شديد على المشركين في عبادتهم الأصنام من دون الله وهو خالقهم، بعد أن بين لهم بطلان كل احتمال يرد على الخاطر، ولم يبق إلا أنهم مخلوقون لخالق واحد متفرد بالألوهية، لذلك نزه سبحانه نفسه عما يفترون ويشركون معه في العبادة آلهتهم فقال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُون﴾ ١.
وقد روى ابن كثير قصة جبير بن مطعم٢ عندما قدم على النبي ﷺ بعد وقعة بدر في فداء الأسرى وكان إذ ذاك مشركًا فسمع النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآيات كاد قلبه أن يطير كما يروي عن نفسه، فكان سماعه لهذه الآيات من جملة ما حمله على الدخول في الإسلام ونبذ الشرك والأوثان٣.
وقد تكلم ابن القيم كلامًا موسعًا عن خلق الإنسان وعجائبه ودلالة ذلك على وحدانية الله تركنا ذكره اختصارًا٤.
стр. 317
٢- دليل عدم فساد الكون
ينبه القرآن الكريم على أن دلائل وحدانية الله انتظام أمر الكون بما فيه لأنه لو كان يحكم هذا الكون أكثر من إله لم ينتظر أمره ولدخله الفساد والخلل يقول تعالى مبينًا هذه الحقيقة:
﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ٢.
إن الله ينبه عباده بهذين الموضعين من سورتي الأنبياء والمؤمنون على وحدانيته تعالى، إذ لو كان في السماوات والأرض آلهة تصلح لهم العبادة سوى الله تعالى الذي هو خالق الأشياء كلها لفسدت السماوات والأرض بما فيهما ولدخلهما الخلل، ففسادهم لازم لتولي أمرهما آلهة شتى، وبما أن أمرهم منتظم غاية الانتظام فدل ذلك عقلًا على أن الإله المتصرف فيهما المستحق للعبادة دون سواه إله واحد, وهذا يدل على أمرين اثنين:
١- وجوب أن لا يكون مدبر السموات والأرض إلا واحدًا.
٢- وجوب أن لا يكون هذا المدبر الواحد إلا الله وحده, لقوله في سورة الأنبياء: ﴿إِلاَّ اللَّه﴾ .
ولو أورد على هذا الكلام شبهة جواز أن يكون اثنان تتفق إرادتهما فلا يقع خلاف وفساد، وشبهة جواز نسبة الخلق إلى مدبرين اثنين لوجود المتضادات كالخير والشر والنور والظلمة، فإننا نجيب عن الشبهة الأولى: بأنه يستحيل وجود
стр. 318
اثنين لا تنفك إرادة أحدهما عن إرادة الآخر ويكونان متكافئين في العلم والقدوة والإرادة والحكمة والتدبير على وجه لا تتقدم صفة أحدهما عن صفة الآخر.
ونجيب عن الشبهة الثانية: بأن صدور الشيء وضده أدل على وحدانية الله وقدرته، بل قد نبه تعالى على ذلك في مواضع من كتابه كقوله تعالى: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ﴾ ١ ٢.
وقد اعتبر المتكلمون أن الآيتين السابقتين من سورة الأنبياء والمؤمنون تدلان على وحدانية الرب، وقد خالفهم شيخ الإسلام ابن تيمية وكثير من المفسرين فاعتبروهما تدلان على وحدانية الإله؛ لأن دليل التمانع الذي يذكره المتكلمون للدلالة على وحدانية الرب يمنع وجود المفعول ولا يمنع فساده، والآيتان تدلان على امتناع الفساد لا على التمانع في الإيجاد، والسبب الذي جعل المتكلمين لا يفرقون بين التمانعين هو عدم تفريقهم بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية٣.
يقول الطبري في تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَد﴾ : "ما لله من ولد ولا كان معه في القديم ولا حين ابتدع الأشياء من تصلح عبادته ولو كان معه في القديم أو عند خلقه الأشياء من تصلح عبادته من إله إذًا لذهب ... إذًا لاعتزل كل إله منهم بما خلق من شيء فانفرد به ولتغالبوا فلعلا بعضهم وغلب القوي منهم الضعيف لأن القوي لا يرضى أن يعلوه ضعيف والضعيف لا يصلح أن يكون إلهًا فسبحان الله ما أبلغها من حجة وأوجزها لمن عقل وتدبر.. ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُون﴾ يقول تعالى ذكره: تنزيها لله عما يصفه هؤلاء المشركون من أن له ولدًا وعما قالوه من أن له شريكًا أو أن معه في القدم إلهًا يعبد ﵎"٤.
стр. 319
ويقول شارح الطحاوية: "وقريب من معنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ وقد ظن طوائف أن هذا دليل التمانع الذي تقدم ذكره وهو أنه لو كان للعالم صانعان.. إلخ، وغفلوا عن مضمون الآية، فإنه سبحانه أخبر أنه لو كان فيهما آلهة غيره ولم يقل أرباب.
وأيضًا فإن هذا إنما هو بعد وجودهما وأنه لو كان فيهما وهما موجدتان آلهة سواه لفسدتا.
وأيضًا فإنه قال: ﴿لَفَسَدَتَا﴾ وهذا فساد بعد الرجوع ولم يقل لم يوجدا ودلت على أنه لا يجوز أن يكون فيهما آلهة متعددة، بل لا يكون الإله إلا واحدًا, وعلى أنه لا يجوز أن يكون هذا الإله الواحد إلا الله ، وأن فساد السموات والأرض يلزم من كون الآلهة فيهما متعددة ومن كون الإله الواحد غير الله، وأنه لا صلاح لهما إلا بأن يكون الإله فيهما هو الله وحده لا غيره.
فلو كان للعالم إلهان معبودان لفسد نظامه كله, فإن قيامه إنما هو بالعدل وبه قامت السموات والأرض, وأظلم الظلم على الإطلاق الشرك وأعدل العدل التوحيد١" انتهى بلفظه.
وقد ألحق بعض المتكلمين بهاتين الآيتين قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ ٢، ظانين أن معناها نفس معنى قوله تعالى: ﴿وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض﴾ وقوله: ﴿لَفَسَدَتَا﴾ ، وقد فسرها الزمخشري بقوله: "لطلبوا إلى من له الملك والربوبية سبيلًا بالمغالبة كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ٣.
стр. 320
وأما الرازي فذكر في تفسيرها وجهين، أحدهما قول الزمخشري والثاني قول ابن جرير ومعناه: "لاتخذوا سبيلًا بالتقرب إليه وهي كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ ١، ورجح الرازي هذا الأخير لقول السلف به٢.
وقد تكلم ابن القيم ﵀ على الآيتين السابقتين مبينًا قطعيتهما على وحدانية الإله المعبود، ويقول في نهاية كلامه:
"وإنه لو كان في السماوات والأرض إله غير الله لفسد أمرهما واختل نظامهما وتعطلت مصالحهما.. فهذان برهانان يعجز الأولون والآخرون أن يقدحوا فيهما بقدح صحيح أو يأتوا بأحسن منهما ولا يعترض عليهما إلا من لم يفهم المراد منهم"٣ انتهى باختصار.
стр. 321
٣- دليل نفي الولد عن الله تعالى
وهذا الدليل تحته فرعان:
أ- نفي الولد عن الله نفيًا عامًّا، ومحله الآيات الدالة على أن الله تعالى خالق كل شيء ومالكه.
ب- نفي البنت ومحله الآيات الدالة على أن الله تعالى له المثل الأعلى.
أ- الفرع الأول: نفي الولد عن الله نفيًا عامًّا
نفى القرآن الكريم ما ينسبه المشركون لله من اتخاذه الولد عن طريق دليل الخلق والملك، وهو أن الله سبحانه غني عن الولد؛ لأنه هو وحده خالق السموات والأرض، وهما مملوكتان لله، ومن كان هذا خلقه وملكه كان مستغنيًا عن الولد لأنه ليس بحاجة إليه.
يقول تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ, بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ ٢، ويقول تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣.
من هذه الآيات نرى أن الله ينفي عن نفسه اتخاذ الولد بدليل أنه خالق السموات والأرض -أي مبدعهما ومحدثهما على غير مثال سابق وهما
стр. 322
تشهدان له بالوحدانية، وفي هذا تنبيه لعباده أن مما يشهد له بذلك: المسيح الذي زعموا بنوته لله، وأن الذي ابتدع السموات والأرض على غير مثال: هو الذي ابتدع المسيح من غير والد بقدرته.
يقول الطبري: "لله ما في السموات والأرض من الأشياء كلها ملكًا وخلقًا وهو يرزقهم ويقوتهم ويدبرهم فكيف يكون المسيح ابن الله وهو في الأرض أو في السموات غير خارج من أن يكون في بعض هذه الأماكن، وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ يقول وحسب ما في السموات وما في الأرض بالله قيمًا ومدبرًا ورازقًا من الحاجة معه إلى غيره"١.
ويترتب على كون الله تعالى خالقًا ومالكًا لكل ما في السموات والأرض نقطتان: ـ
النقطة الأولى: أنه مادام أن كل شيء مخلوق لله ومملوك له إذن فكل ما في السموات والأرض عبيد الله, وعليه فإن كل من زعموهم أنهم أبناء الله -كالمسيح والعزير والملائكة- هم عبيد الله يدعون لعبادته ولا يستنكفون عنها، كما قال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً, إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ, لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ٤.
وكما أن المسيح والملائكة عبيد الله، فكل شيء مخلوق فهو عبد الله حتى
стр. 323
السموات والأرض والجبال، ولذلك تكاد السموات والأرض أن تتصدعا، وتكاد الجبال أن تتهدم من قول من زعم أن لله ولدًا، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا, لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا, تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا, أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ ١، قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآيات: "أي يكاد يكون ذلك عند سماعهن هذه المقالة من فجرة بني آدم إعظامًا للرب وإجلالًا لأنهن مخلوقات ومؤسسات على توحيده وأنه لا إله إلا هو وأنه لا شريك له ولا نظير ولا ولد ولا صاحبة ولا كفء له, بل هو الله الأحد الصمد٢.
النقطة الثانية: أن ادعاء الولد لله كذب بهتان ليس لقائليه دليل لأنه ليس لله صاحبة سبحانه وتعالى عما يصفون.
يقول تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ, قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ٣، ويقول تعالى: ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا, مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا﴾ ٤.
ففي هذه الآيات نزه نفسه عما نسبه إليه المشركون من اتخاذ الولد، لأنه هو الغني عن خلقه جميعًا ولا حاجة به للولد؛ لأن الولد إنما يطلبه من كان ضعيفًا ليكون عونًا له في حياته، وذكرًا له بعد وفاته، والله تعالى غني عن ذلك فلا حاجة به لمعين يعينه على تدبيره، والله تعالى حي لا يموت فليس به
стр. 324
حاجة لخلف بعده، وعليه فمن نسب لله تعالى الولد فهو كاذب مفترٍ عليه، ليس عنده حجة على ذلك١.
وهؤلاء الجن الذين آمنوا بينوا أن سفيههم -وهو إبليس- قال قولًا جائرًا وباطلًا بنسبة الولد إلى الله تعالى، ويحتمل أن يراد بقولهم: "سفيهنا" اسم جنس لكل من زعم أن لله صاحبة وولدًا، وقد نفى الجن الولد عن الله بعد أن نفوا عنه الصاحبة؛ لأن الولد لا يكون إلا منها, والله ليس له صاحبة لأنها لو كانت لكانت من جنسه والله ليس كمثله شيء، وبناء عليه فليس له ولد٢ كما قال تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ ٣، فكلامهم فيه نفي الصاحبة والولد عن الله وبيان أن ادعاء ذلك لله كذب وشطط من القول، قال تعالى عنهم: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً, وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾ ٤، يقول الطبري في تفسير هاتين الآيتين: "فقال النفر من الجن علا ملك ربنا وسلطانه ومقدرته وعظمته أن يكون ضعيفًا ضعف خلقه الذين تضطرهم الشهوة إلى اتخاذ الصاحبة أو وقاع شيء يكون منه ولد"٥.
ب- الفرع الثاني: نفي البنت عن الله:
يعتمد هذا النفي على دليل المثل الأعلى، ومحله الآيات الدالة على أن الله تعالى له المثل الأعلى، والمعنى أن كل صفة كمال فالخالق أولى بالاتصاف بها، وكل صفة
سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى, أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى, فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى, وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى, إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى, وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ١.
في هذه الآيات يخبر تعالى أن المشركين زعموا أن الملائكة إناث وأنهم بنات الإله فعبدوهم معه، وقد ضلوا في ذلك حيث نسبوا أقل القسمين من الأولاد -وهو البنات- إلى الله وهم لا يرضونهن لأنفسهم، بل يتغير وجه أحدهم إذا بشر بولادة الأنثى له، ويحزن ويكره أن يراه الناس يفكر بدفنها حية، فكيف أنف هؤلاء المشركون من ذلك ونسبوه إلى الله والله تعالى له الكمال المطلق من كل وجه؟ إن الإذعان بأنه لا إله غيره وأنه منزه عن سمات الحدوث والتوالد٢.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فبين سبحانه أن الرب الخالق أولى بأن ينزه عن الأمور الناقصة منكم فكيف تجعلون له ما تكرهون أن يكون لكم وتستحيون من إضافته إليكم مع أن ذلك واقع لا محالة ولا تنزهونه عن ذلك وتنفونه عنه وهو أحق بنفي المكروهات المنقصات منكم؟ "٣.
ولم يكتف المشركون بزعم بنوة الملائكة لله، بل عبدوا الملائكة زاعمين أن الله يرضى بهذه العبادة: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ ، وهذا قول في غاية الكفر والكذب، وجعلهم الملائكة إناثًا: كفر واستهانة بمخلوق كريم مقرب إلى الله،
стр. 327
وزعمهم أن الملائكة بنات الله كفر، وفيه تمثيل لله بخلقه وتفضيل لأنفسهم على الله تعالى، وعبادتهم للملائكة من دون الله محتجين على ذلك بأن الله لو شاء لمنعهم من العبادة، فلما لم يمنعهم دل ذلك على رضاه بذلك -حسب زعمهم- هذه العبادة كذلك كفر وكذب، وكل واحدة من هذه الآراء الكافرة الكاذبة توجب الخلود في النار لصاحبها إذا مات وهو معتقد لها١.
ويوجه الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ أن يسألهم على سبيل الإنكار عليهم ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمْ الْبَنُون﴾ ، ويقول تعالى منكرًا عليهم: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنْ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا﴾ ، ﴿أصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِين﴾ ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى, تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ ، فيا أيها الجاعلون البناتِ لله ولكم الذكور، قسمتكم هذه ظالمة وجائرة، وناقصة غير تامة؛ لأنكم قسمتم لربكم من الولد ما تكرهون لأنفسكم وآثرتم أنفسكم بما ترضون، ثم كيف حكمتم بأنوثة الملائكة؟ هل أنتم شهدتم خلقهم؟ ستسألون يوم القيامة عن هذا الافتراء العظيم.
ثم أي شيء حمله تعالى على أن يختار البنات على البنين؟ أليس لكم عقول تفكرون بها؟ أي حجة لكم على دعواكم؟ هاتوا برهانًا مستندًا لأي كتاب منزل من عند الله على صحة ما تقولون، إنكم لن تجدوا دليلًا على قولكم؛ لأن قولكم هذا لا يستند إلى شرع ولا عقل وليس عندكم علم صحيح على ما قلتم, وأقوالكم هذه كذب وافتراء وكفر شنيع، وكلها صادرة عن ظن ووهم لا عن حقيقة وعلم, وأنى للظن أن يغني من الحق شيئًا٢.
стр. 328
٤- دليل الرزق:
قال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ, فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ٤.
إن مسألة الرزق من خصائص الربوبية، والمشركون كلهم معترفون بأن الرازق هو الله وأن أصنامهم لا تملك رزقًا، واعترافهم بتفرد الله بالرزق يوجب عليهم إفراده بالألوهية والعبادة.
وفي آية سورة الأنعام يأمر الله نبيه محمدًا ﷺ أن يقول للذين يدعونه لعبادة آلهتهم: أغير الله خالق السموات والأرض والذي يرزقني ويرزق غيري ولا يرزقه أحد، أغير هذا الإله الرازق أتخذ وليًّا٥.
فنرى في هذه الآية أنه تعالى احتج على المشركين بكونه رازقًا، ونفس هذا
стр. 329
الاحتجاج وارد بآية سورة فاطر، ولذلك نجد الآية مختومة بقوله تعالى: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُون﴾ ، أي فكيف تصرفون عن توحيد الله وعبادته مع أنه ليس لكم رازق غير الله يرزقكم١.
وأما في آية سورة الروم فدليل الرزق مجموع مع دليل الخلق؛ لأن الخلق والرزق من خصائص الربوبية، وبعد أن بينت الآية أن الله وحده هو الخالق الرازق جاء الدليل بشكل استفهام تقريعي لبيان قبح صنيع المشركين بعبادتهم غير الخالق الرازق ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ والجواب معروف لأنهم لم يزعموا قط أن آلهتهم ترزق أدنى شيء، وهنا تقوم الحجة عليهم إذ كيف يستحق العبادة من لا يرزق عباده؟
وتبين آية سورة غافر بأن الله يرينا حججه على وحدانيته ومنها إنزال أرزاقنا من السماء، ولكن لا يتذكر هذه الحجج ويعتبر بها إلا من يرجع إلى توحيد الله ويقبل على عبادته وحده، وأن علينا تجاه هذا الرزق أن نخلص الطاعة والعبادة لله وحده ولو كره ذلك الكافرون٢.
وهذا إبراهيم الخليل ﵇ يعلن عداوته لآلهة قومه وبراءته منها؛ لأنها لا تستحق الألوهية مستدلًّا على ذلك بأنها لا تملك من خصائص الربوبية شيئًا التي منها الرزق، ومالك ذلك وحده: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ, أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ, فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ, الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ, وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ ٣، ويصرح في موضع آخر بعدم استحقاق الآلهة للعبادة لأنها لا تملك رزقًا، والعاقل يترك عبادتها ويعبد من بيده رزقه فيقول تعالى عنه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ, إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا
стр. 330
وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ١.
ومما تقدم نرى أن هذا الدليل -دليل الرزق- يقوم على أساس اعتراف المشركين بتوحيد الربوبية، وأن من أقر بوحدانية الرب الرازق أداه إقراره لتوحيد الله في ألوهيته وإخلاص العبادة له وحده لا شريك له، وهذا المعنى وارد في سورة يونس بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ, فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ٢. والآية الأولى منهما جمعت بين دليل الرزق والملك والخلق والتدبير مبينة إسناد المشركين هذه الأمور إلى الله فكان مقتضى هذا الإسناد أن يتقوا الله ﴿فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُون﴾ قال الطبري: "أي أفلا تخافون عقاب الله على شرككم وادعائكم ربًّا غير من هذه الصفة صفته وعبادتكم معه من لا يرزقكم شيئًا"٣.
إذن يجب عليهم أن يتقوا الله؛ لأن هذا الرب المتفرد بكل خصائص الربوبية هو الله الحق وليس بعد الحق إلا الضلال، وليس غير الله إلهًا حقًّا يستحق الإفراد بالعبادة، فإذا كان هو الحق فادعاء المشركين ألوهية غيره ضلال وذهاب عن الحق٤.
وأما في سورة سبأ فأمر الرسول ﷺ يتلقينهم الجواب فقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ﴾ ٥، فأمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يقول: الله
стр. 331
يرزقكم؛ لأنهم يعرفون أن هذا هو الجواب الصحيح وليس عندهم جواب غيره, فتلقينهم الجواب بهذا الشكل فيه تقرير لهم على أنفسهم وإقامة للحجة عليهم، فلو كانوا يعقلون لعبدوا الرازق دون الأصنام.
يقول الزمخشري: "ثم أمره بأن يتولى الإجابة والإقرار عنهم بقوله: يرزقكم الله، وذلك للإشعار بأنهم مقرون بقلوبهم إلا أنهم ربما أبوا أن يتكلموا به؛ لأن الذي تمكن في صدورهم من العناد وحب الشرك قد ألجم أفواههم عن النطق بالحق مع علمهم بصحته، ولأنهم إن تفوهوا بأن الله رازقهم لزمهم أن يقال لهم: فما لكم لا تعبدون من يرزقكم وتؤثرون عليه من لا يقدر على الرزق؟ ألا ترى إلى قوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ حتى قال: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ ثم قال: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ فكأنهم كانوا يقرون بألسنتهم مرة، ومرة كانوا يتلعثمون عنادًا وإصرارًا وحذرًا من إلزام الحجة"١ انتهى بلفظه.
стр. 332
٥- دليل النوائب:
قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ, بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ, قُلْ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ٢، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ, فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ..﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ, ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ٤.
فحوى هذا الدليل أنه إذا نزل بالمشركين كرب وبلاء في البر أو في البحر فسَرْعانَ ما يرجعون إلى الله ويدعونه لكشف هذا البلاء تاركين دعاء أصنامهم لاعترافهم بأنه لا يكشفه أحد غير الله، ثم إذا نجوا وسلموا من هذا البلاء عادوا لشركهم بالله وعبادتهم الأصنام التي نسوها عند البلاء.
وهذا الأمر من المشركين يستدعي التعجب والاستنكار، لذلك جاء الكلام في آية سورة يونس مصروفًا عن الخطاب إلى الغيبة، قال الزمخشري: "فإن قلت ما فائدة صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة؟ قلت: المبالغة كأنه يذكر لغيرهم
стр. 333
حالهم ليعجبهم منها ويستدعي منهم الإنكار والتقبيح"١.
وأما في سورة الإسراء فيتخذ الدليل أسلوب التهديد المباشر حتى يوقظ فطرهم وينبه عقولهم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً, أَفَأَمِنتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً, أَمْ أَمِنتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ ٢.
ومعنى هذا التهديد أن يا أيها المشركون الذين لجأتم إلى الله في البحر، فنجاكم من مخاطره فعدتم للشرك به، هل أنتم آمنون من عذابه وانتقامه؟ إنه قادر على أن يخسف بكم الأرض أو يمطر عليكم حجارة من السماء وعندها لن تجدوا ناصرًا يرد ذلك عنكم، أم أنكم آمنون أن يعيدكم الله في البحر مرة ثانية فيغرق سفنكم بريح شديدة بسبب كفركم وعندها لن تجدوا من يأخذ بثأركم ويتبعنا بشيء من ذلك؟ ٣.
فانظر هذا البيان الإلهي لسفه عقول المشركين، حيث إنهم يلتجئون إلى الله الواحد عند كل كرب في البحر والبر لتيقنهم أن أصنامهم لا تملك دفع المكروه عنهم وأن الله وحده هو الكاشف للبلاء، ثم يصرفون على عبادتها وإشراكها مع الله في الألوهية.
والعقل السليم لا يرضى بالتجاء صاحبه إلى إله في الشدة وإله آخر في الرخاء؛ لأن الإله المنجي من الكربات حقيق أن يكون إلهًا معبودًا وحده في الرخاء، كما في
стр. 334
قصة إسلام حصين, قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ولهذا قال النبي ﷺ لأبي عمران بن حصين: "كم تعبد اليوم إلهًا"؟ قال: ستة في الأرض وواحد في السماء. قال: "فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك"؟ قال: الذي في السماء. رواه الترمذي١.
وكذلك قصة رجل من كنانة جاء بإبله ليوقفها على صنم يقال له: "سعد" للتبرك، فلما أدناها منه نفرت وتفرقت في كل وجه، فرماه الرجل بحجر قائلًا: لا بارك الله فيك إلهًا أنفرت علي إبلي, ثم خرج في طلبها وهو ينشد:
أتينا إلى سعدٍ ليجمع شملنا ... فشتتنا سعدٌ فلا نحن من سعدِ
وهل سعدٌ إلا صخرة بتنوفة ... من الأرض لا يدعى لغي ولا رشد٢
وهذا عكرمة بن أبي سفيان وجماعة من المشركين فروا من مكة يوم الفتح استكبارًا عن الإيمان، فركبوا سفينة لم تلبث أن لعبت بها العواصف وأخذتها الأمواج من كل جانب حتى كادت أن تغرق بمن فيها، فأخذ القوم كلهم يدعون الله ويتضرعون إليه فقال عكرمة: ما هذا؟ فقالوا: هذا مكان لا ينفع فيه إلا الله، فقال عكرمة: هذا إله محمد الذي يدعونا إليه وإنه إن لم ينجني في البحر غيره، فلن ينجيني في البر غيره، فاللهم رب محمد, إن لك على عهدًا إن عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدًا حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوًّا كريمًا فسلِم ثم أسلم٣.
ويروى كذلك أن ملحدًا جاء إلى جعفر الصادق يسأله عن الله وكيف يجده؟ فقال للسائل: ألم تركب البحر؟ قال: بلى، قال: فهل هاجت بكم الريح عاصفة وكادت السفينة أن تغرق؟ قال: نعم، قال: فهل انقطع أملك من الملاحين ومن كل وسائل النجاة وانقدح في نفسك أن هناك من يستطيع أن ينقذ السفينة من الغرق إذا شاء؟ قال: نعم، قال: فذلك هو الله تعالى وحده لا شريك له٤.
стр. 335
فهذه القصص تبين أن السلف الصالح كانوا يستدلون بهذا الدليل -دليل النوائب- على وحدانية الله تعالى، وأن هذا الدليل كان سببًا في إسلام بعض المشركين
стр. 336
المبحث الثاني: الكلام على الأدلة العقلية المتعلقة بالأصنام
١- دليل النقص:
وبيان هذا الدليل أن هذه الأصنام التي يعبدونها أنقص من عابديها, ويتضح ذلك بثلاث نقاط:
أ- أن هذه الأصنام ميتة لا حياة فيها وأما عُبَّادها فهم أحياء.
ب- أن هذه الأصنام لا تنطق وأما عبادها فينطقون.
جـ- أن هذه الأصنام ليس لها أرجل وأيدي وسمع وبصر وعبادها لهم ذلك.
وفيما يلي تفصيل ذلك:
أ- فقد الأصنام للحياة
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ, أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ, إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ١.
أخبر تعالى في هذه الآيات أن من صفات آلهة المشركين كونها مخلوقة لا تخلق شيئًا -وهذا ما أشار إليه إبراهيم ﵇ بقوله: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ, وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٢- ثم هي ميتة لا أرواح فيها، بل هي جمادات لا تعقل، وما تدري متى تكون الساعة، فكيف يرتجي عندها ثواب وجزاء؟
إن الإله الذي يهب الحياة لغيره لا بد أن يكون حيًّا، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وبما أن أصنام المشركين من عمل أيديهم من حجر أو خشب وغيره، فهي ميتة لا
стр. 337
تصلح للألوهية بمجرد نظرة بسيطة وعبادها أكمل منها؛ لأن فيهم الروح والحياة والحي أكمل من الميت.
يقول الزمخشري: "نفى عنهم خصائص الإلهية بنفي كونهم خالقين وأحياء لا يموتون وعالمين بوقت البعث، وأثبت لهم صفات الخلق بأنهم مخلوقون وأنهم أموات وأنهم جاهلون بالغيب، ومعنى "أموات غير أحياء" أنهم لو كانوا آلهة على الحقيقة لكانوا أحياء غير أموات، أي غير جائز عليهم الموت كالحي الذي لا يموت, وأمرهم على العكس من ذلك, والضمير في "يبعثون" للداعين، أي لا يشعرون متى تبعث عبدتهم, وفيه تهكم بالمشركين وأن آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم فكيف يكون لهم وقت جزاء منهم على عبادتهم؟ "١. انتهى بلفظه.
ب- فقد الأصنام للنطق
قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ, أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ ٣.
ذم الله تعالى بني إسرائيل في هاتين الآيتين على عبادتهم عجلًا من ذهب زاعمين أنه إلههم، فاحتج عليهم ؛ لأنه لا يتكلم ولا يملك أن يهديهم طريق الخير ولا يملك لهم ضرًّا ولا نفعًا، وهذه صفات نقص يستحيل أن يتصف الإله بها، فلو كانت لهم عقول لفكروا بها وعرفوا أن هذا العجل لا يستحق العبادة
стр. 338
وهم أنفسهم أكمل من هذا العجل لأنهم يتكلمون ويعبرون عما يريدون وأما عجلهم فليس له إلا الخوار ولكن جهلهم وضلالهم غطى على بصائرهم.
يقول الطبري: "يخبر جل ذكره أنهم ضلوا بما لا يضل بمثله أهل العقل، وذلك أن الرب ﷻ الذي له ملك السماوات والأرض ومدبر ذلك لا يجوز أن يكون جسدًا له خوار لا يكلم أحدًا ولا يرشد إلى خير"١.
وهذا إبراهيم الخليل ﵇ يوجه أنظار قومه وهو يجادلهم إلى أن هذه الأصنام التي يعبدونها لا تنطق فكيف تستحق العبادة؟ بل إن إبراهيم قد أخذ إقرارهم على أنفسهم من أنفسهم باعترافهم أن أصنامهم ناقصة لا تنطق، قال تعالى: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ, قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ, فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ, ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ, قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ, أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾
٢، فعندما قال لهم إبراهيم ﵇ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ رجعوا إلى عقولهم ونظر بعضهم إلى بعض وغلبوا في الحجة؛ لأنهم احتجوا على إبراهيم بما هو حجة له عليهم حيث قالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ﴾ فآلهتهم لا تتكلم حتى تخبرهم عمن كسرها، فلما ظهرت الحجة لإبراهيم بدأ بذمهم وذم أصنامهم قائلًا: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ, أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ إذ لو كانت لهم عقول سليمة لعلموا أن الإله الذي لا يحمي نفسه ممن كسره وأهانه ولا ينطق فيخبر عمن فعل به ذلك، فهو عاجز عن نفع غيره أو ضره وعن حماية عابده من باب أولى،
ومن كان هذا شأنه لا يستحق العبادة، يقول الزمخشري:
стр. 339
"أي استقاموا ورجعوا إلى أنفسهم وجاؤا بالفكرة الصالحة ثم انتكسوا وانقلبوا عن تلك الحالة فأخذوا في المجادلة بالباطل والمكابرة وأن هؤلاء مع تقاصر حالها عن حال الحيوان الناطق آلهة معبودة مضادة منهم، أو انتكسوا عن كونهم مجادلين لإبراهيم ﵇ مجادلين عنه حين نفوا عنه القدرة على النطق وقلبوا على رءوسهم حقيقة لفرط إطراقهم خجلًا وانكسارًا وانخذالًا مما بهتهم به إبراهيم ﵇, فما أحاروا جوابًا إلا ما هو حجة عليهم"١.
وقد ضرب الله تعالى مثلًا لنفسه وللأصنام التي تعبد من دونه فقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهُّ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢، ومعنى المثل أن الوثن أبكم لا يتكلم ولا ينطق بخير ولا يقدر على شيء من المقال أو الفعال ويتعب عابده بحمله وخدمته، فهو كالرجل الأبكم الذي هو كلٌّ على أقاربه وحيثما وجهوه لا يأت بخير لأنه لا يفهم ما يقال له ولا يعبر عما في نفسه، فهو لا يفهم ولا يفهم عنه، فكما لا يستوي الرجلان: الأبكم والناطق، فكذلك لا يستوي الصنم الذي لا يعقل ولا يتكلم فيأمر وينهى مع الله تعالى ذكره: المتكلم الآمر بالعدل والحق والتوحيد والعبادة، وقد قال قتادة ومجاهد بأن هذا المثل ضربه الله لنفسه وللوثن فهذا مثل إله الحق وما يدعى من دونه من الباطل، فكيف يليق بالعاقل إذن عبادة من هذا شأنه وعابده أكمل منه وأقدر على التعبير عما في نفسه"٣.
стр. 340
ج- فقد الأصنام للسمع والبصر والأطراف
قال تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ, وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ, وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ, إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ, أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلْ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِي فَلا تُنظِرُونِ, إِنَّ وَلِيِّي اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ, وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ, وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ ١.
ففي هذه الآيات يتضح إنكار الله على المشركين الذين عبدوا معه الأنداد والأوثان التي هي مخلوقة مربوبة لا تملك من الأمر شيئًا ولا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع ولا تنتصر لعابديها لأنها جماد، وعابدوها أكمل منها بسمعهم وبصرهم وبطشهم ولهذا قال: ﴿سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ﴾ فهي لا تسمع الدعاء وسواء لديها من دعاها وغيره من عبادها؛ لأنها مخلوقات مثلهم، بل هي لا تفعل ما يفعله عبادها من الحركة والبطش والسمع والبصر، فهي في غاية المهانة والحقارة، ولذلك أمر الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ أن يتحداهم وأصنامهم: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِي فَلا تُنظِرُونِ﴾ لأن هذه الأصنام تقابل الإنسان بعيون مصورة كأنها ناظرة وهي في الواقع لا تبصر: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُون﴾ ، وإنما عبر بضمير العاقل لأنها مصورة على صورة الإنسان، وكذا قال قتادة وابن جرير أن ضمير الغائب في قوله: ﴿وَتَرَاهُم﴾ للأصنام٢.
стр. 341
وهذه الحجة احتج بها إبراهيم على أبيه أولًا ثم على قومه لما يعلم من نصاعتها ووضوحها, فيقول لأبيه ما قاله تعالى عنه: ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ ١، ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ, قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ, قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ, أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ, قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ٢.
فلا يليق بالعاقل أبدًا أن يعبد إلهًا دونه وأقل منه، والعابد هو أكمل من معبوده وأقوى بروحه التي بها حياته، وبحواسه التي بها يصرف أموره، وبنطقه الذي به يفهم عن الناس ويفهمون به عنه.
وقد بين تعالى أن هذه الآلهة التي يدعوها المشركون لا تسمعهم في دعائهم لها ولو سمعت لم يتيسر لها إجابة الدعاء, فليست ناطقة ولا سامعة وليس كل سامع قولًا يتيسر له الجواب عنه، وقد وصفها الله تعالى بالغفلة تشبيهًا لها بمن يسهو عما يقال له، وهذا فيه غاية التوبيخ لهم في عبادتهم ما لا يعقل شيئًا ولا يفهم وهو كالغافل، فيقول تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ ٣، ويقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ ٤.
وقد ضرب الله تعالى الأمثال لهؤلاء الداعين أصنامهم -كما مر معنا في الفصل الثاني من هذا الباب- فقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَة
стр. 342
الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ ١، فشبههم الله تعالى في دعائهم الأصنام بالراعي يصيح بالغنم وهي لا تفهم ما يريد أو بالعطشان الجالس على باب البئر باسطًا كفيه للماء ليجيب دعاءه ويروي غُلّته، فلا هو نزل البئر فشرب ولا الماء يحس بدعائه فيستجيب له لأنه جماد، وهكذا أصنامهم لن تستجيب لهم؛ لأنها جمادات ميتة لا أرواح فيها فلا تسمع دعاءهم٢.
стр. 343
٢- دليل العجز
وفيه نقطتان:
أ- عجز الأصنام في الدنيا
ب- عجز الأصنام في الآخرة.
أ- عجز الأصنام في الدنيا
قال تعالى: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ، يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ٤.
في هذه الآيات يذم الله تعالى عبدة الأوثان؛ لأنها لا تجلب نفعًا ولا تدفع ضرًّا عن نفسها ولا عن عابديها، ويأمر نبيه صلي الله عليه وسلم أن يجابههم سائلًا إياهم عن آلهتهم لتقريرهم بأنها لا تملك ضرًّا ولا نفعًا ولا تملك كذلك حماية عبادها من الله إن أرادهم بمكروه، فالحافظ الوحيد لخلقه ليلًا ونهارًا هو الله، وهذا ما ورد بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا﴾ ٥، فقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ بعد قوله: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ﴾
стр. 344
وَالأَرْضِ﴾ , هو حكاية لاعتراف المشركين وتأكيد للحجة عليهم، لأنه إذا قال لهم: من رب السماوات والأرض؟ لم يكن لهم بد من أن يقولوا: الله، كقول المناظر لصاحبه: أهذا قولك؟ فإن أجاب بنعم، يحكي المناظر عندها قوله وإقراره تقريرًا للحجة عليه قائلًا له: فعلى قولك يلزمك كذا وكذا، وقد يجوز أن يكون قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ تلقينًا للجواب، والمعنى إذا سألتهم عن رب السماوات والأرض ولم يجيبوا فقل أنت: الله، فإنهم سيتلقون الجواب ولا يقدرون على إنكاره، وأما قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ فهو استفهام إنكاري، أي أبعد أن علمتم أن الله هو رب السموات الأرض اتخذتم من دونه أولياء لا يستطيعون ضر أحد أو نفعه بل ولا لأنفسهم, فجعلتم ما كان يجب أن يكون سببًا للتوحيد من علمكم وإقراركم جعلتموه سببًا للإشراك؟ كيف آثرتم الإشراك على التوحيد بإيثاركم الأصنام على الخالق الرازق المحيي المميت رب السماوات والأرض؟ فما أبين ضلالكم وبعدكم عن الحق١.
وقد استعمل إبراهيم ﵇ هذا الدليل لإقامة الحجة على قومه عندما كسر الأصنام، ففي هذا أوضح دليل على عجزها عن نصرة أنفسها والإضرار بمن كسرها, فكيف تملك ذلك لعابديها؟ يقول تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ, وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ ٢، فقد بين إبراهيم لقومه أنه لا يخاف أصنامهم لأنها لو كان بها قدرة على النفع والضر لانتقمت منه عند تكسيرها، ولذلك قال لقومه ﴿أَفَلا تَتَذَكَّرُون﴾ أي أفلا تعتبرون بحالها وأنه ليس لكم في عبادتها حجة٣.
стр. 345
ولكن قوم إبراهيم لم يتعظوا بهذه الحجة الدامغة كما اتعظ بها الصحابي الجليل عمرو بن الجموح ﵁، فقد كان ابنه معاذ ومعاذ بن جبل ﵄, وكانا شابين أسلما لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، فكانا يعدوان على الأصنام ليلًا ويكسرانها ويعطيانها حطبًا للأرامل ليعتبر قومهما بذلك، فكان لعمرو بن الجموح سيد قومه صنم يعبده ويطيبه، فجاءا ليلًا فنكساه على رأسه ولطخاه بالعذرة، فلما جاء عمرو نهارًا ورأى ما بصنمه غسله وطيبه ووضع عنده سيفًا وقال له: انتصر من عدوك، ثم أخذاه في الليلة الثانية فقرناه مع كلب ميت ودلياه في بئر، فلما نظر عمرو إليه نهارًا اغتاظ منه وعلم أنه إله زائف وقال له:
تالله لو كنت إلهًا مستدن ... لم تك والكلب جميعًا في قرن
ثم كسره وأسلم فحسن إسلامه واستشهد يوم أحد ﵁ وأرضاه١.
وهذا الأعرابي يكسر صنمه عندما رأى ثعلبانًا يبول على رأسه وقال له:
أرب يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالب٢
ب- عجز الأصنام في الآخرة
يقول تعالى: ﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ, قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٤.
إن الأصنام عاجزة عن نفع عابديها في الآخرة، فلن يجدوا يوم القيامة ما كانوا
стр. 346
يتمنون من شفاعتها لهم، ولكن يجدوا منها العداء والتبرؤ، ويأمر الله نبيه محمدًا ﷺ أن يتهكم بهم وبما ادعوه من شفاعتها؛ لأن ذلك محال غير واقع إذ كيف يزعمون شفاعتها والله يخير أنها لا تشفع؟ يقول تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١، والمعنى: أتنبئون الله بشفعاء لا يعلمهم في السماء والأرض وهو العالم بما فيهما المحيط علمه بكل شيء؟ إن عليكم إخلاص العبادة لله وحده وإفراده بالألوهية؛ لأنه لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه تعالى، وهذا وارد في قوله تعالى: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٢، فبهذا الاستثناء نفى سبحانه الشفاعة عن الأصنام وأثبتها لمن عُبد من دون الله من الموحدين كالمسيح وعزير والملائكة، إذا أراد الله ذلك، لأنهم ممن شهد بالحق ووحدانية الله تعالى٣.
وبما أن الأصنام لا تملك الشفاعة في الآخرة فموقفها من عبادها سيكون موقف التبرؤ والعداء والتنكر لعبادتهم إياها، يقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ, قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا, فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا﴾ ٤، ويقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ, قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ, وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوْا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ ٥، وقال
стр. 347
تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ٢.
وهكذا يتبرأ المعبودون من عبدتهم يوم القيامة قائلين: يا ربنا ما أمرناهم بعبادتنا ونتبرأ إليك من عبادتهم لنا، فكلنا عبيدك ولا نتخذ وليًّا من دونك٣.
وما مَثَلُ اتخاذ المشركين آلهة من دون الله يرجون نفعها وحمايتها لهم في الدنيا والآخرة, إلا كمثَل العنكبوت اتخذت بيتًا ليحميَها من الخطر، ولكنها فشلت في احتيالها لنفسها، فبيتها واهن ضعيف، وهكذا آلهة المشركين لن تغنيَ عنهم عند الخطر شيئًا لعجزها وضعفها٤. وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ, إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ, وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ ٥.
стр. 348
مميزات طريقة القرآن الكريم على طريقة المتكلمين والفلاسفة في تقرير عقيدة التوحيد
تمهيد الباب
...
تمهيد
أحببت أن أذكر في هذا الباب مميزات طريقة القرآن الكريم في تقريره لعقيدة التوحيد كما مر معنا في الباب الثالث من هذا البحث، ولكن من أجل استكمال جوانب الموضوع وإبراز قيمة هذا المنهج حسب ما وصل إليه علمي، رأيت أن أعرض عرضًا موجزًا لطريقة كل من المتكلمين والفلاسفة في الاستدلال على وجود الله، ثم مميزات كل طريقة، وبعد ذلك أذكر مميزات طريقة القرآن الكريم.
وقد قدمت الكلام على طريقة المتكلمين والفلاسفة قبل الكلام على طريقة القرآن الكريم حتى تكون عيوب هاتين الطريقتين قد ظهرت، وليكون نور طريقة القرآن الكريم مزيلًا لظلمة طريقهم.
وقد رتبت الكلام في هذا الباب على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: ذكرت فيه طريقة المتكلمين في إثباتهم وجود الله ثم المميزات لهذه الطريقة.
الفصل الثاني: ذكرت فيه طريقة الفلاسفة في إثبات واجب الوجود ثم المميزات لهذه الطريقة.
الفصل الثالث: ذكرت فيه مميزات طريقة القرآن الكريم مباشرة بدون ذكر طريقته في إثبات وحدانية الله؛ لأن ذلك استوفي في الباب الثالث كاملًا.
وفيما يلي الكلام على هذه الفصول حسب ترتيبها:
стр. 349
ميزة طريقة المتكلمين
مدخل
...
الفصل الأول: مميزات طريقة المتكلمين
تمهيد
ينقسم المتكلمون إلى طوائف عديدة ومذاهب متباينة، ولكل طائفة آراؤها الخاصة بها.
وليس غرضي في هذا الفصل هو عرض آراء المتكلمين في مختلف المسائل والرد عليها، وإنما غرضي هو تناول موضوع مشترك بين المتكلمين جميعًا، ألا وهو استدلالهم على وجود الله بحدوث الأعراض، ورأيت أولًا أن أعرض طريقة المتكلمين في الاستدلال على وجود الله كما وردت عندهم: ثم أعرض ثانيًا أهم مميزات هذه الطريقة والتي تتلخص فيما يلي:
١- جعل المتكلمون هدفهم الأول هو إثبات توحيد الربوبية معتمدين في ذلك على دليل التمانع.
٢- تقديمهم العقل على الشرع وجنوحهم إلى التأويل وإيجابهم النظر.
٣- طريقتهم متعبة طويلة لاعتمادها على الجدل والاستدلالات المنطقية الجافة.
٤- بعد طريقتهم عن التوحيد الحقيقي المبعوث به الرسل.
٥- طريقتهم غير عملية ولا تدخل الناس في دين الله؛ لعدم مناسبتها لجميع الناس، ولاعتمادها على ألفاظ مستوردة من الأمم الأخرى.
٦- طريقتهم نهايتها الشك والحيرة وندم أصحابها لسلوكها، وقد ذمها السلف الصالح.
стр. 350
أولًا: عرض طريقة المتكلمين في الاستدلال على وجود الله
طريقة المتكلمين في إثبات الخالق هي الاستدلال على حدوث العالم بحدوث الأجسام، ولا يُستدل على حدوث الأجسام إلا بحدوث الأعراض، فهم لا يستدلون بحدوث ذات الأشياء وأعيانها من السحاب والمطر والحيوان والنبات، إنما يستدلون بحدوث الأعراض لأن الأجسام عندهم مكونة من الجواهر الفردة والله إنما يحدث تأليفها وتركيبها، فإذا أثبتوا أن الأعراض القائمة بالأجسام حادثة قالوا بأن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، أو ما لا يسبق الحادث إما أن يكون مقارنًا له أو متأخرًا عنه، وما قارن الحادث أو تأخر عنه فهو حادث مثله١.
مما سبق نستطيع أن نجمل دليل المتكلمين بالنقاط التالية:
أ- إن في الأجسام أعراضًا كالحركة والسكون والاجتماع والافتراق يجوز عليها العدم والبطلان, والقديم لا يجوز عليه العدم والبطلان.
ب- إن الأعراض تشتمل على المختلف والمتماثل والمتضاد, والقديم لا يصح اشتماله على ذلك.
جـ- إن الأعراض تتجدد على الأجسام، وهذا التجدد هو الحدوث، إذن فالأعراض حادثة.
د- إن الأعراض الحادثة لا تقوم إلا بالأجسام، فالأجسام حادثة مثلها, وعليه فالعالم كله حادث.
هـ- إن العالم لا يحدث نفسه, ولا يصح الدور والتسلسل، فيثبت بذلك أنه لا بد من محدث قديم لهذا العالم وهو الله تعالى٢.
стр. 351
وأرى ضرب مثال يوضح استدلال المتكلمين على حدوث الأجسام بحدوث الأعراض, وهو مثال خلق الإنسان.
إن المتكلمين لا يجعلون خلق الإنسان نفسه دليلًا على الله تعالى كما في آيات القرآن، بل جعلوا خلق الإنسان مستدلًّا عليه وأخذوا يقيمون الأدلة على أن الإنسان مخلوق عن طريق استدلالهم بحدوث أعراض النطفة, فيقولون بأن الإنسان وغيره مكون من جواهر فردة، وخَلْق الإنسان وغيره إنما هو إحداث أعراض في تلك الجواهر المنفردة بجمعها وتفريقها، وليس هو إحداث عين الإنسان أو عين الأجسام الأخرى، وبما أن النطفة لم تخل عن اجتماع وافتراق وهما عَرَضان حادثان فلم يخل الإنسان إذن من الحوادث، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا أول لها فثبت أن الإنسان مخلوق، وبما أنه لم يخلق نفسه فثبت أن له خالقًا.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لكن هؤلاء الذين استدلوا بخلق الإنسان فرضوا ذلك في الإنسان ظنًّا أن هذه طريقة القرآن وطولوا في ذلك ودققوا, حتى استدلوا على كون عين الإنسان وجواهره مخلوق لظنهم أن المعلوم بالحس وبديهة العقل إنما هو حدوث أعراض لا حدوث جواهر, وزعموا أن كل ما يحدثه الله من السحاب والمطر والزرع والثمر والإنسان والحيوان فإنما يحدث فيه أعراضًا وهي جمع الجواهر التي كانت موجودة وتفريقها.
وزعموا أن أحدًا لا يعلم حدوث غيره من الأعيان بالمشاهدة ولا بضرورة العقل, وإنما يعلم ذلك إذا استدل كما استدلوا فقالوا: هذه أعراض حادثة في جواهر وتلك الجواهر لم تخلُ من الأعراض لامتناع خلو الجواهر من الأعراض، ثم قالوا: وما لم يخل من الحوادث فهو حادث.. ولهذا كانت هذه الطريقة باطلة عقلًا وشرعًا وهي مكابرة للعقل؛ فإن كون الإنسان مخلوقًا محدثًا كائنًا بعد أن لم يكن أمر معلوم بالضرورة لجميع الناس، وكل واحد يعلم أنه حدث في بطن أمه بعد أن لم يكن, وأن
стр. 352
عينة حدثت, كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ ٢، ليس هذا مما يستدل عليه, فإنه أبين وأوضح مما يستدل به عليه لو كان صحيحًا, فكيف إذا كان باطلًا"٣.
فهذه الطريقة التي سلكها المتكلمون كانت سببًا في ضلالهم وانحرافهم عن المنهج السوي، وقد زادوا في تعنتهم عندما قرروا أن سلوكهم هذا الطريق موافق لطريقة القرآن الكريم، وقد أخطئوا في تقريرهم هذا؛ لأن طريقة القرآن الاستدلال على الله تعالى ووحدانيته بنفس آياته التي يستلزم العلم بها العلم به تعالى كاستلزام العلم بالشعاع العلم بالشمس من غير احتجاج إلى قياس كلي يقال فيه: وكل محدَث فلا بد له من محدِث، أو كل ممكن فلا بد له من مرجح أو كل حركة فلا بد لها من علة غائية أو فاعلية، ومن غير احتياج إلى القول بأن سبب الافتقار إلى الصانع هل هو الحدوث أو الإمكان؟ فأخطئوا في ذلك؛ لأن افتقار المخلوق وصف ذاتي له ولا علة لذلك إلا كونه مخلوقًا، ولا يقال: علة هذا الافتقار هي الحدوث أو الإمكان، فكل إنسان يعلم فقر نفسه وحاجتها إلى خالقها من غير قول الحدوث أو الإمكان، وافتقار المخلوق للخالق ليس بحاجة أن يستدل عليه بقياس كلي كقولهم: كل ممكن لا بد له من موجب أو كل محدث لا بد له من محدث، فكأنهم ساقوا الأدلة وأتعبوا أنفسهم للاستدلال على أمر بدهي فطري لا يحتاج كل هذا العناء، فبالفطرة يعلم الإنسان فقره للخالق، وإن لم يخطر بباله وصف الإمكان أو الحدوث، وعلى هذا جاء قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ ، فلما سمعها جبير بن مطعم٤ والنبي يقرأ بها في المغرب أحس
стр. 353
بفؤاده قد تصدع من غير استدلال بقياسات المتكلمين١.
стр. 354
مميزات طريقة المتكلمين
مدخل
...
ثانيًا: مميزات طريقة المتكلمين
امتازت طريقة المتكلمين بعدة مميزات وهي:
стр. 355
جعل المتكلمون هدفهم الأول هو إثبات توحيد الربوبية
...
١- جعل المتكلمون هدفهم الأول إثبات توحيد الربوبية
والاستدلال على وجود الله، معتمدين في ذلك على دليل التمانع، رغم أن هذا الدليل قد ورد في القرآن للدلالة على وحدانية الله كما مر معنا في فصل الأدلة العقلية في الباب الثالث، وأنه تعالى أخبر أنه لو كان فيهما آلهة غيره ولم يقل أرباب، لأنه لو كان فيهما أرباب غيره لم توجدا أصلًا ولقال: لم توجدا، ولكنه قال: لفسدتا: أي لو كان فيهما آلهة غيره وهما موجودتان لفسدتا١
وقد رد استدلالهم بقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ٢ على توحيد الربوبية شيخ الإسلام ابن تيمية بعدة مواضع من كتبه فيقول: "وبينَّا أن هذه الآيات ليس المقصود بها ما يقوله من يقوله من أهل الكلام من ذكر دليل التمانع على وحدانية الرب تعالى؛ فإن التمانع يمنع وجود المفعول لا يمنع فساده بعد وجوده, وذلك يذكر في الأسباب والبدايات التي تجري مجرى العلل الفاعلات"٣.