وأرى ضرب مثال يوضح استدلال المتكلمين على حدوث الأجسام بحدوث الأعراض, وهو مثال خلق الإنسان.
إن المتكلمين لا يجعلون خلق الإنسان نفسه دليلًا على الله تعالى كما في آيات القرآن، بل جعلوا خلق الإنسان مستدلًّا عليه وأخذوا يقيمون الأدلة على أن الإنسان مخلوق عن طريق استدلالهم بحدوث أعراض النطفة, فيقولون بأن الإنسان وغيره مكون من جواهر فردة، وخَلْق الإنسان وغيره إنما هو إحداث أعراض في تلك الجواهر المنفردة بجمعها وتفريقها، وليس هو إحداث عين الإنسان أو عين الأجسام الأخرى، وبما أن النطفة لم تخل عن اجتماع وافتراق وهما عَرَضان حادثان فلم يخل الإنسان إذن من الحوادث، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا أول لها فثبت أن الإنسان مخلوق، وبما أنه لم يخلق نفسه فثبت أن له خالقًا.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لكن هؤلاء الذين استدلوا بخلق الإنسان فرضوا ذلك في الإنسان ظنًّا أن هذه طريقة القرآن وطولوا في ذلك ودققوا, حتى استدلوا على كون عين الإنسان وجواهره مخلوق لظنهم أن المعلوم بالحس وبديهة العقل إنما هو حدوث أعراض لا حدوث جواهر, وزعموا أن كل ما يحدثه الله من السحاب والمطر والزرع والثمر والإنسان والحيوان فإنما يحدث فيه أعراضًا وهي جمع الجواهر التي كانت موجودة وتفريقها.
وزعموا أن أحدًا لا يعلم حدوث غيره من الأعيان بالمشاهدة ولا بضرورة العقل, وإنما يعلم ذلك إذا استدل كما استدلوا فقالوا: هذه أعراض حادثة في جواهر وتلك الجواهر لم تخلُ من الأعراض لامتناع خلو الجواهر من الأعراض، ثم قالوا: وما لم يخل من الحوادث فهو حادث.. ولهذا كانت هذه الطريقة باطلة عقلًا وشرعًا وهي مكابرة للعقل؛ فإن كون الإنسان مخلوقًا محدثًا كائنًا بعد أن لم يكن أمر معلوم بالضرورة لجميع الناس، وكل واحد يعلم أنه حدث في بطن أمه بعد أن لم يكن, وأن
стр. 352
عينة حدثت, كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ ٢، ليس هذا مما يستدل عليه, فإنه أبين وأوضح مما يستدل به عليه لو كان صحيحًا, فكيف إذا كان باطلًا"٣.
فهذه الطريقة التي سلكها المتكلمون كانت سببًا في ضلالهم وانحرافهم عن المنهج السوي، وقد زادوا في تعنتهم عندما قرروا أن سلوكهم هذا الطريق موافق لطريقة القرآن الكريم، وقد أخطئوا في تقريرهم هذا؛ لأن طريقة القرآن الاستدلال على الله تعالى ووحدانيته بنفس آياته التي يستلزم العلم بها العلم به تعالى كاستلزام العلم بالشعاع العلم بالشمس من غير احتجاج إلى قياس كلي يقال فيه: وكل محدَث فلا بد له من محدِث، أو كل ممكن فلا بد له من مرجح أو كل حركة فلا بد لها من علة غائية أو فاعلية، ومن غير احتياج إلى القول بأن سبب الافتقار إلى الصانع هل هو الحدوث أو الإمكان؟ فأخطئوا في ذلك؛ لأن افتقار المخلوق وصف ذاتي له ولا علة لذلك إلا كونه مخلوقًا، ولا يقال: علة هذا الافتقار هي الحدوث أو الإمكان، فكل إنسان يعلم فقر نفسه وحاجتها إلى خالقها من غير قول الحدوث أو الإمكان، وافتقار المخلوق للخالق ليس بحاجة أن يستدل عليه بقياس كلي كقولهم: كل ممكن لا بد له من موجب أو كل محدث لا بد له من محدث، فكأنهم ساقوا الأدلة وأتعبوا أنفسهم للاستدلال على أمر بدهي فطري لا يحتاج كل هذا العناء، فبالفطرة يعلم الإنسان فقره للخالق، وإن لم يخطر بباله وصف الإمكان أو الحدوث، وعلى هذا جاء قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ ، فلما سمعها جبير بن مطعم٤ والنبي يقرأ بها في المغرب أحس
стр. 353
بفؤاده قد تصدع من غير استدلال بقياسات المتكلمين١.
стр. 354
مميزات طريقة المتكلمين
مدخل
...
ثانيًا: مميزات طريقة المتكلمين
امتازت طريقة المتكلمين بعدة مميزات وهي:
стр. 355
جعل المتكلمون هدفهم الأول هو إثبات توحيد الربوبية
...
١- جعل المتكلمون هدفهم الأول إثبات توحيد الربوبية
والاستدلال على وجود الله، معتمدين في ذلك على دليل التمانع، رغم أن هذا الدليل قد ورد في القرآن للدلالة على وحدانية الله كما مر معنا في فصل الأدلة العقلية في الباب الثالث، وأنه تعالى أخبر أنه لو كان فيهما آلهة غيره ولم يقل أرباب، لأنه لو كان فيهما أرباب غيره لم توجدا أصلًا ولقال: لم توجدا، ولكنه قال: لفسدتا: أي لو كان فيهما آلهة غيره وهما موجودتان لفسدتا١
وقد رد استدلالهم بقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ٢ على توحيد الربوبية شيخ الإسلام ابن تيمية بعدة مواضع من كتبه فيقول: "وبينَّا أن هذه الآيات ليس المقصود بها ما يقوله من يقوله من أهل الكلام من ذكر دليل التمانع على وحدانية الرب تعالى؛ فإن التمانع يمنع وجود المفعول لا يمنع فساده بعد وجوده, وذلك يذكر في الأسباب والبدايات التي تجري مجرى العلل الفاعلات"٣.
стр. 356
تقديم العقل على الشرع وجنوحهم إلى التأويل وإيجابهم النظر
...
٢- تقديمهم العقل على الشرع وجنوحهم إلى التأويل وإيجابهم النظر:
يمتاز منهج المتكلمين بتقديمهم فيه العقل على الشرع وتحكيمه في أمور لا يملك الحكم فيها، وخوضه فيما وراء المادة، ويوجبون النظر ويقدمون في كتبهم الكلام في النظر والدليل والعلم وأن النظر يوجب العلم، ويتكلمون في جنس النظر وجنس الدليل وجنس العلم بكلام قد اختلط فيه الحق بالباطل، ثم إذا صاروا إلى ما هو الأصل والدليل للذين استدلوا بحدوث الأعراض على حدوث الأجسام, وهو دليل مبتدع في الشرع وباطل في العقل، وإذا استدلوا بالقرآن فإنما يستدلون به من جهة إخباره لا من جهة دلالته، ولا يذكرون في كتبهم أن القرآن قد دل على الوحدانية بالأدلة العقلية، وبهذا نرى أن اعتماد المتكلمين في براهينهم على العقل والتأويل -كان مظهرًا بارزًا لطريقتهم وسببًا أساسيًّا في نشوء الخلافات الكلامية مما لم يعرفه الصحابة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم١.
وأما بالنسبة لإيجابهم النظر فليست هي طريقة السلف ولا وافقهم عليها أحد منهم؛ لأن الإقرار بالصانع فطري حتى عند أعظم الأمم شركًا، وقد ذمهم السلف لهذا الإيجاب، وبينوا أن أول ما أوجب الله على عباده هي الشهادة، وليس من الرسل أحد قال لقومه: إنكم مأمورون أولًا بطلب معرفة الخالق فانظروا واستدلوا حتى تعرفوه؛ لأن الله تعالى لم يكلف الإنسان أولًا بنفس المعرفة ولا بالأدلة الموصلة إلى المعرفة؛ إذ إن قلوب الخلق تعرفه وتقر به، وقد أوضح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وكان دائمًا يستشهد بحديث معاذ بن جبل ﵁ عندما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن وقال له: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله"، وفي رواية "إلى أن يوحدوا الله"، ومثل ذلك جميع الرسل أول ما افتتحوا به دعوتهم: توحيد الله
стр. 357
والأمر بعبادته، ووضح كذلك أن أول من أنكر معرفة الله الفطرية هم أهل الكلام١.
стр. 358
٣- طريقتهم طويلة متعبة
لاعتمادها على الجدل والاستدلالات المنطقية الجافة. ومما امتازت به طريقة المتكلمين أنها طويلة متعبة فيها تكلف شديد لاعتمادها على الجدل والاستدلالات المنطقية المبنية على المقدمات والنتائج التي تبعد عن المقصود.
ومقدماتهم الطويلة لم تسلم من النقد من بعضهم البعض ومن غيرهم، لذلك كثر الخلاف فيما بينهم وتبادل التهم وسوق الأدلة لإبطال أقوال بعضهم بعضًا حتى قل الحق في كلامهم وكثر فيه الباطل.
واعتماد المتكلمين في براهينهم على الجدل المنطقي خطأ من وجهين هما:
أ- أنهم جعلوا المسلم بحاجة لتعلم المنطق حتى يستطيع إقامة الدليل على وجود الله.
ب- أنهم ظنوا أن من لا يعرف المنطق عاجز عن البرهنة على صحة عقائده.
وقد هاجم طريقتهم هذه شيخ الإسلام ابن تيمية في معظم كتبه مبينًا أن المتكلمين بجدلهم الكلامي هدفوا للغلبة على بعضهم البعض، ولم يقصدوا بيان الحق, وكان كلامهم مجالًا كبيرًا للصراع والخلافات.
وقد عاب طريقتهم كذلك الغزالي والباقلاني والجويني؛ لأنهم رأوا أنها غير مجدية في إثبات العقائد والدفاع عنها وأنها لا تخرج عن كونها وسيلة للرياضات الذهنية والدربة العقلية ولا صلة لها بالقلب.
стр. 359
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذه الطرق فيها فساد كثير من جهة الوسائل والمقاصد: أما المقاصد: فإن حاصلها -بعد التعب الكثير والسلامة- خير قليل, فهي لحمُ جملٍ غَثّ على رأس جبلٍ وعْر لا سهلٌ فيرتقى ولا سمينٌ فينتقل، ثم إنه يفوت بها من المقاصد الواجبة والمحمودة ما لا ينضبط هنا.
وأما الوسائل: فإن هذه الطرق كثيرة المقدمات ينقطع السالكون فيها كثيرًا قبل الوصول١ انتهى بلفظه.
стр. 360
٤- بُعد طريقتهم عن التوحيد الحقيقي المبعوث به الرسل:
ومن مميزات طريقة المتكلمين بعدها عن توحيد الألوهية والأسماء والصفات؛ لاكتفائهم بتوحيد الربوبية، ولأن بعض طوائفهم يفسرون التوحيد بما يستلزم نفي الصفات, فجعلوا وجود الله وجودًا مطلقًا لا يوصف بوحدة ولا كثرة, وإثبات الصفات تعدد وكثرة، وهم يدرجون في توحيدهم نفي علو الله على خلقه ومباينته لهم وعلمه وقدرته وسائر صفاته؛ لأن إثبات ذلك مناقض لاعتقادهم بأن الله لا صفة له.
وبعض طوائف المتكلمين تتوسع في النفي المفصل حتى سلبوا عن الله النقيضين فقالوا: لا موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل؛ لأن الإثبات -بزعمهم- تشبيه له بالموجودات، وما قالوه يُعلم فساده ضرورة؛ لأن إثبات ذات معطلة عن جميع الصفات لا يتصور لها وجود في الخارج, وفيه غاية التعطيل، والله تعالى يخبر في كتابه أنه حي قيوم عليم حكيم سميع بصير يكلم ويرضى ويغضب٢.
стр. 361
٥- طريقتهم غير عملية ولا تناسب جميع الناس, لاعتمادها على ألفاظ مستوردة:
ومما تمتاز به طريقة المتكلمين أنها غير عملية ولا تناسب جميع فئات الناس فاعتمادها على المنطق اليوناني بأقيسته وقضاياه الجزئية والكلية لم يجعلها طريقًا لدخول الناس في دين الله؛ لأن المنطق اليوناني ذهني مجرد لا ينفذ إلى أعماق النفس، بل إن مباحث علم الكلام بدت غريبة غربة كاملة عن الإسلام ومنهجه وأسلوب الدعوة إلى عقيدته الصافية, لما خلط المتكلمون بين المصطلحات اليونانية ومبادئ العقيدة الإسلامية وأسلوب عرضها ووسائل الدفاع عنها، فلم يفرقوا بين عقيدة خالدة وبين أسلوب زمني عارض قابل للتغيير والتبديل, حتى صارت بين العقيدة النظرية في علم الكلام وبين العقيدة الحية الواقعة في القرآن هُوَّةٌ بعيدة.
لقد بحث المتكلمون في مسائل العقيدة وهم يحملون أفكارًا ومقررات غير إسلامية, وأخذوا يطبقونها على العقيدة ومسائلها, كمسألة الذات والصفات وغيرها من المسائل التي لم ترد في القرآن ولا اعتنى بها الجيل الأول.
وقد ذم شيخ الإسلام ابن تيمية طريقتهم مبينًا ما فيها من مصطلحات غير إسلامية من لغات الأمم الأخرى، وأن كل أمة تفهم من هذه المصطلحات غير ما تفهمه الأمة الأخرى، ومن هنا تظهر الخطورة المترتبة على حركة الترجمة للكتب المنطقية اليونانية والتي حاول أصحابها المزج والتقريب بين الفلسفة والدين، إذ إنه ليس من السهل أن تعرض مسائل العقيدة الإسلامية السهلة الفطرية -بقوالب فلسفية جافة غريبة عن طبيعة هذا الدين، ولهذا جاءت معظم مسائل العقيدة عند المتكلمين مشوبة بشيء من التكلف والتعقيد والجفاف، مما جعلها لا يحصل بها العلم النافع ولا العمل الصالح، لأن العلم بالصانع ووحدانيته يمتنع أن يكون موقوفًا على طريقة فاسدة.
стр. 362
ولو أن المتكلمين عرضوا أدلة القرآن مكتفين ببيانها وتوضيح القصد منها, لكان ذلك أنفع وأبعد عن التكلف والتعقيد، وأسلم من دخول الألفاظ الغريبة، وأبعد عن الخلاف فيما بينهم, وأقرب للإقناع١.
стр. 363
٦- طريقتهم نهايتها الشك والحيرة وندم أصحابها لسلوكها وذمها السلف:
إن طريقة المتكلمين تؤدي للشك والحيرة لأنها مخالفة للفطرة الإنسانية ولطريقة القرآن الكريم والرسل أجمعين، وقد ذم السلف الصالح هذه الطريقة لكنهم لم يذموا جنس الكلام والاستدلال والنظر الذي أمر الله به رسوله ﷺ والمؤمنين، بل ذموا الكلام الباطل المخالف للكتاب والسنة.
وقد خفي بطلان هذه الطريقة على كثير من سالكيها حتى اعتقدوا أنها طريقة موافقة للشرع والعقل، وأن عيبها أنها طويلة متعبة خطرة فقط لكنها صحيحة في نفسها، فلما انتهت بهم إلى الشك والحيرة علموا بطلانها شرعًا وعقلًا، فعضوا أصابع الندم مصرحين بأنها لم تشفِ داءهم ولم تذهب حيرتهم, ولم يشك أحد منهم أن مثل ذلك حصل لغيره من سالكيها١.
وقد صرح ابن واصل الحموي بشكّه عندما قال: "أستلقي على قفاي وأضع المِلْحَفَةَ على نصف وجهي ثم أذكر المقالات وحجج هؤلاء وهؤلاء واعتراض هؤلاء وهؤلاء حتى يطلع الفجر, ولم يترجح عندي شيء"٢.
стр. 364
وكان أبو المعالي الجويني يقول: لقد جُلْتُ أهلَ الإسلام جولة وعلومهم وركبت البحر الأعظم وغصت في الذي نهوا عنه, كل ذلك في طلب الحق وهربًا من التقليد, والآن فقد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق, عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطيف بره فأموت على دين العجائز ويختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص, فالويل لابن الجويني"١.
وهذا الشَهْرستاني ينشد:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيّرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعًا كف حائر ... على ذقن أو قارعًا سن نادم٢
ويقول ابن أبي الحديد المعتزلي:
فيك يا أغلوطة الفكر ... حار أمري وانقضى عمري
سافرت فيك العقول فما ... ربحت إلا أذى السفر
فلحى الله الأولى زعموا ... أنك المعروف بالنظر٣
وهذا أبو عبد الله الرازي يصرح بأن علم الذات عليه عقدة وهي: هل الوجود هو الماهية أو زائد عليها؟ وعلم الصفات عليه عقيدة وهي: هل الصفات زائدة على الذات أم لا؟ وعلم الأفعال عليه عقدة وهي: هل الفعل مقارن للذات أو متأخر عنها؟ واعترف أن أحدًا لم يصل إلى هذا الباب ولم يذق من هذا الشراب وأنشد:
نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذًى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
ثم قال: "لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلًا ولا تَروي غليلًا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى
стр. 365
الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ٢، وأقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ ٣، ﴿لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ٤، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّا﴾ ٥ ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي"٦.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا تجد أبا حامد مع فرط ذكائه وتألهه ومعرفته بالكلام والفلسفة وسلوكه طريق الزهد والرياضة والتصوف -ينتهي في هذه المسائل إلى الوقف ويحيل في آخر أمره على طريقة أهل الكشف، وإن كان بعد ذلك رجع إلى طريقة أهل الحديث ومات وهو يشتغل في صحيح البخاري"٧.
وأما السلف الصالح فأنكروا صحة هذه الطريقة في نفسها وعابوها لاشتمالها على كلام باطل، فذموا علم الكلام والمتكلمين, كقولهم: "من طلب الدين بالكلام تزندق"، وقول الشافعي: "لأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه ماعدا الشرك خير له من أن ينظر في الكلام"، وقول الإمام أحمد: "لا يفلح صاحب كلام أبدًا, علماء الكلام زنادقة"، وقول أبي الوفاء بن عقيل لبعض أصحابه: "أنا أقطع أن الصحابة ماتوا وما عرفوا الجوهر والعَرَض, فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن, وإن رأيت أن طريقة المتكلمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت"٨.
стр. 366
الفصل الثاني: مميزات طريقة الفلاسفة
تمهيد
الفلسفة اليونانية وما تفرع عنها عمل بشري ناقص لا يؤمن على متبعه الضلال.
وليس هدفي في هذا الفصل تتبع مسائل الفلسفة والرد عليها؛ لأن ذلك يستغرق بحثًا كاملًا، ولكن سلكت في هذا الفصل مسلكي في الفصل السابق، فبنيت الكلام على ما يلي:
أولًا: ذكرت طريقة الفلاسفة في الاستدلال على واجب الوجود.
ثانيًا: ذكرت أهم مميزات هذه الطريقة وهي.
أ- جواز أن يكون الممكن قديمًا على طريقتهم.
ب- طريقتهم لا تفيد علمًا ولا عملًا.
جـ- طريقتهم تناقض التوحيد.
د- طريقتهم غير عملية وليس لها رسالة في الأرض.
هـ- طريقتهم التبس فيها الحق بالباطل.
стр. 367
أولًا: طريقة الفلاسفة في الاستدلال على واجب الوجود
يتبع الفلاسفة في الاستدلال على واجب الوجود طريقة الإمكان والوجوب, فيقولون بأن كل ما كان ممكن الوجود والعدم لم يوجد منذ الأزل؛ لأنه يعلم بالضرورة أن حالة الإمكان المحض -أي العدم- سابقة على مرحلة الوجود الفعلي لهذا الممكن، فلما كان كل موجود نراه ممكنًا، فقد وجب أن تكون حالة العدم والإمكان المحض سابقة لجميع الموجودات، وعليه فإن الممكن لا يوجد كائنًا غيره علويًّا أو سفليًّا، ولما كانت حالة العدم وإمكان الوجود السابق لجميع الموجودات فقد وجب أن يكون موجودًا سابقًا لحالة العدم هذه، ووجوده واجب وهو الإله.
وبعضهم يقول بأننا إذا نظرنا إلى الموجودات من حولنا فإننا نرى أشياء توجد بعد أن لم تكن، وأشياء تنعدم بعد وجودها، وهذه الأشياء لا تخرج عن كونها مستحيلة الوجود أو ممكنة أو واجبة، والقول باستحالتها باطل لأنها موجودة، ووجوب وجودها باطل كذلك لأن الواجب لا يعدم، فبقي أنها ممكنة الوجود، والممكن محتاج إلى سبب لوجوده, وهذا السبب لن يكون عين الشيء الممكن ولا جزأه لاستلزام تقدم الشيء على نفسه، فوجب أن يكون هناك سبب وراء الممكنات كلها وهو واجب بنفسه يمنح الممكنات وجودها, وهذا الواجب الوجود هو: الله.
وبعض الفلاسفة يسلك للتدليل على واجب الوجود طريقًا آخر فيقول: كل ممكن فهو معلول قطعًا، والمعلول لا بد له من علة أولى لا يتطرق إليها الإمكان ويجب وجودها بنفسها، وهذه العلة الأولى هي: الإله١.
стр. 368
ونلاحظ أن كل هذ الاستدلالات على وجود الله عند الفلاسفة مرجعها إلى الإمكان والوجوب وملخصها: أن الموجود إما أن يكون واجبًا أو ممكنًا، والممكن محتاج إلى مؤثر واجب وإلا لزم الدور والتسلسل فثبت أن الممكن وجوده بغيره، والواجب وجوده بذاته وهو السبب الأول لجميع الممكنات الموجودة والعلة الأولى لكل المعلولات.
ويجب أن نلاحظ هنا أن الفلاسفة إذا قالوا بإمكان الموجودات -والعالم كله ممكن الوجود- فإنما يعنون أن لهذا العالم مادة قديمة أزلية وجودها متقدم على وجود العالم وهي ما يسمونها الهيولي، هذه الهيولي معلولة عن العلة الأولى بشكل حدوث ذاتي، وهي تتحرك للتشبه بهذه العلة، فالعلة أولى لغيرها وهي آمرة للفلك بالتحرك للتشبه بها كما يتحرك العاشق نحو المعشوق, وحدوثه عنها حدوث ذاتي لا حدوث زماني.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "والمعنى الثالث الذي أحدثه الملاحدة كابن سينا وأمثاله قالوا: نقول العالَم محدَث أي معلوم لعلة قديمة أزلية أوجبته فلم يزل معها, وسموا هذا الحدوث الذاتي وغيره الحدوث الزماني، والتعبير بلفظ الحدوث عن هذا المعنى لا يعرف عن أحد من أهل اللغات لا العرب ولا غيرهم إلا من هؤلاء الذين ابتدعوا لهذا اللفظ هذا المعنى, والقول بأن العالم محدث بهذا المعنى فقط ليس في قول أحد من الأنبياء ولا أتباعهم ولا أمة من الأمم العظيمة.."١.
стр. 369
مميزات طريقة الفلاسفة
مدخل
...
ثانيًا: مميزات طريقة الفلاسفة
امتازات طريقة الفلاسفة السابقة بميزات وهي:
стр. 370
أ- جواز أن يكون الممكن قديمًا:
على طريقة الفلاسفة يجوز أن يكون الممكن قديمًا لقولهم بقدم مادة العالم عليه, وبزعمهم أن الفلك واجب بنفسه وأن حركته إنما هي للتشبه بعلته الغائية، معتبرين أن الله سبب وعلة أولى لغيره والعلة مماثلة للمعلول, وبالتالي أدى بهم قولهم هذا للقول بقدم العالم وأزليته، ومن هذه النقطة انبثقت معظم آرائهم التي كفّرهم بها أهل السنة.
وقد بين أبو حامد الغزالي كفرهم في عدة مسائل منها: قولهم بقدم العالم وأزليته, وإنكارهم علم الله بالجزئيات, وإنكارهم المعاد، كما أنه فسقهم وبدعهم في مسائل كثيرة مستدلًّا بذلك على فساد طريقتهم في الاستدلال وأنهم لم يستطيعوا إقامة دليل صحيح على وحدانية الله تعالى؛ لأنهم قالوا بنظرية الفيض والتكثر ويعنون بها: أن الله صدر عنه العقل الأول وهذا صدر عنه العقل الثاني وهكذا إلى العقل العاشر الذي هو العقل الفعال في عالمنا.
وهذا المسلك هو ما يسمونه بالطريق التصاعدي حيث يبحثون الأمور الطبيعية ثم يصعدون منها إلى الأفلاك ثم إلى العقول العشرة ثم إلى واجب الوجود١.
وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية فساد طريقهم هذه وأنهم بزعمهم صدور العقل والنفس عن الله أشد كفرًا ممن نسب له البنين فيقول: "والذين قالوا إن العقول والنفوس صدرت عنه، وخرقوا له بنين وبنات بغير علم فإن أولئك لم يكونوا يجعلون شيئًا من البنين والبنات مبدعة لكل ما سواه، وهؤلاء يجعلون أحد البنين
стр. 371
وهو "العقل" أبدع كل ما سواه ويجعلون "العقل" كالذكر و"النفس" كالأنثى وهذا ما صرحوا به, وكانت العرب تقر بأنه خلق السماوات والأرض وأحدثهما بعد أن لم تكونوا ولم تكونا, يقولون إنها قديمة أزلية معه لم تزل معه"١. انتهى بلفظه.
стр. 372
ب- طريقتهم لا تفيد علمًا ولا عملًا
يسلك الفلاسفة في طريقتهم أقيسة عديدة كلها لا تليق بحق الله تعالى مثل قياس التمثيل والاستقراء والشمول، لأن القياس التمثيلي الذي يستدل فيه بأحد الجزأين على الآخر، والقياس الاستقرائي الذي يستدل فيه الجزئي على الكلي والقياس الشمولي الذي يستدل فيه بالكلي على الجزئي، كلها لا تدل إلا على قدر مشترك ولا تدل على شيء معين، والله تعالى لا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قضية كلية تستوي أفرادها أو يستوي فيها الأصل والفرع، لذلك كانت هذه الأقيسة المستعملة أضعف الطرق لأنها لا تثبت إلا وجودًا واجبًا بقضايا كلية لا تدل على الله بعينه، إذ إن الكلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، والعلم بالصانع ليس موقوفًا على هذه الأقيسة بل بالآيات الدالة على معين لا شركة فيه١.
وقد اعترف كثير من الفلاسفة بأنهم لا يصلون
في العلم الإلهي إلى اليقين وإنما يتكلمون فيه بالأولى والأحرى، فكان هذا الاعتراف شهادة على أنفسهم أن طريقتهم لا تفيد علمًا ولا تقيم دليلًا على واجب الوجود، وقد اعترف الرازي بعد
стр. 373
استعراضه لأدلة القائلين بقدم العالم والقائلين بحدوثه أنه لم يترجح عنده شيء، وعليه يجوز حدوث كل قائم بنفسه أو قدم كل حادث١.
وقد ذم الغزالي طريقتهم أكثر من طريقة المتكلمين معترفًا أنه لم يحصل له مقصوده منها؛ لأن كلامهم في الإلهيات تخميني نظري لا يقيني وقد كان الخسرو شاهي يقول: "والله ما أدري ما أعتقد"٢.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما الإلهيات فكلياتهم فيها أفسد من كليات الطبيعة وغالب كلامهم ظنون كاذبة فضلًا عن أن تكون قضايا صادقة يؤلف منها البرهان, ولهذا حدثونا عن فاضل زمانه في المنطق وهو الخونجي صاحب "كشف أسرار المنطق" و"الموجز" وغيرهما أنه قال عند الموت: "أموت وما عرفت شيئًا إلا علمي بأن الممكن يفتقر إلى المؤثر، ثم قال: "الافتقار وصف سلبي فأنا أموت وما عرفت شيئًا"٣.
стр. 374
جـ- طريقتهم تناقض التوحيد
مذهب أرسطو ومن تأثر به أن الإله الكامل المطلق لا يعقل إلا ذاته ويتنزه عن الإرادة والعمل وعلم الكليات والجزئيات التي هي من علم عقول البشر، وقد أمعن كثير من الفلاسفة في التنزيه حتى جعلوا كل صفات الإله سُلُوبًا محضة، وأنكروا صفة الوجود لمقابلتها للعدم واشتراك الموجودات جميعها في صفة الوجود، لذلك وجود الرب عندهم وجود مطلق وهو غير مباين للعالم ولا يشار إليه، وما قالوه ليس له حقيقة في الخارج إلا في الأذهان، وهو غاية الكفر "فتوحيد هؤلاء هو غاية الإلحاد والتعطيل والجحد والكفر، وفروع هذا التوحيد إنكار ذات الرب
стр. 375
والقول بقدم الأفلاك وأن الله لا يبعث من في القبور وأن النبوة مكتسبة وأنها حرفة من الحرف كالولاية والسياسة، وأن الله لا يعلم عدد الأفلاك ولا الكواكب ولا يعلم شيئًا من الموجودات المعينة البتة وأنه لا يقدر على قلب شيء من أعيان العالم ولا شق الأفلاك ولا خرقها وأنه لا حلال ولا حرام ولا أمر ولا نهي ولا جنة ولا نار, فهذا توحيد هؤلاء"١. انتهى بلفظه.
стр. 376
طريقتهم غير عملية وليس لها رسالة في الأرض
...
د- طريقة الفلاسفة غير عملية وليس لها رسالة في الأرض
طريقة الفلاسفة ذهنية مجردة لا تفيد العمل وليس لها رسالة في الأرض؛ لأنها تحصر العقل ضمن مفاهيم معينة ومقررات سابقة من صنع الفكر البشري وتحاول تطبيق هذه المفاهيم على العقيدة، ولا يعنيها بعد ذلك آمن الناس أو لم يؤمنوا، وسالكوها يبحثون في الإلهيات بحثًا مجردًا منتظرين ما يؤدي إليه البرهان ولا يهمهم ماذا تكون النتيجة.
إن هذه الطريقة لا تعدو أن تكون بحثًا عقليًّا صرفًا ورياضة ذهنية ليس بينها وبين واقع الحياة صلة، ولا تطلب عملًا معينًا من أتباعها كعبادة الله تعالى لأنها لا تؤمن بجنة أو نار، ولذلك كانت هذه الطريقة لا توصل إلى التوحيد الحق, ومن ادعاه من الفلاسفة فتوحيده ناقص، بل المشركون أقروا بتوحيد الربوبية، وهؤلاء نسبوا الخَلْق إلى العقل الأول١.
стр. 377
هـ- طريقتهم التبس فيها الحق بالباطل
طريقة الفلاسفة لا تفرق بين الحق والباطل، وأهل الفلسفة أعظم الناس افتراقًا واختلافًا مع دعوى كل منهم أن الذي يقوله حق مقطوع به قام عليه البرهان, وقد ذم السلف الصالح ﵃ هذه الطريقة وحذروا منها، وأما سالكوها فمنهم من ندم لسلوكها بعد أن خاض لجتها وكشف مآسيها وعرف كفرها, وبعضهم حاول التوفيق بينها وبين الدين، وهؤلاء خطرهم أعظم وجرمهم أكبر؛ لأن هذه المحاولة لم تفد الإسلام, وفيها تمويه على المسلمين حتى لا يعرفوا الفكر الإغريقي على حقيقته الكاذبة، وذلك بشرحهم العقيدة الإسلامية شرحًا فلسفيًّا وإمالة الفكر الإغريقي نحو العقيدة لصهر الطرفين في بوتقة واحدة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وحينئذ فيمتنع أن تكون طريقتهم مميزة للحق من الباطل والصدق من الكذب باعتبار ما هو الأمر عليه في نفسه, ويمتنع أن تكون منفعتها مشتركة بين الآدميين بخلاف طريقة الأنبياء فإنهم أخبروا بالقضايا الصادقة التي تفرق بين الحق والباطل والصدق والكذب، فكل ما ناقض الصدق فهو كذب وكل ما ناقض الحق فهو باطل، فلهذا جعل الله ما أنزله من الكتاب حاكمًا بين الناس فيما اختلفوا فيه, وأنزل أيضًا الميزان وهو ما يوزن به ويعرف به الحق من الباطل, ولكل حق ميزان يوزن به, بخلاف ما فعله الفلاسفة المنطقيون, فإنهم لا يمكن أن يكون هاديًا للحق ولا مفرقًا بين الحق والباطل ولا هو ميزان يعرف به الحق من الباطل"١ انتهى بلفظه.
стр. 378
الفصل الثالث: مميزات طريقة القرآن الكريم
تمهيد
إنني أعترف بالعجز والتقصير في بحثي لمميزات طريقة القرآن الكريم؛ لأن القرآن الكريم كلام الله، وفيه من نواحي الإعجاز وأساليب المخاطبة والدعوة لتوحيد الله والرد على المشركين ما يكون مثلي عاجزًا عن الخوض في هذا البحث وإيفائه حقه، وخاصة أن الكتابة فيه قليلة جدًّا.
وعملي في هذا الفصل هو الإشارة إلى سمات بارزة في طريقة القرآن الكريم وهو يخاطب المشركين وسائر أصناف الكفرة لردهم عن كفرهم ودعوتهم إلى التوحيد.
وقد ظهر لنا فيما سبق أن القرآن الكريم في عرض أدلته على الوحدانية نهج منهجًا واضحًا مميزًا قريبًا لأفهام السامعين, مبتعدًا عن المسالك الخفية معتمدًا على توجيه نظر الإنسان إلى الكون بما فيه مشيرًا لدليلي الخلق والعناية، وعلى ضرب الأمثال المختلفة لبيان نور التوحيد وظلمة الشرك، وعلى القصص القرآنية لبيان نصر الله للموحدين وتدميره للكافرين، وعلى التذكير بنعم الله التي تستوجب إفراد المنعم بالوحدانية والعبادة، وعلى الأدلة العقلية التي تأخذ بالألباب.
هذه الطريقة القرآنية في تقرير عقيدة التوحيد لها مميزات هي موضوع هذا الفصل وهي كما جاءت مرتبة فيه:
١- ضم الأدلة لبعضها البعض والاستدلال بها جماعيًّا.
٢- الرد على جميع المخالفين.
стр. 379
٣- مناسبتها لجميع فئات الناس.
٤- ملاءمتها للفطرة وخلوها من التعقيد.
٥- أنها طريقة عملية لا تكتفي بمجرد النظريات والتقريرات.
٦- تنفي الشكوك والشبهات لإتيانها بمعانٍ صحيحة ثابتة.
٧- أنها أصل كل الطرق الصحيحة.
وفيما يلي البيان:
стр. 380
ضم الأدلة إلى بعضها والاستدلال بها كلها
...
مميزات طريقة القرآن الكريم
١- ضم بعض الأدلة إلى بعضها والاستدلال بها كلها
من مميزات طريقة القرآن الكريم في دعوته للتوحيد أن يضم الأدلة لبعضها البعض، فنجد في الآية الواحدة أو في عدد من الآيات المتتابعة عددًا من الأدلة، كلها تدل على مدلول واحد -وهو التوحيد- ولا شك أن هذا الأمر يعطي الدليل قوة ويزيد المدلول تأكيدًا، وهذه الميزة مفقودة من طريقتي المتكلمين والفلاسفة.
ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١.
فهذه الآية بعد أن قررت الوحدانية في الآية التي قبلها، ذكرت عددًا من الأدلة الكونية، كل منها يدل على وحدانية الله.
ومثال آخر من قوله تعالى في سورة النحل: ﴿أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ٢.
ففي هذه الآيات من سورة النحل بعد أن بيَّن تعالى إرسال رسله بالتوحيد.
стр. 381
دلّل على وحدانيته بخلق السموات والأرض وخلق الإنسان من نطفة، وخلق الأنعام وما فيها من المنافع للإنسان، ثم ذكر إنزال المطر للشرب وسقي النبات، وذكر آية الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم وما فيها من العظمة والنعمة، ثم ذكر البحر والسفن التي تمخره وما فيه من اللحم والحلي، ثم ذكر الأرض ورواسيها وطرقها، ونبه تعالى إلى دليل الخلق مجملًا بقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُون﴾ ١ ثم ختم الآيات بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ، أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ، إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ٢، فانظر كيف تعاونت هذه الأدلة جميعًا للدلالة على وحدانية الله، وكما بدئت بذكر الوحدانية ختمت بالنص عليها.
ومثال آخر من سورة النحل كذلك من قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمْ الْكَافِرُونَ﴾ ٣.
ففي هذه الآيات نص على الوحدانية ثم ذكر دليل النوائب, وأنه لا كاشف للبلاء في البر والبحر غيره, والتجاء المشركين له وحده في النوائب، ثم ذكر دليل المثل الأعلى وكراهية المشركين للأنثى، ثم ذكر المطر وإحياءه للأرض، ثم نعمة الأنعام واللبن السائغ للشاربين، ثم ذكر نعمة الثمرات.. واستخراج النحل منها عسلًا، ثم ضرب لهم مثلًا بعدم إشراك السادة عبيدهم في رزقهم، وذكرهم بنعمة الأزواج والأولاد، ثم نبه على عبادة المشركين لما لا يملك لهم رزقًا، ثم ضرب مثلًا لنفسه تعالى ولما يعبد من دونه ونبه على خلق الإنسان وتسخير الطير ونعمة السكن وما يؤخذ من الأنعام، وفي آخر الآيات يقول تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَه
стр. 382
عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ، يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمْ الْكَافِرُونَ﴾ ١، فانظر كيف سيق عدد من الأدلة للتأكيد على حقيقة وحدانية الله منبهًا على هذه الحقيقة في بدء الآيات وختامها؛ لأن ذلك هو الهدف الرئيسي من كل هذه الأدلة.
ومثال آخر من سورة الأنبياء من قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ -إلى قوله تعالى- وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ٢.
ففي هذه الآيات بيّن تعالى أن خلق السموات والأرض لم يكن عبثًا وأن الملائكة عبيد لله وأنه لو كان في السماوات والأرض أكثر من إله يستحق العبادة لفسدتا، وأنه أرسل جميع رسله بالتوحيد، ثم بين أن من زعموهم أبناء الله هم عباده وأن الشفاعة لا تكون لأحد إلا بإذن الله، وأن من زعم الألوهية من دون الله فمصيره إلى جهنم، ثم نبه تعالى على خلق السماء والأرض بما فيها من طرق، ثم ذكر خلق الشمس والقمر والليل والنهار وأنها آية على وحدانية الله تعالى.
ومثال آخر من سورة المؤمنون، من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ -إلى قوله تعالى- مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ٣.
في هذه الآيات الكريمة نبه إلى خلق الإنسان وإعطائه الحواس
стр. 383
ثم بين اعتراف المشركين بتوحيد الربوبية وأن ملك الأرض ومن فيها السماء والملكوت كله لله، وختمها ببيان وحدانيته تعالى, إذ لو كان معه إله آخر يستحق العبادة لكان الدمار لازمًا لهذا الكون بما فيه.
ومثال آخر من سورة العنكبوت من قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ ١.
في هذه الآيات بيّن تعالى وحدانيته مشيرًا إلى دليل الرزق, ثم ذكر اعتراف المشركين بتوحيد الربوبية وأنه وحده الذي ينزل المطر من السماء الذي به حياة المخلوقات جميعًا، ثم ذكر دليل النوائب الدال على توحيد المشركين لله عند وجود الخطر ثم ذكرهم بنعمة الأمن.
ومثال آخر من سورة الزخرف من قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٢.
فبدأ سبحانه بذكر اعتراف المشركين بتوحيد الربوبية ثم نبه على خلق الأرض ممهدة وجعل الطرق فيها، وإنزال الماء من السماء، وخلق الأزواج كلها، ثم ذكر نعمة الفلك والأنعام، وذم الذين زعموا له البنات على كرههن لهن، ثم ذكر قصة إبراهيم وبراءته من قومه ومما يعبدون من دون الله، وتمسكه بكلمة التوحيد..
هذه بضعة أمثلة -وهي قليل من كثير- تبين طريقة القرآن في ذكر عدد من الأدلة في الآية أو في المقطع الواحد من الآيات، وبحيث تؤكد كلها مدلولًا واحدًا هو وحدانية الله تعالى ووجوب إفراده بالعبادة.
стр. 384
ولاشك أن لهذه الطريقة وقعها في حس المستمع إذا سمع توارد الأدلة على نفس المدلول، وهذا الأمر لن تجده في غير طريقة القرآن الكريم.
стр. 385
٢- الرد على جميع المخالفين
من طريقة القرآن الكريم أنه يرد على جميع مخالفيه دون الاقتصار على بعضهم, فنجده يرد في دعوته للتوحيد على عباد الأصنام وعباد المسيح وعباد الملائكة وعبدة النجوم وعلى من ينسبون الولد إلى الله وعلى من يؤلهون البشر، إنه لا يقتصر في رده على فئة دون فئة.
يقول تعالى في الرد على عبدة الأصنام: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ ٢.
وقال تعالى في الرد على من ألَّه المسيح وعبده: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ ٥.
وقال تعالى في الرد على عباد الملائكة: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ
стр. 386
بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى في رده على عبدة الكواكب: ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ٤.
وقال تعالى في الرد على من زعم له الولد: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٦.
وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ٧.
وهكذا نجد أن القرآن الكريم لم يترك طائفة من الطوائف المنحرفة عن التوحيد إلا رد عليها الرد الكافي المقنع لمن أراد الحق وتجرد عن الهوى.
стр. 387
وهذا الأسلوب لا يوجد عند المتكلمين والفلاسفة؛ لأن المتكلمين جعلوا هدفهم خصومة الفلاسفة الملحدين والرد على بعض الآراء الفلسفية البعيدة عن الإسلام.
وأما الفلاسفة فلم يكن هدفهم الدعوة إلى التوحيد أصلًا، فلم يخاصموا المشركين ولم يردوا على طوائفهم؛ لأن نفس كلامهم في الإلهيات فيه الشرك والتعطيل.
стр. 388
٣- مناسبتها لجميع فئات الناس
سلك القرآن الكريم في الاستدلال على عقيدة التوحيد والإقناع بها مسلكًا سهلًا واضحًا يستفيد منه جميع الناس على اختلاف مداركهم، ويفهم كل منهم أدلة القرآن حسب طاقته من التفكير.
إنه منهج يوافق العامة وفيه ما يناسب الخاصة، ولئن كان علماء النفس والاجتماع يقررون أن اختلاف مستويات الناس يوجب الحكمة في مخاطبتهم وإيصال المعلومات إليهم لجذبهم إلى المبدأ، فإن القرآن الكريم قد سبقهم في ذلك وإيراده عمليًّا في ثنايا آياته؛ لأن البشر تختلف طبائعهم وتتباين نزعاتهم، فكان يخاطب جميع الناس بحسب طبائعهم الفطرية وميولهم واستعداداتهم، ولذلك كان منهج القرآن أقوى حجة وأشد إقناعًا من أي منهج بشري؛ لأن طبيعة القرآن لا تعبر عن نفسية بشرية ولا تمثل اتجاهًا بشريًّا معينًا ولا هي متأثرة بمؤثرات زمنية عارضة، إنها طريقة القرآن الذي جاء لرد الناس إلى توحيد الله على اختلاف طبائعهم وميولهم، لذلك كانت طريقة مناسبة لكل أحد، إنها الطريقة الوحيدة البريئة من الأهواء والرغبات البشرية وليست محدودة بحدود العقل البشري كما هو الحال في غيرها من الطرق.
إننا لن نجد في غير طريقة القرآن ما يعلم الجاهل وينبه الغافل ويرضي نهم العالم، فقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ ٢، هذا الدليل على وحدانية الله تعالى يناسب
стр. 389
جميع الناس، إنه يناسب العامي ويفهم منه أن الله ينبهه لمبدأ خلقه وأن الله هو وحده الذي خلق النطفة وحفظها، فيؤمن بالله، ويناسب عالم التشريح والطبيب الذي يقرأ عن تطور النطفة والتحولات التي تمر عليها وكيفية اتحاد الماءين وكيفية التغذية للجنين.. وهكذا، فيؤمن بالله.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا الدليل وهو خلق الإنسان من علق يشترك فيه جميع الناس، فإن الناس هم المستدلون وهم أنفسهم الدليل والبرهان والآية.. وهو دليل يعلمه الإنسان من نفسه ويذكره كلما تذكر في نفسه وفيمن يراه من بني جنسه"١ انتهى باختصار.
وقد وازن الغزالي بكتابه "إلجام العوام" بين أدلة القرآن وأدلة المتكلمين فاعتبر أدلة القرآن كالغذاء والماء الذي ينتفع به كل الناس، وأما أدلة المتكلمين فهي الدواء الضار الذي ينتفع به آحاد الناس ويتضرر به الكثيرون، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن تنوع أساليب الدعوة في القرآن: "فما كان جهة تصديقه عامًّا للناس أمكن ذكر جهة التصديق به كآيات الربوبية المعلومة بالإحساس دائمًا، وما كان جهة تصديقه متنوعًا أحيل كل قوم على الطريق التي يصدقون بها"٢. انتهى بلفظه.
وهذه بعض الأمثلة التوضيحية:
أ- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا، أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ ٣.
هذه الآيات تلفت نظر الإنسان إلى دليلي الخلق والعناية ويفهم منها العربي في
стр. 390
الصحراء أن الأرض تحفظه على ظهرها حيًّا وفي بطنها ميتًا، وأن الجبال تحفظ الأرض من التصدع، وهو فهم يتناسب مع علمه ويؤدي الغاية المقصودة من التدبر والعظمة.
وجاء العلماء المختصون اليوم ليتحدثوا لنا عن الجاذبية التي تحفظ الإنسان على سطح الأرض، ويتلاعب بهم ولا يستقرون في مكان، ويتحدث لنا العلماء عن الجبال وعجائبها واختلاف ألوانها وما تحويه من معادن، وكيف أن رواسي كل شيء من تحته إلا الجبال، فإنها رواسي الأرض من فوقها ليكون فيها من المنافع ما لا يعلمه إلا الله، وهذا الفهم العلمي يتناسب مع آيات القرآن ولا ينافيها ويؤدي المقصود من العظة والاعتبار ويظهر النعمة بشكل أوضح.
ب- قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ، أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ، نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ١.
إن الأمي يفهم من هذه الآيات أن الله خلق الشجر الأخضر بقدرته وجعل فيه قابلية للاحتراق لنستفيد منه في الطبخ والتدفئة والاستضاءة ولولا تسخير الله، لذلك ما استفدنا منه، فيجب شكره وعبادته.
وإن العلماء ليحدثونا اليوم عن الطاقة المخزونة في الأرض بشكل فحم حجري أو نفط، والتي ترجع بأصلها إلى الأشجار المدفونة، وإمكانية توليد صور أخرى من النار كالكهرباء التي تستعمل فيما تستعمل به النار تمامًا، هذا الفهم لا يتنافى مع الآية، بل ويجلي النعمة على الناس بشكل أوضح مما يوجب عليهم الاعتراف بوحدانية المنعم وعبادته.