← Акыда

Акыда · id 11282

عقيدة التوحيد في القرآن الكريم

محمد خليل ملكاوي

Полный текст (427 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

٢- قصة صالح ﵇ مع قومه ١ أرسل الله صالحًا ﵇ إلى قومه ثمود وكانوا يسكنون الحجر بين الحجاز والشام, وكانوا مشركين يعبدون الأصنام فأخذ يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونبذ ما يعبدون من دونه، قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٢. وقد ذكّر صالح قومه بأنعم الله عليهم حيث استخلفهم في الأرض من بعد قوم عاد وبما أنعم الله عليهم من البساتين والعيون والفواكه الطيبة والبيوت التي نحتوها في الصخر وغيرها من النعم التي توجب عليهم شكر المنعم وتوحيده وترك عبادة الأصنام التي ليس لها نعم عليهم: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ٣. هذه الدعوة إلى توحيد الله تعالى مذكرًا إياهم بمصير الغابرين قبلهم وبنعم الله عليهم لا تزيدهم إلا سخرية بصالح ودعوته ونفورًا من التوحيد: ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ٤.

стр. 247

وكانوا يدعون بحضور العذاب سخرية بصالح والمؤمنين معه فيقول لهم صالح: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ١ فيجيبونه بأنهم قد تشاءموا به وبدعوته وبمن معه من المؤمنين مفسرين كل ما يحل بهم من مكروه ومصائب من قِبَل صالح ودعوته وأصحابه: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَك﴾ ٢. وقد أيد الله صالحًا بمعجزة كانت ناقة كبيرة لم ير مثلها وكانوا يحلبونها جميعًا ولها يوم تشرب فيه من العين ولهم يوم، لكنهم قتلوا الناقة وحاولوا قتل صالح ﵇ ليتخلصوا من دعوة التوحيد وداعيها. عندئذ وبعد أن كثر طغيانهم وأبوا دعوة التوحيد وسخروا بها وقتلوا الناقة حق عليهم العذاب فأرسل الله عليهم صيحة من السماء أزهقت أرواحهم جميعًا ونجى الله القلة المؤمنة بتوحيدها لله وتوكلها عليه, قال تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ, فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ, وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ, كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ﴾ ٣. فليكن في قصة ثمود وما حل بهم من العذاب عندما كذبوا رسولهم عبرة لكم يا كفار قريش، وخاصة أن أرضهم وديارهم تقع على طريق قوافلكم فترون ما حل بالمشركين من قبلكم.

стр. 248

٣- قصة شعيب ﵇ مع قومه ١ أرسل الله شعيبًا ﵇ إلى قومه وكانوا يسكنون المدينة الواقعة على طريق الحجاز قرب معان من جهة الأردن واسمها "مدين", وكانوا قومًا مشركين بالله ويتلاعبون بالكيل والميزان ويقطعون الطريق, فدعاهم شعيب ﵇ إلى عبادة الله وحده ونبذ عبادة الأصنام وترك باقي المنكرات, قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٣. وذكّرهم شعيب ﵇ بنعمة الله عليهم حيث كانوا قليلين فكثّر نسلهم وذكرهم بتدمير المشركين من قبلهم فقال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٤. وكل هذا التذكير بالنعم والتخويف من النقم لم يزدهم إلا عنادًا وسخرية بشعيب ودعوته والمؤمنين معه حتى هددوه بالطرد أو الرجم لولا عزة قومه: ﴿قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ ٥.

стр. 249

فيحييهم شعيب ﵇ جواب الواثق بدينه المتوكل على ربه بأنه لن يترك دينه وتوحيده لله إلى الشرك والوثنية, وهذا ما يريده المشركون من الموحدين في كل زمان: إما أن يتبعوهم على كفرهم وشركهم بالله أو يخرجوهم ويطردوهم, وجواب شعيب هو الجواب الحق لكل موحد: ﴿قَدْ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾ ١. وهذا فيه بيان صريح أن ملة الشرك ملة كاذية باطلة, وفيه إشارة كذلك لمشركي قريش أن محمدًا ﷺ لن يستجيب لطلبهم عبادة أوثانهم سنة على أن يعبدوا إلهه سنة٢. ويزداد قوم شعيب تهكمًا به وسخرية بدينه: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ ٣. ويظل شعيب يستعطف قلوبهم للتوحيد دون أن يؤذيهم بكلمة قاسية, وأن لا تكون عداوتهم له سببًا في إصرارهم على الشرك, ويذكرهم بما حل بالأمم المشركة لاستكبارها عن التوحيد: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ, وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ, وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ ٤. وما زادهم كل هذا التلطف والتودد إلا سخرية ونفورًا من التوحيد, عندها

стр. 250

استحقوا عذاب الله ففتح الله عليهم بابًا من أبواب جهنم, فاشتد الحر فلم ينفعهم ظل ولا ماء, فبعث الله سحابة فيها ريح طيبة فوجدوا برد الريح فتنادوا: الظلة عليكم بها, فلما اجتمعوا تحت السحابة انطبقت عليهم ١. هذا هو مصير الشرك وأهله؛ ولذلك لم يحزن عليهم, وهل يحزن على قوم جحدوا وحدانية الله وسخروا بنبيه ودعوته والموحدين, قال تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ ٢. فلتحذروا أيها المشركون أن يحل بكم ما حل بقوم شعيب إن عصيتم محمدًا وكذبتموه، وها أنتم تمرون على منطقة قوم شعيب لأنها في طريق أسفاركم وتجارتكم إلى الشام, إنهم قد دمروا بشركهم ونجى شعيب والمؤمنون بتوحيدهم.

стр. 251

٤- قصة يونس ﵇ ١ أرسل الله يونس ﵇ إلى أهل نينوى من أرض الموصل وكانوا يعبدون الأصنام, فدعاهم لتوحيد الله تعالى ونبذ ما يعبدون من دونه, ولكنهم لم يؤمنوا معه فأخبرهم أن العذاب سيحل بهم ولم يبت معهم بتلك الليلة, وفي الصباح تغشاهم العذاب وبدت بوادره حتى أيقنوا بالهلاك كما هلك من قبلهم ممن كذبوا رسلهم فأخذوا أولادهم ونساءهم ودوابهم وأولادها, ثم صعدوا إلى مرتفع من الأرض وفرقوا بين الأمهات وأولادهن وبين البهائم وصغارها وعجوا إلى الله برفع العذاب عنهم, فاستجاب الله دعاءهم وقبل توبتهم ودفع عنهم العذاب, وكانت هذه هي القرية الوحيدة من بين القرى المهلكة التي نفعها إيمانها بعد استحقاقها العذاب ومعاينته ورفع عنها العذاب لإيمانها, قال تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ ٢. ولما رأى يونس ﵇ أن العذاب لم يحل بهم قال: ما جربوا علىّ كذبًا، فذهب حتى ركب البحر فاحتبست السفينة لحدث أحدثوه، وكادت الأمواج تقلبها فاقترعوا فيما بينهم على رمي شخص في البحر فقرع يونس فالتقمه الحوت, ولكن معدته لم تهضمه بأمر الله وقدرته فأخذ ينادي في ظلمات بطن الحوت وأعماق البحر بالتوحيد والاعتراف بظلم نفسه وذهابه في البحر بغير أمر الله له, فأمر الله الحوت أن يلقيه على الشاطئ في العراء, قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ, فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣, وقال تعالى: ﴿وَإَنَّ

стр. 252

يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ, إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ, فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ, فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ, فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ, لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ, فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ, وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ, وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ, فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ ١. وهكذا نجى الله يونس من بطن الحوت ومن أعماق البحار بتوحيده لربه, وأرسله الله إلى قومه وكانوا أكثر من مائة ألف. اعلموا أيها المشركون جميعًا أن الله لم يرفع العذاب عن قوم يونس إلا بلجوئهم إلى الله وحده وبراءتهم مما كانوا يعبدون من دونه, فنفعهم إيمانهم, وكذلك كل من وقع في الكربات لا ينجيه إلا رجوعه إلى الله وتوحيده, ففي قصة قوم يونس دليل واضح على وحدانية الله تعالى الذي أنتم به مشركون, فليكن ذلك عبرة لكم وعظة ودافعًا لكم للدخول في دين الله الواحد لا شريك له.

стр. 253

٥- قصة يوسف ﵇ ١ قصة يوسف ﵇ ذكرت متكاملة في سورة واحدة، والذي يهمنا منها في هذا الفصل هو دعوته إلى التوحيد داخل السجن وتعريفه السجناء بالله الواحد الأحد. بينما يوسف ﵇ في السجن إذ جاءه فتيان سجينان معه يسألانه عن تعبير الرؤى، فطمأنهما أولًا بأنه سيعبر لهما ما رأيا بل يخبرهما بما سيحمل إليهما من طعام, ليزيد اهتمامها بكلامه فيشتاقا لسماعه، وأراد يوسف استغلال الموقف لنشر التوحيد, فبدأ بإسناد ذلك العلم إلى الله وحده, وهذا بداية التنبيه على الوحدانية ونبذ الشرك والأصنام حيث بين لهم أولًا أن هذا العلم الذي حصل عنده هو من تعليم الله إياه: ﴿قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ ٢. ثم زادهما معرفة وترقى في الطعن بأصنامهم, فبين أنه ليس على ملة أهل مصر الذين يعبدون الأصنام, وإنما هو على ملة آبائه وأجداده ملة التوحيد الخالص: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ, وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ﴾ ٣، ثم بين لهما أن الهداية إلى التوحيد ونبذ الأصنام إنما هو من فضل الله، وجدير بمن هداه الله أن يشكره, وأول نتائج شكره إخلاص التوحيد له دون الأنداد والأوثان: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ٤

стр. 254

ثم ترقى أكثر في الدعوة إلا أنه لم يطلب منهما طلبًا صريحًا ترك الشرك وإعلان التوحيد، بل وجه ذلك لهما بشكل سؤال فيه غاية الحب والمودة وهو سؤال يقرع الفطرة: أيهما أفضل عبادة رب واحد أم التوجه لأرباب كثيرة؟ ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ١. ثم وجه يوسف ﵇ ضربته الصريحة لعقيدة الشرك والوثنية السائدة في مصر آنذاك، والتي كان عليهما حاكم مصر والبيت الذي نشأ فيه يوسف والشعب بكامله، فبين أن هذه الآلهة المنتشرة في مصر في المعابد الفرعونية ليست إلا مجرد أسماء لا مسميات تحتها؛ لأنها من اختراع المصريين القدامى وليس لهم حجة على عبادتها, وإن الحكم الحقيقي والتصرف المطلق في الكون كله هو لله الواحد القهار المستحق للعبادة دون ما يعبدون، وهذا الدين الذي صرح به ودعاهما إليه هو الدين القيم الصحيح وإن جهله أكثر الناس، فجهل الناس بالحق لا يقلبه باطلًا، واستمساك الناس بباطلهم لا يقلبه حقًّا, قال تعالى عنه: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ, مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢. فلتعلموا يا كفار مكة إذن أن هذا الدين الذي يدعوكم إليه محمد ﷺ دين التوحيد الخالص وهو دين الأنبياء جيمعًا من يوم أن خلق الله آدم، وأن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل يعلن بكل وضوح أنه على دين آبائه وجده إبراهيم دين الحنيفية السمحة الخالي من الشرك، فأين زعمكم إذن أنكم على دين إبراهيم وأنتم مشركون تعبدون الأصنام، وإبراهيم كان مائلًا عن الشرك.

стр. 255

قصة سليمان عليه مع بلقيس ... ٦- قصة سليمان مع بلقيس١ تفقد سليمان الطير فلم ير الهدهد فغضب لذلك وقرر عقوبته إن لم يكن له عذر في غيابه، وبعد قليل حضر الهدهد غاضبًا؛ لأنه رأى أهل سبأ وملكتهم بلقيس يعبدون الشمس من دون الله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض، فكان إخباره سليمان بهذا الخبر -الذي لم يعلم به من قبل- عذرًا واضحًا لغيابه، يقول تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ, إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ, وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ, أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ, اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ٢. ويهتم سليمان لذا الخبر؛ لأنه يبغض الشرك وأهله ويدعو للتوحيد، فبعث كتابًا مع الهدهد لملكة سبأ يدعوها وقومها للإسلام، فعرضته الملكة على قومها مشيرة في كلامها لمقصد الكتاب وأنه دعوة لدين جديد هو الإسلام لله رب العالمين: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ, إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ, أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ٣. وترسل ملكة سبأ الهدايا النفيسة لسليمان راجية بذلك رده عن مقصده وإبقاءها على دينها، ولكن أنى للموحد أن يقبل بعَرَض الدنيا الزائل عِوضًا عن عقيدته والدعوة إليها, فقال لرسول الملكة: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا

стр. 256

وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ١. وهنا قررت الملكة دخول دين الله مع سليمان مبينة أن هذا الاستسلام ليس هو لشخص سليمان بذاته إنما هو إسلام معه لله رب العالمين, وأعلنت ظلمها لنفسها من قبلُ بعبادتها الشمس من دون الله: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢. ألا فلتعلموا يا كفار قريش أن إسلامكم مع محمد ﷺ ليس هو من قبيل الخضوع للزعماء وما يريدونه من أقوامهم، ولا من قبيل إذلال قوم لقوم آخرين وافتخارهم عليهم, إنما إسلامكم مع محمد ﷺ هو إسلام لله رب العالمين ودخول في دينه ودين أنبيائه أجمعين. واعلموا أيها الزعماء إن كنتم تغطرستم بالزعامة وتكبرتم عن التوحيد, أن سليمان كان موحدًا وكان ملكًا في قومه، وكانت بلقيس ملكة في قومها ذوي القوة والبأس الشديد, ولم يمنعها ذلك من ترك الشرك وعبادة الأصنام للدخول في الدعوة الجديدة دعوة التوحيد الخالص لله رب العالمين.

стр. 257

القسم الثالث: قصتان لغير الرسل من الموجودين قصة أصحاب الكهف ... القسم الثالث: قصتان لغير الرسل من الموحدين ١- قصة أصحاب الكهف ١ أصحاب الكهف كانوا مسلمين موحدين، وكان الملك آنذاك عابد وثن، فاكتشف أمرهم فدعاهم لعبادة آلهته وترك دينهم، فأبوا اتباعه وأعلنوا بكل صراحة أن ربهم هو رب السماوات والأرض، فكأنهم استدلوا بالسماوات والأرض على وحدانية الله تعالى, فانطلقوا من توحيد الربوبية للاستدلال على وحدانية الإله المعبود، فرب السماوات والأرض إذن هو الإله, يقول تعالى عنهم: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً﴾ ٢. نعم إن الشرك بالله شطط من القول وكذب وافتراء وبهتان عظيم، فلتعلموا يا كفار مكة أي كذب تفترونه بإشراككم بالله الأنداد والأوثان. ثم يصرح الفتية الموحدون بأن قومهم ليس لهم أية حجة في عبادتهم آلهة من دون الله، وهل أظلم وأطغى ممن يعبد ويعتقد بما ليس له عليه دليل: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ ٣. وهذا هو التقرير الذي قرره هؤلاء الفتية مرة أخرى، وهو أن الشرك كذب وافتراء ولا أظلم ممن زعم ذلك بغير حجة ولا دليل. ويعتزل الفتية الموحدون قومهم خوفًا من أن يفتنوهم عن دينهم إلى الشرك

стр. 258

والوثنية، فما دام أنهم اعتزلوا أوثانهم فليعتزلوا مجتمعهم إذن؛ لأنه مجتمع الشرك والوثنية ويحارب التوحيد: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً﴾ ١. وتمضي القصة تبين عناية الله ورعايته للمؤمنين الموحدين في كهفهم حيث ناموا فيه نومًا هادئًا سنين طويلة من غير أن تبلى أجسامهم، ويتغير الشرك في مدينتهم خلال هذه المدة، ويأتي حاكم مؤمن موحد بعد ثلاثمائة وتسع سنين من دخولهم الكهف ونومهم فيه، ويشاء الله أن يستيقظوا جياعًا يتلهفون للأكل ولكنهم يخشون أن يعلم قومهم بمكانهم فيقتلوهم أو يردوهم إلى الشرك والوثنية، لذلك كان على من يذهب لشراء الطعام أن يكون حذرًا لبقًا في الطريقة التي يدخل بها ويخرج من المدينة: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً﴾ ٢. ويكتشف أهل المدينة الموحدون هؤلاء الفتية ويستدلون على مكانهم ويبنون مسجدًا على كهفهم. وفي ختام القصة إشارة إلى التوحيد كذلك، فيأمر الله تعالى رسوله محمدًا ﷺ أن لا يقول سأفعل شيئًا في المستقبل إلا بمشيئة الله وحده المتصرف في الكون ومافيه: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً, إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ٣، فليس لأحد حركة أو سكون إلا بمشيئة الله وإراداته الذي ليس للخلق ولي من دونه يدبرهم ويلي أمورهم, وليس له شرك في قضائه وحكمه، بل هو المنفرد بالتدبير والحكم والقضاء والتصرف في العباد كما يشاء: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ ٤.

стр. 259

فلتعتبروا إذن يا كفار قريش, واعملوا أن شرككم ليس لكم عليه دليل؛ لأنه كذب وافتراء وظلم وشطط من القول. واعملوا كذلك أن الله لن يضيع أولياءه الموحدين محمدًا وأصحابه الذين يلقون منكم الأذى والتشريد كما لقي الفتية من قومهم. إن الله لاشك ناصرٌ دينه وأتباع دينه المؤمنين الموحدين.

стр. 260

٢- قصة أصحاب الأخدود مع الموحدين ١ هذه القصة أقرب من غيرها لأهل مكة من ناحية الزمان والمكان, فمكان الأخدود الذي أحرق فيه المؤمنون هو نجران الواقعة جنوب الجزيرة, وزمانها كان بعد عيسى وقبل محمد ﷺ وليس بينهما رسول. ولا شك أن العرب قد يكون عندهم علم بالقصة قبل نزول القرآن, إما لتناقل الأجيال لها أو لسماعهم إياها من أهل الكتاب, إلا أن هذا النقل قد يكون مشوهًا؛ فجاءت هذه السورة تبين أمر هؤلاء. وتتلخص القصة بأن جماعة من أتباع دين عيسى ﵇ كانوا على التوحيد الخالص لله ويعتقدون أن عيسى بشر رسول, وكانوا قريبًا من عشرين ألفًا، وكان حاكم اليمن آنذاك ذو نواس الحميري وكان يهوديًّا، فملأ الغيظ قلبه لانتشار النصرانية بنجران، فعزم على أن يفتن هؤلاء الموحدين عن دينهم وأن يجبرهم على اليهودية وأن يقولوا بعيسى بقول اليهود، فجهز جيشًا كثيفًا وسار نحو هذا الجزء الشمالي من مملكته وطلب منهم ما يريد، لكنهم امتنعوا وأبوا عليه ذلك الانحراف عن عقيدة التوحيد إلى الشرك والوثنية بعدما ذاقوا حلاوة التوحيد، فأمر جنده فخدوا أخدودًا عظيمًا وأضرموا فيه النار وجعلوا يلقون المؤمنين في النار فرحين بمنظر النار تأكل وتذيب شحومهم حتى قضوا عليهم جميعًا ولم يفرقوا بين كبير وصغير ورجل وامرأة. وقد خلد الله ذكر هؤلاء المؤمنين الموحدين الذين لقوا الموت في سبيل عقيدة التوحيد ولعن الله الكافرين أصحاب هذه الفعلة الشنيعة، مبينًا في القصة مصير

стр. 261

الفريقين، فريق الموحدين في الجنة، وفريق الكافرين في النار مقسمًا على ذلك بثلاثة أقسام: يقول تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ, وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ, وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ. قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ. النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ. إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ, وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ، وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ, إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ, إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ ١. وقد بين الله سبب قتلهم لهؤلاء المؤمنين وهو إيمانهم بالله العزيز الحميد وعدم إيمانهم بالكفر والوثنية اليهودية وعقائدها المزيفة. وأنتم يا أهل مكة, ليكن لكم عبرة في هذه القصة القريبة العهد منكم، إما أن تكفوا عن إيذاء محمد وأصحابه المؤمنين الموحدين وتدخلوا في دينه فيكون لكم جنات تجري من تحتها الأنهار، وإما أن تستمروا على إيذائكم الموحدين من المؤمنين والسخرية بهم كما صنع ذو نواس بالموحدين؛ فعندئذ تدخلون مع اليهود في اللعنة والغضب والوعيد الشديد بعذاب جهنم وعذاب الحريق. ثم لتكن طبيعة اليهود معروفة لديكم، إنهم يزينون لكم الكفر بالله ومحاربة دينه وإيذاء الموحدين؛ لأنهم أعداء الله وأعداء دينه وأعداء رسله ورسالاته والمؤمنين الموحدين من القدم, وهم لا يريدون دخولكم في دين التوحيد حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق، فكيف تطيعون مَن هؤلاء تاريخهم ومواقفهم من دعوة التوحيد.

стр. 262

الفصل الرابع: تقرير القرآن للتوحيد بالتذكير بنعم الله تمهيد: إن الله قد أنعم على خلقه بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى, وقد نبه في كتابه الكريم إلى كثير من النعم فأكثر الحديث عنها، ووجه الأنظار وقرر عباده بها ليدفعهم إلى التفكير في مصدرها وموجدها وأنه جدير بالعبادة، ولما يثير شكر هذه النعم في أنفسهم من محبة لبارئها ولا سيما أن هذه النعم ليست في طاقة البشر. والتذكير بنعم الله يوقظ القلب الغافل وينبهه إلى ما يرتع فيه الإنسان من خيرات عظيمة ونعم جليلة، فيكون ذلك أدعى للاستجابة لهدي الله والدخول في طاعته، لذلك ذكر الأنبياء أقوامهم بنعم الله طالبين منهم توحيده ونبذ ما يعبدون من دونه من الأنداد والأوثان. فهذا هود ﵇ يقول لقومه: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١، فذكرهم هود ﵇ بنعمتين من نعم الله عليهم هما نعمة الاستخلاف من بعد القوم المغرقين قوم نوح، ونعمة القوة الجسمانية التي خصهم الله بها.

стр. 263

وهذا صالح ﵇ يقول لقومه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ١، فذكرهم صالح ﵇ بنعمتين من نعم الله تعالى عليهم هما نعمة الاستخلاف من بعد القوم المهلكين قوم عاد، ونعمة بناء القصور في السهل واتخاذ الكهوف في الجبال. إن النعمة لا بد لها من منعم، وهذه النعم الكثيرة على الإنسان إنما هي من صنع الله الواحد لا شريك له، لذلك وجب على العباد شكر المنعم وتوحيده, ومعظم الآيات التي تتحدث عن النعم تكون مختومة بالتنديد بالمشركين الذين يعبدون الأوثان من دون الله ولم يوحدوا الله, مثل قوله تعالى في سورة الأنعام بعد أن ذكر جملة من النعم على عباده: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ, بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ, ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ٢. ففي هذه الآيات يطلب سبحانه من عباده شكره على نعمه وإفراده بالعبادة وحده لا شريك له والإقرار له بالوحدانية, وأنه لا إله إلا هو, وأنه لا ولد له ولا صاحبة ولا عديل. وظاهرة النعمة تذكر في القرآن الكريم كثيرًا، أحيانًا مفصلة وأحيانًا بآيات عامة لما يترتب على ذكرها من إظهار فضل الله وكرمه ورحمته وعطائه ليشكر العاقل إلهه المنعم عليه، ولتقوم الحجة على الإنسان الظالم الجاحد فيستحق العقاب. وقد بين الله تعالى عجزنا عن إحصاء نعمه بآيتين هما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا

стр. 264

نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ ٢. ويتبين من سياق الآيتين معنيان هما: أ- أن هذه النعم التي لا تعد ولا تحصى ليست مصادفة بل هي من خلق الله. ب- أن الكفر والظلم هما اللذان يجعلان الإنسان لا يرى نعمة الله عليه وينسبها لغير الله. وقد ورد التذكير بالنعم عامة في آيات عديدة منها قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ ٥. ويتبين من سياق الآيات معنيان هما: أ- أن الأرض والسماوات بما فيهما مسخرتان للإنسان. ب- أن التسخير والإنعام لا يكون إلا بمسخر منعم كما يلمح من قوله: ﴿وَأَسْبَغَ﴾ وقوله: ﴿جَمِيعًا مِنْهُ﴾ ، وهذا المسخر المنعم هو الله وحده لا شريك له. وقد جمعتُ الآيات القرآنية التي تتعلق بهذا الفصل ثم قسمتها حسب النعمة التي تتحدث عنها الآية، وقد تحدثت عن عدد من النعم بحديث واحد لارتباطها ببعضها، والنعم التي كانت مدار هذا الفصل هي:

стр. 265

١- نعمة الشمس والقمر والليل والنهار. ٢- نعمة الأرض والجبال. ٣- نعمة البحر. ٤- نعمة الرياح والمطر والنبات. ٥- نعمة الأنعام. ٦- نعمة السمع والبصر. ٧- نعمة الأمن. وبعض هذه النعم التي نتحدث عنها في هذا الفصل، ذكرت في آيات القرآن على أنها آيات كونية كما سبق أن بينا ذلك في الفصل الأول من هذا الباب، لكن الحديث عنها في هذا الفصل يتناول جانبًا غير جانب الأدلة الكونية, وفيما يلي البيان:

стр. 266

نعمة الشمس والقمر والليل والنهار مدخل ... ١- نعمة الشمس والقمر والليل والنهار تحدثت عن هذه النعم معًا لارتباطها ببعضها ولورودها غالبًا في آيات القرآن مع بعضها البعض, ولأن الليل والنهار تابعان للشمس، ولذلك جاء الحديث في هذه النقطة بفقرتين: أ- نعمة الشمس والقمر. ب- نعمة الليل والنهار.

стр. 267

أ- نعمة الشمس والقمر: قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً, ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً﴾ ٣. في هذه الآيات الكريمة يتحدث عن نعمة الشمس والقمر وما فيها من مصالح لعباده، مبينًا أنه تعالى وحده هو الذي جعل شعاع الشمس الصادر عنها ضياء، وجعل شعاع القمر نورًا ففاوت بينهما حيث جعل سلطان الشمس بالنهار وسلطان القمر بالليل، فبالشمس تعرف الأيام والشهور والأعوام، ولولا ذلك لفسدت الحياة على الأرض ولما عاشت الكائنات جميعها، فإن أحدًا لا ينكر ما للشمس من أهمية كبيرة في حياة النبات والحيوان فضلًا عن الإنسان، ويتعلق بنعمة الشمس نعمة الظل, وقد نبه عباده لهذه النعمة لما فيها من الفوائد للكائنات جميعها مما يستوجب على الناس الشكر للمنعم؛ لأنه لو شاء سكون الظل وعدم تحوله لفعل ولما استطاع أحد تحويله. كما نبه على ما تتم به فائدة الظل هو قبضه تدريجيًّا، ولولا ذلك لم ينتفع به أهله؛ لأن في مده وتحوله من مكان إلى مكان ثم قبضه شيئًا فشيئًا من المصالح والمنافع مما

стр. 268

لا يحصى، وبسكونه دائمًا أو قبضه دفعة واحدة تتعطل المرافق والمصالح١.

стр. 269

ب- نعمة الليل والنهار: قال تعالى: ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً﴾ ١، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ, قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُون﴾ ٢, وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ, قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ, وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ, ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ ٥. هذه الآيات تتحدث عن نعمة الليل والنهار لما في ذلك من مصالح للعباد ولأن النهار للعمل وفيه التعب، والليل للنوم وفيه الراحة؛ وذلك لأن الليل إذا تغشى الكائنات وسكنت فيه الأشياء يستريح البدن، فخلقُ الله لهذه الأشياء المتضادة المختلفة مع ما فيها من نعمة جسمية على الكائنات دليلٌ على وحدانيته تعالى؛ لأنه وحده الذي جعل الليل سكنًا أي ساجيًا مظلمًا لتسكن فيه الأشياء، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً, وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً, وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً﴾ ٦، أي

стр. 270

قاطعًا للحركة لنسكن مما كنا فيه من تعب التصرف والحركة للمعاش نهارًا. ولو شاء الله بقاء الليل دائمًا أو بقاء النهار دائمًا لفعل, وليس هناك من يستطيع الإتيان بأحدهما, ولذلك قال: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ أي تشكرون الله على مخالفته بين الليل والنهار فتوحدوه وتعبدوه، يقول الطبري: "أفلا ترون بأبصاركم اختلاف الليل والنهار عليكم رحمة من الله بكم وحجة منه عليكم فتعلموا بذلك أن العبادة لا تصلح إلا لمن أنعم عليكم بذلك دون غيره ولمن له القدرة التي خالف بها بين ذلك ... فعل ذلك بكم لتفردوه بالشكر وتخلصوا له الحمد لأنه لم يشركه في إنعامه عليكم بذلك شريك؛ فلذلك ينبغي أن لا يكون له شريك في الحمد عليه"١ انتهى باختصار. هذه النعم توجب على الإنسان أن يشكر المنعم ويوحده ويعبده، وصرف العبادة للأصنام جحود بنعمة الله وكفر به، ففي آية سورة غافر يقول تعالى بعد ذكر نعمته على الناس: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ, ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ ٢، فأخبر تعالى أن أكثر الناس لا يقومون بشكر نعم الله عليهم والاعتراف بوحدانيته الذي هو المقصود الأعظم من التذكير بالنعم لقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُم﴾ أي الذي فعل هذه الأشياء وأنعم بها هو الله الواحد الأحد الذي لا إله غيره ولا رب سواه, فكيف تعبدون الأصنام التي لا تنعم عليكم٣.

стр. 271

نعمة الأرض والجبال مدخل ... ٢- نعمة الأرض والجبال تحدثت عن نعمة الأرض والجبال معًا للعلاقة بينهما, فجاء الكلام في فقرتين: أ- نعمة الأرض. ب- نعمة الجبال.

стр. 272

أ- نعمة الأرض: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتاً, أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً﴾ ٤. إن الله يذكّر عباده بنعمة الأرض التي جعلها لهم كالفراش ممهدة وموطأة ومستقرة، وهو الذي ذللها لنا للاستفادة من خيراتها ولولا تذليل الله لها ما استطعنا أن نشق فيها الطرق ولا البناء عليها ولا الحرث ولا سائر أنواع المنافع والتي منها أن الأموات يكفتون في بطنها، فهي تُكِنُّ الأحياء على ظهرها في المساكن والأموات في القبور، فكأنها كفتت أذى الناس أحياء وجيفهم أمواتًا. ونعمة أخرى في الأرض وهي أنها مستودع الرزق, حيث إن فيها معايش بني آدم وأسباب رزقهم، فالله وحده هو الذي جعل في الأرض المعايش والأسباب المختلفة ليكسب العباد بها أقواتهم ويتجرون, وأكثرهم مع هذا قليل الشكر، يقول الطبري: "ولقد وطناكم أيها الناس في الأرض وجعلناها لكم قرارًا تستقرون فيها ومهادًا تمتهدونها

стр. 273

وفراشًا تفترشونها ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِش﴾ تعيشون بها أيام حياتكم من مطاعم ومشارب نعمة مني عليكم وإحسانًا مني إليكم ﴿قَلِيلاً مَا تَشْكُرُون﴾ وأنتم قليل شكركم على هذه النعم التي أنعمتها عليكم لعبادتكم غيري واتخاذكم إلهًا سواي"١.

стр. 274

ب- نعمة الجبال: قال تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ, وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾ ٣. هذه نعمة عظيمة من الله تعالى على عباده, حيث ثبتّ الأرض بالجبال حتى لا تميد بأهلها وتضطرب فلا يستطيعون التصرف لمعاشهم لعدم استقرارها. والجبال كذلك علامات يستدل بها المسافرون برًّا وبحرًا إذا ضلوا الطريق, ومن منافع الجبال كذلك أن الثلج إذا سقط عليها وتراكم يذوب تدريجيًّا، فيشرب منه الناس ويسقون المزروعات, ولو ذاب دفعة واحدة لما استفيد منه, ولأهلك السيل كل ما مر عليه. ومن منافع الجبال كذلك ما فيها من مغامرات وكهوف ليتحصن فيها الناس، وهي أكنان للناس والحيوان, كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً﴾ ٤.

стр. 275

هذه النعم العظيمة في الأرض والجبال توجب على العباد شكر المنعم وتوحيده وعبادته دون الآلهة والأوثان؛ لأنه هو الذي خلقهم وخلق هذه النعم, فيكون هو وحده المستحق عليهم الطاعة والشكر والعبادة، وقد استعمل موسى ﵇ هذا الدليل في الدعوة لتوحيد الله فقال لفرعون وقومه: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى, كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى﴾ ١. يقول ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى﴾ : "أي لدلالات وحججًا وبراهين لأولي النهى أي لذوي العقول السليمة على أنه لا إله إلا الله ولا رب سواه"٢، ويقول كذلك في تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً﴾ ٣: "وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له"٤.

стр. 276

نعمة البحر مدخل ... ٣- نعمة البحر إن نعمة البحر تحوي نعمًا كثيرة منها: أ- نعمة تسيير الفلك فيه. ب- نعمة اللحم الطري. ج- نعمة الحلي. د- نعمة عدم اختلاط الماءين الماح والحلو.

стр. 277

نعمة تيسير الفلك فيه ... أ- نعمة تسيير الفلك فيه قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ ٣. إن تسيير الفلك في البحر نعمة كبرى فيها منافع عظيمة للعباد وفقدانها يقلل سبل الحياة ويحصل لهم ضيق في أمورهم التجارية، ولذلك يمتن الله على عباده بتسخيره البحر المتلاطم الأمواج وتذليله لعباده, لركوبه وقضاء مصالحهم بحمله السفن التي تمخره؛ لأنها تشق الرياح والماء بصدرها المسنم الذي أرشد الله عباده إلى صنعه وهداهم لذلك إرثًا عن أبيهم نوح ﵇ الذي علمه الله صنع السفينة ثم أخذها الناس عنه قرنًا بعد قرن وجيلًا بعد جيل, يسيرون من بلد لآخر يجلبون البضائع والأرزاق.

стр. 278

ب- نعمة استخراج اللحم الطري قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّا﴾ ٢. هذه نعمة عظيمة من الله؛ حيث جعل البحر مستودعًا لا ينضب لمادة غذائية تعتبر شيئًا أساسيًّا في حياة معظم الشعوب، يتناولونها من البحر دون أن يخسروا مالًا وجهدًا في تربيتها، ولولا ذلك لضاقت معيشة أكثر الناس حيث إن عليها اعتمادهم في الغذاء وبها يتجرون ويتكسبون، ومن رحمة الله إباحتها حية وميتة في الحِل والإحرام.

стр. 279

جـ- نعمة استخراج الحلي قال تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ, فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ٣. هذه نعمة أخرى مما في البحر، وهي نعمة استخراج الحلي التي يخلقها الله في البحر من اللآلئ والجواهر النفيسة، وكيف سهل الله لعباده استخراجها من أعماق البحار ليتحلَوْا بها, ويتجروا بها كذلك تكسبًا للمعاش.

стр. 280

د- نعمة عدم اختلاط الماءين المالح والحلو قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ, بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ, فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ٣. هذه نعمة عظيمة من الله على خلقه إذ بدونها لا تصلح الحياة للكائنات، فهذا الحاجز حتى لا يختلط الماءان فيفسد كل منهما الآخر، والماء الحلو هو ماء الأنهار والعيون وهو العذب الفرات، وقد فرقه الله بين خلقه لاحتياجهم إليه أنهارًا وعيونًا بحسب حاجتهم وكفايتهم لأنفسهم وأراضيهم ودوابهم. وأما الماء المالح الأجاج فهو البحار المعروفة ولا تستساغ للشرب، وملوحتها نعمة من الله، فلو كانت حلوة لفسد الهواء وأنتن وماتت جميع الحيوانات في البر والبحر, فلما كان ماؤها مالحًا كان الهواء دائمًا نقيًّا وكانت ميتتها طيبة. وهذا الحاجز بين الماءين قد يكون جزءًا من الأرض، وقد لا يكون كذلك، فقد يمر النهر من البحر المالح ويخرج من جانب آخر كما هو محافظ على عذوبته وصلاحيته للاستعمال بأمر الله, فيستفيد منه الناس على جانبي البحر، فأي نعمة فوق هذه النعمة, ولولا هذا الحاجز بقدرة الله لفسدت الأنهار الحلوة بدخولها البحر ولتعطلت مصالح الخلق من الطبخ والشرب وغيرها؛ ولذلك امتن الله في كتابه بهذه النعمة على خلقه.

стр. 281

هذه النعم جميعًا في البحر توجب على الناس أن يفكروا بالمنعم وكيف سخر لهم هذا البحر مستودعًا لهذه النعم الكثيرة، وهيأ لهم سبل استخراجها رغم مخاطره الكثيرة، فيجب على الخلق إذن توحيد الله وعبادته ونبذ الأصنام والأوثان التي لا تنعم عليهم بشيء. ولذلك يقول تعالى في سورة النمل بعد تعداد نعمه: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١، أي هل فعل هذا إله غير الله فتعبدوه؟ ولذلك يجب على العباد شكر الله وتوحيده وعبادته، وإن كان أكثر الناس يعبدون غيره ويصرفون شكرهم لغير المنعم٢.

стр. 282

نعمة الرياح والمطر والنبات مدخل ... ٤- نعمة الرياح والمطر والنبات جمعت هذه النعم لترتبها على بعضها ولورودها غالبًا مع بعضها في آيات القرآن وهي: أ- نعمة الرياح. ب- نعمة المطر. ج- نعمة النبات.

стр. 283

أ- نعمة الرياح: قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ ٢. الرياح نعمة عظيمة وفيها فوائد جمة، منها أن الله إذا أراد إنزال المطر أثار الرياح فجمعت السحاب بعضه إلى بعض حتى يتكاثف ويصبح موقرًا بالمطر، ثم تسوق الرياح هذا السحاب إلى حيث يريد الله إنزال المطر، وعلى هذا تكون الرياح رحمة من الله بعباده مبشرة بمجيء المطر, دالة على وحدانية الله، وحجة على الناس بأن مرسلها إله كل شيء كما صرح بذلك الطبري٣. يقول ابن القيم: "فإذا شاء الله حركه بحركة الرحمة فجعله رخاء ورحمة وبشرى بين يدي رحمته ولاقحًا للسحاب يلقحه بحمل الماء.. ومن آياته السحاب المسخر بين السماء والأرض كيف ينشئه سبحانه بالرياح فتثيره كسفًا ثم يؤلف

стр. 284

بينه ويضم بعضه إلى بعض ثم تلقحه الريح وهي التي سماها سبحانه لواقح, ثم يسوقه على متونها إلى الأرض المحتاجة إليه، فإذا علاها واستوى عليها أهراق ماءه عليها فيرسل سبحانه الرياح وهو في الجو فتذروه وتفرقه لئلا يؤذي ويهدم ما ينزل عليه بجملته حتى إذا رويت وأخذت حاجتها منه أقلع عنها وفارقها فهي روايا الأرض محمولة على ظهور الرياح"١ انتهى باختصار.

стр. 285

ب- نعمة المطر: قال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ, فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً, لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً, وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ, أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ, لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ٤. إن المطر نعمة عظيمة من الله على عباده، لأن حياة الحيوان والنبات متوقفة على الماء، والله وحده هو الذي ينزل علينا الماء من السحاب عذبًا فراتًا ولم يجعله ملحًا أجاجًا، ثم يسكنه في الأرض فيخرج ينابيع ويجري أنهارًا لسقي الإنسان والحيوان والنبات والثمار في الجنات.
следующие страницы →