رأيتم فيه هلكة فإن فيه النجاة، واجتنبوا الكذب وإن رأيتم فيه النجاة فإن فيه الهلكة" ١.
هنا نجد أن الرسول قد حدد ما يجوز من الكذب بين الزوجين وهو ليس الإخبار بما يخالف الحقيقة فيما مضى وإنما هو التودد وبذل الوعود لتحقيقها في المستقبل عند تيسر الأمور عندما تطلب منه أموراً وهو غير قادر على تحقيقها وتنفيذها. أو يقول لها إنه يحبها كثيراً إذا اتهمته بأنه لا يحبها.
وإذا أباح هذا فليس معنى ذلك أنه يشجع عليه ولهذا قال: لا جناح عليك, هذا من وجهة ومن وجهة أخرى ينبغي ألا يقول شيئاً من هذا القبيل إلا عند الضرورة التي لا يجد المرء مفراً منها.
ولا يكون الإنسان بذلك كذاباً؛ لأن الكذاب هو الذي يتخذ الكذب وسيلة لتحقيق مآربه وهذا غير مباح إطلاقاً، ولهذا قيل للرسول: "أيكون المؤمن جباناً؟ فقال نعم، فقيل: أيكون المؤمن بخيلاً؟ فقال نعم، فقيل: أيكون المؤمن كذاباً؟ فقال لا" ٢. كما لا يسمى الإنسان الذي يسرق طعاماً مرة ليأكل في حالة المخمصة سارقاً؛ فالسارق هو الذي يتخذ السرقة وسيلة للمعيشة.
والكذب في حالة الإصلاح بين الناس قاصر على الكلمات الطيبة التي يسندها إلى أحد الطرفين المتنازعين أو كليهما، إذ من شأنها أن تؤلف بين قلوبهم وتزيل الضغائن منها وكذلك في الحرب إذا كان الكذب يؤدي إلى إنقاذ الجيش أو إنقاذ نفسه ولا يمكن بغير ذلك، ومع ذلك فمثل هذا الكذب رخصة وليس عزيمة
стр. 282
وهو سلوك استثنائي لحالات ضرورية وفي هذه النقطة توجد بعض الأمور التي تحتاج إلى توضيح وهي:
الأمر الأول: إن هذه الحالات الاستثنائية من القواعد الأخلاقية العامة لا تعتبر جزءاً من الأخلاق وإنما هي ضرورة والضرورات تبيح المحظورات كما قال الأصوليون، ولهذا لا ينبغي اتخاذها وسائل لبلوغ المآرب وتحقيق الأهداف كلما وجد المرء شيئاً من القسر في استخدام الطرق الأخلاقية السليمة متذرعاً في ذلك بالصعوبة، وإلا فشا الكذب وزالت الثقة في المعاملات، ولهذا يجب الاقتصار على ما اقتصر عليه الإسلام، وأن يكون ذلك مشروطاً بعدم إمكان تحقيقه إلا بذلك، إذ إن القاعدة الأساسية في الأخلاق الإسلامية هي تحقيق الخير عن طريق الخير، لا عن طريق الشر، فالعمل الأخلاقي لا يأخذ موضعه من الأخلاق إلا إذا تم بطريق أخلاقي، والضرورات تقدر بقدرها كما تقرر الشريعة.
هذا الحل من الإسلام لمشكلة الاستثناء من القاعدة الأخلاقية بتلك الصورة يعتبر حلا وسطاً في التفكير الأخلاقي، ذلك أن الإنسان قد يقع في مأزق ليس له فيه مخرج بطريق أخلاقي؛ لأن الشر قد أحاط به ولا حيلة له بدفعه عن طريق الخير فالقاعدة الأساسية هي دفعه بالخير ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ١، وفي هذه الحالة أباح الإسلام دفع الشر بالشر ودفع الشر يعتبر خيراً فقد أبيح هنا عمل الخير بطريق الشر في حالة ما إذا كان الإنسان مضطراً إلى هذا العمل، فهذه قاعدة ولكن ليست قاعدة أساسية وإنما استثنائية، والحرب في الإسلام مبنية على هذه القاعدة؛ لأن قتل الإنسان شر
стр. 283
ولكن إذا هاجمه الأخير لقتله دون جريرة تستحق القتل ولم يستطع دفعه بطريق سلمي فقد أعطى له حق قتاله لدفع الشر، لا لجلب الخير وإن كان هذا يعتبر خيراً من جهة أخرى.
وهكذا نجد أن الغاية قد تبرر الوسيلة لكن هذه القاعدة استثنائية أيضاً، فالقاعدة الأخلاقية الأساسية هي التوفيق بين الوسيلة والغاية في الخيرية.
وإذا ألقينا الآن نظرة عابرة على الاتجاهات الأخلاقية في هذه النقطة بالذات وجدنا فيها اتجاهين: أولهما لا يبيح الاستثناء في القاعدة الأخلاقية على أي حال ولو أدى التمسك بالأخلاق إلى هلاك إنسان بريء وهو اتجاه "كانط" المثالي, وثانيهما يعتبر الأهداف والغايات هي الأساس وإنها تبرر الوسيلة فكل وسيلة تحققها تعد عملا أخلاقيا وهو الاتجاه النفعي في الأخلاق بصفة عامة, والاتجاه الشيوعي بصفة خاصة١.
أما الإسلام فلم يقف مع الاتجاه الأول على طول الخط ولا مع الاتجاه الثاني كذلك غير أنه يجب أن ننبه هنا إلى نقطة مهمة وهي أن الإسلام إذا أباح التلفظ بالكفر أو الخروج على قاعدة الصدق بالكذب فهذا يعتبر رخصة وليس عزيمة. والإنسان إذا تمسك بالعزيمة مع وجود الرخصة يعتبر هذا فضيلة منه ولا يكون آثماً إذا تمسك بالرخصة، وقد روي أن عيوناً لمسيلمة أخذوا رجلين من أصحاب النبي ﷺ فذهبوا بهما إلى مسيلمة فقال: لأحدهما أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم, قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم، فخلى عنه وقال للآخر: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، وتشهد أني رسول الله؟ قال: أنا أصم لا أسمع فعذبه
стр. 284
وضرب عنقه فجاء هذا إلى النبي فقال: هلكت، قال: وما أهلكك؟ فذكر الحديث، فقال: أما صاحبك فقد أخذ بالثقة، " وفي رواية: فقد مضى على إيمانه،" وأما أنت فقد أخذت بالرخصة, علام أنت عليه الساعة؟ قال: أشهد أنك رسول الله، قال: "أنت على ما أنت عليه "١، وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ٢، وقال أيضاً: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٣، وقال أيضاً: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ ٤, وكما يفهم من نص الآيات السابقة أن الاستثناء لم يسقط حرمة المحظورات وإنما وعد الله بأنه لن يؤاخذه على ارتكابه. لذا قال الفقهاء: إذا تمسك بالعزيمة حتى الموت فإنه يموت شهيداً٥؛ لأن الله نفى الجناح عن التمسك بالرخصة ولم يشجع عليها فقال: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ﴾ ٦، وإذا كان العلماء قد اختلفوا بين الإتمام وبين الاقتصار في الصلاة من حيث الأفضلية بناء على قول الرسول عن الرخصة: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" ٧، وقوله أيضاً: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته" ٨، وبناء على الآيات السابقة٩ فإن الأمر يختلف بين الواجبات الأخلاقية بالنسبة إلى الله وواجبات الناس نحوه. وبالنسبة إلى الناس، ثم بين نوعي الواجبات في كلا الطرفين. فالأمر بالنسبة إلى العقيدة يختلف عنه بالنسبة إلى الصلاة مثلا ثم يختلف أخيراً بالنسبة إلى التعامل
стр. 285
الاجتماعي، فأحياناً يكون التمسك بالرخصة فضيلة إذا كان في ذلك إيثار في حق الغير، ولهذا ينبغي أن يقدر هنا بين ما يبذله الإنسان في سبيل التمسك بالقيمة وبين القيمة نفسها: فالمحافظة على النفس أغلى من المحافظة على المال، فليس من الأفضل إضاعة النفس في سبيل المحافظة على حرمة مال الغير، فإذا رأى الإنسان مثلا أنه سوف يموت إذا لم يسرق ولم يأكل من مال الغير فلا شك أن التعدي على حرمة المال هنا أهون من التعدي على حرمة النفس، ولهذا قال الأصوليون: ارتكاب أهون الشرين أولى إذا كان لا مناص من ارتكاب أحدهما.
الأمر الثاني: إن الإسلام راعى في هذه الاستثناءات الفروق الفردية بين الناس في مختلف الظروف، إذ إن بعض الناس قد لا يستطيع تحمل تلك المواقف الحرجة الشديدة تحت وطأة الخوف أو الجوع أو العاطفة فيقدم على ارتكاب الحرام, وكل إنسان يعمل حسب استطاعته وهو يعرف نفسه عند الإقدام على الرخصة مدى اضطراره إليها ﴿بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ, وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ١، وإن الله سيحاسبه بناء على معرفته بنفسه في حالة الاضطرار، ولهذا لا يحق للناس أن يرتكبوا المحرمات لمجرد بعض الصعوبات التي يستشعرونها إزاء القيام بالأعمال الأخلاقية، ولا تنفع معاذيرهم؛ لأن الله يعلم مدى اضطرارهم، ومن هنا كان على المرء أن يوفق بين ظاهره وباطنه، فلا يقدم على أعمال لا يوافق عليها ضميره الباطني ولو حاول أن يلقي المعاذير على الضرورة٢، وقد قال
стр. 286
الرسول ﷺ : "استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك" ١.
الأمر الثالث: إن مراعاة الإسلام لهذه الأمور تدل على مرونة التشريع الإسلامي وتضفي عليه صفة صلاحيته لكل الناس في مختلف الظروف والحالات وفي مختلف الأزمنة والأمكنة؛ لأن هذه القوة القاهرة التي تكره الناس أو بعضهم على الخروج على القوانين الأخلاقية، قد ترجع إلى اختلاف طبائع الناس أو إلى الطبيعة نفسها أو إلى تطور الحياة أو إلى الظروف الطارئة, فعن طريق قانون الاستثناء نستطيع أن نواجه تلك الظروف ونحل كثيراً من المشكلات الطارئة من حين إلى آخر، ولكن يجب ألا تبقى هذه التطبيقات العملية لقاعدة الاستثناء العامة قوانين جوهرية في صميم المبادئ الأخلاقية, ثم إن مراعاة الإسلام للحالات الاستثنائية تعتمد على مراعاته لوقائع الحياة الطارئة إذ إننا نجد حتى في التشريعات الوضعية مبدأ الأحوال العرفية، فللحاكم أن يتخذ تدابير وقوانين في تلك الأحوال على حسب الوقائع والحالات الطارئة طبقاً لمقتضى الأحوال، ولكن ما يتخذه من القرارات والتدابير لا يغير قانوناً طبيعياً أو قانوناً أساسياً ولا يعتمد عليه في الظروف الطبيعية ولا يندرج في ضمن القوانين الأساسية, إذن قانون الاستثناء في الإسلام مبني على أساس مراعاته للحالات الطارئة, كمبدأ الأحكام العرفية في القانون الدولي، هنا يقول الإمام الشاطبي: إن العزيمة مصلحة كلية عالمية والرخصة مصلحة شخصية جزئية وقتية، ولا ينخرم نظام في العالم بانخرام المصلحة الجزئية٢، ثم إن الرخصة ارتكاب أمر غير مشروع أو حرام ولا يكون ارتكاب حرام لضرورة عملاً أخلاقياً ولا يمكن أن يعد
стр. 287
مبدأ أخلاقياً في النظام الأخلاقي.
стр. 288
٤- قوة الإلزام:
عرفنا فيما سبق عناصر الإلزام وقسمناها إلى قسمين: الأول يرجع إلى العناصر الخارجية مثل الوحي والمجتمع وقوانين الطبيعة، والثاني يرجع إلى العناصر الداخلية ويشمل العقل والضمير الخلقي، هذه العناصر مجتمعة تشكل أقوى سلطة إلزامية في الأخلاق الإسلامية.. هذا إلى أن الإسلام قد ضاعف هذه القوة بما وعد به من الجزاء الجزيل للتمسك بالقيم الأخلاقية والعقاب الشديد للمنحرف والمستهتر, ثم إنه وجَّه الإنسان بصورة مستمرة نحو التسامي بإثارة الدوافع والاستعدادات المغروسة في الطبيعة البشرية لتتغلب العناصر الإنسانية الطيبة على الغرائز الحيوانية الجامحة.
وبذلك يكون الإسلام قد اعتمد في إلزامه الأخلاقي على جميع العناصر التي يمكن أن تكون عامل إلزام بصورة من الصور بخلاف المذاهب الأخلاقية الأخرى، فإن كل مذهب منها اعتمد على عنصر أو عنصرين فقط مثل النفع والشرف وما إلى ذلك.
ثم إن الاعتماد على عدة عناصر في الإلزام والالتزام يتناسب مع سيكولوجية الفروق الفردية في الطبيعة البشرية؛ لأن الناس عادة يختلفون في الالتزام بعناصر الإلزام المختلفة, فمنهم من يلتزم بالعنصر الديني أكثر من العنصر الاجتماعي والآخر بالعكس، والثالث بالعنصر العقلي، والرابع بالحاسة الخلقية، وهكذا.. وذلك كله نتيجة للعوامل الوراثية والاجتماعية والتربوية.
стр. 289
ومن أهم النقط التي عالجها الإسلام في هذا الموضوع بيانه درجات الإلزام بحسب اختلاف درجات القيم الأخلاقية فما كان أكثر أهمية ينبغي الالتزام به أكثر وأشد، وقد جاء ذلك في الإسلام مفصلاً ومحدداً وموضحاً.
стр. 290
الفصل السادس: تأكيد المسئولية الأخلاقية
مدخل
...
الفصل السادس: تأكيد المسئولية الأخلاقية
تعد هذه المسألة نتيجة طبيعية للمسألة السابقة، ذلك أن مدى المسئولية يتحدد بمدى الإلزام والالتزام، فالصفات والخصائص هناك تؤثر في الصفات والخصائص هنا؛ لأن الإلزام والالتزام يسبقان على المسئولية من حيث الوجود، والمسئولية مبنية عليهما معاً، لكن لما كانت معرفة السابق لا تكفي لمعرفة اللاحق- وإن كان من الممكن التنبؤ عن طريقها ببعض معالمه العامة- فإنه يلزم علينا هنا أن ندرس المسئولية الأخلاقية دراسة مفصلة وتحديد مجالاتها تحديداً كاملاً.
стр. 291
أولا: تحديد مفهوم المسئولية الأخلاقية
ويتطلب تحديد المسئولية من جميع الجوانب القيام أولاً بتحديد معناها ثم بيان الأساس الذي تقوم عليه ثم مجالات المسئولية ومراتبها.
أما معناها فهو تحمل الشخص نتيجة التزاماته وقراراته واختياراته العملية من الناحية الإيجابية والسلبية أمام الله في الدرجة الأولى وأمام ضميره في الدرجة الثانية وأمام المجتمع في الدرجة الثالثة, وسوف يتضح ما أقصده من هذا التعريف بالتحديد خلال عرضي لجوانب هذا الموضوع بصورة متكاملة.
أما الأساس الذي تقوم عليه المسئولية فهو أهلية الشخص المسئول للقيام بالمسئوليات التي يتحملها ويلتزم بها سواء كان بإلزام أم بالتزام: وهذا يقتضي توافر الشروط الآتية في الشخص المسئول وهي: أن يكون واعياً لطبيعة ذاته ولسلوكه وأهدافه ونتائج تصرفاته مما يعود على نفسه أو على غيره من نفع أو ضرر إن عاجلاً أو آجلاً، وأن تكون له حرية الإرادة والاختيار والتصرف فيما يختاره، وأن يكون مستطيعاً للقيام بمسئولياته.
стр. 292
وهذه الشروط مجتمعة تعد أساس المسئولية ولا يمكن الاستغناء عن أي واحد منها؛ ذلك أن المسئول إذا لم يكن واعياً بذاته ومقاصده من أفعاله وما سينجم عنها فلا معنى لجعله مسئولا عن تصرفاته؛ ولهذا لم يجعل الإسلام الحيوانات مسئولة، ولم يجعل كذلك الأطفال الصغار مسئولين عن تصرفاتهم، كذلك متى لم يكن المرء حراً في إرادته واختياره وتصرفاته فلا معنى عندئذ لجعله مسئولا عن أعماله.
ومن الظلم تكليف إنسان بأعمال لا يستطيع تحمل أعبائها والقيام بها، وإذا كانت هذه الشروط كلها ضرورية فهي ضرورية أيضاً من حيث اتصال بعضها ببعض، فإنه لا يعقل أن يحاسب كائن عن عمل لا يستطيع اختيار غيره أو يستطيع الاختيار ولكنه لا يستطيع تنفيذ ما يختاره أو كان لا يعرف طبيعة الأعمال المختارة أهي خير أم شر وأنه مطالب بالخير ومنهي عن الشر.
لكن هل تتوافر هذه الشروط في الكائنات الأرضية جميعاً؟ إنها لا تتوافر إلا في الإنسان، وإذا كان بعض الباحثين يدعي وجود هذه الشروط إلى حد ما لدى بعض الحيوانات الراقية مثل الشمبانزي مثلاً، إلا أنه مهما ادعى هؤلاء وجود التشابه بينه وبين الإنسان في بعض الظواهر السلوكية، فإن هناك مسافة واسعة بينهما لا يمكن أن يملؤها ببعض درجات السلوك المتشابهة، كذلك لا يستطيعون أن يقربوا بينهما عن طريق نظرية التطور أو تفسير سلوك الأعقد بالأبسط أو المخلوق المعقد بالمخلوق الساذج, وأظن أننا لا نحتاج الآن إلى الاستدلال على توافر تلك الشروط في الكائن الإنساني بعد أن بينا في الموضوعات السابقة وجود الوعي والعقل وحرية الإرادة والاختيار، والاستطاعة لتنفيذ الاختيارات فيه.
стр. 293
إذن فما نقوله هنا ليس مجرد دعوى لتبرير المسئولية الأخلاقية التي تحملها الإنسان بإلزام والتزام وعن جدارة ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ ١، وهذه الآية توجهنا إلى فهم طبيعة التفكير الأخلاقي في الإسلام وطبيعة موقف الإنسان من الأخلاق، لذا يجدر بنا أن نقف عندها وقفة قصيرة لإبراز أهم ما تحمل من المفاهيم الهامة, فمن هذه المفاهيم: مفهوم الأمانة الذي حددته الآية السابقة لها وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً, يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ ٢، فالأمانة إذن هي الصدق في الكلام، والعمل الصالح الخير وأن يتم هذا وذاك بروح الطاعة والتقوى لله.
إذن المراد من الأمانة باختصار الأخلاق؛ لأن الأخلاق ليست أكثر -في مجملها- من الصدق في الأقوال كلها والعمل الصالح في السلوك كله. وأن يكون كل ذلك بروح الطاعة لله وعلى أنه مكلف بها من قبله تعالى, والمراد من السموات والأرض والجبال هو أهلها، مثل: "واسأل القرية" والمراد من الحمل قبول القيام بهذه التكاليف وعدم الخروج عليها ثم تحمل مسئولياتها في الحالتين معا, وسبب إشفاق أهل السموات والأرض هو المسئوليات الكبيرة التي تترتب على قبول هذه الأمانة والعذاب الشديد الذي يعاقب به من يخونها ولا يؤديها، أما الإنسان لعدم خوفه من تجرع الظلم ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ ٣، ولقلة علمه بكل ما يترتب على مخالفته للأمانة ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ٤، وعدم خوفه من تعدي حدود معرفته وارتياده ميادين الجهل لكل
стр. 294
هذه الصفات الطبيعية فيه قبل هذه الأمانة الثقيلة بشجاعة, وإن كانت هذه الشجاعة ناتجة عن ضعف الشعور بالخوف من عواقب الخيانة وعن جهله بها؛ لأن الجاهل أشجع من العالم كما يقولون, وقد قدر الله للإنسان هذه الشجاعة وجعله خليفته في الأرض لتنفيذ هذه الأمانة في نفسه وفي غيره ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ ١, ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ ٢.
ولما أعلن الله هذا النبأ للملائكة تعجبوا كيف يجعل الله هذا المخلوق الذي سيخون الأمانة ويملأ الأرض فساداً وظلماً خليفة له، ولم يخلف الملائكة وهي أعلم من الإنسان وأكثر تقديساً وتعبداً ولا يفسقون ولا يظلمون ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣, ولكن الله كان يعلم أن من الناس من يصبح أفضل من الملائكة بالعلم والعبادة، وأن الإنسان بالرغم من الشهوات الجامحة التي ركبت فيه فإن له قدرة على معرفة الله، وعبادته كالملائكة، وأن من الناس من يصبح كالشيطان المارد يفسد ويفسق ويملأ الأرض ظلماً وعدواناً؛ وذلك كله ليجزي أولئك ويعاقب هؤلاء؛ ولهذا قال تعالى عقب تحمل الإنسان للأمانة: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ ٤.
وبعد تحديد معنى المسئولية وأساسها وشروط الكائن المسئول ننتقل إلى تحديد مجالها وأبعادها.
стр. 295
ثانياً: مجال المسئولية وأقسامها وأبعادها
أما مجال المسئولية فالحياة كلها مجال المسئولية, والمسئولية عموماً تنقسم إلى قسمين: مسئولية فردية وأخرى غيرية أو اجتماعية.
أما المسئولية الأولى فلها مجالان: المجال الداخلي والمجال الخارجي الظاهري. فالأول مسئولية الإرادة والقصد والتصميم، فليس من الضروري العمل المادي الظاهر ليكون الإنسان مسئولاً، بل إن العزم على فعل شيء كافٍ لتحمل مسئوليته إن خيراً فخير وإن شراً فشر ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ ١, ولهذا فمن عزم على فعل شيء ثم لم يستطع تنفيذه لمانع خارجي أو لجهله بطريق التنفيذ يكون كأنه قد نفذه بالفعل٢، وكذلك إذا ترك فعلا بالإرادة، فإذا ترك مثلا ارتكاب الحرام لدافع أو لعزم خوفاً من الله وإطاعة أمره يكتب له حسنة وبعد ذلك له عملاً خيراً؛ لأن الترك فعل أيضاً؛ فالفعل إما يكون إيجاباً وإما سلباً. مصداق ذلك قول الرسول راوياً عن ربه: "إن الله كتب الحسنات والسيئات, ثم بين ذلك فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له حسنة كاملة فإن همَّ بها وعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له حسنة كاملة فإن هو همَّ بها وعملها كتبها الله سيئة واحدة" ٣
стр. 296
وقال أيضاً راوياً عن ربه: "إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة, وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة" ١ فإن قوله وإن تركها من أجلي دليل لما نقول.
ولكن لا يجب أن نفهم من هذا الذي أراد السيئة وأصر عليها ولم يستطع تنفيذها لمانع ما أنه يعفى من المسئولية، فهناك فرق بين نية لم تحصل محاولة لتنفيذها، ونية حصلت محاولة ولم تنجح ولهذا قال الرسول ﷺ : "إذا التقى مسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" ٢, وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ﴾ ٣، والإثم الباطن هو النية على فعل الجريمة.
ولا يدخل في نطاق هذه المسئولية ما يقع في قلب الإنسان من خطرات الخير ووساوس الشر، أو بتعبير آخر حديث النفس؛ ولهذا قال الرسول عندما أسرع الصحابة بعد سماع الآية السابقة إليه وقالوا: أنكون مسئولين حتى عن وسوسة النفس: "إن الله تجاوز عن أمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم" ٤, ونزل قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ٥؛ لأن الإنسان لا يستطيع دفع هذه الوساوس ولا تدخل في نطاق الإرادة.
стр. 297
ونرى هنا أن الإسلام يختلف في نظرته إلى المسئولية عن كثير من المذاهب الأخلاقية وعن نظرة القوانين الوضعية ذلك أن نظرة هذه المذاهب والقوانين لا تجعل مجال الإرادة الداخلية ما لم تنفذ في العمل الخارجي مجال المسئولية إطلاقاً.
كما تختلف عن نظرة بعض الأديان السابقة على الإسلام التي كانت تعتبر الإنسان مسئولا عما تتحدث به نفسه كما يفهم ذلك من آخر الآية السابقة ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ ١.
أما المجال الظاهري للمسئولية فهو السلوك المادي المحسوس سواء أكان كاملاً أو فعلا بشرط أن يكون ناتجاً عن قصد واختيار ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ ٢, وفي آية أخرى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ٣، وقال الرسول ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" ٤.. وبناء على ذلك فلا يكون الإنسان مسئولا عن سلوكه الناتج عن إكراه واضطرار، ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٥, ﴿فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ٦، وكذلك السلوك الناتج عن الخطأ والنسيان ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ٧، ويدخل في هذا المجال أيضاً سلوك النائم والمجنون والصبي فقد قال الرسول ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ وعن المبتلى حتى يبرأ وعن الصبي حتى يكبر" ٨. وفي رواية أخرى: "وعن الصبي حتى يحتلم"، وفي رواية ثالثة: "حتى يشب" ٩.
стр. 298
ثالثاً: أبعاد قياس المسئولية الأخلاقية:
ثم إن السلوك المسئول عنه له بعدان: البعد المادي، والبعد النفسي أو الوجداني.
ففي البعد الأول ننظر إلى مدى ما يترتب على السلوك فعلاً كان أو كلاماً من نفع أو ضرر ومن آثار تتبعه وتنشأ عنه مهما طال الزمن؛ لأن الفعل يصبح كائناً موجوداً أو مولوداً للإنسان قد يعيش أكثر من صاحبه، ومن هنا قال الرسول- ﷺ : "من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء" ١, وقال أيضاً: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه ولا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً" ٢، وقال "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له" ٣، وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ ٤، وقال الرسول ﷺ : "ما من رجل ينعش بلسانه حقاً فيعمل به من بعده إلا جرى عليه أجره يوم القيامة ثم وفاه الله أجره يوم القيامة" ٥.
стр. 299
وفي البعد الثاني ننظر في قياس المسئولية إلى مدى ما يتخذ الفعل من القداسة أو البشاعة في أعماق قلوب الناس، فالقتل مثلا أبشع من السرقة والتضحية بالنفس من أجل الدفاع عن الإسلام أقدس من التضحية بالمال من أجل الغرض نفسه، ثم إن العمل نفسه يتغير بحسب الصورة التي يتم فيها، فالقتل عن طريق تقطيع الأجزاء أبشع من القتل ضرباً بالرصاص، والحرق بالنار أبشع من الطعن بالسكين، ولهذا قال الرسول ﷺ : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته" ١, ونهى الرسول ﷺ : "عن القتل بالنار والقتل بالمُثْلَة" ٢, أياً كان المقتول إنساناً أم حيواناً, وكذلك الاستشهاد بعد القيام بأعمال بطولية من ثبات وشجاعة في أشد الأزمات أكثر قداسة من مجرد الاستشهاد دون أي إبداء لأعمال بطولية وهكذا.
وهكذا قسم الإسلام الأعمال الأخلاقية بحسب المسئوليات, فقسم الواجبات إلى واجب عيني وكفائي ومندوب, وقسم المنهيات إلى كبائر وصغائر وإلى محرم ومكروه، فقال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ٣ نرى إذن: ليست المسئولية كلها في درجة واحدة لا من حيث النفع والضرر ولا من حيث ما يثير في النفوس من تقبل واشمئزاز ولا من حيث الموضوعات التي تتعلق بها أو التي تترتب عليها من خير أو شر على مر الزمان.
стр. 300
ومن ثم نستطيع تحديد مجال المسئوليات الفردية بوجه عام بأن الحياة كلها مجال المسئوليات الأخلاقية، والإنسان مسئول فيها عن كل تصميم وسلوك صادر عن قصد واختيار يتصل بحسن أو قبح وبخير أو بشر سواء كان إيجابياً أو سلبياً. وكل فرد تتوافر فيه شروط المسئولية مسئول عن سلوكه في إطار مجاله الشخصي وفي إطار مجاله الوظيفي, ولهذا قال الرسول ﷺ : "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته والأمير راعٍ ومسئول عن رعيته والرجل راعٍ على أهل بيته والمرأة راعية على بيت زوجها وولده فكلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته" ١، ولقد حدد الرسول عما يسأل عنه الإنسان فقال: "لا تزال قدما ابن آدم يوم القيامة عند ربه حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وماذا عمل فيما علم" ٢, هذا هو مجال الفرد عن نفسه وسلوكه درجة ونوعا.
أما القسم الثاني من المسئولية وهو المسئولية عن سلوك الغير ففي هذه النقطة شيء من التعقيد والغموض وقد يبدو لبعض الناس أنه أمر غير عادل، وقد يبدو أيضاً أن هذا الأمر يتعارض مع بعض المبادئ الأخرى التي تقرر مسئولية الإنسان عن نفسه فقط, ولهذا يحتاج هذا الموضوع إلى شيء من التأمل والفحص حتى ينجلي الغموض ويزول التعارض.
وإذا نظرنا إلى الاتجاهات الأخلاقية والقانونية في هذه المسألة وجدنا اتجاهين بارزين أحدهما: اتجاه فردي يرى أن الفرد ليس مسئولاً إلا عن سلوكه
стр. 301
الخاص، وثانيهما اتجاه جماعي يرى مسئولية الجماعة عن سلوك الأفراد ومسئولية الفرد عن سلوك غيره، وبالرغم من هذا الاختلاف بين الاتجاهين من الوجهة النظرية عموماً، فبينهما بعض التقارب من الوجهة العملية وفي بعض الأمور الجزئية، ذلك أن الاتجاه الأول بالرغم من دعواه الفردية فإنه من الوجهة العملية قد قرر المسئولية الغيرية في بعض الجرائم مثل جريمة القتل في بعض الحالات والظروف الخاصة.
كما أن الاتجاه الثاني بالرغم من دعواه الجماعية في المسئولية فإنه لا يجعل الجماعة مسئولة عن كل سلوك الفرد بل يقصرها على بعض الأفعال والجرائم١.
وأما عن وجهة نظر الإسلام فإنا نجد نصوصاً تقرر المسئولية الفردية بصورة مطلقة كأن الفرد مسئول عن نفسه فقط، فقال تعالى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ٢, ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ٣، لكن نجد أيضاً نصوصا تقرر مسئولية الفرد عن سلوك غيره، من هذه النصوص قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ٤، ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ٥، وقال الرسول ﷺ -بعد ما تلا قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ, كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ٦: "كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد
стр. 302
الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً ولتقصرنه على الحق قصراً أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم" ١، وقال الرسول ﷺ أيضاً: "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم"، وقال أيضاً: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم" ٢، وسألت زينب بنت جحش النبي- ﷺ فقالت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ فقال: "نعم إذا كثر الخبث" ٣، وقال أيضا: "مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً" ٤, وقال: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" ٥, وقد حدد الرسول إنكار المنكر بالقلب بمقاطعة الفاسق بعدم التسليم عليه وعدم التعامل معه كما فعل مع الذين تخلفوا عن الحرب٦ وقال: "تقربوا إلى الله ببغض أهل المعاصي وأَلْقَوْهم بوجوه مكفهرة والتمسوا رضا الله بسخطهم وتقربوا إلى الله بالتباعد منهم" ٧.
стр. 303
فإذا تأملنا في هذه النصوص وغيرها التي تثبت مسئولية الإنسان عن الغير وجدنا أن هذه المسئولية باعتبار جزائها المترتب عليها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
стр. 304
رابعاً: أقسام المسئولية بحسب جزاءاتها:
القسم الأول: يعاقب المسئول في الدنيا فقط، وذلك إذا ترك مقاومة الفساد لا رغبة في انتشاره ولكن لضعفه أو لعجزه عن المقاومة والعقاب, في هذه الحالة إما أن يرجع إلى العقاب الطبيعي؛ لأن انتشار الفساد في المجتمع لا بد من أن يصيبه إذا عم وانتشر ولا بد من أن يرى الضرر من انتشاره، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ ١، وقال الرسول ﷺ : "إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى تكون العامة تستطيع أن تغير على الخاصة، فإذا لم تغير العامة على الخاصة عذب الله العامة والخاصة" ٢, وإما أن يرجع إلى العقاب الإلهي فإن الله إذا رأى انتشار الفساد في أمة يعاقب هذه الأمة ويعم عقابه الصالحين أيضاً، عقاباً على تركهم مقاومة الفساد، أما إذا كانوا عاجزين عن المقاومة تماماً فلا يعاقبون في الآخرة، مصداق ذلك قول الرسول: "إذا أنزل الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم" ٣، وللصالح أجر ما أصابه في الدنيا, وقال الرسول ﷺ : "إذا خفيت الخطيئة لا تضر إلا صاحبها وإذا ظهرت فلم تغير ضرت العامة" ٤، وقال: "إذا ظهر السوء فلم ينهوا عنه أنزل الله بهم بأسه, قيل: وإن كان فيهم الصالحون, قال: نعم, يصيبهم ما أصابهم ثم يصيرون إلى مغفرة الله ورحمته" ٥.
стр. 305
الثاني: يعاقب المسئول في الدنيا والآخرة، وذلك إذا توانى عن مقاومة الفساد لإرادته الفساد، وإن لم يكن مريداً للفساد وتوانى عن المقاومة لكسل أو لعدم الاهتمام، فالأول يعاقب لسوء نيته من جهة ولتركه أمر الله في مقاومة الفساد من جهة أخرى، وأما الثاني فلتركه الواجب وهو مقاومة الفساد؛ لأنه أمر إلهي وهو واجب هام من الواجبات الأخلاقية الإسلامية، وقد قال الرسول ﷺ : "ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون أن يغيروا عليه فلا يغيروا إلا أصابهم الله بعقاب من قبل أن يموتوا" ١، وقال أيضاً: "إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها، كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كمن شهدها" ٢.
الثالث: تعتبر مسؤولية فردية من جهة ومسئولية غيرية من جهة أخرى وهي المسئولية الناتجة عن إضلال الإنسان غيره بآرائه وتوجيهاته فيتبع الآخر آراءه وطريقته فهو المسئول في هذه الحالة عن إضلاله كسلوك ناتج عن نفسه ومسئول أيضاً عن حياة الآخر وكل عمل قام به هذا الآخر نتيجة تأثره بالأول، فالأول مسئول في هذه الحالة عن ذنوب الآخر كمسئولية الآخر عن هذه الذنوب ولكن مسئولية كل واحد من جهة أخرى، فالأول يتحمل تبعة إضلاله والآخر يتحمل تبعة اتباعه الضلال وفعله الجرائم، ومن هنا قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ ٣.
وتحمل الإنسان مسئولية سلوك الغير في هذا الإطار ليس فيها أي غرابة
стр. 306
في التفكير الأخلاقي؛ ذلك أن الإنسان ليس مسئولا فقط عن فعل الشر، بل هو مسئول أيضاً عن دفع الشر؛ لأن هدف الأخلاق تحقيق السعادة، والسعادة لا تتحقق إلا بإنقاذ الإنسان من الشر أولا ثم تحقيق الخيرات له ثانياً, وإنقاذ الإنسان من الشر لا يتم إلا بالكف عن الشر ودفع الشر، ولذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من المبادئ الهامة للغاية في التفكير الأخلاقي في الإسلام، ثم إن هناك مسئولية أخرى لا يمكن يتحملها الإنسان، وهي أن يتحمل وزر الآخر بالقصد أو بالكلام كما قال الكفار للمؤمنين: اكفروا بمحمد فإننا نحمل عنكم وزر الكفر، ولهذا نزل قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ١.
كما أن المسلم إذا دعا الكافر إلى الإسلام فلم يؤمن ودعا المنحرف إلى الاستقامة فلم يستقم فلا يكون مسئولا عندئذ عن كفر الكافر ولا عن ضلال المنحرف، ولهذا قال تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ٢، ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ, لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ ٣.
لكن ينبغي أن نفرق هنا بين مسئولية المسلم عن ضلال الكافر وكفره، وبين مسئوليته عن فساد المسلم وانحرافه، فالمسئولية إزاء الكفر قاصرة على الدعوة والإرشاد فقط وليس عليه إكراههم على الإيمان ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ٤.
أما المسئولية إزاء فساد المسلم والمجتمع الإسلامي فالأمر يختلف؛ ذلك أن المسئولية هنا لا تقتصر على مجرد الدعوة والإرشاد بل تشمل أيضاً مقاومة
стр. 307
الفاسد وتغيير المنكر بكل الوسائل الممكنة والمشروعة فيجب أن يستخدم كل ما يملك من وسائل التغيير أما إذا كان لا يملك شيئاً فيجب أن تكون المقاومة بالقلب وذلك بمقاطعة المنحرف وعدم التعامل معه بأي صورة من صور التعامل, وهذا هو الإنكار بالقلب الذي جاء في الحديث وهو أضعف الإيمان.
بعد هذا العرض لفكرة المسئولية في الإسلام, يبدو لي أن ذلك الغموض والتعارض قد زالا عن وجه تلك النصوص تماماً. ونستخلص من ذلك أن الإنسان كائن مسئول قد تحمل مسئولية سلوكه الإرادي عن جدارة وأهلية وهذه المسئولية لها مستويات ودرجات تختلف بحسب اختلاف الأعمال والصورة التي تتم بها وبحسب الآثار المترتبة عليها من الناحيتين المادية والنفسية، ومسئولية الإنسان لا تقتصر على عمله النفسي والسلوكي، بل تتعداهما إلى مسئولية عن عمل غيره في إطار وحدود معينة, كما أن مسئوليته ليست قاصرة على المسئولية الدنيوية من حيث المكافأة والجزاء بل إن المسئولية الأساسية هي المسئولية الأخروية التي ينال فيها نتيجة مسئوليته بصورة عادلة.
стр. 308
الفصل السابع: إثبات الجزاء الأخلاقي
مدخل
...
الفصل السابع: إثبات الجزاء الأخلاقي
إذا كانت المسئولية هي نتيجة طبيعية للإلزام، فإن الجزاء نتيجة طبيعية لها، والجزاء من حيث إنه أساس أخلاقي له أهمية الأسس الأخرى، بل إن أهميته مزدوجة فهو مهم باعتباره دافعاً إلى التمسك بالقيم الأخلاقية، وهو مهم أن العدالة تقتضيه؛ لأنها تفرق بين إنسان يبني وآخر يهدم، بين إنسان يخدم الناس وآخر يقتل الناس، فالجزاء يقتضي العدالة والعدالة تقتضي الجزاء وهما يجعلان للأخلاق معنى وقيمة، وبدونهما تفقد الأخلاق معناها فتصبح أمراً لا قيمة له.
стр. 309
أنواع الجزاء الأخلاقي في الإسلام
مدخل
...
أولاً: أنواع الجزاء الأخلاقي في الإسلام
والجزاء الأخلاقي أنواع: منها الجزاء الإلهي والوجداني والطبيعي والاجتماعي، وسنتكلم عن كل واحد منها بالتفصيل. وهنا أحب الإشارة إلى نقطة وهي أننا بتقسيمنا هذا لا ندعي وجود حدود طبيعية حاسمة بين هذه الأنواع بل نرى بينها بعض الصلات المشتركة.
стр. 310
١- الجزاء الإلهي:
ينقسم هذا الجزاء بحسب النوع إلى ثواب وعقاب فالثواب في حالة الاستقامة والعقاب في حالة الانحراف.
وينقسم بحسب الوقت إلى دنيوي وأخروي وبحسب درجة المسئولية إلى قلة وكثرة، وإلى قطعي وغير قطعي.
هذه الأمور بوجه عام واضحة، وإذا كان هناك أمر يحتاج إلى الشرح فهو هذا التقسيم الأخير وهو الجزاء القطعي وغير القطعي وهنا أتعرض للنقط الأخرى،
стр. 311
ومعالجة هذه النقطة الأخيرة سوف تضطرني إلى التعرض للمذاهب الكلامية إلا أنني -لما لم أكن مقلداً لمذهب معين منها- فسوف أقتصر على بيان رأيي، خوف الإطالة بذكر آراء هذه المذاهب ومناقشتها.
ولا يهمني بعد ذلك أن يوافق رأيي مذهباً ما أم يخالفه، وقد أتفق مع مذهب في نقطة وأختلف معه في أخرى دون قصد مبيت للمخالفة.
فمن حيث الإثابة فقد قطع الله على نفسه بإثابة المحسن على إحسانه قليلا كان إحسانه أم كثيراً، ووعد الله حق لا يتخلف ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١، ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ ٢، ولا يكتفي بإثابة المحسن بقدر إحسانه بل يضاعفه إلى ما شاء الله ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ٣.
أما عقاب المسيء ففيه تفصيل؛ لأن هناك ذنوباً لا بد من أن يعاقب عليها صاحبها مثل: الكفر والإشراك بالله ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ٤، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٥.
ولا يغفر الله كذلك إذا كانت الإساءة إلى العباد؛ لأن هذا حق الناس لا حق الله في الدرجة الأولى، ولا يغفر الله ما للناس على الناس ولهذا قال الرسول ﷺ
стр. 312
: "من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم, إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه" ١، وقال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾ ٢.
وهناك مساوئ ترك الله غفرانها لمشيئته مثل: الكبائر في حق الله؛ لأنها دون الشرك إلا أن هذا ليس وعداً، ويدخل هذا في قوله تعالى: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ ٣، وهذه الآية مخصصة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ، وبناء على ذلك فلا يدخل الشرك في ضمن هذه الذنوب.
وهناك ذنوب صغيرة يسميها القرآن أحياناً بالسيئات وأحياناً أخرى بالصغائر وثالثة بالعصيان ورابعة باللمم، لقد وعد الله بغفرانها إذا تجنب صاحبها الكبائر فقال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ٤، ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ ٥.
وأخيراً هناك مسيء لا بد من أن يعاقب بناء على وعيده تعالى وهو الإنسان الذي قد أحاطت به خطيئاته بسبب استمراره على تعدي حدود الله وارتكابه كبائر الذنوب والفواحش مع عدم التوبة توبة نصوحاً أو تاب عندما احتضر، وقد سماهم القرآن وأمثالهم بالفجار ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ, وَإِنَّ الْفُجَّارَ
стр. 313
لَفِي جَحِيمٍ﴾ ١، ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّار﴾ ٢، ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٣، وإن كانت هذه الآية الأخيرة قد نزلت في حق اليهود فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
مصداق ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ ٤، ولا يخالف غفران الله بعض الذنوب قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه, وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه﴾ ٥؛ لأنه يعبر عن حالة الحساب في الآخرة فهناك حساب لكل عمل ولو كان مقدار ذرة، أما إذا غفر في هذه الحياة فلا يدخل في نطاق الحساب في الآخرة.
وبعد فهل غفران الله لبعض ذنوب المؤمنين أو كلها لأسباب داعية بناء على وعده بذلك يعتبر إخلافاً لوعده أو لوعيده وتبديلاً لكلامه كما يدعى بعض المتكلمين؟.
فقد رأينا المواضيع التي أوعد الله فيها بالعقاب والتي وعد فيها بالغفران والتي ترك فيها لنفسه حرية الاختيار بين عقاب إن لم يصدر من العبد ما يسبب الغفران، وبين الغفران إن صدر منه أسبابه.
وبناء على ذلك فليس هناك إخلاف للوعد ولا للوعيد بل كل ما فيها تنفيذ لما وعد ولما أوعد, وأخيراً تنفيذ لمشيئته المختارة, وبناء على ذلك فالجدال الطويل العريض الذي دار بين المتكلمين قد دار في فراغ لا على مادة حقيقية.
стр. 314
وفي ختام بيان الجزاء الأخروي نرى ضرورة التعرض لمسألة متصلة به وهي مدة الجزاء الأخروي, سواء كان نعيما أو عذاباً, لقد بين الله تعالى تلك المدة عندما ذكر جزاء السعداء والأشقياء فقال: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ, فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ, خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ, وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ ١، وبيَّن الله تعالى أن الذين يخلدون في العذاب الكفار ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٢، وأن الذين يخلدون في النعيم هم المؤمنون الصالحون فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلا, جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ ٣، أما المؤمن المجرم الذي يرتكب الكبائر فإنه في مشيئة الله إن شاء غفر له إذا تاب قبل موته وإلا عذبه بقدر ما يستحق من العذاب ولا يخلد في النار كالكفار؛ لأن رحمة الله تشمله لاعترافه بربوبيته ولهذا قال الرسول ﷺ : "أتاني جبريل فبشرني أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة" ٤، وهذا الحديث يخصص ما ورد من الآيات التي تنص بخلود أهل الكبائر, مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ٥.
стр. 315
وقد بينا سابقاً أن الله يمكن أن يغفر كل ذنب إلا ذنب الكفر والإشراك به، إذن يتبين لنا مما سبق أن هناك أمرين مقطوعاً بهما وهما أن الداخلين في الجنة يخلدون فيها وأن الكفار يخلدون في النار، لكن العلماء اختلفوا في خلود أهل النار وخاصة خلود الكفار أو دوام عذابهم إلى مالا نهاية, فمنهم من تأخذهم الرأفة مثل ابن عربي وغيره١ فيحاول إنقاذهم ومنهم من تأخذهم القسوة فيحاول إخلاد الكفار حتى أصحاب الكبائر في النار مثل: الخوارج والمعتزلة٢، وكل يحاول تأييد وجهة نظره بالأدلة العقلية والنقلية لكن في كلا الاستدلالين تغلبه إحدى النزعتين ويؤدي الأمر إلى الاقتصار على الأدلة المؤيدة لنزعته, ولو استعرضنا آراء هؤلاء وأدلتهم لطال بنا المقام ولهذا أرى أنه من الأولى أن اقتصر على بيان رأيي.
بعد أن استعرضت تلك النصوص الواردة في هذا الموضوع ودراستها دراسة مستقلة من غير أن أخضع لاتجاه معين، وجدت نصوصاً محكمة الدلالة واضحة المعنى وهي تؤيد الخلود, وقد قال الأصوليون إنه إذا ورد في قضية نص أو نصوص محكمة، ونصوص أخرى متشابهة نحكم بالمحكمة ونترك المتشابهة٣ عملاً بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ ٤.
ولا أريد هنا الإكثار من الآيات المحكمة التي تنص على الخلود مثل
стр. 316
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ , ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّار﴾ , ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ , ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ , فما ذكرته من النصوص حتى الآن يكفي في نظري.
وإنما أريد إزالة الشبهات والغموض أو أقلل منها؛ لأنها كانت سبباً للحيرة وللتأويلات البعيدة, فمن أسباب الشبهة ورود الاستثناء مباشرة بعد بيان خلود أهل النار. قالوا: إن وجود الاستثناء يدل على عدم أبدية النار أو عدم أبدية عذاب الكفار مع أن صيغة الاستثناء لا تفيد معنى الاستثناء دائماً, وكذلك صيغة المشيئة لا تفيد الاحتمال دائماً مثل: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ، وقد علم أنهم سيدخلونه, ولهذا قال القرطبي: إن الاستثناء في آية الفتح السابقة لا يوصف بمتصل ولا بمنقطع١، وفسر تلك الآية كالآتي "إنه لو شاء أن يخرجهم لأخرجهم ولكنه قد أعلمهم أنهم خالدون فيها". ويقول إن مثله كمثل قولك: "أردت أن أفعل ذلك إلا أن أشاء غيره وأنت مقيم على ذلك الفعل"٢.
ثم إننا إذا أخذنا وجود الاستثناء دليلا لانتهاء النار بعد أحقاب، فيجب أن نقول بانتهاء الجنة أيضاً؛ لأن الاستثناء نفسه ورد أيضاً بعد ذكر خلود أهل الجنة مباشرة كما جاء في آية الفتح السابقة.
ومن تلك الأسباب أيضاً منطق التفكير الخاطئ وهو أنهم يقولون: كيف يقع ذلك الخلود في النار لمجرد إنكار هؤلاء وجود الله وإذا كان تعذيبهم مدة تساوي مدة حياتهم في الدنيا فكيف يمكن أن يدخل في العدل الإلهي تعذيبهم
стр. 317
إلى الأبد فالعذاب أكثر من الذنب وقد وصف الله نفسه بالعدالة, وبناء على ذلك يحاولون تأويل الآيات والنصوص الواردة في هذا الموضوع ويحاولون تأييد تأويلاتهم بآية الرحمة ويقولون: إن الله تعالى وصف نفسه بالرحمة الشاملة لجميع خلقه بقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء﴾ ، مع أنهم ينسون بقية الآية وهي قوله تعالى: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ ١، إن رحمة الله تشمل كل من اعترف بربوبيته أما الذين لم يعترفوا به خالقاً ورباً وأنكروا وجوده بتاتاً فكيف ينتظرون الرحمة من الخالق المعدوم في نظرهم وإذا حرمهم هذا الخالق من رحمته فهل يمكن أن يوصف بأنه ظالم؟ فالخالق في نظرهم معدوم ورحمته كذلك معدومة لا ينالونها أبداً ماداموا في دار الجزاء أو الحياة الأخرى؛ لأن تلك الحياة مقابل لهذه الحياة ولا ينبغي أن ينتظروا الرحمة والنعمة ممن لم يعترفوا بوجوده.
ومن أسباب الحيرة والتشابه: اعتمادهم على بعض أقوال الصحابة وآرائهم الخاصة في خروج الكفار من النار, وبالرغم من وجود خلاف في صحة إسناد تلك الأقوال فإنهم يؤيدون آرائهم بأقوالهم.
ولنفرض صحة إسناد تلك الآراء إليهم فإن أقوال الصحابة لا تؤخذ بها إذا تعارضت مع النصوص القطعية؛ لأنها ظنية٢ والنصوص الأخرى من الآيات والأحاديث قطعية كالآيات التي ذكرناها، وكقول الرسول عندما دعا قومه إلى الإسلام: "والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون ولتحاسبن بما
стр. 318
تعملون ولتجزون بالإحسان إحساناً وبالسوء سوءاً وإنها للجنة أبداً أو النار أبداً" ١, وقال أيضاً: "إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار ينادي منادٍ: يا أهل الجنة لا موت ويا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم" ٢.
تبقى بعد ذلك نقطة أخيرة وهي معنى الخلود يقول بعضهم: إن معناه مدة حياة الدنيا؛ لأن الله وصف الخلود بدوام السماء والأرض وهذا تعبير عن مدة حياة الدنيا، ويقول بعضهم الآخر إن المراد دوام سموات وأرض الجنة والنار، ودوام السموات والأرض تعبير يستعمل في اللغة العربية لإفادة الدوام والأبدية، وبناء عليه فالجنة والنار أبديتان٣.
لكن الخلود قد يفيد معنى الدوام على نوع من الحياة وقد جاء هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ ٤، كما يفيد معنى الخلود البقاء مدة الحياة جاء هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ ٥، وقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ, يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ ٦.
ومن كل ما سبق يبدو لي أن معنى خلود الكفار في النار وخلود أهل الجنة في الجنة هو مدة دوام حياة الجنة والنار أو مدة دوام الجزاء وهي الحياة الأخرى.
لكن لا نستطيع أن نحدد مدة هذه الحياة عن طريق النصوص الواردة- في هذا الشأن- تحديداً زمنياً؛ لأن الآخرة لا تقاس بالدنيا، ولا نستطيع أن نؤكد عن
стр. 319
طريق النصوص أن لتلك الحياة نهاية أو لا نهاية لها، أو أن هناك حياة أخرى بعد تلك الحياة؛ لأنه لا توجد هناك نصوص صريحة في هذا الشأن, لكن لا نستبعد أن تكون لتلك الحياة نهاية؛ لأن الله تعالى ترك لنفسه المشيئة بعد ذكر الخلود, وهذا يمكن أن يفيد أنه إذا أراد أن يمد مدة تلك الحياة إلى ما يشاء أو أن ينهيها أو يبدلها بعد انتهاء مدتها له أن يفعل؛ لأنه فعال لما يريد قادر على كل شيء وأنه إذا قال: كن فيكون.
لكن لا يحق لنا القول بأن للنار نهاية وليست للجنة نهاية؛ لأننا إذا قلنا: إن المراد من الاستثناء هنا معناه الحقيقي فإنه قد ورد في كلا الطرفين، كما أن معنى التأبيد قد ورد كذلك في كلا الطرفين أو الحياتين مثل قوله تعالى في حق أهل النار: ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ ١، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً, إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ ٢، وقال تعالى في حياة أهل الجنة: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ ٣، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ٤، ثم إن كلمة التأبيد لا تدل دائماً على اللا نهاية في الزمن بلا تدل أحياناً على نهاية زمن ما والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً﴾ ٥، ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً﴾ ٦، فإنها تدل هنا على عدم وجود الهداية إلى نهاية حياتهم الدنيا، إذن لا يحق لهؤلاء أن يجعلوا للنار أو لأهلها نهاية دون الجنة وأهلها، فذلك ترجيح بلا مرجح.
والآن في ضوء هذه الفكرة نستطيع تفسير جميع النصوص الواردة في هذا
стр. 320
الشأن تفسيرا يخضع للمنطق واللغة، فنقول مثلا في تفسير قوله تعالى في حق أهل النار: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ , لا يخرجون من النار مدة دوام النار أو حياة الآخرة وكذلك أهل الجنة فهم خالدون فيها مدة دوام الحياة الآخرة أو مدة دوام دار الجزاء دون القول بانتهاء إحدى الدارين أو كليهما؛ لأن الأمر في ذلك متروك لله يفعل في ملكه ما يشاء وهو على ذلك لقدير.
وما يهمنا هنا هو أن نعرف أن هناك دارا للجزاء يجازى فيها كل واحد بما عمل من خير أو شر في هذه الحياة الدنيا، وأن الكافر يجازى أسوأ الجزاء مدة دوام دار الجزاء تلك، وكذلك المؤمن الصالح يجازى أحسن الجزاء مدة دوام دار النعيم أو الجنة أو بتعبير آخر فكل واحد منهما خالد في داره أو جزائه ما دامت الجنة والنار.
هذا فيما يتعلق بالجزاء الأخروي، لكن جزاء الله لا يقتصر على الآخرة بل يكون في الدنيا أيضا وإن كان الأول هو الجزاء الكامل القطعي، أما الأخير فإنه قد يكون مكافأة للمحسنين ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ١، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ ٢، ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِم﴾ ٣، وقد يكون عقابا للمسيء ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَاراً﴾ ٤، ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي