هذه النعم جميعًا في البحر توجب على الناس أن يفكروا بالمنعم وكيف سخر لهم هذا البحر مستودعًا لهذه النعم الكثيرة، وهيأ لهم سبل استخراجها رغم مخاطره الكثيرة، فيجب على الخلق إذن توحيد الله وعبادته ونبذ الأصنام والأوثان التي لا تنعم عليهم بشيء.
ولذلك يقول تعالى في سورة النمل بعد تعداد نعمه: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١، أي هل فعل هذا إله غير الله فتعبدوه؟ ولذلك يجب على العباد شكر الله وتوحيده وعبادته، وإن كان أكثر الناس يعبدون غيره ويصرفون شكرهم لغير المنعم٢.
стр. 282
نعمة الرياح والمطر والنبات
مدخل
...
٤- نعمة الرياح والمطر والنبات
جمعت هذه النعم لترتبها على بعضها ولورودها غالبًا مع بعضها في آيات القرآن وهي:
أ- نعمة الرياح.
ب- نعمة المطر.
ج- نعمة النبات.
стр. 283
أ- نعمة الرياح:
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ ٢.
الرياح نعمة عظيمة وفيها فوائد جمة، منها أن الله إذا أراد إنزال المطر أثار الرياح فجمعت السحاب بعضه إلى بعض حتى يتكاثف ويصبح موقرًا بالمطر، ثم تسوق الرياح هذا السحاب إلى حيث يريد الله إنزال المطر، وعلى هذا تكون الرياح رحمة من الله بعباده مبشرة بمجيء المطر, دالة على وحدانية الله، وحجة على الناس بأن مرسلها إله كل شيء كما صرح بذلك الطبري٣.
يقول ابن القيم: "فإذا شاء الله حركه بحركة الرحمة فجعله رخاء ورحمة وبشرى بين يدي رحمته ولاقحًا للسحاب يلقحه بحمل الماء.. ومن آياته السحاب المسخر بين السماء والأرض كيف ينشئه سبحانه بالرياح فتثيره كسفًا ثم يؤلف
стр. 284
بينه ويضم بعضه إلى بعض ثم تلقحه الريح وهي التي سماها سبحانه لواقح, ثم يسوقه على متونها إلى الأرض المحتاجة إليه، فإذا علاها واستوى عليها أهراق ماءه عليها فيرسل سبحانه الرياح وهو في الجو فتذروه وتفرقه لئلا يؤذي ويهدم ما ينزل عليه بجملته حتى إذا رويت وأخذت حاجتها منه أقلع عنها وفارقها فهي روايا الأرض محمولة على ظهور الرياح"١ انتهى باختصار.
стр. 285
ب- نعمة المطر:
قال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ, فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً, لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً, وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ, أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ, لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ٤.
إن المطر نعمة عظيمة من الله على عباده، لأن حياة الحيوان والنبات متوقفة على الماء، والله وحده هو الذي ينزل علينا الماء من السحاب عذبًا فراتًا ولم يجعله ملحًا أجاجًا، ثم يسكنه في الأرض فيخرج ينابيع ويجري أنهارًا لسقي الإنسان والحيوان والنبات والثمار في الجنات.
стр. 286
فانظر كيف تتجلى النعمة العظمى بإنزال المطر بالقدر المطلوب، لا كثيرًا فيفسد الأرض والعمران ولا قليلًا فلا يكفي الزروع والثمار، وكيف جعل في الأرض قابلية خزنه للاستفادة منه فيما بعد، ولو شاء الله أن لا تمطر السماء لفعل، ولو شاء جعله أجاجًا لفعل، ولو شاء ذهابه في أعماق الأرض بحيث لا ينال لفعل، فامتن الله على عباده إذن بكل هذه النعم منبهًا إياهم لوجوب شكره.
لأن الله وحده خالق الحب والنوى الذي يخرج منه الزروع والثمار على اختلاف أصنافها، وهو وحده كذلك يخرج الحب المتراكب والقنوان الدانية وجنات الأعناب والزيتون والرمان، وليس ذلك من فعل أحد غير الله، فالعبد يشق الأرض ويضع فيها الحب، والزارع المنبت هو الله دون الأنداد والأوثان، ولو شاء الله أن يجعل هذا الزرع حطامًا يابسًا قبل موعد حصاده ما استطاع أحد إنباته، وأقصى ما يعمله الإنسان هو التعجب والتفجع والحزن على ما فاته من الزرع والثمر.
هذه النعم السابقة كلها تدل على وحدانية الله واستحقاقه لأن يشكر ويفرد بالعبادة، لأنه هو وحده المنعم المستحق علينا الطاعة والعبادة لا من لا يقدر على الإنعام ولا يضر ولا ينفع، فهذه النعم كلها تنبيه منه تعالى لخلقه على حججه عليهم في توحيده وأنه لا ينبغي الألوهية إلا له, ولا تصلح العبادة لشيء سواه. ولذلك نعى الله على المشركين الذين أشركوا به ونسبوا له البنات مع تعريفهم نعمه عليهم، فبعد أن ذكر جملة من النعم في سورة الأنعام قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ١. فبدل أن يشكروا الله على نعمه ويوحدوه أشركوا به.
وكذلك في سورة النمل يقول تعالى في نهاية تعداده نعمه على عباده: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أي هل فعل هذا إله آخر غير الله فتعبدوه؟ وهو استفهام إنكار على المشركين الذين يعبدون غيره مع وضوح الأدلة، قال ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى بعد ذكره نعمة النبات: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون﴾ ٢، قال: "أي دلالة وحجة على أنه لا إله إلا الله"٣.
стр. 289
نعمة الأنعام
مدخل
...
٥- نعمة الأنعام
قسمت الحديث عن هذه النعمة إلى خمسة نقاط:
أ- نعمة التذليل.
ب- نعمة الركوب والحمل.
ج- نعمة الجلد وما فيه من صوف وشعر ووبر.
د- نعمة اللبن.
هـ- نعمة اللحم.
стр. 290
أ- نعمة التذليل:
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ, وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ٢.
النعمة الأولى في الأنعام هي نعمة تذليلها، لأن الله وحده هو الذي جعلها مقهورة ذليلة لا تمتنع على صاحبها عند الحاجة إليها في تسييرها وتوجيهها للرعي أو للطرق أو للحمل أو للوقوف، ولو جاء طفل إلى بعير لأناخه وإذا شاء أقامه ومشى بمشيه القافلة كلها.
فهذا التذليل ضروري لتمام الانتفاع بالأنعام، ويرتبط بتذليلها كونها جمالًا وزينة لنا في رجوعها من المرعى عشيًّا فتكون شبعانة وخواصرها مليئة، وفي بعثها صباحًا إلى المرعى، ولولا تذليلها ما كانت زينة وجمالًا لأنها تكون نافرة مستعصية.
стр. 291
ب- نعمة الركوب والحمل:
قال تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ, وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ, وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ ٢.
إن نعمة ركوب الأنعام والحمل عليها تلفت النظر وتوجب الشكر؛ لأنها توفر كثيرًا من الجهد والتعب، فيستطيع الإنسان السير في المصالح البعيدة كالحج والغزو والتجارة بلا مشقة؛ لأن هذه الأنعام تحمله وتحمل متاعه وطعامه وشرابه وبدون هذه الأنعام فإن الإنسان عاجز عن حمل الأثقال لمسافة قصيرة، وتظهر نعمة الحمل والركوب بشكل خاص في الخيل والبغال والحمير، ولذلك أفردت معًا في آية خاصة بها فقال تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ ، فامتن الله على عباده بهذا النوع بالذات لتخصصه بهذه النعمة.
стр. 292
ج- نعمة الجلد وما فيه من صوف وشعر ووبر:
قال تعالى: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْء﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ﴾ ٢
فهذه نعمة جليلة أن نتخذ من جلود الأنعام بيوتًا خفيفة الحمل في الأسفار
стр. 293
وتضرب بسهولة لتقينا الحر والقر، وكذلك أن نتخذ من صوف الغنم وشعر المعز ووبر الإبل الأثاث والمتاع والثياب والبسط والحبال وغيرها من الأمتعة, كآنية الماء واللبن المتخذة من الجلود وكثير من الصناعات لا تقوم إلا على جلود الأنعام وما فيها.
стр. 294
د- نعمة اللبن:
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنَ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُون﴾ ٣.
اللبن نعمة لا توصف على هذه البشرية؛ لأن مصالح العباد كلهم قائمة عليه في معظم وجباتهم الغذائية وخاصة الصغار، وهذا اللبن يخرج من بطون الأنعام من بين الفرث والدم خالصًا بياضه وطعمه وحلاوته، فانظر كيف يكون الطعام في المعدة، فإذا نضج ذهب أقسامًا للدم والعظم واللحم, وقسم يصير لبنًا والباقي فضلات من روث وبول، ولا يمتزج قسم بآخر ولا يتغير به فيخرج اللبن خالصًا سائغًا للشاربين لا يغص به أحد.
стр. 295
هـ- نعمة اللحم:
قال تعالى: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُون﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُون﴾ ٢ هذه النعمة
стр. 296
خاتمة النعم في الأنعام، فرغم تعدد منافع الأنعام في حياتهم فهي كذلك يؤكل لحمها وهو أعلى أنواع الأطعمة، وعليه اعتماد كبير في حياة الناس، بل إن شعوبًا كثيرة تعيش على الرعي والتجارة بالأنعام اللاحمة.
ومما سبق يتبين لنا أن هذه النعم الكثيرة في الأنعام تستحق الشكر لله والاعتراف بوحدانيته وإفراده بالعبادة وإخلاص الطاعة له، وهذا هو المقصود الأعظم من التركيز بهذه النعم الجليلة، لذلك نجد في الآيات دعوة لشكر الله وعدم اتباع خطوات الشيطان, يقول تعالى: ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ١.
والحمل: كل ما يحمل عليه كالإبل والخيل والبغال والحمير، والفرش تطلق على الغنم لدنوه من الأرض, وقد تطلق على كل ما يؤكل ويحلب٢ - إن الله يدعونا للاستفادة من هذه الأنعام وعدم اتباع خطوات الشيطان الآمر بالجحود وكفر النعمة والشرك بالله.
وكذلك بعد ذكر نعمة الأنعام في سورة النحل يقول تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُون﴾ ٣ ويقول تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٤، فمقابل هذه النعم يجب على العباد الإسلام لله وحده والدخول في دينه وعبادته وحده لا شريك له، وذم الله الذين يكفرون بعد تعريفهم نعمه.
وكذلك يقول تعالى بعد ذكره نعمة الأنعام في سورة الزخرف: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ٥، أي قابلوا هذه النعم بالكفر لها وجحودها
стр. 297
ونسبة الولد إلى الله, وكان الواجب عليهم تجاه هذه النعم أن يشكروا الله ويوحدوه ويعبدوه ولا يشركوا به شيئًا.
يقول الطبري في تفسيره لقوله تعالى في سورة النحل: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُون﴾ ١: "وإن الله جل ثناوءه إنما عرف عباده بهذه الآية وسائر ما في أوائل هذه السورة نعمته عليهم ونبههم به على حججه عليهم وأدلته على وحدانيته وخطأ فعل من يشرك به من أهل الشرك"٢.
وقال ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى في سورة يس بعد ذكر نعمة الأنعام: ﴿أَفَلا يَشْكُرُون﴾ ٣، قال: "أفلا يوحدون خالق ذلك ومسخره ولا يشركون به غيره"٤.
وقد بسط ابن القيم ﵀ الكلام على نعمة الأنعام في مفتاح دار السعادة تركنا ذكره اختصارًا فليرجع إليه ج ١/٢٣٤-٢٥١.
стр. 298
٦- نعمة السمع والبصر:
يقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنَ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾ ٢، ويقول تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ ٣.
إن السمع والبصر نعمتان عظيمتان من الله على عباده, إذ إن جميع المصالح في الدين والدنيا مبنية عليها، ولذلك يمتن الله على عباده بهاتين النعمتين في كثير من الآيات مبينًا أنه تعالى أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا ثم رزقنا وسائل العلم المعتمد عليها، وهي السمع الذي نسمع به الأصوات والبصر الذي نرى به المرئيات.
وهذا السمع والبصر إن تعطل عن العمل بأمر الله فلن يستطيع أحد رده لصاحبه, وقد أمر الله نبيه ﷺ أن يقول للمعاندين المكذبين: أرأيتم إن سلبكم الله سمعكم وأبصاركم فهل أحد غير الله يقدر على رد ذلك إليكم؟ فانظر يا محمد كيف نبين الآيات ونوضحها دالة على أنه لا إله إلا الله, وأن ما يعبدون من دونه باطل وضلال, ثم هم مع هذا البيان يعرضون عن الهدى والتوحيد ويتمسكون بالضلال والشرك.
стр. 299
وقد بين تعالى أن التذكير بهاتين النعمتين يوجب الشكر وأن شكرنا قليل عليهما, ولا يتم شكر الإنسان إلا بتوحيده لله وعبادته وإخلاص الطاعة له، يقول الطبري في تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ : "فعلنا ذلك بكم فاشكروا الله على ما أنعم به عليكم دون الآلهة والأنداد, فجعلتم له شركاء في الشكر ولم يكن له فيما أنعم به عليكم من نعمةٍ شريك"١.
стр. 300
٧- نعمة الأمن
يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٣، ويقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ ٣، ويقول تعالى: ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ, إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ, فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ, الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ ٤
إن من نعم الله الجليلة على أهل مكة نعمة الأمن التي خصهم الله بها ونبههم بها إلى وجوب عبادته وتوحيده وشكره على هذه النعمة؛ لأنه وحده هو الذي حرّم مكة فصارت بلدًا حرامًا بتحريمه إياها، كما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض, فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة, لا يعضد شوكه, ولا ينفر صيده, ولا يلتقط لقطته إلا من عرّفها, ولا يختلى خلاها" ٥
فالله إذن رب هذه البلدة الحرام ورب كل شيء ومليكه, يستحق أن يفرد بالعبادة والإخلاص له تجاه هذه النعمة.
стр. 301
قال الطبري: "وإنما قال جل ثناؤه ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ فخصها بالذكر دون سائر البلدان وهو رب البلاد كلها؛ لأنه أراد تعريف المشركين من قوم رسوله الله ﷺ الذين هم أهل مكة بذلك نعمته عليهم وإحسانه إليهم, وأن الذي ينبغي أن يعبدوه هو الذي حرم بلدهم فمنع الناس منهم وهم في سائر البلاد يأكل بعضهم بعضًا ويقتل بعضهم بعضًا, لا مَن لم تجر له عليهم نعمة ولا يقدر لهم على نفع ولا ضر"١.
وأما السبب الذي تعلل به المشركون لعدم الإيمان فهو خوفهم من حولهم من الأمم, فبدل أن يشكروا الله ويوحدوه كفروا وقالوا: "إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا" فخشي بعض المشركين إن اتبعوا محمدًا ﷺ على ما جاء به من الهدى والتوحيد أن يقصدهم من حولهم من أحياء العرب بالأذى والمحاربة ويتخطفوهم، والله تعالى قد حرم مكة على الناس أن يدخلوها بغارة وحرب، فكان أهلها في أمن والناس من حولهم في قتل وسبي، فكان موقفهم من هذه النعمة أن آمنوا بالشرك وعبدوا الأصنام وكفروا بالله وخافوا أن يذهب توحيدهم لله بأمنهم واستقرارهم، فأجابهم القرآن بأن هذا الاعتذار باطل؛ لأن الله جعلهم آمنين به من كفرهم فمن باب أولى أن يكونوا كذلك في حال إيمانهم.
عن قتادة قال: "كان أهل الحرم آمنين يذهبون حيث شاءوا وإذا خرج أحدهم فقال: "إني من أهل الحرم، لم يتعرض له وكان غيرهم من الناس إذا خرج أحدهم قتل"٢.
ويقول الطبري في تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ : أو لم ير هؤلاء المشركون من قريش ما خصصناهم به من نعمتنا عليهم دون سائر
стр. 302
عبادنا فيشكرونا على ذلك وينزجروا عن كفرهم بنا وإشراكهم ما لا ينفعهم ولا يضرهم في عبادتنا"١.
ويقول ابن كثير في تفسيره لنفس الآية: "أي أفكان شكرهم على هذه النعمة العظيمة أن أشركوا به وعبدوا معه غيره من الأصنام والأنداد وبدلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار فكفروا بنبي الله وعبده ورسوله, فكان اللائق بهم إخلاص العبادة وأن لا يشركوا به, وتصديق الرسول وتعظيمه وتوقيره, فكذبوه وقاتلوه فأخرجوه من بين أظهرهم"٢.
وكذلك امتن الله على أهل مكة بإهلاك أصحاب الفيل وتسييره لهم رحلتي الشتاء والصيف طالبًا منهم عبادتهم وحده لا شريك له: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ, الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ ٣.
ويقو ابن كثير: "وآمنهم من خوف أي تفضل عليهم بالأمن والرخص فليفردوه بالعبادة وحده لا شريك له, ولا يعبدون من دونه صنمًا ولا ندًّا ولا وثنًا"٤.
стр. 303
الفصل الخامس: تقرير القرآن للتوحيد بالأدلة العقلية
تمهيد:
خلق الله الإنسان وركب فيه العقل، وأمره أن يستخدم هذا العقل في طاعة الله تعالى وأن يفكر في مخلوقاته.
وقد نبه القرآن الكريم إلى أهمية العقل في آيات كثيرة، وكان يصف الكفار بأنهم لا يعقلون ولا يفقهون، وكان ينبه إلى أن آياته لا يستفيد منها إلا أولو النهى والألباب وهي العقول السليمة.
ولا أعني بهذا الفصل ما عناه المعتزلة من إسناد كل شيء إلى العقل حتى جعلوا العقل حاكمًا على الشرع مقدمًا عليه وقالوا بالتحسين والتقبيح العقليين، بل جعلوا التوحيد والثواب عليه والعقاب على تركه ثابت بالعقل١.
كما أنني لا أعني بهذا الفصل ما عناه أرباب الكلام من الإتيان بالمسائل المعقدة من الفلسفة اليونانية، لأن القرآن منزه عن مثل ما وصلت إليه الفلسفة اليونانية من الطرق الجدلية العقيمة والسفسطة الذميمة.
وإنما عنيت بهذا الفصل إبراز الأدلة السمعية التي نبهت العقل وأيقظته بكل بساطة ووضوح وبعد عن الجدل العقيم، والتي سلكت بالعقل أقرب الطرق وأيسرها لبيان حقيقة وحدانية الله ووجوب إفراده بالعبادة لا شريك له.
стр. 304
وأما من تنكر للعقل وأهمله وجعل دلالة القرآن سمعية خبرية لم ينبه فيها على الأدلة العقلية، فهو مخطئ كذلك أشد الخطأ, وفي هذا موافقة للمتهجمين على أدلة القرآن من الفلاسفة الذين يقولون بأنها أدلة تعرف بالخبر المجرد دون استناد إلى العقل الصحيح, فليس في القرآن أدلة عقلية على رأيه لأنه يقدح في الدلائل العقلية مطلقًا معتبرًا أنها هي الكلام المبتدع الذي أحدثه المتكلمون وأن القرآن إنما يدل على الخبر فقط.
والسبب الذي أوقع هؤلاء في هذا الفهم ظنهم أن كون الدليل شرعيًّا يقابل بكونه عقليًّا، وهذا خطأ واضح، فالدليل الشرعي يقابله البدعي، والدليل الشرعي قد يكون سمعيًّا وقد يكون عقليًّا١.
وكل دليل سمعي جاء في القرآن فإنما يكون تدبره وفهمه والتفكير فيه بالعقل، فالأدلة الكونية مثلًا هي أدلة سمعية ولكن النظر في السماوات ونجومها والأرض وجبالها والتنظيم الدقيق بين أجزاء الكون لا يكون إلا بالعقل.
وكذلك الأمثال المضروبة في القرآن هي أدلة سمعية, وللعقل دور كبير في ترتيب المقدمات والنتائج والاتعاظ بما جرى للأقوام السابقين والنظر في آثارهم الباقية.
وكذلك عندما يذكّر القرآن في آياته بنعم الله على الإنسان ووجوب شكر المنعم وتوحيده وعبادته، فهي آيات سمعية, لكن بغير العقل لا نستطيع التفكير في عظمة هذه النعم وكثرتها، والعقل مقر بأن الإنسان لم ينعم على نفسه بهذه النعم؛ لأنه يفرق بين المنعم والمنعم عليه.
стр. 305
وبهذا يتبين أن أدلة القرآن كلها سمعية عقلية، سمعية: لورودها في القرآن, وعقلية: لأن للعقل قدرة على التفكير فيها والنظر والاعتبار إذا سلك المسلك الصحيح لانتفاء الفرق بين نتيجة العقل الصريح والمنقول الصحيح.
وقد أفردت هذا الفصل للأدلة العقلية في القرآن لا لأن الفصول التي تقدمت في هذا الباب ليست عقلية، إنما لأذكر في هذا الفصل كل دليل على وحدانية الله لم يدخل تحت فصل من الفصول السابقة.
والكلام على هذا الفصل في مبحثين:
المبحث الأول: الكلام على الأدلة العقلية المتعلقة بالله وهي خمسة أدلة:
١- دليل الخلق والملك.
٢- دليل عدم فساد الكون.
٣- دليل نفي الولد عن الله.
٤- دليل الرزق.
٥- دليل النوائب.
والمبحث الثاني: الكلام على الأدلة العقلية المتعلقة بالأصنام وهما دليلان:
١- دليل النقص.
٢- دليل العجز.
وفيما يلي التفصيل:
стр. 306
المبحث الأول: الكلام على الأدلة العقلية المتعلقة بالله
١- دليل الخلق والملك: وفيه نقطتان:
أ- خلق جميع المخلوقات وملكها.
ب- خلق الإنسان.
أ- خلق جميع المخلوقات وملكها:
قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ, بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ, ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا
стр. 307
ذُبَاباً وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً, وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ، وَلا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ ٦.
هذا الدليل الذي ذكر في هذه الآيات يسمى دليل الخلق والملك، وقد جمعت بين كلمتي الخلق والملك؛ لأن الملك لازم للخلق والإيجاد، وكثيرًا ما يرد في آيات القرآن الإشارة إلى أن الله هو الخالق المالك بنفس الآية.
وهذا الدليل مفاده أن كل شيء مخلوق لله مملوك له، وهذه الأصنام لم تخلق شيئًا ولا تملكه، فلا تصح إذن عبادتها من دون الله؛ لأن الخالق المالك هو الذي يجب أن يفرد بالعبادة، وقد وردت آيات كثيرة منها الآيات السابقة، تثبت هذا الدليل.
ونجد في الآية الأولى من سورة الأنعام إشارة إلى أن الحمد الكامل لله وحده
стр. 308
الذي خلق السماوات والأرض والظلمات والنور، ومع هذا عدل به الكفار غيره من الأصنام والأنداد التي لم تخلق شيئًا وعبدوها، والله وحده المستحق للعبادة لأنه الخالق، وهذا ما أشار إليه قوله تعالى في الآية التي بعدها: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ ١، يقول الطبري: "أيها الجاهلون، إنه لا شيء له الألوهية والعبادة إلا الذي خلق كل شيء وهو بكل شيء عليم, فإنه لا ينبغي أن تكون عبادتكم وعبادة جميع من في السموات والأرض إلا له خالصة بغير شريك تشركونه فيها فإنه خالق كل شيء وبارئه وصانعه, وحق على المصنوع أن يفرد صانعه بالعبادة فاعبدوه"٢.
وفي آية سورة الرعد جاءت الهمزة للإنكار, والمعنى: أنهم لم يتخذوا الشركاء لكونهم خالقين فتشابه خلقهم وخلق الله، فاستحق هؤلاء الشركاء العبادة لذلك، ولكنهم اتخذوا لله شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق فضلًا عن أن يقدروا على ما يقدر عليه الخالق، والله خالق كل شيء بلا شريك، فلا يستقيم أن يكون له شريك في العبادة والألوهية كما لا شريك له في الخلق والربوبية، وفي قوله تعالى: ﴿خَلَقُوا كَخَلْقِه﴾ في سياق الإنكار تهكم بهم؛ لأن غير الله تعالى لا يخلق خلقًا البتة لا بطريق المشابهة والمساواة لله -تقدس الله عن ذلك- ولا بطريق الانحطاط والقصور، ويكفي للإنكار عليهم أن آلهتهم لا تخلق مطلقًا ولكن جاء في قوله تعالى: ﴿كَخَلْقِهِ﴾ تهكم يزيد الإنكار تأكيدًا٣.
وفي آية سورة الحج بين تعالى أن آلهتهم لو اجتمعت ما خلقت ذبابًا صغيرًا، وفي هذا تجهيل عظيم لهم بعبادتهم من هذه صفته وتركهم عبادة خالقهم٤.
стр. 309
ولذلك كان في آيتي سورة الفرقان تقريع شديد لمشركي العرب بعبادتهم الأصنام وتنبيه لهم على ضلالهم لاتخاذهم آلهة لا تخلق شيئًا وهي مخلوقة، ولا تملك نفعًا ولا ضرًّا لأحد، كما أنها لا تملك إماتة أحد وإحيائه وبعثه، وتركوا عبادة مالِكِ ذلك كله وخالق الخلق أجمعين والسماوات والأرض وما فيهن، فأي شيء خلقت الأصنام حتى عبدوها من دون الله؟ إن المستحق للعبادة يكون مالكًا للسماوات والأرض أو شريكًا لمالكهما أو معينًا له، وقد نفت آيتا سورة سبأ هذه المراتب عن آلهتهم؛ لأنها لا تملك ذرة في السموات والأرض وليست شريكة لله في ملكه ولا هي معينة للمالك, فلماذا يعبدونها إذن وهذه الصفات منتفية عنها؟ أم أنهم يعبدونها لزعمهم أنها شفعاء عند الله؟ فليعلموا أن الله لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، والله لن يأذن لأحد مهما كان مقربًا أن يشفع للمشرك الكافر فضلًا عن أن تشفع عنده هذه الأصنام, فأي حجة لكم إذن في عبادتهم؟ أم عندكم كتاب من قبل هذا القرآن أو بقية من علم صحيح يبين أن آلهتكم خالقة أو شريكة للخالق في الخلق والملك حتى عبدتموها؟ إن الهتكم أيها المشركون لم تخلق شيئًا ولا تملك ذرة في السموات والأرض ولا قشرة نواة، وليس لكم حجة على عبادتها فاعبدوا الخالق المالك لا المخلوق المملوك إن كانت لكم عقول تعقلون بها١.
وهذا الخلق كله حجة عليكم وشاهد بوحدانية الله الذي لم يخلقه عبثًا ولعبًا ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ ٢، يقول الطبري في تفسيره لهذه الآية: ﴿وَمَا خَلَقْنَا﴾ ..... الآية: "إلا حجة عليكم أيها الناس ولتعتبروا بذلك كله فتعلموا أن الذي دبره وخلقه لا يشبهه شيء وأنه لا تكون الألوهة إلا له ولا تصلح العبادة لشيء غيره ولم يخلق ذلك عبثًا"٣.
стр. 310
وقد استعمل إبراهيم ﵇ هذا الدليل -دليل الخلق- في مناظرته لقومه لما يعلم من تأثير هذا الدليل في تنبيه الغافلين عن الحق المعطلين للفطرة، قال تعالى عنه: ﴿قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ١.
مما تقدم من الآيات يتبين لنا استعمال القرآن لدليل الخلق والملك بشكل واضح في مواضع شتى من سوره، وقد كثر ورود هذا الدليل لارتباطه بحقيقة لا ينكرها المشركون, وهي حقيقة اعترافهم بتوحيد الربوبية وانفراد الله بالخلق والملك والتصرف كما في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ٢.
وقوله: ﴿قُلْ لِمَنَ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ, سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٣، وآيات غيرهما كثيرة تبين اعتراف المشركين بتوحيد الربوبية، وهذا يستلزم توحيد الألوهية لأن المتفرد بالخلق والملك والتصرف هو المستحق لأن يفرد بالعبادة بلا شريك، لكنهم لما أنكروا توحيد الألوهية، كان إقرارهم بتوحيد الربوبية باطلًا، وكان من سلك منهم هذا المسلك موصوفًا بأنه لا يعقل وإقراره حجة عليه.
هذا من جهة إقرارهم لله بخلق السماوات والأرض وملكهما وما فيهما.
وأما من جهة آلهتهم فهم لم يزعموا قط أن لهما خلقًا وملكًا لأدنى شيء فكان مقتضى ذلك أن لا يصفوها بالألوهية واستحقاق العبادة, لكن الذي حصل منهم العكس, مع اعترافهم بعجزها عن الخلق والملك، لذلك وصفوا في القرآن بأنهم لا يعقلون؛ لأن العقل السليم لا يقر شركهم بالله وعبادتهم ما لا يخلق شيئًا وهم يخلقون٤.
стр. 311
ب- دليل خلق الإنسان
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ, يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ ٧، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ, ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ, ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ٨، وقال تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُم﴾ ٩، وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَك﴾ ١٠.
إن خلق الإنسان وتركيبه من الأدلة القاطعة على وحدانية الله الخالق, وقد أتعب المتكلمون أنفسهم وهم يستدلون بخلق الإنسان على وجود الله وتفرده بالخلق، والمشركون لم يكونوا ينكرون أنهم مخلوقون لخالق ومربوبون لرب، ولكنهم كانوا ينكرون استحقاق هذا الرب الخالق لأن يفرد بالإلهية والعبادة.
стр. 312
والآيات الكثيرة التي نبهت إلى خلق الإنسان لم تأتِ قط لإقناع المشركين بوجود الرب الخالق وتوحيده في ربوبيته، لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ١، إنما جاءت الآيات القرآنية المنبهة إلى خلق الإنسان لدعوة المشركين إلى توحيد الألوهية والعبادة عن طريق إيمانهم بتوحيد الربوبية، وبهذا يظهر خطأ المتكلمين الواضح في استدلالهم بهذه الآيات على أمر يقر به المشركون أنفسهم.
وفي خلق الإنسان والمراحل التي مرت بها طينة آدم والمراحل التي يمر بها الإنسان في بطن أمه أكبر شاهد بوحدانية الله، وتبين الآيات السابقة أن آدم أصله من التراب الذي صار طينًا لازبًا ثم حمأً مسنونًا ثم من صلصال كالفخار ثم نفخ فيه الروح، ومن هذه النفس الواحدة تناسلت الذرية من ماء مهين يستقر في الأرحام فيصير علقة ثم مضغة ثم ينفخ فيه الروح ويخلق العظام وتكسى باللحم وتشد مفاصله حتى يكون إنسانًا سويًّا معتدلًا في أحسن تقويم، أليس هذا الفعل من بدايته إلى نهايته وتمامه وكماله يدل على وحدانية الإله المعبود؟ فلو كان يدبر أمر النطفة أكثر من إله لفسدت, لجواز أن يريد إله خلق إنسان منها وأن يريد الآخر عكسه، ولذلك امتن الله على خلقه بهذا الحفظ والعناية والتدبير للنطف في بطون الأمهات داعيًا عباده به للإيمان بألوهيته, فقال: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ٢.
ففي خلق الإنسان وتنقله في بطن أمه من طور إلى طور في ظلمات البطن والرحم والمشيمة، دلالة على وحدانية الله تعالى المستحق للعبادة، لذلك قال: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ أي هذا فعل الله الواحد لا فعل آلهتكم فكيف تصرفون عن عبادة إلهكم إلى عبادة أوثانكم؟
стр. 313
قال الطبري: "قد بينا الحجج وميزنا الأدلة والأعلام وأحكمناها لقوم يفقهون مواقع الحجج ومواضع العبر ويفهمون الآيات والذكر، فإنهم إذا اعتبروا بما نبهتهم عليه من إنشائي من نفس واحدة ما عاينوا من البشر, وخلقي ما خلقت منها من عجائب الألوان والصور, علموا أن ذلك من فعل من ليس له مثل ولا شريك فيشركوه في عبادتهم إياه"١. ويقول ابن كثير: "أي الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له فأنى تصرفون أي فكيف تعبدون معه غيره؟ أين يذهب بعقولكم؟ "٢.
والآيات القرآنية المشيرة لخلق الإنسان ودلالته على وحدانية الله كثيرًا جدًّا فمن ذلك قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ٣، والمعنى أن الله تعالى خلق الإنسان من نطفة ضعيفة حتى إذا نما وكبر عبد غير خالقه وأخذ يخاصم في وحدانية الله, يقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: "فلما استقل ودرج إذا هو يخاصم ربه تعالى ويكذبه ويحارب رسله, وهو إنما خلق ليكون من عبدًا لا ضدًّا"٤.
وهذا صاحب صاحب الجنتين يقول له: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً, لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ ٥، فاستدل له بخلق أبيه آدم من تراب ثم خلقه هو من نطفة على وحدانية الله، وأخبره أنه يقول بوحدانية الله ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ , يقول ابن كثير: "أي لكن أنا لا أقول مقالتك بل أعترف لله بالوحدانية والربوبية ﴿وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدا﴾ أي بل هو الله وحده لا شريك له"٦.
стр. 314
وهذا الرجل المؤمن بالله الذي صدق رسل عيسى جاء من أقصى المدينة يركض ليدعو قومه أن يتبعوا المرسلين بما جاءوا به من التوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له، مستدلًا بخلقه على استحقاق خالقه لأن يفرد بالألوهية والعبادة وأن آلهتهم لا تستحق العبادة، قال تعالى عنه: ﴿وَمَا لِي لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ١ ٢.
والآيات المنبهة لخلق الإنسان نفسه كثيرة كقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُون﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِق﴾ ٥؛ لأن أقرب شيء إلى الإنسان نفسه, ولو فكر الكافر بأحوال نفسه وعجائبها وتنقله في بطن أمه أطوارًا وخروجه من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا، وأكله وشربه ونموه وحركات مفاصلة لأوقعه ذلك على عظيم خطئه وشركه بعبادته غير الله تعالى.
وقد وردت مسألة خلق الإنسان بدليل آخر يأخذ بالألباب في قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ, أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ ٦؛ لأن البشر لم يخرجوا عن أحد احتمالات ثلاثة:-
أ- إما أن يكونوا مخلوقين من غير خالق أي وجدوا بطريق الصدفة.
ب- وإما أن يكونوا خلقوا السماوات والأرض وخلقوا أنفسهم.
ج- وإما أن يكونوا مخلوقين لخالق واحد.
стр. 315
والاحتمال الأول: وهو كونهم غير مخلوقين لخالق, احتمال باطل كما مر معنا في فصل الأدلة الكونية حيث بينا بطلان شبهة أن يكون الخلق جاء بطريق الصدفة، لارتباط المسببات والنتائج بمقدماتها واستحالة صدور أثر بلا مؤثر وفعل بلا فاعل وخلق بلا خالق وتنظيم بلا منظم.
والصدفة لا ينبثق عنها هذا التركيب العجيب في جسم الإنسان ولا هذا التأليف العجيب بين الذكر والأنثى لاستمرار النوع الإنساني.
وأما الاحتمال الثاني: وهوأن يكونوا خلقوا أنفسهم، فهو أشد بطلانًا كما مر معنا في فصل الأدلة الكونية حيث بينا بطلان شبهة أن تكون الطبيعة هي الخالقة، لأن معنى ذلك أن كل شيء خلق نفسه وهذا مستحيل لأنه موجب اجتماع الضدين بنفس الوقت: الوجود والعدم، فيكونوا موجودين معدومين خالقين مخلوقين، وهم لم يزعموا قط أنهم خلقوا أنفسهم، فعجزهم عن خلق السموات والأرض أظهر وأبين لقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاس﴾ ١
وقد نبه المشركين إلى حقيقة أنهم لم يخلقوا أنفسهم بقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ, أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ ٢ فلم يجيبوا بنعم لعلمهم عجزهم وقصورهم التام عن ذلك، ولتمنيهم أن تكون النطفة ذكرًا فلا يأتي، وكراهتهم الأنثى فتأتي بغير إرادتهم.
وعليه فلم يبق إلا الاحتمال الثالث وهو كونهم مخلوقين لخالق واحد وهو الله رب العالمين، فيجب إذن إفراده بالألوهية وإخلاص العبادة له، ولذلك يقول في نهاية آيات سورة الطور: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٣، فهذا إنكار
стр. 316
شديد على المشركين في عبادتهم الأصنام من دون الله وهو خالقهم، بعد أن بين لهم بطلان كل احتمال يرد على الخاطر، ولم يبق إلا أنهم مخلوقون لخالق واحد متفرد بالألوهية، لذلك نزه سبحانه نفسه عما يفترون ويشركون معه في العبادة آلهتهم فقال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُون﴾ ١.
وقد روى ابن كثير قصة جبير بن مطعم٢ عندما قدم على النبي ﷺ بعد وقعة بدر في فداء الأسرى وكان إذ ذاك مشركًا فسمع النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآيات كاد قلبه أن يطير كما يروي عن نفسه، فكان سماعه لهذه الآيات من جملة ما حمله على الدخول في الإسلام ونبذ الشرك والأوثان٣.
وقد تكلم ابن القيم كلامًا موسعًا عن خلق الإنسان وعجائبه ودلالة ذلك على وحدانية الله تركنا ذكره اختصارًا٤.
стр. 317
٢- دليل عدم فساد الكون
ينبه القرآن الكريم على أن دلائل وحدانية الله انتظام أمر الكون بما فيه لأنه لو كان يحكم هذا الكون أكثر من إله لم ينتظر أمره ولدخله الفساد والخلل يقول تعالى مبينًا هذه الحقيقة:
﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ٢.
إن الله ينبه عباده بهذين الموضعين من سورتي الأنبياء والمؤمنون على وحدانيته تعالى، إذ لو كان في السماوات والأرض آلهة تصلح لهم العبادة سوى الله تعالى الذي هو خالق الأشياء كلها لفسدت السماوات والأرض بما فيهما ولدخلهما الخلل، ففسادهم لازم لتولي أمرهما آلهة شتى، وبما أن أمرهم منتظم غاية الانتظام فدل ذلك عقلًا على أن الإله المتصرف فيهما المستحق للعبادة دون سواه إله واحد, وهذا يدل على أمرين اثنين:
١- وجوب أن لا يكون مدبر السموات والأرض إلا واحدًا.
٢- وجوب أن لا يكون هذا المدبر الواحد إلا الله وحده, لقوله في سورة الأنبياء: ﴿إِلاَّ اللَّه﴾ .
ولو أورد على هذا الكلام شبهة جواز أن يكون اثنان تتفق إرادتهما فلا يقع خلاف وفساد، وشبهة جواز نسبة الخلق إلى مدبرين اثنين لوجود المتضادات كالخير والشر والنور والظلمة، فإننا نجيب عن الشبهة الأولى: بأنه يستحيل وجود
стр. 318
اثنين لا تنفك إرادة أحدهما عن إرادة الآخر ويكونان متكافئين في العلم والقدوة والإرادة والحكمة والتدبير على وجه لا تتقدم صفة أحدهما عن صفة الآخر.
ونجيب عن الشبهة الثانية: بأن صدور الشيء وضده أدل على وحدانية الله وقدرته، بل قد نبه تعالى على ذلك في مواضع من كتابه كقوله تعالى: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ﴾ ١ ٢.
وقد اعتبر المتكلمون أن الآيتين السابقتين من سورة الأنبياء والمؤمنون تدلان على وحدانية الرب، وقد خالفهم شيخ الإسلام ابن تيمية وكثير من المفسرين فاعتبروهما تدلان على وحدانية الإله؛ لأن دليل التمانع الذي يذكره المتكلمون للدلالة على وحدانية الرب يمنع وجود المفعول ولا يمنع فساده، والآيتان تدلان على امتناع الفساد لا على التمانع في الإيجاد، والسبب الذي جعل المتكلمين لا يفرقون بين التمانعين هو عدم تفريقهم بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية٣.
يقول الطبري في تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَد﴾ : "ما لله من ولد ولا كان معه في القديم ولا حين ابتدع الأشياء من تصلح عبادته ولو كان معه في القديم أو عند خلقه الأشياء من تصلح عبادته من إله إذًا لذهب ... إذًا لاعتزل كل إله منهم بما خلق من شيء فانفرد به ولتغالبوا فلعلا بعضهم وغلب القوي منهم الضعيف لأن القوي لا يرضى أن يعلوه ضعيف والضعيف لا يصلح أن يكون إلهًا فسبحان الله ما أبلغها من حجة وأوجزها لمن عقل وتدبر.. ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُون﴾ يقول تعالى ذكره: تنزيها لله عما يصفه هؤلاء المشركون من أن له ولدًا وعما قالوه من أن له شريكًا أو أن معه في القدم إلهًا يعبد ﵎"٤.
стр. 319
ويقول شارح الطحاوية: "وقريب من معنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ وقد ظن طوائف أن هذا دليل التمانع الذي تقدم ذكره وهو أنه لو كان للعالم صانعان.. إلخ، وغفلوا عن مضمون الآية، فإنه سبحانه أخبر أنه لو كان فيهما آلهة غيره ولم يقل أرباب.
وأيضًا فإن هذا إنما هو بعد وجودهما وأنه لو كان فيهما وهما موجدتان آلهة سواه لفسدتا.
وأيضًا فإنه قال: ﴿لَفَسَدَتَا﴾ وهذا فساد بعد الرجوع ولم يقل لم يوجدا ودلت على أنه لا يجوز أن يكون فيهما آلهة متعددة، بل لا يكون الإله إلا واحدًا, وعلى أنه لا يجوز أن يكون هذا الإله الواحد إلا الله ، وأن فساد السموات والأرض يلزم من كون الآلهة فيهما متعددة ومن كون الإله الواحد غير الله، وأنه لا صلاح لهما إلا بأن يكون الإله فيهما هو الله وحده لا غيره.
فلو كان للعالم إلهان معبودان لفسد نظامه كله, فإن قيامه إنما هو بالعدل وبه قامت السموات والأرض, وأظلم الظلم على الإطلاق الشرك وأعدل العدل التوحيد١" انتهى بلفظه.
وقد ألحق بعض المتكلمين بهاتين الآيتين قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ ٢، ظانين أن معناها نفس معنى قوله تعالى: ﴿وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض﴾ وقوله: ﴿لَفَسَدَتَا﴾ ، وقد فسرها الزمخشري بقوله: "لطلبوا إلى من له الملك والربوبية سبيلًا بالمغالبة كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ٣.
стр. 320
وأما الرازي فذكر في تفسيرها وجهين، أحدهما قول الزمخشري والثاني قول ابن جرير ومعناه: "لاتخذوا سبيلًا بالتقرب إليه وهي كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ ١، ورجح الرازي هذا الأخير لقول السلف به٢.
وقد تكلم ابن القيم ﵀ على الآيتين السابقتين مبينًا قطعيتهما على وحدانية الإله المعبود، ويقول في نهاية كلامه:
"وإنه لو كان في السماوات والأرض إله غير الله لفسد أمرهما واختل نظامهما وتعطلت مصالحهما.. فهذان برهانان يعجز الأولون والآخرون أن يقدحوا فيهما بقدح صحيح أو يأتوا بأحسن منهما ولا يعترض عليهما إلا من لم يفهم المراد منهم"٣ انتهى باختصار.