← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11293

علم الأخلاق الإسلامية

مقداد يالجن

Полный текст (524 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ ١, وهذا من صفات الكمال, وينبغي للإنسان أن يسعى ليتشبه بصفات الكمال في أي ميدان من ميادين العمل في العلم والصناعة والتجارة وما إلى ذلك, ولا شك أن هذا السعي وراء الكمال في العمل يؤدي إلى تقدم الحضارة, فإذا سعى أهل العلم للإتقان في العمل تقدم العلم، وإذا سعى أهل الصناعة لإتقان الصناعة تقدمت الصناعة, ولو سعى الموظفون لآداء أعمالهم في أكمل صورة لانتظمت أمور الدولة, ولو أتقن المعلمون التعليم وأتقن المتعلمون التعلم لتقدم العلم. وهكذا نجد أن الأخلاق الإسلامية تدفع بطبيعتها إلى الكمال والتكامل في البناء الاجتماعي الذي يقوم على توطيد العلاقات الإنسانية بين الناس على أساس الإيمان والإخلاص, ثم إلى التكامل في ميدان العمل والصناعة والمعرفة, وكلا التكاملين ضرورة لا بد منها لإيجاد حياة إنسانية سعيدة, من أجل ذلك كله كان الإسلام ضياء ونورا يضيء أمام الإنسان ويهديه إلى طريق السعادة, وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢, ولهذا كان منهاج الإسلام في الحياة هدى الله, فمن اتبع هداه فلا يضل ولا يشقى ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ ٣. وعلى ذلك لو عملت الأمة بروح الأخلاق الإسلامية لأصبحت أرقى الأمم وأسعدها من جميع النوحي؛ لأنها تدعو كل فرد إلى أن يكون إنسانا خيرا عالما فاضلا, ولا يمكن أن تتقدم أمة إلا بذلك, ولذلك كانت الأخلاق الإسلامية ضرورة وغاية في الأهمية لدفعها الناس إلى الأفضل والأكمل.

стр. 142

الباب الثاني: أسس الأخلاق في نظر الإسلام الفصل الأول: الأساس الغيبي والاعتقادي أركان الأساس الاعتقادي الركن الأول ... الباب الثاني: أسس الأخلاق في نظر الإسلام الفصل الأول: الأساس الغيبي والاعتقادي أولا: أركان الأساس الاعتقادي. الركن الأول: الإيمان بوجود الله الذي خلق الكون وخلق الإنسان وخلق الموت والحياة وهو يعلم كل شيء في الماضي والحاضر والمستقبل, حتى إنه ليعلم ما يدور في خلجات الأنفس من النيات الخيرة والشريرة ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ ١.

стр. 143

الركن الثاني ... الثاني: أن الله منذ أن خلق الإنسان فوق هذا الكوكب عرفه بنفسه, وعرفه طريق الخير والشر, والحق والباطل, برسالات أوحي بها إلى من اختارهم من الناس كما شاء، قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى, الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى, وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ ٢، ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ, وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ, وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ ٣ ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ ٤، ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٥، فمن أصلح نفسه واتبع الهدى أفلح وإلا خاب وخسر ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا, فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا, قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا, وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ٦. ثم إن الله خلق في الإنسان قدرة لإدراك تلك الحقائق, ونصب دلائل على جميع ذلك في هذه الطبيعة, يدركها من يتأمل فيها ويبحث عنها في ثنايا هذا

стр. 144

الوجود بوحي الله وبوحي من عقله, قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ ١, وبناء على ذلك كلفهم باتباع الحق والخير واجتناب الباطل والشر, كما بيَّن واجبات الإنسان نحو خالقه ونحو المخلوقات الأخرى من الإنس وغير الإنس وبيَّن المحرمات التي يجب اجتنابها, وكل ذلك تابع للتفرقة بين الحق والباطل من جهة وللتفرقة بين الخير والشر من جهة أخرى.

стр. 145

أما الركن الثالث: فهو وجود الحياة بعد الموت وهذه الحياة أما نعيم أو جحيم, فالأولى يكافأ بها من اتبع الحق وفعل الخير واجتنب الشر والمحرمات في هذه الدنيا, والثانية يجازى بها من اتبع الباطل وفعل الشر؛ فالنعيم لمن استقام في هذه الحياة والجحيم لمن انحرف فيها, وهذه وتلك تكون بعد حساب دقيق يقوم به الخالق العليم, يحاسب فيه كل إنسان بما عمل من خير أو شر صغيرا كان عمله أم كبيرا, وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ ٢ , ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً﴾ ٣, ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه, وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه﴾ ٤. إذن فهذه الحياة ميدان عمل واختبار للإنسان لمن يريد الخير ولمن يريد الشر ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ٥ إنه ابتلاء فعلا لمن يريد اتباع مناهج الله في الحياة, ولمن يريد الانحراف عنه, وتلك الحياة الأخرى مكافأة وجزءا لعمل الإنسان في هذه الحياة من خير أو شر.

стр. 146

ثاينا: أهمية الأساس الاعتقادي وهذا الأساس بهذا المفهوم في غاية الأهمية في الاتجاه الأخلاقي في الإسلام, ذلك أنه يعتبر السند الذي يعتمد عليه في إقامة النظام الخلقي وفي عملية الالتزام به، فبدون هذا الأساس تفقد الأخلاق قدسيتها وعظم تأثيرها في الإنسان, ولا يمكن أن تطبق الأخلاق تطبيقا عمليا دقيقا في السر والعلن إلا إذا اتخذ هذا الأساس في قلوب البشر مكانا, وآمنوا به إيمانا صادقا, ويقول "فرويل" هنا: "إن الإيمان يجعل الإنسان يعيش ساكنا قويا في كل الأحوال وظروف هذه الحياة, وعن طريق التعليم الديني يمكن أن يعرف الإنسان واجباته والقيام بأدائها". وليس هذا أساسا للسلوك الأخلاقي فقط بل أساس للحياة, إذ لا معنى للحياة -في الحقيقة- دون وجود هذا الأساس ودون الاعتماد عليه. والذي يقرأ كتاب الوجوديين الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر يرى كم يعانون من الاضطراب النفسي والقلق في أعماق قلوبهم, وخاصة كتاباتهم في التفكير الأخلاقي وهم يحاولون أن يبرروا ذلك كله بإسناده إلى الطبيعة أو إلى طبيعة الحياة, والحقيقة أنه ليس من الطبيعة, بدليل أننا لا نجد هذه الظاهرة عند غيرهم بصورة عامة, ولعل ذلك من طبيعة عدم الإيمان إذ إن في طبيعة الحياة الإنسانية جانبا لا يملؤه إلا الإيمان, فوجود هذا الفراغ في حياة هؤلاء هو السبب في إحساسهم بالنقص والقلق والاضطراب في الحياة, وذلك الإحساس هو الذي يدفعهم في بعض الظروف المحرجة إلى محاولة التخلص من هذه الحياة, وذلك إما بالانتحار وإما بالتردي في حياة السُّكْر، وهذا قضاء على الحياة بطريق غير

стр. 147

مباشر، ومما يؤيد صدق ما ندعي أن أولئك الذين يقضون على حياتهم لا يفعلون ذلك لضيق معيشتهم أو لفقد صحتهم, بل إننا نجد منهم من هم أغنى الناس, لا ينقصهم مال ولا جاه ولا أي متعة من متع الحياة، وإنما ينقصهم في الحقيقة الطمأنينة الداخلية التي يكونها الإيمان أو العقيدة السلمية, ولا أقول هذا إن افتقاد عامل العقيدة هو السبب الوحيد في الانتحار، وإنما أقول إنه من أهم الأسباب، ومن مميزات تلك العقيدة أنها تضفي على القوانين الأخلاقية قداسة تسمو بها على أن تكون مجرد نظام وضعي يحدد علاقة الناس فيما بينهم لتحقيق مصلحة فردية أو اجتماعية لرغبات الأفراد أو المجتمعات. فهناك إذن فروق واضحة بين القوانين الأخلاقية والقوانين الوضعية, ويمكن تلخيص تلك الفروق في النقط الآتية: فالأولى: قدسية القوانين الأخلاقية. ويؤدي ذلك إلى أمرين أولهما: تعظيم هذه القوانين وإجلالها, ومن ثم تكون لها سلطة تتحكم بها في حياة الإنسان وتصرفاته في السر والعلن، وثانيهما: إن هذه القوانين الأخلاقية تؤثر في الإنسان عمليا من الناحية الإيجابية او السلبية نتيجة تطبيقها أو عدم تطبيقها, فيكون أثر التطبيق الإحساس بالسرور والانشراح في أعماق النفس الإنسانية, ويكون أثر عدم تطبيقها الإحساس بالوخز والضيق والكآبة، وذلك بصرف النظر عن ملاحظة الناس لهذه الأفعال أو تلك؛ لأن ذلك الإحساس بالقدسية يجعل من نفسه رقيبا داخليا على تصرفات الإنسان, ولا يرتبط ذلك التطبيق للقوانين الأخلاقية بالمنفعة أو بالمظهر الاجتماعي فحسب شأن القوانين الوضعية، بل يتربط إلى جانب ذلك بظاهرة أعمق من ذلك وهي الإحساس

стр. 148

بالواجب وبراحة الضمير. النقطة الثانية: أن هذه القوانين الأخلاقية تحقق للإنسان السعادة في الحياة؛ لأنها تجمع بين المنافع المادية والمعنوية, أما القوانين المدنية فلا تراعي كل ذلك كما أنها لا تدفع الإنسان إلى ذلك دفعا كالقوانين الأخلاقية القائمة على هذا الأساس الاعتقادي. النقطة الثالثة: أن القوانين الأخلاقية من حيث الأصول عامة وثابتة, وهي تتجاوز حدود القوانين الوضعية من هذه الناحية ومن ناحية التأثير والتطبيق. النقطة الرابعة: أنها هي التي تصبغ حياة الإنسان بصبغتها, وتكيفها بروحها وغايتها وفلسفتها, بينما القوانين الوضعية يحددها المجتمع أو بعض أفراده وذلك وفقا لرغبتهم في الحياة وفهمهم لها، ومن ثم تظهر روح المجتمع في قوانينه بينما تظهر روح الأخلاق الدينية في حياة المجتمع إذا ما كان يسير المجتمع وفقا لتوجيهات هذه الأخلاق لا وفقا لتوجيهات رغباته ومنفعته. ومجمل القول إن العقيدة -أساسا للأخلاق- تلعب أكبر دور في الحياة الأخلاقية من حيث إنها أكبر دافع يدفع الإنسان إلى الأعمال الإيجابية الخيرة, وأقوى رادع يكفه عن اتباع الهوى والشهوات، ومن حيث إنها المصدر الرئيسي للإحساس بقدسية القوانين الأخلاقية, وهذا بدوره هو المنبع الوحيد الذي يستقي منه الضمير الأدبي حياته الوجدانية. ولقد اعترف الدكتور ألكسيس كارل بهذه الحقيقة, وبيَّن أن العقيدة تضيف على الأخلاق فعالية لا توجد في الأخلاق المدنية, فيقول: "فالفكرة المجردة لا تصبح عاملا فعالا إلا إذا تضمنت عنصرا دينيا, وهذا هو السبب في أن

стр. 149

الأخلاق الدينية أقوى من الأخلاق المدنية إلى حد تستحيل معه المقارنة, ولذلك لا يتحمس الإنسان في الخضوع لقواعد السلوك القائم على المنطق إلا إذا نظر إلى قوانين الحياة على أنها أوامر منزلة من الذات الإلهية"١, ويرى "باستا لوتزي" أن حياة الإنسان الأدبية ونموه في الفضيلة يتوقف على إحياء الإيمان بالله في فؤاده", ويرى "أفلاطون" أن الإنسان بغير الإيمان بالله يضل في الحياة٣. وبقدر تدعيم الأخلاق بالعقيدة وتأسيسها عليها تقوم الأخلاق على أرض صلبة، وبقدر تنمية الإيمان في نفوس الأجيال بالعقيدة والأخلاق معا نستطيع تقوية دافع الالتزام بالقيم الأخلاقية, والتضحية من أجلها, وتكون النتيجة عكس ذلك إذا أهملنا هذا التدعيم والتنمية.

стр. 150

الفصل الثاني: الأساس الواقعي والعلمي أساس الاعتدال بين الواقعية والمثالية ... الفصل الثاني: الأساس الواقعي والعلمي أولاً: أساس الاعتدال بين الواقعية والمثالية إذا كان الإسلام قد دعا إلى المثالية والسمو الروحي وذم الذين أخلدوا إلى الأرض وشهواتها، فإن دعوته إلى المثالية لم تكن متطرفة كبعض الدعوات الروحية الأخرى, التي كانت تدعو الإنسان إلى محاربة الطبيعة وعدم الاستسلام لضغط وقائع الحياة مهما كانت طبيعتها وشدتها؛ لأن السمو الروحي وخلاص الإنسان من آلام هذه الحياة إنما تتم -في نظرها- بمحاربة الطبيعة والتسامي على واقعها؛ ولأن السعادة لا تتم للإنسان إلا بهذه الطريقة. كذلك لم يكن الإسلام متطرفا في دعوته إلى الحياة مع الطبيعة, كالطبيعيين الذين دعوا إلى الإخلاد إلى الأرض والحياة مع الطبيعة, والطاعة لدواعيها ومتطلباتها وعدم الاهتمام بما فوق الطبيعة وفوق الحياة الواقعة الملموسة؛ لأن الحياة مع الطبيعة -في نظرهم- هي الحياة السليمة التي تؤدي بالإنسان إلى السعادة. بل كان اتجاه الإسلام نحو الطبيعة في إقامة نظامه الخلقي اتجاها معتدلا, وحقيقة هذا الاتجاه المعتدل تظهر إذا وضحنا الموقفين اللذين وقفهما الإسلام من الطبيعة: ففي الموقف الأول دعا إلى الاستعلاء على الطبيعة وعدم الاستسلام لها؛ لأن الإسلام طلب من الإنسان أن يكون سيدًا على الطبيعة, وسيدا على نفسه في الحياة، وذلك لا يكون إلا بتسخير قوانينها وتكييف مادتها في صورة تؤدي إلى عمران الأرض والسمو بالحياة وفقا إلى الرتبة التي أراد الله من الإنسان أن يرقى إليها في هذه الأرض بعد أن أنشأه فيها؛ لذا قال تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ

стр. 151

الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ ١. ولا يستطيع أن يكون سيدا على نفسه إلا بضبط ميوله ورغباته وحاجاته الأولية وتوجيهها وفقا للمثل العليا التي رسمها أمام الإنسان والتي تدعو إلى عدم اتباع الهوى والشهوات, وتدعو إلى التقرب إلى الله بالتسامي الروحي. وفي الموقف الثاني دعا إلى مهادنة الطبيعة والواقع مراعاة قوانينها وعدم الاصطدام معها؛ لأن الحياة مع مخالفة الطبيعة بهذه الصورة لا يمكن أن تستمر ولا بد من أن يبوء نظام الحياة القائم على هذا الوضع بالفشل.

стр. 152

ثانيا: مراعاة قوانين الطبيعة والحياة: ومراعاة الطبيعة والواقع تتم عن طريق اتخاذ قواعد السلوك وفقا للقوانين الأساسية للحياة البشرية٢، ولقد حصر الدكتور "آلكسيس كارل" هذه القوانين في ثلاثة قوانين أساسية عامة، وهي: قانون المحافظة على الحياة وقانون تكاثر النوع، وأخيرا قانون الارتقاء العقلي والروحي٣. ويدخل في القانون الأول أن كل سلوك من شأنه أن يحافظ على الحياة وينميها -أي حياة المرء لنفسه أو لغيره- يعد سلوكا أخلاقيا, وكل سلوك من شأنه أن يضاد الحياة أو يعوقها بصورة من الصور يعد سلوكا غير أخلاقي, ومن هنا حرم أخلاقيا القتل واستغلال الناس للمصالح الشخصية وإعاقة أعمال الناس.

стр. 153

أيضا التهديدات وإخافة الناس, وحرم التحاسد والتباغض؛ لأن كل ذلك يعوق الحياة من الناحية العملية والنفسية، ومن ثم أوجب الإسلام احترام حقوق الناس في دمائم وأموالهم وأعراضهم وإحساساتهم الأدبية, وحض على الأعمال التي تنظم الحياة وتنميها مثل: السعي لخير الناس وبث المحبة والمودة والسرور والبهجة في نفوسهم, وقد ذكرنا نصوصا في الباب السابق تشير إلى كل هذه الجوانب. وفيما يتعلق بالقانون الثاني يعتبر السلوك الذي يؤدي إلى إبقاء النوع وتحسينه سلوكا أخلاقيا راقيا، ومن هنا شرع الزواج وكرهت الرهبنة, وهنا يقول تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ ١ وروي أن الرسول قد نهى عن الرهبانية٢, كما استحسن اختيار الزوجة من السلالة السليمة عقلا وجسما؛ وذلك لتحسين النسل فقال الرسول ﷺ : "تخيروا لنطفكم فانكحوا الأكفاء وانكحوا إليهم" وقال أيضا ما معناه "فلينظر أحدكم أين يضع كريمته"٤, وبيَّن الرسول أن على الآباء أن يختاروا لبناتهم أزواجا صالحين, وإلا سيؤدي الأمر إلى فساد كبير فقال: "إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" ٥, ولقد أثبت الدكتور "الكسيس كارل" كيف أن سوء الخلق ينتشر عن طريق الزواج ويؤثر في الذرية تأثيرا سيئا من الناحية البيولوجية والسيكولوجية والسلوكية فقال: "نحن نعرف اليوم أن

стр. 154

الزواج بين أولاد الأشقياء أو السكيرين أو المصابين بالزهري أو حاملي العيوب العقلية الوراثية يعتبر جريمة جديرة بالعقاب, وينبغي لنا ألا ننسى في هذا الصدد أسرة روك الأمريكية حين تم الزواج بين شخصين من أرباب السوابق فظهر من بين سلالتهما ٣٣٩ عاهرا و١٨١ سكيرا و١٧٠ معوزا و١١٨ مجرما و٨٦ من أصحاب بيوت الدعارة", وقال الرسول ﷺ : "تزوجوا في الحجر الصالح فإن العرق دساس" ٢. وهذه الحقيقة كانت معروفة لدى الناس، وقد أشار إليها القرآن في قضية مريم: ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً, يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾ ٣، غير أنه ما كان يعرفه الناس هو أن سوء خلق الوالدين يؤثر في الأبناء عن طريق التقليد فحسب، لكن العلم يثبت اليوم أنه يؤثر أيضا عن طريق الخلايا الملقحة، ثم إن الإسلام حرم كل سلوك من شأنه أن يعوق استمرار التناسل؛ لأنه يعد منعا لاستمرار النوع, ولهذا منع الإجهاض وعدَّه جريمة، سواء كان من قبل الأم أو من قبل غيرها, وقد اتفق العلماء على أن المُجْهِض عليه أن يدفع دية الغرة٥, ومنع أيضا الاختصاء؛ لأنه يعد عائقا دائما أمام استمرار النوع. والدليل على ذلك ما روي عن بعض الصحابة, قالوا: "كنا مع رسول الله ﷺ وليس لنا شيء, فقلنا: ألا نستخصي, فنهانا عن ذلك ثم رخص

стр. 155

لنا أن ننكح المرأة بالثوب١ ثم قرأ علينا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ٢, فالإسلام يعد الخروج على القوانين الطبيعية والأخلاقية تعديا وخروجا عن جادة الحياة المستقيمة. ومن واجبنا أن نعرض هنا لمشكلة اجتماعية عامة تكتسح العالم كله ألا وهي مشكلة تحديد النسل, ونبين حكم الإسلام فيه من الوجه الأخلاقية, لقد عرضنا فيما سبق أن غريزة التناسل قانون من قوانين دوام حياة النوع واستمراره, وكما بينا أن الإسلام يحرم كل سلوك يضاد هذا القانون, ويحول دون استمرار التناسل, وهذا أمر قاطع في الإسلام لا يقبل المناقشة بصفة عامة. أما الحد من كثرة التناسل بطريقة من الطرق دون الإسقاط أو الإجهاض فأمر ورد فيه نصوص متعددة, مما يجعلنا لا نستطيع البت فيه من هذه الجهة بتحريمه بصفة عامة لكل فرد وفي جميع الظروف والأحوال, لكن نستطيع معالجته عن طريق دراسته في ضوء قوانين الحياة من حيث مخالفته أو موافقته لها, والنتائج التي تترتب على ذلك من مضرة أو منفعة ومن خير أو شر. ونستطيع أن نحكم عليه من وجهة نظر الأخلاق الإسلامية, بناء على دوافع هذا السلوك وأهدافه, وبناء على ما يترتب على فعله من مصلحة أو مضرة على الأفراد أو المجتمع إن عاجلا أو آجلا. وإذا بحثنا عن دوافعه وأهدافه وجدنا أنها تكاد تنحصر في أحد الأمور الآتية:

стр. 156

الأمر الأول: التخلص من الضائقة الاقتصادية أو الخشية من ضيق الرزق. والأمر الثاني: تجنب الضرر الذي قد يلحق بالأولاد, أو بأحد الأبوين أو كليهما أيًّا كان لون هذا الضرر. والأمر الثالث: المحافظة على جمال المرأة وحسن التمتع بها. بأحد هذه الأمور أو بأجمعها يتذرع المتحمسون لتحديد النسل, ولننظر مدى صدق هذه الدعاوى, وهل ما يترتب عليه هو هذه الغاية المرجوة؟ وهل ذلك هو الوسيلة الوحيدة أو أحسنها للوصول إلى تلك الغاية أو الغايات؟ ولنبدأ بالأمر الأول: الذي هو الدافع الأساسي الذي تتذرع به تلك الدعوات على مستوى المجتمعات، إذ يقولون إن تجاوز نسبة المواليد نسبة الإنتاج الصناعي والغذائي أمر يدعو إلى الخطر في المستقبل, وهو أساس المشكلة الاقتصادية التي تعاني منها المجتمعات الفقيرة المتخلفة من الناحية الاقتصادية. وهذا الادعاء صحيح عقلا وواقعا, ويمكن حل هذه المشكلة عن طريق تحديد النسل, ولكن هذا الحل سلبي وليس إيجابيا, والحل السلبي ليس حلا أخلاقيا, إذ إنه يوحي بالضعف والعجز ويثير في النفس الخمول والكسل, أو إن مثل هذا الحل يتولد من هذه الأسباب أو الإيحاءات الأخلاقية السلبية, ومثل هذا الحل يترتب عليه غالبا نتائج سلبية, تتولد عنها مشكلات أكثر تعقيدا من المشكلة نفسها، ومن الأمثلة لذلك أن بعض الدول الأوربية رأت قلة نسبة المواليد عن نسبة الوفيات, وترتب على ذلك قلة الأيدى العاملة وكثرة نسبة العجزة, كما أدى الأمر أخيرا إلى قلة عدد السكان عما كان عليه عند قيام الدعوة؛ لأن تحديد كمية العدد المناسب عن طريق تحديد النسل أمر يكاد يكون مستحيلا،

стр. 157

الأمر الذي دعاها إلى القيام بحملات ضد تحديده, ودعوة المواطنين إلى إنجاب ذرية أكثر, ووعدت تلك الدول بمكافآت لأمهات ينجبن أولادا أكثر, كما أعفت الأسر الكبيرة عن بعض الضرائب وأعطتها بعض الامتيازات, وبالرغم من ذلك فإن بعض هذه الدول لا تزال تعاني من نقص السكان, وتستدعي الأيدي العاملة من الدول الأخرى مثل: ألمانيا والسويد وفرنسا, ولهذا جاء في إحدى الجرائد الألمانية الناطقة باسم الحكومة "أن نسبة المواليد في وطننا إذا ظلت تهبط هكذا فعسى أن يأتي علينا يوم يكون فيه الألماني شعبا عقيما؛ ولإصلاح هذا الوضع المخيف أصدرت الحكومة النازية قانونا بمنع تعميم منع الحمل وترويج طرقه"١, وقال أحد وزراء السويد في المجلس النيابي: "إن الشعب السويدي إذا كان لا يريد لنفسه الانتحار فعليه أن يتخذ التدابير المؤثرة لمقاومة انخفاض نسبة المواليد في وطنه", وفي إيطاليا جاء تصريح باسم الحكومة "أن حكومة "موسيليني" بذلت جل اهتمامها لزيادة السكان برفع نسبة المواليد في بلادها بعد سنة ١٩٣٣ فهي لهذا الغرض نهت عن ترويج منع الحمل, وأصدرت قانونا يحظر نشر الكتب والوسائل والمقالات عن معلوماته ووسائله، وهي -لترغيب الناس في الزواج والتناسل- اتخذت الخطوات اللازمة"٢, وهناك تصريحات كثيرة من هذا القبيل في كثير من الدول التي أدت فيها حركة تحديد النسل إلى انخفاض السكان بدرجة خطيرة. ثم إن قلة السكان ليست وسيلة الرفاهية من وجهة النظر العلمية؛ ذلك أننا نجد هناك دولة مثل اليابان بالرغم من التضخم السكاني وبالرغم من قلة

стр. 158

الموارد الطبيعية والمساحة الأرضية بالنسبة لسكانها, بالرغم من هذا كله تتوافر فيها الامكانات الاقتصادية؛ لأنها تعمل بالأساليب العلمية في مختلف المجالات, وعلى العكس من ذلك تمامًا نجد هناك دولاً كالسودان مثلا بالرغم من توافر الإمكانات الطبيعية, وقلة سكانها, يسود فيها التخلف الاقتصادي والفقر والتأخر؛ لأنها لم تتخذ العلم وسيلة للتقدم الاقتصادي, فالعلم يخرج الحب من الحجر ويضاعف الإنتاج أضعافا مضاعفة، هذا رأي العلم والواقع في هذه النقطة. ولننظر إلى رأي الإسلام: إن فكرة تحديد النسل ليست فكرة جديدة, بل كانت موجودة أبان ظهور الإسلام, فقد كان العرب أو بعض الأفراد يقوم بتحديد النسل؛ وذلك بإحدى وسيلتين: الأولى: قتل الأولاد في بطن الأمهات أو بعد الولادة. وثانيتهما: بالعزل, وقد أنكر الإسلام الوسيلة الأولى إنكارا قاطعا, وندد بالفاعلين وأوعدهم بالعقاب الأليم, فقال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً﴾ ١, وقال: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمْ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ٢, وهكذا يرتكب هؤلاء السفاهة بقتل أولادهم خوفا من الفقر من غير علم أسباب الرزق, ويظنون أن تقليل العدد هو سبب الرخاء, يزين ذلك لهم شياطينهم, ويقولون: إن الأرض سوف تضيق من كثرة السكان في المستقبل ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ ٣، ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ ٤، وذلك عين الحرام

стр. 159

في رأي الإسلام قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ ١. أما الوسيلة الثانية التي كانوا يتخذونها لتحديد النسل فهي العزل, وقد سألوا الرسول عن حكم العزل, وكان الرسول يفتي في ذلك بناء على الأسباب التي كان يعلل بها كل سائل, جاءه رجل يوما يسأله ويقول: "إن لي جارية وأنا أطوف عليها وأنا أكره أن تحمل, فقال: "أعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها" ٢, وقال آخرون يوما: "أصبنا سبيا فكنا نعزل, فسألنا رسول الله ﷺ فقال: " أو إنكم تفعلون؟ قالها ثلاثا: ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا هي كائنة" ٣, وسئل في مناسبة أخرى عنه فقال: "ذلك الوأد الخفي" ٤, وجاء في رواية أن الرسول قال ذلك موافقة على رأي اليهود, وكان لا يكذب أهل الكتاب بما يقولون, إلا إذا نزل عليه وحي يخالف ذلك, وفي هذا الصدد قال في حديث آخر عندما جاءه جماعة من الصحابة, وسألوه عن مدى صدق اليهود في قولهم في العزل "إن تلك الموؤدة الصغرى", فقال الرسول: "كذبت اليهود, لو أراد الله خلقه لم تستطع رده" ٥. وسبب تكذيب اليهود كما يقول "ابن القيم" إن العزل لا يتصور فيه الحمل أصلا, وهم جعلوه بمنزلة قطع النسل بالوأد, فأكذبهم وأخبر أنه لا يمنع الحمل إذا شاء

стр. 160

الله خلقه"١, لكن هذا التكذيب منصب في عد العزل وأدا, وكيف يعد وأدا ولم يخلق شيء في الرحم، وسئل "ابن عباس" عن العزل فقال: ذلك الوأد الأصغر, فلما سمع "علي" أنكره عليه, وقال: لا يكون الوأد الأصغر إلا بعد الطور السابع في الخلق في الرحم"٢, إذن يمكن أن يقال على الإجهاض الوأد الأصغر، لكن لا ينبغي أن يفهم من عدم عد الرسول ذلك الوأد الأصغر أو الخفي أنه يدعو إلى ذلك, بل الأمر على عكس ذلك فإنه يفهم من النصوص الواردة أفضلية ترك العزل كما جاء في نص آخر, حين سئل النبي فقال: "لا عليكم أن تفعلوا ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة" ٣, وهنا يرى "الغزالي" أن النصوص الواردة أفادت النهي, فهي على سبيل التنزيه لا على التحريم, وليس في فعله حرام وإن كان في تركه فضيلة٤, وهو يقسم بوجه عام عمل العزل بحسب باعثه إلى خمسة أقسام, الأول: بقصد استبقاء الملك بترك العتاق، الثانية: استبقاء جمال المرأة لدوام التمتع واستبقاء حياتها، الثالثة: الخوف من كثرة الحرج مع كثرة العيال, والاحتراز من الحاجة إلى مزيد من التعب والجهد؛ لأن قلة الحرج معين على الدين، وإذا كان الكمال في التوكل والثفة بضمان الله بناء على قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ لكنه لا جرم من السقوط عن ذروة الكمال وترك الأفضل لمن لم يقدر عليه. الرابعة: الخوف من الأولاد الإناث لما يعتقد في تزويجهن من المعرة، الخامسة: أن تمتنع المرأة عن الولادة لتقززها وترفعها منها.

стр. 161

ويرى الغزالي أن العزل لهذين السببين الأخيرين مخالفة للسنة ونية فاسدة لا تتفق مع الإسلام, بينما لا يرى الحرمة في ذلك للأسباب الأولى١. لكن لا نعدم هناك آراء أخرى في هذا الموضوع بعضها يحرم إطلاقا وبعضها الآخر يجيزه إطلاقا وبعضها يحله إذا رضيت المرأة ويحرمه إذا لم ترضَ٢. على أي حال هذه آراء العلماء, وسوف نقدم رأينا بوجه عام بعد معالجة الأمور التي ذكرناها سابقا. والآن بقيت نقطة أخرى في الدافع الاقتصادي في تحديد النسل وهي: أن الإسلام يراعي مدى أهمية الاقتصاد في تكوين الأسرة؛ ولذلك نراه يدعو إلى تكوين الأسرة لمن يملك الإمكانات لذلك؛ لأن توافر الإمكانات المالية له دوره في حياة الأطفال؛ ولذلك لا يدعو الإسلام إلى الزواج مبدئيا لمن لا يملك هذه الإمكانات, فقال الرسول ﷺ : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج, ومن لم يستطع فعليه الصوم فإنه له وجاء" ٣, فعلى المقدم على الزواج أن يعلم أن هناك تكاليف يجب أن يقوم بها لزوجته ولأولاده, فلا يصح أن يقدم على هذا الأمر وهو لا يملك شيئا أو يملك ما لا يكفي, فقال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٤, وقال الرسول لهند إمرأة أبي سفيان: "خذي من مال زوجك ما يكفيك ولولدك بالمعروف" ٥, إذن فالمقدم على الزواج يشترط أن يكون

стр. 162

قادرًا على القيام بنفقات الأولاد, وإذا كان قادرًا على ذلك فلا يصح تحديد النسل، ثم إن للتحديد بالطرق المعروفة حاليًا أضرارًا من جهات مختلفة, كما لا يصح تقييم كل سلوك إنساني من وجهة النظر الاقتصادية وحدها. أما فيما يتصل بالدافع الثاني لتحديد النسل, وهو: الأضرار الناتجة عن الولادة فنقول: إن الضرر هنا نوعان: فالأول: هو الضرر المادي كأن يضر الحمل الأم لسبب من الأسباب أو يضر مولودًا سابقًا, ولا مانع في هذه الحالة من التحديد؛ لأن الضرر يزال لقول الرسول ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" ١, وهذا مبدأ هام في الإسلام, كما أن المرض حالة استثنائية, وهو لذلك يدخل في القانون الاستثنائي الذي سيأتي تفصيله عند الكلام عن الأساس الخامس في هذا الباب. والنوع الثاني من الضرر: الضرر الأدبي كأن يشعر الوالدان بالعار من المولود لأمر ما كما كان العرب يشعرون بالمعرة من الأنثى وكانوا يئدون البنات وهن أحياء بعد الميلاد، والإسلام لا يعتد بمثل هذه المضرة بل إنه يعتبر المولود ذكرا كان أو أنثى زينة ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ٢, وأمر بالتسوية بينهما, فقال الرسول ﷺ : "من كان له أنثى فلم يهنها ولم يؤثر ولده عليها أدخله الله الحنة" ٣. أما الدافع الثالث والأخير لتحديد النسل فهو: من أجل المحافظة على صحة المرأة وجمالها وحسن التمتع بها, إذ إن معظم النساء يرين أن الولادة ترهقهن وتقضي على جمالهن وتضيع عليهن فرص التمتع في ميادين اللهو والمتعة.

стр. 163

وهذه الظاهرة أكثر وضوحا في البلاد المتقدمة حضاريا منها في البلاد المتأخرة, وهنا يقول الكاتب الفرنسي "بول بيريو": "إن الأزواج والزوجات الذين يحاولون الحد من نسلهم في فرنسا -قد علمنا بعد الاستفسار- أن قليلا منهم يحاولونه بناء على قلة المال وكثرة الأولاد لديهم، وإنما الأسباب الحقيقية التي تبعث عليه أكثرهم هي تحسين الوضع المالي ورفع مستوى المعيشة والاحتراس من الخطر أن تتوزع الثروة المجموعة إلى قطع صغيرة متعددة وبذل الاهتمام الكلي بتعليم الولد الوحيد تعليما عاليا, وإعداده للمستقبل الرائع, والاحتفاظ بجمال الزوجة ورشاقتها ونضارتها إزاء متاعب الحمل وشواغل رعاية الأطفال الكثيرين ورضاعتهم, والضن بحرية النفس في التفرج والمرح والاستجمام, والحيلولة دون أن تصبح الزوجة فيما إذا أنجبت عدة أطفال منهمكة بتربيتهم, فيتعكر صفو الحياة الزوجية, وتقل فيها فرصة الاستمتاع بمباهج الحياة وملاهيها"١. لكن هل الولادة تضر المرأة عادة بصورة مستمرة, وتحديد النسل ينفعها ويحافظ على جمالها, كما يدعون أو يتصورون؟ الحقيقة أن وسائل تحديد النسل قد كثرت اليوم وأهمها الإجهاض، ثم الحبوب والحواجز، ولنستمع إلى رأي المتخصصين في هذه المجالات. فيما يتعلق بالإجهاض يقول الدكتور "تانسنج فريديك": "تنتج عن الإجهاض ثلاثة أضرار, يتعرض لها النسل الإنساني: ١- يهلك عدد غير معلوم من الأفراد البشرية قبل أن يخرجوا إلى نور الحياة.

стр. 164

٢- ويذهب عدد غير يسير من الأمهات ضحية الموت أثناء عملية الإجهاض. ٣- وبالإجهاض تحْدُث في المرأة مؤثرات مرضية, لا يستهان بعددها وتجرح فيها إمكانات التوليد في المستقبل على صورة مفزعة جدا١. وفيما يتعلق باستعمال الحبوب والحواجز المانعة تقول الدكتورة "ميري شارليب": "إن وسائل تحديد النسل سواء كانت الحبوب أو العقاقير أو الحواجز وغيرها, وإن كانت المرأة لا تتعرض لضرر فوري ظاهر باستخدامها, لكنها إذا ظلت تستخدمها لمدة من الزمن فلا بد أن يصيبها الانهيار العصبي قبل أن تبلغ سن الكهولة, ومن النتائج اللازمة لاستخدام هذه الوسائل التبرم والتمرد والقلق والنزق والأرق وتوتر الأعصاب وتشويش الفكر وهجوم الأحزان وضعف القلب ونقض الدورة الدموية وشلل اليدين والرجلين والتهاب الجسد واضطراب العادة الشهرية"٢. ويبين الدكتور "أزوالد شواز" سبب ذلك فيقول: "إن كل غريزة عضوية ينبغي أن تؤدي وظيفتها الخاصة بها وإلا تتعرض حياة الإنسان لمشاكل مرهقة متعددة, والتناسل في المرأة غريزة عضوية وفطرة فيها، فإذا منعت أن تعمل لتحقيق هذه الوظيفة الأساسية لنظامها الجسدي والعقلي فلا بد أن تذهب ضحية الاضمحلال والتذمر والعقد النفسية المتعددة, وعلى خلاف هذا عندما تصبح أما تجد جمالا جديدا أو بهاء روحيا يتغلب على ما قد يعتريها من الضعف والاضمحلال بسبب وضع الطفل وإرضاعه"٣.

стр. 165

وإلى جانب ذلك فإن استعمال حبوب منع الحمل يسبب أعراضا مرضية أخرى مثل قرحة المعدة وما إلى ذلك، ولننظر الآن إلى النتائج التي تترتب على تحديد النسل بهذه الطرق: من أهم النتائج التي يحصيها القائمون بالشئون الاجتماعية في الدول التي طبقت نظام تحديد النسل وراجت فيها طرقه ما يلي: ١- انتشار الفوضى الجنسية أو الزنا, والأمراض الخبيثة الناشئة عن ذلك, والسبب في انتشار الفاحشة هو زوال الخوف من عار مجيء المولود غير الشرعي, ففيما يتعلق بانتشار الفاحشة يقول الدكتور "سوركن": إن نسبة العلاقات غير الشرعية في أمريكا قد وصلت إلى ٥٠% كما وصلت حوادث الإجهاض فيها إلى ما يقرب ١٠٠.٠٠٠ حالة سنويا، وذلك بالرغم من انتشار الأدوية المانعة للحمل. وفيما يتعلق بانتشار الأمراض الخبيثة من جراء ذلك يقول الدكتور "توماس باران" عن مرض الزهري مثلا في أمريكا "إنه أفتك وأضر بمائة مرة من مرض فالج الأطفال, وإن خطره في أمريكا مثل خطر السرطان والتهاب الرئة, حتى إن واحدا من كل أربعة أشخاص إنما يذهب ضحية الموت بسبب الزهري مباشرة أو غير مباشرة"١. ٢- زيادة نسبة الجرائم: وذلك بسبب انتشار الزنا, وبسبب مجيء الأولاد غير الشرعيين, وقد أثبت تقرير كنزي أن نسبة الأولاد الحرام في أمريكا وصلت إلى ٥:١, وأثبت علماء النفس أن معظم المجرمين والجانحين في العالم يكونون من أولاد الحرام وممن عاشوا في ملاجئ الأطفال, وفي أجواء بعيدة عن عاطفة

стр. 166

الآباء وذلك لانهيار العلاقات الزوجية لمجون أحدهما أو كليهما١، ونتيجة لهذا وذاك فقد زادت نسبة الجرائم وخاصة جرائم الأحداث, فقد جاء في تقرير الشرطة الأمريكية أنه قد سجل في سنة واحدة ٢.٥٣٠.٠٠ خريجة٢. ٣- كثرة الطلاق والفراق: وهذه نتيجة طبيعية للأسباب السابقة, وهي اتخاذ الزواج مجرد متعة جنسية, وعدم وجود الطفل بين الزوجين يشعرهما بضعف الرابطة القائمة بينهما، فيمكن قطع تلك الرابطة لأوهي الأسباب، ثم إن محاولة تحديد النسل تنشأ عن الأخلاق الأنانية؛ لأن القائم بتلك المحاولة إنما يقوم بها بدافع إيثار مصلحته الذاتية على مصلحة الغير، والأنانية من أسباب انهيار العلاقات الزوجية, وفي هذا الصدد يقول "بارنيس": "إن الأزواج والزوجات الذين يطالبون بالطلاق ثلثاهم ممن لا يرزقون طفلا قط, وخمسهم ممن رزقوا طفلا واحدا"٣. ٤- ومن المشكلات الاجتماعية التي نجمت عن تحديد النسل في أوربا عدم التوازن الطبقي؛ وذلك نتيجة نجاح هذه الحركة في الطبقة المثقفة العالية وذوي الدخل الكبير, وإخفاقها نسبيا في الطبقة العادية الفقيرة, هنا يقول "برتراند رسل": "إن في بلدنا طبقات يقل أفرادها, وطبقات أخرى يتزايد أفرادها, أما الطبقات التي يقل أفرادها فهي طبقات المثقفين, وأما الطبقات التي يتزايد أفرادها فهي طبقات العمال والفقراء والأغبياء والجبناء والجامدين، والطبقات التي يتضاءل حجمها يوما فيوما فإن المنقرضين منها بأكبر سرعة هم الذي

стр. 167

مستواهم الفكري والذكائي أعلى من غيرهم والنتيجة المحتومة لكل هذا أن كل جيل من أجيالنا يخرج منه أصلح ما يكون فيه من العناصر الذكية والمثقفة, وهو سائر نحو العقم بطريق صناعي إزاء الذين يكتب لهم البقاء على الأقل"١. إذن بعد كل هذا نستطيع أن نحكم على تحديد النسل بأنه فعل ضار, بحسب الواقع والتجربة, وكل سلوك ضار بحياة الإنسان فهو سلوك غير أخلاقي هذا من جهة, ومن جهة أخرى فإننا إذا قسنا دوافعه ونتائجه بالمعيار الأخلاقي نجدهما غير أخلاقيين أيضا؛ ذلك أن دوافعه ترجع أساسا إلى الشعور بالعجز واليأس عن كسب أرزاق الأولاد أو الضن ببذل المال والجهد للغير, والحرص على المنفعة الذاتية أو السعي المستميت وراء اللذات الشهوانية، وكل هذه الدوافع والغايات ترجع في الأساس إلى روح سلبية لا تتلاءم مع روح الأخلاق الإيجابية البناءة, ومن ناحية النتائح المترتبة على ذلك نرى أنها غير أخلاقية؛ لأنها تؤدي إلى انتشار الفاحشة والأمراض الخبيثة والجرائم المختلفة, وما يؤدي إلى حرام فهو حرام، وأخيرا يؤدي إلى تعقيدات اجتماعية طبقية وغير طبقية, وهي أمور غير أخلاقية أو هو فساد خلقي بمعنى الكلمة يخالف روح الأخلاق الإسلامية التي تدعو دائما إلى الإيثار وبذل الجهد والتضحية من أجل الغير, وتجنب كل سلوك ضار للفرد والمجتمع، كما يخالف قوانين الحياة كما بينا، لكن ينبغي أن نستثني من ذلك الحكم الأخلاقي على تحديد النسل في بعض الحالات الضرورية, التي تدعو إليها أسباب مبررة مثل المرض المعدي الذي يصاب به أحد الأبوين أو كلاهما ويؤثر في الذرية أو ينتقل إليها أو أن يكون الحمل يضر الأم لعرض أو

стр. 168

مرض أو إذا كان ضارا بمولود سابق. على أن هذه حالات فردية وليست جماعية, وحق الاستثناء مكفول لكل فرد في الحالات الضرورية في كل الميادين الأخلاقية, إذ إن الضرورات تبيح المحظورات, ولقد قرر المؤتمر الإسلامي الثاني المنعقد في القاهرة سنة ١٩٦٥ الذي كان يضم العلماء المسلمين من العالم الإسلامي، فيما يتعلق بتحديد النسل: "أن الإسلام رغب في زيادة النسل, وإذا كان هناك ضرورة شخصية تحتم تنظيم النسل فللزوجين أن يتصرفا طبقا لما تقتضيه الضرورة وتقدير هذه الضرورة متروك لضمير الفرد ودينه, لكن لا يصح شرعا وضع قوانين تجبر الناس على تحديد النسل بأي وجه من الوجوه"١. وأما فيما يتعلق بالقانون الثالث والأخير وهو قانون الارتقاء العقلي والروحي, فهو قانون من قوانين حياة الإنسان الواقعية, يمثل جزءا هاما في حياته, وبه تتميز حياته عن حياة الحيوان، ويدخل في هذا القانون جميع الحواس المعنوية للإنسان, مثل: الحاسة العقلية والقدسية والأدبية والدينية والجمالية، ويمكن أن نقسم هذه الحواس بحسب النوع الإدراكي إلى عقلي وعاطفي, فالأول: يعتمد على الذكاء, والثاني: يعتمد على الشعور والإحساس العاطفي، ويجب أن ندرك أن ضرورة العاطفة لحياة الإنسان لا تقل عن ضرورة الذكاء, بل قد تزيد في بعض النواحي, ذلك أن الذكاء يدرك فقط, والعاطفة تدرك وتدفع الإنسان إلى السلوك وفقا لإدراكاتها, ثم إنها هي التي تضفي على حياة الإنسان معنى, وهي التي تجعل الإنسان يعيش في عالم أوسع من هذا العالم المحسوس، ومن هنا يقول الدكتور "الكسيس كارل": "إن العاطفة تدرك الحقيقة الواقعة بصورة أكثر مباشرة

стр. 169

مما يستطيعه الذكاء, فالذكاء ينظر إلى الحياة من خارجها, أما العاطفة فعلى العكس من ذلك تستقر في داخل الحياة, فضروب النشاط غير العقلية للروح -أعني بالعاطفة الحاسة الخلقية والحاسة الجمالية وحاسة التقديس- هي التي تجلب لنا القوة والبهجة, وهي التي تهب الفرد قدرة الخروج من نطاق نفسه والاتصال بالآخرين وحبهم والتضحية بنفسه من أجلهم"١, ثم يقول أيضا: "والفضل في انطلاق الروح خارج العالم المادي يرجع بوجه خاص إلى ضروب نشاطنا غير العقلي, وهذه الخاصية التي تجعل الذات المادية العقلية توجد في آن واحد داخل العالم المادي، وداخل عالم آخر, بعيد عن متناول العقل والعلم في الوقت الحاضر على الأقل، وتجعل من الكائن البشري شيئا يختلف عن جميع الأشياء التي توجد على وجه الأرض"٢. إذا كان الأمر كذلك فواقع الإنسان غير واقع الحيوان من بعض الوجوه, فواقع الإنسان في الحياة هو: جميع القوانين المتصلة بطبيعته سواء أكانت هذه القوانين بيولوجية أم نفسية أم روحية، وصلة ذلك كله بالعالم المادي والمعنوي، ولا تكون حياة الإنسان واقعية إلا إذا كانت منظمة على أساس تلك القوانين جميعا. والأخلاق الأسلامية -كما رأينا في الموضوعات السابقة وكما سنرى في الموضوعات اللاحقة- تعتمد في تنظيمها الخلقي لحياة الإنسان على تلك القوانين مجتمعة، ومن الأدلة البارزة على ذلك أن الإسلام لم يكلف الإنسان فوق

стр. 170

ما تطيقه طبيعته في أي مجال من مجالات العمل الأخلاقي, ولم يدفع الإنسان إلى التصادم مع قوانين الحياة حتى لا يهلك نفسه, فقال تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ١، وأخيرا راعى واقع الإنسان في تنظيمه لحياة الإنسان بين مختلف القوانين المتصلة بالحياة, وهي التي تقوم عليها حياة الإنسان, وهذه الحقائق سوف تتجلى بصورة أوضح في الموضوعات اللاحقة بعد دراسة الطبيعة الإنسانية التي تعتبر الأساس الهام للأخلاق الإسلامية. فإذا عرفنا مدى اتفاق الأخلاق الإسلامية مع طبيعة قوانين الحياة وتلائمها مع واقع الإنسان في هذه الحياة يجب أن ننتقل إلى دراسة الطبيعة الإنسانية لنعرف مدى مراعاة هذه الأخلاق هذه الطبيعة أو كيف تتلاءم قوانين هذه الأخلاق مع قوانين الطبيعة البشرية.

стр. 171

الفصل الثالث: مراعاة الطبيعة الإنسانية مدخل ... الفصل الثالث: مراعاة الطبيعة الإنسانية هذا الأساس هام في الدراسات الأخلاقية وذلك لوجود ارتباط وثيق بين السلوك وطبيعة الإنسان, ولتوقف نجاح النظام الأخلاقي على مدى انسجامه مع واقع هذه الطبيعة, ثم إن هذه الدراسة هنا سوف تساعدنا على معالجة كثير من القضايا الأخلاقية التي نتعرض لها فيما بعد. مثل: تقييم الأخلاق وبيان خصائصها ودور هذه الطبيعة في السلوك الأخلاقي١. تلك هي الدواعي التي جعلتني أقدم دراسة الطبيعة الإنسانية لمعالجة تلك الموضوعات في ضوئها ولبيان مدى اعتماد الأخلاق الإسلامية على أسس واقعية وعلمية.

стр. 172

أولا: رأي العلماء في الطبيعة الإنسانية: وينبغي أن نعترف مبدئيا أن معرفة حقيقة الطبيعة الإنسانية وصلتها بتلك الحقائق الأخلاقية من أصعب الأمور، وقد حار العلماء والفلاسفة في أمر هذه الطبيعة, وأسباب ذلك عديدة منها: أن هذه الطبيعة شديدة التعقيد, ومن هنا يقول الأستاذ "فيليب فينكس" "ففي الواقع لا يوجد شيء مثل الإنسان محير مثير؛ لأنه في الحقيقة صنع صنعا عجيبا مخيفا"١. ومن تلك الأسباب أن المناهج التي اتبعت في دراستها كانت مناهج غير

стр. 173

سليمة من بعض الوجوه, لغلبة النزعة الفلسفية عليها، ولاقتصار كل منهج على جانب معين منها في دراستها، بناء على الفلسفة التي يتبعها. فالاتجاه المادي مثلا يرى أن حقيقة الإنسان ليست إلا ظاهرة مادية شديدة التعقيد مركبة من المواد الكيميائية المختلفة, نشأت بسبب تطور المادة الأولية١؛ والاتجاه العقلي أو الروحي يرى أن الإنسان ظاهرة عقلية لا جسمية, فالوجود الجسمي ليس له حقيقة مستقلة ولكنه نتاج للعقل, أي: أن الجسم مشتق من العقل عكس الاتجاه الأول٢, والاتجاه الثالث يرى أن الإنسان مادة وروح معا٣. فبناء على الاتجاه الأول تكون الطبيعة الإنسانية طبيعة حيوانية، وإذا كان هناك فارق فإنما هو في الدرجة لا في النوع، أي: في درجة التعقيد فقط. وبناء على ذلك يجب تفسير طبيعة الإنسان ودراستها عن طريق الطبيعة الحيوانية باعتبارها طبيعة أبسط من طبيعة الإنسان, ومعنى ذلك أن هذا الاتجاه يسير على منهج دراسة الأعقد عن طريق الأبسط, وتفسير الطبيعة المعقدة بالطبيعة البسيطة من نوعها. وأما الاتجاه الثاني فيرى أن الطبيعة الإنسانية طبيعة متفردة ليست امتدادا أو استمرارا للطبيعة الحيوانية وليست من نوع هذه الطبيعة الأرضية بوجه عام، وبناء على ذلك يجب دراسة هذه الطبيعة مستقلة عن الدراسات الطبيعية الأخرى، ولا يصح تفسيرها على غرار الطبائع البسيطة الأخرى لأنه يرى أن دراستها وتفسيرها على غرار الطبائع الأخرى يهدم جوهر الإنسان ويفقد حقيقته

стр. 174

المتميزة. وأما الاتجاه الثالث فينتهج منهجا متوسطا بين المنهجين السابقين في دراسة هذه الطبيعة وتفسيرها؛ لأنه يرى من ناحية استمرار الإنسان مع بقية الطبيعة ومن ناحية أخرى يرى عدم إمكان تفسير مميزات الإنسان في كليتها على أساس مبادئ فسيولوجية أو طبيعية بالرغم من وجود بعض تلك المميزات أو الخصائص في الحيوانات الدنيا بدرجات بسيطة أو أقل مما هو في الإنسان؛ ولذلك لا ينبغي أن نغفل دراسة الطبيعة المادية في الإنسان على غرار الدراسات الطبيعية, وذلك إلى جانب دراسة الجانب المعنوي دراسة خاصة١. وهكذا نجد مدى أثر الاتجاهات الفلسفية في طبيعة تصور الطبيعة الإنسانية, واتخاذ مناهج لدراستها وتفسيرها. وبالرغم من تزايد الاهتمام بدراسة الطبيعة الإنسانية للكشف عن حقيقتها بالطرق والأساليب الحديثة منذ أن تقدمت وسائل البحث وتنوعت المناهج فإن هناك جوانب عديدة من الطبيعة الإنسانية لا تزال غامضة وغير مكشوفة, ولقد قرر هذا الدكتور "ألكسيس كارل" في كتابه "الإنسان هذا المجهول" فقال: "حقا إن الإنسانية قد بذلت جهودا جبارة كي تعرف نفسها، ومع أننا نملك كنوز الملاحظات التي جمعها العلماء والفلاسفة والشعراء والمتصوفة فنحن لا ندرك غير جوانب من هذا الإنسان, وأجزاء منه, بل إن هذه الأجزاء ليست سوى نتاج طرائقنا في البحث, ليس كل منا غير مَوْكِب من الأشباح تسير وسطها الحقيقة التي لا يمكن معرفتها, الواقع إن جهلنا مطبق.. فأكثر الأسئلة التي يطرحها من

стр. 175

يدرس أفراد الإنسان بقيت دون إجابة, ولا تزال مناطق شاسعة من عالمنا الداخلي غير معلومة, ثم ذكر كثيرا من هذه الجوانب قائلا: "كيف تتوافق جزئيات المواد الكيميائية فيما بينها لتكوين الأعضاء المعقدة الانتقالية للخلايا؟ وكيف تحدد المورثات التي تحتوي عليها نواة البويضة المخصبة مميزات الفرد الذي ينبثق من هذه البويضة؟ وما هي العلاقة التي تربط بين الشعور والخلايا المخية؟ وإلى أي حد يمكن أن يتغير الكائن الحي بفعل الإرادة؟ وكيف تؤثر حالة الأعضاء في النفس وما هي العلاقة التي توجد بين نمو الهيكل العظمي والعضلات والأعضاء وبين نمو النشاط الروحي والعقلي؟ وما هي الأهمية النسبية لأوجه النشاط الفكري والخلقي والفني والصوفي؟ " ثم يقول: "هكذا يمكن أن يوجه عدد كبير من الأسئلة الأخرى عن الموضوعات التي تعنينا, وستبقى هذ الأسئلة بدون جواب هي الأخرى، من المؤكد تماما أن الجهد الذي بذلته كافة العلوم التي تبحث في الإنسان قد ظل ناقصا, وأن معرفتنا لأنفسنا ما زالت جد ناقصة"١. ولعل السر الغامض يكتنف اليوم الجانب السيكولوجي من الطبيعة الإنسانية أكثر مما يكتنف الجانب البيولوجي, ويمكن أن نحدد ذلك الغموض في الجانب السيكولوجي بأنه هو: خفاء حقيقة النفس والروح والعقل, ثم مدى صلة ذلك بالتكوين البيولوجي ومظاهر السلوك المادية، والسر في ذلك عدم استطاعة العلم الحديث أن يغوص فيه لاستعصائه على الخضوع لمناهج العلم الحديثة ومقاييسه الموضوعية؛ ولذلك عدل علماء النفس المحدثين عن البحث في جوهر النفس إلى البحث عن مظاهر السلوك النفسي المادي؛ لأنه يخضع لتلك المقاييس الموضوعية؛ ونتيجة لذلك تقدم علم النفس في جانبه السلوكي تقدما مذهلا

стр. 176

ويقدر ذلك من يدرس هذا العلم بأجهزته الحديثة، هنا يقول "سكينر": "إن مهمة علم النفس أن يبحث عن النظام الذي تسير وفقا له الظاهرة النفسية"١, ويقول الدكتور "عبد العزيز القوصي" بعد أن استعرض تاريخ علم النفس: "إن علم النفس كان يبحث أولًا في الروح, ثم صار يبحث في العقل, وانتقل بعد ذلك إلى الشعور, وأخيرا صار موضع بحثه هو السلوك الخارجي", ويقول "وودورث" عبارة فكهة: "إن علم النفس عند أول ظهوره زهقت روحه ثم خرج عقله ثم زال شعوره, ولم يبق منه إلا المظهر الخارجي وهو السلوك"٢,ويقول الأستاذ "ت. ج. أندروز" تأييدا لرأي "أ. ج. يورنج": "إن علم النفس استقر إلى محاولة تأويل القدرات الوظيفية للإنسان ووصفها"٣, وهذا حق يقتنع به من يقارن بين الدراسات النفسية القديمة والحديثة, إذ إن الدراسات القديمة كانت منصبة بصفة خاصة على جوهر النفس وخلودها ووحدتها, والصلة بينها وبين الجسم والأدلة على ذلك٤. بينما الدراسات الحديثة تتركز أساسا على مظاهر الأداء في ميادين الحياة المختلفة, ومن هنا تفرع علم النفس إلى فروع كثيرة جدا, مثل: علم النفس الاجتماعي وعلم النفس التربوي والصناعي والمهني والطبي والجنائي وما إلى ذلك٥, وكل فرع من هذه الفروع له فروع كثيرة أخرى لا نستطيع أن نحصيها هنا. تلك هي الاتجاهات العامة النظرية والدراسية في الطبيعة الإنسانية, ولننتقل

стр. 177

الآن إلى الاتجاه الإسلامي.

стр. 178

رأي الإسلام في الطبيعة الإنسانية مدخل ... ثانيا: رأي الإسلام في الطبيعة الإنسانية: إذا كانت دراسة الطبيعة البشرية وجدت الاهتمام الكبير عند الفلاسفة والعلماء غير المسلمين فإنها وجدت أيضا الاهتمام نفسه من الدارسين المسلمين, غير أن المعوقات التي أشرنا إليها حالت دون كشف حقيقة هذه الطبيعة. وكما اقترنت هذه المعوقات بدراسات أولئك اقترنت أيضا بدراسات هؤلاء, ولم يؤثر ذلك في طبيعة تلك الدراسات بصفة عامة, بل أثر كذلك في طبيعة الدراسات الإسلامية التي كان بعضها يستهدف -على الأقل- بيان رأي الإسلام في هذه الطبيعة, لكن اتباع أصحابها اتجاهات ومناهج مختلفة, وتأثرهم بآراء الآخرين واتجاهاتهم أو اعتمادهم على آرائهم الشخصية السابقة على البحث والدراسة, ثم محاولتهم فرضها على الإسلام, كل ذلك كان سببا لعدم وصولهم إلى نتائج مرضية. ولا نعدم أن نجد لديهم جهودا مخلصة, ولكن يجب أن نشير هنا إلى خطأ منهجي وقعوا فيه كما ذكرنا في المقدمة وهو: أن بعضهم كان يستخلص رأيا معينا من نص واحد, ثم يحاول تفسير رأي الإسلام كله في هذا الموضوع في ضوء ذلك الرأي المستنبط من النص الواحد, ونتج عن ذلك تصوير جزء من الحقيقة أو جانب منها فقط. وعندما سرت على الطريقة التي ذكرتها في المقدمة في هذا الموضوع, وجمعت جميع النصوص المتعلقة بالطبيعة الإنسانية وجدتها قد تحدثت عن ثلاث نواحٍ منها:

стр. 179

الأولى: طبيعة خلق الإنسان والأطوار التي مر بها. الثانية: الطباع الدفينة والمركبة في هذه الطبيعة. الثالثة: الخصائص العامة للإنسان التي نتجت عن طبيعة التكوين بهذه الصورة. أ- أما بالنسبة لطبيعة الخلق فقد ذكر الله سبحانه أنه خلق الإنسان أطوار: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً, وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ ١, وكان أول طور هذا الخلق أن بدأ به من الأرض فأخرج الإنسان من هذه الأرض كما أخرج النبات ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتاً﴾ ٢, ولقد شرح الرسول كيف بدأ هذا الخلق فقال: "إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض, فجاء بنو آدم على قدر الأرض, جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحسن والخبيث والطيب وبين ذلك" ٣, وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ ٤, ثم اختلط بالماء فأصبح الماء عنصرا في تكوين الإنسان ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ ٥, ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ ٦, فأصبح التراب بذلك طينا, ومن هنا قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ ٧, بعد ذلك استخلص من الطين خلاصته ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ ٨, ثم مكثت هذه السلالة حتى أصبحت طينا لازيا ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ ٩, ثم بعد ذلك صب هذا الطين اللازب في قالب معين وصوره في

стр. 180

صورة إنسان ثم تركه حتى يبس وأصبح صلصالا يرن كالفخار ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ﴾ ١, ويذكر القرطبي أنه لما كان جسدا من غير روح مرت الملائكة به فلما رأته فزعت منه, وكان إبليس أشد منهم فزعا, وكان يضربه لما كان جسدا قبل نفخ الروح فيه، فكان يصوت كالجسد كما يصوت الفخار وكان يقول للملائكة أرأيتم هذا الذي لا يشبه واحدا من الخلائق٢, وقال الرسول ﷺ : "لما خلق الله آدم تركه ما شاء أن يدعه, فجعل إبليس يطوف به, فلما عرف أنه أجوف عرف أنه لا يتمالك" ٣. وبعد أن سواه وصوره بتلك الصورة نفخ فيه الروح وأمر الملائكة بالسجود له ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ٤, ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ ٥, وبعد خلق آدم بالأطوار السابقة خلق حواء زوجته من نفسه ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ ٦, وجاء في الحديث أن الله خلق حواء من ضلع آدم: "إن المرأة خلقت من ضلع, وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه, فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء" ٧. وعن طريق التزاوج بين آدم وحواء جاءت ذريته ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ٨.
следующие страницы →