← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11293

علم الأخلاق الإسلامية

مقداد يالجن

Полный текст (524 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ , ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّار﴾ , ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ , ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ , فما ذكرته من النصوص حتى الآن يكفي في نظري. وإنما أريد إزالة الشبهات والغموض أو أقلل منها؛ لأنها كانت سبباً للحيرة وللتأويلات البعيدة, فمن أسباب الشبهة ورود الاستثناء مباشرة بعد بيان خلود أهل النار. قالوا: إن وجود الاستثناء يدل على عدم أبدية النار أو عدم أبدية عذاب الكفار مع أن صيغة الاستثناء لا تفيد معنى الاستثناء دائماً, وكذلك صيغة المشيئة لا تفيد الاحتمال دائماً مثل: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ، وقد علم أنهم سيدخلونه, ولهذا قال القرطبي: إن الاستثناء في آية الفتح السابقة لا يوصف بمتصل ولا بمنقطع١، وفسر تلك الآية كالآتي "إنه لو شاء أن يخرجهم لأخرجهم ولكنه قد أعلمهم أنهم خالدون فيها". ويقول إن مثله كمثل قولك: "أردت أن أفعل ذلك إلا أن أشاء غيره وأنت مقيم على ذلك الفعل"٢. ثم إننا إذا أخذنا وجود الاستثناء دليلا لانتهاء النار بعد أحقاب، فيجب أن نقول بانتهاء الجنة أيضاً؛ لأن الاستثناء نفسه ورد أيضاً بعد ذكر خلود أهل الجنة مباشرة كما جاء في آية الفتح السابقة. ومن تلك الأسباب أيضاً منطق التفكير الخاطئ وهو أنهم يقولون: كيف يقع ذلك الخلود في النار لمجرد إنكار هؤلاء وجود الله وإذا كان تعذيبهم مدة تساوي مدة حياتهم في الدنيا فكيف يمكن أن يدخل في العدل الإلهي تعذيبهم

стр. 317

إلى الأبد فالعذاب أكثر من الذنب وقد وصف الله نفسه بالعدالة, وبناء على ذلك يحاولون تأويل الآيات والنصوص الواردة في هذا الموضوع ويحاولون تأييد تأويلاتهم بآية الرحمة ويقولون: إن الله تعالى وصف نفسه بالرحمة الشاملة لجميع خلقه بقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء﴾ ، مع أنهم ينسون بقية الآية وهي قوله تعالى: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ ١، إن رحمة الله تشمل كل من اعترف بربوبيته أما الذين لم يعترفوا به خالقاً ورباً وأنكروا وجوده بتاتاً فكيف ينتظرون الرحمة من الخالق المعدوم في نظرهم وإذا حرمهم هذا الخالق من رحمته فهل يمكن أن يوصف بأنه ظالم؟ فالخالق في نظرهم معدوم ورحمته كذلك معدومة لا ينالونها أبداً ماداموا في دار الجزاء أو الحياة الأخرى؛ لأن تلك الحياة مقابل لهذه الحياة ولا ينبغي أن ينتظروا الرحمة والنعمة ممن لم يعترفوا بوجوده. ومن أسباب الحيرة والتشابه: اعتمادهم على بعض أقوال الصحابة وآرائهم الخاصة في خروج الكفار من النار, وبالرغم من وجود خلاف في صحة إسناد تلك الأقوال فإنهم يؤيدون آرائهم بأقوالهم. ولنفرض صحة إسناد تلك الآراء إليهم فإن أقوال الصحابة لا تؤخذ بها إذا تعارضت مع النصوص القطعية؛ لأنها ظنية٢ والنصوص الأخرى من الآيات والأحاديث قطعية كالآيات التي ذكرناها، وكقول الرسول عندما دعا قومه إلى الإسلام: "والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون ولتحاسبن بما

стр. 318

تعملون ولتجزون بالإحسان إحساناً وبالسوء سوءاً وإنها للجنة أبداً أو النار أبداً" ١, وقال أيضاً: "إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار ينادي منادٍ: يا أهل الجنة لا موت ويا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم" ٢. تبقى بعد ذلك نقطة أخيرة وهي معنى الخلود يقول بعضهم: إن معناه مدة حياة الدنيا؛ لأن الله وصف الخلود بدوام السماء والأرض وهذا تعبير عن مدة حياة الدنيا، ويقول بعضهم الآخر إن المراد دوام سموات وأرض الجنة والنار، ودوام السموات والأرض تعبير يستعمل في اللغة العربية لإفادة الدوام والأبدية، وبناء عليه فالجنة والنار أبديتان٣. لكن الخلود قد يفيد معنى الدوام على نوع من الحياة وقد جاء هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ ٤، كما يفيد معنى الخلود البقاء مدة الحياة جاء هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ ٥، وقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ, يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ ٦. ومن كل ما سبق يبدو لي أن معنى خلود الكفار في النار وخلود أهل الجنة في الجنة هو مدة دوام حياة الجنة والنار أو مدة دوام الجزاء وهي الحياة الأخرى. لكن لا نستطيع أن نحدد مدة هذه الحياة عن طريق النصوص الواردة- في هذا الشأن- تحديداً زمنياً؛ لأن الآخرة لا تقاس بالدنيا، ولا نستطيع أن نؤكد عن

стр. 319

طريق النصوص أن لتلك الحياة نهاية أو لا نهاية لها، أو أن هناك حياة أخرى بعد تلك الحياة؛ لأنه لا توجد هناك نصوص صريحة في هذا الشأن, لكن لا نستبعد أن تكون لتلك الحياة نهاية؛ لأن الله تعالى ترك لنفسه المشيئة بعد ذكر الخلود, وهذا يمكن أن يفيد أنه إذا أراد أن يمد مدة تلك الحياة إلى ما يشاء أو أن ينهيها أو يبدلها بعد انتهاء مدتها له أن يفعل؛ لأنه فعال لما يريد قادر على كل شيء وأنه إذا قال: كن فيكون. لكن لا يحق لنا القول بأن للنار نهاية وليست للجنة نهاية؛ لأننا إذا قلنا: إن المراد من الاستثناء هنا معناه الحقيقي فإنه قد ورد في كلا الطرفين، كما أن معنى التأبيد قد ورد كذلك في كلا الطرفين أو الحياتين مثل قوله تعالى في حق أهل النار: ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ ١، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً, إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ ٢، وقال تعالى في حياة أهل الجنة: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ ٣، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ٤، ثم إن كلمة التأبيد لا تدل دائماً على اللا نهاية في الزمن بلا تدل أحياناً على نهاية زمن ما والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً﴾ ٥، ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً﴾ ٦، فإنها تدل هنا على عدم وجود الهداية إلى نهاية حياتهم الدنيا، إذن لا يحق لهؤلاء أن يجعلوا للنار أو لأهلها نهاية دون الجنة وأهلها، فذلك ترجيح بلا مرجح. والآن في ضوء هذه الفكرة نستطيع تفسير جميع النصوص الواردة في هذا

стр. 320

الشأن تفسيرا يخضع للمنطق واللغة، فنقول مثلا في تفسير قوله تعالى في حق أهل النار: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ , لا يخرجون من النار مدة دوام النار أو حياة الآخرة وكذلك أهل الجنة فهم خالدون فيها مدة دوام الحياة الآخرة أو مدة دوام دار الجزاء دون القول بانتهاء إحدى الدارين أو كليهما؛ لأن الأمر في ذلك متروك لله يفعل في ملكه ما يشاء وهو على ذلك لقدير. وما يهمنا هنا هو أن نعرف أن هناك دارا للجزاء يجازى فيها كل واحد بما عمل من خير أو شر في هذه الحياة الدنيا، وأن الكافر يجازى أسوأ الجزاء مدة دوام دار الجزاء تلك، وكذلك المؤمن الصالح يجازى أحسن الجزاء مدة دوام دار النعيم أو الجنة أو بتعبير آخر فكل واحد منهما خالد في داره أو جزائه ما دامت الجنة والنار. هذا فيما يتعلق بالجزاء الأخروي، لكن جزاء الله لا يقتصر على الآخرة بل يكون في الدنيا أيضا وإن كان الأول هو الجزاء الكامل القطعي، أما الأخير فإنه قد يكون مكافأة للمحسنين ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ١، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ ٢، ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِم﴾ ٣، وقد يكون عقابا للمسيء ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَاراً﴾ ٤، ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي

стр. 321

الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ، فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ ١, ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ٢. وقد يكون عقابا على عدم مقاومة الفساد وقد بيناه في المسئولية: كيف أن الله يعاقب الذين يرون الفساد ولا يقاومونه ... فقال الرسول ﷺ : "ما من رجل يكون في قومه يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون أن يغيروا عليه، فلا يغيروا إلا أصابهم الله بعقاب من قبل أن يموتوا" ٣. ولقد كانت سنة الله في الذين خلوا أنهم كانوا إذا فسدوا أهلكهم الله، ولقد ضرب لهذه الألوان من الإهلاك والعذاب أمثلة مختلفة منها قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً﴾ ٤, ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ ٥, ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ, وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ ٦. ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾ ٧، ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِين﴾ ٨.

стр. 322

٢- الجزاء الوجداني: وأما الجزاء الوجداني فهو تلك الحركة الشعورية التي نحس بها في أعماق قلوبنا بالفرح أو التأنيب بعد كل فعل مباشرة نعتقد أنه فعل حسن أو قبيح. هذا الشعور أو الإحساس المتحرك الذي يجيش في نفوسنا يختلف درجة من فرد إلى آخر بحسب الاستعداد الفطري أو الوراثي والتربية الأخلاقية وصفاء الضمير ونظافته وإيمانه بموافقة ذلك العمل لإرادة الله أو مخالفته لها. ولعل هذا هو المعنى الذي أشار إليه الرسول عندما عرَّف البر والإثم فقال: "البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس" ١, وفي رواية أخرى: "البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس" , وفي رواية ثالثة: "البر ما انشرح له صدرك والإثم ما حاك في صدرك وإن أفتاك الناس" ٢. فالوجدان أو الضمير يعتبر محكمة عدل مباشرة لا تحتاج إلى شاهد ولا قاضٍ يخبرك بخيرية الفعل أو شريته قبل الفعل ويجزيك بالسرور إن كان فعلا حسنا وبالوخز والألم إن كان شرا. إن قيمة هذا الجزاء أكثر تأثيرا من قيمة الجزاء المادي؛ لأن هذا الأخير وقتي وقد يصيب ويخطئ وقد يكون مكافئا للعمل أو لا يكون، أما الأول فهو مصيب مستمر؛ ولهذا قال علماء علم النفس: إن المجرمين تحت عقاب مستمر وإن نجوا

стр. 323

من العقاب القانوني أو انتهوا منه.. يقول الدكتور "عادل العوا": "أما عذاب الوجدان أو وخز الضمير وتأنيبه فهو ألم معنوي ينتج عن تصور شر وقع والإنسان مسئول عنه إنه هو الذكرى التي تعض قلب المجرم ولا تفارقه ليل نهار"١، وهذا حق، ذلك أن المجرم لا يخلو من إحدى الحالتين الآتيتين؛ لأنه إما أنه لم تتكشف جريمته بعد أو عرفت لدى الآخرين. ففي الحالة الأولى تعتريه ثلاث حالات وجدانية مؤلمة: الأولى حالة الخوف والقلق المستمرين من انكشاف الجريمة، ولهذا فهم يتحرجون عادة من الحديث حول الموضوعات التي ارتكبوا فيها الجرائم والآثام خوفا من الانكشاف, وصدق الله العظيم إذ قال: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ ٢. والحالة الثانية هي تأنيب ضمير مستمر وإحساس بذنب يخدش وجدان المجرم وشعوره باشمئزاز من نفسه وذاته وهنا تعتري هؤلاء دائما حالات نفسية كئيبة لا تنفرج سريرتهم ولا سيما في حالات التذكر لتلك الجرائم التي ارتكبوها. يقول هنا سقراط: "إن من كان مجرما ولم يعاقب على جرائمه يكون أشقى الناس والمجرم دائما أشقى من ضحيته"٣, "وإن أسعد الناس إذن هو ذلك الذي تخلو نفسه من الضرر "أي: الجرم"؛ لأن ضرر النفس كما قلنا: هو أقبح الضرر"٤. والحالة الثالثة: إنه يفقد أهليته الاجتماعية من حب ومودة ... إلخ في شعوره الخاص وإن لم يفقدها في المجتمع، ذلك أنه يشعر عندما توجه إليه

стр. 324

تقديرات الناس إنه لم يعد ذلك الشخص الذي يستحق تلك التقديرات، وكأن ما يناله من تقدير لا يوجه إليه ومن ثم يفقد ذلك الإحساس الطيب بخيرية شخصيته في نفسه الذي كان يحس به من قبل ويصبح غريبا بين أهله وأحبابه في داخل شعوره الباطني. ومن هنا يقول الفيلسوف الفرنسي "هنري برجسون" عندما يصف نفسية المجرم وشعوره الباطني عندما يحاول إخفاء جريمته: "فالمجرم في محاولته إخفاء جريمته حتى يقضي على كل معرفة يمكن أن تتطرق إلى نفس إنسان كأنه يحاول أن يبطل الجرم نفسه, وبعد أن يظفر المجرم بإخفاء جريمته عن الناس لا يستطيع أن يخفيها عن نفسه، فهو ما زال يعرف أنه مجرم ومعرفته هنا تنأى به عن المجتمع شيئا فشيئا بعد أن كان يرجو أن يظل فيه بمحو آثار الجريمة، إنه يعرف أن الاحترام الذي كان يوجه إليه الآن إنما يوجه إلى شخصه السابق الذي لم يعد موجودا ويعرف أن المجتمع لا يخاطبه هو بل يخاطب شخصا آخر غيره. إنه يعرف من هو فيعيش بين الناس وهو أكثر عزلة مما لو كان يحيا في جزيرة خالية؛ لأنه في عزلته يحمل معه صورة المجتمع الذي تحف به وتسنده، أما الآن فقد انقطع عن المجتمع وعن صورته معا"١, وقد عبر الرسول ﷺ عن عذاب الوجدان وبيَّن كيف أنه يؤدي إلى سقم الجسم فقال: "من ساء خلقه عذب نفسه ومن كثر همه سقم بدنه"٢ , وقال أيضا: "من شقاوة ابن آدم سوء الخلق" ٣. هذا في حالة إخفاء الجريمة أما في حالة انكشاف الجريمة فتستمر معه

стр. 325

الحالتان الأخيرتان وهي تأنيب الضمير وشعوره بفقد شخصيته في المجتمع، وأكثر من ذلك فإنه يفقد شخصيته عندئذ في المجتمع ظاهرا وباطنا ولا يجد ذلك التقدير والاحترام الموجهين إليه من الناس, وبذلك يصبح غريبا بين أهله وعشريته ويقول "فيلون الإسكندري": "وربما بدا مظهر الشرير مبتسما مسرورا لكنه في قرارة نفسه يشعر بالفزع من العقاب الذي ينتظره والذي بيَّنه له الضمير"١. وبخلاف هذه الحالات حالة إنسان لم يرتكب الجرائم والآثام، فإن صفاء وجدانه يجعله يشعر بالابتسامة الدخلية ويشعر في قرارة نفسه بطريقة لاشعورية وبصفة دائمة بالخيرية والسرور المستمر، ومن ثم يؤثر هذا وذاك في سماته الشخصية الظاهرية. وشتان بين الوجدانين وبين الشخصيتين المجرمة والشخصية الخيرة. وصدق الله العظيم إذ قال: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم﴾ ٢، فإن الإنسان إذا كان مجرما فاسدا فاجرا يظهر ذلك في سيماه ووجهه, فيصبح وجهه مظلما قاتما واجما عبوسا، وإذا كان خيرا يصبح وجهه باسما ناضرا، وصدق الله العظيم إذ يقول في وصف هؤلاء وأولئك ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ, وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ , وقال تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُم﴾ ٤, كما يعرف الصالحون بسيماهم ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُود﴾ ٥.

стр. 326

هذه السمة تظهر في الدنيا كما تظهر يوم القيامة، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ, ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ, وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ, تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ ١، وقال الرسول ﷺ : "ما أسر أحد سريرة إلا كساه الله جلدا بها إن خيرا فخير وإن شرا فشر" ٢, وهذه حقيقة يؤيدها علماء النفس أيضا، وقد بدأت الدراسات في علم الإجرام للتعرف على المجرمين من سيماهم.

стр. 327

٣- الجزاء الطبيعي: بيَّنا فيما سبق صلة الأخلاق بالقوانين الطبيعية وأشرنا من حين إلى آخر إلى أن الخارج على النظام الخلقي سينال جزاءه من الطبيعة نفسها. وقد يرجع هذا الجزاء إلى قوانين الطبيعة نفسها مثل: الإصابة بالأمراض بسبب مخالفة القوانين الأخلاقية كالإصابة بالأمراض السرية بسبب ارتكاب جريمة الزنا والأمراض التي تصيب بسبب مخالفة قانون النظافة أو تناول المسكرات. وتجاوز حد قانون الاعتدال في العمل يؤدي إلى الإصابة بالإرهاق النفسي والعصبي ويكون هذا سببا للإصابة بالأمراض المختلفة كما يؤدي إلى الفشل في الحياة عموما؛ ولهذا كان الرسول ينهى عن الإفراط في أي عمل حتى في العبادة فقال لمن يقوم الليل ويواصل الصوم: "فإنك إذا فعلت ذلك هجمت عينك ونفهت نفسك، لعينك حق ولنفسك حق ولأهلك حق قم ونم وصم وأفطر" ١. وقد يرجع الجزاء إلى قوانين الطبيعة الاجتماعية فمخالفة قانون الصدق يؤدي إلى زوال الثقة بالأشخاص والتعامل الاجتماعي, وزوال الثقة هذا يؤدي إلى

стр. 328

انعدام الاطمئنان في الحياة الاجتماعية ولا خير في حياة بدون اطمئنان، كذلك الأمر لو تعدى الناس قانون حرمة النفس الإنسانية وتفشت جريمة القتل, فالأمر لا يؤدي هنا إلى زوال الحياة المطمئنة فحسب بل يؤدي إلى زوال الحياة بزوال الناس. وهكذا نجد أن زوال الأخلاق يؤدي بوجه عام إلى زوال الحياة وأكبر جزاء على مخالفة الأخلاق هو انعدام هذه الحياة من تلك الوجوه. ويكون الأمر على خلاف ذلك متى روعيت القوانين الأخلاقية, فالطبيعة تجازي الناس عند ذلك بالحياة السعيدة التي يسودها الاطمئنان والرخاء والمحبة؛ لأن قوانين الأخلاق عموما هي قوانين الحياة التي تضفي عليها الصفة الإلزامية والقداسة, فالأخلاق تأمر بالجدية في العمل والإخلاص، وتجنب الاصطدام بقوانين الطبيعة واحترام حقوق الناس الطبيعية والعمل من أجل خدمة الإنسانية وهي كلها قوام الحياة السعيدة الدائمة. وهنا نجد الإسلام قد ربط قوانينه الأخلاقية بالقوانين الطبيعية فنهى عن كل شيء يضر فعله بالطبيعة وأمر كل شيء ينفع فعله بالطبيعة, وقد أوضحنا هذا في فصل سابق١. ٤- الجزاء الاجتماعي: وهذا الجزاء نوعان: النوع الأول هو الجزاء المادي وهو ما يقرره المجتمع من عقاب للمنحرف ومكافأة للمستقيم الصالح.

стр. 329

٤- الجزاء الاجتماعي: وهذا الجزاء نوعان: النوع الأول هو الجزاء المادي وهو ما يقرره المجتمع من عقاب للمنحرف ومكافأة للمستقيم الصالح.

стр. 330

وقد قرر الإسلام عقوبات مختلفة بحسب الجرائم المرتكبة, وأعطى حق تنفيذ العقوبة للمجتمع منها عقوبة الزنا مثلا, فقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِين﴾ ١، وقد طلب شهود جماعة هذا العقاب ليكون أوقع في نفس المجرم ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٢، ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٣. وهكذا نرى أن العقاب حق المجتمع من جهة وحق الله من جهة أخرى، فحق المجتمع باعتبار المجرم قد تعدى على حرمات المجتمع؛ ولأن ضرر الجريمة لاحق بالمجتمع، والجريمة مرض في جسم المجتمع، فإذا لم يعالجه المجتمع فسينتشر فيه يوما بعد يوم حتى إذا عمه ذلك يستعصي على العلاج ويكون سببا لهلاك الجميع وهو يعتبر حق الله من جهة؛ لأن المجرم قد تعدى بجريمته حدود الله وعصى أوامره, فلله أن يجازيه في الدنيا والآخرة. أما النوع الثاني من الجزاء فهو الجزاء الأدبي وهو عدم الاعتداد بشخصية الفاسق وعدم الثقة به، ولهذا لا تقبل شهادته ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٤, وهذا الجزاء ليس أمرا سهلا ذلك أن الفاسق يفقد بذلك شخصيته

стр. 331

الأدبية في المجتمع إنسانا يعتمد عليه ويوثق به، زد على ذلك أنه لا يجد الاحترام والقبول من الناس وهذا أمر صعب على النفس الإنسانية وخاصة على الذين يتمتعون بالإحساس الأدبي الرفيع وبالمكانة الاجتماعية. وليس هذا قاصرا على الشهادة بل يشمل تولي الوظائف وإسناد المهام إليه أيضا. وبمقابل إسقاط القيمة الأدبية للفاسقين أمر الإسلام برفع القيمة الأدبية للصالحين ورفع درجاتهم بحسب درجة أخلاقهم، فقال الرسول ﷺ : "أنزلوا الناس منازلهم من الخير والشر" ١، وقال: "إن الهدى الصالح والسمت الصالح جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة" ٢، ثم دعا الإسلام إلى مصاحبة ذوي الأخلاق الحسنة ومجانبة ذوي الأخلاق السيئة فقال الرسول ﷺ : "إنما مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا خبيثة" ٣, وقد أوصى الرسول بعدم التسليم على فاسق٤, وقاطع الرسول صلته عن الذين تخلفوا عن الحرب حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت٥, وقال الرسول ﷺ : "تقربوا إلى الله ببغض أهل المعاصي وأَلْقَوْهم بوجوه مكفهرة والتمسوا رضا الله بسخطهم وتقربوا إلى الله بالتباعد منهم" ٦.

стр. 332

ثانيا: خصائص الجزاءات الأخلاقية الإسلامية وأخيرا يمكننا أن نستخلص الخصائص الأخلاقية الإسلامية المتعلقة بالجزاء في النقط الآتية: ١- إن الإسلام ربط الأخلاق بالجزاء ربطا لا انفصام له, سواء كان هذا الجزاء عاجلا أو آجلا، فالجزاء نتيجة تنتجها الأخلاق كما تنتج الشجرة الثمرة. وربط الأخلاق بالجزاء أمر ضروري؛ لأنه يزيد قيمة الأخلاق كما تزيد قيمة الشجرة ثمرتها. وبذلك اختلفت الأخلاق الإسلامية عن الأخلاق الكانطية التي لا تربط الأخلاق بالجزاء والمكافأة, والأخلاق من غير جزاء ومكافأة جافة لا طعم فيها أو قليلة الفائدة وناقصة القيمة. ٢- إن الإسلام راعى في الجزاء الأخلاقي الطبيعة الإنسانية، فللإنسان جانب مادي وجانب معنوي في طبيعته، وقد راعى الإسلام الجانبين معا عندما قرر للسلوك الأخلاقي الجزاء المادي والمعنوي أيضا. ٣- ربط الإسلام مصير الإنسان من حيث السعادة والشقاوة في الحياة الدنيا والآخرة بالعمل الأخلاقي، فنتيجة الأخلاق الحسنة السعادة في الحياتين ونتيجة الأخلاق السيئة الشقاوة والتعاسة في الدارين معا. وبذلك تميزت الأخلاق الإسلامية عن الأخلاق النفعية أيضا إذ إن هذه الأخيرة ربطت الأخلاق بالمنافع المادية الدنيوية وجعلتها وسيلة لها فحسب, كما تميزت عن الأخلاق الكانطية التي لا تربط الأخلاق بالجزاء إطلاقا؛ لأنها ترى أن

стр. 333

الأخلاق يجب أن تطبق بصرف النظر عما يترتب عليها من جزاء، أو مكافأة فإن مثل هذه الأخلاق إن تصلح لفئة خاصة أمثال "كانط" فإنها لا تصلح لجميع الفئات، والأخلاق الإسلامية جاءت لجميع الفئات مراعية لجميع النفوس ولجميع الفروق الفردية. ٤- إن ربط القيم الأخلاقية بالجزاءات المتنوعة له قيمة تربوية لتنشئة الصغار والكبار ولنجاح التربية الأخلاقية في المراحل التعليمية المختلفة. ذلك أن معرفة الناشئ بتلك الأنواع من الجزاءات المترتبة على السلوكيات الأخلاقية تعد من أقوى الحوافز والدوافع القوية إلى الالتزام الدائم بالقيم الأخلاقية، ذلك أنه بقدر ما يعرف الإنسان قيمة الشيء يلتزم به وبقدر ما يعرف العواقب الوخيمة لسلوكيات سيئة يتجنبها، وهذا وذلك يدفعانه إلى مزيد من التضحية من أجل التمسك بالقيم في هذه الحياة. ٥- إن الإسلام أكثر الجزاءات الأخلاقية لدفع الناس بالقوة إلى الالتزام بالقيم الأخلاقية وذلك يدل على اهتمام الإسلام بتلك القيم في بناء الفرد والمجتمع والأمة. وقد عبر الشاعر عن هذا الاهتمام بدقة عندما قال: وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن هم ذهبوا أخلاقهم ذهبت أي: إذا زالت أخلاق الأمة زالت الأمة.

стр. 334

الباب الثالث: القيم الأخلاقية ومعاييرها في الإسلام الفصل الأول: المعايير الأخلاقية مدخل ... الباب الثالث: القيم الأخلاقية ومعاييرها في الإسلام الفصل الأول: المعايير الأخلاقية سنعالج في هذا الفصل المعايير الأخلاقية التي نستطيع أن نميز بها بين السلوك الأخلاقي وغير الأخلاقي وتقييم١ الأخلاق بصورة عامة.

стр. 335

الاتجاهات الفكرية في المعايير الأخلاقية مدخل ... أولا: الاتجاهات الفكرية في المعايير الأخلاقية: ولعل مشكلة المعايير تعد من أعقد المشكلات في التفكير الأخلاقي، وإذا رجعنا إلى الدراسات الفلسفية لنرى الحلول التي قدمتها، والمعايير التي حددتها، وجدنا فيها اتجاهين عامين ورأينا كل اتجاه يتضمن عدة آراء معيارية لحل هذه المشكلة وتحديد هذا الحل.

стр. 336

الاتجاه الأول: الاتجاه الخارجي: وهو بوجه عام يقيس الأعمال الأخلاقية بالمعايير الخارجية التي لا تمت إلى باطن الإنسان بصلة, وقد انقسم أنصار هذا الاتجاه إلى مذاهب مختلفة فمنها: المذهب البراجماتي الأمريكي الذي يقيس الأعمال الأخلاقية بمدى ما يقدم من نفع أو نجاح عملي, ماديا أو معنويا، وسواء أكان هذا النفع خاصا بالفرد أم بالمجتمع, وكلما عاد النفع إلى أكبر قدر ممكن من الناس زادت درجة أخلاقية الفعل النافع١, وهذا الاتجاه بوجه عام يقيس الأعمال بآثارها ونتائجها، ومنها مذهب الوسطية الذي قال به "أرسطو", فالعمل الأخلاقي هو العمل الذي يكون وسطا بين فعلين كلاهما رذيلة, فالشجاعة مثلا وسط بين الجبن والتهور,

стр. 337

والسخاء وسط بين الإسراف والبخل، والحلم وسط بين الشراسة والفتور وهكذا١، ولقد أخذ بهذا الرأي معظم المفكرين الإسلاميين الذين درسوا الأخلاق. غير أننا نلاحظ أن هذا المعيار لا يمكن أن يكون عاما بحيث ينطبق على جميع الأعمال الأخلاقية؛ لأننا نجد أعمالا أخلاقية ليست وسطا لأعمال أخرى مثل: الصدق له مقابل واحد وهو الكذب وكذلك الحق والباطل إذن ليس من الضروري أن تكون كل فضيلة وسطا بين فعلين كلاهما رذيلة, على أن "أرسطو" قد أدرك عدم شمول هذا المعيار لجميع الأفعال الأخلاقية، ولهذا استثنى منه الأفعال التي لا وسط لها مثل: الحسد والصدق والزنا وما إلى ذلك من الأمور٢. ومنها مذهب التكيف البيئي الذي نادى به "اسبنسر", ويرى أن المعيار الأخلاقي هو التوافق مع البيئة، فكلما كان الفعل أكثر اتفاقا مع البيئة كان أكثر أخلاقية؛ لأن التوافق خير وعدم التوافق شر، فالأول ينتج اللذة والسرور, والثاني ينتج الألم والشقاء٣. ومنها المذهب الواقعي والتجريبي الذي يرى أن معيار العمل الأخلاقي هو التجربة فهي التي تميز بين العمل الأخلاقي وغير الأخلاقي، أي: أننا لكي نعرف أن هذا العمل أو ذاك أخلاقي أو غير أخلاقي، نجربه عمليا، فإذا جلب لنا نفعا ماديا أو معنويا فهو أخلاقي، وإذا جلب لنا ألما حسيا أو معنويا فهو غير أخلاقي٤.

стр. 338

الاتجاه الثاني: الاتجاه الداخلي الباطني: ويرجع المعيار في هذا الاتجاه إلى قوة داخلية فطرية في الإنسان بها يميز بين السلوك الأخلاقي وغير الأخلاقي، وتأخذ تلك القوة المميزة أسماء مختلفة عند أهلها وإن اتفقوا في مضمونها، فمنهم من يقول: إنها الحدس, فهو قوة فطرية يميز بها الإنسان بين الخير والشر، ومنهم من يقول: إنها الضمير، فالضمير مرآة عمل الإنسان ينعكس عليها خيره وشره، وعمل الضمير لا يقتصر على الإنباء بأخلاقية العمل أو عدم أخلاقيته عند الإقدام عليه أو البعد عنه فحسب، بل إنه يجازي الإنسان على فعله في كلتا الحالتين بالسرور في الحالة الأولى والتأنيب في الحالة الثانية١. ومنها المذهب العقلي ويرى أن العقل هو القدرة الإداركية الوحيدة التي تميز بين الخير والشر في السلوك، وتمتد جذور هذا المذهب إلى فلاسفة الإغريق الأخلاقيين أمثال "سقراط" و"أفلاطون", ونجده أيضا لدى المعتزلة من المتكلمين المسلمين، ويمثله بصورة أكمل في أوائل القرن التاسع عشر الفيلسوف الألماني "كانط", وقد جمع في مذهبه بين الإرادة الخيرة بذاتها والعقل, فيقول مثلا: "لا يوجد شيء يمكن عده خيرا على وجه الإطلاق دون قيد إلا شيئا واحدا وهو الإرادة الخيرة"٢, من ناحية العقل فإنه غير قادر على قيادة الإرادة قيادة رشيدة دائما, ووظيفة العقل هي أن يؤثر على الإرادة عن طريق بعث إرادة خيرة في ذاتها، ومن أجل هذا كان وجود العقل ضرورة وإذا بلغ العقل هدفه أحس

стр. 339

بالرضا، ومعيار الإرادة الخيرة عنده هو أن تصدر عن تصورات العقل المطابقة للقوانين الخيرة الموضوعية ولم تتدخل الميول والنزعات والرغبات المادية الغرضية في صدور الفعل١. إذن فهو يرى ضرورة مطابقة الإرادة الخيرة للقوانين العقلية المطلقة العامة، ونحن نعرف القانون العقلي الأخلاقي عنده وهو أنه إذا طبق عمليا لا يناقض نفسه من جهة ويصح جعله قانونا عاما لكل الناس من جهة أخرى، فمتى أراد الإنسان أن يعرف مثلا بمعيار "كانط" هل الانتحار عمل أخلاقي أو لا؟ فيمكن أن يجعله قانونا عاما للناس، فإذا صح أن يطبقه كل الناس دون أن يناقض نفسه يصح أن يكون عملا أخلاقيا, ولكن من البداهة أن العقل يحكم أن الانتحار ليس عملا أخلاقيا؛ لأنه لو طبقه الناس على أنفسهم لانتحروا جميعا, وعندئذ لا يبقى القانون ولا يبقى له مجال للتطبيق. وأهم قواعد الأخلاق العقلية العامة عند "كانط" ثلاث: الأولى قاعدة التعميم ونصها: "لا تفعل الفعل إلا بما يتفق مع المسلمة التي تمكنك في الوقت نفسه من أن تريد لها أن تصبح قانونا عاما"٢. الثانية القاعدة الغائية ونصها: "افعل الفعل بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي شخص كل إنسان سواك بوصفها دائما وفي الوقت نفسه غاية في ذاتها، ولا تعاملها أبدا كما لو كانت مجرد وسيلة"٣.

стр. 340

وهدف هذه القاعدة هو احترام الذات الإنسانية وعدم اتخاذها وسيلة لأي غرض. القاعدة الثالثة هي قاعدة الحرية: أي حرية الإرادة واستقلالها عن جميع الرغبات بحيث لا تخضع إلا للعقل وتعد القانون الأخلاقي إراديا من الذات الإنسانية. ونعني بأن الإنسان إذا أطاع هذا القانون فإنه يطيع ما وضعه بنفسه عن حرية واختيار. ثم إن الإنسان إذا أطاع قانون غيره فمعنى ذلك أنه أصبح وسيلة ومجبورا على تحقيق غاية، من هنا جاءت القاعدة الثالثة، ونصها: "إن إرادة كل كائن عاقل من حيث هي إرادة تضع تشريعا كليا عاما", ثم يقول: "وهكذا نجد أن الإرادة لا تخضع للقانون وحده, بل إن خضوعها له ينبغي أن ينظر إليه في الوقت نفسه من حيث هي مشروعة للقانون"١، لكن قاعدة التعميم لا تصلح أن تكون معيارا عاما لكل الناس؛ إذ إن هناك بعض الناس المنحرفين ممن يرضون أن يكون سلوكهم المنحرف قانونا عاما للناس بل يسعون إلى هذا: فالإباحيون مثلا يرضون أن تكون الإباحية قانونا عاما، وأعضاء جمعية العراة يرضون أن يكون التعري قانونا عاما للناس. تلك هي آراء الفلاسفة فما رأي الإسلام حتى يمكن أن نعقد مقارنة بينه وبين المذاهب الفلسفية؟

стр. 341

المعايير الأخلاقية في الإسلام مدخل ... ثانيا: المعايير الأخلاقية في الإسلام لا بد من دراسة تفصيلية لرأي الإسلام في هذا الموضوع حتى نحدده تحديدا كاملا. وإذا بحثنا عن المعايير الأخلاقية في الإسلام وجدنا أنه قد وضع عدة معايير لا معيار واحدا، وهي بوجه عام تنقسم إلى قسمين: المعايير الموضوعية الخارجية والمعايير الذاتية الداخلية.

стр. 342

أ- المعايير الأخلاقية الموضوعية: وهي عبارة عن تلك المبادئ الأخلاقية التي جاء بها الإسلام والتي تحدد بصفة عامة إرادة الله فيما ينبغي أن يكون عليه سلوك الإنسان في هذه الحياة سواء كان هذا السلوك متعلقا بصلته مع الغير أو بالنفس،وهذه المبادئ متمثلة في القرآن والسنة بصورة قانونية أو تشريعية, وعلى هذا الأساس يعد كلاهما معيارا وضعيا واحدا، ولقد وضع الله هذا المعيار أمام الإنسان ليكون منارا لطريق السعادة يميز به بين الخير والشر في السلوك وبين الحق والباطل في الرأي والهدى من الضلال، والنور من الظلام في هذه الحياة ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِين﴾ ١, ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ٢، وقال الرسول ﷺ : "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله" ٣. غير أن تحديد الإسلام لسلوك الإنسان لم يكن على مستوى واحد في مختلف الميادين، فهناك مجال قد حدد فيه السلوك بدقة من حركات وسكنات وذلك فيما يتصل بتحديد علاقة الإنسان بربه ولهذا جاءت صورة العبادات مرسومة بطريق لم يبق فيها مجال للاجتهاد أو إعمال العقل والفكر؛ لأنه مجال

стр. 343

طاعة الله وعبادته، فهو حدد صورة عبادته وطريقة تقديسه بالطريقة التي أراد أن يعبد ويقدس بها. ولست أدعي هنا أن العبادات لا تخضع لمنطق العقل بصورة عامة ولكني أدعي أنها لا تخضع لهذا المنطق في تفصيلاتها العملية والزمانية، وإذا كان هناك مجال لتدخل الإنسان هنا فهو في مجال النية ودرجة الإخلاص في هذه العباة أو تلك. وقد ذهب الغزالي وابن عربي قريبا من هذا في هذه النقطة. فيقول الغزالي في صدد بيان مجال العقل: "فإن العقلاء بأجمعهم معترفون بأن العقل لا يهتدي إلى ما بعد الموت، ولا يرشد إلى وجه ضرر المعاصي ونفع الطاعات ولا سيما على سبيل التفصيل والتحديد كما وردت به الشرائع, بل أقروا بجملتهم أن ذلك لا يدرك إلا بنور النبوة وهي قوة وراء العقل يدرك بها أمور لا عن طريق التعرف بالأسباب العقلية", ولهذا يعود فيقول: "ولقد تحامق وتجاهل جدا من أراد أن يستنبط بطريق العقل لها حكمة. أو ظن أنها ذكرت على الاتفاق لا عن سر إلهي فيها"١, ويقول ابن عربي: "إن كل عمل لا يظهر له الشارع من وجهته تعليلا فهو تعبد، فتكون العبادة في كل عمل غير معلل أظهر منها في العمل المعلل فإن العمل إذا علل ربما أقام العبد إليه حكمة تلك العلة وإذا لم يعلل لا يقيمه إلى ذلك العمل إلا العبادة المحضة". وهناك مجال آخر أقل تحديدا من المجال السابق وهو مجال التعامل الاجتماعي، فليس هنا تحديد زمني وحركي للسلوك كالأول، وكما أنه ليس

стр. 344

هناك سلوك غير خاضع لمنطق العقل، بل نجد قواعد عامة كمعايير عامة في التعامل الاجتماعي وفيما يلي أهمها: ١- مقتضى الإيمان بالله بأن يضع الإنسان نفسه موضع غيره عند التعامل معه، يقول الرسول ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" ١, وقد ربط الإسلام بين العقيدة والأخلاق ربطا لا انفصام له. ٢- الإخلاص: يجب الإخلاص لوجه الله عند العمل ومعاملة الغير؛ لأن الله يجازي على عمله بمقدار إخلاصه له, ويجب أن يشعر في معاملته للناس أن يعامل الله؛ لأنه مطالب من قبله وأن ينتظر جزاء عمله منه لا من غيره. هذه النقطة ذات أهمية كبرى في التعامل الاجتماعي؛ لأن انتظار الجزاء من الناس على حسن المعاملة يعد صفقة تجارية؛ ولهذا فإن بعض الناس يكفرون بالمعاملة الطيبة إذا لم يحصلوا على نظير لها أو لم يأخذوا مقابلها. وقد دعا الإسلام إلى الإخلاص لله في المعاملة لا الجزاء والشكر، وما دام الله هو الذي يجازيهم على إحسانهم، وقد ضرب الله مثلا للعمل المخلص الذي ينبغي أن يكون نموذجا ومثالا على عمل بعض المخلصين فقال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً, إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً, إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً, فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً, وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ ٢.

стр. 345

ولقد وعد الله الذين يعملون الصالحات مخلصين له في صالح أعمالهم يكافئهم ويجازيهم لا في الآخرة فقط بل في الدنيا أيضا فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١. ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى, وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى, فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى, وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى, وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى, فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ ٢. ٣- الصدق في القول والعمل: وهو مطابقة التعبير للحقيقة أيا كان لون التعبير بالقول أو بالفعل أو بالإشارة أو بالكتابة وما إلى ذلك فإذا كان التعبير عن الذات وجب أن يكون مطابقا لما يدور في النفس وإن كان التعبير عن أمر خارجي وجب أن يكون مطابقا له دون زيادة أو نقصان. لأن المبالغة زيادة والزيادة كذب والنقصان إجحاف وبخس، وهو كذب أيضا، والصدق وسيلة النجاح في الحياة الفردية والاجتماعية، لذا قال الرسول- ﷺ : "تحروا الصدق وإن رأيتم فيه الهلكة فإن فيه النجاة واجتنبوا الكذب وإن رأيتم فيه النجاة فإن فيه الهلكة" ٣. كما أن الكذب يؤدي إلى الفجور والهلاك في الدنيا فإنه يؤدي أيضا إلى النار في الآخرة، ولهذا قال الرسول ﷺ : "إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقا وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا" ٤، وقال أيضا: "دع ما يريبك إلى

стр. 346

ما لا يربيك فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة" ١. ٤- المحافظة على العهود والأمانات والوفاء بالوعد: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ٢، وقال أيضا: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا﴾ ٣، وقال الرسول ﷺ : "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم" ٤, وقال تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ ٥. ٥- الأمر بالخير وهو المعروف والنهي عن الشر وهو المنكر: هذا المبدأ من أهم المبادئ في الأخلاق الإسلامية كما بيناه في موضوع المسئولية الأخلاقية، ويكفي هنا أن نشير إلى حديث سبق أن شبه فيه الرسول الحياة الاجتماعية بحياة الجماعة في السفينة بالبحر وعمل المنكر بخرق بعض الناس السفينة فإن أخذ على أيديهم نجوا جميعا وإلا هلكوا جميعا. ٦- السعي للتسامي والحصول على أشرف الأمور وأعلاها. لا للتكبر ولا للتعالي على الناس ولكن للوصول إلى حياة كريمة فاضلة عزيزة ولهذا قال الرسول: "إن الله تعالى يحب لكم معالي الأمور وأشرافها ويكره سفسافها" ٦، وقال: "اليد العليا خير من اليد السفلى" ٧, وقال: "لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه" ٨, وبيَّن الرسول ﷺ أن أعلى

стр. 347

المنازل في حياة المرء أن يكون صاحب مال ينفقه في سبيل الخير وصاحب علم يقضي به بين الناس ويعلمهم فقال: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها" ١. وهذه كلها تؤدي إلى التقدم في الحياة الاجتماعية. ٧- التعاون على الخير وعدم التعاون على الشر: قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ٢. ٨- المساواة والعدالة: إن الإسلام ينظر إلى الناس نظرة مساواة من حيث أصل الخلقة فليس هناك جنس يفضل على جنس آخر في الخلقة بل إن الناس يتساوون في الكرامة من حيث إنهم جميعا بنوا آدم. ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ ٣, وإذا كان هناك تفاضل فيما بينهم فإنما هو يرجع في الأصل إلى الأعمال الفاضلة التي يكتسبونها بجهودهم المشرفة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٤، وقال الرسول ﷺ : "كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان" ٥, وقال أيضا لأبي ذر: "انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى الله" ٦.

стр. 348

وهذه المساواة تقتضي العدالة في المعاملة، فلا ينبغي أن يرجح فرد على آخر في التكريم والتقدير وفي الوظائف على أساس الجنس أو اللون بل على أساس الاستحقاق بالأعمال الفاضلة والكفاءات المكتسبة. والعدالة هي إعطاء كل ذي حق حقه الطبيعي والكسبي. قال تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ١، ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ ٢، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ ٣. ٩- التسابق والمسارعة إلى الخيرات والفضيلة ومقابلة الإساءة بالإحسان: إن الإسلام لا يأمر بأداء الحقوق والواجبات فقط بل يدعو أيضا إلى التسابق إلى أعمال الخيرات والفضائل المختلفة من التعاون والإحسان والإنفاق والمواساة وما إلى ذلك من الفضائل، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات﴾ ٤، وقال أيضا: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ٥, ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ، ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ , ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ ٦, وقال الرسول ﷺ : "على كل مسلم صدقة, قال: أرأيت إن لم يجد, قال: يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق, قال: أرأيت إن لم يستطع, قال: يأمر بالمعروف أو الخير, قال: أرأيت إن لم يفعل, قال: يمسك عن الشر فإنها صدقة" ٧, وفي رواية "تعدل بين

стр. 349

الاثنين والكلمة الطيبة صدقة وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة" ١. ١٠- إتقان الأعمال كما ينبغي ويجب: وهذا المبدأ لا ترجع أهميته فقط إلى التعامل الاجتماعي بل ترجع إلى التقدم العلمي والحضاري فلا تنتظم أمور الجماعة إلا بإتقان كل واحد عمله كما ينبغي، ولا تتقدم الحضارة والعلم إلا إذا بذل العلماء والعاملون في مختلف الميادين أقصى جهدهم لإتقان أعمالهم، ولهذا قال الرسول ﷺ : "يحب الله العامل إذا عمل أن يحسن" ٢, وقد اعتبر الإسلام الإتقان من الإحسان حتى في العبادة، فقال الرسول عندما سئل ما الإحسان فقال: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" ٣, وهذا المبدأ يتطلب من كل إنسان أن يقوم نفسه بعد العمل من حيث إنه هل قام بالواجب كما ينبغي؟ ويجب إذا وجد قصورا عليه إكماله. ١١- الاعتدال والتوسط في الأمور التي يقبل الإفراد والتفريط لذا قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ ٤, إن الاعتدال يساعد على الاستمرار في العمل. ١٢- اتباع السلوك الخير وتجنب السلوك الشر وهذا هو أهم معيار جامع مانع للسلوك الأخلاقي في نظر الإسلام وأصدق دليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ ٥.

стр. 350

والآن إذا دققنا النظر في هذه القواعد السلوكية وجدنا فيها موجهات عامة توجه الفرد في داخل الإطار الاجتماعي توجيها معينا لا تقيد حركات الأفراد وصورة أفعالهم لا من حيث الكيف ولكنها تقيده بتوجيه أخلاقي عام من حيث عدم الإضرار بالغير والعمل من أجل الغير بروح الإخلاص والمحبة والإسراع إلى الخيرات والتسابق فيها، وترك الشرور بجميع أشكالها وألوانها. ثم هناك ميدان آخر تكون فيه حرية السلوك أكثر وضوحا من الميدان الاجتماعي وهو ميدان العمل للمكاسب الشخصية كالبحث العلمي والعمل الزراعي وما أشبه ذلك فهو مقيد هنا بقاعدتين فحسب: قاعدة عدم الكسب عن طريق ارتكاب المحرمات وقاعدة عدم الإضرار بالغير. إذًا يمكننا أن نقسم هذا المعيار الخارجي من هذه الناحية إلى ثلاثة فروع: الأول معيار التخلق مع الله, والثاني معيار التخلق مع الناس, والثالث معيار التخلق في ميدان العمل في الطبيعة عموما، ويدخل في هذا التخلق مع الكائنات الأخرى بصفة عامة. من هذا يتبين لنا أن هناك مجالات واسعة أطلق الإسلام فيها حرية السلوك والتصرف داخل إطار مفهوم كلمة "ينبغي" ولكن مفهوم "ينبغي" واسع في بعض المجالات وضيق في بعض المجالات الأخرى، فمن هنا نحتاج إلى معيار آخر يساعدنا على معرفة أخلاقية كل سلوك وكل حركة من سلوكنا. ومن جهة أخرى، فإن السلوك الخاضع للصور الأخلاقية الخارجية لا يعد سلوكا أخلاقيا بمعنى الكلمة ما لم يخضع للمعيار الأخلاقي الداخلي.

стр. 351

ب- المعايير الأخلاقية الذاتية أو الداخلية: كنا قد بينا أن للإنسان قوتين للتمييز بين الخير والشر وهما القوة العاقلة والقوة القلبية الوجدانية أو الروحية١، وهما من المعايير الداخلية وقد اعتد بهما الإسلام لوزن الأعمال الأخلاقية إلى جانب المعيار الخارجي الذي هو المبادئ التشريعية والأخلاقية التي جاء بها الإسلام ووضعها في صورة قوانين لنظام الحياة. أما المعيار الأول هو: المعيار العقلي فهو الذي يختص بالتمييز بين الحق والباطل، والحق خير والباطل شر. فيظهر دور العقل باعتباره معيارا لوزن الأعمال الأخلاقية وتمييز أخلاقيتها من عدم أخلاقيتها. وقد أقر الرسول ﷺ معيارية العقل عندما أرسل معاذ بن جبل قاضيا إلى اليمن فقال له: "كيف تقضي؟ قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد برأيي، قال الرسول عندئذ: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله" ٢. وروي أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ يوما تستفسر عن جواز أداء الحج عن أمها فقالت: يا رسول الله إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: "نعم حجي عنها, أرأيت لو كان عليها دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله؛ فالله أحق بالوفاء" ٣. وليست السنة هي التي أجازت القياس واستعملته فحسب بل إن القرآن

стр. 352

نفسه استخدم القياس العقل، وقد استشهد العلماء على ذلك ببعض الآيات فمن ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ ١. فلقد ترك الله لنا أن نستنبط عن طريق القياس العقلي. إننا إذا فعلنا فعل اليهود فسوف يلحق بنا ما لحقهم بعينه؛ لأننا نحن أيضا بشر مثلهم, وسنة الله في الكون ماضية بأسبابها، ولقد بين الله في موضع آخر أن أحكامه جارية بالأسباب ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً, فَأَتْبَعَ سَبَبا﴾ ٢، فالظواهر تابعة لأسبابها ولهذا وجهنا الله إلى مراعاة الأسباب بقوله ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ . ومن ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ, قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ٣. فقد استدل الله على ما أنكره المنكر بالقياس وذلك بقياس الآخر على الأول وهو أن الذي أنشأه أول مرة من العدم لا يعجز عن إنشائه وإعادته مرة أخرى. والإعادة أسهل من الإيجاد. ومن هذا النوع أيضا قوله تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ٤. ولنا أن نسأل: هل المعيار العقلي هو الأساس لقياس السلوك الأخلاقي أو

стр. 353

الشرع، وهل من الممكن قياس جميع القيم الأخلاقية بالمعيار العقلي وحده دون الاستعانة بالشرع وبالمعايير الأخرى؟ نحن نعرف الخلاف الكبير في هذه النقطة بين المعتزلة وأهل السنة. فالأولون اعتبروا المعيار العقلي هو الأساس، في حين أن الشرع جاء تأييدا للعقل. وأما الآخرون فقالوا: إن الشرع هو الأساس مع اعترافهم بأن العقل كذلك أحد المعايير الأخلاقية. وسنعود إلى هذه المسألة في الفصل القادم. حيث إننا نواصل الآن بيان المعايير الداخلية. المعيار الثاني: المعيار الوجداني أو الضمير الأخلاقي. أشرنا من قبل إلى هذا المعيار وقلنا: إنه قوة فطرية تجعل المرء يشعر بالرضا إذا سلك طريق الخير وبالندم إذا سلك طريق الشر واستدللنا بقول الرسول: "استفت نفسك، البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس" , وفي رواية "البر ما انشرح له صدرك" ١, وفي رواية: "البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس" ٢. وقال: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" ٣. هذا دليل نقلي، وهناك دليل واقعي وهو أننا نحس في قرارة نفوسنا بهذه الحقيقة قبل الفعل وبعده. نعم قد يختلف الناس في درجة الإحساس بناء على سيكولوجية الفروق الفردية الناتجة عن طبيعة التكوين الجسمي والنفسي وعن

стр. 354

العوامل الوراثية والبيئية والتربوية. وقد يزول هذا الإحساس في بعض النواحي الخلقية لسبب من الأسباب الخارجية السابقة كما قد يصبح البصير أعمى لعوامل خارجية، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ١. فعمى القلب أو الوجدان كعمى البصر في عدم أداء وظيفته. ولا ينبغي أن يفهم من فطرية الحاسة الخلقية أن جميع المبادئ الأخلاقية منقوشة في الضمير والوجدان، بل إنها مجرد قوة مستعدة للتمييز بين الخير والشر والطيب والخبيث، وإنما تنقش فيها الطيبات والخبائث عن طريق التربية والمجتمع, فما تقدمه أيديولوجية المجتمع إلى الإنسان أو الفرد أنه طيب أو خبيث، وتلقنه من صغره ويتربى عليه ينقش في ضميره أنه طيب أو خبيث, ومن هنا نجد الاختلاف في وجدانات الناس وضمائرهم في بعض النواحي الخلقية بحسب الأيديولوجية الاجتماعية التي يتبعونها أو التي نشأوا فيها. وهناك فرق بين معيار العقل ومعيار الوجدان من حيث التمييز والتأثير والتأثر. أما من حيث التمييز فالعقل يميز بالتأمل والتفكير أما الوجدان فإنه يميز من غير تفكير وروية، ولهذا عبر الله عن هذا الإدراك بالرؤية ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ٢, وأما من حيث التأثير فتأثير العقل غير مباشر وأما الوجدان فتأثيره مباشر. أما من ناحية التأثر فالعقل لايتأثر وإنما يؤثر، وأما الوجدان فيؤثر ويتأثر، ومن هنا نجد الوخز والتأنيب في الوجدان إذا فعلنا عملا لا ينبغي فعله وانشراحا وسرورا إذا فعلنا عملا ينبغي فعله. وقد توجه إلينا ضروب من النقد في هذا الصدد لهذه التفرقة، لكن لا بأس

стр. 355

ما دامت هذه التفرقة لا تقوم على قواعد موضوعية بقدر ما تقوم على قواعد تجريبية ذاتية، ذلك أن هذه الحاسة الأخلاقية مهما كانت موجودة في كل إنسان بالفطرة فإنه يزيد أو ينقص بحسب اختلاف الناس وهذا الاختلاف يرجع أساسا إلى سيكولوجية الفروق الفردية التي هي بدورها ترجع إلى الوراثة والتربية العامة والتجربة العلمية. المعيار الثالث: النية والإرادة والغاية الخيرة: يجدر بنا قبل بيان دور هذا المعيار الأخلاقي أن نحدد بعض المصطلحات التي تستعمل عادة في هذا الصدد فمنها الباعث: وحقيقة الباعث أنه اندفاع داخلي نحو الأشياء والأفعال، وقد يكون المثير له العوامل البيولوجية والفسيولوجية الداخلية أو العوامل الأيديولوجية الاجتماعية الخارجية ومهما كان من أمر عامل الباعث فإنه غالبا يتم تحت إثارة أو ضغط أحد العوامل السابقة لا تحت نور العقل والفكر، ولهذا فإن قيمة الباعث في المعيار الأخلاقي لا أهمية لها كأهمية النية والإرادة والغاية الخيرة. ومنها النية: وهي كما عرفها بعض العلماء "قصد الشيء وعزم القلب عليه"١. وقسموها إلى قسمين: القصد وهو إرادة الفعل حالا, والعزم وهو إرادة الفعل مستقبلا، وقالوا إن النية والإرادة شيء واحد أو أن الإرادة يشملهما، وبناء على هذا فالقصد والعزم جزء من الإرادة وتطلق الإرادة على كل واحد منهما من إطلاق الكل على الجزء كإطلاق النية٢. ثم إن الإرادة أو النية قد تنصب على
следующие страницы →