ويقدر ذلك من يدرس هذا العلم بأجهزته الحديثة، هنا يقول "سكينر": "إن مهمة علم النفس أن يبحث عن النظام الذي تسير وفقا له الظاهرة النفسية"١, ويقول الدكتور "عبد العزيز القوصي" بعد أن استعرض تاريخ علم النفس: "إن علم النفس كان يبحث أولًا في الروح, ثم صار يبحث في العقل, وانتقل بعد ذلك إلى الشعور, وأخيرا صار موضع بحثه هو السلوك الخارجي", ويقول "وودورث" عبارة فكهة: "إن علم النفس عند أول ظهوره زهقت روحه ثم خرج عقله ثم زال شعوره, ولم يبق منه إلا المظهر الخارجي وهو السلوك"٢,ويقول الأستاذ "ت. ج. أندروز" تأييدا لرأي "أ. ج. يورنج": "إن علم النفس استقر إلى محاولة تأويل القدرات الوظيفية للإنسان ووصفها"٣, وهذا حق يقتنع به من يقارن بين الدراسات النفسية القديمة والحديثة, إذ إن الدراسات القديمة كانت منصبة بصفة خاصة على جوهر النفس وخلودها ووحدتها, والصلة بينها وبين الجسم والأدلة على ذلك٤.
بينما الدراسات الحديثة تتركز أساسا على مظاهر الأداء في ميادين الحياة المختلفة, ومن هنا تفرع علم النفس إلى فروع كثيرة جدا, مثل: علم النفس الاجتماعي وعلم النفس التربوي والصناعي والمهني والطبي والجنائي وما إلى ذلك٥, وكل فرع من هذه الفروع له فروع كثيرة أخرى لا نستطيع أن نحصيها هنا.
تلك هي الاتجاهات العامة النظرية والدراسية في الطبيعة الإنسانية, ولننتقل
стр. 177
الآن إلى الاتجاه الإسلامي.
стр. 178
رأي الإسلام في الطبيعة الإنسانية
مدخل
...
ثانيا: رأي الإسلام في الطبيعة الإنسانية:
إذا كانت دراسة الطبيعة البشرية وجدت الاهتمام الكبير عند الفلاسفة والعلماء غير المسلمين فإنها وجدت أيضا الاهتمام نفسه من الدارسين المسلمين, غير أن المعوقات التي أشرنا إليها حالت دون كشف حقيقة هذه الطبيعة.
وكما اقترنت هذه المعوقات بدراسات أولئك اقترنت أيضا بدراسات هؤلاء, ولم يؤثر ذلك في طبيعة تلك الدراسات بصفة عامة, بل أثر كذلك في طبيعة الدراسات الإسلامية التي كان بعضها يستهدف -على الأقل- بيان رأي الإسلام في هذه الطبيعة, لكن اتباع أصحابها اتجاهات ومناهج مختلفة, وتأثرهم بآراء الآخرين واتجاهاتهم أو اعتمادهم على آرائهم الشخصية السابقة على البحث والدراسة, ثم محاولتهم فرضها على الإسلام, كل ذلك كان سببا لعدم وصولهم إلى نتائج مرضية.
ولا نعدم أن نجد لديهم جهودا مخلصة, ولكن يجب أن نشير هنا إلى خطأ منهجي وقعوا فيه كما ذكرنا في المقدمة وهو: أن بعضهم كان يستخلص رأيا معينا من نص واحد, ثم يحاول تفسير رأي الإسلام كله في هذا الموضوع في ضوء ذلك الرأي المستنبط من النص الواحد, ونتج عن ذلك تصوير جزء من الحقيقة أو جانب منها فقط.
وعندما سرت على الطريقة التي ذكرتها في المقدمة في هذا الموضوع, وجمعت جميع النصوص المتعلقة بالطبيعة الإنسانية وجدتها قد تحدثت عن ثلاث نواحٍ منها:
стр. 179
الأولى: طبيعة خلق الإنسان والأطوار التي مر بها.
الثانية: الطباع الدفينة والمركبة في هذه الطبيعة.
الثالثة: الخصائص العامة للإنسان التي نتجت عن طبيعة التكوين بهذه الصورة.
أ- أما بالنسبة لطبيعة الخلق فقد ذكر الله سبحانه أنه خلق الإنسان أطوار: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً, وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ ١, وكان أول طور هذا الخلق أن بدأ به من الأرض فأخرج الإنسان من هذه الأرض كما أخرج النبات ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتاً﴾ ٢, ولقد شرح الرسول كيف بدأ هذا الخلق فقال: "إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض, فجاء بنو آدم على قدر الأرض, جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحسن والخبيث والطيب وبين ذلك" ٣, وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ ٤, ثم اختلط بالماء فأصبح الماء عنصرا في تكوين الإنسان ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ ٥, ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ ٦, فأصبح التراب بذلك طينا, ومن هنا قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ ٧, بعد ذلك استخلص من الطين خلاصته ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ ٨, ثم مكثت هذه السلالة حتى أصبحت طينا لازيا ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ ٩, ثم بعد ذلك صب هذا الطين اللازب في قالب معين وصوره في
стр. 180
صورة إنسان ثم تركه حتى يبس وأصبح صلصالا يرن كالفخار ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ﴾ ١, ويذكر القرطبي أنه لما كان جسدا من غير روح مرت الملائكة به فلما رأته فزعت منه, وكان إبليس أشد منهم فزعا, وكان يضربه لما كان جسدا قبل نفخ الروح فيه، فكان يصوت كالجسد كما يصوت الفخار وكان يقول للملائكة أرأيتم هذا الذي لا يشبه واحدا من الخلائق٢, وقال الرسول ﷺ : "لما خلق الله آدم تركه ما شاء أن يدعه, فجعل إبليس يطوف به, فلما عرف أنه أجوف عرف أنه لا يتمالك" ٣.
وبعد أن سواه وصوره بتلك الصورة نفخ فيه الروح وأمر الملائكة بالسجود له ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ٤, ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ ٥, وبعد خلق آدم بالأطوار السابقة خلق حواء زوجته من نفسه ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ ٦, وجاء في الحديث أن الله خلق حواء من ضلع آدم: "إن المرأة خلقت من ضلع, وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه, فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء" ٧.
وعن طريق التزاوج بين آدم وحواء جاءت ذريته ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ٨.
стр. 181
وبهذه الطريقة تناسل بنو آدم وكثروا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً﴾ ١.
هنا ننتقل إلى أطوار أخرى في الخلق, وهي أطوار خلق الطفل من التزاوج, فنجد أن خلق الطفل يبدأ بتلقيح الحيوان المنوي من الرجل بالبويضة من المرأة في داخل الرحم ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْأِنْسَانِ مِنْ طِينٍ, ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ ٢.
وقد ذكر القرآن هنا ثلاثة أطوار: طور النطفة ثم العلقة ثم المضغة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ ٣, وجاءت هذه الأطوار في آية أخرى بلفظ آخر, فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ, ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ, ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ٤.
وإذا نظرنا إلى رأي الأطباء في أطوار خلق الجنين, نجدهم يقسمونها تقسيمات مختلفة, لكن أغلب التقسيمات تتجه إلى اتجاهين:
الأول: تقسيمها بناء على المدة الزمنية، والثاني: بناء على التطورات في النمو والخلق، وفي التقسيم الأول منهم من يقسمها بالأسابيع ومنهم من يقسمها بالشهور، وفي
стр. 182
التقسم الثاني منهم من يقسمها بناء على الأشكال التي يأخذها الجنين, ومنهم من يقسمها بناء على أهم مراحل النمو المتميزة، وفي هذا التقسيم الأخير يمر الطفل بثلاث مراحل وأطوار هامة: طور الخلية الملقحة وانقسامها, ويسميها بعضهم مرحلة التوتة؛ لأنه يأخذ شكل التوتة في آخر المرحلة، ثم طور العلقة؛ لأن هذا الطور يبدأ بتعلق الخلية بجدار الرحم، والطور الثالث طور التخلق, وهو الطور الذي يبدأ فيه ظهور الأعضاء والأجهزة المختلفة, وهذا الطور ينتهي بالولادة١.
وبعض الأطباء يقسم تلك الأطوار إلى طور العلقة وطور المضغة ثم طور التخلق على أساس يبدأ طور العلقة من تعلق الحيوان المنوي بالبويضة٢.
ولو أننا أردنا المقارنة بين الأطوار المذكورة في القرآن والأطوار التي حددها الأطباء لوجدنا اختلافا في بعض التقسيمات, وشيئا من الاتفاق في بعض التقسيمات الأخرى, وربما كان أقرب تقسيم طبي يتفق مع القرآن هو هذا التقسيم الأخير الذي يبدأ ببداية مراحل النمو المتميزة, وينبغي أن ننبه هنا إلى أن هذه التقسيمات لا تناقض بعضها البعض من حيث الحقيقة إذ إنه من الممكن أن نقسم أي حقيقة بتقسيمات مختلفة, أو أن نسمي تقسيمات معينة بأسماء مختلفة حسب الغرض الذي يُؤْثِرُ هذا التقسيم أو ذاك.
أما الأطباء فيقولون: إن المرحلة الأولى من التلقيح إلى الغوص في جدار
стр. 183
الرحم تأخذ ثلاثة أسابيع, والمرحلة الثانية تبدأ ببداية الأسبوع الرابع تقريبا وتنتهي بنهاية الأسبوع الثامن، والمرحلة الثالثة تبدأ من نهاية الأسبوع الثامن إلى الولادة, وهنا تقسيم زمني آخر إلا أنه لا يتفق بأي حال مع التقسيم الزمني كما ورد في بعض الأحاديث, على أي حال فإننا نلاحظ وجود التضارب بين أحاديث الباب وعدم إمكان ترجيح بعضها على بعض، وكما قلنا في المقدمة إننا لسنا ملزمين بكل ما ورد من الأحاديث في الأمور الطبية, لكل هذا نقصر اعتمادنا على الآيات في هذه النقطة.
إذًا لنعد إلى وجه المقارنة بين ما ورد من الأطوار في القرآن وبين ما جاء في الطب قلنا: إنه ليس هناك خلاف حقيقي بين القرآن والطب في هذه النقطة, وخاصة أن عرض القرآن للأطوار جاء عاما, وهو قد ورد في صدد الاستدلال على وجود الله وقدرته الفائقة, ومن هنا نرى أن القرآن أشار إلى بداية أطوار هامة, هي التي يكمن فيها السر الغامض في خلق الجنين, وإذا عرضنا بإيجاز تلك الأطوار التي أشار إليها القرآن وجدنا ألغازا في سر الخلق والقدرة الفائقة, فالطور الأول عبر عنه القرآن بأنه طور النطفة: نطفة الأب والأم أو خليتهما ثم النطفة المكونة منهما أو الخلية الملقحة التي تتكون نتيجة اتحاد الخليتين معا, والسر العجيب هنا يكمن في خلقه الخلية ثم في طريقة اتحاد الخليتين وأخيرا في تكون خلية ونموها من الخليتين السابقتين، ويقول الأطباء هنا: إن تكون الجنين يبدأ من الخلية البشرية المخصبة التي تحتوى على ٤٨ كروموزوما "صبغية" وكل كرموزوم يحوي عددا لا يحصى من الجينات: "أي الأمشاج" التي ترجع إليها خصائص الأطفال فيما بعد, والتي تكمن فيها العوامل الوراثية, وهذه الخلية
стр. 184
البشرية تختلف في تكوينها عن الخلية الحيوانية, فمثلا تتكون خلية الخيول من ٦٥ كروموزوما بينما تتكون خلية الكلاب من ٥٢ كروموزما, والصبغيات الثماني والأربعون التي تتكون منها الخلية البشرية يأتي نصفها من خلية الرجل والنصف الآخر من خلية المرأة، وعن طريق تزاوج كل صبغية من صبغيات المرأة بعد الإخصاب في بوق الرحم تكتمل الخلية البشرية الأولى, وبعد ذلك تبدأ هذه الخلية تنقسم على نفسها, وذلك عن طريق انقسام كل صبغيتين مزدوجتين إلى نصفين, وبذلك يصبح عدد الصبغيات ٩٦ صبغية في الخليتين ثم ينقسم كل واحد منهما إلى قسمين وهكذا يستمر هذا الانقسام, والخلية في حالة الانقسام تمر من البوق إلى الرحم حتى تلتصق في جدار الرحم وتتعلق به، وعند وصولها إلى هذه المرحلة تأخذ شكل ثمرة التوت، ويقولون: إن هذه المسيرة تأخذ أسبوعا على وجه التقريب وبعد التصاقها في جدار الرحم لا تستطيع أن تتحرك كما كانت تتحرك بحرية في قرارها في الرحم١.
وعند علوقها في جدار الرحم تنتهي المرحلة الأولى وتبدأ مرحلة العلقة.
وهنا نجد أنفسنا مضطرين إلى مخالفة المفسرين في تفسيرهم للعلقة بأنها: دم جامد إذ إننا لا نجد في أي مرحلة من مراحل تكوين الجنين أنه يأخذ أو يتحول إلى دم مجمد أو كتلة من الدم كما يقولون٢, واللغة تسعفنا في هذا فإن مفهوم العلقة لغويا أمران: أحدهما الدم الجامد, وثانيهما التعلق, ونحن لنا الحق أن نفسر بل الواجب أن نفسر في ضوء المكتشفات العلمية طالما تساعدنا في ذلك اللغة.
стр. 185
كما فسروا هم في ضوء معلوماتهم وثقافتهم, وعلى حسب ما فهموا من اللغة.
ومعلوم أن الثقافة تؤثر في الفهم وتؤثر في ترجيح أحد المعاني اللغوية على الآخرى. وهذه المحاولة الجديدة لتفسير الآيات واجبة علينا؛ لأننا نجد أعداء الإسلام يتخذون تلك التفسيرات الخاطئة شاهدا ضد الإسلام, ونقطة ضعف فيه بل إنهم يقولون: إن القرآن يقول كلاما باطلا, ويستشهدون على ذلك بتلك التفسيرات الباطلة؛ لأن مكونات الدم غير مكونات الخلية, ولا يمكن أن يتحول أحدهما إلى الآخر.
ومهما يكن من أمر فإن العلقة بداية مرحلة جديدة في تكوين الجنين؛ لأن الخلية التوتية "وسميت توتية لشبهها بالتوت" في هذه المرحلة تأخذ شكل الكرة, وتبدأ الخلايا المكونة لها تتحلل إلى مادة سائلة تعمل على فصل بعضها عن بعض, وهنا يبدأ يتكون الجسم الإنساني من مجموع تلك الخلايا الباقية التي لا تدخل في ذلك التكوين إلى غلاف وقائي مملوء بالمواد السائلة لحماية الجنين, ويتصل جزء من هذا الغلاف بالرحم, وهو وسيلة لتغذية الجنين من الأم أولا وللتخلص من المواد التالفة ثانيا, ثم يتحول شكل الجنين بعد ذلك إلى شكل البيضة, ويسمونها أحيانا البويضة, غير أنه لا تظهر فيه علامات الأعضاء بعد, وربما إلى هذا أشار القرآن بالمضغة؛ لأنه بقدر ما يمضغ ولأن شكله كأنه قطعة لحم, وفي بداية المرحلة التالية يبدأ بروز الأعضاء, ثم يأخذ الجنين صورة الطفل, إلا أن هذه التقسيمات غير فاصلة كما يقول الأطباء وإنما هي أطوار أو معالم بارزة في تكوين كل جنين, هذه الأطوار تلفت الأنظار بصفة خاصة وتدعو الإنسان إلى الدهشة إذ إن أمر الخلية أو النطفة -بتعبير القرآن- أمر عجيب في خلقته ثم طريقة اتحاد الخليتين وتكوين خلية واحدة منهما ثم انقسامها بنفسها ومسيرتها في حالة
стр. 186
الانقسام من البوق إلى جدار الرحم والتصاقها في جدار الرحم وتغذيتها من الأم, ثم تحولها بعد ذلك قطعة جرثومية أو مضغة, وأعجب من هذا كله خلق الطفل من قطعة لحم، ولا يزال العلماء يتعجبون من سر هذا الخلق, ويتفكرون في تلك العوامل التي تلعب تلك الأدوار لتقوم تلك الخلايا بتلك الوظائف الغريبة؛ ولهذا فقد اتخذ القرآن تلك التحولات العجيبة في تكوين الجنين آية يستدل بها على تلك القدرة الخالقة الفائقة؛ ولذلك اعتبر كل طور خلقا جديدا, قال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ١.
تلك هي مجمل مراحل خلق الطفل في بطن أمه، وهناك أطوار أخرى بعد الولادة وهي: مرحلة الطفولة ثم المراهقة والشباب ثم مرحلة الرشد وأخيرا مرحلة الشيخوخة ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ ٢, ثم هناك مرحلة ثالثة وأخيرة في أطوار خلق الإنسان وهي البعث بعد الموت ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ ٣, وهكذا يعرض لنا القرآن أطوار خلق الإنسان من مبدئه في الدنيا إلى منتهاه في الآخرة.
ولنا أن نسأل: هل حصل التطور في خلق الإنسان من ناحية الحجم والشكل كما تدعي ذلك النظرية الداروينية؟ لقد أجاب الرسول على هذا السؤال عندما سئل فقال: "خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا, فكل يدخل الجنة على صورة آدم, فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن" ٤.
стр. 187
هذا الحديث يفيد حصول التطور في الحجم, ولكنه لا يفيد حصول التطور في الصورة, أو أن الإنسان تطور من حيوانات أخرى كما تدعي نظرية التطور, بل يؤكد الحديث أن صورة الإنسان اليوم هي الصورة نفسها التي خلق عليها, وأنه سيدخل الجنة بالصورة نفسها، ولقد نفى الرسول تطور الإنسان من الحيوان عندما دارت مناقشة بين الصحابة حول هذا الموضوع فقال: "إن الله لم يجعل للمسخ نسلا ولا عقبا وكانت القردة والخنازير قبل ذلك" ١, وقال: "إن الله خلق آدم على صورته" ٢.
أما حصول التطور في الحجم: في الطول والقصر وفي الضخامة والضمور وفي القوة والضغف وفي التكوين الجسمي, فقد حصل في تاريخ حياة الإنسان أو في بعض الأجناس, وقد أشار إلى ذلك الحديث السابق وتحدث عنه القرآن عندما ذكر أو تحدث عن بعض الأمم البائدة مثل ما ورد في قصة عاد قوم هود قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ, إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ, الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ﴾ ٣, ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ, وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٤, ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ ٥, ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ, سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ ٦، فهذه الآيات تدل على أن قوم عاد قد أوتوا بسطة في القوة والجسد.
стр. 188
وورد في القرآن أن الله مسخ من الإنسان قردة وخنازير ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ, فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ١، ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ يقول ابن عباس: "إن أولئك قوم من اليهود, لما اعتدوا على ما حُرِّم عليهم أصبحوا في ديارهم قردة, ولم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام, ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل, وقد جعلهم الله قردة عبرة للناس الآخرين"٣، يقول ابن كثير ردا على القائلين بأن المسخ كان معنويا لا صوريا: "بل الصحيح أنه معنوي وصوري معا"٤, ونرى أن كلام ابن عباس وابن كثير وما ورد في الآية لا يتناقض مع قول الرسول سابقا, إذ إن الرسول نفى أن يكون للمسخ نسل أو عقب ولكنه لم ينف وقوع المسخ, وقد ذهب بعض الباحثين من علماء الغرب إلى أن القردة قد تحولت من الإنسان وأن أحد علماء الألمان قد أثبت ذلك في الحفريات في جنوب إفريقية٥.
على أي حال مهما كانت صورة التطور في خلق الإنسان فإنه يختلف عن نظرية التطور الداروينية, ولا تكون النظرية الإسلامية خاطئة؛ لأنها تخالف نظرية داروين كما يتوهمه بعض الناس؛ لأن نظرية داروين التطورية لم تثبت صحتها بعد, بل إن هناك براهين لكبار علماء الغرب على بطلان نظريته أو عدم ثبوتها علميا, وأجدني هنا مضطرا إلى تناول هذه النظرية من الجوانب التي يقتضيها هذا البحث
стр. 189
حتى لا يوجه إلينا أننا نقول كلاما من غير دليل١.
стр. 190
بطلان نظرية داروين علميا:
وإذا درسنا القائلين بالتطور نجدهم طائفتين: إحداهما تقول بالتطور العام في كل الموجودات في الكون بما يشتمل عليه من مادة وقوة وكائنات حية.
وثانيتهما: تقول بالتطور الخاص وتقصره على الكائنات العضوية التي تشتمل على النبات والحيوان والإنسان, وداروين من هذه الطائفة الأخيرة والقائلون بالتطور أيا كان نوعه تواجههم مشكلة الخلق والخالق والقوى المسيرة لهذا التطور في العالم من داخله أو خارجه.
وإزاء هذه المشكلة ينقسم هؤلاء إلى طائفتين: طائفة ترجع الأسباب البعيدة في نشأة التطور إلى خالق حكيم, حيث يقولون: "إن القوة التي تصدر عنها آثار التطور في الكون كله منذ بدايته لا بد من أن تكون فوق الطبيعة, وفوق الكون كله، تضع فيه ما تشاء من النظم والنواميس التي يتم التطور على أساسها، وهؤلاء يختلفون فيما بينهم: فمنهم من يقولون: إن الخلية الأولى هي التي خلقت فقط, وهذا مذهب لامارك, ومنهم من يقولون إن كل نوع خلق خلقا خاصا له, وطائفة لا ترجع أسباب ذلك إلى خالق, وهؤلاء يختلفون فيما بينهم: فمنهم من يقولون إن التطور يرجع إلى طبيعة المادة التي لا تفسير لها, إلا أنها وجدت هكذا, وأن التطور من طبيعتها أو من ضرورتها فالضرورة هي كل التفسير الذي يقدمونه علة للتطور.
ومنهم من يقولون: إن التطور المادي والحيوي ناشئان عن طريق التولد
стр. 191
الذاتي والحياة نشأت عن الجماد عن طريق التولد الذاتي١.
وأما إيمان أصحاب نظرية التطور الداروينية بالخالق ففيما يتعلق بداروين كان مؤمنا في أوائل حياته, وأصبح شاكا في آخريات حياته إلا أن شكه ليس ناتجا عن نطريته كما يقول هو بنفسه: "بأن مذهبه لا يقتضي من العقل أن ينفي وجود الله ,ولا أن يمس عقائد المؤمنين بوجوده, وأن الإيمان بأية ديانة من الديانات لا يتوقف على الفصل في قضية التطور إلى الرفض أو إلى القبول"٢, وأما موقف "رسل لاس" و"لامارك" شريكي داروين في تأسيس نظريته فكانا يؤمنان بالخالق, وبأنه السبب في تطور الخلق..٣
وهكذا نجد أن الأمر عكس ما يتصوره بعض الناس من أن كل القائلين بنظرية التطور لا يؤمنون بوجود الخالق, وأن هذه النظرية تقتضي عدم الإيمان به.
وأما فيما يتعلق بصلب النظرية الداروينية وتقويمها تقويما علميا فقد نقدها كبار رجال العلم والفكر من حيث الأسس التي تقوم عليها ومن حيث الأدلة التي يستدل بها على صحتها, ولا أريد هنا سرد جميع هذه الانتقادات الموجهة إليها لكي لا يطول بنا المقام, ولكن أريد نقدها من زاوية من أهم الزوايا التي نريد بها إثبات وجودها والتي تتصل بموضوعنا هنا وهي طبيعة خلق الإنسان.
стр. 192
فالإنسان في رأي هؤلاء آخر حلقة من حلقات تطور الكائنات الحية, ولهذا فهو أرقى كائن حي أو هو أرقى حيوان، وللاستدلال على ذلك يعقدون المقارنة بينه وبين القردة العليا مثل: الشمبانزي والغوريلا لوجود التشابه بينهما باعتبار القرد آخر سلم التطور الحيواني قبل الإنسان, والمقارنة بين القردة العليا والإنسان يمكن أن نقسمها إلى قسمين: الأول في الجانب الجسمي, والثاني في الجانب السيكولوجي أو الروحي، وسوف أركز معالجتي على هذا الجانب الأخير؛ لأنني أرى أن تمايز الإنسان من حيث كونه نوعا مستقلا عن الحيوان يظهر أكثر وضوحا عند المقارنة بهذا الجانب الأخير١.
إن الفارق الروحي بين الإنسان والقرد هو أهم فارق, وهو يعد حلقة من أهم الحلقات المفقودة، وأكبر فجوة من الفجوات التي لم تستطع الآثار والدراسات الحديثة أن تكملها أو تملأها حتى الآن، ولم يستطع علماء الأحياء أن يؤكدوا وجود أصل حيواني لروح الإنسان٢, ثم إن داروين نفسه اعترف بوجود ثغرات واسعة في نظريته تنتظر من يسد خلتها٣, كما اعترف بأنه يتكلم عن الأطوار التي تؤثر في جسد الإنسان ولا شأن له بما عدا ذلك من الملكات الروحية التي يقررها له الدين٤.
والملكات الروحية أو النفسية في الإنسان كما يقررها علماء النفس والتربية هي: الإدراك والتذكر والخيال والشعور واللاشعور والتوقع والإحساس
стр. 193
الخلقي والأدبي١.
والإدراك قد يكون عن طريق المحسوس أو عن طريق الرموز أو يكون من غير واسطة كالحدس مثلا, فالإدراك عن طريق الرموز والحدس خاصان بالإنسان, فالقرد لا يستطيع أن يفهم مثلا من العلم أنه رمز الوطن ولا يستطيع أن يفهم معنى الكتابة أو يفك الرموز الأثرية، قد يفهم القرد بالتعلم عن طريق بعض الإشارات الرمزية لبعض الأمور المحددة, ولكن ذلك لا يمكن أن يقاس بفهم الإنسان، ومن هنا نجد للإنسان ثقافة وليست للقردة أية ثقافة؛ وذلك لأن الثقافة عبارة عن رموز للمفاهيم المختلفة، والإدراك عن طريق الأقيسة المنطقية التي يستخدمها الإنسان لا نجد له مثيلا لدى القرد، لذا من حقنا أن نقول هنا: إن ما نجد لدى الإنسان من آفاق الإدراك لا نجد حتى عشرها لدى القرد.
وكذلك التذكر الذي هو إعادة الماضي إلى الحاضر والحياة بالماضي في الحاضر, والذاكرة قسمان: عضوي مثل تذكر ألم حادثة أو لذة طعام, ومعنوى وهو: القدرة على عكس الماضي وتصوره في الحاضر والحياة به كما في الماضي, وهذه الذاكرة الأخيرة يتميز بها الإنسان، ويدخل في ضمن الذاكرة الشعورية واللاشعورية, ومن قدرة الإنسان إدراك الشعورية من اللاشعورية وإخضاع الأخيرة للأولى، وإذا كانت اللاشعورية يمكن أن توجد في القرد فلا يوجد عنده التمييز بين الأمرين, ولا توجد عنده القدرة على توجيه سلوكه اللاشعوري بالشعوري٢.
أما فيما يتعلق بالخيال فهو كذلك يتيح للإنسان أن يحيا في عالم أوسع
стр. 194
من عالم الواقع حيث يستطيع عن طريق الخيال أن يخلق عالما يجمع فيه بين الماضي والحاضر والمستقبل.
وكذلك التوقع وهو إدخال المستقبل في الحاضر وتكييف الحاضر بناء على التوقعات في المستقبل، ويدخل هنا الأهداف ووضعها, والعمل من أجل تحقيقها أو تكييف الحياة وفقا لها، ثم العمل بالمثل العليا والسمو بها على مستوى الحياة الغريزية, وكلها من مميزات الإنسان, إلى جانب هذا هناك مميزات هامة تجعل الإنسان مخلوقا مميزا من جميع الحيوانات، فمنها الحضارة ومنها السمو بالذات على الواقع وعلى ضرورات الحياة الغريزية وتوجيهها وفقا لأفكار تتجاوز حدود كينونته كمخلوق مادي أو حيواني، إنه صغير من حيث الحجم كالحيوان لكنه يتعالى على حجمه وعلى جميع الحيوانات ويعيش في عالم أوسع وأكبر من عالم الحيوانات؛ لأنه عالم بنفسه أوسع من العالم المحسوس أمام عينيه, ويبحث عن شيء وراء ذلك, يبحث عن موجود سبب لوجوده ولوجود عالمه, وأين نجد هذا التفكير الديني وهذا الشعور الديني لدى القرد؟!.
ومنها أيضا الروح والحياة التي يحياها كل إنسان عندما يعود إلى نفسه ويتأمل في نفسه وفي هذا الكون، فهو في هذه الحالة يشعر أنه يعيش في حياة فوق مستوى الحياة المادية، وهذا شاهد صدق على وجود الروح التي تميز الإنسان تماما عن الحيوان.
من أجل هذا كله فقد نقد كبار العلماء والمفكرين نظرية داروين وخاصة فيما يتعلق بتطور الإنسان عن الحيوان وهذا "والاس" من القائلين بالتطور يقرر أن الارتقاء بالانتخاب الطبيعي لا يصدق على الإنسان ولا بد من القول بخلقه
стр. 195
رأسا وهذا "شابمان بنشر" من علماء التشريح يقول: "إنه لا احتمال لتسلسل الإنسان من القردة كما نعرفها؛ لأن القردة منفردة بتركيب خاص يستحيل تشريحيا أن يتطور منه تركيب الإنسان"٢, وقال "هكسلي": "إنه لا ريب في أن الذين يعتقدون الارتقاء يجهلون أنه نتيجة مقدمات "مثل التولد الذاتي والتنازع للبقاء والانتخاب الطبيعي" لم يسلم بها, ومن المحقق عندي أنه لا بد من تغيير مذهب داروين ٣, ولهذا قالوا: "إن مذهب داروين فرضي محض, ولو تمسك به بعض العلماء؛ لأن العقل وهو آلة التمييز لا يمكن أن يفهم شيئا متصلا وهو النشوء بواسطة شيء منفصل وهو الاختلاف بين الأنواع.. فإن كان معقول متميز وكل متميز محدود وكل محدود معدود منفصل، وإذا كان التباين جاء نتيجة التغير أو جاء بالانتخاب الطبيعي الذي يثبت به التغيرات المفيدة, لكن إذا كان الأمر كذلك فإنه لا توجد فائدة للحيوان في أولى درجات التغير التدريجي وكيف يثبت الانتخاب ويكون كإرادة عاقلة لها غاية"٤, ويقول الدكتور "جوستاف جوليه": "إن مذهب لامارك ومذهب داروين يستويان في القصور, فإنهما لا يفسران التحول من الحياة الهوائية, فكيف استطاع الحيوان الزاحف وهو سلف العصفور أن يناسب البيئة التي ليست له, ولا يمكن أن تكون له إلا بعد أن يتحول من قبل أن تكون له أجنحة نافعة، وكيف تصل الدودة شيئا فشيئا إلى إيجاد أجنحة لجسمها تصلح له حياة هوائية.
ثم يقول: "يكفي لإبطال النظريات الداروينية أن يتأمل الإنسان حشرة
стр. 196
الشرنقة فإنها ظهرت في أقدم عصور الحياة الأرضية, وثبتت أنواعها في جميع الأحوال, فهي تناقض ما ذهبوا إليه من التحولات المستمرة البطيئة, وتناقض التطور بفعل الفواعل الخارجية، فإنها تنقلب داخل الشرنقة من حال الدودية إلى حشرة طائرة ولا تأثير لشيء عليها من الخارج, كما أن الهوة عميقة بين الحال الأولى وهي الدودية, والحال الثانية وهي حال الحشرة"١.
بعد هذا النقد لنظرية داروين التطورية في خلق الإنسان من زوايا مختلفة نستمر في مواصلة عرض الطبيعة البشرية في نظر الإسلام, وإتمام هذا العرض سوف يكون مزيدا من النقد لتصور تلك النظرية للطبيعة البشرية.
٢- الطبائع الدفينة والمركبة في الطبيعة الإنسانية.
شرحنا نظرية خلق الإنسان في الإسلام من مبدأ خلق الإنسان الأول وزوجه, وكيف خلق الناس منهما وتكاثروا فيما بعد، ثم أهم الحقائق التي دخلت في تركيب الإنسان, ويمكن تلخيصها في تكوينين رئيسيين: الأول تكوين أرضي مادي ويتمثل في التراب والماء أو ما يتركب منهما, وهو الطين وقد نتج عن ذلك التكوين البيولوجي للإنسان, وظهرت منه الحاجات المادية الأولية والصفات التابعة لها كما سيأتي تفصيل ذلك في موضعه.
والثاني تكوين سماوي روحي ويتمثل في التكوين السيكولوجي أو الجانب المعنوي للإنسان، ونتج عن هذا التكوين دوافع وصفات معينة خاصة بالطبيعة الإنسانية, وقبل بيان تلك الدوافع والصفات أرى ضرورة تحليل تكوين هذا الجانب المعنوي في الإنسان.
стр. 197
وإذا تأملنا الآيات والأحاديث الواردة فيه والتي تعبر عن هذا الجانب وجدنا أنها تتحدث عن أربعة أمور وهي: النفس والروح والقلب والعقل، وتصف كل واحد منها بعدة أوصاف، لكن هل لكل واحد من هذه الأمور حقيقة بذاتها وصفات تابعة لها خاصة بها، أو أنها وظائف وصفات مختلفة لحقيقة روحية واحدة، ثم إذا كانت مستقلة فما مدى صلتها بالتكوين البيولوجي والفسيولوجي للإنسان؟ لو أننا نظرنا إلى آراء الفلاسفة في هذا الموضوع لوجدنا فيها ثلاثة اتجاهات: الاتجاه الأول: يمثله سقراط وأفلاطون والمتصوفون١ عموما، وهو بوجه عام يرى أن النفس جوهر روحي مستقل عن الجسم, وهي واحدة ولها قوى ووظائف مختلفة, والاتجاه الثاني: يمثله أرسطو ومن تبعه من علماء النفس، ويرى هذا الاتجاه عموما أن النفس صورة منطبعة مع الجسم لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر؛ لأنه لا وجود لها إلا مع الجسم٢, فبناء على هذا الاتجاه ليس هناك تكوين بيولوجي وسيكولوجي مستقل كل منهما عن الآخر، بل الإنسان في الحقيقة وحدة يتكامل فيها جسمه وروحه, أما الاتجاه الثالث فيحاول التوفيق بين الاتجاهين السابقين، ويمثله الفلاسفة المسلمون من أمثال الفارابي وابن سينا والغزالي وابن رشد، وإذا كان بينهم من اختلاف فهو من حيث الدرجة لا من حيث النوع أي: في درجة الميل نحو الاتجاه الأول أو الثاني، وأكثرهم إخلاصا لهذا التوفيق هو الفارابي وابن سينا حيث إنهما عرَّفا النفس كما عرفها أرسطو من حيث الصيغة "بأنها صورة لجسم طبيعي ذي حياة بالقوة"٣, ومن حيث التفسير قالوا كالاتجاه الأول: بأنها جوهر مستقل عن الجسم.
стр. 198
وباختصار فإن هذا الاتجاه يرى أن النفس كمال للجسم وجوهر مستقل في الوقت نفسه، ولا أقول: إن كل هذه المحاولات كانت خاضعة كلية للرغبة في التوفيق بين الفلسفتين, بل أقول: إنه إلى جانب تأثير هذه الرغبة كان للإسلام تأثير أيضا في هذه المحاولة، ذلك أن الإسلام يقر أيضا بوجود الجانبين في كيان الإنسان عموماًَ.
ومن هنا نجد الغزالي مثلا يعرِّف كل ما جاء به الإسلام من نصوص متعلقة بالجانب الروحي مثل: النفس والروح والعقل والقلب, بتعريفين: تعريف مادي وتعريف معنوي, ويحاول أن يجد لذلك سندا من النصوص الإسلامية فيعرِّف الروح -مثلا- "بأنها جسم لطيف منبعه تجويف القلب الجسماني, فينشر بواسطة العروق ضوارب إلى سائر الجسم، وجريانه في البدن يضاهي النور من السراج الذي يدار في زوايا البيت, فإنه لا ينتهي إلى جزء من البيت إلا ويستنير به, والمعنى الثاني هو اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان"١, والنفس أيضا لها معنيان: أحدهما أنه يراد بها المعنى الجامع لقوة الغضب والشهوة في الإنسان.
والمعنى الثاني هو اللطيفة التي ذكرناها والتي هي الإنسان بالحقيقة، وهي نفس الإنسان وذاته، ولكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها, فإذا سكنت أصبحت النفس المطمئنة, وإذا دافعت النفس الشهوانية واعترضت عليها سميت النفس اللوامة؛ لأنها تلوم صاحبها في تقصيرها في عبادة مولاه.
"وأما القلب فيطلق على معنيين أيضا: أحدهما اللحم الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر، والمعنى الثاني هو لطيفة ربانية روحانية لها
стр. 199
بهذا القلب الجسماني تعلق, وتلك هي حقيقة الإنسان وهو المدرك العالم العارف من الإنسان وهو المخاطب والمعاقب والمعاتب والمطالب, ولها علاقة مع القلب الجسماني, وتعلقه به يضاهي تعلق الأعراض بالأجسام والأوصاف بالموصوفات"١.
"وأما العقل فله معنيان أيضا أحدهما أنه قد يطلق ويراد به العلم بحقائق الأمور، فيكون عبارة عن صفة العلم الذي محله القلب, والثاني أنه قد يطلق ويراد به المدرك للعلوم فيكون هو القلب, أعني تلك اللطيفة.. ", ثم يقول الغزالي: "فإذن قد انكشف لك أن هذه الأسماء موجودة وهي القلب الجسماني والروح الجسمانية والنفس الشهوانية والعلوم, فهذه أربعة معانٍ يطلق عليها الألفاظ الأربعة, ومعنى خامس وهي اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان والألفاظ الأربعة بجملتها تتوارد عليها"٢.
والآن لنرجع إلى رأي الإسلام في تلك الحقائق الروحية في الطبيعة الإنسانية, وقد قلنا: إن الآيات والاحاديث قد تحدثت عن أربعة أمور في الطبيعة الروحية والسيكولوجية.
أما النفس فقد ذكر الله تعالى أنه خلق الناس من نفس واحدة, وقد وصف هذه النفس بعدة أوصاف: منها النفس المطمئنة ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ, ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً, فَادْخُلِي فِي عِبَادِي, وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ ووصفها مرى أخرى
стр. 200
بالنفس الموسوسة: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ ١, ومرة ثالثة بالنفس اللوامة ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ ٢, ومرة رابعة بالنفس الأمارة بالسوء ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ ٣.
وهذه الآيات كلها تفيد أن النفس واحدة, لكن لها حالات وصفات متعددة, وترتيب الآيات بهذه الصورة يؤكد هذه الفكرة.
فالنفس في حالتها الفطرية الطبيعية المستقيمة على منهج الله تكون مطمئنة ومستقرة, ولكن في بعض الحالات تأتيها خطرات الخروج على هذه الحالة, وتوسوس للإنسان بالشر، فإذا خضع الإنسان لهذه الوسوسة وعقد العزم على ارتكاب الشر أو ارتكبه فعلا، فإنها تستفيق من الغفلة وتلوم نفسها, فإذا استمرت في هذا الخضوع تنسى ربها وتصبح أمارة بالسوء، وإذا وصلت إلى هذه المرتبة اتخذت إلهها هواها, فلا تستطيع بعد ذلك فكاكا إلا برحمة من الله: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ ٤, ولقد عبر القرآن أحيانا بالنفس عن الذات المشخصة لا عن أمر معنوي, فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ٥.
ومن حقائق التكوين المعنوى في الإنسان التي تحدث عنها الإسلام: الروح ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ ٦, ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْأِنْسَانِ مِنْ طِينٍ, ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ ٧, ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ٨, وإذا كنا لا نستطيع إدراك حقيقة هذه
стр. 201
الروح لقلة علمنا كما قال تعالى، فإننا نستطيع أن ندرك مغزى ما يوحي به تركيبها في طبيعتنا من دلالات أخلاقية, وهي وجود شيء معنوي سماوي قدسي الذي يجعلنا نميل فطريا إلى السمو والاستعلاء على الوجود المادي الأرضي, كما يوحي بالمساواة الإنسانية بين الناس حيث إن خلقتهم واحدة، ثم يوحي أخيرا بقيمة الإنسان وقدسيته.
وأما القلب فكل الآيات التي وردت في حق القلب قد عبرت عن معناه الروحي فقط لا عن معناه المادي الذي ورد في الحديث، ومصداق ذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ, إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ١, ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ٢, ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ٣، ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ﴾ ٤, ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ ٥, أما الحديث الذي ورد فيه معنى القلب المادي والمعنوي فهو قول الرسول: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله, وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" ٦.
مما سبق نستخلص عدة صفات للقلب وهي: السلامة والإنابة والغلظة والتفقه والزيغ، ووُصف في نصوص أخرى بالقسوة والعمى والرأفة والاطمئنان والتقوى والتعقل.
стр. 202
وأما العقل فقد اختلف الفلاسفة في حقيقة العقل, فقسمه أرسطو إلى ثلاثة أقسام: الأول العقل الهيولاني أو بالقوة: وهو الجزء المستعد من النفس لقبول معاني الأشياء, والثاني العقل بالفعل أو العقل المستفاد، وهو ما يحصل للعالم حين يستطيع أن ينتقل إلى الفعل بنفسه أي: عند مباشرة العقل المدركات.
الثالث العقل الفعال: وهو المرتبة التي يصل إليها العقل عندما يدرك تلك المعاني وينتزعها فعلا من المدركات الخارجية الحسية١.
وقسمه الفارابي إلى أربعة أقسام: الأول هو ما قاله أرسطو في المعنى الأول, والثاني العقل بالفعل الذي قال به أرسطو أيضاً، والثالث العقل المستفاد وهو الثاني نفسه عندما يتحد بالصورة العقلية وتصبح هذه الصورة صورة له, والرابع العقل الفعال وهو مقارن للنفس موجود في أقرب الأفلاك إلينا وهو فلك القمر الذي تفيض منه المعقولات على النفس والعقل٢.
وقسم ابن سينا معاني العقل تقسيماً مشابها لتقسيم الفارابي٣.
وقسمه الغزالي إلى قسمين: أحدهما يراد به العلم بالحقائق, وثانيهما تلك اللطيفة المدركة من القلب٤.
تلك هي نظرة القدماء إلى العقل وقواه أو قدراته، ولننظر الآن إلى رأي المحدثين من علماء النفس في العقل وقدراته. يغلب على تعبيرات المحدثين التعبير عن العقل بالذكاء أو القدرات العقلية, وهم يختلفون اختلافاً كبيراً في
стр. 203
ماهيته وقدراته.
فقد عرفه "سبيرمان" مثلاً بأنه: القدرة على إدراك العلاقات, بسيطة كانت أم صعبة خفية١، وعرفه "ركس نايت" بأنه: القدرة على اكتشاف الصفات الملائمة للأشياء أو الأفكار وعلاقات بعضها ببعض, وعرفه "ثورندايك" بأنه: القدرة على مجرد تكوين ترابطات، واقترح ثلاثة مستويات للذكاء: وهي الذكاء المجرد والذكاء الاجتماعي والذكاء الميكانيكي، ويتضمن النوع الأول استعمال جميع الرموز اللغوية والأرقام وغيرها، والذكاء الاجتماعي هو القدرة على تفهم الناس ومسايرتهم، والفرق بينهما أن الأول موروث بينما الثاني يرجع غالباً إلى الاكتساب، أما الذكاء الميكانيكي فهو السمة التي تنمو خلال ما يمنح للفرد من فرص تعليمية نتيجة لميوله, وذلك على أساس من الذكاء الفطري.
وعرفه "فريمان" بأنه القدرة على التعلم، وذكر له أربعة أنماط: الأول هو تكيف الفرد بالبيئة الكلية المحيطة به, أو ببعض نواحيها, الثاني أنه القدرة على التعلم, الثالث أنه التفكير المجرد, الرابع أنه القدرة الكلية لدى الفرد على التصرف الهادف والتفكير المنطقي والتعامل المجدي مع البيئة٢, ويرى "إدوارد كلاباريد" أن الذكاء هو القدرة على المعرفة, والقدرة على التكيف مع الواقع٣.
وقد استقر مفهوم الذكاء أخيراً على يدي "ثيرستون" على أنه: قدرة القدرات وموهبة المواهب والمحصلة العامة، لجميع القدرات العقلية المعرفية الأولية٤
стр. 204
ويمكن إجمال رأي المحدثين دون دخول في كثرة من التفاصيل التي توجد في كتب علم النفس الحديث, بأن الذكاء أو القدرة العقلية لها صفات منها: الإدراك بوجه عام واستيعاب المعلومات وحفظها والعمل بمقتضى هذا الإدراك وتلك المعلومات وهذه الناحية أميل إلى الحكمة؛ لأن الحكمة هي العمل بالعلم كما تقتضي الأحوال والمواقف.
أما رأي الإسلام في العقل فقد جاءت نصوص متعددة تعبر كلها عن أن العقل قوة مدركة في الإنسان خلقها الله فيه ليكون مسئولا عن أعماله؛ ولهذا بين الله تعالى أن سبب الانحراف والضلال هو عدم العمل بمقتضى العقل ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ١, وقال تعالى: ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ ٢, ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ٣, ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ ٤, ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ ٥, ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ ٦, ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلّاً كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ ٧, وأهم ما يمكن أن نستخلصه من هذه النصوص وغيرها فيما يتعلق بالعقل هو أن العقل قوة مدركة غريزية موجودة في الإنسان، وأنه يستعمل بمعنيين: الأول الإدراك، والثاني العمل بمقتضى الإدراك, وهو العقل العملي أو الحكمة.
стр. 205
والآن بعد عرض تلك الحقائق في الطبيعة الإنسانية يبدو لي وجود فروق واضحة بين هذه الحقائق, وتبدو تلك الفروق جلية في أن ما يدركه الإنسان بقلبه لا يدركه بعقله، وما يدركه بعقله قد لا يدركه بقلبه, إذن هناك خصوصية لإدراك كل من العقل والقلب؛ ولهذا قال تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ١، إذن رؤية القلب غير إدراك العقل, ودليل هذا الفرق تجريبي وليس دليلاً منطقيا، فالإنسان أحياناً قد يشعر بحقيقة في نفسه ولا يجد لها دليلاً منطقياً وبالعكس قد يجد دليلاً منطقياً على فكرة ولا يقتنع به قلباً٢, ثم إن التفريق ضروري للتمييز بين النفس الحيوانية التي يشترك فيها الإنسان باعتبارها قوام الحياة وبين الروح الإنسانية التي هي نفخة من روح الله, والتي بها يمتاز الإنسان عن سائر الحيوان٣.
ويؤيد وجهة نظرنا هنا ما يقول الدكتور "محمد كمال جعفر" تعبيراً عن رأي المتصوفة، فالصوفية يصرون على وجود تمييز حاسم بين النفس والروح، ولا يقف الصوفية عند حد التصنيف بين النفس والروح, بل يتعدون ذلك إلى آرائهم في القلب الإنساني الذي لا يعنون به هذه المضغة الصنوبرية, بل يعنون به مركز النشاط العاطفي والروحي والفكري بمعنى خاص٤.
стр. 206
وفيما يتعلق بصلة الجانب السيكولوجي بالجانب البيولوجي في تركيب الإنسان أو تكوينه ذكرنا حديثاً للرسول ﷺ يوضح مدى هذه الصلة, وهو حديث القلب "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله, وإذا فسدت فسد الجسد كله" ١, هنا نجد الارتباط بين الجانبين، وجاء في حديث آخر كيف كانت الروح سبباً لحركة الجسم، فقد روى سعيد بن جبير عن الرسول ﷺ أنه قال: "لما دخل الروح في عيني آدم ﵇ نظر في ثمار الجنة فلما دخل جوفه اشتهى الطعام فوثب من قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة" ٢, ويرى ابن عربي أن الجسد ضرورة للنفس لتعكس العالم فهو وسيلة لذلك في يد النفس, ولكل روح جسد مصور مسوي معدل يشاكلها ويجانسها مزاجياً، وإذا كانت النفس تتجانس مع طريقة تركيب الجسم فإنها تظهر بصورته هنا، ويشرح رأيه أستاذي قائلاً: "وإذا تفاضلت النفوس فيما بينها فإنما ذلك بسبب تفاضل الأمزجة فيما بينها, وحقيقة التفاضل بين أفراد البشر إنما ترجع إلى الصورة التي شاء الله أن يركب فيها كل واحد منهم، وأن الله قد جعل الإنسان وعقله بحكم مزاج جسده, فإن النفس لا تدرك شيئاً إلا بواسطة هذه القوى التي ركب الله في هذه النشأة، فهي للنفس كالآلة فإن كانت مستقيمة على الوزن الصحيح ظهر حسن الصنعة بها, ويشبه العلاقة بينهما من حيث التأثير والتأثر بانعكاس الضوء على قطعة من الزجاج، فكما أن الضوء يتشكل باختلاف لون الزجاج من أخضر وأزرق وأصفر وما إلى ذلك، فكذلك النفس تتشكل بحسب أمزجة الأجسام المختلفة بين الناس، وإن كانت هذه النفس واحدة في أصلها, وإذا كانت النفس
стр. 207
هي التي تدير الجسم وتبعث فيه الحياة والحركة، فإن الجسم لا يقبل من هذا التأثير إلا بقدر استعداده الطبيعي، ومن جهة أخرى فإن للأجسام تأثيراً في النفوس "فمنهم الذكي والبليد بحسب مزاج الهيكل الجسمي, فالأمر عجيب بينهما فكل واحد منهما مؤثر فيما هو مؤثر فيه"١.
ومجمل القول يرى ابن عربي أن النفس وقواها المختلفة واحدة من حيث أصلها لكن هذه القوى لا تظهر لدى الناس بصورة واحدة بل تظهر بحسب اختلاف أجسامهم وأمزجتهم واختلاف الأجهزة المركبة في الجسم ومدى استعدادها لإظهار أو عكس قوى النفس المختلفة.
ثم إن علماء علم النفس المحدثين قد أثبتوا بالطرق التجريبية وجود صلة ما بين العمليات العقلية المختلفة ومراكز تشريحية في المخ, بحيث إن إصابة أي خلل في أحد هذه المراكز يؤثر في العملية العقلية التي تعتمد عليه, ولكن العلماء حتى الآن لم يتفقوا على مدى هذه الصلة, هل هذه الصلة صلة التوازي مثلاً، أي: أن عناصر الدماغ وخلايا القشرة الدماغية تفرز الفكر كما تفرز الكبد السكر، وأن شتى الصور والمعاني التي تتوارد في الذهن ليست سوى تنشيط للآثار التي تركتها التجارب الحسية في الخلايا العصبية؟ والحقيقة أن الذي يدرس الآراء المختلفة في هذا الموضوع ثم يتأمل في تلك العمليات العقلية الجبارة لا يستطيع أن يرجعها جميعاً إلى عمليات آلية فسيولوجية قائمة على آليات الجهاز المخي؛ لأننا نشعر بالإنتاج أكثر من الطاقة الفسيولوجية أو أكثر من وظائف آلية لجهاز
стр. 208
مخي. ومن هنا يقول الدكتور "يوسف مراد": "ليست الحياة العقلية كلها نتيجة ترابطات ميكانيكية بين عناصر ووحدات مميزة مثل الإحساسات والصور الحسية والحركية, إن الارتباط يقوم بدور كبير في تكوين الآليات الجديدة في المجال الحسي والحركي ولكن العمليات العقلية العليا من إدراك وتذكر وتفكير، وخاصة عمليات الحكم والاستدلال، لا يمكن تفسيرها على أساس ارتباطي بحت، بل تتطلب نشاطاً عقلياً يفوق في طبيعته وتعقده النشاط الآلي، فهو نشاط إبداعي يستخدم الآليات المكتسبة كوسائل الإبداع والكشف دون أن يخضع لها أو يتقيد بها.
ولا يمكن إرجاع عمليات الحكم والاستدلال إلى مجرد الارتباطات بين الصور الذهنية, وحتى التذكر ليس مجرد استرجاع الصور كما هي بل هو في صميمة عملية تمييز واختيار"١.
وهذه الفكرة تتفق أو تكاد تتفق مع ما ذهب إليه "هنري برجسون" في رده على القائلين بوجود التوازي بين عملية الشعور وعملية المخ الآلي فيقول: "وماذا تقول لنا التجربة؟ في الواقع إنها تبين أن حياة النفس -وإن شئت فقل حياة الشعور- مرتبطة بحياة الجسم, وإن ثمة تضامناً بينهما ولا شيء غير ذلك، ولكن ثمة من ينكر هذه الحقيقة إلا أنه شتان بين أن نقرر ذلك وبين أن نقول إن الدماغي معادل العقلي, وأن في الإمكان أن نقرأ في الدماغ كل ما يجري في الشعور المقابل، إن الثوب الذي علق على مسمار متضامن مع هذا المسمار فإذا وقع المسمار وقع هو معه وإذا اهتز اهتز وإذا كان رأس المسمار حاداً جداً تمزق الثوب، ولكن ليس ينتج عن هذا أن كل جزء من أجزاء الثوب ولا أن المسمار
стр. 209
معادل للثوب؛ ولا أن المسمار والثوب شيء واحد, نعم إن الشعور معلق بدماغ ولكن ليس ينتج عن هذا أبداً أن الدماغ يرسم كل تفصيل الشعور ولا أن الشعور وظيفة للدماغ، وكل ما تسمح لنا المشاهدة والتجربة بتقريره هو أن ثمة علاقة بين الدماغ والشعور"١.
٣- والآن فلننتقل إلى النقطة الثالثة والأخيرة في الطبيعة الإنسانية وهي طبيعة الخصائص الإنسانية العامة التي جاءت نتيجة تكوين الإنسان من تلك الحقائق المادية والروحية معاً.
نحن نعرف أن الكل ليس مجرد مجموع أجزائه بل قد تكون هناك صفة أو صفات زائدة تنشأ عن تركيب أجزاء معينة, فالماء مثلاً يتركب من الأيدروجين والأكسوجين وبالرغم من ذلك فهو في شكله وخصائصه العامة مختلف عن مجموع خصائص هاتين المادتين, ولو حللناه إلى مادتين يفقد شخصيته ولا يبقى ماء.
وكذلك الشخصية الإنسانية فإنها متركبة من المادة والروح معاً ولهذا ففيها الصفات الأرضية والسماوية وفيها أيضاً صفات ثالثة ناتجة عن ذلك التركيب الخاص, وهذا التركيب أعجب ما يكون إذ به يتحقق التنسيق بين القوى المادية والروحية, وإلى ذلك التنسيق ترجع الخصائص الإنسانية التي تميز بها الإنسان عن الكائنات الروحية الخالصة والكائنات الحيوانية الأخرى.
ولهذا فقد لفت الله نظر الإنسان إلى ذلك التركيب العجيب وإلى ذلك الصنع البديع في خلقه ليقدر تلك القدرة الخالقة والصورة المبدعة التي صورها الله
стр. 210
على أحسن وأتم صورة ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ, الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ, فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ ١.
﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ ٢, وفكرة كون الإنسان أكبر من مجموع أجزائه لها أهمية كبيرة في مجالات التربية وفي مجال تصور الإنسان والتعبير عنه بصورة متكاملة، وهي فكرة انتهت إليها الدراسات الحديثة فيقول مثلا الدكتور "محمد لبيب النجيحي": "ننهي بحثنا للنظريات المختلفة للطبيعة الإنسانية والمفاهيم التي حاول كثير من الفلاسفة أن يوردوها للطبيعة الإنسانية متعللين بأسباب مختلفة حقيقية أو غير حقيقية, ننهي هذا بنظرة إلى الطبيعة الإنسانية تعتمد على التكامل.. نظرة كلية تتسع لتشمل جميع العوامل المكونة لها؛ وذلك نظراً لظهور أفكار واتجاهات جديدة وكشوف عملية أدت إلى أن تختلف النظرة العلمية إلى الطبيعة الإنسانية اختلافاً أدى إلى تطبيقات جديدة في التربية.. لأن هذه الطبيعة كل متكامل لا يتكون من جسم مضاف إليه عقل ولكن الطبيعة الإنسانية أبعد من ذلك, فالكل أكبر من مجموع أجزائه، أي: أن الطبيعة الإنسانية هي أكثر من مجرد إحساسات جسمية وتكوينات عقلية"٣.
إذن من الخطأ أن ننظر إلى الإنسان -عندما نحاول أن نصور طبيعته- على أنه مجموعة من التركيبات المادية والإحساسات الحيوية أو أنه مجموعة من التكوينات المعنوية أو الروحية بل علينا أن ننظر إليه كشخصية تتكامل فيها
стр. 211
الجوانب المادية والمعنوية، ونتيجة لذلك يتميز بصفات خاصة به، لا نجدها لدى غيره من الكائنات.
ومن هنا يقول الدكتور "الكسيس كارل": "إن الإنسان كل لا يتجزأ شديد التعقيد ومن المستحيل إيجاد فكرة مبسطة عنه.. فالإنسان الذي يعرفه الأخصائيون ليس الإنسان المحسوس أو الإنسان الحقيقي إنما هو رسم تخطيطي يتكون من التخطيطات التي تسفر عنها الطرائق الفنية لكل علم من العلوم، إنه في آن واحد الجثة التي يفحصها علماء التشريح، والشعور الذي يراقبه علماء النفس وأساتذة الحياة الروحية، والشخصية التي تتكشف لكل واحد منا عندما يتأمل ذاته، إنه المواد الكيميائية التي تكون الأنسجة البدنية وأمزجة الجسم، إنه المجتمع الهائل من الخلايا والسوائل الغذائية التي يدرس علماء الفسيولوجيا قوانين اتحادها، إنه تلك المجموعة من الأعضاء والشعور التي تدوم زمناً والتي يحاول علماء الصحة والمربون توجيهها صوب كامل نموها، إنه ذلك الكائن الذي لا بد أن يتغذى بلا انقطاع حتى يمكن أن تعمل الآلات التي هو عبد لها, وهو إلى جانب هذا الشاعر والبطل والقديس، إنه ليس فقط الكائن المعقد أشد التعقيد الذي يحلله العلماء بوسائلهم الفنية الخاصة، بل هو أيضاً جماع ميول البشرية وتهيؤاتها ورغباتها"١.
من هنا نجد النصوص الإسلامية الواردة في هذه الطبيعة والتي تعبر عن تلك الصفات الناتجة عن ذلك التركيب تبدو وكأن بينها تناقضاً ولكن من هذا التناقض تظهر الصفات الإنسانية أو الخلقية ويتضح ذلك جلياً إذا درسنا
стр. 212
النصوص المتعلقة بذلك.
ولنذكر بعض هذه النصوص لتكون أساساً لدراستنا ثم علينا أن نستخلص هذه الفكرة ونوضحها، وهذه النصوص تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول يوضح الصفات الأرضية للإنسان، والثانية الصفات السماوية، والثالثة الصفات الناتجة عن اجتماع العنصرين السابقين.
من الصفات الخاصة بالقسم الأول الإخلاد إلى الأرض والالتصاق بالأمور المادية الحسية ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ ١، ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ٢, أولئك كالأنعام؛ لأنهم هائمون على متع الأرض ولذاتها، فأغفلهم ذلك عما وراء الطبيعة المحسوسة فلا يتأملون ولا ينظرون إلى غير الأرض, وكأن وجوههم قد شدت إليها بحبال فلا يستطيعون الالتفات إلى الأعلى، فقد استهوتهم مراعي الأرض كما استهوت الأنعام. ولكنهم أضل من الأنعام؛ لأن الأنعام لا تستطيع ذلك بحكم الطبيعة.
ومنها الشره والتعجل لإشباع الدوافع الغريزية؛ ولهذا قال تعالى: ﴿خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ ٣، ﴿وَيَدْعُ الْأِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْأِنْسَانُ عَجُولًا﴾ ٤، ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ ٥.
ويدخل في هذا القسم كل الصفات الحيوانية والدوافع المادية الأولية مثل التناكح والتناسل والأكل والشرب وما إلى ذلك من الصفات؛ ولهذا فقد شبه الله تعالى الذين ينغمسون في هذه الحياة الحسية بالأنعام, قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا
стр. 213
يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ ١، وجاء في آية أخرى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ ٢.
أما الصفات الناتجة عن وجود العنصر السماوي أو العنصر الإلهي فهي: الدافع الأخلاقي والأدبي والبحث عن المعرفة والاستعلاء على الطبيعة الحيوانية والتسامي الروحي والتعبد لله أو التدين والحكمة والتفاضل بالإحسان إلى آخره.
ويبين الله تعالى أن الذين يتحلون بتلك الصفات هم العقلاء وأصحاب الألباب، فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ, الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ٣.
وأما النوع الثالث: من الصفات فهي ناتجة عن اجتماع العنصر الأرضي والسماوي وهي ثلاثة أقسام: صفات شيطانية، وملائكية وصفات خاصة بالإنسان.
أما الصفات الشيطانية فتنشأ إذا تسلطت على الإنسان الدوافع الغريزية البهيمية واستخدمت في سبيل تحقيق مطالبها العناصر الروحية مثل: قوة الإدراك والتمييز والتعقل، فيستخدمها لجلب الخيرات لنفسه أو لرفع مكانته وذلك بالأساليب الماكرة الخادعة, وأنواع الحيل الدقيقة الشيطانية التي لا يمكن أن يستخدمها الحيوان الخالي من تلك المواهب العقلية.
ولهذا فمتى نكل بعدوه استطاع أن ينكل أشد من الوحوش، ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ, وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ
стр. 214
الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ ١، وإذا أراد أن يفرض سطوته وخيلاءه أصبح كالإله العزيز الجبار المتكبر فيستعبد الناس ويذيقهم ألوان الذل والهوان كما فعل فرعون، وصدق الله العظيم إذ قال: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٢، وإذا أراد أن يوقع بعدوه يستطيع إيقاعه بأخبث الطرق والحيل الشيطانية؛ ولهذا سماهم الله بشياطين الإنس, قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ ٣؛ لأنه يتبع في ذلك خطوات الشيطان ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ , وبين الرسول أن الإنسان إنما يتبع خطوات الشيطان إذا استولت عليه غرائز الشهوة المادية, وأن الشيطان يتخذ تلك الغرائز وسيلة الإغراء فقال: "لا تلجوا على المغيبات " اللائي غاب أزواجهن" فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" ٥.
أما الصفات الملائكية فتنشأ إذا تسلطت على الإنسان العناصر العلوية والروحية واستخدمت عناصره الأخرى في سبيل تحقيق مطالبها مثل: الحكمة ومعرفة الله والخضوع لحكمه وحب الخير والاستعداد للآخرة, فهو في هذه الحالة يسخر إمكاناته المادية ودوافعه الحيوانية في سبيل جلب الخيرات للناس والعمل من أجل رفع مستواهم المادي والمعنوي, ولا يبالي في سبيل ذلك ما يعانيه من النصب والتعب، فمن هنا تنشأ جميع الفضائل الأخلاقية والأفعال الإنسانية.
وقد سمى الله هذه الطائفة من الناس بعباد الرحمن؛ لأنهم خرجوا من عبودية
стр. 215
الشهوات ودواعي الهوى واتباع خطوات الشيطان إلى عبودية الرحمن واتباع طريقه فقال تعالى في وصف هؤلاء: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً, وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً, وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً، وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً, وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً, وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً, وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً, أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً﴾ ١, وقال الرسول: "كونوا ربانيين حلماء فقهاء علماء" ٢.
وأما القسم الثالث من الصفات فهي التي تعتبر من خصائص الطبيعة الإنسانية، منها: كثرة الجدل والخصومة: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ ٣, ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ٤، ومنها كثرة النكران للنعمة والإحسان ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُود﴾ , ومنها التضرع إلى الله عند الملمات, والبطر والطغيان عند الرخاء وتوافر النعم ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِما﴾ ٦، ﴿كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى, أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ , وهو يئوس إذا نزعت من يده النعمة, وشحيح إذا أصابه الخير, وهلوع إذا مسه الشر, ومنوع إذا مسه الخير ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ﴾ ٨، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً, إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً, وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ ٩.