← Акыда

Акыда · id 1128

ري الظمآن بمجالس شعب الإيمان

غازي بن سالم أفلح

Полный текст (999 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وَعَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ الْقَوَّاسِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مُدَّتِ الْأَرْضُ مَدَّ الْأَدِيمِ وَحَشَرَ اللَّهُ الْخَلَائِقَ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ وَالدَّوَابَّ وَالْوُحُوشَ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ جَعَلَ اللَّهُ الْقِصَاصَ بَيْنَ الدَّوَابِّ حَتَّى تَقُصَّ الشَّاةُ الْجَمَّاءُ مِنَ الْقَرْنَاءِ بِنَطْحَتِهَا فَإِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنَ الْقِصَاصِ بَيْنَ الدَّوَابِّ قَالَ لَهَا: كُونِي تُرَابًا، فَتَكُونُ تُرَابًا فَيَرَاهَا الْكَافِرُ فَيَقُولُ: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠)﴾ [النبأ]» (١) وقال أبو ذر ﵁: رأى النبي ﷺ شاتين تنتطحان فقال: «يَا أَبَا ذَرٍّ هَلْ تَدْرِي فِيمَ تَنْتَطِحَانِ؟» قال: لا. قال: «لَكِنَّ اللهَ يَدْرِي، وَسَيَقْضِي بَيْنَهُمَا» (٢). وقال ﷺ : «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ، مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» (٣) قال النووي ﵀: هَذَا تَصْرِيحٌ بِحَشْرِ الْبَهَائِمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِعَادَتِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا يُعَادُ أَهْلُ التَّكْلِيفِ مِنَ الْآدَمِيِّينَ وَكَمَا يُعَادُ الْأَطْفَالُ وَالْمَجَانِينُ وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةٌ وَعَلَى هَذَا تَظَاهَرَتْ دَلَائِلُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ [التكوير] وَإِذَا وَرَدَ لَفْظُ الشَّرْعِ وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ إِجْرَائِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ عَقْلٌ وَلَا شَرْعٌ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ ا. هـ (٤) وقال الملا علي قاري ﵀: قال ابن المَلَك (٥): … فَإِنْ قِيلَ: الشَّاةُ غَيْرُ مُكَلَّفَةٍ، فَكَيْفَ يُقْتَصُّ مِنْهَا؟ قُلْنَا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَعَالٌ لِمَا يُرِيدُ وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ إِعْلَامُ

стр. 737

الْعِبَادِ بِأَنَّ الْحُقُوقَ لَا تَضِيعُ، بَلْ يُقْتَصُّ حَقُّ الْمَظْلُومِ مِنَ الْمَظَالِمِ اهـ. (١) وَهُوَ وَجْهٌ حَسَنٌ وَتَوْجِيهٌ مُسْتَحْسَنٌ إِلَّا أَنَّ التَّعْبِيرَ عَنِ الْحِكْمَةِ بِالْغَرَضِ وَقَعَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْقَضِيَّةَ دَالَّةٌ بِطَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ عَلَى كَمَالِ الْعَدَالَةِ بَيْنَ كَافَّةِ الْمُكَلَّفِينَ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ هَذَا حَالُ الْحَيَوَانَاتِ الْخَارِجَةِ عَنِ التَّكْلِيفِ، فَكَيْفَ بِذَوِي الْعُقُولِ مِنَ الْوَضِيعِ وَالشَّرِيفِ وَالْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ؟. ا. هـ (٢) يُحبَس المؤمنون بقنطرة بين الجنة والنار، فيتقاصُّون قبل دخول الجنة: ومما يتصل بهذا الباب ما جاء في صحيح الإمام البخاري ﵀ من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الْجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا» (٣). فهذا يدل أيضًا على أنه حتى أهل الإيمان الذين يُوفِّقُهم الله ويعبرون الصراط يقفون قبل أن يدخلوا الجنة، فيُحبَسُون في قنطرة بين الجنة والنار، فيُهذَّبون من كل المظالم التي كانت بينهم. لا قُدِّسَت أمة لا يأخذ ضعيفُها حقَّه من شديدها: وروى ابن أبي شيبة والبزَّار حديثاً عجيباً: عن بريدة ﵁ قَالَ سَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَعْفَرًا ﵁، حِينَ قَدِمَ مِنَ الْحَبَشَةِ: «مَا أَعْجَبُ شَيْءٍ رَأَيْتَه؟» قال: رأيت امرأة تحمِل على رأسها مكتلاً مِنْ طَعَامٍ فَمَرَّ فَارِسٌ فَرَكَضَهُ فَأَبْذَرَهُ فَجَلَسَتْ تَجْمَعُ طَعَامَهَا، ثُمَّ الْتَفَتَتْ قَالَتْ وَيْلٌ لَهُ إِذَا وَضَعَ الْمَلِكُ ﵎ كُرْسِيَّهُ فَأَخَذَ للمظلوم مِنَ الظَّالِمِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَصْدِيقًا لِقَوْلِهَا «لَا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ أَوْ كَيْفَ تُقَدَّسُ أُمَّةٌ لَا يَأْخُذُ ضَعِيفُهَا حَقَّهُ مِنْ شَدِيدِهَا، وَهُوَ غَيْرُ مُتَعْتَعٍ؟» (٤).

стр. 738

وَروى ابن ماجه عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا رَجَعَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُهَاجِرَةُ الْبَحْرِ، قَالَ: «أَلَا تُحَدِّثُونِي بِأَعَاجِيبِ مَا رَأَيْتُمْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ؟» قَالَ فِتْيَةٌ مِنْهُمْ: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَرَّتْ بِنَا عَجُوزٌ مِنْ عَجَائِزِ رَهَابِينِهِمْ، تَحْمِلُ عَلَى رَأْسِهَا قُلَّةً مِنْ مَاءٍ، فَمَرَّتْ بِفَتًى مِنْهُمْ، فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيْهَا، ثُمَّ دَفَعَهَا فَخَرَّتْ عَلَى رُكْبَتَيْهَا، فَانْكَسَرَتْ قُلَّتُهَا، فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ إِذَا وَضَعَ اللَّهُ الْكُرْسِيَّ، وَجَمَعَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَتَكَلَّمَتِ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلُ، بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، فَسَوْفَ تَعْلَمُ كَيْفَ أَمْرِي وَأَمْرُكَ عِنْدَهُ غَدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَدَقَتْ، صَدَقَتْ كَيْفَ يُقَدِّسُ اللَّهُ أُمَّةً لَا يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهِمْ مِنْ شَدِيدِهِمْ؟» (١) هذان خصمان اختصموا في ربهم: ومما يتصل بهذا الباب ما جاء في الصحيح من حديث قيس بن عُبَاد عن على بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ» قَالَ قيس بن عُبَاد: وَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] وَهُمُ الَّذِينَ تَبَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: حَمْزَةُ، وَعَلِيٌّ، وَعُبَيْدَةُ، أَوْ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الحَارِثِ ﵃، -تبارز هؤلاء الثلاثة المؤمنون مع ثلاثة من المشركين-وهم: شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَالوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ. (٢). وقال قيسٌ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ، يُقْسِمُ قَسَمًا: إِنَّ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] «إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ بَرَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ … » (٣)

стр. 739

ثلاثة خصمهم الله يوم القيامة: وقال النبي ﷺ أيضًا: «قَالَ اللهُ: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا، فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ» رواه البخاري (١) ورواه أحمد وزاد: « … وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ» وقال «وَلَمْ يُوفِهِ أَجْرَهُ» بدل «يعطه» (٢). من ظلم قيد شبر من الأرض: وفي البخاري وغيره من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» (٣) فمن اعتدى على أرض الناس في الدنيا وأخذها بغير حق، فيُطوَّق يوم القيامة من سبع أرضين، نسأل الله السلامة والعافية. وفي البخاري أيضًا من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَخَذَ مِنْ الْأَرْضِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ» (٤). وفي مسند الإمام أحمد عن يعلى بن مرة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «مَنْ أَخَذَ أَرْضًا بِغَيْرِ حَقِّهَا، كُلِّفَ أَنْ يَحْمِلَ تُرَابَهَا إِلَى الْمَحْشَرِ» (٥) -وقد تقدم بعض هذا في المجلس الثامن والعشرين-. فما أعظم هذه المواقف التي ستقع في عرصات القيامة، وحين يقتص الله للخلائق بعضهم من بعض، وحين يختصم الناس يوم القيامة بين يدي الحكم العدل الذي هو سريع الحساب، فيقضي بينهم!

стр. 740

الولاية خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدَّى الذي عليه فيها: وفي صحيح الإمام مسلم ﵀ أنَّ أبا ذر ﵁ قال للنبي ﷺ : يا رسول الله ألا تستعملني؟ -يعني: لم لا تجعلني واليًا أو عاملًا لك على عمل؟ - قال: فضَرَبَ بيده على منكبيَّ ثم قال: «يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا» (١). يأتي يوم القيامة أولئك المسؤولون الظلمة أمام الله ويحاكَمون، كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «مَا مِنْ أَمِيرِ عَشَرَةٍ إِلَّا يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَغْلُولَةٌ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ، أَطْلَقَهُ الْحَقُّ أَوْ أَوْبَقَهُ» (٢). وفي رواية: «مَا مِنْ أَمِيرِ عَشَرَةٍ إِلَّا يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْلُولًا، لَا يَفُكُّهُ إِلَّا الْعَدْلُ، أَوْ يُوبِقُهُ الْجَوْرُ» (٣) فهذه المسؤوليات التي يتزاحم عليها الناس والتي يتسابقون إليها ويكون الإنسان فيها حاكمًا أو واليًا أو مسؤولًا أو مديرًا ثم لا يقوم فيها بما أمر الله -جل وعلا- فيقع منه الظلم يأتي يوم القيامة أمام الخلائق يُقتَصُّ للمظلوم منه، نسأل الله العفو والعافية. فهذه جملة من الأحاديث العظيمة التي جاءت عن النبي ﷺ في هذا الأمر العظيم اقتصاصِ المظالم والانتصاف للمظلوم من الظالم الذي سيقع في عرصات القيامة. وقد جاء مبينًا موضَّحًا عن النبي ﷺ أيما بيان وأيما توضيح وجاءت النصيحة من رسولنا ﷺ : «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ» رواه البخاري (٤) فهل نعي هذه الكلمات الطيبات المباركات والنصائح والتوجيهات من رسولنا ﷺ ؟

стр. 741

وإنَّ الآخرة لأقربُ إلى أحدنا من شِراك نعله كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ» (١). فليس بينك وبين لقاء الله إلا أن تموت، والأجلُ الذي وضعه الله للناس غيرُ معلوم؛ فلا يعلم الإنسان متى يموت؟ قد يخرج ولا يرجع، وقد ينام ولا يستيقظ، وقد يسافر ولا يرجع، فالأجل غير معروف، فيوشك أن يأتي ملك الموت ليأخذ الروح من صاحبها فيموت ويندم ولاتَ ساعة مندم. فلتكن -يا عبد الله- حريصًا على أن تتحلَّل في هذه الدنيا في حال حياتك، وما دامت الروح في الجسد فاجتهد على ألا يكون لأحد عليك مظلمة. أسأل الله -جل وعلا- أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه كما نسأله أن يرفع عنا هذا الوباء، ويصرف عنا البلاء، إنه سميع الدعاء؛ اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 742

JIH الإيمان بالميزان

стр. 743

F e المجلس الثاني والثلاثون (١) نصب الموازين يوم القيامة: الإيمان بنصب الموازين يوم القيامة؛ هو من الإيمان باليوم الآخر فما أعظم سعادةَ هؤلاء الذين يأتون يوم القيامة، فتثقل موازينُ أعمالهم بما قدَّموا من إيمانٍ وعملٍ صالحٍ في الدنيا! تعريف الميزان: والميزان في لغة العرب معروفٌ؛ ويطلق على إطلاقات عدة، ومنها أنه يطلق، ويراد به الميزان ذو الكفتين، كما نقل ذلك غير واحد من أهل اللغة (٢). ولذلك فأهل العلم حينما يتكلمون عن الميزان ويعرفونه يقولون: هو الميزان الذي أخبر عنه الله -جل وعلا- في كتابه، وأخبر عنه النبي ﷺ في سُنَّته، وهو ميزان حقيقي له كفتان، توزن به أعمالُ العباد خيرُها وشرُّها. إجماع أهل السنة على أن الميزان حق: قال شيخ الإسلام ﵀: "وَتُنْصَبُ الْمَوَازِينُ، فَيُوزَنُ فِيهَا أَعْمَالُ الْعِبَادِ" (٣) وقال عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀: سَأَلْتُ أَبِي وَأَبَا زُرْعَةَ عَنْ مَذَاهِبِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أُصُولِ الدِّينِ، وَمَا أَدْرَكَا عَلَيْهِ الْعُلَمَاءَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ، وَمَا يَعْتَقِدَانِ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَا: " أَدْرَكْنَا الْعُلَمَاءَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ حِجَازًا وَعِرَاقًا وَشَامًا وَيَمَنًا فَكَانَ مِنْ مَذْهَبِهِمُ: الْإِيمَانُ

стр. 744

قَوْلٌ وَعَمَلٌ، يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، … فذكر الاعتقاد إلى أن قالا: … وَالْمِيزَانُ حَقٌّ، لَهُ كِفَّتَانِ، تُوزَنُ فِيهِ أَعْمَالُ الْعِبَادِ حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا حَقٌّ ا. هـ (١) وقال أبو الحسن الأشعري ﵀: وأجمعوا على أن الله ينصب الموازين لوزن أعمال العباد (٢). الميزان ميزان حقيقي: والميزان الذي أمرنا الله أن نؤمن به هو ميزانٌ حقيقيٌّ. وذكر عن بعض أهل العلم أنهم يؤولون ويقولون: الميزان المراد به العدل، والصحيحُ الذي عليه إجماعُ أهل السنة أنه ميزان حقيقيٌّ تُوزَن به أعمالُ العبادِ كما دلَّت عليه الأدلة، -وسيأتي ذكرها-، وهي تدل على أنه ميزان حقيقي. يقول القرطبي ﵀: "ورُوِيَ عن مجاهد والضحَّاك والأعمش أنَّ الميزان هنا بمعنى العدل والقضاء، وذِكْرُ الوزنِ والميزانِ ضَرْبُ مَثلٍ كما يقول: هذا الكلام في وزن هذا وفي وزنه أي: يعادله ويساويه، وإن لم يكن هناك وزن. قلت: وهذا القول مجازٌ، وليس بشيء وإن كان شائعًا في اللغة، للسُّنة الثابتة في الميزان الحقيقي ووصفه بكفتين ولسان، وإن كل كفة منهما طباق السموات والأرض" (٣). وقال البيهقي في شعب الإيمان: وذهب أهل التفسير إلى إثبات هذا الميزان بكفتيه وجاء في الأخبار ما دل عليه. ا. هـ (٤) الميزان له كفتان: وقال أهل العلم: هذا الميزان ميزانٌ له كفَّتان حِسِّيَّتان مشاهدتان، وله لسان كذلك، وأن هذا الميزان عظيم، بحيث إنه يسع أن يُوزَنَ به ما في السماوات وما في الأرض.

стр. 745

يقول الحافظ ابن قدامة: "والميزان له كفتان ولسان توزن به الأعمال (١) لسان الميزان: روى اَلْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: هُوَ مِيزَانٌ لَهُ لِسَانٌ وَكِفَّتَانِ. (٢) وروى حرب الكرماني واللالكائي عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، قَالَ: " ذُكِرَ الْمِيزَانُ عِنْدَ الْحَسَنِ، فَقَالَ: لَهُ لِسَانٌ وَكِفَّتَانِ ا. هـ (٣) وقال الشيخ صالح آل الشيخ في شرح الطحاوية: وكون الميزان له لسان كما ذكره ابن قدامة في اللمعة وذكره غيره، هذا لا أحفظ فيه دليلاً واضحاً -أو ما اطَّلَعْتُ فيه على دليل واضح-؛ لكن أخذوه من أنَّ ظاهر الوزن في الرُّجْحَان يتبين باللسان، فأَعْمَلُوا ظاهر اللفظ وجعلوا ذلك مثبتاً لوجود اللسان، فينبغي أن تكون محل بحث ا. هـ قلت: الحق إثباته فقد نقل غير واحد إجماع السلف على إثباته. قال الحافظ: قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى الْإِيمَانِ بِالْمِيزَانِ وَأَنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ تُوزَنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَنَّ الْمِيزَانَ لَهُ لِسَانٌ وَكِفَّتَانِ وَيَمِيلُ بِالْأَعْمَالِ ا. هـ (٤) ومثله عن الحافظ ابن بطال (٥). ونسبه أبو الحسن الأشعري: إلى قول أهل الحق (٦)

стр. 746

وقال الشيخ الغنيمان: الميزان لا يكون إلا بلسان، وبدون لسان لا يكون ميزان، فلابد أن يكون له لسان يعرف رجحانه من عدمه، وهذا أمرٌ يدل عليه كلمة (ميزان)، وقد أثبت العلماء ذلك من هذا ا. هـ (١) ونقل الطبري في تفسيره قول جماعة من العلماء: الْمِيزَانُ الَّذِي يَعْرِفُهُ النَّاسُ، لَهُ لِسَانٌ وَكِفَّتَانِ (٢). وعند قول الله تعالى -في سورة الرحمن-: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)﴾ قال غير واحد من المفسرين: المعنى أقيموا لسان الميزان (٣). من أدلة القرآن على أن الميزان حق: قال ربنا -جل وعلا-: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ [الأعراف] وقال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] وقال ربِّنا في سورة القارعة: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾ [القارعة] من أدلة السنة على أن الميزان حق: وقد جاء في السنة أحاديث كثيرة، منها قولُ النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ» (٤). فقوله «ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ» يدل على أنه ميزان حقيقي.

стр. 747

تزود بما يثقل ميزانك يوم القيامة: ونحن في هذه الدنيا في فرصة ومهلة، والله -جل وعلا- أخبرنا أن موازيننا تثقلُ يوم القيامة بقدر ما نعمل من الأعمال الصالحات. وقد ضرب لذلك بعضُ أهل العلم مثلًا بأقوام جاؤوا على ساحل البحر، فانحسر البحر عن الجواهر والنفائس، فأخذ الناسُ يجمعون، كلٌّ يجمع بقدر ما يستطيع، فإذا رُئِيَ في هذا الموطن رجلٌ متغافلٌ عن جمع الجواهر وعن جمع الذهب وما انحسر عنه البحر فإنه يُعَدُّ في عُرْف الناس متكاسلًا، وربما قيل عنه: إنه مجنونٌ، فهكذا نحن في الدنيا في فرصة وفي مهلة (١). ومن رحمة الله -جل وعلا- وفضله أنه أخبرنا أن الأعمال الصالحة تضاعف في الميزان، وأنَّ الحسنة لا توزن بحسنة عند الله، وإنما تُوزَنُ بعشر حسنات؛ فتثقل بذلك الموازين: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام] وقال ربنا -جل وعلا-: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾ [النمل] وقال سبحانه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)﴾ [القصص: ٨٤]. لا وزن للحسنات بدون توحيد الله: فالآيات دالة على أنه بقدر ما تستزيد من أعمالك الصالحة في الدنيا التي أساسُها توحيدُ الله والإيمانُ بالله والإخلاصُ لله فإن حسناتك تضاعف يوم القيامة، وتثقل الموازين بهذه الحسنات المضاعفة من رب العالمين. ويقول ربنا -جل وعلا- في كتابه الكريم عن حال الكفار: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ [الكهف] تأملوا حال هؤلاء! لماذا حبطت أعمالهم؟

стр. 748

لأنهم جاؤوا ربهم سبحانه بالشرك، ولم يكونوا موحِّدين، فلو جاء رجلٌ بأعمال الدنيا الصالحة كلِّها إلا التوحيد فإنَّ الله لا يقبل له عملًا؛ ولذا قال: ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ [الكهف: ١٠٥] ولهذا قال ﷺ : «إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ» (١) وإنما الذي ينفع في الميزان هو العمل الصالح مع إيمان بالله وتوحيد به. قال الشوكاني ﵀: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ أَيْ: لَا يَكُونُ لَهُمْ عِنْدَنَا قَدْرٌ وَلَا نَعْبَأُ بِهِمْ، وَقِيلَ: لَا يُقَامُ لَهُمْ مِيزَانٌ تُوزَنُ بِهِ أَعْمَالُهُمْ، لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ لِأَهْلِ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ، وَهَؤُلَاءِ لَا حَسَنَاتٍ لَهُمْ ا. هـ (٢) أمور عظيمة تثقل الميزان: التسبيح: من ذلك ما جاء في الحديث السابق: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ». وقال ﷺ : «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلآنِ-أَوْ تَمْلأُ-مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالصَّلَاةُ نُورٌ … » الحديث (٣). فتأملوا قوله ﷺ : «وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلآنِ-أَوْ تَمْلأُ-مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالصَّلَاةُ نُورٌ … » فإنه دالٌ على أن هذه الكلمات المباركات لعظيم فضلها وعلو مكانتها تملأ الميزان، والحديث على ظاهره من غير تأويل بثوابها؛ لعدم ما يمنع من كونها هي الموزون. الكلمات الأربع الباقيات الصالحات واحتساب الولد الصالح إذا مات: كذلك جاء عن أَبي سَلْمَى ﵁ رَاعِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ،

стр. 749

قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «بَخٍ بَخٍ وَأَشَارَ بِيَدِهِ بِخَمْسٍ مَا أَثْقَلَهُنَّ فِي الْمِيزَانِ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَالْوَلَدُ الصَّالِحُ يُتَوَفَّى لِلْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فَيَحْتَسِبُهُ» (١) وقوله: « … وَالْوَلَدُ الصَّالِحُ يُتَوَفَّى … » يعني: يموت فيحتسبه والده سواء كان الأب أو الأم، فإذا مات الولد -وهذا ليس مقيَّدًا بالصغير- إذا مات الابن أو البنت صالحًا أو صالحةً فاحتسبته عند الله -جل وعلا- فإنَّ هذا الاحتساب عظيمٌ عند الله -جل وعلا- في الميزان. ويدل هذا الحديث أيضًا على ما دلت عليه الأدلة الأخرى من إثبات الميزان يوم القيامة. الذكر دبر كل صلاة وعند النوم: وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَلَّتَانِ لَا يُحْصِيهِمَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ إِلَّا دَخَلَ الجَنَّةَ، أَلَا وَهُمَا يَسِيرٌ، وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ: يُسَبِّحُ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا، وَيَحْمَدُهُ عَشْرًا، وَيُكَبِّرُهُ عَشْرًا»، قَالَ: فَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْقِدُهَا بِيَدِهِ، قَالَ: «فَتِلْكَ خَمْسُونَ، وَمِائَةٌ بِاللِّسَانِ، وَأَلْفٌ وَخَمْسُ مِائَةٍ فِي المِيزَانِ، وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ تُسَبِّحُهُ وَتُكَبِّرُهُ وَتَحْمَدُهُ مِائَةً، فَتِلْكَ مِائَةٌ بِاللِّسَانِ، وَأَلْفٌ فِي المِيزَانِ، فَأَيُّكُمْ يَعْمَلُ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَمِائَةِ سَيِّئَةٍ؟» قَالُوا: فَكَيْفَ لَا نُحْصِيهَا؟ قَالَ: «يَأْتِي أَحَدَكُمُ الشَّيْطَانُ وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ، فَيَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، حَتَّى يَنْفَتِلَ، فَلَعَلَّهُ أَلَّا يَفْعَلَ، وَيَأْتِيهِ وَهُوَ فِي مَضْجَعِهِ، فَلَا يَزَالُ يُنَوِّمُهُ حَتَّى يَنَامَ» (٢) وقولُه ﷺ : «فَتِلْكَ خَمْسُونَ، وَمِائَةٌ بِاللِّسَانِ» هو مجموع ما تقوله من هذه الكلمات؛ لأنك تقولها خمسَ مرَّات عقب كلِّ صلاة، ثلاثون بعد صلاة الفجر: عشر تسبيحات وعشر تحميدات وعشر تكبيرات، وهكذا بعد كل صلاة ثلاثون، فهذه مائة وخمسون

стр. 750

باللسان. قال ﷺ : «وأَلْفٌ وَخَمْسُ مِائَةٍ فِي المِيزَانِ» يعني: الحسنة بعشرة أمثالها، وهذا الحديث الصحيح أيضًا من الأحاديث الدالة على الميزان كما أخبر النبي ﷺ . وانتبهوا -يا إخواني- إلى هذه الحسنات العظيمة التي يفقدها كثيرٌ من الناس، وقد اشتهر عند الناس اليوم أن من أذكار الصلاة أن تسبح ثلاثًا وثلاثين، وتحمد ثلاثًا وثلاثين، وتكبِّر ثلاثًا وثلاثين دُبُر كلِّ صلاة، وهذا صحيحٌ لكنَّ الإنسان قد يكسل أحيانًا أو ينشغل فنقول: لا تحرم نفسك من أن تقولها عشر مرات: عشر تسبيحات، وعشر تحميدات، وعشر تكبيرات، فالمجموع ثلاثون مرة، تقول: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر عشر مرات، لا تأخذ منك دقيقة واحدة، فتنال هذا الأجر والثواب. ولهذا بيَّنَ النبيُّ ﷺ لنا أنَّ الموفَّق من وفَّقه الله -جل وعلا- إذا كان المؤمنُ حقيقة يؤمنُ حقًّا وصدقًا بأن هناك موازين ستنصب يوم القيامة، وتوزن الأعمال، ويرى الناسُ ما عملوا من خير ومن شر فإنه سيستحضر هذا في كل يوم عقب كل صلاة، ويستحضر أن عنده هنا عمل إذا عمله كان مثقلا لميزانه يوم القيامة. الرفق بالخادم والعامل: وفي صحيح ابن حبان عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا خَفَّفْتَ عَنْ خَادِمِكَ مِنْ عَمَلِهِ كَانَ لَكَ أَجْرًا فِي مَوَازِينِكَ» (١) الخلق الحسن أعظم ما يثقل به الميزان: والخُلُقُ الحسن من أعظم ما تثقل به الموازين يوم القيامة. كما في سنن أبي داود عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ» ورواه الترمذي وزاد « … وَإِنَّ صَاحِبَ حُسْنِ الخُلُقِ لَيَبْلُغُ بِهِ دَرَجَةَ صَاحِبِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ» (٢) وبعض الناس اليوم تسوء أخلاقه، فتجده سبَّابا، ذَرِبَ اللسان، يسُبُّ ويشتم ويلعن

стр. 751

ويهزأ ويسخر، وربما يفعل بعضُ الناس ذلك على سبيل المزاح واللعب واللهو. والنبي ﷺ يقول: «وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ» (١). فحسِّنْ خلقك -يا عبد الله- ما استطعت لتكون من الفائزين. ثواب حضور الجنائز تثقل الميزان: عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ شَهِدَ الجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ، فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَ حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ»، قِيلَ: وَمَا القِيرَاطَانِ؟ قَالَ: «مِثْلُ الجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْنِ» متفق عليه. وفي رواية لهما: «مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ» وفي رواية لمسلم «أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ» (٢) وعَنْ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، وَيُفْرَغَ مِنْهَا، فَلَهُ قِيرَاطَانِ، وَمَنْ تَبِعَهَا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَهُوَ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِهِ مِنْ أُحُدٍ» (٣) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ خَرَجَ فِي جِنَازَةٍ فِيهَا ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فَصَلَّى عَلَيْهَا فَانْصَرَفَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ لِحَاجَةٍ فَضَرَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ مَنْكِبِي وَقَالَ أَتَدْرِي بِكَمِ انْصَرَفَ هَذَا؟ قُلْتُ لَا أَدْرِي قَالَ انْصَرَفَ بِقِيرَاطٍ فَقُلْتُ: ابْنَ عَبَّاسٍ، وَمَا الْقِيرَاطُ؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَانْصَرَفَ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْهَا كَانَ لَهُ قِيرَاطٌ، فَإِنِ انْتَظَرَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ، وَالْقِيرَاطُ مِثْلُ أُحُدٍ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»،

стр. 752

ثُمَّ قَالَ: أَتَعْجَبُ مِنْ قَوْلِي مِثْلَ أُحُدٍ، حَقٌّ لِعَظَمَةِ رَبِّنَا أَنْ يَكُونَ قِيرَاطُهُ مِثْلَ أُحُدٍ وَيَوْمُهُ كَأَلْفِ سَنَةٍ. (١) العناية بالخيل في سبيل الله تثقل الميزان: عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : « … الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ: هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخْرًا وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللهِ فِي ظُهُورِهَا وَلَا رِقَابِهَا، فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، فِي مَرْجٍ وَرَوْضَةٍ، فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْجِ، أَوِ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ، إِلَّا كُتِبَ لَهُ، عَدَدَ مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٌ، وَكُتِبَ لَهُ، عَدَدَ أَرْوَاثِهَا وَأَبْوَالِهَا، حَسَنَاتٌ، وَلَا تَقْطَعُ طِوَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا، أَوْ شَرَفَيْنِ، إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا وَأَرْوَاثِهَا حَسَنَاتٍ، وَلَا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهْرٍ، فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا، إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ، عَدَدَ مَا شَرِبَتْ، حَسَنَاتٍ» (٢) وفي المسند من حديث شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي أَسْمَاءُ بِنْتُ يَزِيدَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ مَعْقُودٌ أَبَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ رَبَطَهَا عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا احْتِسَابًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ شِبَعَهَا وَجُوعَهَا، وَرِيَّهَا، وَظَمَأَهَا، وَأَرْوَاثَهَا، وَأَبْوَالَهَا فَلَاحٌ فِي مَوَازِينِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ رَبَطَهَا رِيَاءً، وَسُمْعَةً، وَفَرَحًا، وَمَرَحًا فَإِنَّ شِبَعَهَا، وَجُوعَهَا، وَرِيَّهَا، وَظَمَأَهَا، وَأَرْوَاثَهَا، وَأَبْوَالَهَا خُسْرَانٌ فِي مَوَازِينِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٣)

стр. 753

حاجة المرء إلى الحسنة الواحدة يوم القيامة: وإنَّ الواحد منا يوم القيامة ليحتاج إلى الحسنة الواحدة، فيطلبها من أبيه، يطلبها من أخيه، يطلبها من أمه، يطلبها من أقرب الناس إليه، فلا يجدها أبدًا، كلٌّ يقول: نفسي نفسي، كما ذكر ذلك جماعة من أهل التفسير عند قول الله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦)﴾ [عبس]. فالأب يقول لأبنائه: أيَّ أبٍ كنت لكم؟ فيقولون: كنت خير أب لنا، فيقول: حسنة واحدة. فيقولون له: نحن نريد ما تريد لا نستطيع نحن نريد ما تريد (١). أصحاب الأعراف: قد دلت الأدلة على أن الميزان يخف بمثقال حبة ويرجح. وأصحاب الأعراف هم: قوم يأتون يوم القيامة، تستوي حسناتهم وسيئاتهم. فيُحجَزون على الأعراف (٢) ينظرون إلى أهل الجنة، وينظرون إلى أهل النار، ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦] وإذا صرفوا أبصارهم إلى يسارهم نظروا أصحاب النار، ﴿قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)﴾ [الأعراف]، فيتعوذون بالله من منازلهم. فهؤلاء حُجِزوا بسبب أنهم لو كان لهم حسنةٌ زائدة لنجَوا في حينها مما هم فيه من كرب وهم وغم. وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يقول: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً كُتِبَ لَهُ بِهَا عَشْرًا، وَإِذَا عَمِلَ سَيِّئَةً لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ إِلَّا وَاحِدَةٌ، ثُمَّ يَقُولُ: هَلَكَ مَنْ غَلَبَتْ وَحْدَاتُهُ أَعْشَارَهُ» (٣)

стр. 754

وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ هُمْ رِجَالٌ كَانَتْ لَهُمْ ذُنُوبٌ عِظَامٌ، وَكَانَ جَسِيمٌ أَمْرُهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى يَقُومُونَ عَلَى الْأَعْرَافِ فَإِذَا نَظَرُوا إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ طَمِعُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا. وَإِذَا نَظَرُوا إِلَى أَهْلِ النَّارِ تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْهَا فَأَدْخَلَهُمُ اللَّهُ الْجَنَّةَ» (١) وعَنْ قَتَادَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالٌ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وَسَيِّئَاتُهُمْ، فَلَمْ تَفْضُلْ حَسَنَاتُهُمْ عَلَى سَيِّئَاتِهِمْ، وَلَا سَيِّئَاتُهُمْ عَلَى حَسَنَاتِهِمْ» (٢) وروي عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: «أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ قَوْمٌ تَجَاوَزَتْ بِهِمْ حَسَنَاتُهُمُ النَّارَ، وَقَصُرَتْ بِهِمْ سَيِّئَاتُهُمْ عَنِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ، قَالُوا: رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذِ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ. قَالَ: «قُومُوا ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» (٣) الحرص على كسب الحسنات: فليحرص الواحد منا على الاستكثار من الحسنات والمسارعة إلى الأعمال الطيبات الصالحات. فرب حسنة واحدة يكون فيها نجاتك عند الله وتثقل بالميزان. فَاستعمل وصية رسول الله ﷺ لأبي ذر ﵁ إذ قال له: «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ» (٤). وفي رواية:

стр. 755

«وَلَوْ أَنْ تَأْتِيَ أَخَاكَ بِوَجْهٍ مُنْبَسِطٍ، وَلَوْ أَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ الْمُسْتَسْقِي» (١) وفي مسند الإمام أحمد عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ ﵁ عَنْ رَجُلٍ، مِنْ قَوْمِهِ (٢) قَالَ: لَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ، … فذكر الحديث وفيه: قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنِ الْمَعْرُوفِ؟ فَقَالَ: «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تُعْطِيَ صِلَةَ الْحَبْلِ، وَلَوْ أَنْ تُعْطِيَ شِسْعَ النَّعْلِ، وَلَوْ أَنْ تَنْزِعَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ الْمُسْتَسْقِي، وَلَوْ أَنْ تُنَحِّيَ الشَّيْءَ مِنْ طَرِيقِ النَّاسِ يُؤْذِيهِمْ، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ، وَوَجْهُكَ إِلَيْهِ مُنْطَلِقٌ، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ فَتُسَلِّمَ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَنْ تُؤْنِسَ الْوَحْشَانَ فِي الْأَرْضِ، وَإِنْ سَبَّكَ رَجُلٌ بِشَيْءٍ يَعْلَمُهُ فِيكَ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ فِيهِ نَحْوَهُ، فَلَا تَسُبَّهُ فَيَكُونَ أَجْرُهُ لَكَ وَوِزْرُهُ عَلَيْهِ، وَمَا سَرَّ أُذُنَكَ أَنْ تَسْمَعَهُ فَاعْمَلْ بِهِ، وَمَا سَاءَ أُذُنَكَ أَنْ تَسْمَعَهُ فَاجْتَنِبْهُ» (٣) تواجد النبي ﷺ عند الميزان يوم القيامة: وحين تُنْصَبُ الموازين يوم القيامة يصاب الناس بالهلع وبالخوف وبالفزع بسبب ما يشاهدونه من الكَرْبِ ومن عظيم الحزن ومن عظيم الأهوال في ذلك اليوم العظيم، قال أنس بن مالك ﵁: سَأَلْتُ نَبِيَّ اللهِ ﷺ ، أَنْ يَشْفَعَ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ: قَالَ: «أَنَا فَاعِلٌ» قَالَ: فَأَيْنَ أَطْلُبُكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا نَبِيَّ اللهِ؟ قَالَ: «اطْلُبْنِي أَوَّلَ مَا تَطْلُبُنِي عَلَى الصِّرَاطِ» قَالَ: قُلْتُ: فَإِذَا لَمْ أَلْقَكَ عَلَى الصِّرَاطِ؟ قَالَ: «فَأَنَا عِنْدَ الْمِيزَانِ» قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عِنْدَ الْمِيزَانِ؟ قَالَ: «فَأَنَا عِنْدَ الْحَوْضِ، لَا أُخْطِئُ هَذِهِ الثَّلَاثَ مَوَاطِنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٤). فهذه ثلاثة مواطن بيَّنَ لنا النبيُّ ﷺ أنه سيكون عندها، فإما أن يكون عند الميزان أو عند الصراط أو عند الحوض صلواتُ ربي وسلامه عليه. وهذا يدل على أنَّ

стр. 756

الأمر عظيم، وأنَّ وجوده ﷺ في هذه المواطن الثلاثة لأنها مواطن عظيمة، تغشى الناس في ذلك الحين حينما تُنصَبُ الموازين، فيبلغ الخوف والهلع بالناس أقصى الحدود، ينسى الحبيبُ حبيبَه، ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠)﴾ [المعارج]، لا يفكر أحدٌ إلا في نفسه، ويذهل عن كلِّ شيءٍ لا يفكر إلا في نتيجة ميزانه، حين توزن أعماله عند الله. وقد رُوِيَ عن عائشة ﵂ وأرضاها أَنَّهَا ذَكَرَتِ النَّارَ فَبَكَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا يُبْكِيكِ؟» قَالَتْ: ذَكَرْتُ النَّارَ فَبَكَيْتُ، فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَمَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ: فَلَا يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَدًا: عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَوْ يَثْقُلُ، وَعِنْدَ الْكِتَابِ حِينَ يُقَالُ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩)﴾ [الحاقة] حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يَقَعُ كِتَابُهُ أَفِي يَمِينِهِ أَمْ فِي شِمَالِهِ أَمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ إِذَا وُضِعَ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ» وفي إسناده ضعف (١). إنه لأمرٌ عظيمٌ من أهوال يوم القيامة. نسأل الله -جل وعلا- أن يلطف بنا وأن يجعل أعمالنا صالحة متقبلة. ما يوزن يوم القيامة: وذكر العلماء أيضًا أن الميزان: • تُوزَن به أعمال العباد، • وربما وُزِنَ به العاملُ أيضًا أي: صاحب العمل. • وربما وزنت صحائف العمل أيضًا، وعلى ذلك دلَّت الأدلة، فالأدلة تدل على أن الأعمال هي التي توزن من خير أو من شر كما في الحديث السابق: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ … » الحديث، وكما في قول النبي ﷺ : «اقْرَؤوا الْقُرْآنَ؛ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ، اقْرَؤوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ؛ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ

стр. 757

أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا … » (١). فهذا الحديث المبارك يدل على أنه يؤتى بالقرآن والعمل على هذه الهيئة، فيكون في ميزان العبد مثقلًا له عند الله. وتقدم معنا أن الخُلُق الحَسَنَ أثقلُ ما يكون في الميزان. كذلك قال أهل العلم أيضًا: قد يوزن العامل نفسه، وقد جاء في ذلك أحاديث منها: حديث أبي هريرة المتقدم: «إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ثم قرأ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ [الكهف]» (٢). وكذلك جاء في مناقب ابن مسعود ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَجْتَنِي سِوَاكًا مِنَ الْأَرَاكِ، وَكَانَ دَقِيقَ السَّاقَيْنِ، فَجَعَلَتِ الرِّيحُ تَكْفَؤُهُ، فَضَحِكَ الْقَوْمُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مِمَّ تَضْحَكُونَ؟» قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ، فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ» (٣). رفعه الله بعمله الصالح وهو مع ضعف بنيته وجسده قوي القلب كبير العلم جليل القدر ﵁ وأرضاه. وقد قال الشاعر: تَرى الرَجُلَ النَحيفَ فَتَزدَريهِ … وَفي أَثوابِهِ أَسَدٌ مزيرُ وَيُعجِبُكَ الطَريرُ فَتَبتَليهِ … فَيُخلِفُ ظّنَّكَ الرَجُلُ الطَريرُ (٤)

стр. 758

وعَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عُمَرَ ﵁ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ نحيفٌ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ، ثُمَّ قَالَ: «كُنَيْفٌ (١) مُلِئَ عِلْمًا؟ كُنَيْفٌ مُلِئَ عِلْمًا» - يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ﵁. (٢) حديث البطاقة: والتوحيد والإخلاص هو أعظم ما تثقل به الموازين. ومن مواقف الميزان العظيمة ما أخبرنا عنه النبي ﷺ في قصة الرجل الذي عُرِفَ عند العلماء بـ"قصة صاحب البطاقة" في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَقُولُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ. فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ. فَيَقُولُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً فَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ، فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلاَّتِ؟! فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ. قَالَ: فَتُوضَعُ السِّجِلاَّتُ فِي كِفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلاَّتُ، وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ، فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيءٌ» (٣).

стр. 759

وهذا الحديث حديث عظيم، وفيه فوائد: منها: إثبات الميزان. ومنها: أن الميزان له كفتان. ومنها: أن الأعمال توزن. ومنها بيان طريقة الوزن وأن معنى ثقلت موازينه أي: نزلت، فمن ثقلت موازينه يكون ناجيًا عند الله. وقال بعض أهل العلم: ثقل الموازين يعني أن ينار له نور وأن يرى نورًا، ولكن ليس على هذا دليل. فضل من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه: كذلك بَيَّنَ العلماء أن هذا الرجل صاحب البطاقة لم يقل: "لا إله إلا الله" هكذا مجردة، وإنما هو رجل امتلأ قلبه إيمانًا وتوحيدًا، وامتلأ قلبُه إفرادًا لله بالعبادة، فهذا الذي نجا به. قال شيخ الإسلام ﵀: "وليس كلُّ من تكلم بالشهادتين كان بهذه المنزلة؛ لأن هذا العبد صاحبَ البطاقة كان في قلبه من التوحيد واليقين والإخلاص ما أَوْجَبَ أن عَظُمَ قَدْرُه حتى صار راجحًا على هذه السيئات" (١). إن الله لا يظلم مثقال ذرة: وتأمل قوله: «إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ» فإنَّ هذا من الحكم العظيمة في نصب الله الموازين ليقيم الحجة على العباد ويرى الإنسان محاسبته لنفسه بنفسه. قال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء]

стр. 760

وقال تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف] فاحرصوا على الأعمال الصالحات التي تكون سببًا في نجاتكم يوم القيامة. وإذا عَمِلْتَ أيها المسلم عملًا صالحًا، فَأَخْلِصِ العملَ فيه لله، وليَكُنْ وَفْقَ سنة رسول الله ﷺ ؛ فإن العمل لا يقبله الله -جل وعلا- إلا أن يكون خالصًا صوابًا. فإذا وفَّقك الله إليه، فاحرص على المحافظة عليه، وابتعد عن الغيبة وعن النميمة وعن ظلم العباد، وكل ما هو سببٌ لِفَقْدِ الحسنات. واحرصوا رحمكم الله على الأخلاق الحسنة؛ والمعاملة الطيبة والكلمة الطيبة، فإنَّها أثقل شيء يوضع في ميزان العبد يوم القيامة. وهي أمور يستطيع كلُّ إنسان أن يحرص عليها ويستطيع كلُّ إنسان أن يتخلَّق بها، ولا ينبغي للإنسان أن يقول: أنا تطبَّعت على هذا ولا أستطيع أن أغيِّرَ من أخلاقي ومن طبعي!، كلَّا، فالقرآن يُهذِّب الأخلاق، وقد كان الواحد من الصحابة ﵃ إذا أسلم خَلَعَ لباس الجاهلية على عتبة باب الإسلام، وتخلَّق بأخلاق هذا الدين، فيلبس لباس التقوى، ويرتدي رداء الإيمان، ويتجلبب بجلباب الخير، فيظهر ذلك على أخلاقه وعلى عمله وعلى أفعاله. فهذا عمر بن الخطاب ﵁ مع ما عُرِفَ عنه من الأمور قبل الإسلام حتى قال بعض الصحابة - وهو عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ ﵁ يوماً، لزوجته وكانت قالت لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، لَوْ رَأَيْتَ عُمَرَ آنِفًا وَرِقَّتَهُ وَحُزْنَهُ عَلَيْنَا. قَالَ: أَطَمِعْتِ فِي إسْلَامِهِ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَلَا يُسْلِمُ الَّذِي رَأَيْتِ حَتَّى يُسْلِمَ حِمَارُ الْخَطَّابِ، قال ذلك: يَأْسًا مِنْهُ، لِمَا كَانَ يَرَى مِنْ غِلْظَتِهِ وَقَسْوَتِهِ عَنْ الْإِسْلَامِ. (١).

стр. 761

ومع هذا فإنه لمَّا أسلم صار عبدًا خاشعًا أوَّاهًا منيبًا بكَّاءً بين يدي الله، وقَّافا عند حدوده. كما في صحيح البخاري عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ … وذكر أن قوما أغضبوا عُمَر ﵁ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِم، فَقَالَ لَهُ الحُرُّ بن قيس: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف]، وَإِنَّ هَذَا مِنَ الجَاهِلِينَ، قال: «وَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ» (١) وبذا صار أفضل هذه الأمة بعد نبيها ﷺ وصديقها أبي بكر ﵄. فيستطيع المؤمن أن يحرص على الانتفاع بكلام الله وبسنة رسول الله ﷺ ويربي نفسه ويهذب أخلاقه عليهما. يقول ابن القيم ﵀: وقد أشار النبي ﷺ إلى أن كمال ما يُستمتع به من الطيبات في الآخرة بحسب كمال ما قابله من الأعمال في الدنيا، ثم قال: … وثِقَلُ مِيزَانِهِ هُنَاكَ بِحَسَبِ تَحَمُّلِهِ ثِقَلَ الْحَقِّ فِي هَذِهِ الدَّارِ لَا بِحَسَبِ مُجَرَّدِ كَثْرَةِ الْأَعْمَالِ، وَإِنَّمَا يَثْقُلُ الْمِيزَانُ بِاتِّبَاعِ الْحَقِّ وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ وَبَذْلِهِ إِذَا سُئِلَ، وَأَخْذِهِ إِذَا بَذَلَ كَمَا قَالَ الصِّدِّيقُ فِي وَصِيَّتِهِ لِعُمَرَ ﵄: (وَاعْلَمْ أَنَّ لِلَّهِ حَقًّا بِاللَّيْلِ لَا يَقْبَلُهُ بِالنَّهَارِ وَلَهُ حَقٌّ بِالنَّهَارِ لَا يَقْبَلُهُ بِاللَّيْلِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ إِنَّمَا ثَقُلَتْ مَوَازِينُ مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ بِاتِّبَاعِهِمُ الْحَقَّ وَثَقُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فِي دَارِ الدُّنْيَا وَحُقَّ لِمِيزَانٍ يُوضَعُ فِيهِ الْحَقُّ أَنْ يَكُونَ ثَقِيلًا،

стр. 762

وَإِنَّمَا خَفَّتْ مَوَازِينُ مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِاتِّبَاعِهِمُ الْبَاطِلَ فِي دَارِ الدُّنْيَا خِفَّتُهُ عَلَيْهِمْ وَحُقَّ لِمِيزَانٍ لَا يُوضَعُ فِيهِ إِلَّا الْبَاطِلُ أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا) (١). ا. هـ (٢) أسأل الله -جل وعلا- أن يجعلنا ممن ثقلت موازينُه وأن يجعلنا من الناجين في يوم القيامة. إنه وليُّ ذلك والقادر عليه، والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 763

JIH الإيمان بالحشر

стр. 764

F e المجلس الثالث والثلاثون (١) حشر الله للعباد وتوجيهُهم إلى مآلهم إلى جنة أو إلى نار: المستقَرُّ للإنسان يوم القيامة هو إما جنة وإما نار، فهو المقر الذي يصير إليه العباد جميعا. فالناس في عرصات القيامة بعد الحساب والجزاء وبعد أن توزن الموازين وتتطاير الصحف، منهم آخذٌ كتابَه بيمينه وآخذٌ كتابَه بشماله. يكون أيضًا من المواقف العظيمة موقف يجمع الله فيه الأوَّلين والآخرين، ويجمع الله فيه الناس، ويجتمع المؤمنون والكافرون والمنافقون في صعيد واحد كما أخبر النبي ﷺ ثم يُؤمَرُ بهم، كلٌّ إلى حيث كتب الله له، وذلك بأعمالهم التي عملوها إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ. وقد جاء بيانُ ذلك عن النبي ﷺ في جملة من الأحاديث: فمن ذلك حديث أبي سعيد الخدري، وحديث عبد الله بن عمرو، وحديث جابر بن عبد الله، وحديث جرير بن عبد الله البجلي وغير واحد ﵃. ونورد ما تيسَّر من هذه الأحاديث؛ لننظر كيف سيكون الموقف بعد أن توزن الأعمال وتتطاير الصحف. رؤية المؤمنين ربهم وحشر العباد إلى الصراط: جاء في صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أنَّ الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال ﷺ : «هَلْ تُمَارُونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ

стр. 765

سَحَابٌ؟ قالوا: لا يا رسول الله (١)؟ -قال: فَهَلْ تُمَارُونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ قالوا: لا. قال: فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ (٢)، يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الشَّمْسَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الْقَمَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا. فَيَدْعُوهُمْ فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ … » الحديث (٣) فأفادنا هذا الحديث: أن مما يقع من الأمور العظيمة في عرصات القيامة: أنَّ أهل الإيمان يرون ربهم -جل وعلا- قبل أن يجوزوا الصراط. يوم يكشف عن ساق: ويكون ذلك على الصفة والعلامة التي بينهم وبين ربهم -جل وعلا- وهي أن ﴿يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] كما جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أَنَّ نَاسًا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «نَعَمْ» قَالَ: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ صَحْوًا لَيْسَ مَعَهَا سَحَابٌ؟ وَهَلْ تُضَارُّونَ في رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ صَحْوًا لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟». قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «مَا تُضَارُّونَ في رُؤْيَةِ اللَّهِ ﵎ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ كَمَا تُضَارُّونَ في رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ لِيَتَّبِعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ. فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مِنَ الأَصْنَامِ وَالأَنْصَابِ إِلاَّ يَتَسَاقَطُونَ في النَّارِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلاَّ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ وَغُبَّرِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَيُدْعَى الْيَهُودُ فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟

стр. 766

قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللَّهِ. فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ فَمَاذَا تَبْغُونَ؟ قَالُوا: عَطِشْنَا يَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا. فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ أَلَا تَرِدُونَ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيَتَسَاقَطُونَ في النَّارِ. ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ. فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ. مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ. فَيُقَالُ لَهُمْ: مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَيَقُولُونَ عَطِشْنَا يَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا. -قَالَ-: فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ أَلَا تَرِدُونَ فَيُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيَتَسَاقَطُونَ في النَّارِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلاَّ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ في أَدْنَى صُورَةٍ مِنَ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا. قَالَ: فَمَا تَنْتَظِرُونَ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ. قَالُوا: يَا رَبَّنَا فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا أَفْقَرَ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ. فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا-مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا-حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَكَادُ أَنْ يَنْقَلِبَ. فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ فَتَعْرِفُونَهُ بِهَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ إِلاَّ أَذِنَ اللَّهُ لَهُ بِالسُّجُودِ وَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ اتِّقَاءً وَرِيَاءً إِلاَّ جَعَلَ اللَّهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً وَاحِدَةً كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ خَرَّ عَلَى قَفَاهُ. ثُمَّ يَرْفَعُونَ رُؤوسَهُمْ وَقَدْ تَحَوَّلَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ فَقَالَ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا. ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ … » (١). هذا موقف عظيم من مواقف القيامة وأهوالها! ومجمع يجمع الله فيه الخلائق ثم يبدأ الله بفصل بعضهم عن بعض وينادى: من كان يعبد إلهًا فليذهب معه. تنبيه في تفسير كلمة التوحيد "لا إله إلا الله": كم الآلهة المتعددة؟ الناس في هذه الدنيا يعبدون آلهةً متعددة. ولهذا قال ربنا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج]. ولهذا يقول العلماء في تفسير كلمة التوحيد كلمة "لا إله إلا الله"

стр. 767

يقولون: معناها لا معبود بحق إلا الله، وغيرُ الله إن عُبِدَ فإنما يعبد بباطل. هذا معنى هذه الكلمة، وليس معناها أنه لا معبود إلا الله، بل لا معبود بحق إلا الله؛ فلا بد من هذه الكلمة -أعني كلمة "بحق"؛ لأنَّ هناك آلهةً عُبِدَت بباطل من دون الله، فليس هناك إله حق إلا الله -جل وعلا- لأنه الخالق الرزاق مالك الملك المدبر، فلا يستحق العبادة أحدٌ سواه. أمَّا الآلهة المتعدِّدة التي انتشرت عند الناس: فمنهم من يعبد الأنبياء، ومنهم من يعبد الشمس، ومنهم من يعبد القمر، ومنهم من يعبد القبور والأضرحة، ومنهم من يعبد البقر، أو الحجر أو الشجر أو غير ذلك من الآلهة. فإذا جاء يوم القيامة يزاد في التنكيل بهم، ويحشرون مع آلهتهم التي عبدوها من دون الله، هذا إذا كانت هذه الآلهة من هذه الأوثان وغيرها. من عُبِدَ من الأنبياء والصالحين: أما عبادتهم للأنبياء وعبادتهم للمرسلين وعبادتهم للصالحين ونحوهم ممن هو غير راضٍ عن عبادتهم إيَّاه فإن الله ينجيهم. كما في مسند الإمام أحمد عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: قَالَ: … إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِقُرَيْشٍ: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ فِيهِ خَيْرٌ» وَقَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ النَّصَارَى تَعْبُدُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﵍، (وَمَا تَقُولُ فِي مُحَمَّدٍ) (١)، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّ عِيسَى كَانَ نَبِيًّا وَعَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ صَالِحًا، فَلَئِنْ كُنْتَ صَادِقًا، فَإِنَّ آلِهَتَهُمْ لَكَمَا تَقُولُونَ. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)﴾ [الزخرف: ٥٧] قَالَ:

стр. 768

قُلْتُ: مَا يَصِدُّونَ؟ قَالَ: يَضِجُّونَ، ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١]، قَالَ: هُوَ خُرُوجُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵉ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. (١) وفي رواية عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ [الأنبياء] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَقَالُوا: شَتَمَ مُحَمَّدٌ آلِهَتَنَا فَقَامَ ابْنُ الزِّبَعْرَى فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: شَتَمَ مُحَمَّدٌ آلِهَتَنَا قَالَ: وَمَا قَالَ؟ قَالُوا: قَالَ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ قَالَ: ادْعُوهُ لِي، فَدُعِيَ مُحَمَّدٌ ﷺ فَقَالَ ابْنُ الزِّبَعْرَى: يَا مُحَمَّدُ هَذَا شَيْءٌ لِآلِهَتِنَا خَاصَّةً أَمْ لِكُلِّ مَنْ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللهِ؟ قَالَ: «بَلْ لِكُلِّ مَنْ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللهِ » قَالَ: فَقَالَ: خَصَمْنَاهُ وَرَبِّ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ، يَا مُحَمَّدُ أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّ عِيسَى عَبْدٌ صَالِحٌ وَعُزَيْرًا عَبْدٌ صَالِحٌ، وَالْمَلَائِكَةَ عِبَادٌ صَالِحُونَ، قَالَ: «بَلَى»، قَالَ: فَهَذِهِ النَّصَارَى يَعْبُدُونَ عِيسَى وَهَذِهِ الْيَهُودُ تَعْبُدُ عُزَيْرًا وَهَذِهِ بَنُو مَلِيحٍ تَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ، قَالَ: فَضَجَّ أَهْلُ مَكَّةَ فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ عِيسَى وَعُزَيْرٌ وَالْمَلَائِكَةُ ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء] قَالَ: وَنَزَلَتْ: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)﴾ [الزخرف] وَهُوَ الضَّجِيجُ (٢). وفي رواية عن الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " جَاءَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزِّبَعْرَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، تَزْعُمُ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ عَلَيْكَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾

стр. 769

[الأنبياء]، فَقَدْ عُبِدَتِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالْمَلَائِكَةُ وَعُزَيْرٌ وَعِيسَى صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ، أَوَكُلُّ هَؤُلَاءِ فِي النَّارِ مَعَ آلِهَتِنَا؟، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء: ١٠١] وَنَزَلَتْ: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)﴾ [الزخرف: ٥٧] (١) قال الحافظ عماد الدين إسماعيل ابن كثير ﵀: وَهَذَا الجدل الذى سلكوه بَاطِل. وهم يعلمُونَ ذَلِك، لأنهم قوم عرب، وَمن لغتهم أَنْ " مَا " لما لَا يعقل، فَقَوله ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ إِنَّمَا أُرِيدَ بِذَلِكَ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَهُ مِنَ الْأَحْجَارِ الَّتِي كَانَتْ صُوَرَ أَصْنَامٍ، وَلَا يَتَنَاوَلُ ذَلِك الْمَلَائِكَة الَّذين زَعَمُوا أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَهُمْ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، وَلَا الْمَسِيح، وَلَا عَزِيزًا، وَلَا أَحَدًا مِنَ الصَّالِحِينَ، لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَتَنَاوَلُهُمْ لَا لَفْظًا وَلَا مَعْنًى. فَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنْ مَا ضربوه بِعِيسَى بن مَرْيَمَ مِنَ الْمَثَلِ جَدَلٌ بَاطِلٌ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ [الزخرف] ا. هـ (٢) مقالة اليهود والنصارى في ادعائهم لله ولدا: وفي حديث أبي سعيد ﵁ وغيره بيانٌ عظيم بأن هناك فرقًا كبيرًا بين أهل الإيمان من أمة محمد ﷺ وبين اليهود والنصارى عبدة الأوثان؛ فإنهم عبدوا غير الله وادَّعَوا أن الله اتخذ صاحبة أو ولدًا. وبعضُ الناس في هذه الأيام يريد أن يُميِّع الأمر، ويقول: ليس بيننا وبين اليهود والنصارى فرق البتة، فهم أهل دين ونحن أهل دين وهم أصحاب كتاب ونحن أصحاب كتاب ونحن من أبناء الديانات السماوية. وكلها أقاويل باطلة. وقد راجت على بعض الناس في الدنيا لكنها لا تروج يوم القيامة. فانظروا حين ينادي منادٍ

стр. 770

«لِيَتَّبِعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ»، فيذهبُ أصحابُ الصليب مع صليبهم، وأصحابُ الأوثان مع أوثانهم، وأصحابُ كل آلهة مع آلهتهم، فيتساقطون في نار جهنم. -نعوذ بالله- مآل المنافقين: ويبقى المؤمنون ومن كان يتظاهر بالإيمان أيضًا من المنافقين، فيميز الله أيضًا في هذه الأمة بين المؤمن الصادق الذي عَبَدَ الله سبحانه خالصًا وبين المنافق الذي كان يصلي ويصوم ويحج ويتصدق وهو مع المؤمنين ظاهرا لكنه لم يكن عمله لله -جل وعلا- خالصًا. يقول جابر بن عبد الله ﵄ وقد سئل عن الورود- قال: «نَجِيءُ نَحْنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ كَذَا وَكَذَا انْظُرْ أَيْ ذَلِكَ فَوْقَ النَّاسِ، فَتُدْعَى الأُمَمُ بِأَوْثَانِهَا وَمَا كَانَتْ تَعْبُدُ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ ثُمَّ يَأْتِينَا رَبُّنَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ مَنْ تَنْظُرُونَ؟ -أي: من تنتظرون؟ - فَيَقُولُونَ: نَنْظُرُ رَبَّنَا. فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: حَتَّى نَنْظُرَ إِلَيْكَ. فَيَتَجَلَّى لَهُمْ يَضْحَكُ -قَالَ- فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ وَيَتَّبِعُونَهُ وَيُعْطَى كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ -مُنَافِقٍ أَوْ مُؤْمِنٍ- نُورًا ثُمَّ يَتَّبِعُونَهُ وَعَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ وَحَسَكٌ تَأْخُذُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يَطْفَأُ نُورُ الْمُنَافِقِينَ ثُمَّ يَنْجُو الْمُؤْمِنُونَ فَتَنْجُو أَوَّلُ زُمْرَةٍ وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ سَبْعُونَ أَلْفًا لَا يُحَاسَبُونَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ كَأَضْوَإ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ ثُمَّ كَذَلِكَ ثُمَّ تَحِلُّ الشَّفَاعَةُ وَيَشْفَعُونَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً … » إلى آخر الحديث (١). -والحديث له حكم الرفع-. وهكذا فإنَّ نور المنافق ينطفئ يوم القيامة، وقد ذكر الله هذا النور في كتابه في سورة الحديد وفي سورة التحريم: يقول الله -جل وعلا-: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١) يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾ [الحديد]. قال الحافظ ابن كثير ﵀: "يقول تعالى مخبرًا عن المؤمنين المتصدقين: أنهم يوم القيامة يسعى نورهم بين أيديهم في عرصات القيامة، بحسب أعمالهم، كما قال عبد الله بن مسعود في قوله: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الحديد: ١٢] قال: على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة،

стр. 771

ومنهم من نوره مثل الرجل القائم، وأدناهم نورًا من نوره في إبهامه يتَّقد مرة ويطفأ مرة" (١). قال: وأما أهل النفاق فإن الله يقول: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] ماذا يحصل لهم في هذا الموقف؟ قال ابن كثير ﵀: "وهذا إخبار منه تعالى عما يقع يوم القيامة في العرصات من الأهوال المزعجة والزلازل العظيمة، والأمور الفظيعة، وإنه لا ينجو يومئذ إلا من آمن بالله ورسوله وعمل بما أمر الله به وترك ما عنه زجر" (٢). كلٌ نوره يوم القيامة بحسب عمله في دنياه: وانظروا إلى هذا الموقف العصيب الذي يحتاج فيه الإنسان إلى العمل الصالح، هذا الموقف الذي يتميز فيه الكفار من المؤمنين ومن المنافقين، ويغدو كلٌّ إلى مصيره ومآله الذي كتب الله : فذلة ومهانة تلحق الكافرين، وتلحق هؤلاء المجرمين، وذلة ومهانة تكون على رؤوس المنافقين، وسعادةٌ وفرحةٌ تكون لأهل الإيمان. حال الكافر يوم القيامة: وأما الكافرون في هذا الموقف العظيم -كما ذكرنا في الأدلة السابقة-: فيؤمر بهم، فيحشرون مع ما كانوا يعبدون. وانظر إلى تصوير القرآن الكريم إذ يقول الله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ يساقون إلى جهنم جماعَة تلو جماعَة يُنهَرون نهرًا غليظًا، ويصاح بهم من هنا وهناك كما يفعل الراعي ببقره أو غنمه، يُنهَرون وهم يغدُون إلى نار جهنم. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٧١] … الآيات. ثم انظروا أيضًا إلى قول الله سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩)﴾ [فصلت] يعني: يُجمَعون، فتجمعهم الزبانية على آخرهم كما يفعل البشر بالبهائم!

стр. 772

ويصور الله لنا هذا الموقف في آية أخرى: فيقول -جل وعلا-: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)﴾ [الفرقان] فيحشرون على وجوههم لا كما كانوا يمشون في الدنيا على أرجلهم. وقد جاء في الصحيحين من حديث أنس ﷺ أنه قال: قال رجل للنبي ﷺ : كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: «أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١) -بلى وعزةِ ربنا-. فهذه صورةٌ عظيمةٌ، صورةٌ فيها فزعٌ وخوفٌ، كيف يحشرون على وجوههم التي هي أشرف أعضائهم والتي يحميها الإنسان في الدنيا من كل أذى؟! ويصور الله لنا هولًا آخر مما يكون عند حشر هؤلاء إلى النار: فيقول سبحانه: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾ [الإسراء]. وفي آية أخرى فيها أن الله يجمعهم مع نظرائهم ومع الأشرار: فيحشرون مع أزواجهم، كما قال الله -جل وعلا-: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣)﴾ [الصافات]. ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ يعني: ونظراءهم، فكلُّ من كان في شر يُحشَر مع من هو مثلُه. ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ أي: دلُّوهم على نار جهنم. -نسأل الله السلامة والعافية-. ويزيد بلاءَهم أنهم يكونون مغلوبين مقهورين أذلاء صاغرين: كما قال ربنا -جل وعلا-: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢)﴾ [آل عمران] وقبل أن يصلوا إلى نار جهنم تَصُكُ مسامَعَهم أصواتُها التي تملأ قلوبهم رعبًا وهلعًا ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢)﴾ [الفرقان] فإذا وقفوا على النار فإنَّ الله يقول: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧)﴾ [الأنعام]

стр. 773

ولكنهم لا يجدون من النار مفرًّا: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)﴾ [الكهف] ويقول ربنا: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠)﴾ [مريم] تأملوا كيف الذلة والمهانة التي تكون لهؤلاء يوم القيامة! وكيف يقادون إلى نار جنهم بهذه الصورة المذلة المهينة جزاءَ ما عملوا في هذه الدنيا من أعمال سيئة! يقول الله: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [مريم]. فهذه آيات صوَّر الله فيها الحال التي يكون عليها هؤلاء. حال المنافق يوم القيامة: أما أهل النفاق الذين يُعطَون نورًا ثم ينطفئ عنهم فإنه تتعدد حسرتهم يوم القيامة، كانوا مع المؤمنين في الدنيا، يُصلُّون معهم، يصومون معهم، يحجون معهم، يتصدقون معهم، وربما أخذوا من الليل، فقاموا، وربما فعلوا وفعلوا، لكن أعمالهم لم تُخلَص لله. كانوا في الدنيا مع المؤمنين ثم ماتوا ودُفِنُوا في مقابر المسلمين ثم يقومون يوم القيامة، مع المسلمين ثم يحشرون، فإذا حُشِروا أُعطِيَ كلُّ إنسانٍ من أهل الإيمان نورًا، ويعطى المنافق نورًا، لكنّ نور المؤمن يبقى ويظل معه، وأما نور المنافق فإنه ينطفئ. وحينئذ ينادي أهلَ الإيمان: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ ولا يزال المنافق مغترًّا حتى يقسم النور ويميز الله بين المنافق وبين المؤمن، فينادي: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ كنا معكم في الدنيا، فيرد عليهم المؤمنون: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ يعني من حيث جئتم من الظلمة فالتمسوا هنالك النور، قال الله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ

стр. 774

بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣)﴾ [الحديد]. قال أهل التفسير: هو حائط بين الجنة والنار يُحجَز فيه بين أهل النفاق وبين أهل الإيمان (١). فوالله إن هذا لأمر عظيم يجعل القلب يرجف خوفًا على نفسه من النفاق. -نسأل الله السلامة والعافية- خوف المؤمن من النفاق: وقد كان أصحاب النبي ﷺ والتابعون لهم بإحسان أشدَّ ما يكونون خوفًا من النفاق ومن الوقوع فيه. قال البخاري ﵀ في صحيحه: وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: «مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا» (٢)، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: «أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ» (٣). وَيُذْكَرُ عَنِ الْحَسَنِ: «مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ» (٤) ا. هـ (٥). فهؤلاء في هذا الموقف ينادون أهل الإيمان: أما كنا معكم في الدار الدنيا؟!

стр. 775

أما كنا معكم نشهد الجمعات ونصلي الجماعات ونقف بعرفات ونحضر الغزوات ونؤدي معكم الواجبات؟! فيقول لهم المؤمنون: بلى قد كنتم معنا: ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤)﴾ [الحديد] قال ابن كثير ﵀: "قال بعض السلف: أي فتنتم أنفسكم باللذات والمعاصي والشهوات ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ﴾ أي: أخَّرتم التوبة من وقت إلى وقت. وقال قتادة: ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ بالحق وأهله ﴿وَارْتَبْتُمْ﴾ أي: بالبعث بعد الموت ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾ أي: قلتم: سيغفر لنا. وقيل: غرتكم الدنيا ﴿حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ أي: ما زلتم في هذا حتى جاء الموت ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ أي: الشيطان. قال قتادة: كانوا على خدعة من الشيطان، والله ما زالوا عليها حتى قذفهم الله في النار (١). ومعنى هذا الكلام من المؤمنين للمنافقين: إنكم كنتم معنا أي: بأبدانٍ لا نية لها ولا قلوب معها، وإنما كنتم في حيرة وشك، فكنتم تراؤون الناس، ولا تذكرون الله إلا قليلًا. قال مجاهد: كان المنافقون مع المؤمنين أحياء يناكحونهم ويغشونهم ويعاشرونهم، وكانوا معهم أمواتًا، ويعطون النور جميعًا يوم القيامة، ويطفأ النور من المنافقين إذا بلغوا السور، ويماز بينهم حينئذ (٢) " (٣). -فنسأل الله السلامة والعافية- أيها العبد المؤمن، هذا جانب واحد من تلك الجوانب العظيمة التي تقع في يوم القيامة أخبرنا عنها النبي ﷺ وفصَّل القرآن شيئًا منها. نسأل الله -جل وعلا- أن يتقبل منا أعمالنا، وأن يعيذنا من الكفر والشرك والشقاق والنفاق وسيئ الأخلاق، ونسأله سبحانه أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم. هذا والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله.
следующие страницы →