنا عالم التشريح عن جسم الإنسان، وعالم الحيوان عن أنواع الحيوان الطائر والسابح والماشي والزاحف بأشكاله وألوانه وخواصه ومعيشته وغرائبه؛ لأسلمنا ذلك بلا شك إلى وحدانية الله. ولو سألنا عالم النبات عن أنواعه وثماره وأوراقه وطعومه وخواصه لأجابنا بما يدل دلالة قاطعة على وحدانية الله. ولو نظرنا إلى التنظيم الدقيق في الأرض ببجرها ويابسها وجبالها وأغوارها وسهولها

стр. 175

وصخورها ورمالها ومعادنها وينابيعها وأنهارها وطبقاتها، لأدى بنا ذلك إلى الاعتراف بوحدانية الله. إن العقل السليم يرفض رفضًا تامًّا أن يكون أي ترتيب وتنظيم لشيء ما حدث بصورة عفوية وبطريق الصدفة، فلو دخلنا دارًا أو محلًّا تجاريًّا منظمًا لأدى بنا النظر لأول وهلة إلى أن منظمًا نظم هذه الدار وهذا المحل، فكيف بهذا الكون المنظم كل شيء فيه أحسن تنظيم؟

стр. 176

الشبهة على هذا الدليل: والشبهة الواردة على دليل النظام هي شبهة المصادفة ، وملخص هذه الشبهة: أن هذا العالم كله بما فيه من تناسق وتنظيم وجد بطريق الصدفة من غير إله خالق نظمه, وكل ما نرى فيه من ألوان التناسق كعدد النجوم وأبعادها عن بعضها بحيث لا تصطدم في مداراتها والشمس والقمر وحركتهما في مسارهما, والأرض بوضعها الحالي الصالح للحياة وبعدها عن الشمس والقمر وقشرتها وهوائها ومائها وجبالها, كل ذلك رتب بطريق الصدفة. وللرد على هذه الشبهة نورد المثال التالي: لو أن هزة أرضية قلبت صناديق الحروف في مطبعة بها نصف مليون حرف فخلطتها ببعضها, فأخبرنا صاحب المطبعة أنه تكوّن من اختلاف الحروف صدفة عشر كلمات متفرقة، فالمسألة تحتمل التصديق وتحتمل النفي، لكنه لو أخبرنا بأن الكلمات العشر كونت جملة مفيدة لازدادت درجة النفي والاستبعاد, لكننا قد لا نجزم بالاستحالة, ولو أخبرنا بأن الحروف المبعثرة كونت كتابًا من مائة صفحة وبه قصيدة كاملة منسجمة بألفاظها وأوزانها فالاستحالة في هذه الحالة بحكم البديهة. والمسألة في الكون وأجزائه وما فيها من إتقان وإحكام وعناية أعقد بكثير من مثال حروف المطبعة؛ لأن الحروف هنا جاهزة معبأة في صناديقها.

стр. 177

إن الصدفة في مجال الكون مستحيلة في ذاتها فضلًا عن أن ينبثق عنها هذا الإحكام والنظام، ولو سلمنا جدلًا بصدفة واحدة في البداية فهل يقبل عقلنا بسلسلة طويلة متتابعة من المصادفات؟ إن أقوال مفكري العالم الذين لا يصدرون في آرائهم إلا عن علم وتجارب كثيرة تنفي فكرة المصادفة من أساسها, ويعتبرون أن القول بالصدفة مغالطة واضحة وبعد عن الحق، وهذه جملة من أقوالهم يسخرون بها من القول بالصدفة: يقول عالم الوراثة والبيئة الدكتور "جون وليان كلوتس": "إن هذا العالم الذي نعيش فيه قد بلغ من الإتقان والتعقيد درجة تجعل من المحال أن يكون قد نشأ بمحض المصادفة، إنه مليء بالروائع والأمور التي تحتاج إلى مدبر، والتي لا يمكن نسبتها إلى قدر أعمى, ولا شك أن العلوم قد ساعدتنا على زيادة فهم وتقدير ظواهر هذا الكون المعقدة, وهي بذلك تزيد من معرفتنا بالله ومن إيماننا بوجوده"١، ويقول كذلك: "إنه من الصعب على عقولنا أن تتصور أن كل هذا التوافق العجيب قد تم بمحض المصادفة, إنه لا بد أن يكون نتيجة توجيه محكم احتاج إلى قدرة وتدبير"٢. ويقول الفلكي الشهير "كريسي موريسون": ".. ومثل هذه المجموعة من المعجزات لا يوجد ولا يمكن أن يحدث بأي حال في غيبة الحياة, وكل ذلك يتم في نظام كامل والنظام مضاد إطلاقًا للمصادفة, أليس ذلك كله من صنع الخالق؟ "٣. ويقول الكيماوي الدكتور "دافيد باركس": "إنني أقرأ النظام والتصميم في كل ما يحيط بي من العالم غير العضوي ولا أستطيع أن أسلم بأن يكون كل ذلك

стр. 178

قد تم بمحض المصادفة العمياء التي جعلت ذرات هذا الكون تتألف بهذه الصورة العجيبة, إن هذا التصميم يحتاج إلى مبدع ونحن نطلق على هذا المبدع اسم الله"١. ويحسن أن نختم الجواب عن هذه الشبهة بكلام ابن القيم فيقول: "فَسَلِ المعطل الجاحد: ما تقول في دولاب دائر على نهر قد أحكمت آلاته وأحكم تركيبه وقدرت أدواته أحسن تقدير وأبلغه بحيث لا يرى الناظر فيه خللًا في مادته ولا في صورته, وقد جعل على حديقة عظيمة فيها من كل أنواع الثمار والزروع يسقيها حاجتها, وفي تلك الحديقة من يلم شعثها ويحسن مراعاتها وتعهدها والقيام بجميع مصالحها, فلا يختل منها شيء ولا يتلف ثمارها, ثم يقسم قيمتها عند الجذاذ على سائر المخارج بحسب حاجاتهم وضروراتهم, فيقسم لكل صنف منهم ما يليق به ويقسمه هكذا على الدوام, أترى هذا اتفاقًا بلا صانع ولا مختار ولا مدبر بل اتفق وجود ذلك الدولاب والحديقة وكل ذلك اتفاقًا من غير فاعل ولا مدبر؟ أفترى ما يقول لك عقلك في ذلك لو كان، وما الذي يفتيك به وما الذي يرشدك إليه؟ "٢.

стр. 179

آية السماء والأرض ... ب- آية السماوات والأرض ذكرت آية الأرض مع آية السماء لأنهما تذكران معًا في معظم آيات القرآن الكريم ولارتباط الاستدلال بهما ببعضه البعض, وفيما يلي البيان: ١- قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ, الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١. في هذه الآية يطلب الله تعالى من الناس جميعًا أن يوحدوه ولا يشركوا به الأصنام والأنداد وهم يعلمون أنه الذي بنى السماء وفرش الأرض. قال ابن كثير: "وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له"٢. وقال الزمخشري: "أي هو الذي خصكم بهذه الآيات العظيمة والدلائل النيرة الشاهدة بالواحدانية، فلا تتخذوا له شركاء"٣. ٢- قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ, إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٤.

стр. 180

هذه الآيات الكونية بدئت بالنص على الوحدانية, ثم نبه تعالى عباده على تفرده بالألوهية بخلق السموات والأرض وما بينهما؛ لأن من نظر إلى السماء في ارتفاعها وسعتها وإلى الأرض واستقرارها أداه لتوحيد الله وعبادته؛ لأن في خلق السماوات والأرض دلالات واضحة لقوم يعقلون عن الله حججه وأدلته على وحدانيته١. قال الطبري: "وهذا تنبيه من الله تعالى ذكره أهل الشرك به على ضلالهم ودعاء منه لهم إلى الأوبة من كفرهم والإنابة من شركهم, ثم عرفهم تعالى ذكره بالآية التي تتلوها موضع استدلال ذوي الألباب منهم على حقيقة ما نبههم عليه من توحيده وحججه الواضحة القاطعة عذرهم, فقال تعالى ذكره: أيها المشركون, إن جهلتم أو شككتم في حقيقة ما أخبرتكم من الخبر من أن إلهكم إله واحد دون ما تدعون ألوهيته من الأنداد والأوثان، فتدبروا حججي وفكروا فيها, فإن من حججي خلق السماوات والأرض"٢. انتهى بلفظه. ٣- قال تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ ٥، ففي هذه الآيات نبه إلى وقوف السماء بغير عمد، وأن الله ممسكها بقدرته وعظيم سلطانه, وجعلها من البعد بحيث لا تنال, وسمكها في نفسها
следующие страницы →