الشبهة على هذا الدليل:
والشبهة الواردة على دليل النظام هي شبهة المصادفة ، وملخص هذه الشبهة: أن هذا العالم كله بما فيه من تناسق وتنظيم وجد بطريق الصدفة من غير إله خالق نظمه, وكل ما نرى فيه من ألوان التناسق كعدد النجوم وأبعادها عن بعضها بحيث لا تصطدم في مداراتها والشمس والقمر وحركتهما في مسارهما, والأرض بوضعها الحالي الصالح للحياة وبعدها عن الشمس والقمر وقشرتها وهوائها ومائها وجبالها, كل ذلك رتب بطريق الصدفة.
وللرد على هذه الشبهة نورد المثال التالي:
لو أن هزة أرضية قلبت صناديق الحروف في مطبعة بها نصف مليون حرف فخلطتها ببعضها, فأخبرنا صاحب المطبعة أنه تكوّن من اختلاف الحروف صدفة عشر كلمات متفرقة، فالمسألة تحتمل التصديق وتحتمل النفي، لكنه لو أخبرنا بأن الكلمات العشر كونت جملة مفيدة لازدادت درجة النفي والاستبعاد, لكننا قد لا نجزم بالاستحالة, ولو أخبرنا بأن الحروف المبعثرة كونت كتابًا من مائة صفحة وبه قصيدة كاملة منسجمة بألفاظها وأوزانها فالاستحالة في هذه الحالة بحكم البديهة.
والمسألة في الكون وأجزائه وما فيها من إتقان وإحكام وعناية أعقد بكثير من مثال حروف المطبعة؛ لأن الحروف هنا جاهزة معبأة في صناديقها.
стр. 177
إن الصدفة في مجال الكون مستحيلة في ذاتها فضلًا عن أن ينبثق عنها هذا الإحكام والنظام، ولو سلمنا جدلًا بصدفة واحدة في البداية فهل يقبل عقلنا بسلسلة طويلة متتابعة من المصادفات؟
إن أقوال مفكري العالم الذين لا يصدرون في آرائهم إلا عن علم وتجارب كثيرة تنفي فكرة المصادفة من أساسها, ويعتبرون أن القول بالصدفة مغالطة واضحة وبعد عن الحق، وهذه جملة من أقوالهم يسخرون بها من القول بالصدفة:
يقول عالم الوراثة والبيئة الدكتور "جون وليان كلوتس": "إن هذا العالم الذي نعيش فيه قد بلغ من الإتقان والتعقيد درجة تجعل من المحال أن يكون قد نشأ بمحض المصادفة، إنه مليء بالروائع والأمور التي تحتاج إلى مدبر، والتي لا يمكن نسبتها إلى قدر أعمى, ولا شك أن العلوم قد ساعدتنا على زيادة فهم وتقدير ظواهر هذا الكون المعقدة, وهي بذلك تزيد من معرفتنا بالله ومن إيماننا بوجوده"١، ويقول كذلك: "إنه من الصعب على عقولنا أن تتصور أن كل هذا التوافق العجيب قد تم بمحض المصادفة, إنه لا بد أن يكون نتيجة توجيه محكم احتاج إلى قدرة وتدبير"٢.
ويقول الفلكي الشهير "كريسي موريسون": ".. ومثل هذه المجموعة من المعجزات لا يوجد ولا يمكن أن يحدث بأي حال في غيبة الحياة, وكل ذلك يتم في نظام كامل والنظام مضاد إطلاقًا للمصادفة, أليس ذلك كله من صنع الخالق؟ "٣.
ويقول الكيماوي الدكتور "دافيد باركس": "إنني أقرأ النظام والتصميم في كل ما يحيط بي من العالم غير العضوي ولا أستطيع أن أسلم بأن يكون كل ذلك
стр. 178
قد تم بمحض المصادفة العمياء التي جعلت ذرات هذا الكون تتألف بهذه الصورة العجيبة, إن هذا التصميم يحتاج إلى مبدع ونحن نطلق على هذا المبدع اسم الله"١.
ويحسن أن نختم الجواب عن هذه الشبهة بكلام ابن القيم فيقول: "فَسَلِ المعطل الجاحد: ما تقول في دولاب دائر على نهر قد أحكمت آلاته وأحكم تركيبه وقدرت أدواته أحسن تقدير وأبلغه بحيث لا يرى الناظر فيه خللًا في مادته ولا في صورته, وقد جعل على حديقة عظيمة فيها من كل أنواع الثمار والزروع يسقيها حاجتها, وفي تلك الحديقة من يلم شعثها ويحسن مراعاتها وتعهدها والقيام بجميع مصالحها, فلا يختل منها شيء ولا يتلف ثمارها, ثم يقسم قيمتها عند الجذاذ على سائر المخارج بحسب حاجاتهم وضروراتهم, فيقسم لكل صنف منهم ما يليق به ويقسمه هكذا على الدوام, أترى هذا اتفاقًا بلا صانع ولا مختار ولا مدبر بل اتفق وجود ذلك الدولاب والحديقة وكل ذلك اتفاقًا من غير فاعل ولا مدبر؟ أفترى ما يقول لك عقلك في ذلك لو كان، وما الذي يفتيك به وما الذي يرشدك إليه؟ "٢.
стр. 179
آية السماء والأرض
...
ب- آية السماوات والأرض
ذكرت آية الأرض مع آية السماء لأنهما تذكران معًا في معظم آيات القرآن الكريم ولارتباط الاستدلال بهما ببعضه البعض, وفيما يلي البيان:
١- قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ, الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١.
في هذه الآية يطلب الله تعالى من الناس جميعًا أن يوحدوه ولا يشركوا به الأصنام والأنداد وهم يعلمون أنه الذي بنى السماء وفرش الأرض. قال ابن كثير: "وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له"٢.
وقال الزمخشري: "أي هو الذي خصكم بهذه الآيات العظيمة والدلائل النيرة الشاهدة بالواحدانية، فلا تتخذوا له شركاء"٣.
٢- قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ, إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٤.
стр. 180
هذه الآيات الكونية بدئت بالنص على الوحدانية, ثم نبه تعالى عباده على تفرده بالألوهية بخلق السموات والأرض وما بينهما؛ لأن من نظر إلى السماء في ارتفاعها وسعتها وإلى الأرض واستقرارها أداه لتوحيد الله وعبادته؛ لأن في خلق السماوات والأرض دلالات واضحة لقوم يعقلون عن الله حججه وأدلته على وحدانيته١.
قال الطبري: "وهذا تنبيه من الله تعالى ذكره أهل الشرك به على ضلالهم ودعاء منه لهم إلى الأوبة من كفرهم والإنابة من شركهم, ثم عرفهم تعالى ذكره بالآية التي تتلوها موضع استدلال ذوي الألباب منهم على حقيقة ما نبههم عليه من توحيده وحججه الواضحة القاطعة عذرهم, فقال تعالى ذكره: أيها المشركون, إن جهلتم أو شككتم في حقيقة ما أخبرتكم من الخبر من أن إلهكم إله واحد دون ما تدعون ألوهيته من الأنداد والأوثان، فتدبروا حججي وفكروا فيها, فإن من حججي خلق السماوات والأرض"٢. انتهى بلفظه.
٣- قال تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ ٥، ففي هذه الآيات نبه إلى وقوف السماء بغير عمد، وأن الله ممسكها بقدرته وعظيم سلطانه, وجعلها من البعد بحيث لا تنال, وسمكها في نفسها
стр. 181
مسيرة خمسمائة عام, كما أن بعد ما بين كل سماء والتي تليها خمسمائة عام، ومن كان هذا خلقه فهو متعالٍ عن الشريك كما قال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١. فأنى يكون له شريك وقد خلقهما بالحق وهو التوحيد، منفردًا بخلقهما وإبداعهما من غير حاجة لأحد٢.
стр. 182
جـ- آية الشمس والقمر والليل والنهار
ذكرت آية الشمس والقمر مع آية الليل والنهار لورودها مجتمعة في بعض المواضع من آيات القرآن الكريم:
١- قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ, إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ ١.
في هاتين الآيتين تنبيه على أن الله وحده هو الذي خلق الشمس والقمر والليل والنهار بغير معين ولا شريك, فقوله: "هو" دلالة على الوحدانية أي هو الذي جعل الشعاع الصادر عن الشمس ضياء وجعل الشعاع الصادر عن القمر نورًا، وفاوت بينهما بأن جعل سلطان الشمس نهارًا وسلطان القمر ليلًا وقدر القمر منازل.
فالمتدبر لذلك يعلم حقيقة الوحدانية, قال الطبري: "لقوم يعلمون إذا تدبروها حقيقة وحدانية الله"٢ ا. هـ.
وانظر كيف وضعت الشمس في مكانها الخاص بها والقمر في مكانه الخاص به ووضعت الكواكب في أمكنتها الخاصة بها ودوران ذلك كله, كما قال تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُون﴾ ٣. قال ابن عباس: "أي يدورون كما يدور المغزل في الفلكة" قال مجاهد: فلا يدور المغزل إلا بالفلكة ولا
стр. 183
الفلكة إلا بالمغزل, كذلك النجوم والشمس والقمر لا يدورون إلا به ولا يدور إلا بهن"١.
وانظر هذا التقدير الحكيم بأن جعل الله الليل والنهار مرتبطين بدورة الشمس, فلا يستطيع أحد إيقاف الشمس عن دورتها، أو حبس الليل والنهار عن جزء من الأرض؛ لأن الله وحده هو الذي يتولى ذلك كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ, ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ٢.
يقول الطبري في تفسيره لهذه الآية: "فعلت هذا الفعل من إيلاجي الليل والنهار وإيلاجي النهار في الليل؛ لأني أنا الحق الذي لا مثل لي ولا شريك ولا ند, وأن الذي يدعوه هؤلاء المشركون إلهًا من دونه هو الباطل الذي لا يقدر صنعة شيء بل هو المصنوع"٣.
٢- قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ٤.
في هذه الآية يبين تعالى أن الليل والنهار والشمس والقمر من دلائل وحدانيته ووجوب عبادته, ولا تستحق الشمس أو القمر العبادة، إنما يستحق ذلك خالقها دون كل شيء سواه.
يقول ابن كثير: "يقول تعالى منبهًا خلقه على قدرته العظيمة, وأنه الذي
стр. 184
لا نظير له وأنه على ما يشاء قدير: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ أي أنه خلق الليل بظلامه والنهار بضيائه وهما متعاقبان لا يفتران، والشمس ونورها وإشراقها, والقمر وضياءه وتقدير منازله في فلكه واختلاف سيره في سمائه؛ ليعرف باختلاف سيره وسير الشمس مقادير الليل والنهار والجمع والشهور والأعوام, ويتبين بذلك حلول الحقوق وأوقات العبادات والمعاملات، ثم لما كان الشمس والقمر أحسن الأجرام المشاهدة في العالم العلوي والسفلي، نبه تعالى على أنهما مخلوقان عبدان من عبيده تحت قهره وتسخيره فقال: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أي لا تشركوا به, فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره, فإنه لا يغفر أن يشرك به"١.
إذا نظرنا إلى العلم وجدناه يقول بأن مجموعتنا الشمسية ليست إلا جزءًا من أجزاء المجموعة المجرية, ومجرتنا هذه واحدة من مجرات عديدة، ويقول العلم بأن هناك نجومًا كثيرة أكبر من الشمس وأشد حرارة منها، وأن الشمس التي يستفيد من حرارتها كل نبت وحيوان درجة حرارة سطحها ١٢٠٠٠ درجة فهرنهايت، وأن الأرض موضوعة بالمكان المناسب لاستمرار الحياة عليها, ولو زادت درجة الحرارة أو نقصت عن حد معين قدره الله تعالى لمات كل الأحياء على سطح الأرض حرقًا أو تجمدًا، وأن مسار القمر له علاقة بالمد والجزر الذي يحصل في البحار مرتين في العام, ولو كان القمر في غير هذا المسار الذي رسمه له خالقه لعم الماء جميع اليابسة وفاض عليها بحيث تصبح الحياة مستحيلة على ظهرها٢.
إن هذا الخلق العظيم والتنظيم الدقيق يدل دلالة قاطعة على وحدانية الله، وأنه المستحق أن يفرد بالعبادة دون كل شيء سواه.
стр. 185
د- آية الرياح والمطر والنبات
ذكرت الكلام عن هذه الآيات معًا لارتباطها ببعضها ولأنه يرد في القرآن اقتران الرياح بإنزال المطر ثم إنبات المزروعات والثمار, وهي من الآيات الدالة على وحدانية الله تعالى, وفيما يلي البيان:
١- يقول تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ ١.
في هذه الآية وصف الله تعالى الرياح بأنها لواقح؛ لأنها تلقح السحاب فتدر ماء, وتلقح الشجر فتفتح عن وأوراقها وأكمامها فيبعث الله الرياح المثيرة فتثير السحاب, ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف السحاب, ثم يبعث الله اللواقح فتلقح الشجر, أليس ذلك آية دالة على وحدانية الله المتصرف في هذا الكون؟ ٢.
٢- يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ٣, ويقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ, يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ ٤.
стр. 186
هذا تنبيه من الله تعالى لعباده على آية السحاب الحامل للماء الكثير, حيث ينزل الله منه الأمطار بالحكمة البالغة بحيث لا تختلط قطرة بأخرى، ثم انظر كيف تعم الأمطار الأرض سهولها ووعورها وشعابها لينبت العشب للأنعام وسائر الهوام ويسقي المزروعات وتنبت الأشجار ويمد البحار والأنهار والآبار، وما يزيد منه يودعه الله في الأرض ليستخرجه الناس وقت الحاجة إليه.
يقول ابن القيم: "فتأمل كيف يسوقه سبحانه رزقًا للعباد والدواب والطير والذر والنمل, يسوقه رزقًا للحيوان الفلاني في الأرض الفلانية بجانب الجبل الفلاني فيصل إليه على شدة الحاجة والعطش, وفي الوقت كذا وكذا ثم كيف أودعه في الأرض فأخرج به أنواع الأغذية والأدوية والأقوات"١.
٣- يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ ٢.
في هذه الآية نبهنا الله تعالى إلى أنه هو وحده الذي يشق الحب والنوى في الثرى, فتنبت منه الزروع والثمار على اختلاف ألوانها وأشكالها وطعومها، ثم قال مشيرًا إلى وحدانيته تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ : أي فاعل ذلك هو الله وحده لا شريك, فكيف تصرفون عن الحق وتعدلون عنه إلى الباطل بعبادتكم غير الله تعالى.
يقول الطبري: "وهذا تنبيه من الله جل ثناؤه هؤلاء العادلين به الآلهة والأوثان على موضع حجته عليهم وتعريف منه لهم خطأ ما هم عليه مقيمون من إشراك الأصنام في عبادتهم إياهم, يقول تعالى ذكره: إن الذي
стр. 187
له العبادة أيها الناس دون كل ما تعبدون من الآلهة والأوثان هو الله الذي فلق الحب يعني شق الحب من كل ما ينبت من النبات فأخرج منه الزرع والنوى من كل ما يغرس مما له نواة فأخرج منه الشجر.."١.
٤- ويقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٢.
الخضر: هو الزرع والشجر الأخضر. والمتراكب: هو الحب والثمر لأنه يركب بعضه بعضًا. والمشتبه وغير المتشابه: أي متشابه في الورق والشكل وهو مختلف في الطعم واللون.
إن التفكير في النبات والثمار وكيفية تكونها من البذرة حتى صارت زرعًا أخضرَ وثمرًا طيبًا بعد جفافها, واختلاف ألوان الثمار وطعومها مع كونها متشابهة في الشكل والورق لا شك يؤدي لمعرفة الله ووحدانيته، ولذلك حثنا الله على النظر للثمار فقال: ﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ فهي تدل دلالة واضحة على وحدانية الله، لذلك ذم الله تعالى المشركين بعد هذه الآية مباشرة فقال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ٣.
قال الطبري في تفسيره لهذه الآية: "يا أيها الناس إذا نظرتم إلى ثمره
стр. 188
عند عقد ثمره وعند ينعه وانتهائه, فرأيتم اختلاف أحواله وتصرفه في زيادته ونموه, علمتم أن له مدبرًا ليس كمثله شيء ولا تصلح العبادة إلا له دون الآلهة والأنداد"١.
وقد استنكرالهدهد على قوم بلقيس سجودهم للشمس من دون الله، مستدلًا على وحدانية الله ووجوب إفراده بالعبادة بأنه خلق الماء والنبات وأخرجه بعد أن كان مخبوءًا في السماء والأرض وجعل ذلك حجة على المخالفين٢. حيث قال تعالى عنه: ﴿أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ, اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ٣.
стр. 189
الفصل الثاني: تقريرالقرآن للتوحيد بضرب الأمثال
تمهيد
سبق أن تكلمنا في الفصل السابق عن الأدلة الكونية التي نبه إليها القرآن الكريم في تقريره لعقيدة التوحيد، ونتحدث في هذا الفصل عن تقرير القرآن للتوحيد بضرب الأمثال.
والأمثال مفردها مثل وهو الشيء الذي يضرب لشيء مثلًا فيجعل مثله, أو هو ما يضرب به من الأمثال، وقد يكون المثل هو الصفة كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُون﴾ ١: أي صفتها٢.
ولقد ضرب الله للناس في هذا القرآن من كل مثل؛ لأن ضرب الأمثال فيه فوائد كثيرة كالتذكير والوعظ والحث والزجر والتقرير وتقريب المراد للعقل وتصويره بصورة المحسوس وتشبيه الخفي بالجلي، فلضرب الأمثال واستحضار العلماء النظائر شأن ليس بالخفي في إبراز الخفيات والحقائق حتى يرى المتخيل في صورة المتحقق والمتوهم في معرض المتيقن والغائب كأنه مشاهد٣.
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "فإن النفس تأنس بالنظائر والأشباه الأنس
стр. 190
التام وتنفر من الغربة والوحدة وعدم النظير، ففي الأمثال من تأنيس النفس وسرعة قبولها وانقيادها لما ضرب لها مثله من الحق أمر لا يجحده أحد ولا ينكره، وكلما ظهرت لها الأمثال ازداد المعنى ظهورًا ووضوحًا، فالأمثال شواهد المعنى ومزكية له, فهي كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه وهي خاصة العقل ولبه وثمرته"١ ا. هـ.
وقد امتن الله على عباده بأن ضرب لهم الأمثال فقال: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ﴾ ٤, وقال تعالى: ﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَال﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ ٦.
وقد نهى الله عباده أن يضربوا له الأمثال بقوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَال﴾ ٧ يعني: الأشباه فتشبهونه بخلقه وتجلعون له شريكًا؛ لأن ضرب المثل تمثيل والله تعالى لا مثل ولا ند له, لا في ذاته ولا في أسمائه وصفاته ولا في أفعاله، وما ابتدع من ابتدع ولا ضل من ضل إلا من ضرب الأمثال له سبحانه، وأهل
стр. 191
الكلام المحدث المبتدع ضربوا له الأمثال الباطلة فضلوا؛ لأن ضرب المثل تشبيه حال بحال، والله تعالى لا يمثل بخلقه لأن له المثل الأعلى أي الصفة العليا التي هي كلمة الإخلاص وشهادة التوحيد: لا إله إلا الله١.
وقد اقتصرت في هذا الفصل على أمثال القرآن التي سيقت لتقرير وحدانية الله تعالى ومهاجمة الشرك، فقمت باستقصائها وجمعها من آيات القرآن ثم رتبتها حسب موضوعها وهي كما يلي:
١- إما مضروبة لله من جهة, وللأصنام من جهة أخرى.
٢- وإما مضروبة لكلمة التوحيد وكلمة الشرك.
٣- وإما مضروبة للحق والباطل.
٤- وإما مضروبة لبيان عجز آلهة المشركين.
٥- وإما مضروبة لحالة المشرك وحالة الموحد.
٦- وإما مضروبة لقلب الموحد وقلب المشرك.
٧- وإما مضروبة لحواس الموحد والمشرك وحياة الأول واستقامته وموت الثاني وانكبابه على وجهه.
٨- وإما مضروبة لأعمال المشركين.
وفيما يلي البيان:
стр. 192
١- الأمثال المضروبة لله ولما يعبد من دونه:
أ- ضرب الله تعالى مثلًا لنفسه ولما يعبد من دونه بعدم قبول المشركين إشراك عبيدهم في ما يخصهم، فكيف يقبلون ذلك لله تعالى؟
стр. 193
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢.
بين أنه فضل بعض الناس على بعض في الرزق، فما الذين فضلهم الله بالرزق على غيرهم بمشركي غيرهم، وهم المماليك فيما رزقوا من الأموال والأزواج حتى يستووا هم وعبيدهم في ذلك، فلا يرضون بأن يكونوا هم ومماليكهم فيما رزقوا سواء، بينما هم قد جعلوا مخلوقات الله شركاء له في ملكه وعبادته.
وقد أجمع المفسرون على أن المثل في هذه الآية هو نفس المثل في الآية الأخرى وهي قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا﴾ ، ولذلك جعلت الكلام عنهما معًا٣، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ بين سبحانه بالمثل الذي ضربه لهم أنه لا ينبغي أن يجعل مملوكه شريكه فقال: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ يخاف أحدكم مملوكه كما يخاف بعضكم بعضًا فإذا كان أحدكم لا يرضى أن يكون مملوكه شريكه فكيف ترضونه لله؟ "٤.
стр. 194
ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "وهذا دليل قياس احتج الله سبحانه به على المشركين حيث جعلوا له من عبيده وملكه شركاء، فأقام عليهم حجة يعرفون صحتها من نفوسهم، ولا يحتاجون فيها إلى غيرهم، ومن أبلغ الحجاج أن يؤخذ الإنسان من نفسه ويحتج عليه بما هو في نفسه مقرر عندها معلوم لها فقال: هل لكم من ما ملكت أيمانكم من عبيدكم وإمائكم شركاء في المال والأهل؟ أي هل يشارككم عبيدكم في أموالكم وأهليكم، فأنتم وهم من ذلك سواء تخافونهم أن يقاسموكم أموالكم؟ فكيف تستجيزون مثل هذا الحكم في حقي مع أن من جعلتموهم لي شركاء عبيدي وملكي وخلقي؟ "١، انتهى باختصار.
ب- وضرب الله كذلك مثلين لنفسه ولما يعبد من دونه في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ, وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهُّ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢.
هذان مثلان ضربهما لنفسه ولما يعبد من دونه، قال مجاهد: "ضرب الله هذا المثل والمثل الآخر بعده لنفسه وللآلهة التي من دونه"٣.
والمثل الأول هو قصة عبد في ملك غيره عاجز عن التصرف وحر غني متصرف فيما آتاه الله، فإذا كان هذان لا يستويان عندكم مع كونهما من جنس واحد مشتركين في الإنسانية, فكيف تشركون بالله وتسوون به من
стр. 195
هو مخلوق له مقهور بقدرته من آدمي وغيره مع تباين الأوصاف, وأن الله لا يمكن أن يشبهه شيء من خلقه ولا يمكن لعاقل أن يمثل به غيره..
والمثل الثاني كذلك مضروب لله ولما يعبد من دونه، وهي أصنام لا تسمع ولا تنطق؛ لأنها إما من خشب أو نحاس أو حجر وغيره، ولا تجلب خيرًا ولا تدفع شرًّا، ثم هي عيال على عابديها تحتاج لمن يحملها ويخدمها كالأبكم من الناس الذي لا يقدر على شيء فهو كَلٌّ على أوليائه من بني أعمامه وغيرهم وحيثما وجهوه لا يأتِ بخير؛ لأنه لا يفهم ولا يُفهم عنه، وهكذا الصنم لا يعقل ما يقال له، ولا ينطق فيأمر وينهى، فهل يستوي هذا الأبكم بصفاته السابقة ومن هو ناطق متكلم يأمر بالحق ويدعو إليه؟ فإذا كانا لا يستويان فكذلك لا يستوي الصنم مع الله الواحد القهار الداعي عباده إلى توحيده وطاعته، فهذا مثل إله الباطل وإله الحق, وبه قال قتادة ومجاهد١، وكذلك قال به ابن القيم، وبين أن هذين المثلين أوضح عند المخاطبين وأعظم في إقامة الحجة عليهم وأظهر في بطلان الشرك٢.
شبه كلمة التوحيد -لا إله إلا الله- بالشجرة الطيبة وهي النخلة الضاربة جذورها في أعماق التربة وفروعها مرتفعة في السماوات, والكلمة الخبيثة وهي الشرك كالشجرة الخبيثة وهي الحنظلة إذا استؤصلت، فلم يبقَ لها أثر ولا أصل في الأرض، وقد ورد عن ابن عباس وبه قال جمهور المفسرين أن الكلمة الطيبة هي لا إله إلا الله في قلب المؤمن, وأن الكلمة الخبيثة هي كلمة الكفر١.
وفي هذا التشبيه حِكَم بليغة وأسرار كثيرة؛ لأن الشجرة لا بد لها من عروق وساق وفروع وورق وثمر فكذلك شجرة الإيمان والتوحيد, ليطابق المشبه المشبه به, فشجرة التوحيد عروقها الثابتة: العلم والمعرفة واليقين, وساقها: الإخلاص لله, وفروعها: الأعمال الصالحة, وثمرها: الأخلاق الحميدة الزكية، فإذا كانت هذه الأمور مطابقة لأمر الله بأن يكون العلم موافقًا لمعلومه الذي أنزل الله به كتابه، وكان الاعتقاد مطابقًا لما أخبر الله به عن نفسه وأخبرت به عنه رسله، وكان الإخلاص قائمًا في القلب، والأعمال موافقة للشرع، علم أن شجرة التوحيد في القلب أصلها ثابت وفرعها في السماء، وإن كان الأمر بالعكس علم أن القائم بالقلب إنما هو الشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، فكما أن هذه الشجرة الخبيثة ليس لها أصل ثابت ولا فرع ثابت ولا فائدة فيها، فكذلك الشرك ليس له أصل يأخذ به المشرك ولا برهان ولا يقبل الله مع الشرك عملًا ولا يصعد إلى الله فليس له أصل في الأرض ولا فرع في السماء٢.
стр. 198
٣- المثل للحق والباطل
ضرب الله مثلًا للحق والباطل، وهو مشتمل على المثلين المائي والناري فيقول تعالى: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ ١.
أما المثل المائي: فقد مثل الله تعالى الحق في ثباته والباطل في اضمحلاله كمثل الماء النازل من السماء إلى الأرض، فتحمله الأودية بقدرها الكبير بكبره والصغير بصغره، ولكن هذا السيل الحادث عن ذلك الماء يحمل فوقه زبدًا عالًيا، وبعد قليل يتطاير الزبد ويتلاشى، وأما الماء فيستفيد منه الناس في الشرب وسقي المزروعات، والباقي يمكث في الأرض لينتفع به الناس في العاجل والآجل، فالحق في ثباته ونفعه يشبه الماء المستقر في الأرض, والباطل في تلاشيه واختفائه يشبه الزبد العالي فوق السيل، فهذا أحد المثلين.
وأما المثل الآخر وهو الناري: فقد شبه الله تعالى الحق كمثل المعدن إذا أوقد عليه فيخرج منه الخبث والزبد ويذهب هذا ويتلاشى ويبقى خالص المعدن ثابتًا مستقرًّا نقيًّا، فشبه سبحانه الحق ببقائه وثباته بالمعدن الباقي بعد الخبث، وشبه الباطل بالخبث الذي تخرجه النار من المعادن، كذلك يضرب الله الحق والباطل٢، قال مجاهد: فذلك مثل الحق والهدى والعلم والتوحيد إذا دخل القلب طرد الخبث وهو الشكوك والشبهات والشهوات، فيطرح القلب هذه الشبه وتتلاشى كما يطرح السيل الزبد وكما تطرح النار الخبث، وكاستقرار الماء والمعدن الصافي الخالص، يستقر التوحيد والإيمان في القلب وجذوره بحيث ينفع صاحبه وينتفع به غيره٣.
стр. 199
٤- أمثلة عجز آلهة المشركين وهي ثلاثة أمثلة:
أ- عجزها عن سماع الدعاء وعن إجابته كذلك: يقول تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ١, وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ ٢.
هذان مثلان في عدم نفع دعاء الكفار لأصنامهم لأنها لا تسمع دعاءهم وهذا هو المثل الأول: حيث شبه الله تعالى المشركين بدعائهم لآلهتهم وطلبهم منها قضاء حاجاتهم كالراعي الذي يصوت بالغنم والبهائم وهي لا تعي ما يقول غير أنها تسمع صوته، يقول ابن القيم في هذا: "فتضمن هذا المثل ناعقًا أي مصوتًا بالغنم وغيرها ومنعوقًا به وهو الدواب، فقيل الناعق: العابد وهو الداعي للصنم، والصنم هو المنعوق به المدعو، وأن حال الكافر في دعائه كحال من ينعق بما لا يسمعه, وهذا قول طائفة: منهم عبد الرحمن بن زيد وغيره٣.
وأما المثل الثاني: فقد شبه المشركين في دعائهم لأصنامهم وأنها لا تستجيب لهم بالعطشان الذي جلس على شفير بئر وبسط كفيه إلى الماء وأخذ يدعوه إلى فيه من بعيد مشيرًا إليه بيده ليبل غلته، فلا هو نزل إلى البئر فشرب، ولا الماء يرتفع إليه لأنه جماد لا يحس بعطشه ولا يسمع دعاءه، وهكذا
стр. 200
الأوثان لا تحس بدعاء عابديها لها ولا تستجيب لهم؛ لأنها جمادات منحوتة على هيئة الأحياء، والعرب تضرب مثلًا لمن سعى فيما لا يدركه بالقابض على الماء١.
ب- عجزها عن الخلق وعن استعادة ما يسلب منها:
وضرب الله مثلًا لبيان عجز آلهة المشركين عن خلق أضعف وأصغر المخلوقات، بل لو سلب هذا المخلوق الضعيف من الأصنام شيئًا ما استطاعت استرداده, يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ ٢.
والمعنى بأن المشركين جعلوا لله شبهًا من الأصنام والأنداد التي عبدوها فاستمعوا لحال ما مثلوه وجعلوه شبهًا لله بعبادتهم إياه: إن كل ما تعبدون من دون الله لو اجتمعوا وتعاونوا ما خلقوا ذبابًا في صغره وقلته وضعفه، بل لو سلبهم هذا الذباب شيئًا مما تجعلونه عليها من العسل والطيب، فإنهم لا يستخلصوه منه, ضعف الطالب وهو آلهة المشركين، والمطلوب وهو الذباب.
وفي هذا المثل غاية التحقير والمهانة لآلهتهم، وفيه التقريع الشديد كذلك لعابديها مع علمهم بضعفها ومهانتها ومع ذلك يجعلونها مثلًا لله، وهذا المثل من أبلغ الأمثال في تجهيل قريش واستركاك عقولهم, والشهادة على أن الشيطان قد خزمهم بخزائمه حيث وصفوا بالإلهية -التي تتضمن القدرة على الخلق والإحاطة بالكائنات كلها- صورًا وتماثيل لو سلبها الذباب مما دهنت به من العسل والزعفران ما ردته عن نفسها ولا استنقذته منه٣.
والظاهر كما قال أبو حيان أن ضارب المثل هو الله تعالى، ضرب مثلًا لما يعبد من دونه فاستمعوا لحال هذا المثل٤.
стр. 201
وقد ذكر ابن القيم كلامًا موسعًا حول هذا المثل نقتطف منه قوله: "حقيق على كل عبد أن يستمع قلبه لهذا المثل ويتدبره حق تدبره؛ فإنه يقطع مواد الشرك من قلبه، وذلك أن المعبود أقل درجاته أن يقدر على إيجاد ما ينفع عابده وإعدام ما يضره، والآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله لن تقدر على خلق الذباب ولو اجتمعوا كلهم لخلقه، فكيف ما هو أكبر منه؟ ولا يقدرون على الانتصار من الذباب إذا سلبهم شيئًا مما عليهم من طيب ونحوه فيستنقذوه منه، فلا هم قادرون على خلق الذباب الذي هو من أضعف الحيوانات ولا على الانتصار منه واسترجاع ما سلبهم إياه, فلا أعجز من هذه الآلهة ولا أضعف منها, فكيف يستحسن عاقلٌ عبادتها من دون الله"١ انتهى بلفظه.
ج- مثل عجزها عن حماية غيرها: وضرب الله مثلًا لبيان عجز آلهة المشركين عن حماية عابديها وقلة غنائها مشبهًا إياها ببيت العنكبوت, فيقول تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
يبين تعالى ذكره أن الذين اتخذوا الآلهة والأوثان من دون الله، ويرجون نفعها عند حاجتهم إليها فهم في ضعف عقولهم وسوء اختيارهم لأنفسهم كمثل العنكبوت في ضعفها وقلة احتيالها لنفسها تتخذ بيتًا ليحميها فلم يغن عنها شيئًا عند حاجتها إليه، وهؤلاء المشركون إذا حل بهم سخط الله لن يغني عنهم أوليائهم شيئًا ولن يدفعوا عنهم بأس الله، فشبه الأصنام ببيت العنكبوت وشبه المشركين بالتجائهم للأصنام كالتجاء العنكبوت لبيتها الواهن الضعيف، فكما لا يغني العنكبوت بيتها هذا لا تغني أصنامهم عنهم من الله شيئًا, وبه قال ابن عباس وقتادة وابن زيد والضحاك٣.
стр. 202
يقول ابن القيم في هذا المثل: "فذكر سبحانه أنهم ضعفاء وأن الذين اتخذوهم أولياءهم أضعف منهم, فهم في ضعفهم وما قصدوه من اتخاذ الأولياء كالعنكبوت اتخذت بيتًا وهو أوهن البيوت وأضعفها، وتحت هذا المثل أن هؤلاء المشركين أضعف ما كانوا حين اتخذوا من دون الله أولياء فلم يستفيدوا بمن اتخذوهم أولياء إلا ضعفًا كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً, كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ ١ ٢.
стр. 203
الأمثال المضروبة لوصف حالة المشرك والموحد
...
٥- الأمثال المضروبة لوصف حالة المشرك وحالة الموحد
وهي ثلاثة أمثال هي:
أ- مثل المشرك بالساقط من السماء.
ب- مثل المشرك بالحيران في الأرض.
ج- مثل المشرك بالعبد المملوك لجماعة كثيرين.
أ- ضرب الله مثل المشرك بالذي يهوي من السماء فتخطفته الطير أو هوت به الريح في مكان سحيق، قال تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ١.
يحث الله عباده على إخلاص التوحيد له وإفراده بالطاعة والعبادة دون الأوثان؛ لأن من يشرك بالله شيئًا من دونه فمثله في
стр. 204
بعده عن الهدى وإصابة الحق وهلاكه وذهابه عن ربه مثل من خر من السماء فتخطفته الطير فهلك أو هوت به العواصف في مكان بعيد، فعن قتادة قال: فكأنما خر.. الآية، قال: هذا مثل ضربه الله لمن أشرك بالله في بعده من الهدى وهلاكه"١ أ. هـ.
فتأمل هذا المثل ومطابقته لحال من أشرك بالله وتعلق بغيره ويجوز في هذا التشبيه أمران:
أحدهما: أن نجعله من التشبيه المركب، فيكون قد شبه من أشرك بالله وعبد معه غيره برجل أهلك نفسه هلاكًا لا يرجى معه نجاة، فحاله كحال من سقط من السماء فاختطفته الطير في الهواء ومزقته في حواصلها، أو عصفت به الريح فسقط في مكان عميق.
وعلى هذا التشبيه المركب لا ننظر إلى كل فرد من أفراد المشبه ومقابله من المشبه به.
ثانيهما: أن نجعله من التشبيه المفرق فيقابل كل واحد من أجزاء الممثل بالممثل به، فيكون قد شبه التوحيد في علوه وشرفه بالسماء التي هي مصعده ومهبطه، فمنها هبط إلى الأرض وإليها يصعد، وشبه تارك التوحيد بالساقط من السماء إلى أسفل سافلين لما يجده من التضييق والشدة، وشبه الشياطين التي تؤزه وتتقاسم قلبه بالطير التي تتقاسم لحمه، وشبه هواه الذي ألقاه في التهلكة بالريح التي هوت به في مكان سحيق٢.
ب- وضرب الله تعالى مثل المشرك في عبادته الأصنام كمثل رجل في الفلاة حائر وله أصحاب مسلمون موحدون يدعونه للهدى فلا يتبعهم، قال
стр. 205
تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
يأمر نبيه محمدًا ﷺ أن يقول للكفار أنخص بالعبادة الأصنام وندع عبادة الله فنرجع القهقرى لم نظفر بحاجتنا؟ فيكون مثلنا في ذلك مثل الرجل الذي سيّرته الشياطين في الأرض حيران ضالًّا عن المحجة، ولهذا الحيران أصحاب مسلمون يدعونه لما هم عليه من الهدى الذي هم عليه مقيمون, والصواب الذي هم به متمسكون وهو ويعاندهم ويتبع الشياطين الداعية له لعبادة الأوثان.
عن ابن عباس قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو..﴾ الآية قال: هذا مثل ضربه الله للآلهة ومن يدعو إليها وللدعاة الذين يدعون إلى الله, كمثل رجل ضل الطريق إذ ناداه منادٍ: يا فلان ابن فلان هلم إلى الطريق، وله أصحاب يدعونه: يا فلان هلم إلى الطريق، فإن اتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه في الهلكة، وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى اهتدى إلى الطريق٢.
وهذا المثل في غاية الحسن؛ وذلك لأن الذي يهوي من المكان العالي إلى الوهدة العميقة يهوي إليها مع الاستدارة على نفسه كالحجر حال نزوله من أعلى, فإنه لا ينزل إلا مع الاستدارة وذلك يوجب كمال التردد والحيرة؛ لأنه عند نزوله من أعلى إلى أسفل لا يعرف على أي شيء يسقط عليه، قال أبو حيان: "ولا تجد للخائف الحائر أكمل ولا أحسن من هذا المثل"٣، وعن مجاهد قال: "حيران: هذا مثل ضربه الله للكافر, يقول: الكافر حيران يدعوه المسلم إلى الهدى فلا يجيب"٤ أ. هـ.
стр. 206
ج- وضرب الله تعالى مثل المشرك بالعبد المملوك لجماعة كثيرين. والموحد بالعبد المملوك لرجل واحد، ثم بين سبحانه أنهما لا يستويان، قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١.
هذا المثل يبين حالة المشرك بالله الذي يعبد آلهة شتى ويطيع الشياطين, وحالة المؤمن الذي لا يعبد إلا الله الواحد، فالمشرك كالعبد المملوك لجماعة مختلفين متنازعين سيئة أخلاقهم، وكل واحد منهم يستخدم هذا العبد لمصلحته، وأما الموحد فهو كالعبد المملوك لشخص واحد، فهو مطمئن ومستريح من تشاحن الخلطاء والشركاء عليه؛ لأن الرجل الذي فيه شركاء متشاكسون وأخلاقهم سيئة، كلهم يتلقونه آخذين بطرفه لملكهم له ولأن لكل منهم حقًّا عليه، والموحد يملكه إله واحد، فلا يستوي هذا ومن جعل في عنقه حقوقًا لآلهة متعددة٢.
يقول ابن القيم: "ومنها قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاء﴾ الآية, هذا مثل ضربه الله سبحانه للمشرك والموحد، فالمشرك بمنزلة عبد يملكه جماعة متنازعون مختلفون متشاحنون، والرجل المتشاكس الضيق الخلق, فالمشرك لما كان يعبد آلهة شتى شبه بعبد يملكه جماعة متنافسون في خدمته لا يمكنه أن يبلغ رضاهم أجمعين.
والموحد لما كان يعبد الله وحده فمثله كمثل عبد لرجل واحد قد سلم له وعلم مقاصده وعرف الطريق إلى رضاه، فهو في راحة من تشاحن الخلطاء فيه بل هو سالم لمالكه من غير تنازع فيه, مع رأفة مالكه به ورحمته له وشفقته عليه وإحسانه إليه وتوليه لمصالحه، فهل يستوي هذان العبدان؟ وهذا من أبلغ الأمثال، فإن الخالص لمالك واحد يستحق من معونته وإحسانه والتفاته إليه وقيامه بمصالحه ما لا يستحقه صاحب الشركاء المتشاكسين, الحمد لله بل أكثرهم لا يعملون"٣.
стр. 207
٦- مثل قلب الموحد وقلب المشرك , وهما مثلان
أ- ضرب الله مثلًا لقلب المؤمن الموحد بالبلد الطيب، ومثلًا لقلب المشرك الكافر بالبلد الخبيث فقال تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ ١.
يبين في هذا المثل أن البلد الطيبة تربته، العذبة مشاربه، يخرج نباته إذا أنزل الله الغيث طيبًا ثمره في حينه ووقته، والبلد الذي خبث فتربته رديئة ومشاربه مالحة يخرج نباته بعسر وشدة، فعن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي قالوا: هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، لأن قلب المؤمن لما دخله القرآن آمن به وثبت الإيمان فيه وفاض بالخير، وقلب الكافر لما دخله القرآن لم يتعلق منه بشيء ينفعه ولم يثبت فيه الإيمان ففاض بالنكد والشر والفساد٢.
وقد سمى الله في كتابه المؤمن بالطيب والكافر بالخبيث فقال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ٣، فالخبيث في هذه الآية هم الكفار والطيب هم المؤمنون, كذا قاله السدي٤.
وقد ورد مثل هذا المثل عن رسول الله ﷺ فقد روى البخاري في كتاب
стр. 208
العلم عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأً. فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم, ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدي الله الذي أرسلت به".
وهذا الحديث يبين مثل قلب المؤمن ومثل قلب الكافر بما يوافق المثل القرآني الذي بيناه.
ب- وضرب الله مثلًا آخر للقلب الذي يريد أن يهديه وللقلب الذي يريد أن يضله فقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ١.
يبين تعالى أن من أراد الله هدايته للإيمان به وبرسول الله ﷺ وبما جاء به من عند ربه ويوفقه لذلك، يفسح صدره للإيمان ويهونه ويسهله له بلطفه ومعرفته حتى يستنير الإيمان في قلبه فيضيء له, ويتلقاه صدره بالقبول. ومن أراد إضلاله عن سبيل الهدى يجعل صدره حرجًا بخذلانه وغلبة الكفر عليه, والحرج: أشد الضيق، وهو الذي لا ينفذ إليه شيء من شدة ضيقه، وهو هنا القلب الذي لا يدخله الإيمان وهو في ذلك كالحرجة: وهي الشجرة الملتف بها الأشجار الكثيفة فلا يدخل إليها شيء لشدة التفاف الأشجار بها, وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء﴾ : الصعود هو الطلوع إلى أعلى, فشبه الله تعالى الكافر في نفوره من الإيمان وثقله عليه بمنزلة
стр. 209
من تكلف ما لا يطيقه كما أن صعود السماء لا يطاق، لأن صعود السماء مثل فيما يمتنع على بني آدم ويبعد عن الاستطاعة وتضيق عنه المقدرة.
قال ابن جريج: "حرجًا بلا إله إلا الله فلا يجد لها في صدره مساغًا"١, وقال الطبري: "وهذا مثل من الله تعالى ذكره ضربه لقلب هذا الكافر في شدة تضييقه إياه مثل امتناعه من الصعود إلى السماء وعجزه عنه لأن ذلك ليس في وسعه"٣.
стр. 210
٧- أمثلة وصف حواس الموحد وحواس المشرك
ضرب الله مثل المؤمن الموحد بالحي والسميع والبصير وهو في النور والظل وبمن يمشي سويًّا، وضرب مثل الكافر بالميت والأصم والأبكم والأعمى وهو في الظلمات والحرور وبمن يمشي مكبًّا على وجهه وهو كالأنعام.
وهذه في الحقيقة عدة أمثال, لكن لارتباطها ببعضها وصعوبة تمييزها عن بعضها, ولورودها في القرآن متداخلة، أحببت أن أتكلم عنها مجتمعة، وسأذكر أولًا كل الآيات التي وردت في هذا حسب ترتيب السور:
يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأْ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢، ويقول تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ ٣، ويقول تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ ٤، ويقول تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا
стр. 211
يَفْقَهُونَ بِهَا لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ، ويقول تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ ٣، ويقول تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ ٤، ويقول تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ٥، ويقول تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ, وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ, وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ, وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ٦، ويقول تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ ٧، ويقول تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٨، ويقول تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ, كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ, فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ ٩.
لقد شبه الله المؤمن بالحي وشبه الكافر بالميت من حيث أن الميت جسده خالٍ من الروح، فيظهر منه النتن والصديد والقيح وسائر أنواع العفونات وأصلح أحواله دفنه تحت التراب، والكافر كذلك يظهر منه الجهل بالله
стр. 212
تعالى ومخالفاته لأمره وعدم قبوله لمعجزات الرسل لأنه ميت القلب، وهذا من باب التهكم والازدراء٤.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه روح الرسالة ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة وهو من الأموات, قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ الآية فهذا وصف المؤمن كان ميتًا في ظلمة الجهل فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان وجعل له نورًا يمشي به في الناس، وأما الكافر فميت القلب في الظلمات، وسمى الله رسالته روحًا والروح إذا عدم فقدت الحياة"٥.
وشبه الله الكافر بالأنعام التي لا تفقه ما يقال لها وهمها الأكل والشرب, وهم في شدة نفورهم من الإيمان وفرارهم عن سماع القرآن كالحمر التي رأت الأسد ففرت مسرعة في كل اتجاه، فبين سبحانه أن الكفار أضل من البهائم لأنها تبصر منافعها ومضارها وتتبع مالكها، قال عطاء: "الأنعام تعرف الله والكافر لا يعرفه"٦ ولهذا جعل الأكثرين أضل سبيلًا من الأنعام لأنها تتبع قائدها وتهتدي للطريق, وأما الكفار فدعاهم الرسل للطريق والهداية فلم يتبعوهم، بل لم يفرقوا بين ما يضرهم وبين ما ينفعهم، والأنعام تفرق بين ما يضرها من النبات أو الطريق وبين ما ينفعها منه, فتجتنب الأول وتؤثر الثاني, والله تعالى لم يعطِ البهائم قلوبًا تفقه بها ولا ألسنة تنطق بها، وأعطى ذلك للكفار ثم لم ينتفعوا به، فصاروا أضل من البهائم؛ لأنهم لم يهتدوا مع وجود الأدلة.
стр. 213
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "شبههم في إعراضهم ونفورهم عن القرآن بحمر رأت الأسد أو الرماة ففرت منه، وهذا من بديع القياس والتمثيل, فإن القوم في جهلهم بما بعث الله به رسوله كالحمر وهي لا تعقل شيئًا، فإذا سمعت صوت الأسد أو الرامي نفرت منه أشد النفور، وهذا غاية الذم لهؤلاء، فإنها لشدة نفورها قد استنفر بعضها بعضًا وحضه على النفور، فإن في الاستفعال من الطلب قدرًا زائدًا على الفعل المجرد، فكأنها تواصت وتوطأت عليه"١.
وكذلك شبه الله تعالى المؤمن الموحد بالسميع والبصير، وشبه الكافر بالأصم والأبكم والأعمى وذلك لتعطيل حواسه وعدم الاستفادة منها.
فعن ابن عباس ومجاهد: أن الأعمى الأصم الأبكم هو الكافر, وأن السميع البصير هو المؤمن لعدم إبصار الكافر للحق والهدى واستماعه له، وإبصار المؤمن ذلك واستماعه له، قال قتادة: "هذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن فأما الكافر فصم عن الحق فلا يسمعه وعمي عنه فلا يبصره, وأما المؤمن فسمع الحق وانتفع به وأبصره"٢.
قال ابن القيم ﵀: "وجعل أحد الفريقين كالأعمى والأصم من حيث كان قلبه أعمى عن رؤية الحق أصم عن سماعه فشبهه بمن بصره أعمى عن رؤية الأشياء وسمعه أصم عن سماع الأصوات, والفريق الآخر بصير القلب سميعه كبصير العين وسميع الأذن, فتضمنت الآية قياسين وتمثيلين للفريقين ثم نفى التسوية عن الفريقين بقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ ٣.
стр. 214
وشبه الله المؤمن بمن يمشي سويًّا معتدلًا على طريق مضاء مستقيم، وشبه الكافر بمن يمشي مكبًّا على وجهه وفي ظلمات كثيفة، وقد ورد عن ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي أن هذا مثل للمؤمن والكافر فهو في الضلالة والظلام متحير لا يجد مخرجًا١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وضرب الله مثل المؤمن بالحي والبصير والسميع, والنور والظل, وضرب مثل الكافر بالميت والأعمى والأصم والظلمة والحرور"٢.
стр. 215
٨- مثلان لبيان فساد أعمال المشركين
ضرب الله مثلين لأعمال المشركين ومثلًا لما ينفقونه من الأموال في وجوه البر.
أ- أما مثلا الأعمال فقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ, أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ١.