← Акыда

Акыда · id 11292

قطف الجني الداني شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني

عبد المحسن العباد

Полный текст (188 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ارتفع صحَّ الاحتجاجُ بالقدر، وإذا كان اللَّومُ واقعاً فالاحتجاجُ بالقدر باطلٌ. . . ". ٩ وقوله: "تعالَى أن يكونَ في مُلْكِهِ ما لا يُريد، أو يكونَ لأَحَد عنه غِنًى خالقاً لكلِّ شيءٍ إلاَّ هو، رَبُّ العباد ورَبُّ أعمالِهم، والمُقَدِّرُ لِحَركاتِهم وآجالِهم" الظاهر أنَّ في قولَه: "خالقاً لكلِّ شيء إلاَّ هو" سقطاً يدلُّ عليه ما قبله، تقديره: "وأن يكون خالقاً لكلِّ شيء إلاَّ هو" وفي هذه الجُمل كلِّها ردٌّ على القدرية الذين يقولون: إنَّ العبادَ يَخلقون أفعالَهم، وأنَّ اللهَ لم يُقدِّرها عليهم، فإنَّ مقتضى قولهم هذا أنَّ أفعالَ العباد وقعت في مُلك الله وهو لم يُقدِّرها، وأنَّهم بخلقهم لأفعالِهم مُستغنون عن الله، وأنَّ الله ليس خالقاً لكلِّ شيء، بل العباد خلقوا أفعالَهم، والله خالق العباد وخالق أفعال العباد، فهو خالق الذوات والصفات، كما قال الله : ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ، وقال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ، وقال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ . ويُقابل نفاةَ القدر فرقةٌ ضالَّةٌ هم الجبرية، الذين سَلَبُوا عن العبد الاختيارَ، ولَم يجعلوا له مشيئةً وإرداةً، وسَوَّوا بين الحركات الاختيارية والحركات الاضطرارية، وزعموا أنَّ كلَّ حركاتهم بمنْزلة حركات الأشجار، وأنَّ حركةَ الآكلِ والشارب والمصلِّي والصائم كحركة المُرتعش، ليس للإنسان فيها كسبٌ ولا إرادة، وعلى هذا فما فائدةُ إرسال الرُّسل وإنزال الكتب، ومن المعلوم قطعاً أنَّ للعبد مشيئةً وإرادةً، يُحمَد على أفعاله الحسنة، ويُثاب عليها، ويُذمُّ على أفعاله السيِّئة ويُعاقب عليها، وأفعالُه الاختيارية يُنسبُ إليه فعلُها وكسبُها، وأمَّا الحركات الاضطرارية

стр. 107

كحركة المرتعش فلا يُقال: إنَّها فعلٌ له، وإنَّما هي صفةٌ له، ولهذا يقول النَّحويُّون في تعريف الفاعل: هو اسمٌ مرفوعٌ يدلُّ على مَن حصل منه الحَدَث أو قام به، ومرادُهم بحصول الحَدَث: الأفعال الاختيارية التي وقعت بمشيئة العبد وإرادته، ومرادُهم بقيام الحَدَث: ما لا يقع تحت المشيئة، كالموت والمرض والارتعاش ونحو ذلك، فإذا قيل: أَكَلَ زيدٌ وشرب وصلَّى وصام، فزيدٌ فيها فاعلٌ حصل منه الحَدَث، الذي هو الأكل والشربُ والصلاة والصيام، وإذا قيل: مرض زيدٌ أو مات زيدٌ أو ارتعشت يدُه، فإنَّ الحدَثَ ليس من فعل زيد، وإنَّما هو وصفٌ قام به. وأهل السُّنَّة والجماعة وسَطٌ بين الجبرية الغلاة في الإثبات، والقدرية النفاة؛ فإنَّهم أثبتوا للعبد مشيئةً، وأثبتوا للربِّ مشيئةً عامَّة، وجعلوا مشيئةَ العبد تابعةً لمشيئة الله، كما قال الله : ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ، فلا يقع في مُلك الله ما لَم يشأه الله، بخلاف القدرية القائلين: إنَّ العبادَ يخلقون أفعالَهم، ولا يُعاقب العباد على أشياء لا إرادة لهم فيها ولا مشيئة، كما هو قول الجبرية، وبهذا يُجابُ عن السؤال الذي يتكرَّر طرحُه، وهو: هل العبدُ مسيَّرٌ أو مُخيَّر؟ فلا يُقال: إنَّه مسَيَّرٌ بإطلاق، ولا مُخيَّرٌ بإطلاق، بل يُقال: إنَّه مُخيَّرٌ باعتبار أنَّ له مشيئةً وإرادةً، وأعماله كسب له يُثاب على حَسَنها ويُعاقَب على سيِّئها، وهو مسيَّرٌ باعتبار أنَّه لا يحصل منه شيءٌ خارجٌ عن مشيئة الله وإرادته وخلقه وإيجاده. ١٠ قوله: "يُضِلُّ مَن يشاء، فيَخْذُلُه بعدْلِه، ويَهدي مَن يَشاء، فَيُوَفِّقُه بفضلِه، فكَلٌّ مُيَسَّرٌ بتَيْسيره إلى ما سَبَقَ مِن علمه وقَدَرِه، مِن شَقِيٍّ أو سعيدٍ".

стр. 108

هدايةُ كلِّ مُهتد وضلالُ كلِّ ضال، كلُّ ذلك حصل بمشيئة الله وإرادته، والعبادُ قد بيَّن الله لهم طريقَ السعادة وطريق الضلالة، وأعطاهم عقولاً يُميِّزون بها بين النافع والضار، فمَن اختار طريقَ السعادة فسلكه انتهى به إلى السعادة، وقد حصل ذلك بمشيئة العبد وإرادته، التابعة لمشيئة الله وإرادته، وذلك فضلٌ من الله وإحسان، ومَن اختار طريقَ الضلالة وسلكه انتهى به إلى الشقاوة، وقد حصل ذلك بمشيئة العبد وإرادته، التابعة لمشيئة الله وإرادته، وذلك عدلٌ من الله سبحانه، قال الله : ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ ، أي: طريقَي الخير والشرِّ، وقال: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ ،. وقال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً﴾ ، والهدايةُ هدايتان: هدايةُ الدَّلالة والإرشاد، وهذه حاصلةٌ لكلِّ أحد، وهداية التوفيق، وهي حاصلةٌ لِمَن شاء اللهُ هدايتَه، ومن أدلَّة الهداية الأولى قول الله لنبيِّه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ، أي: أنَّك تدعو كلَّ أحد إلى الصراط المستقيم، ومن أدلَّة الهداية الثانية قول الله : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ، وقد جمع الله بين الهدايتَين في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ، فقوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ﴾ أي: كلَّ أحد، فحُذف المفعول لإرادة العموم، وهذه هي هداية الدلالة والإرشاد، وقوله: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ، أظهرَ المفعولَ لإفادة الخصوص، وهي هداية التوفيق. وقد أورد شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – ﵀ – في كتابه دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في سورة الشمس حكايتَين

стр. 109

توضِّحان فسادَ مذهب المعتزلة في باب القضاء والقدر، فقال: "ولَمَّا تناظر أبو إسحاق الإسفرائينِي مع عبد الجبار المعتزلي، قال عبد الجبار: سبحان مَن تنَزَّه عن الفحشاء، وقصْدُه أنَّ المعاصي كالسرقة والزنى بمشيئة العبد دون مشيئة الله؛ لأنَّ الله أعلَى وأجَلُّ من أن يشاء القبائح في زعمهم، فقال أبو إسحاق: كلمةُ حقٍّ أُريد بها باطل، ثم قال: سبحان مَن لا يقع في ملكه إلاَّ ما يشاء، فقال عبد الجبار: أتراه يخلقه ويُعاقبُنِي عليه؟ فقال أبو إسحاق: أتراك تفعله جبراً عليه؟ أأنتَ الرَّب وهو العبد؟! فقال عبد الجبار: أرأيتَ إن دعانِي إلى الهُدى، وقضى عليَّ بالرَدَى، أتراه أحسن إليَّ أم أساء؟ فقال أبو إسحاق: إن كان الذي منعك منه مُلكاً لك فقد أساء، وإن كان له: فإن أعطاك ففضل، وإن منعك فعدل، فبُهت عبد الجبار، وقال الحاضرون: والله! ما لهذا جواب! وجاء أعرابِيٌّ إلى عمرو بن عُبيد وقال: ادعُ اللهَ لي أن يرُدَّ عليَّ حمارةً سُرقت منِّي، فقال: اللَّهمَّ إنَّ حمارتَه سُرقت ولَم تُرِدْ سرقتَها فاردُدْها عليه، فقال الأعرابِيُّ: يا هذا! كُفَّ عنِّي دُعاءَك الخبيث؛ إن كانت سُرقَت ولَم يُرِدْ سرقتَها، فقد يريد رَدَّها ولا تُرَدُّ". ١٣ قوله: "الباعثُ الرُّسُل إليهِم لإقَامَةِ الحُجَّةِ عَلَيهم". ١ أعظمُ نعم الله على عباده أن أرسل إليهم رسُلاً وأنزل كتُباً؛ لهدايتهم إلى الصراط المستقيم، وإخراجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربِّهم، وإقامة الحجَّة عليهم، قال الله : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا

стр. 110

مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ، وقال: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ، وقال: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ، وقال: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ﴾ ٢ الإيمانُ بالرُّسل من أصول الإيمان، وكذا الإيمان بالكتب، قال الله : ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ، وقال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ ، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً﴾ ، وفي حديث جبريل المشهور أنَّه لَمَّا سأل الرسولَ ﷺ عن الإيمان، قال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكُتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرِّه" وهو في صحيح مسلم من حديث عمر ﵁. ٣ رسُل الله منهم مَن قصَّهم علينا في القرآن ومنهم من لم يقصُصْ، قال الله : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ ، وجملةُ الذين قصَّهم علينا في القرآن خمسة وعشرون، جاء في سورة الأنعام ثمانية عشر منهم في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلّاً هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ

стр. 111

الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلّاً فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ، والباقون: محمد وآدم وهود وشعيب وصالح وذو الكفل وإدريس. والواجب هو الإيمان بالرُّسل والأنبياء جميعاً مَن قُصَّ ومَن لم يُقصَّ، ومَن كذَّب واحداً منهم فقد كذَّب جميعَهم، قال الله : ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ ، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ ، ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ ، ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ لْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ فقد كذَّبت كلُّ أمَّة رسولَها، وأضاف إليها تكذيب المرسلين؛ لأنَّ تكذيبَ واحد منهم تكذيبٌ لجميعهم، ومَن آمن برسول وكذَّب بغيره فهو مُكذِّبٌ بذلك الرسول الذي يزعم أنَّه آمن به. ٤ وأمَّا الفرق بين النَّبِيِّ والرسول فقد اشتهر أنَّ النَّبِيَّ هو مَن أُوحي إليه بشرع ولم يُؤمَر بتبليغه، والرسولَ هو مَن أُوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه، لكن هذا التفريق قد جاء في بعض الأدلَّة ما يدلُّ على عدم صحَّته، قال الله : ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ﴾ ، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ، وذلك يدلُّ على أنَّ النَّبِيَّ مرسَلٌ مأمورٌ بالتبليغ، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ الآية، فهذه الآيةُ تدلُّ على أنَّ أنبياءَ بنِي إسرائيل من بعد موسى يَحكمون بالتوراة ويدعون إليها، وعلى هذا فيُمكن أن يُقال في الفرق بين الرسول والنَّبِيِّ: إنَّ الرَّسولَ مَن أُوحي إليه بشرع وأُنزل عليه كتاب، والنَّبِيَّ هو الذي أُوحي إليه بأن يُبلِّغ رسالةً سابقة، وهذا هو المتَّفق مع الأدلَّة، لكن يبقى

стр. 112

عليه إشكال، وهو أنَّ من المرسَلين مَن وُصف بأنَّه نبِيٌّ رسول، كما قال الله في نبيِّنا محمد ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ ، وقال في موسى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً﴾ ، وقال في إسماعيل: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً﴾ ، ونبيُّنا محمد ﷺ نَزَل عليه الوحيُ أوَّلاً ولم يُؤمَر بالتبليغ، ثم أُمر بعد ذلك بالتبليغ بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ولهذا قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب – ﵀ – في الأصول الثلاثة: "نُبِّئ ب ﴿اقْرَأْ﴾ ، وأُرسل ب ﴿الْمُدَّثِّرُ﴾ ، وعلى هذا فيُقال: النَّبِيُّ مَن أُوحي إليه ولم يُؤمَر بالتبليغ في وقت ما، أو أُمر بأن يبلِّغ شريعة سابقة. ١٤ قوله: "ثُمَّ خَتَمَ الرِّسالةَ والنَّذَارَةَ والنُّبُوَةَ بمحمَّد نَبيِّه ﷺ ، فجَعَلَه آخرَ المرْسَلين، بَشِيراً ونَذِيراً، وداعياً إلى الله بإذنِه وسِرَاجاً منيراً، وأنزَلَ عَليه كتابَه الحَكِيمَ، وشَرَحَ به دينَه القَويمَ، وهَدَى به الصِّرَاطَ المستَقيمَ". أعظمُ نعمة أنعم الله تعالى بها على الجنِّ والإنس في آخر الزمان أن بعث فيهم رسوله الكريم محمداً ﷺ ، فدلَّهم على كلِّ خير، وحذَّرهم من كلِّ شرٍّ، قال الله : ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ، وقال: ﴿مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا

стр. 113

كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ وقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ ، وقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ، وقال: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً﴾ ، وقال: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ. قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وأمَّةُ نبيِّنا محمد ﷺ أمَّةُ دعوة وأمَّةُ إجابة، فأمَّةُ الدعوة كلُّ إنسيٍّ وجنِيٍّ من حين بعثته ﷺ إلى قيام الساعة، وأمَّة الإجابة هم الذين وفَّقهم الله للدخول في دينه الحنيف، فشريعتُه ﷺ لازمةٌ للجنِّ والإنس، والدعوة إليها مُوجَّهةٌ لهم جميعاً، ليست لأحد دون أحد، بل هي للجميع، قال رسول الله ﷺ : "والذي نفس محمد بيده لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمَّة: يهودي ولا نصراني، ثمَّ يموت ولم يُؤمن بالذي أُرسلتُ به، إلاَّ كان من أصحاب النار" رواه مسلم (٢٤٠) . فاليهود والنصارى بعد بعثة نبيِّنا محمد ﷺ ، لا ينفعُهم زعمُهم أنَّهم أتباعُ موسى وعيسى، بل يتعيَّنُ عليهم الإيمانُ بنبيِّنا محمد ﷺ ، الذي نسخت شريعتُه الشرائعَ قبلها، وخُتم به النبيُّون، قال الله : ﴿مَا

стр. 114

كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ . وقوله: "وأنزَلَ عَليه كتابَه الحَكِيمَ، وشَرَحَ به دينَه القَويمَ"، قال الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً﴾ ، فهذه الآية تدلُّ على أنَّ القرآنَ مُهيمنٌ على الكتب السابقة، وسنَّة رسول الله شارحةٌ للكتاب وموضِّحة له، كما قال الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ، ولا بدَّ من العمل بما جاء في الكتاب والسُّنَّة، ومن كفر بالسُّنَّة فقد كفر بالقرآن، والله فرض الصلوات الخمس والزكاة والصيام والحج، وبيانُها وبيان غيرها حصل بالسُّنَّة، فالله قد أمر بإقام الصلاة، وبيَّنت السُّنَّة أوقاتَ تلك الصلوات وعدد ركعاتها، وبيَّنت كيفياتها، وقال ﷺ : "صلُّوا كما رأيتُمونِي أُصلِّي" رواه البخاري (٦٣١) . وأمر بإيتاء الزكاة، وبيَّنت السُّنَّة شروطَ وجوبها، وأنصباءها ومقاديرها، وأمر بالصيام، وبيَّنت السُّنَّة أحكامَه ومُفطِّراته. وأمر بالحجِّ، وبيَّن الرسول ﷺ كيفياته، وقال: "لتأخذوا مناسككم، فإنِّي لا أدري لعلِّي لا أحجُّ بعد حَجَّتِي هذه" رواه مسلم (١٢٩٧) . وقوله: "وهدى به الصراطَ المستقيم"، قال الله : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ، وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ، وقال الله : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ، فسبيلُ الهداية مقصورٌ على اتِّباع النَّبِيِّ ﷺ ، ولا يُعبَدُ اللهُ إلاَّ بما جاء به رسوله الكريم ﷺ ، ولا طريق يُوصلُ إلى الله إلاَّ باتِّباع ما جاء به ﷺ .

стр. 115

وحاجةُ المسلم إلى الهداية إلى الصراط المستقيم أعظمُ من حاجته إلى الطعام والشراب؛ لأنَّ الطعامَ والشرابَ زادُه في الحياة الدنيا، والصراطَ المستقيم زادُه للدار الآخرة، ولهذا جاء الدعاءُ لطلب الهداية إلى الصراط المستقيم في سورة الفاتحة، التي تجب قراءتُها في كلِّ ركعة من ركعات الصلاة، سواء كانت فريضةً أو نافلةً، قال الله : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ، فالمسلمُ يدعو بهذا الدعاء باستمرار ليهديه ربُّه صراطَ المنعَم عليهم من النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين، وأن يُجنِّبَه طريق المغضوب عليهم والضالِّين، من اليهود والنصارى وغيرهم من أعداء الدِّين. وهدايةُ النَّبِيِّ ﷺ الجنَّ والإنسَ إلى الصراط المستقيم هو النور الذي وصفه الله به في قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ ، فقد وصفه الله في هذه الآية بأنَّه سراجٌ منير، يُضيء به للعباد الطريقَ إليه ، وهذا أيضاً هو معنى النور الذي وصف به القرآن في قوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ، فنور القرآن ما اشتمل عليه من الهداية إلى الصراط المستقيم. ١٥ قوله: "وأنَّ السَّاعةَ آتيَةٌ لا رَيْبَ فيها، وأنَّ اللهَ يَبعَثُ مَن يَموتُ، كما بدأَهم يعودون". ١ علمُ قيام الساعة اختصَّ به الله ، ففي صحيح البخاري (٤٦٩٧) أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مفاتيحُ الغيب خمسٌ لا يعلمها إلاَّ الله"، وآخرها: "ولا يعلمُ متى تقوم الساعةُ إلاَّ الله".

стр. 116

وكان ﷺ عندما يُسأل عنها يُجيب بذكر بعض أماراتها، فلا يَعلمُ أحدٌ غير الله في أيِّ سنة وفي أيِّ شهر وفي أيِّ يوم من الشهر يكون قيامها، وقد جاء في السُّنَّة عن الرسول ﷺ أنَّها تقوم يوم الجمعة، قال: "خيرُ يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خُلق آدم، وفيه أُدخلَ الجنَّة، وفيه أُخرجَ منها، ولا تقوم الساعةُ إلاَّ في يوم الجمعة" رواه مسلم (٨٥٤) . ٢ والساعةُ تُطلقُ ويُراد بها الموت عند النفخ في الصور، كما قال ﷺ : "لا تقومُ الساعة إلاَّ على شرار الناس" رواه مسلم (٢٩٤٩) وكلُّ مَن مات قبل ذلك فقد جاءت ساعتُه وقامت قيامتُه، وانتقل من دار العمل إلى دار الجزاء. وتُطلقُ ويُرادُ بها البعث، كما قال الله في آل فرعون ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ، وقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ ، وهم إنَّما أنكروا البعثَ كما قال الله : ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ٣ قوله: "وأنَّ السَّاعةَ آتيَةٌ لا رَيْبَ فيها، وأنَّ اللهَ يَبعَثُ مَن يَموتُ، كما بدأَهم يعودون"، قال الله : ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ ، وقال ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ، وقد نصَّ في هذه الآية على بعث مَن في القبور؛ إذ الغالب على الناس أنَّهم يُدفنون في القبور،

стр. 117

والبعثُ يكون لكلِّ مَن مات قُبرَ أو لم يُقبَر، كما قال الله : ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ، وعبارةُ المؤلِّف: "وأنَّ اللهَ يبعث مَن يموت" تشملُ كلَّ مَن مات قُبر أو لَم يُقبَر، ولعلَّه اختار هذه العبارةَ لشمولِها. ٤ كثيراً ما يأتي في القرآن تقريرُ أمر البعث ببيان ثلاثة أمور: الأمر الأول: التنبيهُ بخلق الإنسان أوَّلَ مرَّة، قال الله : ﴿أَوَلَمْ يَرَ الأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ ، وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ، وقال: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ، وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ الأمر الثاني: التنبيه بإحياء الأرض بعد موتها، قال الله : ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ

стр. 118

شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ، وقال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ،وقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ، وقال : ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ، وقال: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ . الأمر الثالث: التنبيهُ بخلق السموات والأرض وهو أعظم من خلق الناس، قال الله : ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ، وقال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ﴾ ، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً﴾ ، وقال: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ الآيات.

стр. 119

٥ البعثُ يوم القيامة يكون بإعادة الأجساد التي كانت في الدنيا لتلقى مع الأرواح الثواب والعقاب، وليس لأجساد جديدة لم تكن موجودةً في الدنيا، وهذا هو الذي استبعده الكفَّارُ وأنكروه، قال الله : ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ ، فبيَّن سبحانه أنَّه عالِم بكلِّ ذَرَّة من ذرَّات أجسادهم التي تنقصها الأرض منهم، فيُعيدُها كما كانت فيبعث ذلك الميت بجسده الذي كان عليه في الدنيا، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ، والمعنى كما ذكر ابن كثير عن جماعة من السلف أنَّ إبراهيم ﵊ قطع الطيورَ الأربعة وخلط لحومَها، وجعل على كلِّ رأس جبل منها قطعة، ثم دعاهنَّ فتجمَّعت أجزاءُ كلِّ طائر، حتى عادت الطيورُ على ما كانت عليه، وأتت إليه سعياً. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ، وهذه الآياتُ تدلُّ على أنَّ الأجسادَ التي في الدنيا هي التي أُعيدَت وشهدت

стр. 120

الأسماعُ والأبصارُ والجلودُ بالمعاصي التي عملها أصحابُها. ومثل هذه الآيات قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . ويدلُّ على ذلك من السُّنَّة حديث قصَّة الرَّجل الذي أوصى بَنِيه إذا مات أن يحرقوا جسدَه ويَرموا جزءاً من رماده في البَرِّ وجزءاً منه في البحر، فأمر الله البحرَ بأن يُخرج ما فيه، والبَرَّ بأن يُخرج ما فيه، حتى عاد الجسدُ كما كان، والحديث رواه البخاري (٧٥٠٦) ، ومسلم (٢٧٥٦) من حديث أبي هريرة ﵁. ١٦ قوله: "وأنَّ اللهَ ضاعَفَ لعباده المؤمنين الحسَنات، وصَفَحَ لهم بالتَّوبَة عن كبائرِ السيِّئات، وغَفَرَ لهم الصَّغائِرَ باجْتناب الكبائِر، وجَعَلَ مَن لَم يَتُبْ مِنَ الكبائر صَائراً إلى مَشيئَتِه ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ . ١ من فضل الله على عباده أنَّه يُضاعف لهم الحسنات، ومن عدله أنَّه يَجزي على السيِّئة مثلَها، قال الله : ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ ، وقال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ، وقال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ، وقال: ﴿مَثَلُ

стр. 121

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ، وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ ، وقال ﷺ : "كلُّ عمل ابن آدم يُضاعف؛ الحسنةُ بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله : إلاَّ الصوم فإنَّه لِي وأنا أجزي به. . . " الحديث، رواه مسلم (١١٥١) من حديث أبي هريرة ﵁. وفي صحيح البخاري (٦٤٩١) ومسلم (١٣١) عن ابن عباس ﵄، عن النَّبِيِّ ﷺ فيما يرويه عن ربِّه قال: "إنَّ الله كتب الحسنات والسيِّئات، ثمَّ بيَّن ذلك، فمَن همَّ بحسنة فلَم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو همَّ بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومَن همَّ بسيِّئة فلَم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو همَّ بها فعملها كتبها الله له سيِّئة واحدة". ومن فضل الله وإحسانه أنَّ العبدَ إذا كان يعملُ أعمالاً صالِحةً، وشغله عنها مرضٌ أو سفر كتب اللهُ له في حال سفره ومرضه مثل ما كتب له في حال صحَّته وإقامته؛ لقوله ﷺ : "إذا مرض العبدُ أو سافر كُتب له مثلُ ما كان يعملُ مقيماً صحيحاً" رواه البخاري (٢٩٩٦) عن أبي موسى ﵁. ٢ الفرقُ بين الكبيرة والصغيرة، أنَّ الكبيرةَ هي ما جُعل له حدٌّ في الدنيا أو توعد عليه بلعنة أو غضب أو نار أو حبوط عمل ونحو ذلك، والصغيرة ما لم تكن كذلك.

стр. 122

والكبائر تُكفِّرُها التوبةُ؛ قال الله : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ . وللتوبة النَّصوح شروطٌ ثلاثة: الأول: أن يُقلعَ عن الذنب بأن يتركه ويبتعد عنه. الثاني: أن يندمَ على ما مضى من فعل الذنب. الثالث: أن يعقدَ العزم على أن لا يعودَ إليه. وإذا كان الذنب يتعلَّق بحقوق الآدميِّين فيُضاف إلى ما تقدَّم شرطٌ رابع، وهو أن يَردَّ الحقوقَ إلى أهلها إن كانت أموالاً، أو يستبيحَهم منها إذا كانت غيبة لهم أو كذباً عليهم، ونحو ذلك، قال الله : ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ، وقال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ، والآيةُ تدلُّ على أنَّ الكفرَ وهو أعظمُ الذنوب يغفره الله بالتوبة منه، والانتهاء عنه، وكلُّ الذنوب دون هذا الذنب فهي أولَى بالمغفرة إذا تيبَ منها. والكبيرةُ إذا كان لها حدٌّ في الدنيا وأُقيم على مَن ارتكبها، كان ذلك كفَّارةً له؛ لأنَّ إقامةَ الحدود عند أهل السُّنَّة والجماعة فيها جبر النَّقص، وفيها أيضاً الزَّجر لِمَن أُقيم عليه الحد وغيره عن فعل تلك الكبيرة، ويدلُّ

стр. 123

لذلك حديث عبادة بن الصامت ﵁: أنَّ رسول الله قال وحوله عصابة من أصحابه: "بايعونِي على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببُهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمَن وفَّى منكم فأجره على الله، ومَن أصاب من ذلك شيئاً فعُوقب به في الدنيا فهو كفَّارةٌ له، ومَن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستَرَه الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه، فبايعناه على ذلك" رواه البخاري (١٨) ، ومسلم (١٧٠٩) . ٣ الصغائرُ تُكفَّرُ بالأعمال الصالحة وباجتناب الكبائر، قال الله : ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ . وروى مسلم في صحيحه (٢٢٨) عن عثمان بن عفَّان ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ما من امرئ مسلم تحضره صلاةٌ مكتوبة، فيُحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلاَّ كانت كفَّارةً لِما قبلها من الذنوب ما لَم يؤت كبيرة، وذلك الدَّهر كلّه". وروى مسلم أيضاً (٢٣٣) عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ كان يقول: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفِّرات ما بينهنَّ إذا اجتُنبت الكبائر". والصغيرةُ تضخم وتعظم إذا أُصِرَّ عليها، والكبيرةُ تتضاءل وتتلاشى إذا نُدم على فعلها، كما قال ابن عباس ﵄: "لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار". ٤ إذا مات المسلمُ مرتكباً كبيرةً ولم يَتُبْ منها، فإنَّ أمرَه إلى الله ، إن شاء عذَّبه وإن شاء عفا عنه، قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ

стр. 124

أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ ، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ ، وقال ﷺ في حديث عبادة بن الصامت الذي تقدَّم قريباً: ". . . ومَن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستَرَه الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه". ١٧ قوله: "ومَن عاقَبَه اللهُ بنارِه أخرجه مِنها بإيمانِه، فأدخَلَه به جَنَّتَه ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ ، ويُخرِجُ منها بشفاعَة النَّبِيِّ ﷺ مَن شَفَعَ لَه مِن أهلِ الكبائِر مِن أمَّتِه". مَن ارتكب كبيرةً وتاب منها تاب الله عليه، ومَن ارتكب كبيرةً ومات من غير توبة فأمرُه إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذَّبه، كما قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ، والذين يدخلون النارَ صنفان: أحدهما: الكفَّار، وهؤلاء يبقون في النار أبد الآباد، لا سبيل لهم إلى الخروج منها، كما قال الله : ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ . والصنف الثاني: مسلمون عُصاة، وهؤلاء إذا دخلوا النارَ عُذِّبوا فيها على قدر جُرمهم، ثم يخرجون منها بما عندهم من الإيمان وشفاعة الشافعين، قال رسول الله ﷺ : "يُدخل اللهُ أهلَ الجنَّة الجنَّة، يُدخلُ مَن يشاء برحمته، ويُدخل أهلَ النار النار، ثم يقول: انظروا مَن وجدتُم في قلبه

стр. 125

مثقال حبَّة من خردل من إيمان فأخرجوه، فيُخرَجون منها حُمَماً قد امتُحشوا، فيُلْقَون في نهر الحياة أو الحيا، فيَنبتُون فيه كما تنبُت الحبَّة إلى جانب السَّيل، ألَم تروها كيف تخرج صفراء مُلتوية؟ " رواه البخاري (٢٢) ومسلم (٣٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. وقال رسول الله ﷺ : "لكلِّ نَبِيٍّ دعوةٌ مستجابة، فتعجَّلَ كلُّ نَبِيٍّ دعوتَه، وإنِّي اختبأتُ دعوتِي شفاعة لأمَّتِي يوم القيامة، فهي نائلةٌ إن شاء الله مَن مات من أمَّتِي لا يُشرك بالله شيئاً" رواه البخاري (٦٣٠٤) ، ومسلم (٣٣٨) واللفظ له من حديث أبي هريرة ﵁. وأحاديثُ الشفاعة في خروج العُصاة من النار متواترةٌ، وأمَّا ما جاء من ذكر الخلود في النار لبعض العُصاة، كما في قوله : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ ، وكما في قوله ﷺ : "مَن تردَّى من جبل فقتل نفسَه فهو في نار جهنَّم يتردَّى فيها خالداً مُخلَّداً فيها أبداً، ومن تَحسَّى سُمًّا فقتلَ نفسَه، فسُمُّه في يده يتحسَّاه في نار جهنَّم خالداً مُخلَّداً فيها أبداً، ومَن قتل نفسَه بحديدة، فحديدتُه في يده يَجأُ بها في بطنه في نار جهنَّم خالداً مُخلَّداً فيها أبداً" رواه البخاري (٥٧٧٨) ومسلم (١٧٥) من حديث أبي هريرة ﵁، فإنَّ ذلك الخلودَ خلودٌ نسبِيٌّ، يُرادُ به طول البقاء، لكنَّه ليس كخلود الكفَّار الذين يبقون في النار إلى غير نهاية؛ لأنَّ كلَّ ذنب دون الشِّرك تحت مشيئة الله، كما قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ .

стр. 126

١٨ قوله: "وأنَّ اللهَ سبحانه قد خَلَقَ الجَنَّةَ فأَعَدَّها دارَ خُلُود لأوليائِه، وأكرَمهم فيها بالنَّظر إلَى وَجْهِه الكريم، وهي الَّتِي أَهْبَطَ منها آدَمَ نبِيَّه وخلِيفَتَه إلى أَرضِه، بِما سَبَقَ فِي سابِق عِلمِه، وخَلَق النَّارَ فأعَدَّها دَارَ خُلُود لِمَن كَفَرَ به وألْحَدَ في آياتِه وكتُبه ورُسُلِه، وجَعَلَهم مَحجُوبِين عن رُؤيَتِه". ١ الجنَّةُ والنَّارُ مخلوقتان موجودتان الآن، أعدَّ الله الجنَّةَ لأوليائه، وأعدَّ النَّارَ لأعدائه، فمن الآيات التي فيها إعداد الجنَّة لأوليائه قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ، وقوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ، وقوله: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ . ومن الآيات التي فيها إعداد التار لأعدائه قوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ ، وقوله: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ، وقوله: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ، ويدلُّ من السُّنَّة لكون الجنَّة والنَّار موجودتَين الآن حديث ابن عباس ﵄ في صلاة الكسوف، وفيه: "قالوا: يا رسول الله! رأيناك تناولتَ شيئاً في مقامك، ثم رأيناك كَعْكَعْتَ، قال ﷺ : إنِّي رأيتُ الجنَّةَ، فتناولتُ عنقوداً، ولو أصبته لأكلتُم منه ما بقيت الدنيا، وأُريتُ النار، فلَم أرَ منظَراً كاليوم

стр. 127

قطُّ أفظع، ورأيتُ أكثرَ أهلها النساء. . . " الحديث، رواه البخاري (١٠٥٢) ، ومسلم (٩٠٧) . وأمَّا ما جاء عن بعض المبتدعة كالمعتزلة من أنَّهما لا تُخلقان إلاَّ يوم القيامة؛ لأنَّ خلقَهما قبل ذلك عبثٌ، حيث إنَّهما تبقيان مدَّة طويلة دون أن ينتفع بالجنَّة أحدٌ ودون أن يتضرَّر بالنَّار أحد، فذلك قولٌ باطل، ويدلُّ لبطلانه وجوه: الأول: ما جاء في الآيات والأحاديث الدَّالة على خَلْقِهما ووجودِهما قبل يوم القيامة، ومن ذلك ما تقدَّم قريباً. الثاني: أنَّ وجودَ الجنَّة فيه ترغيبٌ بها وتشويقٌ إليها، ووجودَ النار فيه تحذيرٌ منها وتخويف. الثالث: أنَّه قد جاء في نصوص الكتاب والسُّنَّة ما يدلُّ على حصول الانتفاع بنعيم الجنَّة قبل يوم القيامة، وما يدلُّ على التضرُّر بعذاب النار قبل يوم القيامة، قال الله في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ، فالآيةُ تدلُّ على أنَّهم يُعذَّبون في النار وهم في قبورهم، وإذا حصل البعث انتقلوا إلى عذاب أشدَّ. وأمَّا الجنَّة فقد جاء في الحديث أنَّ أرواح الشهداء في أجواف طير خُضر، لها قناديل معلَّقة بالعرش، تسرحُ من الجنَّة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، رواه مسلم (١٨٨٧) عن عبد الله بن مسعود ﵁، وروى الإمام أحمد في مسنده (١٥٧٧٨) عن الإمام الشافعي، عن الإمام مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "إنَّما نسَمة المؤمن طائرٌ يعلقُ في شجر الجنَّة حتى يُرجعه

стр. 128

الله ﵎ إلى جسده يوم يبعثُه"، وهو حديث صحيح، في إسناده ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المشهورة لأهل السنَّة، قال الإمام ابن كثير في تفسيره عند قول الله : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ : "وقد رُوِّينا في مسند الإمام أحمد حديثاً فيه البشارة لكلِّ مؤمن بأنَّ روحَه تكون في الجنَّة تسرَح أيضاً فيها وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النَّضرة والسرور، وتشاهدُ ما أعدَّ الله لها من الكرامة، وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمَّة الأربعة أصحاب المذاهب المتَّبَعة" ثم ذكر سندَ الحديث ومتنَه. وفي حديث البراء بن عازب ﵁ الطويل في موعظته ﷺ عند القبر الذي يُلحَد، قال في المؤمن: " فأَفرِشوه من الجنَّة، وأَلبِسوه من الجنَّة، وافتحوا له باباً إلى الجنَّة، قال: فيأتيه من رَوْحها وطيبها، ويُفسَح له في قبره مدَّ بصره"، وقال في الكافر: "فأفرِشوا له من النَّار، وافتحوا له باباً إلى النَّار، فيأتيه من حرِّها وسَمومِها، ويضيق عليه قبرُه حتى تختلف أضلاعُه"، وهو حديث حسن، رواه أحمد في مسنده (١٨٥٣٤) . والأحاديث في عذاب القبر والاستعاذة بالله منه كثيرة، وهذه الأدلَّة تدلُّ على أنَّ المؤمنين يُنعَّمون في قبورهم، والكافرين يُعذَّبون فيها، والنَّعيمُ والعذابُ يكون للأرواح والأجساد. ٢ الجنَّة والنَّارُ باقيتان لا تفنيان ولا تبيدان، وأهل الجنَّة منَعَّمون فيها إلى غير نهاية، والكفَّار مُعذَّبون في النار إلى غير نهاية، ومن الآيات التي جاءت في بقاء الجنَّة وخلودِ أهلها فيها قول الله : ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً

стр. 129

وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ ومن الآيات التي جاءت في بقاء النار وخلود الكفار فيها قول الله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ،وقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ وقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ وقوله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً﴾ ، وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ وبقاءُ الجنَّة والنَّار وخلودُ أهلهما فيهما إلى غير نهاية لا يُنافي كون الله الآخرَ الذي ليس بعده شيء؛ لأنَّ بقاءَ الله لازمٌ لذاته،

стр. 130

وبقاءَ الجنَّة والنار وأهلهِما فيهما حصل بإبقاء الله لهما، وليس لهما إلاَّ الفناء لولا إبقاء الله لهما، وقد تقدَّمت الإشارةُ إلى هذا عند قول المؤلِّف: "ليس لأوليَّته ابتداء، ولا لآخريَّته انقضاء". ٣ قوله: "وهي الَّتِي أَهْبَطَ منها آدَمَ نبِيَّه وخلِيفَتَه إلى أَرضِه، بِما سَبَقَ فِي سابِق عِلمِه"، هذا أحدُ أقوال ثلاثة في المراد بالجنَّة التي أُهبط منها آدم إلى الأرض، وهو أظهرُها. والقول الثاني: أنَّها جنَّة في مكان عالٍ من الأرض. والقول الثالث: التوقُّف. وقد ذكر ابن القيم الخلافَ وأدلَّةَ أصحاب القول الأول والثاني، وإجابةَ كلٍّ منهما عمَّا استدلَّّ به الآخر، ولَم يُرجِّح شيئاً، وذلك في كتابه حادي الأرواح (ص: ١٦ ٣٢) ، وفي قصيدته الميمية ما يدلُّ على ترجيحه القولَ الأول، حيث قال: فحيَّ عل جنَّات عدن فإنَّها ... منازلك الأولَى وفيها المخيَّم ولكنَّنا سَبي العدو فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا ونسلَّم ٤ رؤية المؤمنين ربَّهم بأبصارهم في الدار الآخرة، هي أكبر نعيم يحصل لهم في دار النَّعيم، وقد دلَّ على ذلك الكتاب والسُّنَّة والإجماع، فمن أدلَّة الكتاب قول الله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ،وقوله: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ قال الشافعي ﵀: "لَمَّا حُجب هؤلاء في حال السخط، دلَّ على أنَّ المؤمنين يرونه في حال الرِّضَى"، وقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ الحُسنَى: الجنَّة، والزيادة: النَّظرُ إلى وجه الله ، فسَّرها بذلك رسول الله

стр. 131

صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح مسلم (٢٩٧) عن صُهيب ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "إذا دخل أهلُ الجنَّة الجنَّة، قال: يقول الله ﵎: تريدون شيئاً أزيدُكم؟ فيقولون: ألَم تبيِّض وجوهَنا؟ ألَم تُدخلنا الجنَّة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أُعطُوا شيئاً أحبَّ إليهم من النظر إلى ربِّهم ، ثم تلا هذه الآية ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ". وقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ وهو يدلُّ على إثبات الرؤية بدون إدراك، فهو يُرى ولا يُدرَك، أي: لا يُحاطُ به رؤيةً، كما أنَّه يُعلمُ ولا يُحاطُ به علماً، ونفيُ الإدراك وهو أخصُّ، لا يستلزم نفي الرؤية وهي أعمُّ. وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً﴾ ، وموسى ﵊ سأل اللهَ أمراً مُمكناً، ولَم يسأله مستحيلاً، والله شاء ألاَّ يُرَى إلاَّ في الدار الآخرة؛ لأنَّ رؤيتَه أكملُ نعيم يكون فيها، وقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ، أي: في الدنيا. وقد ذكر ابن القيم – ﵀ – هذه الأدلَّة من الكتاب وغيرها في كتاب حادي الأرواح (ص: ١٧٩ ١٨٦) ، ثم ذكر الأدلَّة من السُّنَّة عن سبعة وعشرين صحابيًّا، وساق أحاديثهم، ثم ذكر الآثارَ عن الصحابة والتابعين ومَن بعدهم من أهل السُّنَّة والجماعة، وهي تدلُّ على الاتِّفاق والإجماع على ذلك من الصحابة ومَن سار على طريقتهم.

стр. 132

١٩ قوله: "وأنَّ اللهَ ﵎ يَجيءُ يَومَ القيامَةِ وَالمَلَكُ صَفًّا صَفًّا؛ لِعَرْضِ الأُمَمِ وَحِسَابِهَا وعقُوبَتِها وثَوابِها، وتُوضَعُ الموازِينُ لَوَزْنِ أَعْمَالِ العِبَادِ، فمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأولئك هم المُفلِحون، ويُؤْتَوْنَ صَحائِفهم بأعمَالِهم، فمَن أُوتِي كتابَه بيمينه فسوف يُحاسَبُ حِساباً يَسيراً، ومَن أُوتِي كتابَه ورَاء ظَهْرِه فأولئِك يَصْلَوْنَ سَعيراً". ١ مجيءُ الله يوم القيامة لفصل القضاء من صفات أفعاله، يفعلُ ما يشاء ويحكم ما يريد، والقولُ في المجيء كالقول في سائر الصفات، أنَّه على ما يليق بالله، من غير تكييف أو تمثيل، ومن غير تأويل أو تعطيل، قال الله : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ ، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "يعنِي لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعدما يستشفعون إليه بسيِّد ولد آدم على الإطلاق محمد صلوات الله وسلامه عليه، بعدما يسألون أولي العزم من الرُّسل واحداً بعد واحد، فكلُّهم يقول: لست بصاحب ذاكم، حتى تنتهي النَّوبةُ إلى محمد ﷺ ، فيقول: أنا لها، أنا لها، فيذهبُ فيشفعُ عند الله تعالى في أن يأتي لفصل القضاء، فيشفِّعُه الله تعالى في ذلك، وهي أول الشفاعات، وهي المقام المحمود كما تقدَّم بيانه في سورة سبحان، فيجيء الرَّبُّ ﵎ لفصل القضاء كما يشاء، والملائكةُ يجيئون بين يديه صفوفاً صفوفاً". وأولو العزم من الرُّسل المستَشفَع بهم قبل نبيِّنا محمد ﷺ هم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وهم المذكورون في سورتَي الأحزاب والشورى، في قول الله : ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ ، وقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا

стр. 133

وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ . ٢ يُعرَض العبادُ على الله فيُحاسبُهم على أعمالهم، قال الله : ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّة﴾ ، وقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ، وقال: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ ، وقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً وَيَصْلَى سَعِيراً﴾ ، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ . وقال رسول الله ﷺ : "مَن حوسب عُذِّب، قالت عائشة: فقلت: أوَليس يقول الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ ، قالت: فقال: إنَّما ذلكِ العَرْض، ولكن مَن نُوقش الحساب يهلك" رواه البخاري (١٠٣) ، ومسلم (٢٨٧٦) .

стр. 134

٣ تُحصَى أعمال العباد ثمَّ توزَن، فمَن ثقلت موازينه نجا، ومن خفَّت موازينه هلك، قال الله : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ ، وقال: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ ، وقال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ ، وقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَه نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ وقال رسول الله ﷺ : "الطُّهور شطرُ الإيمان، والحمد لله تملأُ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تَملآن أو تَملأ ما بين السموات والأرض" رواه مسلم (٢٢٣) ، وقال رسول الله ﷺ : "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللِّسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" رواه البخاري (٧٥٦٣) ، ومسلم (٢٦٩٤) . والأعمالُ وإن كانت أعراضاً فالله يجعلها أجساماً توضَع في الميزان، والحكمة من وزن أعمال العباد إظهار عدل الله وإيقاف العبد على أعماله؛ فإنَّه عليمٌ بكلِّ شيء. والوزنُ كما يكون للأعمال يكون لصحائف الأعمال، كما في حديث البطاقة والسِّجِلاَّت، قال رسول الله ﷺ : "إنَّ اللهَ سيُخلِّصُ رجلاً

стр. 135

من أمَّتِي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاًّ، كلُّ سجِلٍّ مثلُ مدِّ البصر، ثمَّ يقول: أتُنكرُ من هذا شيئاً؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحافظون؟ فيقول: لا يا ربِّ! فيقول: أَفَلَك عُذر؟ فيقول: لا يا ربِّ! فيقول: بلى، إنَّ لك عندنا حسنة، فإنَّه لا ظُلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلاَّ الله وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُ الله ورسولُه، فيقول: احضُر وزنك، فيقول: يا ربِّ! ما هذه البطاقة أمام السِّجِلات؟ فقال: إنَّك لا تُظلَم، قال: فتُوضَع السِّجِلاَّت في كفَّة والبطاقة في كفَّة، فطاشت السِّجِلاَّت وثقلت البطاقةُ، فلا يثقُلُ مع اسم الله شيء" أخرجه الترمذي (٢٦٣٩) وحسَّنه، والحاكم (١/٦) وصحَّحه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وانظر: السلسلة الصحيحة للألباني (١٣٥) . ٢٠ قوله: "وأنَّ الصِّرَاطَ حَقٌّ، يَجُوزُه العبادُ بِقَدْرِ أعمالِهم، فناجُون مُتفاوِتُون في سُرعَة النَّجاةِ عليه مِن نار جَهَنَّم، وقَوْمٌ أَوْبَقَتْهُمْ فيها أعمالُهم". الصِّراطُ حقٌّ ثابتٌ بسُنَّة رسول الله ﷺ ، وهو جسرٌ منصوبٌ على متن جهنَّم، يَمرُّ عليه المسلمون للوصول إلى الجنَّة على قَدْر أعمالهم، فمنهم مَن يَمُرُّ كالبرق، ومنهم مَن يَمُرُّ كالرِّيح، ومنهم مَن يَزحف زحفاً، ففي صحيح البخاري (٨٠٦) ، ومسلم (٢٩٩) من حديث أبي هريرة ﵁، وفيه: "فيُضربُ الصِّراطُ بين ظهرانَي جهنَّم، فأكون أوَّلَ مَن يجوز من الرُّسل بأمَّته، ولا يتكلَّمُ يومئذ أحدٌ إلاَّ الرُّسُل، وكلامُ الرُّسل يومئذ: اللَّهمَّ

стр. 136

سلِّم سلِّم، وفي جهنَّم كلاليب مثل شَوك السَّعدان، هل رأيتُم شَوكَ السَّعدان؟ قالوا: نعم، قال: فإنَّها مثل شوك السَّعدان، غير أنَّه لا يَعلمُ قدر عِظَمها إلاَّ الله، تَخطفُ الناسَ بأعمالِهم، فمنهم مَن يُوبَقُ بعمله، ومنهم مَن يُخردَل ثم ينجو". وفي صحيح مسلم (٣٢٩) من حديث أبي هريرة وحذيفة ﵄، وفيه: "وتُرسَلُ الأمانةُ والرَّحم، فتقومان جنبَتَي الصِّراط يميناً وشمالاً، ويَمُرُّ أوَّلُكم كالبرق، قال: قلت: بأبي أنت وأمِّي! أيُّ شيء كمَرِّ البرق؟ قال: أوَ لَم ترَوا إلى البرق كيف يَمُرُّ ويرجع في طرفة عين؟ ثمَّ كمَرِّ الرِّيح، ثمَّ كمرِّ الطير وشدِّ الرِّجال، تجري بهم أعمالهم، ونبيُّكم قائمٌ على الصِّراط يقول: ربِّ سلِّم سلِّم! حتى تعجز أعمالُ العباد، حتَّى يجيء الرَّجل فلا يستطيع السيرَ إلاَّ زحفاً، قال: وفي حافتَي الصِّراط كلاليب معلَّقة، مأمورةٌ بأخذ مَن أُمرت به، فمخدوشٌ ناجٍ، ومكدُوسٌ في النَّار". وفي صحيح مسلم (٣٠٢) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وفيه: "ثمَّ يُضرَبُ الجسرُ على جهنَّم وتحلُّ الشفاعة، ويقولون: اللَّهمَّ سلِّم سلِّم، قيل: يا رسول الله! وما الجسرُ! قال: دحضٌ مزلَّة، فيه خطاطيفُ وكلاليبُ وحسك، تكون بنَجد فيها شُويْكةٌ يُقال لها السَّعدان، فيَمُرُّ المؤمنون كطرْف العين، وكالبرق، وكالرِّيح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والرِّكاب، فناجٍ مُسلَّمٌ، ومخدوشٌ مرسَل، ومكدوسٌ في نار جهنَّم".

стр. 137

٢١ قوله: "والإيمانُ بِحَوْض رسولِ الله ﷺ ، تَرِدُهُ أمَّتُهُ لاَ يَظْمَأُ مَن شَرب مِنه، ويُذَادُ عنه مَنْ بَدَّلَ وغَيَّرَ". أحاديثُ حوض نبيِّنا ﷺ متواترةٌ عن رسول الله ﷺ ، أورد البخاري– ﵀ – في باب: في الحوض، من كتاب الرقاق من صحيحه منها تسعة عشر طريقاً من (٦٥٧٥ ٦٥٩٣) ، وذكر الحافظ في الفتح أنَّ الصحابةَ فيها يزيدون على خمسين صحابيًّا، ذكر خمسة وعشرين منهم نقلاً عن القاضي عياض، وثلاثة نقلاً عن النووي، وزاد عليهما قريباً من ذلك، فزادوا على الخمسين صحابيًّا (١١/٤٦٨ ٤٦٩) ، وأورد الإمامُ ابن كثير في كتاب النهاية أحاديثَ الحوض عن أكثر من ثلاثين صحابيًّا (٢/٢٩ ٦٥) ، ذكرها بأسانيد الأئمَّة الذين خرَّجوها غالباً. ومٍِمَّا جاء في صفة حوض النَّبِيِّ ﷺ قولُه ﷺ : "حَوضِي مسيرة شهر، ماؤُه أبيضُ من اللَّبن، وريحُه أطيبُ من المسك، وكيزانُه كنجوم السماء، مَن شرب منها فلا يظمأ أبداً" رواه البخاري (٦٥٧٩) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، ورواه مسلمٌ في صحيحه (٢٢٩٢) ولفظُه: "حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، وماؤُه أبيضُ من الوَرِق، وريحُه أطيب من المسك، وكيزانُه كنجوم السماء، فمَن شرب منه فلا يظمأُ بعده أبداً". وفي صحيح مسلم (٢٣٠٠) من حديث أبي ذر ﵁، وفيه: "يشخبُ فيه ميزابان من الجنة، من شرب منه لَم يظمأ، عرضُه مثل طوله، ما بين عمَّان إلى أيلة، ماؤه أشدُّ بياضاً من اللَّبن، وأحلَى من العسل". ومن الناس مَن يُذادُ عن ورود الحوض، فقد روى البخاري في صحيحه (٦٥٧٦) عن ابن مسعود ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "أنا فرَطُكم

стр. 138

على الحوض، وليُرفعَنَّ رجالٌ منكم، ثمَّ ليُختلَجنَّ دونِي، فأقول: يا ربِّ أصحابي! فيُقال: إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك". والمراد بهؤلاء الأصحاب أُناسٌ قليلون ارتدُّوا بعد موت النَّبِيِّ ﷺ ، وقُتلوا على أيدي الجيوش المظفَّرة التي بعثها أبو بكر الصديق ﵁ لقتال المرتدِّين. والرافضةُ الحاقدون على الصحابة تزعمُ أنَّ الصحابةَ ارتدُّوا بعد وفاة النَّبِيِّ ﷺ إلاَّ نفراً يسيراً منهم، وأنَّهم يُذادون عن الحوض، والحقيقة أنَّ الرافضةَ هم الجديرون بالذَّود عن حوض رسول الله ﷺ ؛ لأنَّهم لا يغسلون أرجلَهم في الوضوء، بل يمسحون عليها، وقد قال رسول الله ﷺ : "ويلٌ للأعقاب من النار" أخرجه البخاري (١٦٥) ومسلم "٢٤٢) من حديث أبي هريرة ﵁، وليست فيهم سِيمَا التحجيل التي قال فيها رسول الله ﷺ : "إنَّ أمَّتِي يُدعون يوم القيامة غُرًّا مُحجَّلين من آثار الوضوء" أخرجه البخاري (١٣٦) من حديث أبي هريرة ﵁. وقد نبت في هذا الزمان نابتةٌ يزعم أنَّه من أهل السُّنَّة وهو ليس منهم، بل هو على طريقة الرافضة الحاقدين على الصحابة، وهو حسن بن فرحان المالكي، نسبة إلى بنِي مالك في أقصَى جنوب المملكة، وقد كتب رسالة سيِّئة بعنوان: "الصحابةُ بين الصحبة اللغوية والصُّحبة الشرعية" زعم فيها أنَّ الصحابةَ هم المهاجرون والأنصار قبل الحُديبية فقط، وأنَّ كلَّ مَن أسلَمَ وهاجر بعد الحُديبية أنَّه ليس له نصيبٌ في الصحبة الشرعية، وأنَّ صحبتَهم كصحبة المنافقين والكفار، فأخرج بذلك الكثيرين من أصحاب رسول الله ﷺ ، وفي مقدِّمتهم العباس بنُ عبد المطلب عمُّ رسول الله ﷺ ، وابنُه

стр. 139

عبد الله بن عباس حبر الأمَّة وترجمان القرآن، رضي الله تعالى عنه وعن أبيه وعن الصحابة أجمعين، كما أخرج أبا موسى الأشعريِّ وأبا هريرة وخالد ابن الوليد وغيرَهم مِمَّن لا يُحصون، وهو قولٌ مُحدَث في القرن الخامس عشر، لَم يسبقه إليه إلاَّ شابٌّ حديث السِّنِّ مثله اسمه عبد الرحمن بن محمد الحكمي، ومِمَّا جاء في كتابه السيِّء إنكارُ القول بعدالة الصحابة، وزعمُه أنَّ أكثرَ الصحابة يُذادون عن حوض الرسول ﷺ ، وأنَّه يُؤمَرُ بهم إلى النار، وأنَّه لا ينجو منهم إلاَّ القليل مثل همل النعم، وبهذا يتبيَّن مُماثلتُه للرافضة الحاقدين على الصحابة، وقد رددتُ عليه في كتاب بعنوان: "الانتصار للصحابة الأخيار في ردِّ أباطيل حسن المالكي". ومِمَّا جاء في الكتاب مِمَّا يتعلَّق بالذَّود عن الحوض ما يلي: السابع: (أي من وجوه الردِّ عليه في إنكاره عدالة الصحابة) قوله (ص: ٦٣) : "ومن الأحاديث في الذمِّ العامِّ: قول النَّبِيِّ ﷺ في أحاديث الحوض في ذهاب أفواجٍ من أصحابه إلى النَّار، فيقول النَّبِيُّ ﷺ : (أصحابي! أصحابي! فيقال: لا تدري ما أحدثوا بعدك) ، الحديث متفق عليه، وفي بعض ألفاظه في البخاري: (فلا أرى ينجو منكم إلاَّ مثل هَمَل النَّعَم) . فيأتي المعارِض للثناء العام بهذا الذمِّ العامِّ، ويقول: كيف تجعلون للصحابة ميزةً وقد أخبر النَّبِيُّ ﷺ أنَّه لا ينجو منهم إلاَّ القليلُ، وأنَّ البقيَّةَ يؤخذون إلى النَّار؟! ". وقال عن هذا الحديث أيضاً (ص: ٦٤) : "كما أخبر النَّبِيُّ ﷺ أنَّه لا ينجو من أصحابه يوم القيامة إلاَّ القليلُ (مثل همل النعم) ، كما ثبت في صحيح البخاري كتاب الرقاق".

стр. 140

ويُجابُ عنه بأنَّ لفظَ الحديث في صحيح البخاري في كتاب الرقاق (٦٥٨٧) عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "بينا أنا نائمٌ فإذا زمرةٌ، حتى إذا عرفتُهم خرج رجلٌ من بيني وبينهم، فقال: هلمَّ، فقلتُ: أين؟ قال: إلى النار والله! قلت: وماشأنُهم؟ قال: إنَّهم ارتدُّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثمَّ إذا زمرةٌ، حتى إذا عرفتُهم خرج رجلٌ من بيني وبينهم، فقال: هلمَّ، قلتُ: أين؟ قال: إلى النار والله! قلت: ماشأنُهم؟ قال: إنَّهم ارتدُّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أُراه يخْلُصُ منهم إلاَّ مثل همل النعم". قال الحافظ في شرحه: "قوله: (بينا أنا نائمٌ) كذا بالنون للأكثر، وللكشميهني (قائم) بالقاف، وهو أوجه، والمراد به قيامُه على الحوض يوم القيامة، وتوجه الأولى بأنَّه رأى في المنام في الدنيا ما سيقع له في الآخرة"، وقال أيضاً: "قوله: (فلا أُراه يخْلُصُ منهم إلاَّ مثل همل النعم) يعني من هؤلاء الذين دَنَوْا من الحوض وكادوا يَرِدونه فصُدُّوا عنه"، وقال أيضاً: "والمعنى أنَّه لا يرِدُه منهم إلاَّ القليل؛ لأنَّ الهمل في الإبل قليلٌ بالنسبة لغيره". واللفظُ الذي ورد في الحديث: "فلا أُراه يخْلُصُ منهم إلاَّ مثل همل النعم" أي من الزمرتين المذكورتين في الحديث، وهو لا يدلُّ على أنَّ الذين عُرضوا عليه هاتان الزمرتان فقط، والمالكي أورد لفظ الحديث على لفظ خاطئ لَم يرد في الحديث، وبناءً عليه حكم على الصحابة حكماً عاماًّ خاطئاً، فقال فيه: "وفي بعض ألفاظه في البخاري: (فلا أرى ينجو منكم إلاَّ مثل همل النعم) ، فجاء بلفظ "منكم" على الخطاب بدل "منهم"، وبناءً عليه قال: "كيف تجعلون للصحابة ميزة وقد أخبر النَّبِيُّ

стр. 141

صلى الله عليه وسلم أنَّه لا ينجو منهم إلاَّ القليل، وأنَّ البقية يُؤخذون إلى النار"، وقال: "كما أخبر النَّبِيُّ ﷺ أنَّه لا ينجو من أصحابه يوم القيامة إلاَّ القليل (مثل همل النعم) ، كما ثبت في صحيح البخاري كتاب الرقاق!! "، وهذا كذب على الرسول ﷺ ؛ فإنَّه لَم يُخبر أنَّ أصحابَه لَم يَنْجُ منهم إلاَّ القليل، ولعل هذا الذي وقع من المالكي حصل خطأً لا عمداً. وأمَّا ما جاء في بعض الأحاديث مِن أنَّه يُذاد عن حوضه أُناسٌ من أصحابه، وأنَّه يقول "أصحابي! " وفي بعض الألفاظ "أُصيْحابي! "، فيُقال: "إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك"، فهو محمولٌ على القلَّة التي ارتدَّت منهم بعد وفاة النَّبِيِّ ﷺ ، وقُتِلوا في ردَّتِهم على أيدي الجيوش المظفرة التي بعثها أبو بكر الصديق ﵁ . وأقول: إذا كان مصيرُ أكثر أصحاب رسول الله ﷺ إلى النار، وأنَّه لا ينجو منهم إلاَّ القليل: مثل هَمَل النَّعم بزعم هذا الزاعم، فليت شعري ما هو المصير الذي يُفكِّر به المالكي لنفسه؟! نسأل الله السلامةَ والعافية ونعوذ بالله من الخذلان. بل إنَّ الصُّحبةَ الشرعيَّة بزعم المالكي لَم تحصل إلاَّ للمهاجرين والأنصار قبل صلح الحُديبية، ومَن بعدهم ليسوا من الصحابة بزعمه، وعلى هذا فإنَّ قولَه: إنَّه لا ينجو من الصحابة إلاَّ القليل مثل هَمَل النَّعم، وأنَّ البقيَّة يُؤخذون إلى النار، يكون المراد به الصحابة الذين كانوا قبل الحديبية، فإذا كان أصحاب رسول الله ﷺ الذين هم خيرُ هذه الأمَّة لا يَسلَمون من النار، فمَن الذي يَسلَمُ منها؟! بل إنَّ اليهودَ والنصارى لَم يقولوا في أصحاب موسى وعيسى مثلَ هذه المقالة القبيحة.

стр. 142

وهذا يُبيِّن لنا منتهى السوء الذي وقع فيه المالكي، وإنَّ مَن يسمَع أو يطَّلع على كلامه في الصحابة، يتَّهمه في عقله أو يستدلُّ به على منتهى خُبثه وحقده على خير هذه الأمَّة، لا سيما زعمه أنَّ العبَّاس بنَ عبد المطلب وابنَه عبد الله ﵄ ليسا من الصحابة، وزعمه أنَّ أكثرَ الصحابة إلاَّ قليلاً منهم مثل همل النَّعم يُؤخذون إلى النار! وأيضاً إذا كان أكثر الصحابة إلاَّ قليلاً منهم يُؤخذون إلى النار في زعم هذا الزاعم، مع أنَّ الكتابَ والسُّنَّة لم تصل إلى هذه الأمَّة إلاَّ عن طريق الصحابة؛ لأنَّهم الواسطةَ بين الناس وبين الرسول ﷺ ، فأيُّ حقٍّ وهدى يكون بأيدي المسلمين؛ فإنَّ القدح في الناقل قدحٌ في المنقول، قال أبو زرعة الرازي المتوفَّى سنة (٢٦٤هـ) ﵀: "إذا رأيت الرجلَ ينتقصُ أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنَّه زنديقٌ؛ وذلك أنَّ رسول الله ﷺ عندنا حقٌّ والقرآن حقٌّ، وإنَّما أدَّى إلينا هذا القرآنَ والسننَ أصحابُ رسول الله ﷺ ، وإنَّما يريدون أن يجرحوا شهودَنا ليُبطلوا الكتاب والسنة، والجرحُ بهم أولى، وهم زنادقةٌ". الكفاية للخطيب البغدادي (ص: ٤٩) . وسأكشف أباطيلَه الأخرى التي اشتمل عليها كتابُه "قراءة في كتب العقائد" وأدحضُها إن شاء الله تعالى في كتابي: "الانتصار لأهل السُّنَّة والحديث في ردِّ أباطيل حسن المالكي".

стр. 143

٢٢ قوله: "وأنَّ الإيمانَ قَولٌ باللِّسانِ، وإخلاَصٌ بالقلب، وعَمَلٌ بالجوارِح، يَزيد بزيادَة الأعمالِ، ويَنقُصُ بنَقْصِها، فيكون فيها النَّقصُ وبها الزِّيادَة، ولا يَكْمُلُ قَولُ الإيمانِ إلاَّ بالعمل، ولا قَولٌ وعَمَلٌ إلاَّ بنِيَّة، ولا قولٌ وعَمَلٌ وَنِيَّةٌ إلاَّ بمُوَافَقَة السُّنَّة. وأنَّه لا يكفرُ أَحدٌ بذَنب مِنْ أهْل القِبْلَة". ١ الإيمانُ عند أهل السُّنَّة والجماعة يتألَّف من اعتقاد بالقلب وقول باللِّسان وعمل بالجوارح، فهذه الأمورُ الثلاثة داخلةٌ عندهم في مُسمَّى الإيمان، قال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ، ففي هذه الآيات دخول أعمال القلوب وأعمال الجوارح في الإيمان. وروى مسلم في صحيحه (٥٨) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الإيمانُ بضعٌ وسبعون أو بضعٌ وستون شعبة، فأفضلُها قول لا إله إلاَّ الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياءُ شعبة من الإيمان"، فقد دلَّ الحديثُ على أنَّ ما يقوم بالقلب واللِّسان والجوارح من الإيمان، وأمَّا ما جاء في القرآن من آيات كثيرة فيها عطف العمل الصالح على الإيمان، كما في قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ ، فلا يدلُّ العطف على عدم دخول الأعمال في

стр. 144

مسمَّى الإيمان، بل هو من عطف الخاص على العام؛ وذلك أنَّ التفاوتَ بين الناس في الإيمان يكون غالباً لتفاوتهم في الأعمال، وفي الأقوال أيضاً؛ لأنَّ القولَ عملُ اللِّسان، بل إنَّهم يتفاوتون فيما يقوم بقلوبهم، قال الحافظ في الفتح (١/٤٦) نقلاً عن النووي: "والأظهرُ المختار أنَّ التصديق يزيد وينقص بكثرة النَّظر ووضوح الأدلَّة، ولهذا كان إيمانُ الصدِّيق أقوى من إيمان غيره؛ بحيث لا يعتريه الشُّبهة، ويؤيِّده أنَّ كلَّ أحد يعلمُ أنَّ ما في قلبه يتفاضل، حتى إنَّه يكون في بعض الأحيان الإيمان أعظم يقيناً وإخلاصاً وتوكُّلاً منه في بعضها، وكذلك التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها". ٢ الذين أخرجوا الأعمال من أن تكون داخلةً في مسمَّى الإيمان طائفتان: المرجئة الغلاة، الذين يقولون: إنَّ كلَّ مؤمن كاملُ الإيمان، وأنَّه لا يضرُّ مع الإيمان ذنبٌ، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهذا القول من أبطل الباطل، بل هو كفر. ومرجئة الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم كأبي حنيفة، الذين قالوا بعدم دخول الأعمال في مسمَّى الإيمان، مع مخالفتهم للمرجئة الغلاة في أنَّ المعاصي تضرُّ فاعلَها، وأنَّه يُؤاخذُ على ذلك ويُعاقَب، وقولُهم غيرُ صحيح؛ لأنَّه ذريعةٌ إلى بدع أهل الكلام المذموم من أهل الإرجاء ونحوهم، وإلى ظهور الفسق والمعاصي، كما في شرح الطحاوية (ص: ٤٧٠) . ٣ الإيمانُ يزيد بالطاعة وينقصُ بالمعصية، فمن أدلَّة زيادته قول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ، وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ

стр. 145

آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ ، وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ ، وقوله: ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ . ومن أدلَّة نقصانه قوله ﷺ : "من رأى منكم منكراً فليُغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعفُ الإيمان" رواه مسلم (٧٨) . وما جاء في حديث الشفاعة من إخراج مَن في قلبه مثقال ذرَّة من إيمان من النار، رواه البخاري (٧٤٣٩) ومسلم (٣٠٢) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وحديث وصف النَّبِيِّ ﷺ للنساء بأنَّهنَّ ناقصاتُ عَقل ودين، أخرجه البخاري (٣٠٤) ومسلم (١٣٢) . قال الحافظ في الفتح (١/٤٧) : "وروى يعني اللالكائي بسنده الصحيح عن البخاري قال: لقيت أكثرَ من ألف رجل من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحداً منهم يختلف في أنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ، ويزيد وينقص. وأطْنَب ابن أبي حاتم واللاَّلكائي في نقل ذلك بالأسانيد عن جمع كثير من الصحابة والتابعين، وكلِّ من يدور عليه الإجماع من الصحابة والتابعين، وحكاه فضيل بن عياض ووكيع عن أهل السُّنَّة والجماعة". ٤ الإسلامُ والإيمانُ من الألفاظ التي إذا جُمع بينهما في الذِّكر فرِّق بينهما في المعنى، وإذا أُفرد أحدُهما شَمل المعنيين جميعاً؛ ففي حديث جبريل المشهور الذي جُمع فيه بين الإسلام والإيمان، لَمَّا سُئل عن الإيمان فسَّره بما
следующие страницы →