← Акыда

Акыда · id 1128

ري الظمآن بمجالس شعب الإيمان

غازي بن سالم أفلح

Полный текст (999 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

الشفاعة لأهل التوحيد والإخلاص: والشفاعة عند الله يوم القيامة لا تكون إلا لأهل التوحيد أي: الذين ماتوا على توحيد الله؛ ولهذا لما سُئِلَ النبي ﷺ : من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ» (١) فبيَّن هذا الحديث أنَّ من مات على توحيد الله سبحانه فهو يوم القيامة من أهل الشفاعة الذين يأذن الله فيهم بفضله ومنِّه وكرمه حتى لو مات على ذنوب عظيمة أو مات على كبيرة فإنه إذا مات على التوحيد يرجى له من الخير ويرجى له عند الله من الفضل بقدر توحيده وإيمانه بالله. وقد جاء ذلك صريحًا في قول النبي ﷺ : «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» (٢). وقال ﷺ : «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا فِي أُمَّتِهِ، وَخَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٣). وقَالَ ﷺ : «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا» (٤) نسأل الله -جل وعلا- أن يعفو عنَّا، وأن يغفر لنا خطأنا وزللنا، وأن يُثبِّتنا على دينه؛ إنه وليُّ ذلك والقادر عليه. JIH

стр. 702

الإيمان بالحساب والجزاء

стр. 703

F e المجلس الثلاثون (١) الإيمان بالحساب تعريف الحساب: قال أهل اللغة: الحسْب هو العد والإحصاء (٢). والحساب شرعا: هو: "أن يُوقِف الحقُّ ﵎ عباده بين يديه، ويعرِّفَهم بأعمالهم التي عملوها، وأقوالهم التي قالوها، وما كانوا عليه في حياتهم الدنيا" (٣). فمن تمام عدله ﵎ يوم القيامة أنه يُعرِّف عبادَه مقاديرَ الجزاء على أعمالهم ويذكِّرُهم بما قد نسُوه من ذلك، يقول ربنا: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦]. وجوب الإيمان بالحساب: الإيمانُ بالحساب، من جملة ما يدخل في الإيمان باليوم الآخر، ونصوصُ الكتاب والسنة الدَّالةُ على ذلك كثيرةٌ جدًّا. فربُّنا قد امتدح نفسه في كتابه في سبعة مواضع بأنه سريع الحساب: فقال -جل وعلا- في أربعة مواضع من كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩، المائدة: ٤، إبراهيم: ٥١، غافر: ١٧] وقال في موضعين من كتابه: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠٢، النور ٣٩]، وقال : ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)﴾ [آل عمران].

стр. 704

فامتدح نفسه بذلك؛ فهو يأتي بالعباد يوم القيامة، ويُعرِّفُهم بأعمالهم، لا يحتاج إلى معاوِنٍ، ولا يحتاج إلى عدٍّ، ولا يحتاج إلى أمر مما يحتاجه البشر. وإنما قد علم ما كان منهم وما وقع من أعمالهم، فيُعرِّفُهم إيَّاها ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ [المعارج] يحاسبُهم جميعًا، ويُوقِفُهم على أعمالهم، كما قال: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦] فامتداحُه لنفسه سبحانه بأنه سريع الحساب دالٌّ على هذه المسألة العظيمة، وهي أنَّ الحساب حقٌّ وكائنٌ يوم القيامة. وقال ﷺ : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ سَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلاَّ مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلاَّ مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلاَّ النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» (١). وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ﵁، فِي هَذَا الْمَسْجِدِ بَدَأَ بِالْيَمِينِ قَبْلَ أَنْ يُحَدِّثَنَا فَقَالَ: «وَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيَخْلُو بِهِ رَبُّهُ كَمَا يَخْلُو أَحَدُكُمْ بِالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَيَقُولُ ابْنَ آدَمَ: مَاذَا غَرَّكَ [بِيْ] يَا ابْنَ آدَمَ؟ [مَا غَرَّكَ بِيْ] مَاذَا أَجَبْتَ الْمُرْسَلِينَ يَا ابْنَ آدَمَ؟ مَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ [مَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ، مَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ]» (٢) الاستعاذة من سوء الحساب: أخبرنا ربُّنا عن أوليائه المؤمنين بأنهم يسأَلُونه أن يُعِيذَهم من سوء الحساب يوم القيامة. يقول ربُّنا -جل وعلا-: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ

стр. 705

الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١)﴾ [الرعد]. فأهل الإيمان يخافون سوءَ الحسابِ من ربهم -جل وعلا-. قال أهل التفسير: سوءُ الحساب أن تُحصى عليهم جميعُ أعمالهم، ولا يُغفَر لهم منها شيءٌ (١). والكفار ينالهم هذا البلاءُ، -نسأل الله العفو والعافية- كما قال ربنا -جل وعلا-: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٨)﴾ [الرعد]. وقد أَمَرَ اللهُ عبادَه أن يتَّقوا هذا اليومَ العظيمَ الذي هو يومُ الحساب والجزاء، يقول ربُّنا: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة]. قال العلماء: هذه الآية من آخر ما نزل من القرآن. وقال بعضهم: هي آخر ما نزل من كتاب الله. وهو مروي عن ابن عباس ﵄ (٢). وقال أهل التفسير في قوله سبحانه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة] هو يوم الجزاء والحساب (٣). وقال ربنا: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾ [آل عمران] ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ كلُّ ما عَمِلْتَه ستجدُه أمامَك يوم القيامة، قال سبحانه: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾. ويقول ربُّنا -جل وعلا-: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١١١)﴾ [النحل]

стр. 706

ويقول ربُّنا -جل وعلا-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء]. فأعمالُك يحصيها اللهُ عليك، وتجدُها كلَّها، ما تذكُرُه منها وما نسِيتَه، تجدها كلَّها عند الله يوم القيامة، -نسأل الله -جل وعلا- أن يعفو عنَّا، وأن يغفر لنا، وأن يتجاوز عنَّا-. ويقول ربنا -جل وعلا- في كتابه الكريم: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤٨)﴾ [الزمر] هذه الأعمال التي يعملها الإنسان في الدنيا يحصيها الله سبحانه الله -جل وعلا-، وقد رَصَدَ لها ملائكة، قال : ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الإنفطار]. تُحصَى هذه الأعمالُ جميعًا، وتأتي يوم القيامة، فيحاسبك الله عليها، يقول ربنا -جل وعلا-: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾ [النساء] ويقول سبحانه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر] ويقول -جل وعلا-: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦]. ويقول -جل وعلا-: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء]. الحساب بين العرض والمناقشة: يحاسب الله عبادَه في القيامة ويناقشهم، فيحاسِبُ بالعرض من قضى له بالمغفرة، ويناقِشُ بالحساب من قضى عليه بالعذاب. يقول شيخ الإسلام ﵀: "ويحاسب اللهُ الخلائق، ويخلو بعبده المؤمن، فيُقرِّره بذنوبه، كما وَصَفَ ذلك في الكتاب والسنة، وأمَّا الكفار: فلا يُحاسَبُون محاسبةَ من تُوزَنُ

стр. 707

حسناتُه وسيئاتُه؛ فإنه لا حسنات لهم، ولكن تُعَدُّ أعمالُهم وتحصى، فيُوقَفون عليها، ويُقرَّرُون بها، ويُجزَون بها" (١). الحساب العسير: الحساب يشمل كلَّ شيء عَمِلَه الإنسانُ، والحسابُ منه العسير، ومنه اليسير، فمنه ما هو تكريم، ومنه ما هو توبيخ وتبكيت، ومنه ما هو فضل وصفح، ومنه ما هو غير ذلك. والمتولِّي للحساب هو أكرم الأكرمين صاحب الحق والعدل ربُّنا. يقول الله سبحانه: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩)﴾ [الزمر]. فتأمل مشهد الحساب يوم القيامة حين يأتي اللهُ سبحانه إتيانًا يليق بجلالته وعظمته، لفصل القضاء: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر] فيجيئ الله لفصل القضاء وللحساب، فالله هو المحاسِب، وهو الحكم العدل، قيُّومُ السماوات والأرض، يقول -جل وعلا-: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾ [البقرة]. فنؤمن بأن الله يأتي إتيانًا يليق بجلالته وعظمته؛ فهو حقٌّ كما أخبر عن نفسه ولا نُؤَوِّله ولا نُحرِّفُه ولا نكذِّبُ به؛ فالله قد نَصَّ في كتابه على إتيانه ومجيئه لفصل القضاء يوم القيامة. والحساب يوم القيامة كما قال -جل وعلا-: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف] فكلُّ صغير وكبير سيلقاه الإنسانُ يوم القيامة، -نسأل اللهَ السَّلامة والعافية-.

стр. 708

الحسابُ عن كل شيء: يسأل الإنسان في موقف الحساب عن كلِّ ما عَمِلَ من خير ومن شر، فإن خيرًا كان خيرًا، وإن شرًّا كان شرًّا، إلا أن يعفو اللهُ عن عباده يوم القيامة. قال ربنا سبحانه: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥١)﴾ [إبراهيم]. كلُّ أمة جاثية للحساب: وتأمل هذا المشهد الذي يصوِّرُه اللهُ يوم القيامة للحساب، يقول -جل وعلا-: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية: ٢٨]، فمِنْ شِدَّة الهول تجثوا الأممُ على الرُّكَب عندما يُدعَى الناسُ للحساب لعِظَمِ ما يشاهدون ولعِظَم ما هم فيه واقعون. حساب المؤمن: ويجعل الله -جل وعلا- حسابَ المؤمن حسابًا يسيرًا، فقد سُئِلَ النبيُّ ﷺ عن الحساب اليسير، فقال ﷺ : «هو: العَرْضُ» (١) ومعناه: أن تُعرَض عليه أعمالُه، فيقال له: أتذكر ذنبَ كذا؟ أتذكر ذنبَ كذا؟ ويجعله الله تعالى في كنفه، ويقول له: «سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ» (٢). حساب الكافر: وأما الكفار والفُجَّار فإن الله يحاسبهم وتُوزَن لهم أعمالُهم ويُنادَون على رؤوس الخلائق: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾ [هود] ويقولُ ربُّنا سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢)﴾ [القصص]. ويقول -جل وعلا-: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥)﴾

стр. 709

[القصص]. ويقول سبحانه: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة] وقال -جل وعلا- في سورة المؤمنون: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥)﴾. فيقيم الله عليهم الحُجَّة، ويُظهِر يوم القيامة عدلَه، « … وَلَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنْزَلَ الْكِتَابَ وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ» (١) وقال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء] والأمر كما ذكر الله -جل وعلا- وذكرناه آنفًا- ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف]. حسنات الكفار في الدنيا: فإن قال قائل: فما هو حال حسنات الكفار التي كانوا يعملونها في الدنيا؟ هل يُجازَون عليها؟ نقول: أخبر النبي ﷺ أنَّ هؤلاء الكفار الذين ماتوا على كفرهم إذا عملوا خيرًا في الدنيا فإنَّ الله يُطعِمُهم به طعمة في الدنيا. يقول النبي ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا في الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا في الآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ في الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا» (٢). ويقول الله -جل وعلا-: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان] السؤال والحساب في موطن وتركه في موطن آخر: وقد استشكل بعضُ الناس قولَ الله في حق الكفار:

стр. 710

﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾ [القصص]، وقولَه سبحانه: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ [المرسلات] وغير ذلك من الآيات التي تدل على أن الكفار لا يُسأَلون يوم القيامة. والجواب الذي ذكره العلماء في ذلك: أنهم يُسألون في موطن دون موطن، فهذه الآيات التي ورد فيها أنهم لا يسألون دالة على أنهم في بعض المواطن لا يؤذن لهم بالسؤال ثم يؤذن لهم بعد ذلك، فيتخاصمون فيما بينهم (١). لا يظلم أحد يوم القيامة وأخبرنا اللهُ أن الحساب يوم القيامة حسابٌ عادلٌ، ليس فيه شيء من الظلم؛ فالله -جل وعلا- منزَّهٌ عن ذلك، قال : ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة] فلا يقع الظلم من الله. يقول -جل وعلا- في حكاية خبر لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ [لقمان]. ويقول -جل وعلا-: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)﴾ [النساء]. ويقول تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة] فقد أخبرنا الله بأنَّ الحساب سيكون حسابًا عادلًا، فلا يُظلَم عند الله -جل وعلا- أحدٌ يوم القيامة. لا تزر وازرة وزر أخرى: وأخبرنا الله -جل وعلا- أنه لا يُؤخَذُ أحدٌ بذنب أحد في الحساب. كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)﴾ [الأنعام: ١٦٤]

стр. 711

وقولُ الله سبحانه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. جاء في أربعة مواضع أخرى من كتاب الله: [الإسراء: ١٥، فاطر: ١٨، الزمر: ٧، النجم: ٣٨] فلا يُظلَم أحدٌ عند الله، ولا يُؤخَذُ أحدٌ بذنب أحدٍ أبدًا إلا أن يكون متسبِّبًا في ذلك، فيكون له نصيبٌ كما قال -جل وعلا-: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] وقال -جل وعلا-: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] فهم ينالون إثمهم وإثم غيرهم الذين كانوا سببًا في إضلالهم. وفي صحيح مسلم عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي صَدْرِ النَّهَارِ، فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوِ الْعَبَاءِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١] وَالْآيَةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ «تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ - حَتَّى قَالَ - وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ، حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَتَهَلَّلُ، كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» (١)

стр. 712

وفيه عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا» (١) كتاب الإنسان وصحيفته يوم القيامة: ويقول الله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾ [الإسراء]. وهذا من عدله سبحانه أنه إذا حاسب العبادَ يوم القيامة أخرج لكلٍّ كتابَه؛ ليقرأه سواء كان يقرأ في الدنيا أو لا يقرأ، فيخرج إليه الكتاب: ﴿يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء] وهو كتابٌ شاملٌ؛ فكلُّ ما عمله يجده فيه. ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف] وقال قبل ذلك عن الكفار أنهم يقولون: ﴿يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾. تطاير الصحف: قال الإمام البيهقي ﵀: قَالَ اللهُ : ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء]، وَقَالَ : ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الإنفطار]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧ - ١٨]،

стр. 713

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾ [الجاثية] وَأَخْبَرَ أَنَّ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ كُتُبَهُمْ يَقُولُونَ: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩]، وَأَنَّ: ﴿مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢)﴾ [الحاقة] ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧)﴾ [الحاقة] .. (وقال تعالى): ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢)﴾ [الإنشقاق]؛ قال: وَإِذْ وَقَفَ النَّاسُ عَلَى أَعْمَالِهِمْ مِنَ الصُّحُفِ الَّتِي يُؤْتُونَها حُوسِبُوا بِهَا، وَلَعَلَّ ذَلِكَ وَاللهُ أَعْلَمُ لِأَنَّ النَّاسَ إِذَا بُعِثُوا لَا يَكُونُونَ ذَاكِرِينَ لِأَعْمَالِهِمْ فَإِنَّ اللهَ قَالَ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦]؛ فَإِذَا ذَكَرُوهَا وَوُقِفُوا عَلَيْهَا حُوسِبُوا عَلَيْهَا ا. هـ (١) وقال الحافظ ابن كثير ﵀: يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ سَعَادَةِ مَنْ أَوُتِيَ كِتَابَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِيَمِينِهِ، وَفَرَحِهِ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ مِنْ شِدَّةِ فَرَحِهِ يَقُولُ لِكُلِّ مَنْ لَقِيَهُ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ أَيْ: خُذُوا اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي فِيهِ خَيْرٌ وَحَسَنَاتٌ مَحْضَةٌ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ بَدل اللَّهُ سَيِّئَاتِهِ حَسَنَاتٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحِ حديثُ ابْنِ عُمَرَ ﵁ حِينَ سُئِلَ عَنِ النجوى، فقال: سمعت النبي الله ﷺ يَقُولُ: «يُدْنِي اللهُ العبدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فيُقَرِّره بِذُنُوبِهِ كُلِّهَا،

стр. 714

حَتَّى إِذَا رَأَى أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ قَالَ اللَّهُ: إِنِّي سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ. ثُمَّ يُعطَى كتابَ حَسَنَاتِهِ بِيَمِينِهِ، … الحديث» (١) ا. هـ (٢) وقال ﵀: في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧)﴾ الآيات [الحاقة]: وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ حَالِ الْأَشْقِيَاءِ إِذَا أُعْطِيَ أَحَدُهُمْ كِتَابَهُ فِي العَرَصات بِشَمَالِهِ، فَحِينَئِذٍ يَنْدَمُ غَايَةَ النَّدَمِ، ﴿فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧)﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي مَوْتَةً لَا حَيَاةَ بَعْدَهَا. وَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَالرَّبِيعُ، وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: تَمَنَّى الْمَوْتَ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ فِي الدُّنْيَا أَكْرَهُ إِلَيْهِ مِنْهُ. ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩)﴾ أَيْ: لَمْ يَدْفَعْ عَنِّي مَالِي وَلَا جَاهِي عذابَ اللَّهِ وبَأسه، بَلْ خَلَص الْأَمْرُ إليَّ وَحْدِي، فَلَا مُعِينَ لِي وَلَا مُجِيرَ .... إلخ (٣). وقوله تعالى في سورة الإنشقاق: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠)﴾ أَيْ: بِشِمَالِهِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، تُثْنى يَدُهُ إِلَى وَرَائِهِ وَيُعْطَى كِتَابَهُ بِهَا كَذَلِكَ. -نسأل الله السلامة والعافية- من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها: ومن عدل الله وتفضُّلِه ورحمتِه بعباده المؤمنين أنَّ المؤمن يجد في كتاب حسناتِه الحسناتِ المضاعفاتِ التي وعد الله بها. ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وهذا من رحمة الله. مضاعفة الصَّدقات: قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٧] وكما جاء في الحديث عن النبي ﷺ في شأن الصدقة فإن المؤمن إذا «تَصَدَّقَ

стр. 715

بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ-أي: فرسه الصغير-حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» (١). مضاعفة الحرف في تلاوة القرآن: ومما يضاعف: تلاوتك لكتاب الله؛ فإنَّ من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، قال ﷺ : «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ ﴿الم﴾ حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ» (٢) وكان ابن مسعود ﷺ يقول: «تَعَلَّمُوا هَذَا الْقُرْآنَ فَإِنَّكُمْ تُؤْجَرُونَ بِتِلَاوَتِهِ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ بِـ ﴿الم﴾، وَلَكِنْ بِأَلِفٍ، وَلَامٍ، وَمِيمٍ، بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ» (٣) يُبدِّل الله السيئاتِ حسناتٍ للتائبين: ويخبرنا ربنا أنه يتفضَّل على من يشاء من عباده، فيُبدِّل سيئاتهم حسناتٍ، فيجدون ذلك في كتاب حسناتهم يوم القيامة حينما يلقَوا ربهم -جل وعلا-. كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي ذر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ

стр. 716

صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا، فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ، فَيُقَالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ. لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِ ذُنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً، فَيَقُولُ: رَبِّ، قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا هَا هُنَا» (١). وهذا هو العرض الذي هو الحساب اليسير الذي يكون للمؤمن يوم القيامة. إقامة الشهود على العباد: ومن عَدْلِ الله في الحساب يوم القيامة أنه يُقِيمُ الشهودَ على الكفرة والمنافقين وعلى العصاة والمجرمين، نسأل الله العفو والعافية. شهادة السمع والبصر والجلود: قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠)﴾ [فصلت]. فالله سبحانه يقيم عليهم الحجة يوم القيامة. ولما يحاسب الله الناسَ يوم القيامة، فينكر بعضُهم عملَه الذي عمل، ينطق الله أعضاءه بالشهادة ويقطع عليه الحجة. كما في صحيح مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَضَحِكَ، فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟» قَالَ قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قَالَ: يَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي، قَالَ: فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا، قَالَ: فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ: انْطِقِي، قَالَ: فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ، قَالَ فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ» (٢)

стр. 717

وفيه أيضا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: … فَيَلْقَى -أي اللهُ تعالى- الْعَبْدَ، فَيَقُولُ: أَيْ فُلْ أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ، وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي، … -فذكر الحديث ثم قال في الثالث-، فَيَقُولُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ آمَنْتُ بِكَ، وَبِكِتَابِكَ، وَبِرُسُلِكَ، وَصَلَّيْتُ، وَصُمْتُ، وَتَصَدَّقْتُ، وَيُثْنِي بِخَيْرٍ مَا اسْتَطَاعَ، فَيَقُولُ: هَاهُنَا إِذًا، قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: الْآنَ نَبْعَثُ شَاهِدَنَا عَلَيْكَ، وَيَتَفَكَّرُ فِي نَفْسِهِ: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ؟ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، وَيُقَالُ لِفَخِذِهِ وَلَحْمِهِ وَعِظَامِهِ: انْطِقِي، فَتَنْطِقُ فَخِذُهُ وَلَحْمُهُ وَعِظَامُهُ بِعَمَلِهِ، وَذَلِكَ لِيُعْذِرَ مِنْ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ الْمُنَافِقُ وَذَلِكَ الَّذِي يَسْخَطُ اللهُ عَلَيْهِ» (١) وهكذا يقطع الله الحجة والعذر عن الناس جميعًا وعن كل مكابر فيقيم الله عليهم الحُجَّة، ويُظهِر يوم القيامة عدلَه. « … وَلَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنْزَلَ الْكِتَابَ وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ» (٢) شهادة الأنبياء: أولُ من يشهد على الأمم الرسلُ والأنبياءُ، فيشهد كلُّ رسول على أمته بالبلاغ. كما قال ربنا -جل وعلا-: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء] ويقول سبحانه: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النحل: ٨٩].

стр. 718

أمة محمد تُصدِّق الأنبياء: وأخبرنا النبيُّ ﷺ أن أمة محمد تشهد للأنبياء يوم القيامة كما قال ربنا سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وخرَّج البخاري ﵀ في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: «يُدْعَى نُوحٌ يَومَ القِيامَةِ، فيَقولُ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ يا رَبِّ، فيَقولُ: هلْ بَلَّغْتَ؟ فيَقولُ: نَعَمْ، فيُقالُ لِأُمَّتِهِ: هلْ بَلَّغَكُمْ؟ فيَقولونَ: ما أتانا مِنْ نَذِيرٍ، فيَقولُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فيَقولُ: مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ، فَتَشْهَدُونَ أنَّه قدْ بَلَّغَ: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] فَذلكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]» (١). الأرض تشهد: وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾ [الزلزلة]. أَيْ: تُحَدِّثُ بِمَا عَمِلَ الْعَامِلُونَ عَلَى ظَهْرِهَا. قال مُجَاهِد والثوري وغيرهما: «تُحَدِّثُ بِأَخْبَارِ النَّاسِ بِمَا عَمِلُوا عَلَيْهَا مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ» (٢). وقد روى الترمذي -بسند ضعيف- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «فَإِنَّ أَخْبَارَهَا أَنْ تَشْهَدَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا أَنْ تَقُولَ: عَمِلَ كَذَا وَكَذَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا وقال: فَهَذِهِ أَخْبَارُهَا» (٣)

стр. 719

وروى الطبراني عن ابْنِ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ يَزِيدَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَبِيعَةَ الْجُرَشِيَّ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «اسْتَقِيمُوا وَنِعِمَّا إِنِ اسْتَقَمْتُمْ، وحَافِظُوا عَلَى الْوُضُوءِ، فَإِنَّ خَيْرَ عَمَلِكُمُ الصَّلَاةُ، وتَحَفَظُّوا مِنَ الْأَرْضِ فَإِنَّهَا أُمُّكُمْ، وَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ عَامِلٍ عَلَيْهَا خَيْرًا أَوْ شَرًّا إِلَّا وَهِي مُخْبِرَةٌ» (١) ورُوي عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَرْثَدٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءٍ ﵁: «اذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ كُلِّ حُجَيْرَةٍ وَشُجَيْرَةٍ لَعَلَّهَا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَشَهَّدُ لَكُمْ» (٢) شهداء آخرون: وقد روى البخاري في صحيحه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الأَنْصَارِيِّ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁، قَالَ لَهُ: إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ وَالبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ، أَوْ بَادِيَتِكَ، فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ: «لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ، جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ، إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ»، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . (٣) وفي رواية: «لَا يَسْمَعُهُ إِنْسٌ، وَلَا جِنٌّ، وَلَا حَجَرٌ، وَلَا شَجَرٌ، وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٤) وفي سنن الترمذي عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ، أَوْ شَجَرٍ، أَوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الأَرْضُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا» (٥)

стр. 720

شهادة الليالي والأيام: ورُوي بسند لا يصح عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، ﵁ مرفوعا: «لَيْسَ مِنْ يَوْمٍ يَأْتِي عَلَى ابْنِ آدَمَ إِلا يُنَادَى فِيهِ: يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا خَلْقٌ جَدِيدٌ، وَأَنَا فِيمَا تَعْمَلُ فِيهِ عَلَيْكَ شَهِيدٌ، فَاعْمَلْ فِيَّ خَيْرًا أَشْهَدُ لَكَ بِهِ غَدًا، فَإِنِّي لَوْ قَدْ مَضَيْتُ لَمْ تَرَنِي أَبَدًا، قَالَ: وَيَقُولُ اللَّيْلُ مِثْلَ ذَلِكَ» (١) والصحيح أنه من قول بعض السلف (٢). فقد روى ابن أبي الدنيا عَنِ الْحَسَنِ البصري أنه قَالَ: " لَيْسَ يَوْمٌ يَأْتِي مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا إِلَّا يَتَكَلَّمُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي يَوْمٌ جَدِيدٌ، وَأَنَا عَلَى مَنْ يَعْمَلُ فِيَّ شَهِيدٌ، وَإِنِّي لَوْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ لَمْ أَرْجِعْ إِلَيْكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (٣). وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زُبَيْدٍ الْإِيَامِيِّ، قَالَ: لَيْسَ مِنْ يَوْمٍ إِلَّا وَهُوَ يُنَادِي: أَنَا يَوْمٌ جَدِيدٌ، وَأَنَا عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ. ابْنَ آدَمَ إِنِّي لَمْ أَقَرَّ بِكَ أَبَدًا، فَاتَّقِ اللَّهَ، وَاعْمَلْ فِيَّ خَيْرًا، فَإِذَا هُوَ أَمْسَى قَالَ: اللَّهُمَّ لَا تَرُدَّنِي إِلَى الدُّنْيَا أَبَدًا (٤). وقال ابْنُ أَبِي خَالِدٍ: سَمِعْتُ أَبَا عِيسَى يَحْيَى بْنَ رَافِعٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١)﴾ [ق] قَالَ: «سَائِقٌ يَسُوقُهَا إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، وَشَاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِمَا عَمِلَتْ» (٥)

стр. 721

أربعٌ يُسأَل عنها المرءُ يومَ القيامة: كلُّ عملٍ عَمِلَهُ الإنسانُ يُسأل عنه يوم القيامة، كما في حديثِ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ» (١). فالذي يتأمل هذا الخبر عن النبي ﷺ يجد في نفسه حاجة لأن يقف وقفة عظيمة؛ لينظر إلى أعماله التي عملها والتي سيُسأَل عنها يوم القيامة. سؤال العبد عن النعيم والماء البارد: ويسأل العباد أيضًا عن النعيم الذي يتنعمون به. قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤، النحل: ١٨]. ويقول النبي ﷺ كما في جامع الترمذي وغيره:

стр. 722

«إِنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ-يَعْنِي العَبْدَ مِنَ النَّعِيمِ-أَنْ يُقَالَ لَهُ: أَلَمْ نُصِحَّ لَكَ جِسْمَكَ، وَنُرْوِيَكَ مِنَ المَاءِ البَارِدِ» (١). فهذا الماء الذي تشربه رقراقًا جميلًا باردًا يأتيك صافيًا نقيًّا تُسأَل عنه يوم القيامة، وتسأل عن هذه النعم التي أنعم الله بها عليك. جاء رجلٌ إلى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ فقال له: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله بن عمرو: ألك امرأةٌ تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء. قال: فإنَّ لي خادمًا. قال: فأنت من الملوك (٢). ويقول النبي ﷺ : «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» (٣). ويقول ﷺ : «لَا بَأْسَ بِالْغِنَى لِمَنْ اتَّقَى اللهَ، وَالصِّحَّةُ لِمَنْ اتَّقَى اللهَ خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى، وَطِيبُ النَّفْسِ مِنَ النِّعَمِ» (٤). فهذا من النعيم الذي يُسأَلُ عنه يوم القيامة. يسأل عن العهود والمواثيق: ويسأل الله عبادَه عن العهود والمواثيق التي كانت عليهم، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (١٥)﴾ [الأحزاب]. يسأل المرء عن سمعه وبصره وفؤاده: ويحاسبون على سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم، كما قال -جل وعلا-: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء].

стр. 723

يقول قتادة في تفسير هذه الآية: "لا تقل رأيتُ ولم تر، وسمعتُ ولم تسمع، فإن الله ﵎ سائُلك عن ذلك كلِّه" (١). ويقول الحافظ ابن كثير: "ومضمونُ ما ذكروه: أنَّ الله تعالى نهى عن القول بلا علم، بل بالظن الذي هو التَّوهُّم والخيال" (٢) أول ما يحاسب عليه المرء من عمله صلاته: أخبرنا النبيُّ ﷺ كما في سنن النسائي - عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قَالَ: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ صَلَاتُهُ، فَإِنْ كَانَ أَكْمَلَهَا وَإِلَّا قَالَ اللَّهُ : انْظُرُوا لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ، فَإِنْ وُجِدَ لَهُ تَطَوُّعٌ. قَالَ: أَكْمِلُوا بِهِ الْفَرِيضَةَ» (٣) ورواه الإمام أحمد عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ صَلَاتُهُ، فَإِنْ كَانَ أَتَمَّهَا كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَتَمَّهَا قَالَ اللَّهُ : انْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَتُكْمِلُوا بِهَا فَرِيضَتَهُ؟ ثُمَّ الزَّكَاةُ كَذَلِكَ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ» (٤) وروى دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ﵁ قَالَ: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ، فَإِنْ أَتَمَّهَا وَإِلَّا قِيلَ: انْظُرُوا هَلْ لَهُ مِنْ تَطَوُّعٍ،

стр. 724

فَأُكْمِلَتِ الْفَرِيضَةُ مِنْ تَطَوُّعِهِ، فَإِنْ لَمْ تَكْمُلِ الْفَرِيضَةُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ تَطَوُّعٌ أُخِذَ بِطَرَفَيْهِ فَقُذِفَ بِهِ فِي النَّارِ» وهذا موقوف -على الصحيح- وله حكم الرفع. (١) وهكذا الزكاة والحج والصيام يسأل عنها العبد، فيسأل عن الفرائض، ويسأل عن أعماله الصالحة التي عملها وعن توحيده وعن إخلاصه. الدعاء بـ (اللهم حاسبني حسابا يسيرا) -نسأل الله -جل وعلا- أن يجعل حسابنا حسابًا يسيرًا-. وأن يجعلنا ممن قال فيهم : ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ [الإنشقاق]. وقد رُوِيَ في المسندِ وغيرِه عن النبي ﷺ أنه كان يدعو فيقول: «اللهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا» (٢). وتقول عائشةُ ﵂: سمعتُ النبي ﷺ يقول: «لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا هَلَكَ»، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: أَوَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾، قَالَتْ: فَقَال: «إِنَّمَا ذَلِكِ العَرْضُ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ يَهْلِك» (٣).

стр. 725

التعوُّذ من ضيق المقام كان النبي ﷺ في استفتاح الصلاة في قيام الليل يُكَبِّرُ عَشْرًا، وَيَحْمَدُ عَشْرًا، وَيُسَبِّحُ عَشْرًا، وَيُهَلِّلُ عَشْرًا، وَيَسْتَغْفِرُ عَشْرًا، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي وَعَافِنِي، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ضِيقِ الْمَقَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١)، وفي رواية: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الضِّيقِ يَوْمَ الْحِسَابِ» (٢). أَيْ منْ شَدَائِدَ أَحْوَالِه وَسَكَرَاتِ أَهْوَالِه ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين: ٦]. قال ابن كثير: أَيْ: يَقُومُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرلا فِي مَوْقِفٍ صَعْبٍ حَرج ضَيِّقٍ ضنَك عَلَى الْمُجْرِمِ، وَيَغْشَاهُمْ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ-مَا تَعْجزُ الْقُوَى وَالْحَوَاسُّ عَنْهُ ا. هـ (٣) المراؤون أول من تسعر به النار وتأملوا ما جاء في شأن أولئك الذين يحاسبهم الله -جل وعلا- على أعمالهم التي عملوها لغير الله، قرؤوا القرآن لغير الله، تصدقوا لغير الله، جاهدوا لغير الله، فيناقَشُون الحساب يوم القيامة، فقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه: «يُؤْتَى بِصَاحِبِ المَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: أَلَمْ أُوَسِّعْ عَلَيْكَ حَتَّى لَمْ أَدَعْكَ تَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا آتَيْتُكَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَصِلُ الرَّحِمَ وَأَتَصَدَّقُ. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ. وَتَقُولُ لَهُ المَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ. وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ جَوَادٌ. فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ» (٤)، فهذا ممن يناقش الحساب يوم القيامة، ولا يغفر الله له، ويأمر الله به، فيُسحَب إلى نار جهنم، -نسأل الله السلامة والعافية-.

стр. 726

بعض ما قيل من الشعر في الحساب: وأَنْشَدُوا في هذا الموقف العظيم موقفِ الحساب ما نُقِلَ عن بعضهم أنه قال: مَثِّل وقوفَكَ يومَ العَرْض عُرْيانَا … مستوحِشًا قَلِقَ الأحشاءِ حيرانَا والنارُ تلهبُ من غيظٍ ومن حَنَقٍ … على العُصاةِ وربُّ العرشِ غضبانَا اقرأْ كتابَك يا عبدي على مَهَلٍ … فهل ترى فيه حرفًا غيرَ ما كانَا لما قرأْتَ ولم تُنْكِر قراءتَه … إقرارَ من عرف الأشياء عِرفانَا نادى الجليلُ: خذوه يا ملائكتي … وامضُوا بعبدٍ عصى للنارِ عطشانَا المشركون غدًا في النار يلتهبوا … والمؤمنون بدارِ الخُلْدِ سُكَّانَا (١) فيا إخواني في الله مَنْ عَلِمَ وآمَنَ حقًّا بأنه سيقف غدًا بين يدي الله وأنَّ الحساب حقٌّ؛ فإن ذلك يزجره عن الوقوع فيما حرَّم الله، ويزجره عن ظلم الناس، ويزجره عن ظلم نفسه، ويجعله يجتهد في الإصلاح، ويجتهد في أن يكون عبدًا صادقًا في دنياه، يعبد الله على بصيرة، ويريد وجه الله سبحانه، فعليكم بإخلاص العمل لله والجد والاجتهاد في إصلاح الأعمال؛ فإن العمل الصالح هو الذي يؤنسك في قبرك، وهو الذي ينفعك يوم القيامة، فيكون لك شفيعًا عند الله سبحانه. أسأل الله أن يجعل حسابنا حسابًا يسيرًا، ونعوذ به من سوء الحساب يوم القيامة، والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 727

JIH الإيمان باقتصاص المظالم يوم القيامة

стр. 728

F e المجلس الحادي والثلاثون (١) اقتصاص المظالم: ومما يدخل في باب الإيمان باليوم الآخر ما أخبرنا الله عنه مما يكون يوم القيامة من اقتصاص المظالم بين الخلق يوم القيامة، فيقتص بعضهم من بعض. يوم القيامة يوم الفصل: فالله -جل وعلا- الحكم العدل سمَّى يوم القيامة بيوم الفصل، قال -جل وعلا-: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧)﴾ [النبأ: ١٧] هذا اليوم يُفصَل فيه بين الناس، ويقتص فيه للمظلوم من الظالم، وتحيط بالظالم المظالم، وتصعد القلوب إلى الغلاصم، وليس لمن لا يرحمه الإله عاصم. وتعاد الحقوق إلى أهلها، فيَقتَصُّ الحكمُ العدلُ للمظلوم من ظالمه حتى لا يبقى لأحد عند أحد مظلمة حتى الحيوان يُقتَصُّ لبعضهم من بعض كما في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ، مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» (٢) إنه موقفٌ عظيمٌ، وهذا -واللهِ- ليستدعي من المؤمن أن يقف وقفة عظيمة مع نفسه ويحاسب النفس؛ ليتخلَّص من كل المظالم. حديث أتدرون من المفلس؟ وحينما نتحدث عن هذا الأمر العظيم يتراءى لنا الحديث المشهور المعروف عند العلماء بحديث المفلس وهو ما أخرجه الإمام مسلم والترمذي وغيرهما من حديث أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال لأصحابه يومًا: «أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ»؟ قَالُوا: المُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :

стр. 729

«المُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِصَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ وَزَكَاتِهِ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا فَيَقْعُدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصّ مَا عَلَيْهِ مِنَ الخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» (١). تأملوا سؤال النبي ﷺ للصحابة، -فلم يسألهم إلا ليعلمهم ويخبرهم، وفيه تعليم للأمة كلها- «أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ»؟ فأجابوا بهذا الجواب الذي هو معروف، وفيه بيانٌ للمفلس في حقيقة حال الناس في الدنيا، وهو من لا درهم عنده ولا متاع. ثم بين النبي ﷺ : «أنَّ الْمُفْلِسَ» على الحقيقة من يأتي وقد صلَّى وقَبِلَ الله صلاتَه وزَكَّى وقَبِلَ اللهُ زكاته وصام وقَبِلَ اللهُ صيامه وعنده حج وذكر وطاعة، لكن: «وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا» -فمع أنه مُصَلٍّ وصائم وقائم ومن أهل التوحيد، لكنه جاء بهذه المظالم التي مات ولم يتحلَّلْ منها ولم يتب إلى الله منها فماذا يُصنَع به؟ قال ﷺ : «فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ». نسأل الله السلامة والعافية. وهذه-واللهِ-من أعظم الحسرات. من الذي يَأخُذُ حسناته؟ ربما مَنْ كان يبغضه في الدنيا، أو مَنْ كان لا يأبه به واستضعفه، فلم يكن له وزنٌ عنده في الدنيا، فيأتي يوم القيامة، فيأخذ حقَّه من صاحبه، ولو كان أفقرَ الناس في الدنيا، ولو كان وضيعًا في نسبه أو حسبه أو غير ذلك في الدنيا، لكنه يأتي يوم القيامة، فيقول: يا رب خذ لي حقي من فلان، ولو كان فلانٌ هذا ملكًا أو رئيسًا أو وجيهًا أو مديرًا أو ذا مال أو جاهٍ في دنياه؛ فإنَّ كل ذلك يسقط يوم القيامة، ويقف الناس أجمعون بين يدي الله سواسية لا فرق إلا بالتقوى فينتصف للمظلوم من ظالمه.

стр. 730

التحلُّل من أصحاب المظالم في الدنيا: وقد نصح نبيُّنا ﷺ لهذه الأمة، وبين لنا المخرج من هذه المظالم. كما في صحيح الإمام البخاري عن أبي هريرة ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» (١). لا يتقاضى الناس بالدراهم والدنانير يوم القيامة، ولو كان تقاضيهم بهذه الأموال لكان الأمر هيِّنًا، ولكنها الحسنات والسيئات، فهذه الحسنات التي عملتها في الدنيا وتعبت عليها وقبلها الله منك وسررت بها يأخذها أناس يوم القيامة مقابل مظلمتهم، فكيف ستكون الحسرة عند الإنسان يوم القيامة؟! وجاء عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دِينَارٌ أَوْ دِرْهَمٌ قُضِيَ مِنْ حَسَنَاتِهِ، لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ» يعني يوم القيامة. وفي رواية: « … وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَلَيْسَ بِالدِّينَارِ وَلَا بِالدِّرْهَمِ، وَلَكِنَّهَا الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ … » (٢) إنها المظالم التي تُقتَصُّ من أصحابها في ذلك اليوم!! نسأل الله العفو والعافية. وروي عن عائشة ﵂: أَنَّ رَجُلًا قَعَدَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي مَمْلُوكِينَ يكذبونني وَيَخُونُونَنِي وَيَعْصُونَنِي، وَأَشْتُمُهُمْ وَأَضْرِبُهُمْ فَكَيْفَ أَنَا مِنْهُمْ؟ فقال النبي ﷺ : «يُحْسَبُ مَا خَانُوكَ وَعَصَوْكَ وَكَذَّبُوكَ وَعِقَابُكَ إِيَّاهُمْ، فَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ كَانَ كَفَافًا، لَا لَكَ وَلَا عَلَيْكَ، وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ دُونَ ذُنُوبِهِمْ كَانَ فَضْلًا لَكَ، وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ فَوْقَ ذُنُوبِهِمْ اقْتُصَّ لَهُمْ مِنْكَ الفَضْلُ» فَتَنَحَّى الرَّجُلُ فَجَعَلَ يَبْكِي وَيَهْتِفُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمَا تَقْرَأُ كِتَابَ اللَّهِ ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى

стр. 731

بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء]» فَقَالَ الرَّجُلُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَهُمْ شَيْئًا خَيْرًا مِنْ مُفَارَقَتِهِمْ، أُشْهِدُكَ أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ كُلُّهُمْ (١). وتقدم حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: -فذكر الحديث وفيه- « … وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ، وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ، حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ، حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، حَتَّى اللَّطْمَةُ» قَالَ: قُلْنَا: كَيْفَ وَإِنَّا إِنَّمَا نَأْتِي اللَّهَ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا؟ قَالَ: «بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ» (٢) الظلم ظلمات يوم القيامة: وجاء أيضًا عن النبي ﷺ كما في الصحيح من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٣). والظلم ليس مقتصرا على أخذ مال الغير بغير حق فحسب بل يشمل هذا وغيره من حقوق الآدميين. ومنه مبارزة الله بالمعاصي فإنه من ظلم المرء لنفسه. وقد بيَّن لنا النبيُّ ﷺ خطره فقال: «اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه مسلم من حديث جابر ﵁ (٤). المقتول ظلمًا يطلب حقَّه يوم القيامة: بيَّنَ لنا النبي ﷺ عِظَمَ شأن الدماء والقتل بغير حق. كما في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يَجِيءُ الرَّجُلُ آخِذًا بِيَدِ الرَّجُلِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، هَذَا قَتَلَنِي، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: لِمَ قَتَلْتَهُ؟ فَيَقُولُ: قَتَلْتُهُ لِتَكُونَ الْعِزَّةُ لَكَ، فَيَقُولُ: فَإِنَّهَا لِي. وَيَجِيءُ الرَّجُلُ

стр. 732

آخِذًا بِيَدِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: إِنَّ هَذَا قَتَلَنِي، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: لِمَ قَتَلْتَهُ؟ فَيَقُولُ: لِتَكُونَ الْعِزَّةُ لِفُلَانٍ، فَيَقُولُ: إِنَّهَا لَيْسَتْ لِفُلَانٍ فَيَبُوءُ بِإِثْمِهِ» (١). وهذا المقتول يأتي يوم القيامة ورأسُه بين يديه ينادي ربَّه: «يَا رَبِّ، سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي؟». كما في جامع الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : «يَجِيءُ المَقْتُولُ بِالقَاتِلِ يَوْمَ القِيَامَةِ نَاصِيَتُهُ وَرَأْسُهُ بِيَدِهِ وَأَوْدَاجُهُ تَشْخَبُ دَمًا، يَقُولُ: يَا رَبِّ، قَتَلَنِي هَذَا، [وفي رواية: يَا رَبِّ، سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي؟] حَتَّى يُدْنِيَهُ مِنَ العَرْشِ». قَالَ: فَذَكَرُوا لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، التَّوْبَةَ، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]» (٢). وهذا من باب تعظيم حرمة قتل المسلمين وإراقة الدماء بغير حق. وإلا فالصحيح أن من تاب، تاب الله عليه. وفي سنن النسائي من حديث جندب ﵁ قال: حدثني فلان أن رسول الله ﷺ قال: «يَجِيءُ الْمَقْتُولُ بِقَاتِلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: [يَا رَبِّ] سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي؟ فَيَقُولُ: قَتَلْتُهُ عَلَى مُلْكِ فُلَانٍ». قَالَ جُنْدُبٌ: فَاتَّقِهَا (٣). وهذا يدُلُّ على عِظَمِ أمر الدم. أول ما يقضي بين الناس يوم القيامة في الدماء: وجاء عن النبي ﷺ في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ في الدِّمَاءِ» (٤). قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وفي الحديث عِظَمُ أَمْرِ الدم؛ فإنَّ البَدَاءة إنما تكون بالأهم، والذنبُ يَعظُم بحسب عِظَمِ المفسدةِ وتفويتِ المصلحة، وإعدامُ البنية الإنسانية غايةٌ في ذلك، وقد ورد في التغليظ في أمر القتل آيات كثيرة وآثار شهيرة" (٥).

стр. 733

تعظيم أمر الدماء: قلت: ولهذا لم يأتِ في النصوص الشرعية في الكبائر مثلما جاء في أمر القتل بغير حق، وقد قال النبي ﷺ : «لَنْ يَزَالَ المُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» رواه البخاري من حديث عبد الله بن عمر ﵄ (١). قال الحافظ في الفتح: قَوْلُهُ «فِي فُسْحَةٍ» … أَيْ سَعَةٍ قَوْلُهُ «مِنْ دِينِهِ» كَذَا لِلْأَكْثَرِ … وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ «مِنْ ذَنْبِهِ» فَمَفْهُومُ الْأَوَّلِ أَنْ يَضِيقَ عَلَيْهِ دِينُهُ فَفِيهِ إِشْعَارٌ بِالْوَعِيدِ عَلَى قَتْلِ الْمُؤْمِنِ مُتَعَمِّدًا بِمَا يُتَوَعَّدُ بِهِ الْكَافِرُ وَمَفْهُومُ الثَّانِي أَنَّهُ يَصِيرُ فِي ضِيقٍ بِسَبَبِ ذَنْبِهِ فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى اسْتِبْعَادِ الْعَفْوِ عَنْهُ لاستمراره فِي الضّيق الْمَذْكُور وَقَالَ ابن الْعَرَبِيِّ الْفُسْحَةُ فِي الدِّينِ سَعَةُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ حَتَّى إِذَا جَاءَ الْقَتْلُ ضَاقَتْ لِأَنَّهَا لَا تَفِي بِوِزْرِهِ وَالْفُسْحَةُ فِي الذَّنْبِ قَبُولُهُ الْغُفْرَانَ بِالتَّوْبَةِ حَتَّى إِذَا جَاءَ الْقَتْلُ ارْتَفَعَ الْقَبُولُ وَحَاصِله أَنه فسره على رَأْي ابن عُمَرَ فِي عَدَمِ قَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ ا. هـ (٢) ومما يدل على عظمة هذا الذنب: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ - يَوْمَ عَرَفَةَ -: فَقَالَ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، … » ثم قال: «وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. (٣). ثم خطب الناس يوم النحر فأعاد عليهم مقالته هذه في حرمة الدماء: كما في حديث أَبِي بَكْرَةَ ﵁ أنه ذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ - أَوْ بِزِمَامِهِ - قَالَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا»، فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا» فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ بِذِي الحِجَّةِ» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ،

стр. 734

كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ» (١). ثم خطب الناس في أوسط أيام التشريق فأعاد عليهم مقالته هذه في حرمة الدماء: فَعَنْ أَبِي نَضْرَةَ قال: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ: … «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، قَالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟»، قَالُوا بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: «فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ بَيْنَكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ … » ـ قَالَ: - وَلَا أَدْرِي قَالَ: أَوْ أَعْرَاضَكُمْ، أَمْ لَا-ـ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَبَلَّغْتُ»، قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: «لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» (٢) قال ابن حبان: فهذا بيانه ﷺ للناس مؤكدًا مبينًا قَبْلَ أن يقبضه الله -جل وعلا- إِلَى جَنَّتِهِ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَيَوْمَيْنِ. (٣) الجمع بينه وبين حديث «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاتُه»: وقوله في الحديث السابق: «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِى الدِّمَاءِ»، لا يتعارض مع قوله ﷺ في الحديث الآخر: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ صَلَاتُهُ» (٤).

стр. 735

وقد جاء في روايةٍ -ضعيفة- عن ابن مسعود ﵁ الجمعُ بينهما ولفظه: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ الصَّلَاةُ وَأَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ» (١) قال العلماء: "المعاصِي التي يعاقبُ عليها العبدُ يومَ القيامةِ نوعانِ: حقُّ اللَّهِ، وحقُّ العبادِ، وأولُ ما يُقضَى فيه يومَ القيامةِ من حقوقِ اللَّهِ الصلاةُ، ومن حقوقِ العبادِ الدماءُ" (٢) وقال أبو العباس القرطبي ﵀: وإنما أراد - والله أعلم-: أن كل واحد من تلك الأوليات أوَّلٌ بالنسبة إلى التي في بابه، فأول ما يحاسبُ به من أركان الإسلام الصلاة، وأول ما يحاسب به من المظالم الدِّماء، وأول ما يحاسب به مما ينتشر فيه صِيتُ فاعله تلك الأمور. وهذا أوَّلُ ما يقاربه ويناسبه، وهكذا تعتبر ما يردُ عليك من هذا الباب، والله تعالى أعلم ا. هـ (٣) الاقتصاص بين البهائم: ومن صور القصاص ما ذكرناه أوَّلًا من أنه يقتص للبهائم بعضها من بعض، فإذا وقع ذلك وقِيدَ للشاة الجمَّاء من الشاة القرناء قال الله لها: «كُونِي ترابًا» فيقول الكافر حينئذ: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠)﴾ [النبأ]. كما ثبت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام] قَالَ: «يَحْشُرُ اللَّهُ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْبَهَائِمَ، وَالدَّوَابَّ، وَالطَّيْرَ، وَكُلَّ شَيْءٍ، فَيَبْلُغُ مِنْ عَدْلِ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ أَنَّ اللَّهَ يَأْخُذُ لِلْجَمَّاءِ مِنَ الْقَرْنَاءِ» قَالَ: «ثُمَّ يَقُولُ: كُونِي تُرَابًا» قَالَ: «فَلِذَلِكَ يَقُولُ الْكَافِرُ ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠)﴾» (٤)

стр. 736

وَعَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ الْقَوَّاسِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مُدَّتِ الْأَرْضُ مَدَّ الْأَدِيمِ وَحَشَرَ اللَّهُ الْخَلَائِقَ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ وَالدَّوَابَّ وَالْوُحُوشَ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ جَعَلَ اللَّهُ الْقِصَاصَ بَيْنَ الدَّوَابِّ حَتَّى تَقُصَّ الشَّاةُ الْجَمَّاءُ مِنَ الْقَرْنَاءِ بِنَطْحَتِهَا فَإِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنَ الْقِصَاصِ بَيْنَ الدَّوَابِّ قَالَ لَهَا: كُونِي تُرَابًا، فَتَكُونُ تُرَابًا فَيَرَاهَا الْكَافِرُ فَيَقُولُ: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠)﴾ [النبأ]» (١) وقال أبو ذر ﵁: رأى النبي ﷺ شاتين تنتطحان فقال: «يَا أَبَا ذَرٍّ هَلْ تَدْرِي فِيمَ تَنْتَطِحَانِ؟» قال: لا. قال: «لَكِنَّ اللهَ يَدْرِي، وَسَيَقْضِي بَيْنَهُمَا» (٢). وقال ﷺ : «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ، مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» (٣) قال النووي ﵀: هَذَا تَصْرِيحٌ بِحَشْرِ الْبَهَائِمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِعَادَتِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا يُعَادُ أَهْلُ التَّكْلِيفِ مِنَ الْآدَمِيِّينَ وَكَمَا يُعَادُ الْأَطْفَالُ وَالْمَجَانِينُ وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةٌ وَعَلَى هَذَا تَظَاهَرَتْ دَلَائِلُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ [التكوير] وَإِذَا وَرَدَ لَفْظُ الشَّرْعِ وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ إِجْرَائِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ عَقْلٌ وَلَا شَرْعٌ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ ا. هـ (٤) وقال الملا علي قاري ﵀: قال ابن المَلَك (٥): … فَإِنْ قِيلَ: الشَّاةُ غَيْرُ مُكَلَّفَةٍ، فَكَيْفَ يُقْتَصُّ مِنْهَا؟ قُلْنَا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَعَالٌ لِمَا يُرِيدُ وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ إِعْلَامُ

стр. 737

الْعِبَادِ بِأَنَّ الْحُقُوقَ لَا تَضِيعُ، بَلْ يُقْتَصُّ حَقُّ الْمَظْلُومِ مِنَ الْمَظَالِمِ اهـ. (١) وَهُوَ وَجْهٌ حَسَنٌ وَتَوْجِيهٌ مُسْتَحْسَنٌ إِلَّا أَنَّ التَّعْبِيرَ عَنِ الْحِكْمَةِ بِالْغَرَضِ وَقَعَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْقَضِيَّةَ دَالَّةٌ بِطَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ عَلَى كَمَالِ الْعَدَالَةِ بَيْنَ كَافَّةِ الْمُكَلَّفِينَ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ هَذَا حَالُ الْحَيَوَانَاتِ الْخَارِجَةِ عَنِ التَّكْلِيفِ، فَكَيْفَ بِذَوِي الْعُقُولِ مِنَ الْوَضِيعِ وَالشَّرِيفِ وَالْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ؟. ا. هـ (٢) يُحبَس المؤمنون بقنطرة بين الجنة والنار، فيتقاصُّون قبل دخول الجنة: ومما يتصل بهذا الباب ما جاء في صحيح الإمام البخاري ﵀ من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الْجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا» (٣). فهذا يدل أيضًا على أنه حتى أهل الإيمان الذين يُوفِّقُهم الله ويعبرون الصراط يقفون قبل أن يدخلوا الجنة، فيُحبَسُون في قنطرة بين الجنة والنار، فيُهذَّبون من كل المظالم التي كانت بينهم. لا قُدِّسَت أمة لا يأخذ ضعيفُها حقَّه من شديدها: وروى ابن أبي شيبة والبزَّار حديثاً عجيباً: عن بريدة ﵁ قَالَ سَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَعْفَرًا ﵁، حِينَ قَدِمَ مِنَ الْحَبَشَةِ: «مَا أَعْجَبُ شَيْءٍ رَأَيْتَه؟» قال: رأيت امرأة تحمِل على رأسها مكتلاً مِنْ طَعَامٍ فَمَرَّ فَارِسٌ فَرَكَضَهُ فَأَبْذَرَهُ فَجَلَسَتْ تَجْمَعُ طَعَامَهَا، ثُمَّ الْتَفَتَتْ قَالَتْ وَيْلٌ لَهُ إِذَا وَضَعَ الْمَلِكُ ﵎ كُرْسِيَّهُ فَأَخَذَ للمظلوم مِنَ الظَّالِمِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَصْدِيقًا لِقَوْلِهَا «لَا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ أَوْ كَيْفَ تُقَدَّسُ أُمَّةٌ لَا يَأْخُذُ ضَعِيفُهَا حَقَّهُ مِنْ شَدِيدِهَا، وَهُوَ غَيْرُ مُتَعْتَعٍ؟» (٤).

стр. 738

وَروى ابن ماجه عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا رَجَعَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُهَاجِرَةُ الْبَحْرِ، قَالَ: «أَلَا تُحَدِّثُونِي بِأَعَاجِيبِ مَا رَأَيْتُمْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ؟» قَالَ فِتْيَةٌ مِنْهُمْ: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَرَّتْ بِنَا عَجُوزٌ مِنْ عَجَائِزِ رَهَابِينِهِمْ، تَحْمِلُ عَلَى رَأْسِهَا قُلَّةً مِنْ مَاءٍ، فَمَرَّتْ بِفَتًى مِنْهُمْ، فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيْهَا، ثُمَّ دَفَعَهَا فَخَرَّتْ عَلَى رُكْبَتَيْهَا، فَانْكَسَرَتْ قُلَّتُهَا، فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ إِذَا وَضَعَ اللَّهُ الْكُرْسِيَّ، وَجَمَعَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَتَكَلَّمَتِ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلُ، بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، فَسَوْفَ تَعْلَمُ كَيْفَ أَمْرِي وَأَمْرُكَ عِنْدَهُ غَدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَدَقَتْ، صَدَقَتْ كَيْفَ يُقَدِّسُ اللَّهُ أُمَّةً لَا يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهِمْ مِنْ شَدِيدِهِمْ؟» (١) هذان خصمان اختصموا في ربهم: ومما يتصل بهذا الباب ما جاء في الصحيح من حديث قيس بن عُبَاد عن على بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ» قَالَ قيس بن عُبَاد: وَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] وَهُمُ الَّذِينَ تَبَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: حَمْزَةُ، وَعَلِيٌّ، وَعُبَيْدَةُ، أَوْ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الحَارِثِ ﵃، -تبارز هؤلاء الثلاثة المؤمنون مع ثلاثة من المشركين-وهم: شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَالوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ. (٢). وقال قيسٌ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ، يُقْسِمُ قَسَمًا: إِنَّ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] «إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ بَرَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ … » (٣)

стр. 739

ثلاثة خصمهم الله يوم القيامة: وقال النبي ﷺ أيضًا: «قَالَ اللهُ: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا، فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ» رواه البخاري (١) ورواه أحمد وزاد: « … وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ» وقال «وَلَمْ يُوفِهِ أَجْرَهُ» بدل «يعطه» (٢). من ظلم قيد شبر من الأرض: وفي البخاري وغيره من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» (٣) فمن اعتدى على أرض الناس في الدنيا وأخذها بغير حق، فيُطوَّق يوم القيامة من سبع أرضين، نسأل الله السلامة والعافية. وفي البخاري أيضًا من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَخَذَ مِنْ الْأَرْضِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ» (٤). وفي مسند الإمام أحمد عن يعلى بن مرة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «مَنْ أَخَذَ أَرْضًا بِغَيْرِ حَقِّهَا، كُلِّفَ أَنْ يَحْمِلَ تُرَابَهَا إِلَى الْمَحْشَرِ» (٥) -وقد تقدم بعض هذا في المجلس الثامن والعشرين-. فما أعظم هذه المواقف التي ستقع في عرصات القيامة، وحين يقتص الله للخلائق بعضهم من بعض، وحين يختصم الناس يوم القيامة بين يدي الحكم العدل الذي هو سريع الحساب، فيقضي بينهم!

стр. 740

الولاية خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدَّى الذي عليه فيها: وفي صحيح الإمام مسلم ﵀ أنَّ أبا ذر ﵁ قال للنبي ﷺ : يا رسول الله ألا تستعملني؟ -يعني: لم لا تجعلني واليًا أو عاملًا لك على عمل؟ - قال: فضَرَبَ بيده على منكبيَّ ثم قال: «يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا» (١). يأتي يوم القيامة أولئك المسؤولون الظلمة أمام الله ويحاكَمون، كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «مَا مِنْ أَمِيرِ عَشَرَةٍ إِلَّا يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَغْلُولَةٌ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ، أَطْلَقَهُ الْحَقُّ أَوْ أَوْبَقَهُ» (٢). وفي رواية: «مَا مِنْ أَمِيرِ عَشَرَةٍ إِلَّا يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْلُولًا، لَا يَفُكُّهُ إِلَّا الْعَدْلُ، أَوْ يُوبِقُهُ الْجَوْرُ» (٣) فهذه المسؤوليات التي يتزاحم عليها الناس والتي يتسابقون إليها ويكون الإنسان فيها حاكمًا أو واليًا أو مسؤولًا أو مديرًا ثم لا يقوم فيها بما أمر الله -جل وعلا- فيقع منه الظلم يأتي يوم القيامة أمام الخلائق يُقتَصُّ للمظلوم منه، نسأل الله العفو والعافية. فهذه جملة من الأحاديث العظيمة التي جاءت عن النبي ﷺ في هذا الأمر العظيم اقتصاصِ المظالم والانتصاف للمظلوم من الظالم الذي سيقع في عرصات القيامة. وقد جاء مبينًا موضَّحًا عن النبي ﷺ أيما بيان وأيما توضيح وجاءت النصيحة من رسولنا ﷺ : «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ» رواه البخاري (٤) فهل نعي هذه الكلمات الطيبات المباركات والنصائح والتوجيهات من رسولنا ﷺ ؟
следующие страницы →