سويد قال: مر بي رسول الله وأنا جالس هكذا وقد وضعت يدي اليسرى خلف ظهري واتكأت على ألية يدي، فقال: "أتقعد قعدة المغضوب عليهم" ١، أي: القعود المتكبر، وروي عن أحد الصحابة أنه قال: أصابني رسول الله نائما في المسجد على بطني فركضني برجله، وقال: "ما لك ولهذا النوم، هذه نومة يبغضها الله" ٢، "وكان نائما مضجعا على وجهه"، وفي المشي أمر بالاقتصاد والتواضع، فقال تعالى: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ ٣، وقال أيضا: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً، كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً، ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ ٤.
وعند الكلام أمر مثلا بعدم رفع الصوت، وعدم التكلف أو التشدق في الكلام، فقال تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ ٥، وقال الرسول: " إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه تخلل البقرة بلسانها" ٦.
وعند معاشرة الناس دعا بصفة خاصة إلى مراعاة الشعور والإحساس الأدبيين لدى الآخرين في الحركات، فدعا مثلا إلى بسط الوجه عند المقابلة، ونهى عن تصعير الخد فقال تعالى: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ ٧، وقال الرسول: "إنكم لا تسعون الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط وجوه وحسن خلق" ٨
стр. 107
ودعا إلى عدم التناجي بين الاثنين دون الثالث، فقال الرسول: "إذا كنتم ثلاثا فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما" ١.
كما دعا إلى احترام كل إنسان بما يليق به من التقدير حسب دينه وعلمه ومنزلته بين الناس، فقال الرسول ﷺ : "أنزلوا الناس منازلهم من الخير والشر" ٢.
كما دعا إلى الظهور بالمظهر الجميل أمام الناس، فقد روي أن رجلا جاء إلى الرسول ثائر الرأس، فأشار إليه بإصلاح شعره، وجاء آخر وشعره جمة وأشار بقصه، ثم قال: "هذا أحسن"٣، وعندما سأله رجل هل من الكبر أن يكون ثوب الإنسان حسنا ونعله حسنا، فقال الرسول ﷺ : "إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس" ٤. وكان ينصح دائما بتحسين الهندام وتجميل الظاهر وتطهير الثياب٥.
ولم يفرض الإسلام المبادئ الأخلاقية على سلوك الإنسان الظاهري فقط، بل فرضها أيضا على السلوك الباطني؛ لأن الحياة قسمان: قسم منها ظاهر محسوس والآخر باطن غير محسوس، وأهمية الأخير لا تقل عن أهمية الأول، بل إن مظاهر الأول ما هي إلا انعكاس للأخير، ولهذا كانت الأخلاق الإسلامية مركزة على الحياة الباطنة في الدرجة الأولى؛ لأنها إذا صلحت واستقامت صلحت الأخرى واستقامت، وصلاح هذه وتلك واستقامتها هما الطريق إلى السعادة
стр. 108
الإنسانية، ولهذا قال الرسول ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" ١.
ويجمع بين الأمرين قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ ٢.
ومن هنا دعا الإسلام إلى تجميل الباطن وتحسينه، فدعا إلى حسن الظن بالخالق كما دعا إلى حسن الظن بالمخلوق أو الناس بصفة خاصة، قال الرسول ﷺ : "حسن الظن من حسن العبادة" ٣، وقال راويًا عن ربه: "أنا عند ظن عبدي بي إن خيرا فخير، وإن شرا فشر" ٤، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ ٥، ثم دعا إلى الفأل ونهى عن التشاؤم والتطير، قال الرسول ﷺ : "لا طيرة ويعجبني الفأل الصالح أو الكلمة الحسنة" ٦؛ لأن التشاؤم والتطير وسوء الظن من العوامل التي تؤدي إلى الكآبة والقلق وعدم راحة البال.
ثم إلى جانب دعوته نهى عن الأمور التي تجعل الحياة النفسية ظلاما قاتما، وتزيل عنها كل البشاشة والبهجة كالتباغض والتحاسد والحقد وما إلى ذلك من الرذائل النفسية، ولهذا قال: "لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا" ٧، وقد عد بعض علماء النفس هذه الرذائل الأخلاقية من الأمراض النفسية والاجتماعية.
стр. 109
ثم دعا إلى المحبة؛ لأنها تضفي على حياة الناس البهجة والنشاط والفاعلية، ولهذا قال الرسول ﷺ : "إن من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله"، قالوا يا رسول الله تخبرنا ما هم، قال: "هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى نور لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" ١.
ومن التوجيهات الخلقية للحياة الداخلية:القناعة والرضا، القناعة بما في يدك وعدم التطلع لما في أيدي الناس؛ لأن الغنى كما قال الرسول ﷺ : "ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس" ٢؛ لأن النفس بغير القناعة لا تشبع بالمال والعرض ولو ملكت الدنيا، وما دام المرء لم يشبع فإنه يشعر بالضيق والكآبة كأنه لا يملك شيئا، إذن ليس هناك وسيلة لإشباع النفس إلا امتلاك القناعة، ثم رضى المرء بما هو فيه له دور كبير في طمأنينة الحياة الداخلية؛ لأن عدم الرضا يؤدي إلى التبرم والضجر، وكما أن الرضا وسيلة لتهدئة النفس من الملمات والمصائب التي لا مخرج منها، فهو وسيلة أيضا للشعور بالغنى إذا رضي الإنسان بما في يده، ولهذا قال الرسول: "ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس" ٣.
стр. 110
ووسيلة امتلاك الشعور بالرضا هي: أن ينظر الإنسان في المال والصحة إلى من هو دونه، ولهذا قال الرسول ﷺ : "انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم" ١.
ولا ينبغي أن يفهم من هذا أن في الأخلاق الإسلامية دعوة إلى الاتكال والتكاسل والدعة وإسقاط الهمم العالية، إذ أن هناك فرقا في التنافس بين ميدان وآخر.
ففي ميدان الصحة والمال لا ينبغي التنافس والتباهي، بينما الأمر ممدوح في ميدان الفضائل الإنسانية ومكارم الأخلاق، فالمبدأ المذكور في حديث الرسول السابق ضروري لترضية النفس وتهدئتها، ولا يمنع ذلك من السعي إلى معالى الأمور مثل: الأعمال العلمية وعمل الخيرات ومكارم الأخلاق التي يمدح فيها الناس ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ ،٢ وفي ذلك فليتقدم من يشاء، وفيه قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ ٣.
ومن تلك التوجيهات أيضا دعوته إلى جعل الإرادة العاقلة الخيرة مسيطرة على أعمال النفس ونزعاتها وأهوائها، هذه الإرادة هي التي ينبغي أن تحكم قوى النفس ونزعاتها الأخرى مثل: قوة الغضب وقوة الشهوة، ومثل نزعة الانتقام والشح والأنانية.
ومن هنا نرى الإسلام يدعو إلى تحكم الإرادة في هذه القوى، فدعا إلى
стр. 111
التحكم في الغضب، فقال الرسول: "ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" ١، ودعا إلى التحكم في الشهوة، فقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ ٢، كما أمر بالتغلب على نزعة الانتقام وذلك بكظم الغيظ والعفو، وعلى نزعة الأثرة وذلك بالإنفاق على الفقراء في السراء والضراء، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٣.
وليس معنى سيادة الإرادة الخيرة الوقوف أمام نزعات الهوى والشر والقوى الأخرى في النفس فحسب، بل إن معناها أيضا استخدام هذه القوى وتسخيرها في سبيل تحقيق الخير، إن هذه الإرادة إذا سيطرت تصبح روحا توحي دائما بالخير، وتدفع الإنسان باستمرار إلى تحقيق الخير للناس بكل ما يستطيع، ومن ثم تصبح قوة موجهة نحو الخير ونورا يضيء جوانب النفس المظلمة، ثم يفيض منها فيستفيد منه الناس.
عند ذلك يشعر الإنسان بأنه خيِّر، وذلك هو سبيل السعادة والطمأنينة النفسية، ولقد أدرك تلك الحقائق كثير من علماء النفس، فيقول مثلا الدكتور فيكتور بوشيه٤: "إن السعادة الحقة في أن تكون راضيا عن كل شيء، وألا ترى من الأشياء إلا أجمل جوانبها، وألا تسيء بالقول إلى أحد من الناس، وألا تكره أي شخص أو تحسده على ما آتاه الله من فضله وأن تتقبل
стр. 112
الأحداث في غير سخط أو تبرم، وأن تبدو على الدوام باسم الثغر، وأن تسعى بجهدك إلى أن تنشر البهجة والسرور من حولك"١.
ومن هذا كله نرى أن الإسلام قد جاء بمبادئ وجَّه بها النفوس البشرية إلى ما فيه سعادتها، وشفى ما فيها من أمراض هي سبب شقائها وتعاستها، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ ٢، ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ ٣.
وأخيرا يتبين لنا بوضوح أن الأخلاق الإسلامية تحاول إخضاع كل سلوك، ما ظهر منه وما بطن لروح الأخلاق التي جاء بها، وهي تستهدف من وراء ذلك صلاح الإنسان وسعادته في هذه الحياة، وإذا كان الأمر كذلك فإن مجال الأخلاق هو هذه الحياة كلها من حيث هي موضوع الأخلاق وغايتها معا؛ لأن من الأعمال الباطنية هي النيات والغايات، وهي إما تكون خيرة أو شريرة، والأعمال الظاهرة إما تكون خيرة أو شريرة، حسنة أو سيئة، نافعة أو ضارة، وعلى هذا الأساس فإن كل سلوك إما أن تدخل في الأخلاق الحسنة أو تدخل في الأخلاق السيئة من هذه المنطلقات، ولهذا يمكن القول بكل تأكيد: إن كل سلوك مجال أخلاقي وميدان من ميادينها.
стр. 113
الفصل الرابع: مدى ضرورة الأخلاق للحياة الإنسانية
مدخل
...
الفصل الرابع: مدى ضرورة الأخلاق للحياة الإنسانية
إذا أردنا إبراز هذه النقطة قلنا: إن الأخلاق أمر لا غنى عنه؛ لأنها شرط في دوام الحياة الاجتماعية وتقدمها وتقدم الحضارة، وهي ضرورية أيضا لتحقيق السعادة للإنسان، وهذا أمر شديد الوضوح في الإسلام، وهي ضرورية باعتبارها علما من العلوم، وكل علم لازم للإنسان بدرجة أقل أو أكثر، وقبل أن نشرح النقطة السابقة يجدر بنا أن نبدأ بشرح هذه النقطة الأخيرة؛ لأن الأمر يطرح أمامنا سؤالا وهو: هل يمكن وصف الأخلاق بأنها علم؟ وما علاقته بالعلوم الأخرى؟
стр. 114
أولاً: مدى علمية الأخلاق
كنا تكلمنا عن الأخلاق باعتباره علما من العلوم، ونتكلم هنا عن مدى علميته وصلته بالعلوم الأخرى لتحديد أهمية هذا العلم.
نحن نعرف أن العلم نظام من القوانين التي تجمعها صفة مشتركة مميزة، تخص ظاهرة من الظواهر الكونية أو مجموعة من هذه الظواهر، فعلم الجيولوجيا مثلا يبحث عن ظاهرة تركيب المواد الطبيعية في الأرض، والقوانين التي بموجبها يتم هذا التركيب، وتتكون هذه المادة أو تلك، وعلم الأحياء يبحث عن ظاهرة الحياة، والقوانين الخاصة بها، من حيث نشأة الحياة وتطورها من الناحية الإيجابية والسلبية، وهناك علوم أخرى تبحث عن الأشياء غير المرئية كعلم المنطق الذي يبحث في ظاهرة التفكير وقوانينها الخاصة بها، وهكذا فكل علم من
стр. 115
العلوم يخص ظاهرة معينة من هذا الوجود.
ولننظر الآن إلى الأخلاق عم تبحث؟ لقد ذكرنا سابقا أن موضوع الأخلاق هو السلوك الإنساني، وعرفنا علم الأخلاق بأنه علم الخير والشر١.
وإذا نظرنا إلى هذا الموضوع من زاوية الوضعية العلمية نجد فيه عنصرين بازرين: عنصر السلوك العملي الموضوعي، وعنصرا معياريا، وهو مفهوم "ينبغي".
وكان هذا سببا لاختلاف المفكرين في موضوعية الأخلاق أو عدم موضوعيتها، وما يتبع ذلك من علمانية الأخلاق أو عدم علمانيتها.
الحقيقة أن هذا الموضوع من الموضوعات المعقدة في الدراسات الأخلاقية، وأسباب ذلك ترجع إلى أن الأخلاق لها صلة بالعلوم وقوانينها، كما أن لها صلة بالأديان والعادات والقوانين الاجتماعية، ثم تعقد الظواهر الأخلاقية بصفة خاصة.
وربما تتجلى لنا في هذه الحقيقة بصورة أوضح إذا درسنا طبيعة القوانين الأخلاقية وصلتها بالقوانين الطبيعية، وبالقوانين المنطقية الرياضية، ثم القوانين الوضعية باعتبار أن كل مجموعة من هذه القوانين تمتاز بصفات خاصة بها تختلف عن الأخرى.
فالقوانين الطبيعية تكشف عن العلاقات بين الأشياء أو الظواهر، وقد تكون هذه العلاقات سببية، وهي الخاصة بالتغيرات التي تحدث بين ظاهرتين، بحيث يؤدي التغير في خواص إحداهما إلى تغير في الأخرى باطراد، مع اعتبار إحداهما مقدمة للأخرى.
стр. 116
وقد تكون تلك العلاقة وظيفية بمعنى أن يوجد ترابط بين ظاهرتين من حيث التواجد والتغير معا، دون أن تعد إحدهما سببا أو مقدمة والأخرى نتيجة.
وأخيرًا قد تكون تلك العلاقة مجرد اقتران في الوجود دون أن تكون إحداهما سببا أو شرطا لأخرى، واطراد العلاقة أو القانون في العلاقات الوظيفية أكثر منه في العلاقة السببية وعلاقة الاقتران، إذ إن هاتين الأخيرتين تقبلان الاستثناء دون الأولى.
أما القوانين الرياضية فهي: قوانين عقلية تعبر عن العلاقات المجردة التي يستنبطها العقل من خواص الأعداد والسطوح أو الأشكال التي يبتكرها؟
والفرق بين القانونين الرياضي والطبيعي هو أن الأول لا يربط السبب بالنتيجة، كما هو الشأن في الثاني، وإنما يربط كمين يعادل أحدهما الآخر١.
وهناك فرق آخر وهو أن القوانين الرياضية ضرورة تصورية وواقعية أي عقلية وتجريبية معا، بينما القوانين الطبيعية ضرورة واقعية فقط، مثال ذلك إذا اجتمع قدر معين من الأكسجين بمقدار معين من الأيدروجين فإنه بالضرورة يتكون منه ماء، فهذا التركيب يخضع للتجربة ولا يخضع للمنطق، وبالتالي فهو ضرورة تجريبية وليس ضرورة عقلية.
والصفة المشتركة بين القوانين الطبيعية والرياضية أنها مطردة، ولهذا يجب أن تراعى وتطاع في كل الأزمنة والأمكنة٢.
وأما القوانين الوضعية أو المدنية فهي قوانين قد سنها المشرع المدني ليحدد
стр. 117
بها سلوك الشعب نحو حكومته، وسلوك الحكومة نحو الشعب، أو الأفراد بعضهم تجاه بعض فيما يتعاقدون عليه، ولها صفتان مخالفتان لصفات القوانين الطبيعية والرياضية: الأولى أنها قوانين عملية تقرر ما ينبغي عمله وليس ما هو حاصل بالطبع، فهي إذن آمرة فقط، والثانية أنها اصطناعية أي: وضعية؛ لأنها لم تصدر عن طبيعة الاشياء، ولهذا فهي ليست ثابتة بل تتغير وتتعدل باختلاف الأزمنة والأمكنة وباختلاف الواضعين.
أما القانون الأخلاقي فيشترك مع هذه القوانين المدنية والمنطقية والطبيعية، فاشتراكه مع القوانين الأولى في الصفة الآمرية، أي: أنها تأمر بالفعل وليست مجرد صيغة تعبر عن واقع، واشتراكه مع الثانية في أنه معقول يأمر به العقل، فهو لذلك ضرورة عقلية، واشتراكه مع الثالثة في أنه يصدر عن طبيعة الإنسان ويعتمد على قوانين الحياة، فهو لذلك يشبه القانون الطبيعي الذي يعبر عن طبيعة معينة، ويتميز القانون الأخلاقي عن هذه القوانين بأنه ليس صارمًا كالقوانين الطبيعية المجبرة على الخضوع لسلطانها، بل إنه يعطي الحرية للإنسان في أن يخضع له أو يخالفه، وإن كان يعاقب المخالف بطريقة أو بأخرى١.
وهناك جانب آخر مشترك بين العلم والأخلاق وهو الكشف عن الخير والشر، وتزيد الأخلاق في البحث عن وسائل الإلزام بالخير والابتعاد عن الشر.
هذه المناقشة أفادتنا في بيان العنصر الموضوعي في القوانين الأخلاقية، وما لهذه القوانين من صفات تتميز بها عن غيرها وصفات أخرى تشترك فيها مع غيرها.
стр. 118
أما الجانب المعياري أو غير الموضوعي في نظر الوضعية العلمية، فإنه لا زال يحتاج إلى مناقشة وتوضيح، الحقيقة أن تعريف الأخلاق بأنها الصورة التي ينبغي أن يكون عليها السلوك الإنساني أمر فيه غموض، ذلك أن الأخلاق من حيث السلوك ظاهرة مادية حية؛ لأن هذا السلوك صادر من كائن حي لدوافع معينة بيولوجية أو سيكولوجية، ولكن من حيث إنه سلوك كما ينبغي أن يكون فإنه ليس ظاهرة مادية وليس في إمكاننا إرجاعه -من هذه الزاوية- إلى أحد القوانين البيولوجية أو الفسيولوجية أو السيكولوجية أو الطبيعية الإنسانية عموما، أن كلمة "ينبغي" تفيد المعيار، وهذا المعيار عنصر هام في مفهوم الأخلاق؛ لأن الأخلاق بدونه تكون سلوكا لا يتميز عن سلوك الحيوان، ولأنه هو الذي يدفع الإنسان إلى تكييف سلوكه وفقا لمفهومه، لكن ما حقيقة هذا المفهوم المعياري أو العنصر المعياري في الأخلاق ومن أين جاء إليها ومن أين أخذ هذه السلطة التي بها يفرض نفسه علينا؟
الحقيقة أن تحديد ذلك ليس أمرا سهلا، إذ إنه يعد من أصعب الأمور في التفكير الأخلاقي، إنه ليس أمرا موضوعيا نقسيه بالمقاييس الموضوعية، ولهذا فإن تحديده من الناحية العقلية الصرفة صعب للغاية؛ لأن هذا التحديد يخضع للاتجاهات الفلسفية -كما ذكرنا- ومن هنا نجد الاختلافات الكثيرة بين الفلاسفة في هذه النقطة بالذات، ثم إن تحديده يتوقف على الدراسات الأخرى، مثل دراسة الطبيعة الإنسانية، وإذا كانت هذه الدراسة قد تقدمت بصورة مذهلة من الناحية البيولوجية فإنها تعتبر في مؤخرة الدراسات من الناحية السيكولوجية، والعنصر المعياري يتوقف على هذه الدراسة الأخيرة كما يتوقف على الدراسات
стр. 119
الفلسفية والدينية والاجتماعية١، ولهذا فإن هذا الجانب من الأخلاق لا زال غامضا، مفتقدا للتحديد ومتزعزعا غير ثابت على أسس متينة.
غير أن هذا وذاك لا يدلان على عدم وجود معيار موضوعي ثابت في ذاته، ومهما يكن من أمر وضع هذا المعيار فإنه موجود كفكرة عامة من غير تحديد في أذهان الناس من قديم الزمان إلى يومنا هذا، فمن قديم الزمان يعمل الناس تحت الواجب وما ينبغي، وإن كانوا لم يستطيعوا حتى اليوم تحديد هذا المفهوم المعياري وبالرغم من غموض هذا المفهوم وعموميته فإنه يساعد على التقدم في الحياة الحضارية والاجتماعية.
ومهما يكن أمر هذا الخلاف في موضوعية الأخلاق أو عدم موضوعية جانب منها على الأقل، وما يتبع ذلك من خلاف في علمانية الأخلاق أو عدم علمانيتها، فإن الأمر في نظري هو: أن الأخلاق علم يدرس ظاهرة السلوك الإنساني من حيث منابعه ودوافعه وغاياته، ويحدد القيم والقواعد العملية التي يجب مراعاتها في السلوك أيا كان لون هذا السلوك أو شكله، كما يدرس وسائل الإلزام والالتزام بالسلوك الخيِّر ووسائل الابتعاد عن السلوك الشر.
من هنا يدخل في الدراسات الأخلاقية دراسة الطبيعة البشرية من الناحية البيولوجية والفسيولوجية والسيكولوجية من حيث صلتها بالسلوك، وتدخل كذلك الدراسات الدينية والاجتماعية من حيث إنها دافعة إلى السلوك الخيِّر، ومفهوم العلم -كما يقول الدكتور توفيق الطويل- لم يعد ضيقا يشمل الدراسات القائمة على أساس الاستقراء فقط كما كان في عصر أوجست كونت،
стр. 120
بل إن معناه اتسع فأصبح شاملا كل دراسة منهجية منظمة ترمي إلى معرفة الحقائق وتفسيرها في ضوء منهج استقرائي أو استباطي أو نحوه، وبهذا دخلت في نطاقه دراسات جديدة لا تعتمد على التجربة والملاحظة١، ومن ضمن هذه الدراسات في رأيه الدراسات الأخلاقية غير أنه ينبغي أن نلاحظ دائما أن طبيعة الدراسة الأخلاقية تختلف عن طبيعة الدراسات الأخرى وخاصة العلوم الطبيعية؛ لأنها تخضع لقوانين خاصة بها، ولهذا يقول "ليفي بريل": "إن الظواهر الأخلاقية تخضع لقوانين خاصة بها كالظواهر الطبيعية الأخرى، وإن كان هناك اختلاف بين طبيعة هذه الظواهر وتلك"٢، ولهذا من الخطأ تقويم علمانية الأخلاق من زاوية العلوم الطبيعية أو أن نفسر الحياة الخلقية أو الظواهر الخلقية بالطريقة نفسها التي نفسر بها الصفات الجيولوجية؛ لأن وظيفة الأخلاق تختلف عن وظيفة العلوم الطبيعية، إذ إن وظيفة الأولى الكشف والتقويم والتوجيه والإلزام، ولهذا كانت أهمية علم الأخلاق أكثر من أي علم آخر.
وستظهر هذه الحقيقة في الموضوعات الآتية بصورة واضحة، وقد أدرك أفلاطون هذه الحقيقة منذ زمن بعيد، حيث قال: "ليست المعرفة وإن احتوت جميع العلوم هي التي تخلق السعادة وتجلب الرفاهية ولكن الذي يخلقها فرع واحد لا أكثر من فروع المعرفة هوعلم الخير والشر"٣.
стр. 121
مكانة الأخلاق وأهميتها لدى العلماء
...
ثانيا: مكانة الأخلاق وأهميتها في إطار التفكير العلمي
بعد ذلك ننتقل إلى شرح نقطة أخرى وعدنا ببيانها في مقدمة هذا القسم وهي: ضرورة الأخلاق لدوام الحياة الاجتماعية وتقدمها وتقدم الحضارة، وقد قلنا: إن ضرورة دراسة الأخلاق لا ترجع إلى أنها علم كبقية العلوم بقدر ما ترجع إلى أنها من ألزم العلوم للحياة الإنسانية، فهي تميز بين سلوكين أحدهما يحقق الخير، ويقود ثانيهما إلى الشر، ثم تبين كيف يمكن أن يسلك الإنسان طريق الخير وأن يتجنب طريق الشر، إذ قد يعلم المرء الخير ولكنه لا يدري كيف ينتهي إليه، ويعرف الشر في سلوك ما ويعجز عن تجنبه.
ومن ثم ندرك أن للأخلاق وظيفتين هامتين: أولاهما المعرفة والثانية التربية، ولا شك أن الإنسان بقدر ما يحتاج إلى المعرفة يحتاج بالقدر نفسه إلى التربية، وتشترك المعرفة والتربية في أنهما لا تتمان دون جهد أو معاناة، وتستغرقان فترة من الزمن قد تطول أو تقصر، كذلك ترمي المعرفة والتربية إلى غاية واحدة وهي: كمال الإنسان الذي لا يتحقق إلا بالجمع بين هذين الأمرين.
والأخلاق تحقق للإنسان تقدمين: أحدهما حضاري والآخر تقدم اجتماعي، وكلا التقدمين لا يمكن أن يتم إلا باتباع الطريقتين السابقتين: طريق المعرفة وطريق التربية، فالمعرفة تبني الحضارة وتقدم للإنسان اكتشافات علمية وذهنية، والتربية تساعده على توحيد ذاته وبناء شخصية قوية تيسران له تحقيق الخيرات للإنسانية، ولا يبالي المرء في سبيل ذلك ما يعانيه من جهد، وما يصادفه في طريقه من العوامل المعوقة، سواء كان مصدر هذه العوامل راجعا إلى الظروف الداخلية أو الظروف الخارجية.
стр. 122
ومهما يكن من وجود انفصال ظاهري بين التقدمين إلا أنهما في الحقيقة متصلان أشد الاتصال، ذلك أن هناك جانبين للتقدم الاجتماعي: أحدهما معنوى وهو يتمثل في أساليب التعامل الاجتماعي مثل العدالة والمساواة والتعاون والأمانة والإخلاص والصدق والعفة والاحترام للحقوق المادية والأدبية، والنزاهة والإخاء والمحبة والمودة، وما إلى ذلك.
وأما الجانب الآخر فهو مادي وهو يتمثل في الابتكارات العلمية والإنتاجات الصناعية، والتقدم المعماري والفني، وكل ذلك يحقق الخير للإنسان، ويعد عملا خيِّرا طالما كان يهدف إلى هذا الخير الإنساني فهو أخلاق؛ لأن الأخلاق تدعو إلى الخير وتكشف للإنسان طريق الخير ووسائله.
وليس هناك علم آخر يمكن أن يحقق هذا، ذلك أن قوانين العلوم الأخرى -كما أشرنا إليها- عبارة عن صيغ تقريرية، بينما نرى القوانين الأخلاقية بالإضافة إلى هذه الصفة تتسم بأنها قوانين تأمر وتوجه، وتحمل في نفسها قداسة وسلطة في نفوس الناس، وبذلك تدفعهم إلى السير نحو اتجاه معين في الحياة هو اتجاه التقدم في بناء الأفراد وبناء المجتمع، ثم بناء الحضارة على أسس أخلاقية وعلمية صحيحة.
وهذه الأمور التي تحققها الأخلاق هي وسيلة إلى تحقيق السعادة في مختلف مستوياتها؛ لأن السعادة تعد نتيجة للتكامل، ونعني به التكامل في بناء الذات عن طريق إقامة الوحدة والاتساق بين الميول المختلفة وتوجيهها وجهة صحيحة في الحياة، ولا بد من وجود الوحدة كذلك في ذات المجتمع وهي ضرورة لازمة في بناء الفرد وفي بناء المجتمع، إذ لا يمكن أن يعيش الإنسان متكاملا
стр. 123
بذاته إذا كان المجتمع يعيش فيه مفككا ومتشتتا فاسدا، ولا يمكن أن يشعر الفرد بالسعادة المطلوبة مهما كان بناؤه الشخصي سليما، طالما كان المجتمع الذي يعيش فيه مجتمعا مريضا، هذا إلى أنه لا بد من تحقيق التكامل في متطلبات الإنسان المادية، ويتم ذلك عن طريق التقدم العلمي؛ لأنه الوسيلة الوحيدة لتحقيق الرخاء والرفاهية والحضارة.
هذا التكامل القائم على تلك الأركان الثلاثة هو الذي يؤدي إلى السعادة بكل ما تتضمن هذه الكلمة من معنى.
والأخلاق -بناء على هذا التقرير- هي الطريق إلى السعادة سواء كانت هذا السعادة الهدف المباشر للأخلاق أم لم تكن، فإذا كانت للأخلاق هذه الأهمية فلماذا لم تحظ بما كان ينبغي لها من دراسة وبحث، وإذا كان لها هذا الدور الاجتماعي والحضاري فلماذا اختلف المفكرون في الأخلاق ذلك الاختلاف الطويل العريض، وذهبوا فيها مذاهب متعددة؟ السبب في ذلك كما يبدو لي هو عدم إعطاء كثير من الدارسين تلك الأهمية للأخلاق، كما أن طبيعة الدراسات الأخلاقية ووجود العنصر الذاتي فيها يستلزم ذلك.
ويمكن حصر خلافات هؤلاء في ثلاثة جوانب: الجانب الفلسفي وجانب المادة الخلقية، والجانب التطبيقي١.
فالاختلاف وقع أكثر ما وقع في الجانب الفلسفي، والسبب في ذلك محاولة كل فلسفة إخضاع فلسفة الأخلاق لاتجاهها الخاص، وهناك كثرة من هذه
стр. 124
الاتجاهات الخاصة.
أما جانب المادة الأخلاقية فهو على مستويين: الأول مستوى الأصول الأخلاقية وهو عبارة عن القوانين أو المبادئ الأخلاقية العامة التي أثبتت صحتها التجربة الإنسانية، وهي لذلك ثابتة ومتفق عليها مثل: خيرية الصدق والأمانة واحترام الحقوق والعهود، وشرية الكذب والخيانة، والتعدي على الحقوق، والثاني مستوى الفروع، وهي قد تكون موضع خلاف بين المذاهب والحضارات، وهذه الفروع المختلف فيها ليست من الأخلاق في حقيقة الأمر، وإنما هي ترجع إلى بعض العادات الاجتماعية والتقاليد الدينية التي اختلطت مع الفروع الأخلاقية المختلفة، وهي التي تميز أخلاق الشعوب بعض التميز عن أخلاقيات الشعوب الأخرى، فنجد للهنود مثلا أخلاقيات خاصة وللصينين كذلك.
ومن ثم كان لذلك الدور الكبير في الاختلاف في التطبيق العملي، وهو الجانب الأخير من الأخلاق الذي أشرنا إليه سابقا، والسبب في ذلك الاختلاف هو محاولة إخضاع هذا التطبيق للفلسفات والأديان والمبادئ السياسية والاجتماعية الخاصة لكل ملة أو مجتمع، فلو أننا سألنا مثلا أي إنسان في الشرق أو في الغرب هل القتل والسرقة والكذب خير أن شر؟ لأجاب أنه شر، ولكنه في بعض الحالات العملية يبيح هذا وذاك، وهذه الحالات تختلف عن الحالات التي يبيحها إنسان آخر ينتمي إلى مجتمع آخر، وهكذا نجد أن الاتجاهات والفلسفات والعادات هي التي تشوه حقائق الأخلاق، وتجعلها مثار خلاف في موضوعيتها، وذلك بالرغم من اتفاق الأديان السماوية، وكبار الفلاسفة والعلماء في الأخلاق الأساسية، وبيان ضرورتها للحياة.
стр. 125
ثالثا: مدى ضرورة الأخلاق ومكانتها في نظر الإسلام:
إن أهمية الأخلاق للحياة الإنسانية في نظر الإسلام أكثر من أهمية العلوم الأخرى، ولذلك جعل الأخلاق مناط الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة، فيعاقب الناس بالهلاك في الدنيا لفساد أخلاقهم ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ ١، ﴿بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٢، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ ٣، ويكافئ الأبرار الصالحين بالجنة ويعاقب الفجار والأشرار بالنار يوم القيامة ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ٤، وقال الرسول ﷺ : "إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحسنكم أخلاقا، وإن من أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون"، وسأل رجل مرة الرسول، أي المسلمين خير؟ فقال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده" ٦، وقد قرن الله تعالى بر الوالدين والشكر لهما بالشكر له وبعبادته فقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ ٧، وعد عقوق الوالدين من أكبر الكبائر بعد الإشراك بالله، فقال الرسول ﷺ : "ألا أخبركم بأكبر الكبائر"، قالوا: نعم، قال: "الشرك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور وقتل النفس" ٨.
стр. 126
ولم يجعل هذه الأهمية للعلم، إذ لا يعاقب الله الإنسان لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنه جاهل بل يعاقب العالم غير المتخلق، فقال الرسول ﷺ : "يؤتى بالرجل -وفي رواية"بالعالم"- يوم القيامة فتندلق أقتابه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فيقول: بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه" ١.
لكن لا ينبغي أن يفهم من هذا أن الإسلام يفضل الجاهل على العالم بصفة عامة، إذ لا شك في أن العالم المتخلق أفضل من الجاهل المتخلق، لهذا قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ ٢، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٣.
ولا شك في أن الجاهل المتخلق أفضل من العالم الفاسد؛ ذلك أن العالم الفاسد أكثر فتكا بالمجتمع من الجاهل الفاسد، إذ إن ضرر الثاني محدود لا يتجاوز حدود أفراد معينين، أما العالم الفاسد فإنه يستطيع أن يفسد المجتمع بأسره بل المجتمعات بأسرها، ولهذا اعتبر الرسول العالم الفاسد أشر الناس، وبيَّن أن هلاك الأمة يكون بسبب العلماء الفاسدين فقال: "شرار الناس شرار العلماء في الناس" ٤، وقال أيضا: "إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين" ٥.
من هنا نرى أن الإسلام أخضع الأعمال العلمية للمبادئ الأخلاقية، سواء كان في ميدان البحث أو في ميدان نشر العلم وتقديمه للناس واستعمالاته، مثل
стр. 127
مبدأ الإخلاص والإتقان والأمانة، فقال الرسول ﷺ : "من تعلم علما لغير الله أو أرد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار" ١، وقال: "من أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتى، ومن أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه" ٢، وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ ٣، وقال الرسول ﷺ : "من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة" ٤، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ ٥.
والسبب في اهتمام الإسلام بالأخلاق هذا الاهتمام كله هو أن الأخلاق أمر لا بد منه؛ لدوام الحياة الاجتماعية وتقدمها من الناحية المادية والمعنوية، وذلك حق لا يماري فيه من يتأمل المبادئ الأخلاقية ومدى ضرورتها للحياة الإنسانية، ولنتصور حياة مجتمع ماذا يحدث فيها لو أهملت المبادئ الأخلاقية، وسادت فيها الخيانة والفسق والكذب والغش والسرقة وسفك الدماء والتعدي على الحرمات والحقوق وزالت كل المعاني الإنسانية في علاقات الناس، من المحبة والمودة والنزاهة والتعاون والتراحم والإخلاص، فهل من الممكن أن تدوم الحياة الاجتماعية في هذه الحالة؟!
لا شك في أن الحياة عندئذ تتحول إلى جحيم لا يطاق، ويتحول الناس إلى وحوش ضارية أكثر من وحوش الغاب، ويشقون شقاء ما بعده شقاء؛ لأن الإنسان بحكم طبيعة خلقته بحاجة إلى الغير، وفي طبيعته نزعة التسلط والتجبر والتكبر
стр. 128
والأنانية والانتقام، فإذا استخدم هذه القوى في الفساد أهلك الحرث والنسل، وصدق الله العظيم: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ ١، ولهذا فإن الإنسان بحاجة إلى نظام خلقي يحقق له حاجته الاجتماعية، ويقف أمام ميوله ونزعاته الشريرة، ويوجهه إلى استخدام قواه في ميادين يعود نفعها على نفسه وعلى غيره بالخير؛ ولهذا أمر بالتعاون الاجتماعي في تحقيق الخيرات، ونهى عن التعاون في الإثم: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ٢، ونهى عن القتل بكل شدة حتى قتل الإنسان نفسه؛ لأن القتل في نظره تعدٍّ على الحياة، ثم إنه لا يعتبره تعديا على حياة فرد وإنما يعتبره تعديا على حياة الناس كافة، قال تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ ٣؛ لأن التعدي على الجزء يعد تعديا على الكل، وكذلك إنقاذ الجزء يعد إنقاذا للكل.
ولم يحرم القتل فقط بل حرم أيضا كل الأمور التي قد تؤدي إلى القتل، وذلك حماية للحياة؛ ولذا نراه ينهى عن إثارة الفتنة بأي شكل من الأشكال؛ لأن الفتنة أحيانا لا تؤدي إلى قتل فرد فحسب بل تؤدي إلى تقتيل وإراقة دماء الكثيرين، ومن ثم اعتبر الفتنة أشد من القتل وأكبر منه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ ٤، وفي آية أخرى ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ ٥، وللوقوف أمام إراقة الدماء قرر الإسلام أن من قتل غيره عمدا يقتل، وهذا زجر رادع عن التشبث بالقتل؛ لأن الشخص الذي يقدم على القتل إذا عرف أنه سيقتل بدل هذا القتل ولا يفتدي نفسه بأي شيء آخر
стр. 129
يدرك عندئذ أنه بذلك يقتل نفسه فيرتدع عن الإقدام عليه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ١، والقصاص يقتضي إجراء الضرر في المعتدي بالقدر الذي أجراه في المعتدى عليه، والسر في ذلك هو الحد من نزعة الانتقام وإيقاف الفتن؛ لأن الإِنسان إذا اعتدي عليه ولحق به من جراء ذلك ضرر يحاول أن يعتدي أكثر مما اعتدي عليه، وأن يلحق ضررًا بالمعتدي أكثر مما لحق به، وذلك تكبرا وتجبرا، فإذا اعتدى عليه واحد من قوم يتعدى على القوم كله، وإذا أريق من دمه يريق دم المعتدي كله، وإذا قتل واحد من قومه يحاول قتل قوم القاتل، وبذلك تستحيل الحياة، والقصاص يحفظ الحياة، وصدق الله العظيم ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ ٢.
ثم إن الإسلام دعا إلى العفو وهو فضيلة أخلاقية هامة في الحياة؛ إذ إن العفو يؤدي إلى إزالة الأضغان والأحقاد وينقذ حياة الناس؛ ولهذا حبب الإسلام إلى الناس العفو والصفح حتى في القصاص ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ٣، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٤، ولم يدع الإسلام إلى العفو فحسب بل دعا أيضا إلى معاملة السيئة بالحسنة؛ لأنها أكبر عامل خلق المودة بين الناس؛ ذلك أن الإنسان المسيء عندما يرى الإحسان ممن أساء إليه يزيد تقديره
стр. 130
لذلك الإنسان ويَكْبُر إعجابه به، ثم يلين قلبه ويتحول عما في نفسه إلى مودة له، ومن ثم ينظر إلى الإساءة بالبشاعة والقبح؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ١، وإذا تذكرنا هنا موقف الرسول ﷺ مع المسيئين إليه أدركنا تماما أثر العفو في جمع الناس وتأليفهم في الحياة العملية وتقديرهم للإنسان الذي يعفو ويصفح عن الناس، ونحن نعلم أن الرسول ﷺ طرد وشرد وأبعد عن أهله في مكة، وغادر مكة بعد مؤامرة دبرت لقتله لا لأنه أساء إلى الناس أو قتلهم وإنما؛ لأنه كان يدعو إلى الفضيلة وإلى طريق الحق، ولما عاد إلى مكة يوم الفتح قاهرا ظافرا بجيشه الجرار قال: "يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ " قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم، قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" ٢، وبمثل هذه المواقف الكريمة جمع الرسول الناس حوله وألف بين الناس، ولو كان فظا غليظا لما استطاع إلى ذلك سبيلا، وصدق الله العظيم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ٣، ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ ٤.
ومن المبادئ الأخلاقية شديدة الصلة بالحياة الصبر، فالصبر طاقة تزيد الإنسان قوة وصلابة يستطيع بها مواجهة الصعاب وشدائد الحياة، والصبر أنواع: منها الصبر على المصائب والصبر على أداء الواجبات والصبر على الشهوات والأهواء، ويطول بنا المقام لو تكلمنا على كل واحد بالتفصيل، ولهذا فالأنسب أن نختار النوع الأول باعتباره أهم نوع يتصل بموضوعنا، ومن أهم عنصر في
стр. 131
الإسلام يسلح الإنسان بالصبر هو عنصر الإيمان، الذي يعد أساسا في الأخلاق الإسلامية، والإيمان بالله واستمداد العون منه وانتظار الثواب منه على الصبر على المصائب باعتبارها امتحانا منه أو تكفيرا للسيئات، فالإيمان يهون على الإنسان تلك المصائب؛ ولهذا كان الرسول يدعو الله ويقول: "وأسألك من اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا" ١، والصبر على البلايا من الأمور العظيمة، كما قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ٢، ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ ٣ وجزاء الصبر عظيم غير مقدر ويعطي الصابر أجرا بغير حساب، ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ٤، والصبر وسيلة النجاح في الحياة والوصول إلى المقاصد؛ لأنه قوة يحقق بها الإنسان أعمالا فوق طاقته الطبيعية، قال تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ ٥، وقال: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ٦، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ ، وقد تظهر قيمة فضيلة الصبر بصورة أكثر وضوحا عندما نتصور مصير غير الصابرين عند الشدائد والمصائب في الحياة، إذ إننا نراهم يصابون فيها بأمراض مختلفة وخاصة الشلل والذبحة الصدرية والخلل العقلي وقد يؤدي الأمر بهم إلى الانتحار، فالجزع لا يؤدي إلى الفشل في الحياة وعدم إنجاح المقاصد فحسب بل إلى انعدام الحياة وزوالها؛ ولهذا قال الرسول: "ما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر" ٨، ولما كان الصبر يجعل
стр. 132
الإنسان يتحمل صعوبات الحياة ببسالة وشجاعة، وعدم الصبر يؤدي إلى حياة ضيقة مظلمة، قال الرسول ﷺ : "الصبر ضياء" ١؛ لأنه يضيء الحياة أمام المرء؛ لأن الإسلام لا يتحقق إلا بأمرين: أولهما الإيمان فيما يجب الإيمان به، وثانيهما العمل بمقتضى ذلك الإيمان والعمل يعتمد على الصبر، ولهذا فمن شأن المسلم أن يكون صابرا مهما كانت المصائب فاجعة، ومن شأن الكافر أن يكون هلوعا جزوعا تهلكه المصائب؛ ولهذا قال الرسول ﷺ : "مثل المؤمن كالخامة من الزرع تفيئها الريح مرة وتعدلها مرة، ومثل المنافق " وفي رواية الكافر وفي أخرى الفاجر " كالأرزة لا تزال حتى يكون انجعافها مرة واحدة" ٢، هنا نجد الرسول ﷺ يعبر تعبيرا دقيقا بطريق التشبيه عن حالة المؤمن عند المصائب وحالة الكافر، فالأول يكون كالزرع الرطب ينحني عندما تهب الرياح ولا ينكسر ثم يعتدل عند زوالها، بينما الثاني يكون كشجرة الأرزة لا تساعد طبيعتها على الانحناء ومن ثم تنكسر عندما تأتي الرياح الشديدة عليها وتنهار أمامها.
وهكذا نجد الإسلام يزود الإنسان بالطاقة الحيوية التي تمكنه من أن يحيا حياة طبيعية في أحرج الظروف، كما يستطيع بها أن يحيا حياة أبدية في الآخرة؛ ولهذا سمى الإسلام دعوته الحياة فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ٣، وكذلك ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ ٤.
ومن أهم المبادئ الأخلاقية المتصلة بدوام الحياة الاجتماعية وتقدمها مبدأ
стр. 133
العدالة ومفهوم العدالة في الإسلام هو إعطاء كل ذي حق حقه، وفي نظر الإسلام أن لله على الإنسان حقوقا، كما أن لنفسه ولغيره عليه حقوقا، مصداق ذلك ما جاء في الحديث: "إن لربك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فاعطِ كل ذي حق حقه" ١.
وحق الله على الأنسان هو الاعتراف بربوبيته وما يترتب عليه من الشكر والعبادة له، وحقوق النفس على الإنسان هي تحقيق متطلباتها الضرورية، وقد شرحنا ذلك كله في الموضوعات السابقة، وأما حقوق الغير على الإنسان فهي تتمثل بصورة عامة في احترام حقوقهم الطبيعية المادية منها والأدبية في تنفيذ العهود المبرمة، ثم عدم استغلال أي إنسان أو اتخاذه غرضا، قال الرسول ﷺ : "لا تتخذن أحدا من خلق الله غرضا فيجعلك الله غرضا" ٢، وقال عندما سألوه بعد ما ذكر كيف أن الله غفر للرجل الذي سقى الكلب العطشان، يا رسول الله وإن لنا في هذه البهائم لأجرا؟ فقال: "نعم في كل كبد رطبة أجر" ٣، هنا نجد المبدأ الإسلامي أكثر سموا وشمولا مما دعا إليه "كانط" عندما قال: "عامل الإنسانية بوصفها غاية في ذاتها ولا تعاملها أبدا كما لو كانت مجرد وسيلة"٤، بينما الإسلام يدعو إلى عدم اتخاذ أي مخلوق وسيلة حتى الحيوانات، وتبعا لذلك قرر الإسلام الحقوق على الإنسان لغيره، ولقد حدد الرسول أهم حقوق الإنسان التي يجب مراعاتها وهي حق المال والعرض والكرامة الإنسانية فقال: "كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله، التقوي ها هنا بحسب
стр. 134
امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" ١.
ثم إن الإسلام لم يكتفِ بتقرير الحقوق والواجبات نحو الغير بل دعا إلى تجاوز حدود الواجبات في المعاملة الخيرة، واعتبر كل عمل وكل إحسان إلى الغير صدقة حتى التبسم في وجوه الآخرين، فقال الرسول ﷺ : "تبسمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن طريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة" ٢، وجاء في رواية أخرى "والكلمة الطيبة صدقة" ٣، بل أكثر من هذا فقد عد الإسلام كل إحسان إلى أي مخلوق حي صدقة، فقال الرسول ﷺ : "في كل ذات كبد رطبة أجر" ٤، ولهذا كله قال: "كل معروف صدقة" ٥.
والعدالة أنواع: عدالة الحاكم وعدالة الفرد العادي، فالحاكم عليه أن يبحث عن الحقوق الضائعة ويعطيها أهلها ويأخذ من الظالم ويعطي المظلوم حقه، ثم عليه أن يكافئ الناس على حسب أعمالهم وجهودهم، وهذا هو عدل الحاكم بين الناس، قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ ٦، وأن يحكم بما أنزل الله ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٧، وفي آية أخرى وصف هؤلاء الذين لا يحكمون بما أنزل الله بالكفر وفي الثالثة بالظلم٨.
стр. 135
وأما عدالة الفرد العادي فهي إعطاء ما لغيره عليه، وأن يقول الحق إذا حكم أو طلب منه الشهادة أو أراد الإصلاح ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ١، ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ٢، والعدالة تقتضي الأمانة والنزاهة والإخلاص ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ٣، ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ ٤، ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ ٥.
وهكذا يأمر الله بالعدالة كل إنسان في فعله وقوله بحسب مسئوليته ومجال إدارته ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٦، وذلك كله لتسود العدالة المجتمع كله، ولا شك في أن كل إنسان إذا طبق العدالة في نفسه وفي غيره، وإذا نفذ الحاكم العدالة بالسلطة فلا بد من أن تسود العدالة حياة المجتمع.
وسيادة العدالة حياة المجتمع تؤدي إلى سيادة الأمن والمحبة والمودة والاستقرار والنشاط العملي والفكري في حياة المجتمع، وهذا بدوره يؤدي إلى ازدهار الحياة المدنية، وانعدام العدالة يؤدي إلى انتشار الرعب والحقد والاضطرابات والتناحر وقلة الإنتاج، يقول الماوردي: "إن العدل الشامل يدعو إلى الألفة ويبعث على الطاعة وتنمو به الأموال ويكثر معه النسل ويأمن به السلطان، وليس شيء أسرع في خراب الأرض ولا أفسد لضمائر الخلق من
стр. 136
الجور"١, ولهذا أمر الله بالعدالة فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٢.
ولقد بين ابن خلدون كيف أن ضياع العدالة وانتشار الجور والظلم يؤديان إلى فساد الحياة وخراب العمران, فيقول: "اعلم أن العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها, لما يرون حينئذ من أن غايتها ومصيرها انتهابها من أيديهم, وعلى قدر الاعتداء ونسبته يكون انقباض الرعايا عن السعي في الاكتساب.. والعمران ووفوره ونفاق أسواقه إنما هو بالأعمال فإذا قعد الناس عن المعاش كسدت أسواق العمران وانقضت الأحوال وذعر الناس في الآفاق.. في طلب الرزق فخف ساكن القطر وخلت دياره وخربت أمصاره واختل باختلاله حال الدولة، ومن أشد الظلمات وأعظمها في إفساد العمران تكليف الأِعمال وتسخير الرعايا بغير حق, وذلك أن الأعمال من قبيل المتمولات, وأعظم من ذلك في الظلم وإفساد العمران وفساد الدولة، التسلط على أموال الناس بشراء ما بين أيديهم بأبخس الأثمان ثم فرض البضائع عليها بأبخس الأثمان على وجه الغصب والإكراه في الشراء والبيع"٣.
ويمكننا أن نستخلص مما سبق أن الأخلاق تؤدي إلى أمرين هامين في الحياة، أولهما: دوام الحياة، دوام الحياة الاجتماعية وتماسكها، وثانيهما: تقدم الحضارة من الناحية العلمية والعمرانية, غير أن معالجتها لهذا الجانب
стр. 137
الثاني لم تكن واضحة تمام الوضوح؛ لأن تركيزنا كان منصبا على الجانب الأول، والآن نعالج هذا الجانب الأخير، وإذا نظرنا إلى المبادئ الأخلاقية وجدنا هناك مبادئ شديدة الصلة بهذا الجانب الأخير، ولنأخذ مثلا العنصر الأول في تقدم الحضارة وهو العلم, فنجد الإسلام يهتم بالعلم ويدعو الناس إلى الجد في طلبه, ويرفع شأن العلماء ويحثهم على نشر العلم ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١, وقال الرسول ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل أتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها" ٢, وبيَّن أن الأثر العلمي الذي يتركه الإنسان في حياته سوف ينال ثواب جهوده بعد مماته ما بقي هذا الأثر فقال: "إذا مات ابن ادم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له" ٣, كما بيَّن أن الإنسان الذي يعمل بعلمه وهديه سينال أجرا مثل أجر العامل, قال: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه, لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا" ٤, وقد وردت نصوص كثيرة في الإسلام تأمر الآباء بتعليم أبنائهم وبناتهم حتى تعليم خادمهم وتحسين أدبهم؛ وذلك لينتشر العلم والفضيلة في المجتمع الإسلامي, فالعلم وسيلة لتحقيق الخير وإزالة الشر وذلك وظيفة الأخلاق.
ولهذا شجع الإسلام طلاب العلم, فقال الرسول ﷺ : "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاء بما صنع" ٥, ودعا إلى البحث عن العلم والاغتراب من أجله, قال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي
стр. 138
الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ١، كما أمر باحترام طلاب العلم وإكرامهم, وخاصة الذين اغتربوا من أجل العلم, قال الرسول ﷺ : "إن رجالا يأتونكم من أقطار الأرضين يتفقهون في الدين فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا" ٢.
ولا شك أن الإنسان إذا رأى من الناس تقديرهم جهوده العلمية, وإذا علم أن له ثوابا عند الله لآثاره العلمية يناله بعد موته فإنه يشجعه على أعمال علمية عظيمة, وهذا بدوره يؤدي إلى ازدهار العلم وتقدمه، ومن ثم تكون النتيجة تقدم الحضارة؛ لأن العلم أساس الحضارة, وروح أخلاقية العلم تؤدي إلى الخير.
كما نجد في الإسلام توجيهات أخلاقية أخرى تؤدي إلى التقدم الاقتصادي, فنحن نعرف أن التقدم الاقتصادي يتم عن ثلاثة طرق: الزراعة والصناعة ثم التجارة، ونجد الإسلام يدعو إلى الاهتمام بكل هذا, فنراه مثلا يدعو إلى الزراعة, ويعتبر كل نفع يأتي منه للإنسان أو للحيوان صدقة للزارع, فقال الرسول: "لا يغرس المسلم غرسا ولا يزرع زرعا فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة" ٣، ونراه أيضا يدعو إلى الاختراع الذي يأتي منه الخير للناس في أي ميدان من الميادين, فقال الرسول ﷺ : "من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها, ولا ينقص من أجورهم شيء" ٤, وسيأتي حديث يقول الرسول فيه: "من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به".
стр. 139
وأما فيما يتعلق بالتجارة فنجد نصوصا كثيرة منها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ, فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١, والقرآن يحث على أن تكون التجارة عن التراضي لا عن الغصب والاستغلال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ٢؛ لأن التجارة المستغلة لا تؤدي إلى رفاهية الحياة الاجتماعية, بل إلى التناحر والتطاحن وإلى الحروب التي رأينا ويلاتها, ولا زالت الشعوب تعاني منها, وقد نهى الرسول -عليه أفضل الصلاة والسلام- الإنسان عن أن يكون عالة على غيره, وأمره بالاكتساب بعمل يده فقال: "لأن يأحذ أحدكم أَحْبُلَهُ ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه, خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه" ٣, وكذلك فيما يتعلق بالتعمير والعمران فقد دعا الإسلام إلى إحياء الأراضي الميتة وفتح الآبار والبحث عن المعادن وبناء المساجد والعمارات للمساكين والفقراء, وجعل لمن يكافح في هذا الميدان مكافأة, وقد ورد في ذلك كله نصوص كثيرة منها ما ورد في إحياء الخراب والأراضي الميتة, فقال الرسول ﷺ : "من أعمر أرضا ليست لأحد فهو أحق" ٤, وفي حفر الآبار جاء في حديث ما معناه من حفر بئرا أو اشتراه وجعله للمسلمين فله الجنة أو يبدله الله خيرا منه في الجنة٥, وقال
стр. 140
الرسول ﷺ : "من أحيا أرضا ميتة فهي له وليس لعرق ظالم حق" ١, وفيما يتعلق بالبناء فقال الرسول ﷺ : "من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة" ٢, وقال أيضا: "من بنى لله مسجدا صغيرا كان أو كبيرا بنى الله له بيتا في الجنة" ٣.
ولقد سبق أن ذكرنا أن الرسول ﷺ قال: "من سعادة المرء المسكن الصالح" , كما شجع الإسلام على إقامة المشروعات مثل بناء المسكن وإصلاح الأراضي وحفر الآبار ثم وقفها للفقراء والمساكين"٤, فقال الرسول ﷺ : "إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونشره....، أو بيتا لابن السبيل بناه أو نهرا أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته" ٥, ولهذا قال: "من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له" ٦.
وهكذا نجد أن التوجيهات الأخلاقية في الإسلام كلها بنَّاءة, تأمر بالتعمير والإصلاح, ثم إن هناك مبدأ أخلاقيا طلب الاسلام تطبيقه في كل عمل وهو: مبدأ إتقان العمل فقال الرسول ﷺ : "يحب الله العامل إذا عمل أن يحسن" , وفي رواية "أن يتقن" , وأن يلاحظ دائما أن الله والناس سيرى عمله، ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ ٨, وإتقان العمل هو أن يبذل الإنسان قصارى جهده ليتم العمل في أتم وأكمل صورة، ثم إن إتقان العمل والصنع من صفات الله الفعلية كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ
стр. 141
تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ ١, وهذا من صفات الكمال, وينبغي للإنسان أن يسعى ليتشبه بصفات الكمال في أي ميدان من ميادين العمل في العلم والصناعة والتجارة وما إلى ذلك, ولا شك أن هذا السعي وراء الكمال في العمل يؤدي إلى تقدم الحضارة, فإذا سعى أهل العلم للإتقان في العمل تقدم العلم، وإذا سعى أهل الصناعة لإتقان الصناعة تقدمت الصناعة, ولو سعى الموظفون لآداء أعمالهم في أكمل صورة لانتظمت أمور الدولة, ولو أتقن المعلمون التعليم وأتقن المتعلمون التعلم لتقدم العلم.
وهكذا نجد أن الأخلاق الإسلامية تدفع بطبيعتها إلى الكمال والتكامل في البناء الاجتماعي الذي يقوم على توطيد العلاقات الإنسانية بين الناس على أساس الإيمان والإخلاص, ثم إلى التكامل في ميدان العمل والصناعة والمعرفة, وكلا التكاملين ضرورة لا بد منها لإيجاد حياة إنسانية سعيدة, من أجل ذلك كله كان الإسلام ضياء ونورا يضيء أمام الإنسان ويهديه إلى طريق السعادة, وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢, ولهذا كان منهاج الإسلام في الحياة هدى الله, فمن اتبع هداه فلا يضل ولا يشقى ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ ٣.
وعلى ذلك لو عملت الأمة بروح الأخلاق الإسلامية لأصبحت أرقى الأمم وأسعدها من جميع النوحي؛ لأنها تدعو كل فرد إلى أن يكون إنسانا خيرا عالما فاضلا, ولا يمكن أن تتقدم أمة إلا بذلك, ولذلك كانت الأخلاق الإسلامية ضرورة وغاية في الأهمية لدفعها الناس إلى الأفضل والأكمل.
стр. 142
الباب الثاني: أسس الأخلاق في نظر الإسلام
الفصل الأول: الأساس الغيبي والاعتقادي
أركان الأساس الاعتقادي
الركن الأول
...
الباب الثاني: أسس الأخلاق في نظر الإسلام
الفصل الأول: الأساس الغيبي والاعتقادي
أولا: أركان الأساس الاعتقادي.
الركن الأول: الإيمان بوجود الله الذي خلق الكون وخلق الإنسان وخلق الموت والحياة
وهو يعلم كل شيء في الماضي والحاضر والمستقبل, حتى إنه ليعلم ما يدور في خلجات الأنفس من النيات الخيرة والشريرة ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ ١.
стр. 143
الركن الثاني
...
الثاني: أن الله منذ أن خلق الإنسان فوق هذا الكوكب عرفه بنفسه,
وعرفه طريق الخير والشر, والحق والباطل, برسالات أوحي بها إلى من اختارهم من الناس كما شاء، قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى, الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى, وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ ٢، ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ, وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ, وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ ٣ ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ ٤، ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٥، فمن أصلح نفسه واتبع الهدى أفلح وإلا خاب وخسر ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا, فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا, قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا, وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ٦.
ثم إن الله خلق في الإنسان قدرة لإدراك تلك الحقائق, ونصب دلائل على جميع ذلك في هذه الطبيعة, يدركها من يتأمل فيها ويبحث عنها في ثنايا هذا
стр. 144
الوجود بوحي الله وبوحي من عقله, قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ ١, وبناء على ذلك كلفهم باتباع الحق والخير واجتناب الباطل والشر, كما بيَّن واجبات الإنسان نحو خالقه ونحو المخلوقات الأخرى من الإنس وغير الإنس وبيَّن المحرمات التي يجب اجتنابها, وكل ذلك تابع للتفرقة بين الحق والباطل من جهة وللتفرقة بين الخير والشر من جهة أخرى.
стр. 145
أما الركن الثالث: فهو وجود الحياة بعد الموت
وهذه الحياة أما نعيم أو جحيم, فالأولى يكافأ بها من اتبع الحق وفعل الخير واجتنب الشر والمحرمات في هذه الدنيا, والثانية يجازى بها من اتبع الباطل وفعل الشر؛ فالنعيم لمن استقام في هذه الحياة والجحيم لمن انحرف فيها, وهذه وتلك تكون بعد حساب دقيق يقوم به الخالق العليم, يحاسب فيه كل إنسان بما عمل من خير أو شر صغيرا كان عمله أم كبيرا, وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ ٢ , ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً﴾ ٣, ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه, وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه﴾ ٤.
إذن فهذه الحياة ميدان عمل واختبار للإنسان لمن يريد الخير ولمن يريد الشر ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ٥ إنه ابتلاء فعلا لمن يريد اتباع مناهج الله في الحياة, ولمن يريد الانحراف عنه, وتلك الحياة الأخرى مكافأة وجزءا لعمل الإنسان في هذه الحياة من خير أو شر.