يَفْقَهُونَ بِهَا لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ، ويقول تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ ٣، ويقول تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ ٤، ويقول تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ٥، ويقول تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ, وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ, وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ, وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ٦، ويقول تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ ٧، ويقول تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٨، ويقول تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ, كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ, فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ ٩.
لقد شبه الله المؤمن بالحي وشبه الكافر بالميت من حيث أن الميت جسده خالٍ من الروح، فيظهر منه النتن والصديد والقيح وسائر أنواع العفونات وأصلح أحواله دفنه تحت التراب، والكافر كذلك يظهر منه الجهل بالله
стр. 212
تعالى ومخالفاته لأمره وعدم قبوله لمعجزات الرسل لأنه ميت القلب، وهذا من باب التهكم والازدراء٤.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه روح الرسالة ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة وهو من الأموات, قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ الآية فهذا وصف المؤمن كان ميتًا في ظلمة الجهل فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان وجعل له نورًا يمشي به في الناس، وأما الكافر فميت القلب في الظلمات، وسمى الله رسالته روحًا والروح إذا عدم فقدت الحياة"٥.
وشبه الله الكافر بالأنعام التي لا تفقه ما يقال لها وهمها الأكل والشرب, وهم في شدة نفورهم من الإيمان وفرارهم عن سماع القرآن كالحمر التي رأت الأسد ففرت مسرعة في كل اتجاه، فبين سبحانه أن الكفار أضل من البهائم لأنها تبصر منافعها ومضارها وتتبع مالكها، قال عطاء: "الأنعام تعرف الله والكافر لا يعرفه"٦ ولهذا جعل الأكثرين أضل سبيلًا من الأنعام لأنها تتبع قائدها وتهتدي للطريق, وأما الكفار فدعاهم الرسل للطريق والهداية فلم يتبعوهم، بل لم يفرقوا بين ما يضرهم وبين ما ينفعهم، والأنعام تفرق بين ما يضرها من النبات أو الطريق وبين ما ينفعها منه, فتجتنب الأول وتؤثر الثاني, والله تعالى لم يعطِ البهائم قلوبًا تفقه بها ولا ألسنة تنطق بها، وأعطى ذلك للكفار ثم لم ينتفعوا به، فصاروا أضل من البهائم؛ لأنهم لم يهتدوا مع وجود الأدلة.
стр. 213
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "شبههم في إعراضهم ونفورهم عن القرآن بحمر رأت الأسد أو الرماة ففرت منه، وهذا من بديع القياس والتمثيل, فإن القوم في جهلهم بما بعث الله به رسوله كالحمر وهي لا تعقل شيئًا، فإذا سمعت صوت الأسد أو الرامي نفرت منه أشد النفور، وهذا غاية الذم لهؤلاء، فإنها لشدة نفورها قد استنفر بعضها بعضًا وحضه على النفور، فإن في الاستفعال من الطلب قدرًا زائدًا على الفعل المجرد، فكأنها تواصت وتوطأت عليه"١.
وكذلك شبه الله تعالى المؤمن الموحد بالسميع والبصير، وشبه الكافر بالأصم والأبكم والأعمى وذلك لتعطيل حواسه وعدم الاستفادة منها.
فعن ابن عباس ومجاهد: أن الأعمى الأصم الأبكم هو الكافر, وأن السميع البصير هو المؤمن لعدم إبصار الكافر للحق والهدى واستماعه له، وإبصار المؤمن ذلك واستماعه له، قال قتادة: "هذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن فأما الكافر فصم عن الحق فلا يسمعه وعمي عنه فلا يبصره, وأما المؤمن فسمع الحق وانتفع به وأبصره"٢.
قال ابن القيم ﵀: "وجعل أحد الفريقين كالأعمى والأصم من حيث كان قلبه أعمى عن رؤية الحق أصم عن سماعه فشبهه بمن بصره أعمى عن رؤية الأشياء وسمعه أصم عن سماع الأصوات, والفريق الآخر بصير القلب سميعه كبصير العين وسميع الأذن, فتضمنت الآية قياسين وتمثيلين للفريقين ثم نفى التسوية عن الفريقين بقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ ٣.
стр. 214
وشبه الله المؤمن بمن يمشي سويًّا معتدلًا على طريق مضاء مستقيم، وشبه الكافر بمن يمشي مكبًّا على وجهه وفي ظلمات كثيفة، وقد ورد عن ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي أن هذا مثل للمؤمن والكافر فهو في الضلالة والظلام متحير لا يجد مخرجًا١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وضرب الله مثل المؤمن بالحي والبصير والسميع, والنور والظل, وضرب مثل الكافر بالميت والأعمى والأصم والظلمة والحرور"٢.
стр. 215
٨- مثلان لبيان فساد أعمال المشركين
ضرب الله مثلين لأعمال المشركين ومثلًا لما ينفقونه من الأموال في وجوه البر.
أ- أما مثلا الأعمال فقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ, أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ١.
стр. 216
يبين الله أن مثل أعمال الذين كفروا مثل سراب بأرض منبسطة يرى وسط النهار وحين اشتداد الحر، فيظنه العطشان ماء، فإذا أتاه ملتمسًا الشرب لإزالة عطشه لم يجد السراب شيئًا، فكذلك الكافرون في غرور من أعمالهم التي عملوها وهم يحسبون أنها تنجيهم عند الله من الهلاك كما حسب العطشان السراب ماء، فإذا صار الكافر إلى الله واحتاج لعمله لم ينفعه وجازاه الله به الجزاء الذي يستحقه.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّي﴾ الآية مثلٌ آخر لأعمال الكفار، إلا أن المثل الأول في انخداع الكافر بعمله في الدنيا وغروره به، وهذا المثل لأعمال الكفار في أنها عملت على خطأ وفساد وضلال وحيرة وعلى غير هدى, فهي في ذلك كمثل ظلمات في بحر عميق جدًّا كثير الماء، وفوق هذا البحر العميق موج عال مخيف, وفوق هذا الموج موج آخر, وفوقهما سحاب متراكم, فاجتمعت عدة ظلمات, وهكذا عمل الكافر ظلمات في ظلمات.
قال ابن عباس وابن زيد في مثل السراب: "هذا مثل ضربه الله لأعمال الذين كفروا"١، وقال أبيّ بن كعب وقتادة في مثل الظلمات: "هذا مثل آخر ضربه الله للكافر يعمل في ضلال وحيرة"٢، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومثّل الله أعمال الكافرين بالظلمة"٣.
لكن ابن كثير عد المثلين للكفار الدعاة وغير الدعاة، حيث جعل مثل السراب لعمل الكافر الداعية لمذهبه وكفره, فيحسب أنه على شيء من الأعمال والاعتقادات وهو في الواقع ليس على شيء٤.
стр. 217
وقال القرطبي: "ضرب الله مثلًا آخر للكفار أي أعمالهم كسراب بقيعة أو كظلمات. قال الزجاج: إن شئت مثل بالسراب وإن شئت مثل بالظلمات١"، وبهذا نرى القرطبي والزجاج يجعلان المثلين مترادفين.
وقد ذكر ابن القيم في أعلام الموقعين كلامًا جيدًا حول هذين المثلين رأيت نقله لفائدته حيث يقول: "ذكر سبحانه للكافرين مثلين: مثلًا بالسراب ومثلًا بالظلمات المتراكمة؛ وذلك لأن المعرضين عن الهدى والحق نوعان: أحدهما من يظن أنه على شيء فيتبين له عند انكشاف الحقائق خلاف ما كان يظنه، وهذه حالة أهل الجهل وأهل البدع والأهواء الذين يظنون أنهم على هدى وعلم, فإذا انكشفت الحقائق تبين لهم أنهم لم يكونوا على شيء, وأن عقائدهم وأعمالهم التي ترتبت عليها كانت كسراب بقيعة يرى في عين الناظر ماء ولا حقيقة له، وهكذا الأعمال التي لغير الله وعلى غير أمره يحسبها العامل ماء ولا حقيقة له، وهكذا الأعمال التي لغير الله وعلى غير أمره يحسبها العامل نافعة له وليست كذلك، وتأمل جعل الله سبحانه السراب بالقيعة -وهي الأرض القفر الخالية من البناء والشجر والنبات والعالم- فمحل السراب أرض قفر لا شيء بها، والسراب لا حقيقة له, وذلك مطابقة لأعمالهم وقلوبهم التي أقفرت من الإيمان والهدى، وتأمل ما تحت قوله: "يحسبه الظمآن" والظمآن الذي قد اشتد عطشه فرأى السراب فظنه ماء فتبعه فلم يجد شيئًا بل خانه أحوج ما كان إليه، فكذلك هؤلاء لما كانت أعمالهم على غير طاعة الرسول، ولغير الله, جعلت كالسراب فرفعت لهم أظمأ ما كانوا وأحوج ما كانوا إليها فلم يجدوا شيئًا ووجدوا الله سبحانه ثَمَّ فجازاهم بأعمالهم ووفّاهم حسابهم ...
النوع الثاني: أصحاب مثل "الظلمات المتراكمة"، وهم الذين عرفوا الحق والهدى وآثروا عليه ظلمات الباطل والضلال، فتراكمت عليهم ظلمة الطبع وظلمة الجهل حيث لم يعملوا فصاروا جاهلين، وظلمة اتباع الغي والهوى، فحالهم كحال من كان في بحر لجيّ لا ساحل له وقد غشيه موج ومن فوق ذلك الموج موجٌ ومن
стр. 218
فوقه سحاب مظلم، فهو في ظلمة البحر وظلمة الموج وظلمة السحاب، وهذا نظير ما هو فيه من الظلمات التي لم يخرجه الله منها إلى نور الإيمان"١ انتهى باختصار.
ب- وضرب الله مثلًا لبطلان أعمال الكفار وحبوطها بالرماد الذين عصفت به الريح الشديدة فلم تبق منه شيئًا فقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ ٢.
هذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكفار التي كانوا يعملونها في الدنيا من المكارم وصلة الأرحام وعتق الرقاب وفداء الأسرى وعقر الإبل وإغاثة الملهوف والإجارة وغيرها من أعمال البر يزعمون أنهم يريدون بها وجه الله، فمثلها كمثل رماد هبت عليه ريح عاصفة فنسفته وذهبت به، فلا يجد الكافرون من أعمالهم الخيرة شيئًا ينفعهم عند الله يوم القيامة، لأنهم كانوا يشركون فيها معه الآلهة والأوثان، فهي على غير الهدى, بل هي على جور وضلال٣.
والمثل هنا إنما هو للأعمال، ولكن الله تعالى قال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ﴾ حيث قدم الاسم على الخبر؛ لأن العرب تقدم الأسماء لأنها أعرف ثم تأتي بالخبر الذي تخبر عنه مع صاحبه، والمعنى: مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد٤.
قال ابن كثير: "هذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكفار الذين عبدوا معه
стр. 219
غيره وكذبوا رسله وبنوا أعمالهم على غير أساس صحيح فانهارت وعدموها أحوج ما كانوا إليها"١.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: "فشبه تعالى أعمال الكفار في بطلانها وعدم الانتفاع بها برماد مرت عليه ريح شديدة في يوم عاصف، فشبه سبحانه أعمالهم -في حبوطها وذهابها باطلًا كالهباء المنثور لكونها على غير أساس من الإيمان والإحسان وكونها لغير الله وعلى غير أمره- برماد طيرته الريح العاصف فلا يقدر صاحبه على شيء منه وقت شدة حاجته إليه، فلذلك قال: ﴿لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْء﴾ لا يقدرون يوم القيامة مما كسبوا من أعمالهم على شيء، فلا يرون له أثرًا من ثواب ولا فائدة نافعة، فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه موافقًا لشرعه.. وفي تشبيهه بالرماد سر بديع، وذلك للتشابه الذي بين أعمالهم وبين الرماد في إحراق النار وإذهابها لأصل هذا وهذا، فكانت الأعمال التي لغير الله وعلى غير مراده طعمة للنار وبها تسعر النار على أصحابها، وينشئ الله سبحانه لهم من أعمالهم الباطلة نارًا وعذابًا كما ينشئ لأهل الأعمال الموافقة لأمره ونهيه -التي هي خالصة لوجهه من أعمالهم- نعيمًا وروحًا، فأثرت النار في أعمال أولئك حتى جعلتها رمادًا, فهم وأعمالهم وما يعبدون من دون الله وقود النار"٢.
ج- وضرب الله مثلًا لنفقة الكفار وعدم قبولها بالزرع الذي أصابته ريح شديدة تحمل نارًا ملتهبة فلم تُبق منه شيئًا، قال تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ٣.
стр. 220
شبه ما ينفق الكافر ويتصدق به على وجه القربة إلى الله وهو لوحدانيته جاحد ولرسوله مكذب, وأن ذلك غير نافعه, وأنه مضمحل عند حاجته إليه, ذاهب بعدما كان يرجو نفعه، كشبه ريح فيها برد شديد وتحمل النار فأصابت زرع قوم أمَّلُوا إدراكه ورجَوْا ريعه لكنهم كفرة، فأهلكت الريح التي فيها الصر الزرع ولم ينتفع بشيء منه، وكذلك يفعل الله بنفقة الكافر وصدقته ويبطل ثوابها، والمراد بالمثل صنيع الله بالنفقة.
قال الطبري: "فتأويل الكلام مثل إبطال أجر ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر، وإنما جاز ترك ذكر إبطال الله أجر ذلك لدلالة آخر الكلام عليه وهو قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ ولمعرفة السامع ذلك معناه"١.
وقد اعتبر الراغب أن هذا المثل مضروب لأعمال الكفار كلها ليس للنفقة فحسب، وإنما خص النفقة بالذكر لكونها أظهر وأكثر٢.
قال ابن القيم ﵀: "هذا مثل ضربه الله تعالى لمن أنفق في غير طاعته ومرضاته، فشبه سبحانه ما ينفقه هؤلاء من أموالهم في المكارم والمفاخر وكسب الثناء وحسن الذكر ولا يبتغون به وجه الله، وما ينفقونه ليصدوا به عن سبيل الله واتباع رسله بالزرع الذي زرعه صاحبه يرجو نفعه وخيره فأصابته ريح شديدة البرد جدًّا يحرق بردها ما يمر عليه من الزرع والثمار فأهلكت ذلك الزرع وأيبسته"٣ أ. هـ.
стр. 221
الفصل الثالث: تقرير القرآن للتوحيد بالقصص القرآني
تمهيد
لقد أكثر الله في كتابه الكريم من القصص التي تتحدث عن الأنبياء وما جرى بينهم وبين أقوامهم، وقصص أخرى تتحدث عن غير الأنبياء, وكلها فيها عبر ودلائل على وحدانية الله، وأن الله يؤيد عباده الموحدين ويدمر المشركين به.
والقصص القرآني له أهداف كثيرة من الصعب حصرها إلا أني أذكر منها على سبيل المثال:
١- إثبات الوحي والرسالة.
٢- إثبات وحدة الدين من لدن آدم إلى محمد ﷺ .
٣- تثبيت فؤاد الرسول ﷺ .
٤- إثبات البعث.
٥- إثبات وحدانية الله تعالى.
٦- العظة والاعتبار بمصير المكذبين.
٧- عاقبة الصبر والجزع والشكر والبطر وغيرها.
ونلاحظ أن كثيرًا من القصص وردت أكثر من مرة، وقد استغل أعداء الله الذين تأثروا بالزنادقة قديمًا وبالملحدين والمستشرقين حديثًا -استغلوا هذا التكرار للطعن في قصص القرآن ليتوصلوا إلى أن القرآن من عند محمد ﷺ وليس هو من وحي الله.
стр. 222
وهذا الطعن قد يكون منشؤه قياسهم قصص القرآن بالقصص الأدبية التي يؤلفها البشر، ولكنهم لو نظروا إلى العظات والعبر التي في القصة الواحدة والتي تختلف من موضع لآخر، وأنه قد يذكر في موضع غير ما ذكر في المواضع الأخرى من نفس القصة، لعرفوا السر في هذا التكرار وأن فيه فوائد ولما كان مطعنًا في رأيهم.
وقد أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن هذا المطعن بما فيه الكفاية والإقناع لمن أراد الحق وتجرد عن الهوى؛ حيث يقول في كلامه عن قصة موسى: "وقد ذكر الله هذه القصة في عدة مواضع من القرآن يبين في كل موضع منها من الاعتبار والاستدلال نوعًا غير النوع الآخر كما يسمي الله رسوله وكتابه بأسماء متعددة كل اسم منها يدل على معنى لم يدل عليه الاسم الآخر، وليس في هذا تكرار بل فيه تنويع الآيات ... وليس في القرآن تكرار أصلًا، وأما ما ذكره بعض الناس من أنه كرر القصص مع إمكان الاكتفاء بالواحدة, وكان الحكمة فيه أن وفود العرب كانت ترد على رسول ﷺ فيقرؤهم المسلمون شيئًا من القرآن فيكون ذلك كافيًا، وكان يبعث إلى القبائل المتفرقة بالسور المختلفة, فلو لم تكن الآيات والقصص متناثرة متكررة لوقعت قصة موسى إلى قوم وقصة عيسى إلى قوم وقصة نوح إلى قوم، فأراد الله أن يشهر هذه القصص في أطراف الأرض، وأن يلقيها إلى كل سمع، فهذا كلام من لم يقدر القرآن قدره"١ انتهى باختصار.
وإنني في هذا الفصل لن أتكلم عن قصص القرآن من جهة السرد التاريخي لما جرى لكل رسول مع قومه، كما أنني لن أتكلم عن كل أهداف القصص القرآني، لأن ذلك يطول بي البحث حيث أن قصة واحدة من قصص الرسل، وهدفًا واحدًا من أهداف القصص القرآني كفيل بأن يستغرق مئات الصفحات وليس
стр. 223
هذا هو موضوع الفصل، ولكني أقتصر على الإشارة بما يحصل به المقصود من عنوان الفصل, وكيف ورد تقرير التوحيد على لسان الرسل وإبطال الشرك, وما آل إليه أمر من كذبهم؛ لأن التوحيد هو رأس الأمر بل هو الغاية العظمى من هذه القصص.
وقد اقتصرت في هذا الفصل على ذكر اثنتي عشرة قصة من قصص القرآن وفي مقدمتها قصص أولي العزم من الرسل وتركت بقية القصص اكتفاءً بما ذكر وخوف إطالة الموضوع. وقد جاءت هذه القصص على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: قصص أربعة من أولي العزم من الرسل.
القسم الثاني: قصص رسل من غير أولى العزم.
القسم الثالث: قصتان لغير الرسل من الموحدين.
وفيما يلي التفصيل.
стр. 224
القسم الأول: قصص أربعة من أولي العزم من الرسل
١- قصة نوح ﵇ مع قومه ١:
أرسل الله نوحًا ﵇ إلى أهل الأرض بعدما عم الشرك وعبادة الأصنام التي كانت في الأصل صورًا للموتى والصالحين، فأخذ يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وترك عبادة الأصنام، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٢.
وقد نبه نوح ﵇ قومه إلى الآيات الكونية والنعم الإلهية داعيًا إياهم عن طريق التفكير في السماوات والأرض والأنهار والشمس والقمر وما في ذلك من النعم، وعن طريق التفكير في خلقهم أنفسهم، ودلالة ذلك على وحدانية الله تعالى فقال: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً, يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً, وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً, مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً, وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً, أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً, وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً, وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتاً, ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً, وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطاً, لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾ ٣.
стр. 225
وقد كرر نوح ﵇ دعوته لقومه إلى التوحيد ونبذ الشرك في أحوال مختلفة، فدعاهم بالليل والنهار، ودعاهم بالسر والعلن، ودعاهم أفرادًا وجماعات ولم يزدهم كل ذلك إلا عنادًا لدعوى التوحيد وثباتًا على الشرك وتواصيا به: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ ١.
ثم يتحداهم نوح هم وأصنامهم لأنه يعلم عجزها وأنها لا تملك أن تدفع عن نفسها شيئًا، بينهما هو متوكل على الله القوي العزيز فيقول لهم بثبات الموحد لله: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ﴾ ٢.
ويبقى نوح ﵇ ثابتًا على دعوة التوحيد صابرًا على أذى قومه له إلى أن أمره الله تعالى بصنع السفينة، ويمر عليه قومه المشركون وهو يصنعها فيسخرون منه فيها، غير القلة المؤمنة الموحدين لله، ولم يدخل معه في السفينة ابنه وزوجته لأنهما بقيا على شركهما، وفي هذا بيان واضح أن صلات القرابة من بنوة وأبوة وزوجية وغيرها لا تنفع المشرك عند الله إن لم ينقذ نفسه بكلمة التوحيد.
ويأمر الله نوحًا ﵇ أن يعلن التوحيد داخل السفينة لأنها سفينة الموحدين الناجين بتوحيدهم لله وهم يومئذ قليل، والمشركون وهم كثير لم تنفعهم كثرتهم عند حلول الغرق والعذاب: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ ٣.
стр. 226
وهكذا يتم إغراق المشركين وأصنامهم وتطهير الأرض من رجسهم، فلتكن قصة نوح مع قومه وإنجاء الله الموحدين القلة وإغراق الكثرة المشركة عبرة لكم يا كفار قريش ومن دان بدينكم.
يقول الطبري: "إن فيما فعلنا بقوم نوح من أهلاكنا لهم إذ كذبوا رسلنا وجحدوا وحدانيتنا وعبدوا الآلهة والأصنام لعبرًا لقومك من مشركي قريش وعظات وحججًا لنا يستدلون بها على سنتنا في أمثالهم فينزجروا عن كفرهم ويرتدوا عن تكذيبك حذرًا أن يصيبهم مثل الذي أصابهم من العذاب وكنا مختبريهم بتذكيرنا إياهم بآياتنا لننظر ما هم عاملون قبل نزول عقوبتنا بهم"١.
стр. 227
٢- قصة إبراهيم ﵇ مع قومه ١
أرسل الله إبراهيم ﵇ إلى أهل بابل بالعراق وكانوا صائبة يعبدون الكواكب، فبين لهم إبراهيم أن هذه الكواكب لا تصلح للإلهية وأن لها خالقًا ومدبرًا دبر طلوعها وأفولها ومسيرها وسائر أحوالها فقال: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ, إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢.
وبين لهم إبراهيم ﵇ كذلك أن هذه الأصنام التي يقيمونها في معابدهم ليست آلهة, مستدلًا بعجزها عن نفع عابديها لأن الإله لا يكون عاجزًا عن جلب الخير ودفع الشر: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ, أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ, قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ٣.
وقد عرفهم إبراهيم ﵇ بالإله الحق الذي يستحق العبادة ويملك الضر والنفع معلنًا عداوته لأصنامهم وبراءته التامة منهم ومن أصنامهم: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ, أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ, فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ, الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ, وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ, وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ, وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ, وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ ٤.
стр. 228
ولكن قومه لم يزيدوا مع هذا البيان إلا عنادًا وتكبرًا وتمسكًا بأصنامهم، وأحضره الملك النمرود حاكم بابل وجادله زاعمًا أنه إلهه١، ولكن إبراهيم ﵇ غلبه بالحجة الواضحة: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٢، هكذا بهت الذي كفر لأن الإله الحق لا بد أن يكون متصرفًا في ملكه كما يشاء والكون بما فيه سائر وفق إرادته.
وأراد إبراهيم ﵇ إقامة الحجة على قومه كلهم، فبينما هم مجتمعون في عيدهم بعيدًا عن بيت الأصنام ذهب إبراهيم يحمل الفأس فكسر الأصنام وأبقى الصنم الكبير، وهذا فيه وجهان للدلالة على ضعف هذه الآلهة:
أولهما: أن هذه الأصنام إن كانت آلهة فلمَ لم تدافع عن نفسها عند تكسيرها؟ والإله الحق حي لا يموت وهذه قد اندثرت وصارت حطامًا.
ثانيها: أنها إذ لم تدافع عن نفسها فلماذا لا تجيبكم عمن كسرها؟ فإن أجابتكم عمن كسرها فهي بحاجة إلى الحماية؛ ولذا فهي ليست آلهة لأن الإله الحق غني عن حماية غيره له.
وإن لم تجبكم -وهذا هو الواقع- فهي صماء بكماء جماد لا حياة فيها فليست بآلهة، يوضح هذا قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ, قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ, قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ, قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ, قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ, قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ, فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ, ثُمَّ
стр. 229
نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ, قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ, أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ١.
وهكذا بهت قوم إبراهيم لإقامة الحجة عليهم كما بهت ملكهم من قبل، لقد بهتوا لصناعة الحجة بحيث نكسوا على رءوسهم خجلًا لعلمهم أن أصنامهم لا تنطق وأولى بهم أن يؤمنوا بالله الواحد، والاستكبار عن الحق جعلهم لا يرضخون ولا يستجيبون لدعوة التوحيد، بل زادوا في طغيانهم فأوقدوا نارًا عظيمة ليحرقوا بها داعية التوحيد إبراهيم ﵇، ولكنه لم يخف من النار كما لم يخف أصنامهم من قبل، ولعلمه أن التصرف المطلق في هذا الكون وعبودية كل شيء فيه هي لله الواحد القهار، والنار مخلوقة من مخلوقات الله وهي في ملكه وتحت تصرفه ومشيئته ولا تحرق أحدًا إلا بأمر الله: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ, قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ, وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمْ الأَخْسَرِينَ﴾ ٢.
وهكذا نجى الله رسوله من كيد المشركين، فلتعلموا يا أيها المشركون أن الله مع أوليائه الموحدين، وأن محمدًا ﷺ على دين أبيه وأبيكم إبراهيم حنيفًا مسلمًا ولم يك من المشركين، وكما نجى الله إبراهيم فهو ينجي محمدًا منكم ومن كيدكم, وأولى بكم إن كنتم تزعمون أنكم من نسل إبراهيم أن تكونوا على دينه وملته الحنيفية السمحاء وتنبذوا ما أنتم عليه من الشرك بالله واتخاذ الأنداد والأوثان.
стр. 230
٣- قصة موسى ﵇ ١
وهي قسمان: أ- قصته مع فرعون. ب- قصته مع قومه.
أ- قصة موسى مع فرعون:
أرسل الله موسى ﵇ إلى فرعون وقومه فدعاهم إلى توحيد الله وقد أنكر فرعون هذه الدعوة قائلًا في بداية الأمر: وما رب العالمين؟ فأجابه موسى بأنه الرب الخالق لكل ما في الوجود, قال تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ, قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ, قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ, قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ, قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمْ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ, قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ, قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ ٢.
ويستدل لهم موسى على وحدانية الله بالنعم التي يشاهدونها من أرض ممهدة وطرق مذللة وماء ونبات وأن الله وحده خالق ذلك كله, فحق عليهم عبادته: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى, قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى, قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى, قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى, الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى, كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى﴾ ٣.
стр. 231
وكل هذا التعريف بالإله الحق لا يزيد فرعون وملأه إلا استكبارًا في الأرض فاتهموا موسى بالسحر والجنون, وجمع له السحرة فغلبهم فآمنوا، فقتلهم فرعون فأمسوا شهداء في سبيل عقيدة التوحيد قائلين لفرعون: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ١.
وكان من تمادي فرعون وطغيانه وتكبره على دعوة التوحيد أن قال لهامان وزيره ما حكاه الله تعالى عنه: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِين، وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ﴾ ٢.
وقد أرسل الله على آل فرعون آيات شاهدات بوحدانية الله ومؤيدات لرسوله موسى ﵇ وهي الطوفان والجراد القمل والضفادع والدم, وعند نزول كل بلاء بهم كانوا يطلبون من موسى أن يدعو ربه لكشف ذلك عنهم حتى يؤمنوا ولم يذهبوا لفرعون لكشف ذلك لعلمهم أنه عاجز عن ذلك: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ٣. لكنهم بعد كشف العذاب عنهم في كل مرة يرجعون لكفرهم بالله مع تيقنهم أن موسى على الحق وأن هذه الآيات شاهدة بصدقه, كما قال تعالى عنهم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ ٤، وقال تعالى عن قول موسى لفرعون: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ ٥.
стр. 232
والآن لم يبق أمام فرعون إلا التخلص من داعية التوحيد موسى ﵇ وأقرب طريق لذلك قتل موسى، فسمع بذلك رجل مؤمن من آل فرعون فدافع عن موسى ودعوته مبينًا لهم سوء أمرهم وتدبيرهم وحذرهم من بأس الله أن يحل بهم وذكرهم بمصير من قبلهم، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ, يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ, وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ, مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ, وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ, يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ١.
ولكن قوم فرعون ضاقوا ذرعًا بدعوة هذا الرجل الذي تلطف معهم غاية التلطف وهموا به ليقتلوه مع موسى فنجاه الله منهم: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ ٢.
ولما بلغ التجبر عند فرعون وقومه نهايته, أمر الله تعالى موسى ﵇ أن يخرج بقومه ليلًا، ولما علم فرعون بتحركهم تبعهم بجيشه الكثيف ومشى بنو إسرائيل إلى البحر فجعله الله لهم طريقًا يبسًا لتوحيدهم له، ومشى فيه فرعون وجنوده فأغرقوا بكفرهم، ويؤمن فرعون في تلك اللحظة ويرجع إلى التوحيد الذي رفضه من قبل ولكن الله لم يقبل منه ذلك لفوات الأوان، قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ, أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ
стр. 233
الْمُفْسِدِينَ, فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ ١.
وهكذا يكون إنجاء الله للموحدين المستضعفين وإهلاكه لأعداء التوحيد من المشركين, فلتحذروا أيها الملأ من قريش أن يصيبكم ما أصاب هؤلاء من الدمار والعذاب بمعارضتكم لرسول التوحيد محمد ﷺ .
ب- قصة موسى مع قومه
قصة موسى مع قومة فيها إشارات كثيرة إلى الوحدانية نذكر منها ما يلي:
لقد نجى الله موسى وقومه وكان البحر لهم طريقًا يبسًا بتوحيدهم، وكان لقوم فرعون مقبرة بكفرهم، ولكن بني إسرائيل ما لبثوا أن خانوا عقيدة التوحيد فور خروجهم من البحر حيث مروا على قوم يعبدون الأصنام فطلبوا من موسى أن يجعل لهم إلهًا كما لهؤلاء القوم، ولكن هل يطلب مثل هذا الطلب إلا الجاهلون السفهاء، لقد نسوا أن نجاتهم من طغيان فرعون كانت بالتوحيد، قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ, إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢.
ولكنهم ما لبثوا بعد أن ذهب موسى لتكليم ربه أن جمعوا حُليَّهم فصنع السامري منها عجلًا جسدًا له خوار فعبدوه من دون الله زاعمين أن هذا إلههم وإله موسى. هذه هي طبيعة بني إسرائيل من نقض العهد والميثاق، ولقد خرجوا من مصر باسم التوحيد ومشوا في البحر ناجين من فرعون باسم التوحيد، وبعد ذلك يطلبون من نبيهم صنمًا يعبدونه، فسفه أحلامهم ووصفهم بالجهل وبين لهم حقيقة التوحيد،
стр. 234
ومع كل هذا لما ذهب موسى للميعاد غدروا به وبعقيدة التوحيد, فعبدوا العجل, قال تعالى عنهم: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ, فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ ١.
ولكن يا لها من غفلة وضلالة، وهل يكون إلهًا من لا يضر ولا ينفع؟ هل يكون إلهًا من لا يتكلم ولا يملك الهداية لأحد، قال تعالى: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً, وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي, قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا﴾ ٣.
ولما رجع موسى غضب لدين الله وعقيدة التوحيد، فأخذ العجل وحرقه, ثم رماه في البحر, وعرفهم بالله الواحد الذي يستحق العبادة والشكر على ما أنعم به عليهم من نعمة الهداية ونعمة النجاة من فرعون، قال تعالى عن قول موسى للسامري: ﴿وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً, إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ ٤.
وهكذا فلتعلموا أيها المشركون أن هؤلاء اليهود الذين يزينون لكم الكفر برسالة محمد ﷺ رسالة التوحيد الخالص -هذا هو موقفهم من عقيدة التوحيد وكان أنبياؤهم على قيد الحياة، فكيف وقد انقطع مجيء الرسل من بينهم وغيروا كتاب ربهم، فليس كثيرًا عليهم أن يقولوا لكم ما قاله تعالى عنهم: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ ٥، وليس صعبًا عليهم كذلك أن يطعنوا
стр. 235
بمحمد ﷺ ودعوة التوحيد, وأن يزينوا لكم كفركم وشرككم بالله حسدًا من عند أنفسهم.
وقد هدد الله المشركين بعد سرد قصة بني إسرائيل مع موسى في سورة طه فقال بعد نهاية القصة مباشرة: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً, مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً, خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلاً, يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً﴾ ١.
стр. 236
قصى عيسى بن مريم ﵉
...
٤- قصة عيسى بن مريم عليهما السلام١.
ذكرت قصة عيسى بن مريم ﵉ في القرآن عدة مرات, وكانت السمة البارزة فيها نفي ألوهية عيسى ونفي بنوته لله تعالى وإظهار بشريته وعبوديته لله.
ففي سورة آل عمران بعد ذكره تعالى لنذر امرأة عمران وهي كبيرة في السن وولادتها مريم، ثم ذكره تعالى لقصة كفالة زكريا ﵇ لمريم وما حدث من إكرام الله لها في المحراب ونشأتها النشأة الطيبة برعاية الله تعالى ثم تبشير الملائكة لزكريا بالغلام على كبر سنه وسن زوجته، كل هذه القصص المتلاحقة في سورة آل عمران سيقت لبيان قدرة الله تعالى على كل شيء، وأنه قد يخلق إنسانًا من غير أب ولا أم كما خلق آدم، وقد يخلق إنسانًا من أب وأم كما هو المشاهد في كل بني البشر، وقد يخلق إنسانًا من أبوين كبيرين في السن لا يولد لمثلهما عادة كما حصل لعمران وزوجته وزكريا وزوجته ومن قبلهما إبراهيم وزوجته، وقد يخلق الله إنسانًا من أم بلا أب كما خلق عيسى ﵇، وهذه القصص كلها توطئة للحديث عن عيسى وتقرير بشريته وتناسله من البشر وأن أمه من البشر وهو من البشر كذلك, وهو عبد الله ورسوله وليس بإله ولا ابن الإله.
وبعد سرد هذه القصص كلها يأتي تبشير الملائكة لمريم بعيسى وأنه يكلم الناس في المهد وكهلًا، وأنه وإن كان الغالب من أمر الناس أنهم يتكلمون كهولًا وشيوخًا، إلا أن ذلك حجة واضحة على أن عيسى كان في معاناة أشياء مولودًا ثم كهلًا ثم شيخًا، ومن كان هذا شأنه متقلبًا في هذه الأطوار الجسمانية متغيرًا بمرور
стр. 237
الأزمنة عليه والأيام من صغر إلى كبر فليس بإله؛ لأن الإله منزه عن هذا الوصف١ قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ, وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ٢، وقد نصت الآية على أنه ابن مريم لينتفي الشك في أنه بشر وليس بإله ولا ابن الإله.
وتستغرب مريم أن يكون لها ولد وهي ليست بذات زوج, فيجيبها الملك بأن الله يخلق ما يشاء لأنه على كل شيء قدير: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٣.
وفي كل أمر كان عيسى ﵇ يسند تدبيره إلى الله، فالطير الذي ينفخ فيه عيسى فيصير طيرًا بإذن الله, وإبرائه المرضى بإذن الله، وإحيائه الموتى بإذن الله, فكيف يكون إلهًا من ينفي عن نفسه الألوهية وهو رسول من قبل الإله الحق؟..
وفي سياق القصة في سورة آل عمران تصريح هام من عيسى بعبوديته لله ربه ورب الناس كلهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ٤. ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ ٥.
فلم تكتفِ الآية هنا بنقل نص عيسى على عبوديته لله, بل زادت بيانًا أن تأليه عيسى والتقرب إليه بأي نوع من أنواع العبادة شرك يحرّم على صاحبه دخول الجنة
стр. 238
ومسكنه في النار، وأما الآية الأخرى في السورة فتنفي ألوهية عيسى وتقرر بشريته وبشرية أمه كذلك, بأنهما كانا يأكلان الطعام والإله لا يأكل الطعام؛ لأنه مستغنٍ عنه وكفى بالأكل والشرب وما يتبعه من بول وغائط دليلًا أكيدًا على البشرية ونفي الألوهية عمن يعتريه ذلك, قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ١.
وفي سياق قصة آل عمران إشارة لقدرة الله على خلق عيسى من غير أب، وأنه خلق قبله آدم من غير أب ولا أم، وفيه تأكيد آخر لبشريته ونفي ألوهيته: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ, الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ ٢، ومن قال بعيسى غير هذا القول فهو كاذب يستحق لعنة الله لأنه ما من إله إلا الله والله عزيز حكيم قادر على الانتقام ممن يؤله عيسى ويدعى نبوته لله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٣.
وأما القصة في سورة المائدة فتبدأ بتذكير عيسى بنعمة الله عليه وعلى والدته، وتكليمه الناس في أطواره المختلفة، وتعليمه التوراة والإنجيل والمعجزات الأخرى الحاصلة بإذن الله وحمايته من كيد بني إسرائيل، هذه النعم كلها تكون من منعم وهو الله ومنعَم عليه وهو عيسى, ويجب على المنعم عليه شكر المنعم وعبادته, ومن كان منعَمًا عليه فليس بإله، ومن احتاج لحماية غيره له فليس بإله، إذ الإله مستغنٍ عن غيره, فحماية الله لعيسى تبين أنه ليس بإله وأنه بشر، وفي القصة كذلك شهادة الحواريين بعيسى -وقولهم حق يؤخذ به لإيمانهم بالله وقربهم لعيسى فقولهم له: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ ٤، فيه
стр. 239
إشارة كذلك لبشرية عيسى ونفي ألوهيته من وجهين:
أولهما: قولهم يا عيسى بن مريم فنسبوه لأمه ولم ينسبوه إلى الله.
ثانيهما: قولهم هل يستطيع ربك، ولو كان إلها لقالوا له هل تستطيع، وقولهم ربك فيه دلالة على أنه مربوب وعبد للرب.
ثم قول عيسى في طلبه المائدة من الله: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا﴾ نفي لإلهيته وتأكيد واضح لبشريته وأنه عبد مربوب.
ثم تختم القصة ببيان استجواب الله لعيسى يوم القيامة عن هذا الافتراء الذي افتراه النصارى بادعائهم ألوهية عيسى وأمه، واستعظام عيسى لهذه الكلمة وبيانه أن هذا ليس من حقه، وأنه ما قال إلا ما أمر به من أنه بشر رسول عبد يأمر الناس بعبادة ربهم وربه، وهذا فيه كذلك تصريح من عيسى نفسه بعبوديته لله ونفيه الألوهية عن نفسه وعن أمه وتنزيهه لله عن الشرك والولد: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ، مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ١.
وأما في سورة مريم فتتخذ القصة أسلوبًا آخر لبيان بشرية عيسى ونفي ألوهيته، حيث تبين حمل مريم بعيسى كما تحمل النساء وولادتها كما تلد النساء، وتبدأ القصة بظهور الملك لمريم بشكل بشر ومجادلتها له في هذا الأمر وأنها ليست بذات زوج ولا من البغايا، ثم وصف الموهوب لها بأنه غلام وأنه يكلم الناس وأن ذلك أمر هين على الله، كل هذا تمهيد وتوطئة لإظهار بشرية عيسى وتقريرها حيث إن كل
стр. 240
آية فيها ما يشير لذلك من قريب أو بعيد، فالقصة في سورة آل عمران ذكرت مولد أمه ونشأتها وبشريتها وفي سورة مريم ذكرت مولد عيسى ونشأته وبشريته, قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً, فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً, قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيّاً, قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً, قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً, قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً, فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً, فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَنْسِيّاً, فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ ١.
وولادة مريم وتمنيها الموت ومناداة عيسى لها بالأكل من الشجرة والشرب من النهر والصيام عن الكلام دلالة على أنها من البشر وليس فيها جزء من الألوهية؛ لأن الصفات السابقة صفات نقص يتنزه الإله عنها.
وتبدأ الآيات بعد إظهار بشرية مريم أم عيسى، تبدأ بإظهار بشرية عيسى نفسه حيث تأخذه أمه مولودًا صغيرًا فيستنكر قومها ذلك فتشير إليه فيتكلم فقالوا: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً﴾ ٢، فوصفوه بأنه صبي والصبي سيكبر ويتغير، ثم نطقه بأنه عبد الله آتاه الكتاب وهو نبي، كل هذا تأكيدًا لبشرية عيسى ونفي الألوهية: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً﴾ ٣، ويؤكد هذه العبودية بأن الله جعله مباركًا، والجعل يحصل من جاعل، وإن الله أوصاه بالصلاة والزكاة وهما من العبادات المفترضة على العبيد لله تعالى، والله تعالى قد أوصاه ببر والدته ولم يقل بوالديّ كما قال يحيى قبله، وهذا فيه تأكيد كذلك على
стр. 241
بشريته وأنه ليس والد, بل فقط هي مريم: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً, وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً﴾ ١.
ثم إن لعيسى ثلاثة أيام كما لغيره من البشر, يوم ولد فيه ويوم يموت فيه ويوم القيامة يبعث حيًّا بعد موته، وهو تأكيد آخر لعبوديته لله وأنه بشر يجري عليه ما يجري على سائر البشر؛ لأن من يولد بعد عدمه ومن يموت بعد حياته ومن يبعث بعد موته, ليس بإله، بل هو بشر وصفاته هذه صفات البشر: ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً﴾ ٢.
وتختم القصة بما ختمت به في سورة آل عمران من بيان قدرة الله تعالى على خلق ما يشاء واعتراف عيسى بعبوديته لله, وأن هذا هو الدين الحق يقول تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ, مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ, وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ٣.
وكذلك آيات سورة الزخرف تؤكد بشرية عيسى وتنفي ألوهيته, يقول تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ٤، ويقول عيسى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ٥.
هذه القصص والآيات كلها تؤكد أن عيسى وأمه من البشر ليس فيهما صفات الألوهية وأن القول بغير هذا كذب وافتراء باللسان, كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ
стр. 242
الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ١.
وبالتالي فهذه القصص كلها تقرير لوحدانية الله تعالى ونفي ألوهية أحد غيره ونفي أبوته لأحد وبنوة أحد له، فاعتبروا أيها المشركون، يا من تنسبون إلى الله الولد, ويا من تقولون بأن الملائكة وعزيز والمسيح أبناء الله، وإن لم تنتهوا عما تقولون من الكفر والافتراء على الله بنسبتكم الولد إليه ليصيبن الذين كفروا منكم عذاب أليم, قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ, اللَّهُ الصَّمَدُ, لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ, وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ٢.
стр. 243
القسم الثاني: قصص رسل من غير أولي العزم
١- قصة هود ﵇ مع قومه ١.
أرسل الله هودًا ﵇ إلى قومه عاد وكانوا يسكنون بالأحقاف بين عُمان وحضرموت, وكانوا يعبدون الأصنام ومنها: صداء وصمود والهباء٢، فأخذ هود ﵇ يدعوهم إلى توحيد الله وترك عبادة الأصنام, قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ﴾ ٣.
لقد سمى هود ﵇ مشركي قومه كذابين مفترين؛ لأنه ليس أكذب ممن يعبد الأصنام ويعطيها صفة الألوهية ويخصها بما هو حق خالص لله تعالى.
وقد ذكر هود قومه بنعم الله عليهم ليوصلهم إلى وجوب شكر المنعم بتوحيده, ومن هذه النعم استخلافهم بعد قوم نوح وزيادة أجسامهم في الطول والقوة وإرسال المطر في السماء ونعمة الأنعام وغيرها من النعم, قال تعالى عنه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٤. وقال: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ
стр. 244
مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ ١. وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ, وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ, أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ, وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ ٢.
وكل هذا التذكير بنعم الله عليهم وبقوم نوح من قبلهم الذين دمرهم الله بشركهم وكل التخويف من بأس الله لا يزيدهم إلا استكبارًا وعنادًا للحق حتى قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّة﴾ ٣.
ثم وصفوا هودًا ﵇ بالسفاهة وأن بعض آلهتهم أصابته بسوء وأنهم لن يتحولوا عن دين آبائهم: ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ, إِنْ هَذَا إِلاَّ خُلُقُ الأَوَّلِينَ, وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ٤.
ويبين لهم هود ﵇ أن هذه الأصنام ليست إلا مجرد أسماء ولا حقيقة لمسمياتها وليس لها صفة الألوهية؛ لأنها من اختراع آبائهم فيقول لهم: ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ ٥.
ويزداد قومه عنادًا واستكبارًا عن الحق فيتحداهم هود ﵇ ويتحدى أصنامهم معلنًا براءته منها؛ لأنه متوكل على الله المتفرد بالألوهية: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ, مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ, إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٦.
وهكذا يستمر قوم هود على عنادهم وفرارهم من التوحيد متمسكين بأصنامهم
стр. 245
إلى أن ينزل الله بهم العذاب بالريح العاتية الشديد بردها وصوتها وهبوبها: قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ, تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ, فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ, وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ١.
وهكذا تكون النهاية الأليمة للمشركين أعداء الله ورسله ودعوته وينجي الله المؤمنين المستضعفين على قلتهم؛ بتوحيدهم وتوكلهم على الله، فليكن ذلك عبرة لكم يا كفار قريش، وأنتم لستم بأعز على الله من عاد قوم هود إن تمسكتم بشرككم وتكذيب رسولكم.
стр. 246
٢- قصة صالح ﵇ مع قومه ١
أرسل الله صالحًا ﵇ إلى قومه ثمود وكانوا يسكنون الحجر بين الحجاز والشام, وكانوا مشركين يعبدون الأصنام فأخذ يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونبذ ما يعبدون من دونه، قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٢.
وقد ذكّر صالح قومه بأنعم الله عليهم حيث استخلفهم في الأرض من بعد قوم عاد وبما أنعم الله عليهم من البساتين والعيون والفواكه الطيبة والبيوت التي نحتوها في الصخر وغيرها من النعم التي توجب عليهم شكر المنعم وتوحيده وترك عبادة الأصنام التي ليس لها نعم عليهم: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ٣.
هذه الدعوة إلى توحيد الله تعالى مذكرًا إياهم بمصير الغابرين قبلهم وبنعم الله عليهم لا تزيدهم إلا سخرية بصالح ودعوته ونفورًا من التوحيد: ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ٤.
стр. 247
وكانوا يدعون بحضور العذاب سخرية بصالح والمؤمنين معه فيقول لهم صالح: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ١ فيجيبونه بأنهم قد تشاءموا به وبدعوته وبمن معه من المؤمنين مفسرين كل ما يحل بهم من مكروه ومصائب من قِبَل صالح ودعوته وأصحابه: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَك﴾ ٢.
وقد أيد الله صالحًا بمعجزة كانت ناقة كبيرة لم ير مثلها وكانوا يحلبونها جميعًا ولها يوم تشرب فيه من العين ولهم يوم، لكنهم قتلوا الناقة وحاولوا قتل صالح ﵇ ليتخلصوا من دعوة التوحيد وداعيها.
عندئذ وبعد أن كثر طغيانهم وأبوا دعوة التوحيد وسخروا بها وقتلوا الناقة حق عليهم العذاب فأرسل الله عليهم صيحة من السماء أزهقت أرواحهم جميعًا ونجى الله القلة المؤمنة بتوحيدها لله وتوكلها عليه, قال تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ, فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ, وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ, كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ﴾ ٣.
فليكن في قصة ثمود وما حل بهم من العذاب عندما كذبوا رسولهم عبرة لكم يا كفار قريش، وخاصة أن أرضهم وديارهم تقع على طريق قوافلكم فترون ما حل بالمشركين من قبلكم.
стр. 248
٣- قصة شعيب ﵇ مع قومه ١
أرسل الله شعيبًا ﵇ إلى قومه وكانوا يسكنون المدينة الواقعة على طريق الحجاز قرب معان من جهة الأردن واسمها "مدين", وكانوا قومًا مشركين بالله ويتلاعبون بالكيل والميزان ويقطعون الطريق, فدعاهم شعيب ﵇ إلى عبادة الله وحده ونبذ عبادة الأصنام وترك باقي المنكرات, قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٣.
وذكّرهم شعيب ﵇ بنعمة الله عليهم حيث كانوا قليلين فكثّر نسلهم وذكرهم بتدمير المشركين من قبلهم فقال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٤.
وكل هذا التذكير بالنعم والتخويف من النقم لم يزدهم إلا عنادًا وسخرية بشعيب ودعوته والمؤمنين معه حتى هددوه بالطرد أو الرجم لولا عزة قومه: ﴿قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ ٥.
стр. 249
فيحييهم شعيب ﵇ جواب الواثق بدينه المتوكل على ربه بأنه لن يترك دينه وتوحيده لله إلى الشرك والوثنية, وهذا ما يريده المشركون من الموحدين في كل زمان: إما أن يتبعوهم على كفرهم وشركهم بالله أو يخرجوهم ويطردوهم, وجواب شعيب هو الجواب الحق لكل موحد: ﴿قَدْ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾ ١.
وهذا فيه بيان صريح أن ملة الشرك ملة كاذية باطلة, وفيه إشارة كذلك لمشركي قريش أن محمدًا ﷺ لن يستجيب لطلبهم عبادة أوثانهم سنة على أن يعبدوا إلهه سنة٢.
ويزداد قوم شعيب تهكمًا به وسخرية بدينه: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ ٣.
ويظل شعيب يستعطف قلوبهم للتوحيد دون أن يؤذيهم بكلمة قاسية, وأن لا تكون عداوتهم له سببًا في إصرارهم على الشرك, ويذكرهم بما حل بالأمم المشركة لاستكبارها عن التوحيد: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ, وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ, وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ ٤.
وما زادهم كل هذا التلطف والتودد إلا سخرية ونفورًا من التوحيد, عندها
стр. 250
استحقوا عذاب الله ففتح الله عليهم بابًا من أبواب جهنم, فاشتد الحر فلم ينفعهم ظل ولا ماء, فبعث الله سحابة فيها ريح طيبة فوجدوا برد الريح فتنادوا: الظلة عليكم بها, فلما اجتمعوا تحت السحابة انطبقت عليهم ١.
هذا هو مصير الشرك وأهله؛ ولذلك لم يحزن عليهم, وهل يحزن على قوم جحدوا وحدانية الله وسخروا بنبيه ودعوته والموحدين, قال تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ ٢.
فلتحذروا أيها المشركون أن يحل بكم ما حل بقوم شعيب إن عصيتم محمدًا وكذبتموه، وها أنتم تمرون على منطقة قوم شعيب لأنها في طريق أسفاركم وتجارتكم إلى الشام, إنهم قد دمروا بشركهم ونجى شعيب والمؤمنون بتوحيدهم.