الجوانب المادية والمعنوية، ونتيجة لذلك يتميز بصفات خاصة به، لا نجدها لدى غيره من الكائنات.
ومن هنا يقول الدكتور "الكسيس كارل": "إن الإنسان كل لا يتجزأ شديد التعقيد ومن المستحيل إيجاد فكرة مبسطة عنه.. فالإنسان الذي يعرفه الأخصائيون ليس الإنسان المحسوس أو الإنسان الحقيقي إنما هو رسم تخطيطي يتكون من التخطيطات التي تسفر عنها الطرائق الفنية لكل علم من العلوم، إنه في آن واحد الجثة التي يفحصها علماء التشريح، والشعور الذي يراقبه علماء النفس وأساتذة الحياة الروحية، والشخصية التي تتكشف لكل واحد منا عندما يتأمل ذاته، إنه المواد الكيميائية التي تكون الأنسجة البدنية وأمزجة الجسم، إنه المجتمع الهائل من الخلايا والسوائل الغذائية التي يدرس علماء الفسيولوجيا قوانين اتحادها، إنه تلك المجموعة من الأعضاء والشعور التي تدوم زمناً والتي يحاول علماء الصحة والمربون توجيهها صوب كامل نموها، إنه ذلك الكائن الذي لا بد أن يتغذى بلا انقطاع حتى يمكن أن تعمل الآلات التي هو عبد لها, وهو إلى جانب هذا الشاعر والبطل والقديس، إنه ليس فقط الكائن المعقد أشد التعقيد الذي يحلله العلماء بوسائلهم الفنية الخاصة، بل هو أيضاً جماع ميول البشرية وتهيؤاتها ورغباتها"١.
من هنا نجد النصوص الإسلامية الواردة في هذه الطبيعة والتي تعبر عن تلك الصفات الناتجة عن ذلك التركيب تبدو وكأن بينها تناقضاً ولكن من هذا التناقض تظهر الصفات الإنسانية أو الخلقية ويتضح ذلك جلياً إذا درسنا
стр. 212
النصوص المتعلقة بذلك.
ولنذكر بعض هذه النصوص لتكون أساساً لدراستنا ثم علينا أن نستخلص هذه الفكرة ونوضحها، وهذه النصوص تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول يوضح الصفات الأرضية للإنسان، والثانية الصفات السماوية، والثالثة الصفات الناتجة عن اجتماع العنصرين السابقين.
من الصفات الخاصة بالقسم الأول الإخلاد إلى الأرض والالتصاق بالأمور المادية الحسية ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ ١، ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ٢, أولئك كالأنعام؛ لأنهم هائمون على متع الأرض ولذاتها، فأغفلهم ذلك عما وراء الطبيعة المحسوسة فلا يتأملون ولا ينظرون إلى غير الأرض, وكأن وجوههم قد شدت إليها بحبال فلا يستطيعون الالتفات إلى الأعلى، فقد استهوتهم مراعي الأرض كما استهوت الأنعام. ولكنهم أضل من الأنعام؛ لأن الأنعام لا تستطيع ذلك بحكم الطبيعة.
ومنها الشره والتعجل لإشباع الدوافع الغريزية؛ ولهذا قال تعالى: ﴿خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ ٣، ﴿وَيَدْعُ الْأِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْأِنْسَانُ عَجُولًا﴾ ٤، ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ ٥.
ويدخل في هذا القسم كل الصفات الحيوانية والدوافع المادية الأولية مثل التناكح والتناسل والأكل والشرب وما إلى ذلك من الصفات؛ ولهذا فقد شبه الله تعالى الذين ينغمسون في هذه الحياة الحسية بالأنعام, قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا
стр. 213
يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ ١، وجاء في آية أخرى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ ٢.
أما الصفات الناتجة عن وجود العنصر السماوي أو العنصر الإلهي فهي: الدافع الأخلاقي والأدبي والبحث عن المعرفة والاستعلاء على الطبيعة الحيوانية والتسامي الروحي والتعبد لله أو التدين والحكمة والتفاضل بالإحسان إلى آخره.
ويبين الله تعالى أن الذين يتحلون بتلك الصفات هم العقلاء وأصحاب الألباب، فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ, الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ٣.
وأما النوع الثالث: من الصفات فهي ناتجة عن اجتماع العنصر الأرضي والسماوي وهي ثلاثة أقسام: صفات شيطانية، وملائكية وصفات خاصة بالإنسان.
أما الصفات الشيطانية فتنشأ إذا تسلطت على الإنسان الدوافع الغريزية البهيمية واستخدمت في سبيل تحقيق مطالبها العناصر الروحية مثل: قوة الإدراك والتمييز والتعقل، فيستخدمها لجلب الخيرات لنفسه أو لرفع مكانته وذلك بالأساليب الماكرة الخادعة, وأنواع الحيل الدقيقة الشيطانية التي لا يمكن أن يستخدمها الحيوان الخالي من تلك المواهب العقلية.
ولهذا فمتى نكل بعدوه استطاع أن ينكل أشد من الوحوش، ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ, وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ
стр. 214
الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ ١، وإذا أراد أن يفرض سطوته وخيلاءه أصبح كالإله العزيز الجبار المتكبر فيستعبد الناس ويذيقهم ألوان الذل والهوان كما فعل فرعون، وصدق الله العظيم إذ قال: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٢، وإذا أراد أن يوقع بعدوه يستطيع إيقاعه بأخبث الطرق والحيل الشيطانية؛ ولهذا سماهم الله بشياطين الإنس, قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ ٣؛ لأنه يتبع في ذلك خطوات الشيطان ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ , وبين الرسول أن الإنسان إنما يتبع خطوات الشيطان إذا استولت عليه غرائز الشهوة المادية, وأن الشيطان يتخذ تلك الغرائز وسيلة الإغراء فقال: "لا تلجوا على المغيبات " اللائي غاب أزواجهن" فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" ٥.
أما الصفات الملائكية فتنشأ إذا تسلطت على الإنسان العناصر العلوية والروحية واستخدمت عناصره الأخرى في سبيل تحقيق مطالبها مثل: الحكمة ومعرفة الله والخضوع لحكمه وحب الخير والاستعداد للآخرة, فهو في هذه الحالة يسخر إمكاناته المادية ودوافعه الحيوانية في سبيل جلب الخيرات للناس والعمل من أجل رفع مستواهم المادي والمعنوي, ولا يبالي في سبيل ذلك ما يعانيه من النصب والتعب، فمن هنا تنشأ جميع الفضائل الأخلاقية والأفعال الإنسانية.
وقد سمى الله هذه الطائفة من الناس بعباد الرحمن؛ لأنهم خرجوا من عبودية
стр. 215
الشهوات ودواعي الهوى واتباع خطوات الشيطان إلى عبودية الرحمن واتباع طريقه فقال تعالى في وصف هؤلاء: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً, وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً, وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً، وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً, وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً, وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً, وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً, أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً﴾ ١, وقال الرسول: "كونوا ربانيين حلماء فقهاء علماء" ٢.
وأما القسم الثالث من الصفات فهي التي تعتبر من خصائص الطبيعة الإنسانية، منها: كثرة الجدل والخصومة: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ ٣, ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ٤، ومنها كثرة النكران للنعمة والإحسان ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُود﴾ , ومنها التضرع إلى الله عند الملمات, والبطر والطغيان عند الرخاء وتوافر النعم ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِما﴾ ٦، ﴿كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى, أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ , وهو يئوس إذا نزعت من يده النعمة, وشحيح إذا أصابه الخير, وهلوع إذا مسه الشر, ومنوع إذا مسه الخير ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ﴾ ٨، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً, إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً, وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ ٩.
стр. 216
ومنها الطمع المستمر في الحصول على مزيد من الخيرات ﴿لا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ ١، ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ٢.
ومنها أن يريد ويخضع سلوكه لإرادته, فهو ليس كالحيوان محكوماً بقوانين الغرائز بل إنه يمكن أن يخالف هذه الغرائز إذا أراد، وسيأتي تفصيل هذه النقطة وافياً، وقد رسمت خريطة للدوافع الفطرية في كتاب آخر، انظر: معالم بناء نظرية التربية الإسلامية ص ٥٧.
نستخلص من هذا كله أن الطبيعة الإنسانية طبيعة متعددة الخصائص والدوافع والميول, ويرجع بعض ذلك إلى التكوين المادي وبعضه الآخر إلى التكوين النفسي والروحي والعقلي، وبعضه إلى العلاقة القائمة بينهما، وبعضه إلى الكيان الكلي للإنسان، فهو أمشاج من هذا كله ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً, إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراًً﴾ ٣، فالنطفة التي خلق منها الإنسان فيها عناصر مختلفة من العناصر الوراثية المنبثة في الجينات والكروموزمات الموجودة في الخلية التي توجد فيها عناصر الشخصية الإنسانية بالقوة كما توجد الشجرة الكبيرة بالقوة في البذرة الصغيرة، ولا أقصد من هذا أن أفعال الإنسان مكنونة في نفسه كذلك؛ إذ إن هناك فرقا بين الصفات الطبيعية للإنسان وبين أفعاله, والهدف من خلقه بهذه الصورة -كما تشير الآية- هو الابتلاء إذ وضع الله أمامه سبيلين: سبيل الخير وفيه استعداد لهذا السبيل، وسبيل الشر وفيه استعداد للسير فيه أيضاً ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ ٤, أي: طريق الخير وطريق الشر, وقد أمر باتباع الأول واجتناب
стр. 217
الثاني، وهو عند اتباع هذا الطريق أو ذاك يعلم أنه خير أم شر ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا, فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ ١, وفلاحه مرهون باتباع طريق الخير ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا, وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ٢.
وميزة الإنسان هنا على الحيوان أنه ليس محكوماً بفطرته البيولوجية, بل إنه يستطيع أن يتسامى على هذه الفطرة فيستطيع أن يكف عن الأكل والشرب بالرغم من حاجته إليهما ووجودهما أمامه حتى الموت, وهو في الوقت نفسه ليس كالملائكة محكوماً عليه باتباع الخير وليس كإبليس مدفوعاً إلى اتباع الشر بل فيه القدرة على أن يكون كالحيوان, لا يسير إلا بناء على ما تدفعه دوافعه وغرائزه المادية، ويستطيع أن يكون كملك كريم لا يتبع إلا الخير ويستطيع أن يكون شيطاناً مارداً يفسق ويلحق الضرر بالناس ويسوقهم إلى المهالك والعصيان ويملأ الأرض ظلماً وطغياناً وفساداً.
ثم يستطيع أن يتأله فيكون كالإله العزيز الجبار المتكبر يجعل الناس يعظمونه ويقدسونه ويعبدونه، وعندما ننظر إلى تاريخ الإنسانية نجد أنماطاً من الناس من هذا النوع وذاك.
هنا نجد الرسول ﷺ يعبر عن هذه الحقيقة عندما يقول: "إن للشيطان لَمَّة بابن آدم -في قلبه- وللمَلَك لَمَّة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم تلا
стр. 218
قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ " ١.
وإذا كان هذا شأن الطبيعة الإنسانية فهل يصح بعد ذلك أن نقول كما قال بعض الفلاسفة- إنها طبيعة خيرة أو طبيعة شريرة على الإطلاق؟.
الحقيقة أنه ليس من الحق أن نصف هذه الطبيعة بالخير أو بالشر, ذلك أن ما أثبتنا فيها من دواع تعتبر استعدادات للقيام بتلك الأعمال التي أشرنا إليها أو أنها تعتبر قوى مختلفة للقيام بأعمال مختلفة، والقوة في حد ذاتها لا يصح وصفها بالخير أو بالشر مادام يمكن استخدامها في الخير والشر، شأنها شأن أي شيء يصلح استعماله في الخير والشر معاً, إذن الخيرية والشرية هنا الاستخدام والاستعمال، فإذا استعملتها في الخير تكون خيراً وإذا استعملتها في الشر تكون شريراً, وليس أي دافع من الدوافع التي ذكرناها يعتبر شراً حتى دافع التملك والتقاتل والجنس، ذلك أن الأول دافع إلى العمل للكسب والثاني وسيلة للدفاع عن الحق والثالث وسيلة لاستمرار النوع, أما الشر فيأتي نتيجة استخدامها في غير مواضعها ومن غير قيد أو شرط، والخير هو استعمالها في وجوهها التي خلقت من أجلها, والأخلاق السليمة أو الخيرة تدعو إلى استخدام هذه الدوافع الفطرية في وجهتها الطبيعية التي خلقت من أجلها أو تلك التي حددها الخالق كما عرفنا من قبل.
فالإسلام إذ يحدد هذه الوجوه الخيرة لاستخدام هذه الدوافع الفطرية بقيود وشروط معينة يدعو إلى تطبيق الفطرة, وهو لذلك دين الفطرة.
стр. 219
والآن نرى أنفسنا أمام موضوع هام وهو موضوع الفطرة، وفطرية الدين الإسلامي تعني أنه من صميم الطبيعة البشرية؛ ولأن هذا الموضوع شديد الصلة بالأخلاق. أرى من الواجب دراسته بشيء من التفصيل لنستطيع أن نحدد في هذه النقطة علاقة الطبيعة الإنسانية بالأخلاق عن طريق تحديد معاني الآيات والأحاديث الواردة في هذا الموضوع بالذات.
لقد بين الله تعالى أن الإسلام دين الفطرة فقال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١.
وقبل تحديد معنى الفطرة في الآية، يجب تحديد معناها لدى علماء علم النفس: يتردد معنى الفطرة عندهم بين ثلاثة معانٍ: وهي الغريزة والدافع والميل٢, فالغريزة عند "مكدوجل" هي استعداد نفسي عضوي فطرياً كان أم موروثاً يجعل صاحبه يتخذ موقفاً محدداً إيجابياً أو سلبياً إزاء موضوعات معينة بعد إدراكه لها مباشرة٣, أما كلمة الدافع فلها معانٍ عدة لدى علم النفس، لكن يمكننا أن نعرفها تعريفاً عاملاً شاملا، على النحو الآتي: الدافع هو كل ما يدفع الإنسان إلى القيام بسلوك معين أو تغير معين في داخل الكائن الحي أو سلوكه إزاء مواقف معينة.
وسواء أكان هذا الدافع نابعاً من داخل الكائن الحي أم من بيئته, فهو بهذا المعنى يشمل كل الدوافع مثل: الحاجات والحوافز والرغبات والميول٤.
وبناء على ذلك: الفطرة معناها الغريزة بالمعنى السابق أو الدافع الأولي أو
стр. 220
ميول طبيعية نحو أفعال معينة, ويمكن وضع ذلك في صيغة تجمعها وهي أن الفطرة بصفة عامة ميول طبيعية يولد الإنسان مزوداً بها, وتدفعه إلى اتخاذ مواقف إيجابية أو سلبية إزاء الأشياء, وفطرية التدين هو الميل الطبيعي لاتخاذ دين معين، أو هي كما عرفه الجرجاني في التعريفات "الجبلة المتهيئة لقبول الدين".
ولقد أثبت بعض علماء علم النفس والاجتماع فطرية التدين بالمعنى السابق, ومن بينهم "وليم مكدوجل" الذي عده من الغرائز التي حددها ووضع لها قائمة١.
وكما أثبت الدكتور "آلكسيس كارل" وجود الغريزة الدينية في طبيعة التكوين البيولوجي في الإنسان وأرجعها إلى إفراز الغدة الدرقية "النيروسكين" في الأوعية الدموية فإذا كفت الغدة عن صب ذلك الإفراز في الأوعية الدموية لم يعد هناك ذكاء أو حاسة شر أو حاسة جمال أو حاسة دينية٢، إذن فطرية الدين لها جانب سيكولوجي وجانب بيولوجي معاً، وإذا كان الشعور الديني فطرة في الإنسان فالتدين سلوك فطري وعدم التدين انحراف عن الفطرة, وينبغي أن نشير هنا إلى نقطة مهمة وهي: أن الغرائز أو الدوافع الفطرية تتفاوت فيما بينها من إنسان إلى آخر من حيث القوة والضعف وقد تضعف أو تنمو بالممارسة أو الإهمال أو طغيان غريزة على أخرى٣.
وبذلك قد لا يبقى لها أثر في سلوك الإنسان وإن كان لا يزول من الوجود تماماً ومن ثم يمكن أن يسلك الإنسان سلوكا مخالفاً لتلك الدوافع الفطرية لدوافع أخرى فطرية أو غير فطرية.
والدليل على وجود تلك العاطفة أو الفطرة الدينية في الإنسان مانراه في
стр. 221
تاريخ الإنسانية عموماً منذ قديم الزمان إلى يومنا هذا. فما من أمة إلا وقد اتخذت لنفسها إلها أو آلهة وعبدتها وإن كانت باطلة، هنا يقول الفيلسوف "بسكال": "إن طبيعة الإنسان أن يؤمن فإذا لم تتقدم له أهداف صائبة سديدة ركز حولها إيمانه وحبه، تحول إلى عبادة أهداف خاطئة فاسدة"١.
أما ظهور بعض الثورات على هذه الظاهرة أو خروجها عليها، بقصد أو بغير قصد من بعض الشعوب أو من بعض الطوائف في فترة من فترات التاريخ فذلك ليس دليلاً أبداً على انعدام هذه الفطرة أو عدم وجودها في الإنسان مبدئياً، إن السبب في ذلك قد يكون فساد صورة التعبد الشائعة فيها أو بطلان المعبود عقلياً وعلمياً، وقد يكون السبب في فساد الجماعة الخارجة؛ لأن الإنسان قد يفرط أحياناً في جانب من حياته أو ينمي طبيعة معينة من طبائعه بكثرة الاهتمام بها فتؤدي هذه الحالة أو تلك إلى تناسي أو تجاهل الجانب الآخر من طبيعته وحياته الفطرية, ويقول هنا "سير رتشارد لفنجستون": "لقد جبل الإنسان على أن يهتدى بدين يرى في مبادئه الخلاص والاطمئنان, وإذا هجر الأوروبيون الدين اتخذوا لهم من دون الله أبطالاً وأنبياء"٢.
ومن الممكن أن تكون ظاهرة اتخاذ المعبودات الباطلة دليلا من أدلة وجود هذه الفطرة الدافعة في الإنسان؛ لأنها قد دفعته إلى عبادة هذه المعبودات ولو كانت باطلة عند عدم وجود ما هو أصح منها وأحق بالعبادة في نظره وإلا فما الذي دفعه إلى عبادة الأحجار والأشجار والأبقار وغيرها، وهي كلها في الحقيقة لا تنفع شيئاً ولا تضر ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ, أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ ٣, أنا
стр. 222
لا أجد مبرراً إلا هذه القوة الدافعة التي دفعت هؤلاء إلى القول بأنه لا بد من أن يكون لهذا الكون خالق ينفع ويضر ويتصرف فيه حسب مشيئته, فهم تحت سطوة هذه القوة قد أضفوا على بعض الأشياء أو على كائن من الكائنات الصفة الإلهية لسبب من الأسباب اختلفت في تحديده مذاهب الباحثين عن نشأة الديانات١ مثل: المذهب الطبيعي الذي نشأ نتيجة الظواهر الطبيعية المثيرة التي أدت إلى الاعتقاد بوجود قدرة مدبرة وراءها ومذهب "ما قبل المادة الحية أو المانا أو مذهب المادة الحية الذي نشأ عن الاعتقاد بوجود قوة مسيطرة في العالم وتستمد الأحياء روحها منها" ثم الروحية التي تعتقد بوجود عالم أرواح لا بد من ترضيتها بالقرابين ليكون الإنسان بعيداً من غضبها ويأمن من شرها، ثم التوتمية التي نشأت نتيجة تمجيد الإنسان لبعض المخلوقات٢, وإذا كان كل مذهب من هذه المذاهب يدعي أن أمراً من تلك الأمور هو السبب الأول في نشأتها فإنه في نظري يمكن أن يعتبر ذلك تفسيراً لنشأة تلك العبادات الباطلة عن تلك الدافعية الفطرية في ظروف وملابسات خاصة.
والدليل على صحة ما ذهب إليه قول الرسول ﷺ : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء" ٣, وقال أيضاً راويا عن ربه: "إني خلقت عبادي حنفاء
стр. 223
كلهم وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما حللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً"١, وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ, أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ٢.
تلك هي الأدلة على وجود فطرة أو غريزة دينية في الطبيعة الإنسانية وأولى بنا أن نفسر تلك الفطرة في ضوء النصوص السابقة بأنها استعداد أو قوة دافعة لمعرفة الخالق وتقديسه وللتمييز بين ما هو خير وما هو شر من السلوك، ثم إن ما جاء به الإسلام من المبادئ تتلاءم مع هذه الفطرة؛ ولذا فإذا كان الإسلام يدعو الناس إلى تطبيق مبادئه فإنه إنما يدعو بذلك إلى تطبيق ما فطروا عليه أو ما خلق في طبيعتهم من دافع إليها.
وينتج عن هذا التفسير الأمور الآتية:
١- إنه لا ينبغي أن يفهم من فطرية الإسلام انطباع جميع قواعده وأحكامه في طبيعة الإنسان؛ لأن الأمر لو كان كذلك لأفادت أن المعرفة بالدين أمر يولد الإنسان مزوداً بها, وهذا فهم يخالف صريح الآية٣, مفادها أن الإنسان عند الولادة لا يعلم أي شيء، حتى النبي قبل البعثة ما كان يدري ما الكتاب ولا الإيمان، صحيح كان يتعبد في غار حراء قبل البعثة كان ذلك بدافع فطرية الدين وبما بقي في القوم من آثار دين إبراهيم.
стр. 224
وهذا يؤكد ما قال "الجرجاني" في تعريف الفطرة بأنها: الجبلة المتهيئة لقبول الدين, وهذه الجبلة تقبل التوجيه إلى أي دين.
وبناء على هذه الفكرة فالإشهاد في الآية السابقة لم يحصل بالفعل بمعنى الإشهاد الحسي الذي نعرفه وإنما حصل بالقوة، إذ إن وضع الله في الإنسان تلك الدافعية لتأليهه واعترافه بالربوبية يعتبر بمنزلة الإشهاد الحسي وإلا لحصل التناقض بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾ ١, ولأدى الأمر إلى مسئولية الأطفال وخاصة أطفال الكفار عن الإيمان بالله وعن الإسلام أيضاً, ثم إن الإسلام لو كانت متطبعاً في الإنسان لعرف الناس الإسلام في جميع البقاع، والواقع خلاف ذلك، والدليل على ذلك أيضاً أن الإسلام لم يجعل الأطفال والناس الذين لم تبلغ إليهم دعوة الإسلام مسئولين عنه, فقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ ٢.
من هذا كله نضطر إلى تفسير فطرة الإسلام في الطبيعة البشرية بالقوة؛ لأن القوة يمكن أن تظهر بالفعل في صور مختلفة, فمثلاً القوة المدركة المخلوقة للاعتراف بوجود إله في الكون من غير تحديد الذات الإلهية في صورة مشخصة مع صفاتها الكاملة قد يؤدي إلى أن يصوره الإنسان في أشياء معينة أو يضفي عليه صفات معينة وكذلك قد يخلق صوراً معينة من العبادات لله وهذا ما حصل بالفعل، ومن هنا كان إرسال الرسل ضرورياً لتعريف الناس الله بصفاته الكاملة وتحديد صورة العبادة وصورة نظام الحياة عموماً بناء على روح هذا الدين، فلو لم يأت الرسول ولم يحدد أركان العبادات وشروطها وطريقة أدائها بجميع هيئاتها
стр. 225
فهل كان من الممكن أن يحددها الناس أو يعثروا عليها عن طريق البحث العقلي، وكيف يعرف الإنسان أن صلاة المغرب مثلا ثلاث ركعات فرضاً وركعتان سنة؟ وأن صلاة الصبح ركعتان فرضا؟ وهكذا تحديد الصلوات في الأوقات الخمسة. نعم إن مجرد الاعتراف بوجود خالق لهذا الكون موجود في الإنسان كقوة معقول جداً؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ١, من هنا نبه الله المشركين إلى أن انحراف آبائهم لا يبرر مسلكهم؛ لأنهم ينبغي أن يتفكروا بفطرتهم السليمة المخلوقة فيهم بعيداً عن التقليد وتمويهات آبائهم.
٢- إن هذه الفطرة ليست خاصة بمعرفة الله وتوحيده فحسب، وإنما هي متعلقة بالإسلام عموماً باعتباره معياراً جاء ليبين للناس ما هو خير وما هو شر.
والإنسان فيه استعداد وقوة لتمييز الخير من الشر, فمن هنا نجد الملاءمة والمساندة والتعاون على الاستقامة في السلوك بين ما في الطبيعة الإنسانية وبين ما جاء به الإسلام.
وهذا الجانب من الفطرة الدينية في الإسلام استوحيناه من النصوص السابقة, ومما سنورده في الفصل الخاص بالمعايير الأخلاقية سنذكر هناك بعض النصوص نثبت بها وجود قوة فطرية في الإنسان أودعها الله فيه ليميز بها بين الخير والشر أو بين الطيب والخبيث، منها قول الرسول ﷺ : "استفت نفسك، البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس, والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن
стр. 226
أفتاك الناس" ١.
من هذا كله نستخلص أن الإنسان في نظر الإسلام مخلوق أريد له منذ البداية أن يكون بهذه الصورة المتميزة التي هو عليها الآن، وذلك لغاية دينية وأخلاقية في جوهرها, وهو مركب تركيباً عجيباً، في خلقته من الحقائق المتعددة المتباينة المطالب, وقد نتجت عن ذلك خصائص وصفات مختلفة خاصة به.
وطبيعة الإنسان هذه ثابتة من حيث الأساس كقوى واستعدادات مختلفة، متغيرة ومتطورة من حيث تقبل التوجيه والتنمية نحو الخير والشر, إذن فالخير والشر من حيث المفهوم العملي ليسا متأصلين في هذه الطبيعة، بل إنها قابلة لهذا أو ذاك التوجيه والتربية وهذا هو دور الأخلاق، أي: أن الحاسة الأخلاقية واستعداداتها فطرية, أما شكلية الأخلاق فهي مكتسبة.
стр. 227
ثالثاً: صلة الطبيعة الإنسانية بالأخلاق
وإذا كنا قد بينا بقدر الإمكان المفهوم الإسلامي للفطرة أو لجوهر الطبيعة الإنسانية فلننظر إلى صلتها بالأخلاق, ويقتضينا الأمر بيان هذه الصلة من ناحيتين: الأولى مدى المواءمة بينهما, والثانية هذه الطبيعة كمصدر للأخلاق.
١- أما من الناحية الأولى فقد عرفنا من دراستنا السابقة أن الطبيعة الإنسانية فيها دوافع ورغبات وميول متعددة ومختلفة ناتجة من الحقائق الأساسية المكونة لها.
وعندما ندرس موقف الإسلام في النظام الخلقي من هذه الطبيعة لا نستطيع أن نحكم حكماً واحداً على هذا الموقف بأنه إيجابي أو سلبي بصفة مطلقة؛ وذلك لأنه يقف مع بعض الميول والرغبات موقفا مناهضا مثل: نزعة الأثرة والطمع الزائد
стр. 228
في الدنيا ونزعة الاستعلاء على الناس بالتكبر والتجبر وغير ذلك, ويقف مع بعض الميول والرغبات الأخرى موقفاً إيجابياً مثل: النزعات الإنسانية والتحلي بالفضائل العقلية والروحية, كما أنه يحدد أحياناً تحقيق مطالب هذه الطبيعة الأولية ويوجهها إلى حيث ينبغي أن تتجه, ثم ينسق أخيراً بين عناصر هذه الطبيعة ومتطلباتها لتكوين شخصية إنسانية متكاملة تتجه إلى غاية واحدة.
ونستطيع أن نجد سنداً لما نقوله هنا في كثير من النصوص فنجد مثلاً نصوصاً تدعو إلى كبح جماح النفس وتدعوها إلى العفو عند المقدرة والإنفاق عند الحاجة والمخمصة، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ١, وقال الرسول ﷺ : "من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رءوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور العين شاء" ٢, كذلك نجد نصوصاً تدعو إلى عدم الغضب عند وجود الدواعي وإلى أن يملك الإنسان نفسه إذا غضب, فقد روي أن الرسول قال لرجل يطلب النصيحة منه: "لا تغضب فردده قوله لا تغضب مراراً وقال ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" ٣.
وهناك نصوص تدعو إلى التمتع بطيبات الحياة وهي من حاجات الإنسان البيولوجية وإلى التزين وهي من حاجات الإنسان السيكولوجية بشرط ألا يكون في ذلك إسراف, وألا يكون مجمع همهم ومبلغ هدفهم في هذه الحياة فقال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ
стр. 229
الْمُسْرِفِينَ, قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
وهناك نصوص أخرى تدعو إلى البحث عن المعرفة؛ لأن هذا البحث ميل طبيعي في الإنسان وفي ذلك إشباع حاجة روحية عقلية؛ ولهذا قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ٢، وقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ , وقال الرسول ﷺ : "الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها فهو أحق بها" ٤, ومن أهم الصلات التي أقامها الإسلام بين الطبيعة الإنسانية وبين النظام الخلقي أنه أقام هذا النظام على أسباب إمكانات هذه الطبيعة فلم يكلفها بما لا تطيق ولا بما تطيقه بشق الأنفس ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ٥, ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ٦, كما أنه لم يحرم أي دافع من الدوافع الأساسية من تحقيق مطالبه وإشباع حاجاته٧ غاية ما هنالك أنه قد اشترط أن يتم ذلك في حدود وقيود معينة هادفة إلى تحقيق سعادة الإنسان وكماله.
فالأخلاق الإسلامية إذن هي محاولة لإقامة تنسيق بين قوى الطبيعة
стр. 230
الإنسانية نفسها من ناحية ثم بينها وبين السلوك الإنساني من ناحية أخرى, كما أنها عملية تهذيب وتربية لهذه الطبيعة ثم عملية توجيه الإنسان إلى السلوك اللائق به في الحياة كأفضل مخلوق في الأرض من أجل رسالة معينة١ خلقت من أجله هذه الدنيا لتحقيق تلك الرسالة فقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ, وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ, وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ , وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ ٣.
٢- أما الناحية الثانية لصلة الطبيعة الإنسانية بالأخلاق فهي أنها مصدر له أو منبع للأخلاق، وقبل أن أبين رأي الإسلام في هذه النقطة ينبغي أن أشير إلى آراء الفلاسفة فيها بصفة عامة لنعرف أين يقع رأي الإسلام.
للفلاسفة ثلاث اتجاهات عامة:
الاتجاه الأول: يرى أن منبع الأخلاق هو طبيعة الإنسان نفسه سواء أكانت هذه النشأة عن طبيعته الغريزية أم عقله أم حدس ضميره، وهذا هو اتجاه الحدسيين والعقليين.
والاتجاه الثاني: يرى أن الأخلاق نشأت عن تجربة الإنسان أو أن تجربة
стр. 231
الإنسان في الحياة هي منبع الأخلاق, إذ إن الإنسان قد اهتدى إلى قوانين الأخلاق بعد تجارب طويلة في الحياة كما اهتدى إلى المعارف الأخرى بالطريقة نفسها١، وهذا هو اتجاه التجريبيين.
والاتجاه الثالث: يرى أن مصدر الأخلاق الوحي فإن الله أراد أن يكون نظام حياة الناس على هذا النحو ثم أوحى به إلى رسل البشر وطلب من الناس تطبيقه في الحياة، وهذا هو اتجاه المتدينين بصفة عامة.
أما رأي الإسلام في هذا الموضوع فيمكننا استخلاصه من دراستنا السابقة, فلقد قلنا إن قيم الأخلاق وقوانينها بصورة كلية موحاة من قبل الخالق إلى الإنسان منذ أن بدأ الإنسان الأول حياته فوق هذا الكوكب, وتتابعت الرسالات الإلهية إلى الناس عن طريق الرسل جيلا بعد جيل يتسع نطاقها ومحتواها كلما زادت رقعة العلاقات الاجتماعية وزاد نضج العقلية الإنسانية حتى اكتملت صورة النظام الأخلاقي برسالة النبي محمد- ﷺ خاتم الأنبياء، وكانت الوصايا الهامة التي نادى بها كل رسول تمثل دستور النظام الأخلاقي ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ٢.
ثم إنا قررنا أيضاً ملاءمة القوانين الأخلاقية للقوانين الطبيعية, ثم مراعاة القوانين الأخلاقية قوانين الطبيعة البشرية ومن أهم ما قررنا وجود فطرة الحاسة
стр. 232
الأخلاقية في هذه الطبيعة، وسنقرر فيما بعد كيف يتدخل الإنسان بقصده ونيته في إضفاء قيمة على السلوك الأخلاقي إلى جانب قيمته الذاتية.
وننتهي من هذا إلى أن قوانين الأخلاق تعتمد على قوانين الطبيعة وعلى قوانين الحياة الإنسانية ثم على جهد الإنسان بذاته أو روحه، ولكن هذا الاعتماد لم يكن خضوعاً لتلك الطبيعة بقدر ما كان تكييفاً وتحويراً لها, فالسلوك الصادر من الإنسان يعتبر مادة الأخلاق وتكييفه وفقاً للمبادئ الأخلاقية يعتبر صورة الأخلاق، إذن فالأخلاق قالب للحياة الإنسانية الطبيعية والحياة بقوانينها الطبيعية مادتها.
٣- أن الحاسة الأدبية والاستعدادات الأخلاقية فطرية في الإنسان، فهي تقبل التغيير والتوجيه والتنمية والتزكية بحسب قوة التربية الأسرية والاجتماعية, وتذبل وتضعف بإهمالها ودسها في الفساد والفجور.
٤- أن الأخلاق الإسلامية تراعي استعدادات الإنسان الطبيعية من حيث إنها مستطاعة ومن حيث إنها ليست ضد الطبيعة؛ لأنها كما رأينا عند الحديث عن الدوافع والغرائز لا تحرمها من حاجاتها الأساسية وإنما تحققها في ضوء الآداب والقيم الأخلاقية الإسلامية.
٥- أنها توجه كل الدوافع الفطرية والمكتسبة إلى أهداف أخلاقية سامية وخيرة لتحويلها إلى طاقات خيرة في حياة الفرد والجماعة.
٦- أن الإنسان أصلاً مخلوق مكرم ولم يتحول ولم يتطور من حيوان, وهو منذ أن خلق على هذه الصورة التي هو عليها حتى الآن، وهذا يقتضي معاملة الإنسان بالتكريم والاحترام بصرف النظر عن جنسه ولونه؛ لأنهم أصلا أبناء آدم.
стр. 233
الفصل الرابع: الاعتداد بالحرية الأخلاقية
مدخل
...
الفصل الرابع: الاعتداد بالحرية الأخلاقية
من بين النتائج الهامة التي قررناها والتي تتصل بموضوع دراستنا هنا أن نظام الأخلاق قوالب صورية وصيغ في صورة قوانين آمرة، وأن مادتها هي السلوك وقوانين الحياة الطبيعية، وأن دور الأخلاق هو تكييف ذلك السلوك عن طريق إقامة التنسيق بين القوانين الأخلاقية والقوانين الطبيعية, ولقد قررنا وجود الإرادة في الطبيعة الإنسانية ووعدنا بمعالجتها وبيان طبيعتها في موضعها, والآن قد جاء موضعها, وسنركز هنا على النقط الآتية: هل الإنسان حر في إرادته واختياره؟ وإذا كان له حرية الاختيار فهل له حرية التنفيذ؟.
стр. 234
الاتجاهات الفكرية والفلسفية في حرية الإنسان
الاتجاه الجبري
...
أولاً: الاتجاهات الفكرية والفلسفية في حرية الإنسان.
وفي هذا المقام نجد عدة اتجاهات عامة وأهمها الاتجاهات الآتية:
١- الاتجاه الجبري:
وهذا الاتجاه ينقسم إلى قسمين رئيسيين: الأول الجبرية الغيبية والثاني الجبرية الطبيعية، فالأول يرى أن الإنسان مجرد من حرية الإرادة وحرية الفعل، بل إن إرادة الإنسان بيد الخالق يتصرف فيه كما يشاء كالريشة في مهب الريح، وهذا ما ذهب إلى الجبرية من المتكلمين المسلمين.
والثاني: يذهب إلى أن الإنسان مجبور أمام القوانين الطبيعية: قوانين الطبيعة البشرية والطبيعة الكونية، ومن أنصار هذا المذهب "فولتير" الذي يقول: "إننا عجلات في آلة كبرى, وعقولنا تفكر كما لو كانت حرة"١، ومنهم أيضاً "سبنسر" الذي يقول: "إننا مجبورون على
стр. 235
السير في الطريق الذي رسمته لنا الطبيعة فإننا لا نسير إلا في الطريق الذي نحبه ولكننا لم نحب نحن هذا الطريق, ولكن الطبيعة هي التي جعلتنا نحبه وهي التي تجبرنا على السير فيه"١، ومنهم "شوبنهور" و "هوبز".
فالأول يرى أن الحرية ذات طابع ميتافيزيقي ولا توجد في نطاق العالم الطبيعي ويجعل الإرادة تابعة لطبيعتنا, ويرى الثاني أن الإرادة أقوى رغبة تابعة للدوافع الأولية٢.
ومهما يكن من اختلاف بين الفريقين، فإن هذا الاتجاه في عمومه يهدم المسئولية الأخلاقية من أساسها.
стр. 236
٢- اتجاه حرية الإرادة:
من أنصار هذا الاتجاه "أرسطو" الذي يبني الأخلاق على حرية الإرادة, وهو يفرق بين العمل الإرادي وغير الإرادي, فالأول تكون فيه علة داخلية للفعل مثل: تردد الإنسان بين عملين يستطيع القيام بهما ولكن إذا قام بأحدهما يفوت عليه الآخر؛ ولهذا فترجيح أحدهما على الآخر في هذه الحالة يعتبر عملاً إرادياً.
والثاني تكون علته خارجية مثل: وقوع الإنسان لزوال الحجر من تحت رجليه أو لأي دافع قسري آخر.
كذلك يفرق بين عمل بلا إرادة وعمل ضد الإرادة, فالأول هي الأعمال القسرية, والثاني هو العمل ضد ترجيح الإرادة كأن يختار الإنسان عملاً من بين الأعمال ثم يعمل عملاً آخر غير الذي اختاره، ثم يفرق "أرسطو" بين العمل بسبب الجهل وبين العمل ضد الإرادة، فالأول لا يعقبه الندم، والثاني يعقبه الندم بعد
стр. 237
فعله، ويعتبر كل عمل أخلاقي عملاً شراً, والإنسان في حد ذاته لا يريد الشر ولكن إذا أدى عمله إلى الشر بسبب اعتسافه أو بسبب جهله ما ينبغي أن يفعله الإنسان العاقل يعد من هذه الجهة قد أراد الشر١.
ومن أنصار هذا الاتجاه المعتزلة الذين قالوا بحرية الإنسان في الإرادة والتصرف, وفرقوا بين إرادة الله وإرادة العبد، فالعبد قد يريد خلاف ما يريده الله, وإذا كان علم الله شاملاً لإرادة العبد إلا أن علمه لا يؤثر فيها، ومن هنا قالوا إن سبب الشر في حياة الإنسان هو الإنسان نفسه٢ ويقولون: "إن الله يخلق في العبد قدرة وإرادة ثم العبد يخلق فعله بقدرته التابعة لمشيئته"٣. ومن أنصار هذا الاتجاه "بارتلمي" الذي يرى أن علم الأخلاق هو ميدان الحرية٤.
ومن أنصار هذا الاتجاه أيضاً الفيلسوف الألماني "كانط" فهو يرى أن الإنسان حر في إرادته ولا تخضع هذه الإرادة إلا للقانون الذي تضعه لنفسها بنفسها ولا تخرج عنه؛ لأن شعورها بأنها هي التي وضعته لنفسها هو أساس الإحساس الداخلي بالواجب الذي يدفع الإرادة الإنسانية إلى السلوك الأخلاقي لا لهدف نفعي؛ بل لأنه مطابق للقانون العقلي؛ ولهذا فهو يعتبر مبدأ حرية الإرادة أو الاستقلال الذاتي المبدأ الأوحد في الأخلاق, فالحرية عنده هي الخاصة الجوهرية التي تتميز بها الإرادة الإنسانية في حين أن الضرورات هي التي تملي على الكائنات غير العاقلة سلوكها, فالحرية هي علة الأفعال الأخلاقية.
стр. 238
أما الضرورة فهي العلة في حدوث الظواهر الطبيعية غير أن هذه الحرية في رأيه ليست متحررة تماماً عن القوانين, بل هناك قوانين خاصة بها كما أن للطبيعة قوانين خاصة بها, وهذه القوانين مخلوقة للطبيعة وتلك مخلوقة للإرادة الحرة.
إلا أن الأولى لم تخلق قوانينها لنفسها، والأمر في ذلك على خلاف قوانين الإرادة الحرة, ومن هنا يفرق بين الإرادة الحرة والإرادة الخاضعة وإن كانت هي نفسها, فهي من حيث إنها تخلق القوانين الأخلاقية تعد إرادة حرة ومن حيث إنها ألزمت نفسها بالخضوع لهذه القوانين التي خلقتها بنفسها فهي من هذه الجهة إرادة خاضعة, ويرى أن دليل هذه الحرية ليس التجربة؛ لأن وجودها سابق للتجربة أي: أن دليلها قبلي؛ لأن كل كائن لا يمكن أن يفعل فعلاً إلا بتأثير فكرة الحرية, وقد يبدو هنا في تفكيره أن الشعور بالحرية أساس بالإحساس بالخضوع لهذه القوانين, وأن هذا الإحساس أساس الإحساس بالحرية، وكأن هناك دوراً يجيب على ذلك "كانظ" فيقول: "إن الحرية والتشريع اللذين تضعهما الإرادة لنفسها كلاهما في واقع الأمر ضرب من الاستقلال الذاتي ويحل أحدهما محل الآخر تبعاً لذلك، وهذا هو السبب في أننا لا نستطيع أن نستعين بأحدهما لتفسير الآخر وبيان الأساس الذي يبنى عليه", ويقول أيضاً: "إن الإنسان باعتباره عضواً في عالم الحس خاضع لقوانين الطبيعة, ويدرك هذه القوانين عن طريق الحواس وهو باعتباره عضواً في عالم المعقول خاضع لقوانين هذا العالم يدرك قوانينه عن طريق العقل، وإحساسه بالحرية يؤدي إلى الشعور بالاستقلال الذاتي وهذا الشعور بالاستقلال الذاتي يدل على أن وجود القانون الأخلاقي أساس للشعور بالحرية، وإلا فإننا حين نتصور أنفسنا ملتزمين بالواجب نعتبر أعضاء في عالم المعقول كما نعد
стр. 239
أنفسنا في الوقت نفسه أعضاء في العالم المحسوس١.
ويدخل في هذا الاتجاه أيضاً بصفة عامة اتجاه الماتريدية مع وجود فروق بينهم وبين غيرهم في بعض النواحي، فهم يقولون: إن الله خلق في الإنسان قدرة وأن الإنسان له حرية استخدام هذه القدرة في الخير أو الشر، ونتيجة استخدامه لهذه القوة في أحد الضربين يتحمل مسئولية عمله أو كسبه القائم على اختياره لهذا العمل أو ذاك، غير أنهم يقرنون قدرة الله مع قدرة العبد على التنفيذ أي: تنفيذ العمل المختار، على أي حال فإنهم يعترفون بوجود حرية الإرادة في الإنسان, ويقول صاحب اللمعة معبراً عن رأي جمهور الماتريدية: "إن المؤثر في أصل الفعل قدرته تعالى وفي وصفه قدرة العبد ففيما إذا ضرب زيد يتيماً تأديباً أو ظلما فأصل الفعل وهو الحركة المشتركة بين الضربين مخلوق بقدرته تعالى, وكون الضرب طاعة وحسناً في الأول ومعصية وقبيحاً في الثاني حاصل بتأثير قدرة العبد وهذا التأثير هو الكسب"٢.
стр. 240
٣- اتجاه الوسط بين الاتجاهين السابقين:
من أنصار هذا الاتجاه ابن "مسكويه" فهو يقول: "إن وجود الجوهر الإنساني متعلق بقدرة فاعله وخالقه, وأما تجويد جوهره فمفوض إلى الإنسان وهو متعلق بإرادته"١.
ومن أهم المذاهب التي تمثل هذا الاتجاه من الناحية الميتافيزيقية مذهب الأشاعرة، ويمكن أن نقول إن الأشاعرة يقسمون الحرية فيعطون نصفها للإنسان
стр. 241
ويحرمونه من النصف الآخر، ذلك أنهم يعطون للإنسان حرية الإرادة ولا يعطون له حرية التنفيذ, فالعبد له أن يختار وليس أن ينفذ أي: له قدرة الاختيار وليست له قدرة على تنفيذ المختار, أما التنفيذ فإن الله هو الذي يخلق الفعل الذي يختاره العبد, ويعبر صاحب اللمعة عن اتجاههم قائلاً: "إن للعبد إرادة وقدرة تتعلقان بفعله لا على وجه التأثير"١.
ويمكننا أن ندخل في هذا الاتجاه الوسطي رأي الإمام "الغزالي" فهو عندما يتكلم عن الأسباب والمسببات وأثر العبد في أفعاله وأثر الرب في أفعال عباده يتخذ موقفاً وسطاً بين الجبر والاختيار، ويقسم الأسباب مبدئياً بين ما هو مقدور للعبد وغير مقدور له. فهناك أسباب ليست في قدرة العبد العمل بها، وأسباب أخرى مقدورة له.
فالأول كأسباب السموات والأرض أو خلقهما وأسباب خلق الحيوانات, والثاني كأسباب إيجاد الصناعات والنظم والمجاهدات وما إلى ذلك، يقول: "الأمور الموجودة تنقسم إلى ما لا يرتبط حصولها بقدرة العباد أصلاً كالسماء والأرض والكواكب والحيوان والنبات وغيرها، وإلى ما لا يرتبط حصوله إلا بقدرة العباد، وهي التي ترجع إلى أعمال العباد كالصناعات، والسياسات والعبادات والمجاهدات"٢.
وأما فيما يتعلق بأثر العبد في أفعاله في الأعمال التي يمكن أن يكون له أثر فيها، وأثر الرب في أفعال عباده هذه، فيرى أن للعبد أثراً في أفعاله كما أن للرب أثراً في أفعال عباده، وعن طريق هذه الفكرة يفسر الآيات التي تسند
стр. 242
الأفعال أحياناً إلى الله وأحياناً أخرى إلى العباد فهو يشرح رأيه كالآتي: "فإن قلت فكيف الجمع بين التوحيد والشرع ومعنى التوحيد لا فاعل إلا الله ومعنى الشرع إثبات الأفعال للعباد، فإن كان العبد فاعلا فكيف يكون الله فاعلا وإن كان الله فاعلا فكيف يكون العبد فاعلا، ومفعول بين الفاعلين غير مفهوم، فأقول نعم ذلك غير مفهوم إذا كان للفاعل معنى واحد وإن كان له معنيان ويكون الاسم مجملاً مردداً بينهما لم يتناقض كما يقال: قتل الأمير فلاناً, ويقال: قتله الجلاد ولكن الأمير قاتل بمعنى والجلاد قاتل بمعنى آخر، فكذلك العبد فاعل بمعنى والله فاعل بمعنى آخر, فمعنى كون الله فاعلاً أنه المخترع الموجد, ومعنى كون العبد فاعلاً أنه المحل الذي خلق فيه القدرة بعد أن خلق فيه الإرادة بعد أن خلق فيه العلم فارتبطت فيه القدرة بالإرادة والحركة بالقدرة ارتباط الشرط بالمشروط, وارتبط بقدرة الله ارتباط المعلول بالعلة وارتباط المختَرَعِ بالمختَرِعِ, وكل ما له ارتباط بقدرة فإن محل القدرة يسمى فاعلا له كيفما كان الأمر.
كما يسمى الجلاد قاتلاً والأمير قاتلاً؛ لأن القتل ارتبط بقدرتيهما ولكن على وجهين مختلفين؛ فلذلك سمى فعلا لهما ارتباط، فكذلك ارتباط المقدورات بالمقدرتين ولأجل توافق ذلك وتطابقه ينسب الله تعالى الأفعال في القرآن مرة إلى الملائكة ومرة إلى العباد ونسبها بعينها مرة أخرى إلى نفسه فقال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ , ثم قال : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ , وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ, أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ ١.
وبذلك يجمع "الغزالي" بين الجبر والاختيار في أفعال العباد بل تغلب عليه
стр. 243
النزعة الجبرية عندما يتعمق في الخلق والإيجاد كما يفهم هذا بوضوح من المثال الآتي الذي يضربه لبيان فكرته، فيقول: "لو أراد الإنسان أن يجز رقبة نفسه لم يملكه لا لعدم القدرة في اليد ولا لعدم السكين ولكن لفقد الإرادة الداعية المشخصة للقدرة وإنما تنفذ الإرادة؛ لأنها تنبعث بحكم العقل أو الحس بكون الفعل موافقاً وقتل نفسه ليس موافقاً له فلا يمكنه مع قوة الأعضاء أن يقتل نفسه إلا إذا كان في عقوبة مؤلمة لا تطاق فإن العقل هنا يتوقف في الحكم ويتردد؛ لأنه تردد بين شر الشرين فإن تراجع له بعد الروية أن ترك القتل أقل شراً لم يمكنه قتل نفسه وإن حكم بأن القتل أقل شراً وكان حكمه جزماً لا ميل فيه ولا صارف عنه انبعثت الإرادة والقدرة وأهلك نفسه؛ لأن داعية الإرادة مسخرة للقدرة والكل مقدور بالضرورة فيه من حيث لا يدري, فإنما هو محل ومجرى لهذه الأمور فأما أن يكون منه فكلا ولا.
فإذن معنى كونه مجبوراً أن جميع ذلك حاصل فيه من غيره لا منه ومعنى كونه مختاراً أنه محل لإرادة حدثت فيه جبراً بعد حكم العقل بكون الفعل خيراً محضاً موافقاً وحدث الحكم أيضاً جبراً، فإذن هو مجبور على الاختيار، ففعل النار في الإحراق مثلاً جبر محض وفعل الله اختيار محض وفعل الإنسان على منزلة بين المنزلتين فإنه جبر على الاختيار١.
إذن خلاصة رأيه أن للعبد أثراً في أفعاله وللرب أيضاً أثراً في أفعال عبده؛ لأنه الخالق، ولأنه موجد القدرة في عبده الذي يؤثر في أفعاله, فالعبد له اختيار وتأثير باعتباره محل قدرة الله، فمن هنا يبدو أنه مجبور من جهة مختار من جهة
стр. 244
أخرى، وتسمى المنزلة بين المنزلتين "الجبر والاختيار".
كما يمكن أن ندخل في هذا الاتجاه رأي "ابن رشد" فهو نفسه وضع رأيه وسط الاتجاهين السابقين بعد أن استعرض رأي الاتجاهين السابقين وأدلتهما قال: "فإذا كان الأمر كذلك فكيف يجمع بين هذا التعارض الذي يوجد في المسموع وفي المعقول نفسه؟ قلنا الظاهر من مقصد الشارع ليس هو تفريق هذين الاعتقادين وإنما قصده الجمع بينهما على التوسط الذي هو الحق في هذه المسألة، وذلك أنه يظهر أن الله تعالى قد خلق لنا قوى نقدر بها أن نكتسب أشياء هي أضدادها, لكن لما كان الاكتساب لتلك الأشياء ليس يتم لنا إلا لموافاة الأسباب التي سخرها الله لنا من خارج وزوال العائق عنها كانت الأفعال المنسوبة إلينا تتم بالأمرين جميعاً"١.
وفي صدد هذه الدراسات الفلسفية في الإرادة لا أريد أن يفوتنا نوع آخر من الدراسات في الإرادة قامت بها المدارس السيكولوجية الحديثة، فأود هنا إعطاء فكرة عن آرائهم المختلفة وطريقتهم في دراستهم للإرادة.
الإرادة في نظر المدارس السيكوولوجية الحديثة:
إن المدارس السيكولوجية تختلف في موضوع الإرادة كالمدارس الفلسفية, فقوم من السيكولوجيين يرون أن موضوع الإرادة ينبغي أن يعالج من الناحية الميتافيزيقية، كموضوع الوجود والعدم، وقوم منهم يرى أنه ينبغي أن يعالج من الناحية البيولوجية، وقوم ثالث يرى أنه من اختصاص علم الاجتماع، إذ لا بد من وجود أنظمة وزواجر اجتماعية للحكم على أن هذا السلوك إرادي أم غير إرادي.
стр. 245
وأما الذين يدخلون هذا الموضوع في الدراسات السيكولوجية فيختلفون أيضاً في وجود حرية الإرادة, فمنهم من يقول: إن الإرادة لا تعدو أن تكون مجرد الاختيار والعزم دون التنفيذ، ومنهم من يرى أن حرية الإرادة لا تتم إلا بالتنفيذ١، لكن التربويين يرى بعضهم وجود حرية الإرادة في الإنسان؛ لأنها أساس التربية والتعليم وأساس النمو والتكامل الإنساني٢.
والقائلون بالإرادة الحرة يحددونها من حيث المظهر ومن حيث تكويناتها ثم من حيث الوظيفة.
أما من حيث المظهر فلها مظهران للسلوك الإرادي فأولهما الكف أو المنع أي: الامتناع عن عمل ما أو الوقوف ضد ميول ودوافع معينة, والمظهر الثاني هو الانتباه والسير نحو اتجاه معين وهو ينطوي على عمليتين هما: عملية الكف أولاً ثم عملية التركيز في اتجاه معين دون غيره من الاتجاهات.
ومن ناحية المكونات يحددونها من ثلاث نواحٍ: الأولى الناحية البيولوجية, والثانية الناحية السيكولوجية، والثالثة الناحية الاجتماعية؛ لأن الناحية البيولوجية تعتبر بواعث أولية للسلوك، والناحية السيكولوجية تقوم بدور الاختيار من بين تلك البواعث وتحقيقه في الوجود الخارجي، والناحية الاجتماعية تقوم بدور تكييف عملية تنفيذ الاختيار وفقاً للقيمة الأخلاقية والعادات الاجتماعية.
وأهم وظيفة للإرادة في حياة الإنسان هي اختيار أعمال معينة من بين
стр. 246
الأعمال ثم تنفيذها، وبناء على كل هذا يعرفون حرية الإرادة من الناحية السيكولوجية كالآتي: الإرادة هي العملية النفسية التي ترمي إلى تكييف الاستجابة التي كان قد أدى الصراع القائم بين مجموعتين من الميول إلى إرجائها وذلك بترجيح كافة الميول التي تبدو في نظر الشخص أنها أسمى من غيرها"١, ويمكن إدخال بعض آراء السيكولوجيين في الاتجاه الأول وبعضها الآخر في الثاني وبعضها في الثالث.
стр. 247
رأي الإسلام في حرية الإنسان والحرية الأخلاقية
مدخل
...
ثانياً: رأي الإسلام في حرية الإنسان والحرية الأخلاقية:
وإذا بحثنا عن رأي الإسلام في هذا الموضوع وجدنا فيه نصوصاً مختلفة المفاهيم "في الظاهر" يمكن أن نؤيد بها كل اتجاه وكل مذهب من المذاهب السابقة, لو أردنا أن نكون مذهبين: فنجد هناك مثلاً نصوصاً تؤيد "بظاهرها" الاتجاه الأول القائل بالجبرية مثل النصوص الآتية: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١، ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ ٢، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ٣، ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ ٤، ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ ٥، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ ٦، ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ ٧، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ
стр. 248
تُحْشَرُونَ﴾ ١.
ونجد كذلك نصوصاً تؤيد الاتجاه الثاني القائل بحرية الإرادة، مثل النصوص الآتية: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ٢، ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ ٣، ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ ٤.
وأخيراً نجد نصوصاً تؤيد الاتجاه الثالث وهو التوسط بين الاتجاهين السابقين منها هذه النصوص الآتية: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً, إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً, وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً, يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ ٥، ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ ٦. وهناك نصوص أخرى كثيرة من هذا القبيل وسنذكر مزيدا منها عندما نعالج هذه الموضوعات المعالجة التفصيلية.
والآن إذا تأملنا في هذه النصوص المتعلقة بالاتجاهات الثلاثة السابقة يبدو لنا لأول وهلة كأن بينها تعارضاً وتناقضاً وغموضاً وقد يصبح هذا التعارض والغموض حقيقة إذا نظرنا إليها من زاوية ضيقة أو إذا أردنا أن نعالجها في
стр. 249
ضوء مذهب فكري معين, ولكن إذا عالجناها من زاوية الفلسفة الإسلامية عموماً يزول هذا التعارض وينجلي هذا الغموض وينفسح مجال كل فكرة وتتحدد حدودها، ومن ثم نستطيع أن نفسر كل آية دون أن يتعارض معناها مع معاني النصوص الأخرى١.
ويمكن تحديد فلسفة الإسلام في هذه القضية الكبرى عن طريق تحديد النقط الآتية:
١- قررنا في نهاية الفصل السابق أن الله خلق السماء وخلق الأرض وخلق الإنسان وخلق قوانين السماء وقوانين الأرض وقوانين الطبيعة الإنسانية ووضع نظام الأخلاق وفقاً لهذه القوانين الطبيعية ووفقاً لهدف هذا الخلق بوجه عام وخلق الإنسان بوجه خاص.
إذن لهذا الخلق غاية لا بد من أن تتحقق بتمام الغاية والانتهاء إلى ذلك المصير. ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ ٢، ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ٣ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ ٤.
فبناء على غايته في الخلق خلق الخلق وقدره تقديراً ينتهي إلى غايته ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٥، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ ٦، ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى, وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ ٧.
стр. 250
إذن بناء على غايته في الخلق خلق الخلق وعلم أن ما خلق ينتهي إلى ما قدر وبناء على علمه، لهذا وذاك قدر ما سيكون عليه الخلق وقضى ثم كتب ما قدر وقضى.
من هذا نفهم وجود جبرية في العالم تتمثل أولاً في مصير الإنسان, فإنه لا بد من أن يموت مثلاً, ولا بد من أن يحيا مرة أخرى, وتتمثل أيضاً في أنه مقيد بإطار معين من أطر جبرية الكون من حيث إنه مقيد بالقوانين الطبيعية عموماً وبقوانين الطبيعة البشرية خصوصاً.
ومن ثم جاءت النصوص التي تثبت المشيئة المطلقة والحرية لإرادة الله. ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ؛ لأن مشيئته الكلية قد سبقت الوجود أولا ولا بد من أن تتحقق ثانياً, وإذا عبر عما سيكون عليه الأمر مستقبلاً عبر عن علمه تعالى بما سيكون عليه؛ لأنه يعلم حاضر الشيء ومستقبله، ولا يمكن أن يتغير علمه ولا يمكن أن يغير أيضاً ما كتب بناء على هذا العلم ولهذا قال الرسول: "جف القلم على علم الله تعالى" ١؛ لأن العلم هو معرفة الأسباب وما تؤدي إليه، وإذا كان الله خلق الأسباب فيعلم مقدماً نتائج الأسباب، ويعُدُّ "ابن رشد" تلك الأسباب وما تؤدي إليه هي القضاء والقدر؛ لأن الأسباب لا تتخلف عن نتائجها ويسمى العلم بتلك الأسباب العلم بالغيب فيقول: "ولما كانت الأسباب التي من خارج تجري على نظام محدود وترتيب منضود لا تخل في ذلك بحسب ما قدرها بارئها عليه، وكانت إرادتنا وأفعالنا لا تتم ولا توجد إلا بموافقة الأسباب التي من خارج فوجب أن تكون أفعالنا تجري على نظام محدود أعني أنها توجد