الأعمال ثم تنفيذها، وبناء على كل هذا يعرفون حرية الإرادة من الناحية السيكولوجية كالآتي: الإرادة هي العملية النفسية التي ترمي إلى تكييف الاستجابة التي كان قد أدى الصراع القائم بين مجموعتين من الميول إلى إرجائها وذلك بترجيح كافة الميول التي تبدو في نظر الشخص أنها أسمى من غيرها"١, ويمكن إدخال بعض آراء السيكولوجيين في الاتجاه الأول وبعضها الآخر في الثاني وبعضها في الثالث.
стр. 247
رأي الإسلام في حرية الإنسان والحرية الأخلاقية
مدخل
...
ثانياً: رأي الإسلام في حرية الإنسان والحرية الأخلاقية:
وإذا بحثنا عن رأي الإسلام في هذا الموضوع وجدنا فيه نصوصاً مختلفة المفاهيم "في الظاهر" يمكن أن نؤيد بها كل اتجاه وكل مذهب من المذاهب السابقة, لو أردنا أن نكون مذهبين: فنجد هناك مثلاً نصوصاً تؤيد "بظاهرها" الاتجاه الأول القائل بالجبرية مثل النصوص الآتية: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١، ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ ٢، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ٣، ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ ٤، ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ ٥، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ ٦، ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ ٧، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ
стр. 248
تُحْشَرُونَ﴾ ١.
ونجد كذلك نصوصاً تؤيد الاتجاه الثاني القائل بحرية الإرادة، مثل النصوص الآتية: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ٢، ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ ٣، ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ ٤.
وأخيراً نجد نصوصاً تؤيد الاتجاه الثالث وهو التوسط بين الاتجاهين السابقين منها هذه النصوص الآتية: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً, إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً, وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً, يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ ٥، ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ ٦. وهناك نصوص أخرى كثيرة من هذا القبيل وسنذكر مزيدا منها عندما نعالج هذه الموضوعات المعالجة التفصيلية.
والآن إذا تأملنا في هذه النصوص المتعلقة بالاتجاهات الثلاثة السابقة يبدو لنا لأول وهلة كأن بينها تعارضاً وتناقضاً وغموضاً وقد يصبح هذا التعارض والغموض حقيقة إذا نظرنا إليها من زاوية ضيقة أو إذا أردنا أن نعالجها في
стр. 249
ضوء مذهب فكري معين, ولكن إذا عالجناها من زاوية الفلسفة الإسلامية عموماً يزول هذا التعارض وينجلي هذا الغموض وينفسح مجال كل فكرة وتتحدد حدودها، ومن ثم نستطيع أن نفسر كل آية دون أن يتعارض معناها مع معاني النصوص الأخرى١.
ويمكن تحديد فلسفة الإسلام في هذه القضية الكبرى عن طريق تحديد النقط الآتية:
١- قررنا في نهاية الفصل السابق أن الله خلق السماء وخلق الأرض وخلق الإنسان وخلق قوانين السماء وقوانين الأرض وقوانين الطبيعة الإنسانية ووضع نظام الأخلاق وفقاً لهذه القوانين الطبيعية ووفقاً لهدف هذا الخلق بوجه عام وخلق الإنسان بوجه خاص.
إذن لهذا الخلق غاية لا بد من أن تتحقق بتمام الغاية والانتهاء إلى ذلك المصير. ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ ٢، ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ٣ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ ٤.
فبناء على غايته في الخلق خلق الخلق وقدره تقديراً ينتهي إلى غايته ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٥، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ ٦، ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى, وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ ٧.
стр. 250
إذن بناء على غايته في الخلق خلق الخلق وعلم أن ما خلق ينتهي إلى ما قدر وبناء على علمه، لهذا وذاك قدر ما سيكون عليه الخلق وقضى ثم كتب ما قدر وقضى.
من هذا نفهم وجود جبرية في العالم تتمثل أولاً في مصير الإنسان, فإنه لا بد من أن يموت مثلاً, ولا بد من أن يحيا مرة أخرى, وتتمثل أيضاً في أنه مقيد بإطار معين من أطر جبرية الكون من حيث إنه مقيد بالقوانين الطبيعية عموماً وبقوانين الطبيعة البشرية خصوصاً.
ومن ثم جاءت النصوص التي تثبت المشيئة المطلقة والحرية لإرادة الله. ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ؛ لأن مشيئته الكلية قد سبقت الوجود أولا ولا بد من أن تتحقق ثانياً, وإذا عبر عما سيكون عليه الأمر مستقبلاً عبر عن علمه تعالى بما سيكون عليه؛ لأنه يعلم حاضر الشيء ومستقبله، ولا يمكن أن يتغير علمه ولا يمكن أن يغير أيضاً ما كتب بناء على هذا العلم ولهذا قال الرسول: "جف القلم على علم الله تعالى" ١؛ لأن العلم هو معرفة الأسباب وما تؤدي إليه، وإذا كان الله خلق الأسباب فيعلم مقدماً نتائج الأسباب، ويعُدُّ "ابن رشد" تلك الأسباب وما تؤدي إليه هي القضاء والقدر؛ لأن الأسباب لا تتخلف عن نتائجها ويسمى العلم بتلك الأسباب العلم بالغيب فيقول: "ولما كانت الأسباب التي من خارج تجري على نظام محدود وترتيب منضود لا تخل في ذلك بحسب ما قدرها بارئها عليه، وكانت إرادتنا وأفعالنا لا تتم ولا توجد إلا بموافقة الأسباب التي من خارج فوجب أن تكون أفعالنا تجري على نظام محدود أعني أنها توجد
стр. 251
في أوقات محدودة ومقدار محدود. وإنما كان ذلك واجبا؛ لأن أفعالنا تكون سبباً عن تلك الأسباب التي من خارج، وكل مسبب يكون عن أسباب محدودة مقدرة، فهو ضرورة، محدودة مقدرة. وليس يُلقَى هذا الارتباط بين أفعالنا والأسباب التي من خارج فقط, بل وبينها وبين الأسباب التي خلقها الله تعالى في داخل أبداننا. والنظام المحدود في الأسباب الداخلة والخارجة، أعني التي لا تخل هو القضاء والقدر الذي كتبه الله تعالى على عباده وهو اللوح المحفوظ، وعلم الله تعالى بهذه الأسباب وبما يلزم عنها هو العلة في وجود هذه الأسباب ولذلك كانت هذه الأسباب لا يحيط بمعرفتها إلا الله وحده ولذلك كان هو العالم بالغيب وحده على الحقيقة كما قال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ , وإنما كانت معرفة الأسباب هي العلم بالغيب؛ لأن الغيب هو معرفة وجود الموجود في المستقبل أو لا وجوده"١.
إلا أن هذه الكتابة بناء على العلم لا تدل على حتمية السلوك المعين للفرد؛ لأن التقدير بناء على العلم لا بناء على الجبر، فإن الإنسان البصير قد يرى أعمى يسير نحو هاوية فيستطيع أن يعرف مصير هذا الأعمى، ولو أنه كتب هذا المصير وقضى بأنه سيقع ووقع ما كتب فلا يكون بذلك قد أجبره على الوقوع، إذن سلوك الإنسان بالنسبة إليه سلوك حر مبني على اختياره, وهو بالنسبة إلى الله حتمي وقضاء وقدر؛ لأنه علم وقدر وقضى.
٢- تتحدد حرية الإنسان بموقفه من قوانين الطبيعة وقوانين الأخلاق: فهو مأمور بتطبيق قوانين الأخلاق أدبياً وخاضع لتطبيق قوانين الطبيعة واقعياً.
стр. 252
ولكنه يملك القدرة والاستعداد للخروج على القانونين، وذلك بناء على إحساسه بحرية الاختيار في داخل نفسه وشعوره بالقدرة على تنفيذ ما اختاره، وهذا الإحساس بالحرية والقدرة ليس مجرد وهم بل حقيقة يصدقها الواقع وهو خروجه على هذا وذاك في بعض الأحيان، فلو كان مجبوراً بالطبيعة كالحيوان لما خرج عليهما ولو كان مجبوراً بقانون الله الأخلاقي كالملائكة لما خرج عليه أيضاً.
وبناء على هذه الحرية أصبح مسئولاً أمام الله ومطالباً بالسير على منهاج الله وطريقه الذي رسمه له، فلو كان مجبوراً على السير في طريق معين وليست له القدرة على الخروج عليه لكان عبثاً من الله أن ينزل الوحي ويطالبه بالسير على هداه، وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً؛ ولهذا فإن كل الآيات التي ذكرناها تثبت الحرية أو إرادة الاختيار للإنسان تعبر عن حرية الإنسان في إرادته وتصرفه في إطار معين، وقد أعطيت للإنسان إرادة الاختيار والقدرة على تنفيذ ما اختاره لاختباره وامتحانه: هل يسير على طريقه ومنهاجه الذي رسمه له أو يخرج عليه فيه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ١, وقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ ٢، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ ٣.
٣- إن هناك أعمالاً تتدخل فيها إرادة الإنسان وقدرته مع إرادة الله وقدرته، فتدخل إرادة الإنسان يبدأ من نيته لعمل ما إيجابياً أو سلبياً وتدخل إرادة الله يبدأ بتوجيهه وتوفيقه إلى حيث تتجه نيته ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ ٤، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ٥، ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
стр. 253
فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً﴾ ١، ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ, لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ ٢, ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ٣، ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ ٤، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ أي: يضل من يشاء الضلالة ويهدي من يشاء الإنابة.
كما يتدخل الله في عمل الإنسان بناء على أخلاقه من صلاح وفساد ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ٥، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ ٦، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى, وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى, فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى, وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى, وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى, فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ ٧، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً, وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ .
وأخيراً يتدخل الله في عمل العبد بناء على عمله به وما يكون عليه مستقبله ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ٨، ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ ٩، ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ﴾ ١٠، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ ١١، ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ ١٢، ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ ١٣.
стр. 254
والآن على ضوء هذه الفكرة نستطيع أن ندرك حقيقة مغزي الآيات التي تجمع بين الجبرية والحرية أو بين المشيئة الإلهية وحرية الاختيار للإنسان.
٤- هناك إرادة إلهية جبرية أو قهرية وإرادة إلهية أخرى اختيارية، فهو يستعمل أحياناً الأولى وأحياناً أخرى الثانية بحسب ما يقتضي عدله وحكمته فبالأولى تجبر الناس على عمل معين قهراً كما قهر قوماً على أخذ ما أتى به رسولهم ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ١، ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ ٢.
ولقد سبق أن بينا أن الله لا يريد سوءاً بقوم إلا إذا ساءت نياتهم سواء أظهروها أو أخفوها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ , حقاً إن الله لو أراد ألا تقع فتنة من البداية لما وقعت ولما خلق في الإنسان دوافع أو استعداداً للفتنة ولخلقهم كالملائكة يؤمنون بالله ويفعلون ما يؤمرون ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ٤, ولو شاء أن يقهر كل الناس على الإيمان لفعل ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ ٥.
ولكن الله لم يرد أن يقهر الناس على كل ما يريد أن يفعلوه وإن أراد منهم أن يفعلوه، لكن هذه إرادة الاختيار لا إرادة القهر والجبر، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْئَسْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾ ٦.
стр. 255
وهكذا فإن الله لم يرد أن تكون إرادة الجبر قاعدة عامة في تنفيذ كل شيء وتوجيه الناس إلى أعمالهم. سواء كان الجبر الداخلي أو الجبر الخارجي بل أراد أن تكون إرادة الاختيار هي الأساس في شئون حياة الإنسان إذ إنه نصب له دلائل الخير والشر وبين له طريق الهدى والضلال وعاقبتهما في الدنيا والآخرة وخلق فيه قوة البصيرة والإدراك والتمييز ليستطيع بها التفرقة بين ما يضره وما ينفعه إن عاجلاً أو اجلاً، ولهذا اقتضت إرادته ألا يقهر الناس بعد ذلك على أحد الطريقين بل اقتضت حكمته أن يبين للناس أنه يحاسبهم ثواباً أو عقاباً على اختيارهم لأحد الطريقين، وهذا الثواب أو العقاب قد يكون في الدنيا وقد يكون في الآخرة، ولكن الحساب العادل والجزاء الوافي سيكون في الآخرة، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١، ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ ٢، ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً﴾ ٣.
لا يلزم من إرادة الاختيار عند الإنسان عجزه عن تنفيذ مراده، بل إن هذا يعتبر تنفيذاً لمراده؛ لأنه أراد هذا فكان ما أراد.
ولا يلزم أيضاً أنه بذلك أراد الشر؛ لأنه ترك حرية للإنسان أن يفعل الخير والشر مع خلق القدرة فيه لهذا وذاك، وإذا كان هذا يعتبر إرادة الشر من جهة فإن إرادة الشر هنا ليست من الله لنفسه ولا للإنسان بل من الإنسان للإنسان ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ٤، فإن الله قد خلق
стр. 256
العالم بما يناسب الإنسان وخلق فيه كل ما يحتاج إليه بحكم خلقته وطبيعته, وهنا يقول ابن عربي: "واعلم أن الإنسان فيه مناسب من كل شيء في العالم فيضاف كل مناسب إلى مناسبه بأظهر وجوهه"١. وعلى الإنسان إذن أن يتصرف بما يناسبه ويوافقه ولا يخالف نظام الطبيعة الذي خلق مناسباً له حتى لا يصيبه الشر ولكن نتيجة جهله حينا وتصرفاته الخاطئة واصطدامه بالقوانين الطبيعية والأخلاقية يصيبه الشر، فالشر إذن منه وإليه.
وأخيراً لا يلزم من علمه تعالى أن الإنسان سيرتكب الشر، أنه بذلك أراد الشر بل إن علمه هذا لا يعتبر إرادة. فإنني عندما أضع أسئلة للامتحان مثلاً أعلم أن هناك من الممتحنين من يرسب في الامتحان ولكنني بذلك لم أرد رسوب أي إنسان ولا يرجع سبب سقوطه إلي بل يرجع إلى نفسه.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى الله فإنه عندما أعطى للإنسان حرية الاختيار لم يرد من أي إنسان أن يفعل الشر بل أراد أن يتبع الخير ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٢، ﴿وَتِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ﴾ ٣، ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ ٤، ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ ٥.
ثم إن الله بإرادة الاختيار هذه قد أراد للإنسان حرية, وبهذه الحرية أراد له الكرامة لكن هل نستطيع أن نقرر من هذا أن للإنسان مطلق الحرية؟.
стр. 257
الحقيقة عندما نلفت نظرنا إلى تقريراتنا السابقة نجد هناك حرية وهناك جبرية ولكن من الجبرية والحرية درجات ولكل منهما بناء على ذلك مجالات, ولنذكر أولا درجاتهما؛ لأن كلا منهما مرتبط بالآخر ثم نقرر التقرير النهائي.
أما درجات الجبرية فهي ثلاثة:
стр. 258
الدرجة الأولى جبرية مطلقة:
وهي ميتافيزيقية وطبيعية في الوقت نفسه وهي آخر الحد من القهرية لا يمكن للإنسان أن يفلت منها أو أن يخرق حدها مثل حتمية الموت المقضي على كل إنسان فكل إنسان لا بد من أن يموت ولا يستطيع إنقاذ نفسه، وكذلك البعث فكل إنسان مجبور أن يبعث بعد الموت، إن هذا قضاء سابق لا بد من أن ينتهي إليه بحكم القضاء السابق وبحكم طبيعة الخلقة.
وهنا يقول "الخيام" في رباعياته تعبيراً عن الجبرية الأولى "جئت إلى هذه الحياة من غير إرادة وسأنتقل عنها أيضاً من غير إرادة ولا أدري كيف جئت وكيف أنتقل"١. وهذه الجبرية تعتبر ميتافيزيقية من حيث إنها قضاء سابق على وجود الإنسان وتعتبر كذلك حتمية طبيعية من حيث إنها تتم بواسطة القوانين الطبيعية التي لا تتخلف.
стр. 259
الدرجة الثانية جبرية طبيعية:
وهي أقل صرامة من الأولى إذ من الممكن تعدي حدودها وقوانينها إلى حين بشكل من الأشكال مثل حاجة الإنسان الطبيعية إلى التغذية فكل إنسان لا بد من أن يتغذى بالأكل والشرب ليحيا، فإذا امتنع عن التغذية كلية فسيموت بعد حين لكن للإنسان قدرة على أن يمتنع حتى الموت ويقضي على نفسه، هنا نجد للإنسان مجالاً لحرية الإرادة إذ إن الإنسان
стр. 260
يستطيع أن يختار أحد الأمرين وينفذ اختياره بين إدامة الحياة بالتغذية والقضاء عليها بالكف عنها, وليست له هذه الحرية والقدرة في الجبرية الأولى.
وليست قوانين الطبيعة من الناحية الحتمية في درجة واحدة إذ إن بعضها أقل صرامة أو حتمية مما ذكرنا مثل غريزة الأمومة والأبوة وغريزة الجنس إذ من الممكن مخالفة هذه القوانين باستمرار الحياة مع تحمل الأضرار الناتجة عنها.
стр. 261
الدرجة الثالثة جبرية القوانين الأخلاقية
...
الدرجة الثالثة أو القسم الثالث من الجبرية هي جبرية القوانين الأخلاقية:
وهذه القوانين تستمد سلطتها وجبريتها من ثلاث جهات: الأولى من جهة اتصالها بالقوانين الطبيعية والثانية من جهة اتصالها بالأمر الإلهي والثالثة من جهة اتصالها بالعرف والعادات الاجتماعية أي السلطة الاجتماعية.
وأما درجات الحرية فهي تتحدد بالدرجات الجبرية السابقة إذ لا حرية أمام الدرجة الأولى من الجبرية كما قلنا والحرية موجودة أمام الدرجة الثانية ولكنها صعبة وضيقة للغاية، وخاصة أن الأمر متوقف -إزاء بعض القوانين الطبيعية- على حرية الاختيار بين الحياة أو عدم الحياة ولكنها على أية حال ممكنة ومتعلقة بإرادة الإنسان أما نطاق الحرية أمام النوع الثاني من قوانين الطبيعة مثل الاتصال الجنسي كقانون طبيعي فمجال الحرية هنا أوسع، إذ من الممكن أن يحيا الإنسان بدون تطبيقه لهذا القانون وغيره من القوانين التي من هذا القبيل, لكن درجة سعادة الحياة أو شقاوتها تقاس بمدى تكييف الإنسان حياته مع تلك القوانين بصورة عامة فإن مخالفة تلك القوانين في الحياة نتيجتها الشقاء ونهايتها الموت المحتم.
أما الحرية أمام الدرجة الثالثة من الجبرية وهي جبرية القوانين الأخلاقية
стр. 262
فهي متفاوتة، وكما أن درجات القوانين الطبيعية متفاوتة فكذلك درجات القوانين الأخلاقية متفاوتة من حيث الجبرية ومن حيث الحرية أيضاً يقاس ذلك بمدى إلزامية كل قانون ثم بمدى الإحساس الأدبي أو الضمير الأدبي الذي يتمتع به كل فرد.
وسيأتي تفصيل هذه النقطة في موضوع الإلزام الأخلاقي القادم, على أي حال فإنه كلما تصاعدت أو قويت درجات الجبر في الناحية الأولى كلما قلت درجات الحرية في الناحية الثانية.
стр. 263
خلاصة الدراسة:
والآن بالنظرة العامة إلى ما سبق نستطيع أن نستخلص أسس الحرية الأخلاقية في النقط الآتية:
الأساس الأول: وجود حرية الإرادة في الإنسان وقد تختلف درجة هذه الحرية من ميدان إلى آخر ومن مجال إلى آخر في الحياة العامة.
الأساس الثاني: وجود القدرة والاستعداد لتطبيق حرية الإرادة.
الأساس الثالث: وجود الحرية إزاء تطبيق القوانين الأخلاقية ولكن بدرجات متفاوتة.
الأساس الرابع: إن حرية الإنسان العملية ليست حرية مطلقة إذ إن هذه الحرية تحدها القوانين الطبيعية والميتافيزية والسيكولوجية والاجتماعية.
ومسئولية الإنسان الأخلاقية تقدر وتحدد بمدى ما أتيح من القدرة على الأعمال الأخلاقية، وسيأتي مستويات الإلزام الأخلاقي والمسئولية الأخلاقية بحسب الاستطاعة والقدرة والأهمية للمبادئ الأخلاقية.
стр. 264
الفصل الخامس: تقرير مبدأ الإلزام والالتزام الأخلاقي
مدخل
...
الفصل الخامس: تقرير مبدأ الإلزام والالتزام الأخلاقي
قبل بيان رأي الإسلام في معنى الإلزام الأخلاقي ينبغي أن أشير إلى تحديد هذا المعنى ومصادره في الفلسفات الأخلاقية.
من النتائج الهامة التي وصلنا إليها في موضوع الحرية السابق وجود حرية أخلاقية ووجود سلطة أو جبرية أخلاقية، والجبرية المقصودة هنا ليست الجبرية القهرية التي تحدثنا عنها وإنما الجبرية التي نقصدها هي التي يمكن للإنسان أن يخالف دواعيها بشكل من أشكال المخالفة وهذا ما نقصده من الإلزام الأخلاقي.
وتحديد معنى الإلزام له قيمة؛ ذلك أنه لا معنى للمسئولية الأخلاقية بدون وجود الحرية الأخلاقية, كما أن قيمة السلوك الأخلاقي تظهر بصورة أكثر وضوحاً عندما ينفذ هذا السلوك عن حرية واختيار وإرادة أخلاقية خيرة.
وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من أن تكون هناك حرية تجاه الإلزام، وتفضيل السلوك الأخلاقي على السلوك غير الأخلاقي هو الالتزام الأخلاقي، وكما يكون الالتزام عن دافع خارجي يكون أيضاً عن دافع داخلي.
وأيا كان الأمر كذلك فلا بد من وجود إلزام والتزام في العمل الأخلاقي، ودرجة الالتزام مبنية على درجة الإلزام من حيث القوة والضعف ومن ثم من حيث التمسك بالمبادئ الأخلاقية وعدم التمسك بها.
ولما كان من أهم خصائص الأخلاق القويمة مدى ما فيها من قوة تدفع الناس إلى العمل بها كان الإلزام إذن من أهم الأسس التي يقوم عليها صرح بناء
стр. 265
الأخلاق، ومعرفة مدى الإلزام تستدعي معرفة مصادر الإلزام، إذن متى أردنا أن نقدر مدى ما في الأخلاق الإسلامية من إلزام ينبغي أن نبحث عن مصادره.
стр. 266
أولاً: الاتجاهات المختلفة في الإلزام الأخلاقي:
وبفحص هذه الاتجاهات نجد اتجاهين رئيسيين: الأول يرجع سلطة الإلزام إلى مصادر خارجية, ويختلف أنصار هذا الاتجاه في مصدر هذه السلطة: فمنهم من يرى أنه الجماعة أمثال: "أوجست كونت" و "دوركايم" و "ليفي بريل" ومن ذهب مذهبهم١، ومنهم من يرى أنه الدين كما يراها رجال اللاهوت أمثال "أمبروز" و "القديس أوغسطين" و "توما الأكويني"٢.
والاتجاه الثاني يعيدها إلى ذات الإنسان, وأنصار هذا الاتجاه يختلفون أيضاً، فمنهم من يرى أنها العقل أمثال "صمويل كلارك" و "ولاستون" ومن ذهب مذهبهما، ومنهم من يرى أنها الوجدان أو الحاسة الخلقية أمثال "هاتشيسون" و "آدم سميث" و "جان جاك روسو"٣، ومنهم من يرى أنها دافع المنفعة فالإنسان بطبيعته يسعى إلى ما يلذه ويتجنب ما يؤلمه, وقد وجد الإنسان عن طريق التجربة أنها تحقق له السعادة وتبعده عن التعاسة، ولهذا فالدافع الأساسي بالمنفعة الذي يتكون عنده عن طريق التجربة٤.
стр. 267
ثانياً: رأي الإسلام في الإلزام الأخلاقي:
خلق الله الإنسان ووضع النظام الأخلاقي وهو الذي يعلم الظاهر والباطن والسر والعلن ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ ١، وهو يراقب الناس في سلوكهم وأعمالهم ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَاد﴾ ٢، وأنه يسجل كل شيء ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ ٣، ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ٤، ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ ٥، ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ٦.
وجعل الإسلام سلطة الجماعة ملزمة في الدرجة الثانية وبناء على ذلك اعتبر المجتمع مسئولاً عن انحراف الأفراد؛ لأن فساد بعض الأفراد قد يؤدي إلى فساد المجتمع كله يوماً ما، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ ٧؛ ولهذا أمر الجماعة بعقاب المنحرفين ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٨ وبالإضافة إلى العقوبة السابقة أم بإسقاط قيمتهم الأدبية فلا تقبل شهادتهم ولا يوثق بكلامهم ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾ ٩.
ولهذا قرر مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واعتبر القيام بذلك من عزائم الأمور ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمْ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ١٠.
стр. 268
إن إعطاء سلطة الإلزام للجماعة من الأهمية بمكان، ذلك أن من الناس من يكون وازعهم الإيماني ضعيفاً فلا يخافون من الله خوفهم من الناس، فلو أنهم تركوا وشأنهم لبثوا الفساد في المجتمع، ثم إن هذا الإلزام محسوس مادي يناسب جميع الناس، وإن كان السلوك الأخلاقي الذي يتم تحت سلطان إلزام الجماعة أقل قيمة من السلوك الذي يتم بدافع الإيمان بالله تعالى، ومهما يكن من أمر فمن الأهمية بمكان أن تطبق الجماعة قوانينها، ومسئولية الجماعة عن انحراف الأفراد ترجع في أساسها إلى عدم إنكارها السلوك المنحرف مع إمكان إنكارها إذ إن هذا إن دل على شيء فإنما يدل رضاها لوقوعه، ولهذا متى زاد الفساد في المجتمع فإن الله ينزل عليه البلاء الذي يعم الفاسدين وغير الفاسدين والعصاة وغير العصاة؛ لأن غير العصاة يعدون عصاة؛ لأنهم رضوا بالفساد والعصيان وإن كان مقدار مسئوليتهم أقل من مسئولية أولئك.
وإلى جانب اعتداد الإسلام بالجماعة مصدراً للإلزام الأخلاقي يعتد أيضاً بالعقل والإدراك؛ لأن الإنسان عندما يدرك -عادة- أن عاقبة فعله ستكون أليمة فإنه يتجنبه وإذا كانت سارة فإنه يفعله. كذلك إذا رأى خيراً من سلوك التزم به أما إذا كان الأمر على خلاف ذلك فإنه يتركه، ولما كانت الأخلاق وسيلة الخير في الدنيا والآخرة في حين أن التجرد منها وسيلة لشر، فإن العاقل يلتزم بها عقلا؛ ولهذا سيقول أهل النار يوم القيامة ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ١.
стр. 269
ومن مصادر الإلزام في رأي الإسلام الضمير الخلقي؛ لأن الإسلام -كما بينا- فيه حاسة أخلاقية يميز بها ما هو حسن وجميل من سلوك مما هو قبيح وضار، ومن ثم تطمئن النفس إلى السلوك الجميل وتقشعر من السلوك القبيح، ومن ثم يدفعه إلى الالتزام بالأول والابتعاد عن الثاني مصداق ذلك قول الرسول: "البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس" ١، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ ٢، ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ٣.
ثم يعتد الإسلام أخيراً بالدوافع النفعية عاملاً من عوامل الإلزام والالتزام بالقيم الأخلاقية؛ لأن الإنسان بطبيعته يحب الخير والنفع لنفسه والبد منه لحاجته الأساسية إليه, ومن هنا يشوق الناس إلى الأعمال الصالحات ويعدهم بالمكافآت الجزيلة عليها في الدنيا والآخرة وينذر المسيئين من عاقبة سيئاتهم ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ ٤، ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ٥، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ ٦, وهكذا نجد كثيراً من النصوص التي تستميل القلوب وتدفعها إلى الأخلاق الطيبة، وسوف نذكر مزيداً منها في موضوع الجزاء الأخلاقي.
стр. 270
ومن هذا كله نتبين أن الإسلام لا يكتفي بعامل واحد للإلزام بل يستخدم عوامل متعددة, وهذا أمر يناسب سيكولوجية الفروق الفردية بين الناس، نظراً إلى أن هؤلاء ليسوا سواء في درجة التأثر بتلك الدوافع إلى السلوك ولما لم تكن الأعمال الأخلاقية كلها في مستوى واحد من القيمة، ولما كانت قيمة الشيء تعد أحد الدوافع للالتزام به فمن الواجب أن نبحث هنا عن مجالات الالتزام الأخلاقي ودرجاته.
стр. 271
ثالثا: مجالات الالتزام الأخلاقي ودرجاته:
إن مجالات الالتزام الأخلاقي هي مجالات الخير كله فإن الإنسان ملزم بعمل الخير وتجنب الشر في كل وقت وفي كل مكان، غير أن الخيرات كثيرة فلا يستطيع الإنسان عمل الخيرات كلها طولاً وعرضاً، إذ إن قدراته محدودة وزمنه كذلك محدود فلا بد إذن من أن تكون هناك درجات في الإلزام ومراتب في الأعمال الأخلاقية حتى لا يقف الإنسان موقف الحيرة في فعل بعضها وترك بعضها الآخر وخاصة إذا كان هناك تعارض وإذا أدى فعل بعضها إلى ترك بعضها الآخر، لذا نرى أن الإسلام رتب الأعمال الأخلاقية إلى لازم وألزم فألزمها فرض العين ثم فرض الكفاية ثم الواجب ثم السنة المؤكدة ثم السنة غير المؤكدة ثم النوافل وأخيراً الكماليات. كذلك رتب المحرمات أو الشرور إلى كبائر وصغائر ثم المكروهات وخلاف الأولى. ثم قسمها من جهة أخرى من حيث الواجبات المحدودة وغير المحدودة والمؤقتة وغير المؤقتة. وحدد مسافة بين الخير والشر لا هي خير ولا هي شر وهي المباحات وأحد طرفيها متصل بالخير والآخر متصل بالشر وأمر الناس بالاتجاه نحو الخير والابتعاد عن الشر؛ لأن الذي يرتع حول حدود الشيء يوشك أن يقع فيه، فقد شبه الرسول موقف الإنسان من حدود المحرمات بموقف الراعي الذي يرعى حول الحمى فإنه يوشك أن يتجاوز حدوده إذا اقترب منها فقال: "الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات كراعٍ يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه" ١. وقال: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" ٢، والحقيقة أن معالجة
стр. 272
الإسلام لهذه النقطة معالجة قيمة.
ذلك أنه أنقذ الإنسان من الحيرة من الناحية التشريعية ومن الناحية العملية كذلك لم يدع إلى الالتزام ببعض الخيرات وعدم الالتزام بالبعض الآخر بل إن الخيرات كلها لازمة في رأيه، لكن لما كانت هذه الخيرات غير متناهية من حيث أنواعها ومن حيث درجاتها، ولما كان الناس يختلفون من حيث القدرات والإمكانات المادية والمعنوية والميول والرغبات فقد حدد الأعمال الخلقية من ناحية نوعية الأعمال التي تلزم في الدرجة الأولى، والتي تكون مشتركة بين جميع المكلفين وعلى أساسها تميز بين الإنسان الأخلاقي واللا أخلاقي، فهي أولا المعيار الأول لوزن الناس ثم إنها تتلاءم مع جميع الناس وهي الواجبات العينية من الناحية الإيجابية والكبائر من الناحية السلبية. ثم يلي ذلك في كل ناحية المراتب التي ذكرناها سابقاً.
وهذه من ميزات الأخلاق الإسلامية التي تتميز بها على الأخلاق الفلسفية فإنني ما رأيت فلسفة أخلاقية قد نظمت وبينت الأعمال الأخلاقية وموضوعات الخير الأخلاقي ودرجات الالتزام بها كما بينها وفصلها الإسلام.
هذه من الناحية العَرْضِية وأما من الناحية الطولية فإن الإسلام قد فتح أمام الراغبين في الازدياد من الخيرات من نوع هذه الأعمال المقررة المفروضة، بل دعا إلى التسابق في الخيرات والفضيلة في الأعمال والمعاملات والتنافس فيها، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات﴾ ١، ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ ٢، فالأفضل مثلاً أن يواصل المؤمن الإنفاق على الفقراء والمؤسسات الخيرية بعد دفع
стр. 273
القدر المفروض عليه من الزكاة، وهذه هي الفضيلة بمعنى الكلمة، أما الزكاة فهي ضريبة لا بد منها ولا يدل آداؤها على حبه للفضيلة والإحسان إذا اقتصر عليها مع إمكانه أن يزيد فيها. وإن كانت درجة المسئولية والجزاء تختلف فيما بينهم، غير أن هذه الأعمال الفاضلة مشروطة أيضاً بأن لا تؤدي مواصلتها إلى إهمال الواجبات الأخرى وأن لا تؤدي كذلك إلى نقض قوانين الحياة، فمثلاً لا ينبغي أن ينفق الإنسان جميع ماله وبالتالي لا يجد مأكلاً ولا مأوى؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ ١، وكذلك لا يجوز للإنسان أن ينقطع للصوم حتى يترك الكسب أو حتى يموت، كذلك لا ينبغي أن تكون مواصلته لفضيلة ما تجعله يهمل الواجبات الأخرى؛ ولذا نهى الرسول بعض الذين عزموا على مواصلة بعض العبادات مثل: الصلاة والصوم، فقال الرسول لعبد الله بن عمرو بن العاص لما علم أنه يواصل العبادة: "صم وأفطر وقم ونم فإن لجسدك عليك حقاً وإن لعينيك عليك حقا وإن لزوجك عليك حقاً وإن لزورك عليك حقاً" ٢.
إذن نجد في الأعمال الأخلاقية الإيجابية ثلاث مراتب تحدها.
الأولى: هي الحد الأدنى من الواجب وهو الذي يجب أن يقوم به كل واحد.
والمرتبة الثانية: هي مساحة مفتوحة لكل واحد للمسابقة في الازدياد منها.
والمرتبة الثالثة: هي الحد الأقصى الذي ينهى الإنسان عن تجاوزه بمخالفة قوانين الحياة الضرورية.
стр. 274
خصائص الالزام الأخلاقي في الإسلام
مدخل
...
رابعاً: خصائص الإلزام الأخلاقي في الإسلام:
ويمتاز الإلزام الأخلاقي في الإسلام بخصائص هامة لا توجد بمثل هذا الوضوح في الفلسفات الأخلاقية الأخرى وهي:
стр. 275
١- الإلزام بقدر الاستطاعة:
إن الإسلام قد راعى استطاعة الإنسان في إلزامه بالقوانين الأخلاقية، ولهذا لم يكلفه فوق طاقته ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ١، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم﴾ ٢، وهذا المبدأ كما تقتضيه الأخلاق السليمة تقتضيه كذلك العدالة الإلهية، إذ لا يمكن أن تكون الأخلاق صالحة للتطبيق إلا بهذا الشرط، وليس من العدالة كذلك تكليف المرء ما لا يطيق, بل هو ظلم والله تعالى قد وصف نفسه بالعدالة ونفى عن نفسه الظلم ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة﴾ ٣، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ٤، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ ٥.
стр. 276
٢- سهولة التطبيق:
وليست الأخلاق الإسلامية متوافقة مع قدرات الناس واستطاعتهم فحسب بل إنها أسهل مما يطيقونه ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ١, ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ ٢.
نرى من هاتين الآيتين أن الله لم يعفنا فقط مما لا طاقة لنا به بل أعفانا مما نطيقه بشق الأنفس؛ لأنه تعالى لم يضع نظامه لنا ليحرجنا ويضعنا في عسر وضيق من الحياة، بل أراد هدايتنا وتيسير السبل أمامنا للوصول إلى حياة سعيدة ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٣، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ
стр. 277
الْعُسْر﴾ ١، وكان الله قادراً أن يكلفنا فوق طاقتنا ولكنه لم يفعل٢ ذلك رحمة بخلقه؛ لأنه لم ينزل رسالاته إلا رحمة للعالمين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٣.
وهنا تظهر حكمة الله البالغة في وضعه النظام بهذه الصورة، إذ إنه لو كلفنا بما نطيقه بشق الأنفس لما أمكن مسايرته إلى الأبد، فلدوام نظام معين في الحياة العملية وليبقى صالحاً زماناً ومكاناً لا ينبغي أن يستنفد تطبيقه طاقة الإنسان كلها؛ لأن بذل آخر الطاقة بصفة مستمرة لا بد من أن يؤدي إلى الإرهاق والحياة لا تطاق بإرهاق مستمر، ومن ثم فلا بد من أن يبوء مثل ذلك النظام بالفشل. وهنا تظهر ميزة رسالة الإسلام من هذه الناحية على الرسالات السابقة حيث إنه لم تأتِ بقوانين استثنائية قاهرة كعقاب إلهي، على الأمة كلها كما حدث في الرسالات السابقة التي تحدث عنها القرآن ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ ٤, وقال أيضاً: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ, الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ ٥، وقال أيضاً: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ ٦، ونقول: إن الإصر وتشديد الأحكام في
стр. 278
الرسالات السابقة كانت حالة استثنائية؛ لأن رسالات الله كلها في جوهرها واحدة وتهدف إلى غاية واحدة, مصداق ذلك قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ١، وكان الأمر يقتضي ألا يكون في الإسلام شيء من تلك القوانين الاستثنائية؛ لأنه خاتم الرسالات من جهة؛ ولأنه عام لكل الأمم فكان العدل الإلهي لا يقتضي عقاب الأمم الأخرى بظلم بعضها، ثم وجود مثل تلك القوانين في الإسلام لا تجعله صالحاً للتطبيق لكل الناس في كل زمان ومكان، وكما تمتاز رسالة الإسلام على الرسالات الأخرى تمتاز كذلك على بعض الفلسفات الأخرى كالفلسفة الأخلاقية البرهمية والكانطية- مثلاً- التي تتسم بالقسوة وعدم مراعاة الطبيعة الإنسانية في الظروف المختلفة.
стр. 279
٣- مراعاة الحالات الاستثنائية:
تظهر هذه المراعاة في تخفيف الإسلام عن المكلفين بعض التكاليف أو إعفائهم منها في بعض الظروف والحالات المحرجة الطارئة؛ فنرى مثلاً أنه قد خفف عن المسافر في الصلاة وسمح له بتأخير الصيام في شهر الصوم وبأداء الصلاة على الراحلة. ونرى كذلك أنه قد أعفى العجزة والضعفاء من الجهاد ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ ١، ونرى أيضاً أنه أباح أحياناً استبدال الالتزام بالتزام آخر عند الضرورة، فإذا لم يجد المرء ماء مثلا يتيمم حتى إنه أباح المحرم عند الضرورات فللجائع إذا خاف على نفسه الموت من الجوع أن يأكل من مال الغير جبرا إذا امتنع عن إطعامه بالرضا، وله
стр. 280
أن يقاتل المستسقي إذا امتنع عن سقايته. بل أكثر من هذا وذاك، فقد سمح للمسلم أن يكفر بلسانه إذا أكره عليه ولا يضر ذلك إذا بقى قلبه مطمئناً بالإيمان ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١؛ لأن الإسلام لا يهتم بالظاهر اهتمامه بالباطن؛ ولهذا قال الرسول ﷺ : "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" ٢، كما أباح الإسلام الكذب في المعاملة في بعض الحالات الضرورية، إذا كان ذلك يؤدي إلى الخير العام أو ينقذ نفس الإنسان البريء من الإهدار، فقد روي عن الرسول أنه قال: "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ويقول خيراً وينمي خيراً" ٣.
وقال الرسول ﷺ : "الكذب كله على ابن آدم إلا في ثلاث خصال: رجل كَذَبَ على امرأته ليرضيها، ورجل كذب في الحرب فإن الحرب خدعة، ورجل كذب بين المسلمين ليصلح بينهما" ٤, ولا ينبغي أن يفهم من جواز الكذب بين الزوجين جواز الخدعة وكتمان الخيانة، وإلا كان الكذب وسيلة للشر وسبباً لزوال الثقة بين الطرفين، وبذلك يخرج عن الحدود المشروعة.
ولقد فهم بعض الناس ذلك الفهم وسأل الرسول متعجباً: "أكذب امرأتي يا رسول الله؟ فقال الرسول: "لا خير في الكذب" ٥, وقال آخر: يا رسول الله أعدها وأقول لها؟ فقال: "لا جناح عليك" ٦, وقال أيضاً: "تحروا الصدق وإن
стр. 281
رأيتم فيه هلكة فإن فيه النجاة، واجتنبوا الكذب وإن رأيتم فيه النجاة فإن فيه الهلكة" ١.
هنا نجد أن الرسول قد حدد ما يجوز من الكذب بين الزوجين وهو ليس الإخبار بما يخالف الحقيقة فيما مضى وإنما هو التودد وبذل الوعود لتحقيقها في المستقبل عند تيسر الأمور عندما تطلب منه أموراً وهو غير قادر على تحقيقها وتنفيذها. أو يقول لها إنه يحبها كثيراً إذا اتهمته بأنه لا يحبها.
وإذا أباح هذا فليس معنى ذلك أنه يشجع عليه ولهذا قال: لا جناح عليك, هذا من وجهة ومن وجهة أخرى ينبغي ألا يقول شيئاً من هذا القبيل إلا عند الضرورة التي لا يجد المرء مفراً منها.
ولا يكون الإنسان بذلك كذاباً؛ لأن الكذاب هو الذي يتخذ الكذب وسيلة لتحقيق مآربه وهذا غير مباح إطلاقاً، ولهذا قيل للرسول: "أيكون المؤمن جباناً؟ فقال نعم، فقيل: أيكون المؤمن بخيلاً؟ فقال نعم، فقيل: أيكون المؤمن كذاباً؟ فقال لا" ٢. كما لا يسمى الإنسان الذي يسرق طعاماً مرة ليأكل في حالة المخمصة سارقاً؛ فالسارق هو الذي يتخذ السرقة وسيلة للمعيشة.
والكذب في حالة الإصلاح بين الناس قاصر على الكلمات الطيبة التي يسندها إلى أحد الطرفين المتنازعين أو كليهما، إذ من شأنها أن تؤلف بين قلوبهم وتزيل الضغائن منها وكذلك في الحرب إذا كان الكذب يؤدي إلى إنقاذ الجيش أو إنقاذ نفسه ولا يمكن بغير ذلك، ومع ذلك فمثل هذا الكذب رخصة وليس عزيمة
стр. 282
وهو سلوك استثنائي لحالات ضرورية وفي هذه النقطة توجد بعض الأمور التي تحتاج إلى توضيح وهي:
الأمر الأول: إن هذه الحالات الاستثنائية من القواعد الأخلاقية العامة لا تعتبر جزءاً من الأخلاق وإنما هي ضرورة والضرورات تبيح المحظورات كما قال الأصوليون، ولهذا لا ينبغي اتخاذها وسائل لبلوغ المآرب وتحقيق الأهداف كلما وجد المرء شيئاً من القسر في استخدام الطرق الأخلاقية السليمة متذرعاً في ذلك بالصعوبة، وإلا فشا الكذب وزالت الثقة في المعاملات، ولهذا يجب الاقتصار على ما اقتصر عليه الإسلام، وأن يكون ذلك مشروطاً بعدم إمكان تحقيقه إلا بذلك، إذ إن القاعدة الأساسية في الأخلاق الإسلامية هي تحقيق الخير عن طريق الخير، لا عن طريق الشر، فالعمل الأخلاقي لا يأخذ موضعه من الأخلاق إلا إذا تم بطريق أخلاقي، والضرورات تقدر بقدرها كما تقرر الشريعة.
هذا الحل من الإسلام لمشكلة الاستثناء من القاعدة الأخلاقية بتلك الصورة يعتبر حلا وسطاً في التفكير الأخلاقي، ذلك أن الإنسان قد يقع في مأزق ليس له فيه مخرج بطريق أخلاقي؛ لأن الشر قد أحاط به ولا حيلة له بدفعه عن طريق الخير فالقاعدة الأساسية هي دفعه بالخير ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ١، وفي هذه الحالة أباح الإسلام دفع الشر بالشر ودفع الشر يعتبر خيراً فقد أبيح هنا عمل الخير بطريق الشر في حالة ما إذا كان الإنسان مضطراً إلى هذا العمل، فهذه قاعدة ولكن ليست قاعدة أساسية وإنما استثنائية، والحرب في الإسلام مبنية على هذه القاعدة؛ لأن قتل الإنسان شر
стр. 283
ولكن إذا هاجمه الأخير لقتله دون جريرة تستحق القتل ولم يستطع دفعه بطريق سلمي فقد أعطى له حق قتاله لدفع الشر، لا لجلب الخير وإن كان هذا يعتبر خيراً من جهة أخرى.
وهكذا نجد أن الغاية قد تبرر الوسيلة لكن هذه القاعدة استثنائية أيضاً، فالقاعدة الأخلاقية الأساسية هي التوفيق بين الوسيلة والغاية في الخيرية.
وإذا ألقينا الآن نظرة عابرة على الاتجاهات الأخلاقية في هذه النقطة بالذات وجدنا فيها اتجاهين: أولهما لا يبيح الاستثناء في القاعدة الأخلاقية على أي حال ولو أدى التمسك بالأخلاق إلى هلاك إنسان بريء وهو اتجاه "كانط" المثالي, وثانيهما يعتبر الأهداف والغايات هي الأساس وإنها تبرر الوسيلة فكل وسيلة تحققها تعد عملا أخلاقيا وهو الاتجاه النفعي في الأخلاق بصفة عامة, والاتجاه الشيوعي بصفة خاصة١.
أما الإسلام فلم يقف مع الاتجاه الأول على طول الخط ولا مع الاتجاه الثاني كذلك غير أنه يجب أن ننبه هنا إلى نقطة مهمة وهي أن الإسلام إذا أباح التلفظ بالكفر أو الخروج على قاعدة الصدق بالكذب فهذا يعتبر رخصة وليس عزيمة. والإنسان إذا تمسك بالعزيمة مع وجود الرخصة يعتبر هذا فضيلة منه ولا يكون آثماً إذا تمسك بالرخصة، وقد روي أن عيوناً لمسيلمة أخذوا رجلين من أصحاب النبي ﷺ فذهبوا بهما إلى مسيلمة فقال: لأحدهما أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم, قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم، فخلى عنه وقال للآخر: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، وتشهد أني رسول الله؟ قال: أنا أصم لا أسمع فعذبه
стр. 284
وضرب عنقه فجاء هذا إلى النبي فقال: هلكت، قال: وما أهلكك؟ فذكر الحديث، فقال: أما صاحبك فقد أخذ بالثقة، " وفي رواية: فقد مضى على إيمانه،" وأما أنت فقد أخذت بالرخصة, علام أنت عليه الساعة؟ قال: أشهد أنك رسول الله، قال: "أنت على ما أنت عليه "١، وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ٢، وقال أيضاً: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٣، وقال أيضاً: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ ٤, وكما يفهم من نص الآيات السابقة أن الاستثناء لم يسقط حرمة المحظورات وإنما وعد الله بأنه لن يؤاخذه على ارتكابه. لذا قال الفقهاء: إذا تمسك بالعزيمة حتى الموت فإنه يموت شهيداً٥؛ لأن الله نفى الجناح عن التمسك بالرخصة ولم يشجع عليها فقال: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ﴾ ٦، وإذا كان العلماء قد اختلفوا بين الإتمام وبين الاقتصار في الصلاة من حيث الأفضلية بناء على قول الرسول عن الرخصة: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" ٧، وقوله أيضاً: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته" ٨، وبناء على الآيات السابقة٩ فإن الأمر يختلف بين الواجبات الأخلاقية بالنسبة إلى الله وواجبات الناس نحوه. وبالنسبة إلى الناس، ثم بين نوعي الواجبات في كلا الطرفين. فالأمر بالنسبة إلى العقيدة يختلف عنه بالنسبة إلى الصلاة مثلا ثم يختلف أخيراً بالنسبة إلى التعامل
стр. 285
الاجتماعي، فأحياناً يكون التمسك بالرخصة فضيلة إذا كان في ذلك إيثار في حق الغير، ولهذا ينبغي أن يقدر هنا بين ما يبذله الإنسان في سبيل التمسك بالقيمة وبين القيمة نفسها: فالمحافظة على النفس أغلى من المحافظة على المال، فليس من الأفضل إضاعة النفس في سبيل المحافظة على حرمة مال الغير، فإذا رأى الإنسان مثلا أنه سوف يموت إذا لم يسرق ولم يأكل من مال الغير فلا شك أن التعدي على حرمة المال هنا أهون من التعدي على حرمة النفس، ولهذا قال الأصوليون: ارتكاب أهون الشرين أولى إذا كان لا مناص من ارتكاب أحدهما.
الأمر الثاني: إن الإسلام راعى في هذه الاستثناءات الفروق الفردية بين الناس في مختلف الظروف، إذ إن بعض الناس قد لا يستطيع تحمل تلك المواقف الحرجة الشديدة تحت وطأة الخوف أو الجوع أو العاطفة فيقدم على ارتكاب الحرام, وكل إنسان يعمل حسب استطاعته وهو يعرف نفسه عند الإقدام على الرخصة مدى اضطراره إليها ﴿بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ, وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ١، وإن الله سيحاسبه بناء على معرفته بنفسه في حالة الاضطرار، ولهذا لا يحق للناس أن يرتكبوا المحرمات لمجرد بعض الصعوبات التي يستشعرونها إزاء القيام بالأعمال الأخلاقية، ولا تنفع معاذيرهم؛ لأن الله يعلم مدى اضطرارهم، ومن هنا كان على المرء أن يوفق بين ظاهره وباطنه، فلا يقدم على أعمال لا يوافق عليها ضميره الباطني ولو حاول أن يلقي المعاذير على الضرورة٢، وقد قال