← Акыда

Акыда · id 1128

ري الظمآن بمجالس شعب الإيمان

غازي بن سالم أفلح

Полный текст (999 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الجنة. وعلى هذا فيكون الحوض شيئاً والكوثر شيئاً آخر وليسا شيئاً واحداً، والكوثر هو الأصل والحوض فرع منه، والكوثر في الجنة والحوض إنما هو في عرصات القيامة، والماء الذي في الحوض جاء من الكوثر كما جاء في ذلك الحديث عن رسول الله ﷺ . ا. هـ آنية الكوثر: تقدم في حديث أنس ﵁، «آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ» وروى البخاري عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ -وهو ابن عبد الله بن مسعود-، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَ: سَأَلْتُهَا عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ قَالَتْ: «نَهَرٌ أُعْطِيَهُ نَبِيُّكُمْ ﷺ ، شَاطِئَاهُ عَلَيْهِ دُرٌّ مُجَوَّفٌ، آنِيَتُهُ كَعَدَدِ النُّجُومِ» (١) حافتا الكوثر وطينته: قالَ قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ فِي الجَنَّةِ، إِذَا أَنَا بِنَهَرٍ، حَافَتَاهُ قِبَابُ الدُّرِّ المُجَوَّفِ، قُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الكَوْثَرُ، الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ، فَإِذَا طِينُهُ - أَوْ طِيبُهُ - مِسْكٌ أَذْفَرُ» (٢) وفي رواية: عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا عُرِجَ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ: «أَتَيْتُ عَلَى نَهَرٍ، حَافَتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ مُجَوَّفًا، فَقُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الكَوْثَرُ [الَّذِي أَعْطَاكَهُ اللَّهُ، قَالَ: ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى طِينَةٍ فَاسْتَخْرَجَ مِسْكًا، ثُمَّ رُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ المُنْتَهَى فَرَأَيْتُ عِنْدَهَا نُورًا عَظِيمًا]» (٣) حافتا الكوثر من ذهب ومجراه على جنادل الياقوت والدر وصفة شرابه: تقدم حديث ابْنِ عُمَرَ ﵄ أنه قال: لَمَّا أُنْزِلَتْ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هُوَ نَهَرٌ فِي الْجَنَّةِ، حَافَتَاهُ مِنْ ذَهَبٍ، يَجْرِي عَلَى جَنَادِلِ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ، شَرَابُهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَأَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ، وَأَطْيَبُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد (٤)

стр. 807

صفة القصر على الكوثر: عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁، يَقُولُ: «لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَسْجِدِ الكَعْبَةِ، فذكر الحديث وفيه: … فَوَجَدَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا آدَمَ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: هَذَا أَبُوكَ آدَمُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ آدَمُ، وَقَالَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا بِابْنِي، نِعْمَ الِابْنُ أَنْتَ، … ثم قال: ثُمَّ مَضَى بِهِ فِي السَّمَاءِ، فَإِذَا هُوَ بِنَهَرٍ آخَرَ عَلَيْهِ قَصْرٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ، فَضَرَبَ يَدَهُ فَإِذَا هُوَ مِسْكٌ أَذْفَرُ، قَالَ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟، قَالَ: هَذَا الكَوْثَرُ الَّذِي خَبَأَ لَكَ رَبُّكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، … الحديث (١) طيور الكوثر: وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ الزهريِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا الكَوْثَرُ؟ قَالَ: «ذَاكَ نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ اللَّهُ - يَعْنِي فِي الجَنَّةِ -[تُرَابُهُ الْمِسْكُ مَاؤُهُ] أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ العَسَلِ، فِيهَا طَيْرٌ أَعْنَاقُهَا كَأَعْنَاقِ الجُزُرِ» قَالَ عُمَرُ: إِنَّ هَذِهِ لَنَاعِمَةٌ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَكَلَتُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا» (٢)

стр. 808

فتأمل أيها المحب لله ورسوله إذا كان طينه وترابه مسكًا أذفر فما بالك ببقيته وبأوصافه!! -نسأل الله -جل وعلا- أن يجعلنا ممن يشرب من حوض النبي ﷺ شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا-. أناس يُذَادُون عن الحوض: احذر أيها المؤمن فإن ثمة أناسًا يأتون يوم القيامة يُذَادُونَ عن حوض رسول الله ﷺ ، أتدري من هم؟ إنهم أولئك الذين ارتدوا على أدبارهم، إنهم أولئك الذين تنكبوا الصراط وابتعدوا عن اتباع رسولنا ﵊. قال نبينا ﵊ كما تقدم- من حديث ابن مسعود: «أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَلَيُرْفَعَنَّ رِجَالٌ مِنْكُمْ ثُمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دُونِي فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ» متفق عليه. وعن سهل بن سعد ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ» (١).

стр. 809

وفي حديث أنس ﵁ في الصحيحين- عن النبي ﷺ قال: «لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي الْحَوْضَ حَتَّى عَرَفْتُهُمُ اخْتُلِجُوا دُونِي فَأَقُولُ: أَصْحَابِي! فَيَقُولُ: لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَك» (١). وعن أسماء بنت أبي بكر ﵂ أن النبي ﷺ قال: «إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ حَتَّى أَنْظُرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ وَسَيُؤْخَذُ نَاسٌ دُونِي فَأَقُولُ: يَا رَبِّ مِنِّي وَمِنْ أُمَّتِي فَيُقَالُ: هَلْ شَعَرْتَ مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ؟! وَاللَّهِ مَا بَرِحُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ» فكان الراوي يقول: اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا، أو نفتن عن ديننا. متفق عليه (٢). وأنا أقول كما قال: اللهم إني أعوذ بك أن أرجع على عقبي، أو أن أفتن عن ديني. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَذُودَنَّ رِجَالًا عَنْ حَوْضِي كَمَا تُذَادُ الْغَرِيبَةُ مِنَ الإِبِلِ عَنِ الْحَوْضِ» متفق عليه (٣). «كَمَا تُذَادُ الْغَرِيبَةُ مِنَ الإِبِلِ» أي: كما تطرد الناقة الغريبة. وفي حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: «يَرِدُ عَلَيَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِي، فَيُحَلَّؤُونَ عَنِ الْحَوْضِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا عِلْمَ لَكَ بِمَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى» (٤). وعن أبي هريرة أيضًا أنَّ النبي ﷺ قال: «بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ إِذَا زُمْرَةٌ حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وَبَيْنِهِمْ فَقَالَ: هَلُمَّ فَقُلْتُ: أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى النَّارِ وَاللَّهِ قُلْتُ: وَمَا شَأْنُهُمْ؟ قَالَ: إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ عَلَى أَدْبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى ثُمَّ إِذَا زُمْرَةٌ حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وَبَيْنِهِمْ فَقَالَ: هَلُمَّ قُلْتُ: أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى النَّارِ وَاللَّهِ قُلْتُ: مَا شَأْنُهُمْ؟ قَالَ: إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ عَلَى أَدْبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى فَلَا أُرَاهُ يَخْلُصُ مِنْهُمْ إِلاَّ مِثْلُ هَمَلِ النَّعَم» رواه البخاري (٥).

стр. 810

والمعنى: أن كثيرًا سيُخْتَلَجُون دون حوض رسول الله ﷺ من أولئك الذين من صفاتهم: أنهم ارتدوا على أدبارهم يعني: وقعوا في الشرك بالله -جل وعلا- وأنهم لم يتبعوا رسول الله ﷺ في عقيدته وعبادته. فاحذر -عبدَ الله- من الشرك ومن النفاق، واحذر من البدع والمُحْدَثات؛ فإنَّ المرء لا يكون متَّبِعًا للنبي ﷺ حقًا إلَّا إذا سار على شرعته واتبع سنته ﷺ . أما أولئك الذي ارتدوا أو لم يتبعوه ﷺ فسيُحرَمون من حوضه ﵊ نسأل الله السلامة والعافية-. وجاء في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يخطب على المنبر ويقول: «إِنَّكُمْ مُلَاقُو اللَّهِ - وفي رواية: إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ إِلَى اللهِ- حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» ثم قرأ النبي ﷺ : ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، ثم قال ﵊: «فأوَّلُ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ يُؤْخَذُ برِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِي ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ، فأقُولُ: أَصْحَابِي! فيُقَالُ: إنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ علَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ، فأقُولُ كما قالَ العَبْدُ الصَّالِحُ عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨]» (١) وفي حديث جابر المتقدم أنَّ النبي ﷺ قال: «وَسَيَأْتِي أَقْوَامٌ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ بِآنِيَةٍ، ثُمَّ لَا يَذُوقُونَ مِنْهُ شَيْئًا» أي: من الحوض شيئًا. وجاء أيضًا في سنن الترمذي عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ تِسْعَةٌ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعَةٌ أَحَدُ العَدَدَيْنِ مِنَ العَرَبِ وَالآخَرُ مِنَ العَجَمِ فَقَالَ: «اسْمَعُوا، هَلْ سَمِعْتُمْ؟ إنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ [يَكْذِبُونَ وَيَظْلِمُونَ] فَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَصَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ وَلَيْسَ بِوَارِدٍ عَلَيَّ الحَوْضَ،

стр. 811

وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ فَهُوَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ وَهُوَ وَارِدٌ عَلَيَّ الحَوْضَ» (١) وفي المسند عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁: «أَعَاذَكَ اللَّهُ مِنْ إِمَارَةِ السُّفَهَاءِ»، قَالَ: وَمَا إِمَارَةُ السُّفَهَاءِ؟، قَالَ: «أُمَرَاءُ يَكُونُونَ بَعْدِي، لَا يَقْتَدُونَ بِهَدْيِي، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، فَمَنْ صَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ، وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَأُولَئِكَ لَيْسُوا مِنِّي، وَلَسْتُ مِنْهُمْ، وَلَا يَرِدُوا عَلَيَّ حَوْضِي، وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ، وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَأُولَئِكَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ، وَسَيَرِدُوا عَلَيَّ حَوْضِي. يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ، الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ، وَالصَّلَاةُ قُرْبَانٌ - أَوْ قَالَ: بُرْهَانٌ - يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ، إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ النَّارُ، أَوْلَى بِهِ. يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ، النَّاسُ غَادِيَانِ: فَمُبْتَاعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا، وَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُوبِقُهَا» (٢) فهذا إخبار من النبي ﷺ أنَّ الظلمة وأعوانهم لا يَرِدُونَ الحوض. نسأل الله -جل وعلا- أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجعلنا من أولئك الذين يردون حوضه ﷺ فينالون شربة من حوضه لا يظمؤون بعدها أبدًا. لقاء النبي ﷺ عند الحوض: وقد حث النبي ﷺ على الصبر عند حصول الأثرة وقال: «اصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ». وذلك في أحاديث كثيرة -تقدم ذكرها- ومنها: حديث أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ ﵃، -في الصحيحين- أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلَانًا؟ قَالَ: «سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أُثْرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ» وفي صحيح البخاري عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: دَعَا النَّبِيُّ ﷺ الأَنْصَارَ لِيَكْتُبَ لَهُمْ بِالْبَحْرَيْنِ، فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ حَتَّى تَكْتُبَ لِإِخْوَانِنَا مِنْ قُرَيْشٍ بِمِثْلِهَا، فَقَالَ: «ذَاكَ لَهُمْ مَا

стр. 812

شَاءَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ»، يَقُولُونَ لَهُ، قَالَ: «فَإِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ» (١) وفي رواية -في الصحيحين-: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً شَدِيدَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ عَلَى الحَوْضِ» [قَالُوا: سَنَصْبِرُ] قَالَ أَنَسٌ فَلَمْ نَصْبِرْ (٢) وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، قَالَ للأَنْصَارِ « … إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أُثْرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ» (٣) وقال ﵊: «إِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْحَوْضُ، وَإِنِّي لأَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ مَقَامِي هَذَا» (٤) وفي الباب: عن أبي سعيد الخدري والبراء بن عازب (٥) وقال له رجلٌ: يا رسول الله: اشفع لي عند الله يوم القيامة فقال له: «أَنَا فَاعِلٌ» فقال: يا رسول الله: أين أجدك؟ أين أطلبك؟ قال: «اطْلُبْنِي أَوَّلَ مَا تَطْلُبُنِي عَلَى الصِّرَاطِ» قال: فإن لم ألقك؟ قال: «فَاطْلُبْنِي عِنْدَ المِيزَانِ» قال: فإن لم أَلْقَك؟ قال: «فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الحَوْضِ؛ فَإِنِّي لَا أُخْطِئُ هَذِهِ الثَّلَاثَ المَوَاطِنَ» (٦). وختاما يقول شمس الدين ابن القيم ﵀: وقد أشار النبي ﷺ إلى أن كمال ما يُستمتع به من الطيبات في الآخرة بحسب كمال ما قابله من الأعمال في الدنيا، ثم قال: وَمِنْهَا: أَنَّ وُرُودَ النَّاسِ الْحَوْضَ وَشُرْبَهُمْ مِنْهُ يَوْمَ الْعَطَشِ الْأَكْبَرِ بِحَسَبِ وُرُودِهِمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَشُرْبِهِمْ مِنْهَا، فَمَنْ وَرَدَهَا فِي هَذِهِ الدَّارِ وَشَرِبَ مِنْهَا وَتَضَلَّعَ وَرَدَ هُنَاكَ حَوْضَهُ وَشَرِبَ مِنْهُ وَتَضَلَّعَ،

стр. 813

فَلَهُ ﷺ حَوْضَانِ عَظِيمَانِ: حَوْضٌ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ سُنَّتُهُ وَمَا جَاءَ بِهِ، وَحَوْضٌ فِي الْآخِرَةِ، فَالشَّارِبُونَ مِنْ هَذَا الْحَوْضِ فِي الدُّنْيَا هُمُ الشَّارِبُونَ مِنْ حَوْضِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَشَارِبٌ، وَمَحْرُومٌ، وَمُسْتَقِلٌّ، وَمُسْتَكْثِرٌ، وَالَّذِينَ يَذُودُهُمْ هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ عَنْ حَوْضِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمُ الَّذِينَ كَانُوا يَذُودُونَ أَنْفُسَهُمْ وَأَتْبَاعَهُمْ عَنْ سُنَّتِهِ وَيُؤْثِرُونَ عَلَيْهَا غَيْرَهَا؛ فَمَنْ ظَمِأَ مِنْ سُنَّتِهِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهَا شُرْبٌ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَشَدُّ ظَمَأً وَأَحَرُّ كَبِدًا «وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ أَشَرِبْتَ فَيَقُولُ: نَعَمْ وَاللَّهِ فَيَقُولُ: لَكِنِّي وَاللَّهِ مَا شَرِبْتُ، وَاعَطَشَاهُ» (١). فَرِدْ أَيُّهَا الظَّمْآنُ وَالْوِرْدُ مُمْكِنٌ … فَإِنْ لَمْ تَرِدْ فَاعْلَمْ بِأَنَّكَ هَالِكُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رِضْوَانُ يَسْقِيكَ شَرْبَةً … سَيَسْقِيكَهَا إِذْ أَنْتَ ظَمْآنُ مَالِكُ وَإِنْ لَمْ تَرِدْ فِي هَذِهِ الدَّارِ حَوْضَهُ … سَتُصْرَفُ عَنْهُ يَوْمَ يَلْقَاكَ آنِكُ (٢) نسأل الله -جل وعلا- أن يُعِيذَنا من الفتن، وأن يُثبِّتَنا على دينه حتى نلقاه، ونسأله -جل وعلا- أن يرزقنا شربةً من حوضه، لا نظمأ بعدها أبدًا، وأكتفي بهذا والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 814

JIH الإيمان بالصراط

стр. 815

F e المجلس الخامس والثلاثون (١) الإيمان بالصراط: من الإيمان باليوم الآخر: الإيمانُ بالصِّراط، فأهلُ السنة والجماعة يؤمنون بالصراط. تعريف الصراط: قال شيخ الإسلام: " وهو الجسر الذي بين الجنة والنار يمر الناس عليه على قدر أعمالهم: … " (٢). الإجماع على الإيمان بالصراط: نقل غيرُ واحدٍ من العلماء إجماعَ أهل السنة والجماعة على الإيمان بالصراط منهم: أبو الحسن الأشعري، وابن بطة العكبري، والقاضي عياض، والنووي، وشيخ الإسلام، وغيرهم (٣). ومستَنَدُ ذلك أدلة كثيرة ومنها: تلك الآيةُ العظيمة التي أقضَّت مضاجع السلف، وهي قولُ اللهِ : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ [مريم]. وقد سبقها قولُ اللهِ : ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠)﴾ [مريم]. -والحديث في هذه الآيات عن النار -أعاذنا اللهُ وإيَّاكم منها-، ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ أي: وإن منكم إلا وارد النار.

стр. 816

قال قيس بن أبي حازم ﵀: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ وَاضِعًا رَأْسَهُ فِي حِجْرِ امْرَأَتِهِ، فَبَكَى فَبَكَتِ امْرَأَتُهُ، فَقَالَ: «مَا يُبْكِيكِ؟»، قَالَتْ: رَأَيْتُكَ تَبْكِي فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: " إِنِّي ذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فَلَا نَدْرِي أَنَنْجُو مِنْهَا أَمْ لَا؟ " (١) وقالَ مُجَاهِدٍ ﵀: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ: -فذكر هذه الآية-، قَالَ: «أَمَّا أَنَا وَأَنْتَ فَسَنَرِدُهَا، فَانْظُرْ هَلْ نَصْدُرُ مِنْهَا أَمْ لَا؟» (٢) وعنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ الْحَسَنِ ﵀ قَالَ: " كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِذَا الْتَقَوْا يَقُولُ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ: هَلْ أَتَاكَ أَنَّكَ وَارِدٌ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: هَلْ أَتَاكَ أَنَّكَ خَارِجٌ مِنْهَا؟ فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: فَفِيمَ الضَّحِكُ إِذًا؟. (٣). وقال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀: فما أعظم خطرك يا أخي في هذه الصّلاة، وفي غيرها من عملك، وما أولاك بالهمّ والحزن، والخوف والوجل فيها، وفيما سواها ممّا افترض الله عليك، إنك لا تدري: هل يقبل منك صلاةً قط، أم لا؟ ولا تدري: هل يقبل منك حسنةً قط، أم لا؟ وهل غفر لك سيئةً قط، أم لا؟ ثم أنت -مع هذا- تضحك وتغفل، وينفعك العيش، وقد جاءك اليقين: أنّك وارد النّار، ولم يأتك اليقين أنّك صادرٌ عنها، فما أحقّ بطول الحزن منك، حتى يتقبل الله منك؟ ثمّ -مع- هذا لا تدري، لعلّك لا تصبح إذا أمسيت، ولا تمسي إذا أصبحت، فمُبشّرٌ بالجنة، أو مُبشرٌ بالنّار ا. هـ (٤)

стр. 817

تواتر أدلة الإيمان بالصراط: قال شيخ الإسلام ﵀: فَأَحَادِيثُ الشَّفَاعَةِ وَالصِّرَاطِ وَالْمِيزَانِ وَالرُّؤْيَةِ وَفَضَائِلِ الصَّحَابَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مُتَوَاتِرٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهِيَ مُتَوَاتِرَةُ الْمَعْنَى وَإِنْ لَمْ يَتَوَاتَرْ لَفْظٌ بِعَيْنِهِ … وَعُلَمَاءُ الْحَدِيثِ يَتَوَاتَرُ عِنْدَهُمْ مَا لَا يَتَوَاتَرُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ … إلخ ا. هـ (١) صفة الصراط: قال القاضي عياض ﵀: والسلفُ مجمِعُونَ على حمله على ظاهره دون تأويل، والله أعلم بحقيقة صفته، وهو الجِسْر، كما جاء في الحديث الآخر، ويُقالُ بكسر الجيم وفتحِها ا. هـ (٢). الصراط دَحْضٌ مَزَلَّة: وقد جاءت السنة ببيان صفة هذا الصراط، وفيها: أن الصراط زَلِقٌ؛ ففي الصحيح أنَّ النبي ﷺ قيل له: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الجَسْرُ؟ فَقَالَ ﷺ : «مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ، … » (٣). وقوله: «مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ» بمعنى واحد (٤). و «مَزِلَّةٌ» بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الزَّايِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا وَتَشْدِيدُ اللَّامِ- أَيْ مَوْضِعُ الزَّلَلِ … (٥). وتقدم هذا الحديث في أبواب الشفاعة. الصراط له جنبتان: وبيَّن ﵊ أنَّ للصراط جنبتين أو أنَّ له حافتين: كما في حديث أبي هريرة وحذيفة ﵄ وتقدما معنا في أبواب الشفاعة-: قال النبي ﷺ : « … فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا ﷺ ، فَيَقُومُ فَيُؤْذَنُ لَهُ، وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ، فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ» … الحديث (٦)

стр. 818

وفي حديث أبي بكرة ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُحْمَلُ النَّاسُ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَتَقَادَعُ بِهِمْ جَنَبَتَا الصِّرَاطِ تَقَادُعَ الْفَرَاشِ فِي النَّارِ»، قَالَ: «فَيُنْجِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ»، قَالَ: «ثُمَّ يُؤْذَنُ لِلْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ أَنْ يَشْفَعُوا فَيَشْفَعُونَ، وَيُخْرِجُونَ وَيَشْفَعُونَ، وَيُخْرِجُونَ وَيَشْفَعُونَ، وَيُخْرِجُونَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً مِنْ إِيمَانٍ» (١) قال ابن الأثير ﵀: «جَنَبَتَا الصِّرَاطِ تَقَادُعَ الْفَرَاشِ فِي النَّارِ» أي: تسقطهم فيها بعضهم فوق بعض، وتقادع القوم: إذا مات بعضهم إثر بعض وأصل القدع: الكف والمنع أي: تسقطهم فيها بعضهم فوق بعض" (٢) نسأل الله السلامة والعافية. لحافتي الصراط كلاليب وخطاطيف وحسكة: ولحافتي الصراط كلاليب كما سبق في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّ النبي ﷺ قيل له: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الجَسْرُ؟ فَقَالَ ﷺ : «مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ، عَلَيْهِ خَطَاطِيفُ وَكَلَالِيبُ وَحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيْفَاءُ تَكُونُ بِنَجْدٍ يُقَالُ لَهَا السَّعْدَانُ» (٣). وَقَوْلُهُ: «مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ» تقدم قريبا بيانه. وَقَوْلُهُ «عَلَيْهِ خطاطيف» هو جمع خطَّاف بِالضَّمِّ وَهُوَ الحديدة المعوجة كالكلوب يختطف بهَا الشَّيْء. وَقَوْلُهُ «وَكَلَالِيبٌ» جمع كَلوب بِفَتْح الْكَاف وَهُوَ حَدِيدَة معطوفة الرَّأْس يعلق عَلَيْهَا اللَّحْم، وَقيل: الكلوب الَّذِي يتَنَاوَل بِهِ الْحدادُ الْحَدِيدَ من النَّار، -وقيل-: هُوَ المعقف الَّذِي يخطف بِهِ الشَّيْء. (٤) وقوله: «وَحَسَكَةُ» بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ نَبَاتٌ لَهُ ثَمَرٌ خَشِنٌ يَتَعَلَّقُ بِأَصْوَافِ الْغَنَمِ وَرُبَّمَا اتُّخِذَ مِثْلُهُ مِنْ حَدِيدٍ وَهُوَ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ. وَقَوْلُهُ «مُفَلْطَحَةٌ» بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا طَاءٌ ثُمَّ حَاءٌ مُهْمَلَتَانِ وَهُوَ الَّذِي فِيهِ اتِّسَاعٌ وَهُوَ عَرِيضٌ يُقَالُ فَلْطَحَ الْقُرْصَ بَسَطَهُ وَعَرَّضَهُ.

стр. 819

وَقَوْلُهُ «عَقِيفَةٌ» بِالْقَافِ ثُمَّ الْفَاءِ وَزْنُ عَظِيمَةٌ وَلِبَعْضِهِمْ «عُقَيْفَاءُ» بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ مَمْدُودٌ. وَهِي المنعطفة المعوجة. (١) وفي حديث آخر -تقدم معنا في أبواب الشفاعة-: قال النبي ﷺ : « … فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا ﷺ ، فَيَقُومُ فَيُؤْذَنُ لَهُ، وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ، فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ» قَالَ: قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَيُّ شَيْءٍ كَمَرِّ الْبَرْقِ؟ قَالَ: «أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْبَرْقِ كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ؟ ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ، وَشَدِّ الرِّجَالِ، تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ، حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ، حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلَا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلَّا زَحْفًا»، قَالَ: «وَفِي حَافَتَيِ الصِّرَاطِ كَلَالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنِ أُمِرَتْ بِهِ، فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ، وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ» (٢). يعني: يعبر على هذا الصراط إلى الجنة أقوامٌ فيُخطَفُون ويُلْقَوْن في نار جهنم -نسأل الله السلامة والعافية-. ومنهم: أهل النفاق -كما تقدَّم معنا (٣) - أنَّ الله يُعطِي كلَّ إنسان نورًا بقدر عمله، فأما المنافق فينطفئ عليه النور على الصِّراط ويُقذَف في نار جهنم. وجاء أيضًا في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ هَلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلاَّ اللَّهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمُ الْمُؤْمِنُ بَقِيَ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمُ الْمُجَازَى حَتَّى يُنَجَّى» (٤). فالمقصود بذلك التقريب، أما تلك التي تكون يوم القيامة فالله أعلم بقدرها. والمقصود: أنَّ الصراط عليه كلاليب وعليه خطاطيف تختطف من أُمرِتْ بخطفه. فيا أيها العبد المؤمن: إذا أردت النجاة من هذه الأهوال يوم القيامة فعليك بإصلاح عملك، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ

стр. 820

أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف] من كان يرجو لقاء الله أي: من كان يرجو أن يرى الله يوم القيامة، ويدخل الجنة فعليه بإصلاح عمله في الدنيا، وإلا فالمرور على الصراط ليس بالأمر الهَيِّن. الصراط أَحَدُّ من السيف: وجاء أيضًا وَصْفُ الصراط بأنه أَحَدُّ من الموسى أو أحدُّ من السيف: كما في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قَالَ: «بَلَغَنِي أَنَّ الْجِسْرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ، وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ» (١) وورد ذلك في بعض الأحاديث الضعيفة المرفوعة كما في حديث عائشة المتقدم قريبا وفيه «وَلِجَهَنَّمَ جِسْرٌ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ» (٢). وفي حديث الصور الطويل المشهور «وَيُضْرَبُ بِالصِّرَاطِ بَيْنَ ظَهْرَانَيِّ جَهَنَّمَ، كَحَدِّ الشَّعْرَةِ، أَوْ كَحَدِّ السَّيْفِ لَهُ كَلَالِيبُ وَخَطَاطِيفُ» (٣). وفي شعب الإيمان للبيهقي -وضعفه- عَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ عَلَى جَهَنَّمَ جِسْرًا أَدَقَّ مِنَ الشَّعْرِ وأحد مِنَ السَّيْفِ» (٤). لكن صح عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ﵁ أنه قَالَ: «يُوضَعُ الصِّرَاطُ وَلَهُ حَدٌّ كَحَدِّ الْمُوسَى فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: رَبَّنَا مَنْ تُجِيزُ عَلَى هَذَا، فَيَقُولُ: أُجِيزَ عَلَيْهِ مَنْ شِئْتُ» (٥)

стр. 821

وصح عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «والصِّراط كحَدِّ السيف دحضٌ مزلةٍ» (١). وفي رواية: «يُوضَعُ الصِّرَاطُ عَلَى سَوَاءِ جَهَنَّمَ مِثْلَ حَدِّ السَّيْفِ الْمُرْهَفِ، مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ، … » الحديث (٢) الورود على الصراط من الأهوال العظيمة: والورود على الصراط من الأهوال العظيمة يوم القيامة. وقد تقدم معنا في الحديث عن الميزان ما رُوِيَ عن عائشة ﵂ وأرضاها أَنَّهَا ذَكَرَتِ النَّارَ فَبَكَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا يُبْكِيكِ؟» قَالَتْ: ذَكَرْتُ النَّارَ فَبَكَيْتُ، فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَمَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ: … فذكر الميزان وتطاير الصحف ثم قال: وَعِنْدَ الصِّرَاطِ إِذَا وُضِعَ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ» وفي إسناده ضعف (٣). ومما يدل على هوله أوصافه المتقدمة، وكذا ما جاء من وقوف المرسلين وغيرهم على الصراط ودعائهم للمارين بالنجاة كما سيأتي. دعاء المرسلين ﵈ وأتباعهم عندما يضرب الصراط: وجاء في الحديث أن الرسل ﵈ وأتباعهم يقفون ويدعون بالسلامة والنجاة. ففي حديث أبي هُرَيْرَةَ، ﵁ أن النبي ﷺ قَالَ: « … فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلَّا الرُّسُلُ، وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، … » متفق عليه وفي رواية للترمذي وأحمد: « … فَيَقُومُ المُسْلِمُونَ وَيُوضَعُ الصِّرَاطُ، فَيَمُرُّونَ عَلَيْهِ مِثْلَ جِيَادِ الخَيْلِ وَالرِّكَابِ، وَقَوْلُهُمْ عَلَيْهِ سَلِّمْ سَلِّمْ … » (٤)

стр. 822

وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: « … حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ تَعَالَى مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنَ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا قَالَ: فَمَا تَنْتَظِرُونَ؟ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، قَالُوا: يَا رَبَّنَا، فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا أَفْقَرَ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ لَا نُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَكَادُ أَنْ يَنْقَلِبَ، فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ فَتَعْرِفُونَهُ بِهَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ إِلَّا أَذِنَ اللهُ لَهُ بِالسُّجُودِ، وَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ اتِّقَاءً وَرِيَاءً إِلَّا جَعَلَ اللهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً وَاحِدَةً، كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ خَرَّ عَلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ وَقَدْ تَحَوَّلَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَقَالَ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا، ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ، وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ، وَيَقُولُونَ: اللهُمَّ سَلِّمْ، سَلِّمْ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الْجِسْرُ؟ قَالَ: «دَحْضٌ مَزِلَّةٌ، … » الحديث (١). وروى الترمذي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «شِعَارُ المُؤْمِنِ عَلَى الصِّرَاطِ، رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ» وإسناده ضعيف لكن يشهد له ما قبله (٢). قال الحافظ: «وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ هَذَا الْكَلَامِ شِعَارَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَنْطِقُوا بِهِ بَلْ تَنْطِقُ بِهِ الرُّسُلُ يَدْعُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالسَّلَامَةِ فَسُمِّيَ ذَلِكَ شِعَارًا لَهُمْ فَبِهَذَا تَجْتَمِعُ الْأَخْبَارُ» (٣) نبينا ﷺ قائم على الصراط يدعو للمارين بالسلامة: وفي حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، وَحُذَيْفَةَ ﵄، -في صحيح مسلم- قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : « … وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ، فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ … ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ، وَشَدِّ الرِّجَالِ، تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ، حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ، حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلَا

стр. 823

يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلَّا زَحْفًا … » (١). ومر معنا حديثُ النَّضْرِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَشْفَعَ لِي يَوْمَ القِيَامَةِ، فَقَالَ: «أَنَا فَاعِلٌ» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيْنَ أَطْلُبُكَ؟ قَالَ: «اطْلُبْنِي أَوَّلَ مَا تَطْلُبُنِي عَلَى الصِّرَاطِ». قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عَلَى الصِّرَاطِ؟ قَالَ: «فَاطْلُبْنِي عِنْدَ المِيزَانِ». قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عِنْدَ المِيزَانِ؟ قَالَ: «فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الحَوْضِ فَإِنِّي لَا أُخْطِئُ هَذِهِ الثَّلَاثَ المَوَاطِنَ» (٢). وهذا يدل على أنَّ هذه المواطن الثلاثة مواطنُ عظيمة. وفي حديث آخر يقول النبي ﷺ : «إِنِّي لَقَائِمٌ أَنْتَظِرُ أُمَّتِي تَعْبُرُ الصِّرَاطِ» (٣) وهذا يدُلُّ أيضًا على عِظَمِ هذا الموقفِ الذي يحتاج فيه الإنسانُ إلى عمله الصالح. الملائكة يدعون أيضا للمارين بالسلامة: وفي رواية عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيَمُرُّ النَّاسُ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ وَعَلَيْهِ حَسَكٌ وَكَلَالِيبُ وَخَطَاطِيفُ تَخْطَفُ النَّاسَ يَمِينًا وَشِمَالًا وَبِجَنْبَتَيْهِ مَلَائِكَةٌ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ … » (٤) وفي المسند عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ يَذْكُرُ الْحَبِيبُ حَبِيبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ ﷺ : «يَا عَائِشَةُ، أَمَّا عِنْدَ ثَلَاثٍ فَلَا، … فذكر الحديث وفيه: وَلِجَهَنَّمَ جِسْرٌ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ، عَلَيْهِ كَلَالِيبُ وَحَسَكٌ يَأْخُذُونَ مَنْ شَاءَ اللَّهُ، وَالنَّاسُ عَلَيْهِ كَالطَّرْفِ، وَكَالْبَرْقِ، وَكَالرِّيحِ، وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ، وَالرِّكَابِ، وَالْمَلَائِكَةُ يَقُولُونَ: رَبِّ سَلِّمْ، رَبِّ سَلِّمْ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمَخْدُوشٌ مُسَلَّمٌ، وَمُكَوَّرٌ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ» (٥)

стр. 824

وفي المستدرك عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] قَالَ: «الصِّرَاطُ عَلَى جَهَنَّمَ مِثْلُ حَدِّ السَّيْفِ فَتَمُرُّ الطَّائِفَةُ الْأُولَى كَالْبَرْقِ، وَالثَّانِيَةُ كَالرِّيحِ، وَالثَّالِثَةُ كَأَجْوَدِ الْخَيْلِ، وَالرَّابِعَةُ كَأَجْوَدِ الْإِبِلِ وَالْبَهَائِمِ، ثُمَّ يَمُرُّونَ وَالْمَلَائِكَةُ تَقُولُ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ» (١) المشركون يقعون في النار قبل الصراط: قال الحافظ زين الدين عبد الرحمن ابن رجب ﵀: فأما المشركون فإنهم لا يمرون على الصراط إنما يقعون في النار قبل وضع الصراط ا. هـ ودليل ذلك ما تقدم في المجلس الثالث والثلاثين في حديث أبي هريرة ﵁ أن الله يجمع الناس يوم القيامة، فيقول: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الشَّمْسَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الْقَمَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، … فذكر الحديث … قال فَيَدْعُوهُمْ فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ … » (٢) وفي حديث أبي سعيد « … إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ لِيَتَّبِعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ. فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مِنَ الأَصْنَامِ وَالأَنْصَابِ إِلاَّ يَتَسَاقَطُونَ في النَّارِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلاَّ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ وَغُبَّرِ أَهْلِ الْكِتَابِ … فذكر الحديث وفيه: ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ … » (٣) قال ابن رجب ﵀: فهذا الحديث صريح في أن كل من أظهر عبادة شيء سوى الله، كالمسيح وعزير من أهل الكتاب، فإنه يلحق بالمشركين في الوقوع في النار قبل نصب الصراط، إلا أن عباد الأصنام والشمس والقمر وغير ذلك من المشركين تتبع كل فرقة منهم ما كانت تعبد في الدنيا، فترد النار مع معبودها أولاً، … ولا يبقى بعد ذلك إلا من كان يعبد الله وحده في الظاهر، سواء كان صادقاً أو منافقاً من هذه الأمة وغيرها، ثم

стр. 825

يتميز المنافقون على المؤمنين بامتناعهم من السجود، وكذلك يمتازون عنهم بالنور الذي يقسم المؤمنين ا. هـ (١) صفة الورود على الصراط: اختلف العلماء -رحمهم الله تعالى- في صفة هذا الورود، وأصحُّ الأقوال -إن شاء الله- هو: قولُ من قال من العلماء أنَّ الورود هنا المراد به: العبورُ على الصراط يوم القيامة أو هو دخول عبور وذلك بالنسبة للمؤمن (٢). كما في صحيح الإمام مسلم من حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قالَ: أَخْبَرَتْنِي أُمُّ مُبَشِّرٍ ﵂، أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، يَقُولُ عِنْدَ حَفْصَةَ ﵂: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ، إِنْ شَاءَ اللهُ، مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ، الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا» قَالَتْ: بَلَى، يَا رَسُولَ اللهِ فَانْتَهَرَهَا، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «قَدْ قَالَ اللهُ : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ [مريم]» (٣) قال أبو العباس القرطبي ﵀: وحاصل ما فهمت -أي حفصة ﵂ منها أن الورود فيها بمعنى الدخول وأنها قابلت عموم قوله ﷺ «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» بعموم قوله تعالى ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ وكأنها رجَّحت عموم القرآن فتمسكت به، فأجابها النبي ﷺ بأن آخر الآية يبيِّن المقصود، فقرأ قوله تعالى ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ وحاصل الجواب تسليم أن الورود دخول، لكنه دخول عبور، فينجو من اتقى، ويترك فيها من ظلم، وبيان ذلك أن جهنم - أعاذنا الله منها - محيطة بأرض المحشر وحائلة بين الناس وبين الجنة، ولا طريق للجنة إلا الصراط الذي هو جسر ممدود على متن جهنم، فلا بدَّ لكل من ضمَّه المحشر من العبور عليه؛ فناج مُسَلَّم، ومخدوش مرسل، ومكردسٌ في نار جهنم - كما تقدَّم، وهذا قول الحسن وقتادة، وهو الذي تعضده الأخبار الصحيحة والنظر المستقيم ا. هـ (٤).

стр. 826

وقال النووي ﵀: والصحيح أن المراد بالورود في الآية المرور على الصراط وهو جسر منصوب على جهنم فيقع فيها أهلها وينجو الآخرون ا. هـ (١) وهذا المعنى لا ينافي ما ذكره القرطبي من أن الورود الدخول في النار -كما في فهم السيدة حفصة ﵂؛ لأن المرور على الصراط هو دخول في النار. يعطى المارون على الصراط نورا بحسب أعمالهم: والمارون على الصراط يعطون نورا بحسب أعمالهم. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾ [الحديد]. وتقدم معنا حديث جابر بن عبد الله ﵄ في صحيح الإمام مسلم ﵀ لمَّا سُئِل عن الورود الذي يكون في ذلك اليوم، فقال ﵁ وأرضاه: «فَتُدْعَى الأُمَمُ بِأَوْثَانِهَا وَمَا كَانَتْ تَعْبُدُ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ ثُمَّ يَأْتِينَا رَبُّنَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ مَنْ تَنْظُرُونَ؟ -أي: من تنتظرون؟ -فَيَقُولُونَ: نَنْظُرُ رَبَّنَا. فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: حَتَّى نَنْظُرَ إِلَيْكَ. فَيَتَجَلَّى لَهُمْ يَضْحَكُ-قَالَ-فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ وَيَتَّبِعُونَهُ وَيُعْطَى كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ- مُنَافِقٍ أَوْ مُؤْمِنٍ - نُورًا ثُمَّ يَتَّبِعُونَهُ وَعَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ وَحَسَكٌ تَأْخُذُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يَطْفَأُ نُورُ الْمُنَافِقِينَ، ثُمَّ يَنْجُو الْمُؤْمِنُونَ … » الحديث (٢). وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود ﵁ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الحديد: ١٢]. قَالَ: «يُؤْتَوْنَ نُورَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، مِنْهُمْ مَنْ نُورُهُ مِثْلُ الْجَبَلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ نُورُهُ مِثْلُ النَّخْلَةِ وَأَدْنَاهُمْ نُورًا مَنْ نُورُهُ عَلَى إِبْهَامِهِ يُطْفَأُ مَرَّةً وَيَتَّقِدُ أُخْرَى» (٣). ورواه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة -وغيره- عنه مرفوعا قال ﷺ : « … فيرفعون رؤوسهم فَيُعْطِيهِمْ نُورَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ مِثْلَ الْجَبَلِ الْعَظِيمِ يَسْعَى بَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ مِثْلَ النَّخْلَةِ بِيَمِينِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ رَجُلًا يُعْطَى نُورَهُ عَلَى إِبْهَامِ قَدَمِهِ يُضِيءُ مَرَّةً وَيُطْفِئُ مَرَّةً فَإِذَا أضاء قدم قدمه ومشى وإذا انطفئ قَامَ عَلَى

стр. 827

الصِّرَاطِ قَالَ وَالرَّبُّ أَمَامَهُمْ حَتَّى يَمُرَّ فِي النَّارِ فَيَبْقَى أَثَرُهُ كَحَدِّ السَّيْفِ دَحْضَ مَزِلَّةٍ فَيَقُولُ مُرُّوا فيمرون على قدر نورهم» (١). وروى الحاكم عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَجَرَةَ الرَّهَاوِيِّ، وَكَانَ مِنْ أُمَرَاءِ الشَّامِ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى الْجُيُوشِ، أنه قال: « … إِنَّكُمْ مَكْتُوبُونَ عِنْدَ اللَّهِ بِأَسْمَائِكُمْ وَسِيمَائِكُمْ وَحِلَاكُمْ وَنَجْوَاكُمْ وَمَجَالِسِكُمْ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قِيلَ: يَا فُلَانُ هَذَا نُورُكَ، وَيَا فُلَانُ لَا نُورَ لَكَ … » (٢) قال ابن القيم ﵀: وقد أشار النبي ﷺ إلى أن كمال ما يُستمتع به من الطيبات في الآخرة بحسب كمال ما قابله من الأعمال في الدنيا، ثم قال: وَمِنْهَا: قَسْمُهُ الْأَنْوَارَ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ يُعْطَى مِنَ النُّورِ هُنَاكَ بِحَسَبِ قُوَّةِ نُورِ إِيمَانِهِ وَيَقِينِهِ وَإِخْلَاصِهِ وَمُتَابَعَتِهِ لِلرَّسُولِ ﷺ فِي دَارِ الدُّنْيَا فَمِنْهُمْ: مَنْ يَكُونُ نُورُهُ كَالشَّمْسِ وَدُونَ ذَلِكَ كَالْقَمَرِ وَدُونَهُ كَأَشَدِّ كَوْكَبٍ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً. وَمِنْهُمْ: مَنْ يَكُونُ نُورُهُ كَالسِّرَاجِ فِي قُوَّتِهِ وَضَعْفِهِ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ. وَمِنْهُمْ: مَنْ يُعْطَى نُورٌ عَلَى إِبْهَامِ قَدَمِهِ يُضِئُ مَرَّةً وَيُطْفِيُ أُخْرَى بِحَسَبِ مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ نُورِ الْإِيمَانِ فِي دَارِ الدُّنْيَا فَهُوَ هَذَا النُّورُ بِعَيْنِهِ أَبْرَزَهُ اللَّهُ لِعَبْدِهِ فِي الْآخِرَةِ ظَاهِرًا يُرَى عِيَانًا بِالْأَبْصَارِ، وَلَا يَسْتَضِيءُ بِهِ غَيْرُهُ وَلَا يَمْشِي أَحَدًا إِلَّا فِي نُورِ نَفْسِهِ إِنْ كَانَ " لَهُ " نُورٌ مَشَى فِي نُورِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ أَصْلًا لَمْ يَنْفَعْهُ نُورُ غَيْرِهِ. وَلَمَّا كَانَ الْمُنَافِقُ فِي الدُّنْيَا قَدْ حَصَلَ لَهُ نُورٌ ظَاهِرٌ غَيْرُ مُسْتَمِرٍّ وَلَا مُتَّصِلٍ بِبَاطِنِهِ وَلَا لَهُ مَادَّةٍ مِنَ الْإِيمَانِ أُعْطِيَ فِي الْآخِرَةِ نُورًا ظَاهِرًا لَا مَادَّةَ لَهُ ثُمَّ يُطْفَأُ عَنْهُ أَحْوَجُ مَا كَانَ إِلَيْهِ. (٣). النبي ﷺ يعرف أمته بنورهم: روى ابن المبارك والحاكم عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، سَمِعَ أَبَا ذَرٍّ، وَأَبَا الدَّرْدَاءِ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَنَا أَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ فِي السُّجُودِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ بِرَفْعِ

стр. 828

رَأْسِهِ، فَأَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيَّ، وَأَعْرِفُ أُمَّتِي مِنْ بَيْنِ الْأُمَمِ، وَأَنْظُرُ عَنْ شِمَالِي، فَأَعْرِفُ أُمَّتِي مِنْ بَيْنَ الْأُمَمِ، وَأَنْظُرُ مِنْ خَلْفِي، فَأَعْرِفُ أُمَّتِي مِنْ بَيْنَ الْأُمَمِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَعْرِفُ أُمَّتَكَ مِنْ بَيْنَ الْأُمَمِ، مَا بَيْنَ نُوحٍ إِلَى أُمَّتِكَ، قَالَ: غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، وَلَا يَكُونُ مِنَ الْأُمَمِ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، وَأَعْرِفُهُمْ أَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَأَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ، وَأَعْرِفُهُمْ بِنُورِهِمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَبِأَيْمَانِهِمْ» (١) البشارة للمشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة: يقول النبي ﷺ : «بشّر المشّائين في الظُّلَم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» (٢) قال المباركفوري ﵀: «بالنَّور التام»، قال: "الذي يحيط بهم من جميع جهاتهم، أي على الصراط لما قاسوا مشقة المشي في ظلمة الليل جوزوا بنور يضيء لهم ويحيطهم" (٣) وهذا عملٌ يسير على من يسّره الله عليه. أول الناس مرورا على الصراط هذه الأمة: ثبت في الصحيحين عن أبي هُرَيْرَةَ، ﵁ أن النبي ﷺ قَالَ: « … فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، … » (٤) أول الأمة مرورا على الصراط فقراء المهاجرين: روى الإمام مسلم عن ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَجَاءَ حِبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ … ثم قال اليهودي: جِئْتُ أَسْأَلُكَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيَنْفَعُكَ شَيْءٌ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟» قَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ، فَنَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِعُودٍ مَعَهُ، فَقَالَ: «سَلْ» فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ

стр. 829

الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ» قَالَ: فَمَنْ أَوَّلُ النَّاسِ إِجَازَةً؟ قَالَ: «فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ … » الحديث (١). وقوله: «إجَازَة» هو بِكَسْر الْهمزَة وزاي أَي جَوَازًا وعبورا. وفيه بيان فضل فقراء المهاجرين، حيث أكرمهم الله تعالى بسبق غيرهم في الجواز على الصراط. قال العلماء: ولا يدلّ هذا على أن فقراء المهاجرين أفضل من أغنيائهم، للإجماع على أن عثمان بن عفّان وعبد الرحمن بن عوف، أفضل من أبي هريرة، وأبي ذرّ ﵃. (٢) أحوال المارين على الصراط: في حديثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : « … ثُمَّ يُؤْتَى بِالْجَسْرِ فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ»، [وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ، وَيَقُولُونَ: اللهُمَّ سَلِّمْ، سَلِّمْ] قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الجَسْرُ؟ قَالَ: «مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ، عَلَيْهِ خَطَاطِيفُ وَكَلَالِيبُ، وَحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيْفَاءُ، تَكُونُ بِنَجْدٍ، يُقَالُ لَهَا: السَّعْدَانُ، المُؤْمِنُ عَلَيْهَا كَالطَّرْفِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ، وَكَأَجَاوِيدِ الخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ، وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، حَتَّى يَمُرَّ آخِرُهُمْ يُسْحَبُ سَحْبًا، … » الحديث (٣) وفي الصحيحين في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : « … وَيُضْرَبُ جِسْرُ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ، وَدُعَاءُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ. وَبِهِ كَلالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، … غَيْرَ أَنَّهَا لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَّا اللَّهُ، فَتَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، مِنْهُمُ المُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمُ المُخَرْدَلُ، ثُمَّ يَنْجُو … » الحديث (٤) وتقدم معنا حديث جابر بن عبد الله ﵄ في صحيح الإمام مسلم ﵀ لمَّا سُئِل عن الورود الذي يكون في ذلك اليوم، فقال ﵁ وأرضاه: «فَتُدْعَى الأُمَمُ بِأَوْثَانِهَا وَمَا كَانَتْ تَعْبُدُ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ ثُمَّ يَأْتِينَا رَبُّنَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ مَنْ تَنْظُرُونَ؟ -أي: من تنتظرون؟ -فَيَقُولُونَ: نَنْظُرُ رَبَّنَا. فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: حَتَّى نَنْظُرَ إِلَيْكَ. فَيَتَجَلَّى لَهُمْ

стр. 830

يَضْحَكُ-قَالَ-فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ وَيَتَّبِعُونَهُ وَيُعْطَى كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ- مُنَافِقٍ أَوْ مُؤْمِنٍ - نُورًا ثُمَّ يَتَّبِعُونَهُ وَعَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ وَحَسَكٌ تَأْخُذُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يَطْفَأُ نُورُ الْمُنَافِقِينَ ثُمَّ يَنْجُو الْمُؤْمِنُونَ فَتَنْجُو أَوَّلُ زُمْرَةٍ وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ سَبْعُونَ أَلْفًا لَا يُحَاسَبُونَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ كَأَضْوَإ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ ثُمَّ كَذَلِكَ ثُمَّ تَحِلُّ الشَّفَاعَةُ وَيَشْفَعُونَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً … » الحديث (١). وتقدم حديث أبي هريرة وحذيفة بن اليمان ﵄ أنَّ النبي ﷺ قال: «وَتُرْسَلُ الأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالاً فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ» قَالَ: قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَيُّ شَيءٍ كَمَرِّ الْبَرْقِ؟ قَالَ: «أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْبَرْقِ كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ وَشَدِّ الرِّجَالِ تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلَا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلاَّ زَحْفًا. قال ﵊: وَفِي حَافَتَيِ الصِّرَاطِ كَلَالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ، فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ، وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ» (٢). وفي جامع الترمذي من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يَرِدُ النَّاسُ النَّارَ ثُمَّ يَصْدُرُونَ مِنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ، فَأَوَّلُهُمْ كَلَمْحِ البَرْقِ، ثُمَّ كَالرِّيحِ، ثُمَّ كَحُضْرِ الفَرَسِ، ثُمَّ كَالرَّاكِبِ فِي رَحْلِهِ، ثُمَّ كَشَدِّ الرَّجُلِ، ثُمَّ كَمَشْيِهِ» (٣). وفي رواية لغيره: «فَيَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ، وَالصِّرَاطُ كَحَدِّ السَّيْفِ دَحْضٌ مَزِلَّةٌ، قَالَ: فَيُقَالُ انْجُوا عَلَى قَدْرِ نُورِكُمْ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَانْقِضَاضِ الْكَوْكَبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالطَّرْفِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالرِّيحِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَشَدِّ الرَّحْلِ وَيَرْمُلُ رَمَلًا فَيَمُرُّونَ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، حَتَّى يَمُرَّ الَّذِي نُورُهُ عَلَى إِبْهَامِ قَدَمِهِ يَجُرُّ يَدًا وَيُعَلِّقُ يَدًا وَيَجُرُّ رِجْلًا وَيُعَلِّقُ رِجْلًا فَتُصِيبُ جَوَانِبَهُ النَّارُ، قَالَ: فَيَخْلُصُونَ … » (٤) الحديث

стр. 831

فهذه الأحاديث وغيرها فيها بيان حال الناس عند المرور على الصراط. قَالَ ابن أَبِي جَمْرَةَ ﵀: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمَارِّينَ عَلَى الصِّرَاطِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: • نَاجٍ بِلَا خُدُوشٍ • وَهَالِكٌ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ • وَمُتَوَسِّطٌ بَيْنَهُمَا يُصَابُ ثُمَّ يَنْجُو قال: وَكُلُّ قِسْمٍ مِنْهَا يَنْقَسِمُ أَقْسَامًا تُعْرَفُ بِقَوْلِهِ بِقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ» (١) فالناجي بلا خدش هو الناجي المُسلَّم كما في الحديث وورد بيان صفتهم في حديث جابر ﵁ وفيه « … فَتَنْجُو أَوَّلُ زُمْرَةٍ وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ سَبْعُونَ أَلْفًا لَا يُحَاسَبُونَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ كَأَضْوَإ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ … » والهالك من يُكْدَسٌ في نار جهنم، -نسأل الله السلامة والعافية-: كما تقدم في الحديث «وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ» وفي لفظٍ: «مَكَرْدَسٌ» (٢) وفي لفظ: «وَمَنْكُوسٌ فيها» (٣) وهؤلاء هم المنافقون، فيُلْقَون في نار جهنم. وكذلك: بعض العصاة من أهل التوحيد الذين تَنَال بعضَهم الشفاعةُ كما تقدم. وأما الكفار فتقدم أنهم يلقون في النار قبل نصب الصراط. والمتوسط بينهما هو المشار إليه في الروايات بأنه المخدوش: قال « … وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ … » أو المخردل قال « … وَمِنْهُمُ المُخَرْدَلُ، ثُمَّ يَنْجُو … »

стр. 832

وهؤلاء هم العصاة الذين اجترحوا السيئات، واكتسبوا الخطايا فتخطفهم الكلاليب، فتجرح أجسادهم لكنهم ينجُون بفضل الله ثم بسبب أعمالهم. فلا بد من العمل كما قال الله في أهل الجنة: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [الأعراف]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾ [النحل] وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ [الزخرف: ٧٢] وقال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٩، المرسلات: ٤٣] وقال تعالى عن أهل النار: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾ [السجدة: ١٤] والعابرون للصراط متفاوتون بحسب أعمالهم كما تقدم في الأحاديث: " فمنهم من يمُرُّ كلمح البصر، ومنهم من يمُرُّ كالبرق، ومنهم من يمُرُّ كالريح، ومنهم من يمُرُّ كالفرس الجواد، ومنهم من يمُرُّ كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدوًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من يخطف فيلقى في جهنم؛ فإنَّ الجسر عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم. فمن مرَّ على الصراط؛ دخل الجنة". (١). قال شمس الدين ابن القيم ﵀: وقد أشار النبي ﷺ إلى أن كمال ما يُستمتع به من الطيبات في الآخرة بحسب كمال ما قابله من الأعمال في الدنيا، ثم قال: وَمِنْهَا: أَنَّ مَشْيَهُمْ عَلَى الصِّرَاطِ فِي السُّرْعَةِ وَالْبِطْءِ بِحَسَبِ " سُرْعَةِ " سَيْرِهِمْ "وَبُطْئِهِ" عَلَى صِرَاطِ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمِ فِي الدُّنْيَا فَأَسْرَعُهُمْ سَيْرًا هُنَا أَسْرَعُهُمْ هُنَاكَ وَأَبْطَأُهُمْ هُنَا أَبْطَأُهُمْ هُنَاكَ. وَأَشَدُّهُمْ ثَبَاتًا عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ " هُنَا " أَثْبَتُهُمْ هُنَاكَ وَمَنْ خَطِفَتْهُ كَلَالِيبُ الشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتِ وَالْبِدَعِ الْمُضِلَّةِ هُنَا خَطِفَتْهُ الْكَلَالِيبُ الَّتِي كَأَنَّهَا شَوْكُ السَّعْدَانِ هُنَاكَ

стр. 833

وَيَكُونُ تَأْثِيرُ الْكَلَالِيبِ فِيهِ هُنَاكَ فِيهِ عَلَى حَسَبِ الشَّهَوَاتِ " وَالشُّبُهَاتِ " وَالْبِدَعِ فِيهِ هَاهُنَا فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمَخْدُوشٌ مُسَلَّمٌ، وَمَخْزُولٌ أَيْ: مُقَطَّعٌ بِالْكَلَالِيبِ مُكَرْدَسٌ فِي النَّارِ كَمَا أَثَّرَتْ فِيهِمْ تِلْكَ الْكَلَالِيبُ فِي الدُّنْيَا ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾ [النبأ] ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت] (١). آخر من يجوز الصراط: روى أَنَسٌ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ [يَمْشِي عَلَى الصِّرَاطِ]، فَهْوَ يَمْشِي مَرَّةً، وَيَكْبُو مَرَّةً، وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا [وفي رواية: فَإِذَا جَاوَزَ الصِّرَاطَ] الْتَفَتَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ، لَقَدْ أَعْطَانِي اللهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، فَيَقُولُ اللهُ : يَا ابْنَ آدَمَ، لَعَلِّي إِنَّ أَعْطَيْتُكَهَا سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: لَا، يَا رَبِّ، وَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَى، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ لِأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: لَعَلِّي إِنْ أَدْنَيْتُكَ مِنْهَا تَسْأَلُنِي غَيْرَهَا، فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَيَيْنِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ لِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا، قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، هَذِهِ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا فَيَسْمَعُ أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْخِلْنِيهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ مَا يَصْرِينِي مِنْكَ؟ أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا؟

стр. 834

قَالَ: يَا رَبِّ، أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟»، فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: أَلَا تَسْأَلُونِي مِمَّ أَضْحَكُ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ، قَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «مِنْ ضَحِكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حِينَ قَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ» (١) قلت: قوله في الحديث: «آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ … » إلخ. وفي رواية للحديث -عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ ابن مسعود ﵁: «إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا، رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ كَبْوًا» (٢) واختلف في الجمع بينهما. هل هذا الرجل دخل النار ثم خرج منها، أو هو ممن لم يدخلها؟ والظاهر أنهما حديثان كما يتبين من الزيادتين المذكورة. وقد قال الحافظ ﵀: قَالَ عِيَاضٌ: … يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْخُرُوجُ هُنَا بِمَعْنَى الْوُرُودِ وَهُوَ الْجَوَازُ عَلَى الصِّرَاطِ … قال الحافظ ﵀: قُلْتُ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أنس عَنْ ابن مَسْعُودٍ مَا يُقَوِّي هذا الِاحْتِمَالَ … ا. هـ (٣) وقال ﵀: وَأَشَارَ ابن أَبِي جَمْرَةَ إِلَى الْمُغَايَرَةِ بَيْنَ آخِرِ مَنْ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ … وَأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَهَا حَقِيقَةً وَبَيْنَ آخِرِ مَنْ يَخْرُجُ مِمَّنْ يَبْقَى مَارًّا عَلَى الصِّرَاطِ

стр. 835

فَيَكُونُ التَّعْبِيرُ بِأَنَّهُ خَرَجَ مِنَ النَّارِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ لِأَنَّهُ أَصَابَهُ مِنْ حَرِّهَا وَكَرْبِهَا مَا يُشَارِكُ بِهِ بَعْضَ مَنْ دَخَلَهَا ا. هـ (١) الأمانة والرحم تقومان جنبتي الصراط: والأمانةُ والرَّحِمُ حول الصراط، يقفان في ناحيتي الصراط: كما تقدم في الحديث وهذا يدُلُّ على عِظَمِ هذه الأعمال. قال التوربتشي: « … وَالْمَعْنَى أَنَّ الْأَمَانَةَ وَالرَّحِمَ لِعِظَمِ شَأْنِهِمَا وَفَخَامَةِ مَا يَلْزَمُ الْعِبَادُ مِنْ رِعَايَةِ حَقِّهِمَا يُمثَّلان هُنَاكَ لِلْأَمِينِ وَالْخَائِنِ وَالْمُوَاصِلِ وَالْقَاطِعِ فَيُحَاجَّانِ عَنِ الْمُحِقِّ وَيَشْهَدَانِ عَلَى الْمُبْطِلِ» (٢) وقال العلامة الطيبي: «ويمكن أن تحمل الأمانة على الأمانة العظمى، وهي ما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب: ٧٢]؛ وصلةُ الرحم صلتها الكبرى وهي ما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] فيدخل في الحديث معنى التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله، وكأنهما اكتنفا جنبي الإسلام الذي هو الصراط المستقيم، وقطري الإيمان والدين القويم» (٣) فلا يجوزُ الصراطَ إلا من صَلَح عملُه، ونجا بفضل من الله ورحمته. القنطرة بعد الصراط: فإذا نجا المؤمنون من أهوال هذا الصراط -ولا يجوزه إلا المؤمنون-؛ حُبِسُوا بعد ذلك في قَنْطَرَةٍ بين الجنة والنار. وهذه القنطرة خاصة لمسلك المؤمنين إلى الجنة يقفون عندها فيقتص لبعضهم من بعض، ويُهَذَّبُون ويُنَقَّوْن قبل أن يدخلوا الجنة.

стр. 836

كما أخبر بذلك نبيُّنا ﷺ قال ﵊: «إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ - يعني من العبور على الصراط - حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ ﷺ بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الْجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا» (١). قال العلامة ابن عثيمين ﵀: «هذا القصاص غير القصاص الأول الذي في عرصات القيامة، لأن هذا قصاص أخص؛ لأجل أن يذهب الغل والحقد والبغضاء التي في قلوب الناس، فيكون هذا بمنزلة التنقية والتطهير، وذلك لأن ما في القلوب لا يزول بمجرد القصاص» (٢) وفي الصحيحين عَنْ أُسَامَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قُمْتُ عَلَى بَابُ الجَنَّةِ، فَكَانَ عَامَّةَ مَنْ دَخَلَهَا المَسَاكِينُ، وَأَصْحَابُ الجَدِّ مَحْبُوسُونَ، غَيْرَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، … » الحديث (٣). قال الحافظ: قَوْلُهُ «أَصْحَابُ الجَدِّ» بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيِ الْغِنَى. وقَوْلُهُ «مَحْبُوسُونَ» أَيْ مَمْنُوعُونَ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ مَعَ الْفُقَرَاءِ مِنْ أَجْلِ الْمُحَاسَبَةِ عَلَى الْمَالِ وَكَأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ الْقَنْطَرَةِ الَّتِي يَتَقَاصُّونَ فِيهَا بَعْدَ الْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ ا. هـ (٤) قال ابن بطال ﵀: وإنما صار «أَصْحَابُ الجَدِّ» محبوسون (٥) لمنعهم حقوق الله الواجبة للفقراء فى أموالهم، فحبسوا للحساب عما منعوه، فأما من أدى حقوق الله فى أمواله، فإنه لا يحبس عن الجنة، إلا أنهم قليل، إذ أكثر شأن (أهل) المال تضيع حقوق الله فيه؛ لأنه محنة وفتنة ا. هـ (٦)

стр. 837

وقال الداودي ﵀: أرجو أن يكون هؤلاء أهل التفاخر؛ لأن أفاضل الصحابة كانت لهم أموال ووصفهم الله تعالى بأنهم سابقون ا. هـ (١) فاحذروا أيها المؤمنون من الظلم، واحذروا عاقبته، واحذروا من التفريط في الأعمال الصالحات؛ فإن المؤمن في يوم القيامة يحتاج إلى العمل الصالح الذي يُقَرِّبُه إلى الله -جل وعلا- كما يحتاج إلى العمل الذي يكون شفيعًا له عند الله . شفاعة المؤمنين لإخوانهم إذا عبروا الصراط: وأخبر النبيُّ ﷺ أن الناجين من عباد الله سبحانه من المؤمنين يجادلون الله عن إخوانهم. فقد جاء في المسند وغيره أن النبي ﷺ قال: «يُوضَعُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ، … ، ثُمَّ يَسْتَجِيزُ النَّاسُ، … قال: فَإِذَا فَرَغَ اللهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ، يَفْقِدُ الْمُؤْمِنُونَ رِجَالًا كَانُوا مَعَهُمْ فِي الدُّنْيَا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِمْ، وَيُزَكُّونَ بِزَكَاتِهِمْ، وَيَصُومُونَ صِيَامَهُمْ، وَيَحُجُّونَ حَجَّهُمْ وَيَغْزُونَ غَزْوَهُمْ فَيَقُولُونَ: أَيْ رَبَّنَا، عِبَادٌ مِنْ عِبَادِكَ كَانُوا مَعَنَا فِي الدُّنْيَا يُصَلُّونَ صَلَاتَنَا، وَيُزَكُّونَ زَكَاتَنَا، وَيَصُومُونَ صِيَامَنَا، وَيَحُجُّونَ حَجَّنَا، وَيَغْزُونَ غَزْوَنَا لَا نَرَاهُمْ، فَيَقُولُ: اذْهَبُوا إِلَى النَّارِ فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِيهَا مِنْهُمْ فَأَخْرِجُوهُ» الحديث (٢). وتقدم -كما ذكرنا- الحديثُ عن موضوع الشفاعة. وهذا يدل على فضل الأخُوَّة في الله ، وأن من فضلها: أن المؤمن يشفع لأخيه المؤمن فيجادل عنه، حتى يرحمه الله ويخرج من النار. نسأل الله -جل وعلا- أن يجعلنا من أهل الجنة، وأن يعيذنا من النار ونسأله أن يهدينا صراطه المستقيم. JIH انتهى الجزء السادس ويليه الجزء السابع: الإيمان بالجنة والنار

стр. 838

سلسلةُ: ريِّ الظَّمْآن بِمَجالِس شُعَبِ الإيمَانِ (٧) الإِيْمَانُ بالجنة والنار تأليف أبي حمزة غازي بن سالم أفلح عفا الله عنه وعن والديه ومشايخه وجميع المسلمين تقديم الدكتور عزيز بن فرحان العنزي الدكتور رشاد بن حمود الحزمي الشيخ عبد العزيز بن يحيى البرعي الشيخ محمد بن عبد الله باموسى الشيخ نعمان بن عبد الكريم الوتر

стр. 839

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى لمكتبة دروس الدار ١٤٤٤ هـ - ٢٠٢٢ م (مزيدة ومنقحة) رقم الفسح الإعلامي في دولة الإمارات العربية المتحدة دبي MC-٠١ - ٠١ - ٧٥٤٩١٤٢ Date-٢٠٢٢ - ٠٤ - ١٩ الترقيم الدولي ISBN: -٩٧٨ - ٩٩٤٨ - ٠٤ - ٥٧٢ - ٤ التصنيف العمري: E تم تصنيف وتحديد الفئة العمرية التي تلائم محتوى الكتب وفقا لنظام التصنيف العمري الصادر عن وزارة الثقافة والشباب للتواصل مع المؤلف: ghazi.salem@hotmail.com الإمارات العربية المتحدة - الشارقة البريد الإلكتروني: droosaldar@gmail.com للتواصل: ٠٠٩٧١٥٠٣٦٦٧٠٧٧ تويتر: @ DroosAldar

стр. 840

تتمة الركن السادس من أركان الإيمان الإيمان بالجنة والنار

стр. 841

المجلس السادس والثلاثون (١) الإيمان بالجنة والنار: قال البيهقي: التاسع من شعب الإيمان "وهو باب في أن دار المؤمنين ومآبهم الجنة، ودار الكافرين ومآبهم النار" (٢) وبعد أن يفصل الله بين عباده يكون الناس يوم القيامة على فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير، وحينئذ يدخل أهل الجنةِ الجنةَ، ويدخل أهل النارِ النارَ. والإيمان بالجنة والنار من الإيمان باليوم الآخر، وقد قال النبي ﷺ : «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ» (٣). وفي رواية أخرى يقول النبي ﵊: «أَدْخَلَهُ اللهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ» (٤). فدلَّ هذا على وجوب الإيمان بالجنة والنار، وأنهما مخلوقتان موجودتان الآن، وقد جاءت في السنة الأخبارُ الكثيرةُ عن صفة الجنة وصفة النار، وسنتحدث في هذا المجلس عمَّا أعدَّ الله لأوليائه في الجنة، ثم نردف ذلك بذكر ما أعدَّ الله لأعدائه في النار.

стр. 842

الإيمان بالجنة: إنَّ من الإيمان باليوم الآخر الإيمانَ بالجنة التي وعد الله بها أولياءه وأهل طاعته. وهي نعيم كاملٌ لا يشوبه نقص ولا يُعكِّر صفوه كَدَرٌ، وقد حدَّثنا الله -جل وعلا- في كتابه عن الجنة وجاء خبرُها في سنة النبي ﷺ . والإيمانُ بالجنة ووجودها واجبٌ على كل مسلم ومسلمة، وذلك-كما ذكرنا-من الإيمان باليوم الآخر. الجنة والنار مخلوقتان موجودتان: وذكر العلماءُ -رحمهم الله تعالى- ذلك في كتب العقائد فإنهم ينصون على ذلك ويقولون: ونؤمن بالجنة والنار وأنهما مخلوقتان وموجودتان، وقد دخل النبي ﷺ الجنة ورآها. يقول الحافظ الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى- في عقيدته السلفية: "وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ مَخْلُوقَتَانِ، لَا تَفْنَيَانِ أَبَدًا وَلَا تَبِيدَانِ، وَأنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ قَبْلَ الْخَلْقِ، وَخَلَقَ لَهُمَا أَهْلًا، فَمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ فَضْلًا مِنْهُ، وَمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ إِلَى النَّارِ عَدْلًا مِنْهُ، وَكُلٌّ يَعْمَلُ لِمَا قَدْ فُرِغَ لَهُ، وَصَائِرٌ إِلَى مَا خُلِقَ لَهُ، وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ مُقَدَّرَانِ عَلَى الْعِبَادِ" (١). وهكذا قال غير واحد من أهل العلم في كتب العقيدة بناءً على ما ورد في الكتاب والسنة من خبر الجنة والنار، وهذا أمرٌ مشهورٌ، ومعلوم من الدين بالضرورة. رؤية جبريل الجنة والنار: وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ أَرْسَلَ جِبْرِيلَ ﵍ إِلَى الْجَنَّةِ، فَقَالَ: انْظُرْ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا، فَنَظَرَ إِلَيْهَا، فَرَجَعَ فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا، فَأَمَرَ بِهَا فَحُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَيْهَا، فَانْظُرْ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا، فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَإِذَا هِيَ قَدْ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ. فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ. قَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَى النَّارِ وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا، فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَإِذَا هِيَ يَرْكَبُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَرَجَعَ فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ، فَأَمَرَ بِهَا

стр. 843

فَحُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ، فَقَالَ: ارْجِعْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا. فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَإِذَا هِيَ قَدْ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ، فَرَجَعَ، وَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَنْجُوَ مِنْهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا» (١). يعني: بسبب أنها حُفَّت بالشهوات؛ فالمعاصي قريبةٌ من قلوب الناس وطريق الشيطان مُمَهَّدٌ لكثير منهم، والطريقُ إلى الجنة يحتاج إلى صبر ومصابرة. تذكر الجنة يُسلِّي المؤمنَ عمَّا فاته من الدنيا: وإنَّ قلب المؤمن لَيَسْلُو حينما: يتأمل ما أعدَّ اللهُ للناس يوم القيامة من الجنة لأوليائه ومن النار لأعدائه، ويعلم بذلك قيمة هذه الحياة الدنيا التي أمرنا الله أن نتيقن أنها لا شيء. يقول الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣)﴾ [لقمان]. وتكرر هذا التوجيه في كتاب الله -جل وعلا- من رب العالمين بألَّا نغتر بهذه الحياة الدنيا؛ فإنها فانية، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر]. وقال ربنا للناس أجمعين: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾ [الحديد]. ثم قال : ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١]. وقال ربنا : ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)﴾ [الكهف]

стр. 844

وقال ربنا : ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)﴾ [يونس: ٢٤]. دار السلام: ثم قال بعد ذلك: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥] يعني إلى الجنة، فهي دار سالمة من كل الآفات، وهي دار السلامة من كلِّ بليةٍ وآفةٍ ومكروهٍ. أما الدنيا فهي دارٌ مليئةٌ بالآفات، فَفَرَحُها منقطعٌ غيرُ دائمٍ، وسرورُها زائلٌ، والحياةُ فيها منغَّصةٌ ومكدَّرةٌ بالهموم والأحزان، لا يكاد إنسانٌ يقع له الفرح والسرور حتى ينقطع، ولا يزال المؤمن فيها في هَمٍّ وفي حزن وفي كرب، وهكذا هي الدنيا لا تدوم لأحد. فيوم علينا ويوم لنا … ويوم نُساء ويوم نُسر (١) وقد قيل في بيان حال الدنيا. ثمانية قام الوجود بها فهل … ترى من محيص للورى عن ثمانية سرور وحزن واجتماع وفرقة … وعسر ويسر ثم سقم وعافية بهنّ انقضت أعمار أولاد آدم … فهل من رأى أحوالهم متساوية (٢) وقيل أيضا: مَنْ ذَا الَّذِي يَبْنِي عَلَى مَوْجِ الْبَحْرِ دَارًا … تِلْكُمُ الدُّنْيَا فَلَا تَتَّخِذُوهَا قَرَارًا (٣)

стр. 845

ولهذا فإن السعيد من جَعَلَ مِنْ هذا الدنيا مزرعةً له إلى الأخرى، يتقرب إلى ربه سبحانه، فعمر الإنسان في الدنيا قصيرٌ كما قال النبي ﵊: «أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ، إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ» (١). ولكنه سيعيش في قبره سنين طويلة، والقبرُ روضةٌ من رياض الجنة أو حفرةٌ من حفر النار ثم يأتي يومُ القيامة، اليومُ الخالدُ الأبديُّ الذي لا يوم بعده. فهذه خلاصة حال الدنيا ثم يكون مآل الناس يوم القيامة إما إلى الجنة وإما إلى النار، وسنورد شيئًا مما يتيسر ذِكْرُه في هذا المجلس من أخبار الجنة التي جاء ذكرها في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ . من أسماء الجنة: ١ - هي دار السلام كما تقدم ٢ - وهي: دار الخلد. وسُمِّيت بذلك؛ لأنَّ أهلها لا يظعنون عنها أبدًا، ٣ - وهي دار المُقامة. ٤ - وهي جنَّة المأوى. ٥ - وهي جنَّات عدن. وعدن من الإقامة والدَّوامِ. ٦ - وهي دار الحيوان. قال تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت]؛ يعني: وإنَّ الآخرة يعني: الجنة. لهي الحيوان: لهي دار الحياة التي لا موت فيها. قال ابن القيم ﵀: وأهل اللغة على أنَّ الحيوان بمعنى: الحياة … ويحتمل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ معنيين: أحدهما:
следующие страницы →