← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11293

علم الأخلاق الإسلامية

مقداد يالجن

Полный текст (524 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ب- المعايير الأخلاقية الذاتية أو الداخلية: كنا قد بينا أن للإنسان قوتين للتمييز بين الخير والشر وهما القوة العاقلة والقوة القلبية الوجدانية أو الروحية١، وهما من المعايير الداخلية وقد اعتد بهما الإسلام لوزن الأعمال الأخلاقية إلى جانب المعيار الخارجي الذي هو المبادئ التشريعية والأخلاقية التي جاء بها الإسلام ووضعها في صورة قوانين لنظام الحياة. أما المعيار الأول هو: المعيار العقلي فهو الذي يختص بالتمييز بين الحق والباطل، والحق خير والباطل شر. فيظهر دور العقل باعتباره معيارا لوزن الأعمال الأخلاقية وتمييز أخلاقيتها من عدم أخلاقيتها. وقد أقر الرسول ﷺ معيارية العقل عندما أرسل معاذ بن جبل قاضيا إلى اليمن فقال له: "كيف تقضي؟ قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد برأيي، قال الرسول عندئذ: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله" ٢. وروي أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ يوما تستفسر عن جواز أداء الحج عن أمها فقالت: يا رسول الله إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: "نعم حجي عنها, أرأيت لو كان عليها دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله؛ فالله أحق بالوفاء" ٣. وليست السنة هي التي أجازت القياس واستعملته فحسب بل إن القرآن

стр. 352

نفسه استخدم القياس العقل، وقد استشهد العلماء على ذلك ببعض الآيات فمن ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ ١. فلقد ترك الله لنا أن نستنبط عن طريق القياس العقلي. إننا إذا فعلنا فعل اليهود فسوف يلحق بنا ما لحقهم بعينه؛ لأننا نحن أيضا بشر مثلهم, وسنة الله في الكون ماضية بأسبابها، ولقد بين الله في موضع آخر أن أحكامه جارية بالأسباب ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً, فَأَتْبَعَ سَبَبا﴾ ٢، فالظواهر تابعة لأسبابها ولهذا وجهنا الله إلى مراعاة الأسباب بقوله ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ . ومن ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ, قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ٣. فقد استدل الله على ما أنكره المنكر بالقياس وذلك بقياس الآخر على الأول وهو أن الذي أنشأه أول مرة من العدم لا يعجز عن إنشائه وإعادته مرة أخرى. والإعادة أسهل من الإيجاد. ومن هذا النوع أيضا قوله تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ٤. ولنا أن نسأل: هل المعيار العقلي هو الأساس لقياس السلوك الأخلاقي أو

стр. 353

الشرع، وهل من الممكن قياس جميع القيم الأخلاقية بالمعيار العقلي وحده دون الاستعانة بالشرع وبالمعايير الأخرى؟ نحن نعرف الخلاف الكبير في هذه النقطة بين المعتزلة وأهل السنة. فالأولون اعتبروا المعيار العقلي هو الأساس، في حين أن الشرع جاء تأييدا للعقل. وأما الآخرون فقالوا: إن الشرع هو الأساس مع اعترافهم بأن العقل كذلك أحد المعايير الأخلاقية. وسنعود إلى هذه المسألة في الفصل القادم. حيث إننا نواصل الآن بيان المعايير الداخلية. المعيار الثاني: المعيار الوجداني أو الضمير الأخلاقي. أشرنا من قبل إلى هذا المعيار وقلنا: إنه قوة فطرية تجعل المرء يشعر بالرضا إذا سلك طريق الخير وبالندم إذا سلك طريق الشر واستدللنا بقول الرسول: "استفت نفسك، البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس" , وفي رواية "البر ما انشرح له صدرك" ١, وفي رواية: "البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس" ٢. وقال: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" ٣. هذا دليل نقلي، وهناك دليل واقعي وهو أننا نحس في قرارة نفوسنا بهذه الحقيقة قبل الفعل وبعده. نعم قد يختلف الناس في درجة الإحساس بناء على سيكولوجية الفروق الفردية الناتجة عن طبيعة التكوين الجسمي والنفسي وعن

стр. 354

العوامل الوراثية والبيئية والتربوية. وقد يزول هذا الإحساس في بعض النواحي الخلقية لسبب من الأسباب الخارجية السابقة كما قد يصبح البصير أعمى لعوامل خارجية، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ١. فعمى القلب أو الوجدان كعمى البصر في عدم أداء وظيفته. ولا ينبغي أن يفهم من فطرية الحاسة الخلقية أن جميع المبادئ الأخلاقية منقوشة في الضمير والوجدان، بل إنها مجرد قوة مستعدة للتمييز بين الخير والشر والطيب والخبيث، وإنما تنقش فيها الطيبات والخبائث عن طريق التربية والمجتمع, فما تقدمه أيديولوجية المجتمع إلى الإنسان أو الفرد أنه طيب أو خبيث، وتلقنه من صغره ويتربى عليه ينقش في ضميره أنه طيب أو خبيث, ومن هنا نجد الاختلاف في وجدانات الناس وضمائرهم في بعض النواحي الخلقية بحسب الأيديولوجية الاجتماعية التي يتبعونها أو التي نشأوا فيها. وهناك فرق بين معيار العقل ومعيار الوجدان من حيث التمييز والتأثير والتأثر. أما من حيث التمييز فالعقل يميز بالتأمل والتفكير أما الوجدان فإنه يميز من غير تفكير وروية، ولهذا عبر الله عن هذا الإدراك بالرؤية ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ٢, وأما من حيث التأثير فتأثير العقل غير مباشر وأما الوجدان فتأثيره مباشر. أما من ناحية التأثر فالعقل لايتأثر وإنما يؤثر، وأما الوجدان فيؤثر ويتأثر، ومن هنا نجد الوخز والتأنيب في الوجدان إذا فعلنا عملا لا ينبغي فعله وانشراحا وسرورا إذا فعلنا عملا ينبغي فعله. وقد توجه إلينا ضروب من النقد في هذا الصدد لهذه التفرقة، لكن لا بأس

стр. 355

ما دامت هذه التفرقة لا تقوم على قواعد موضوعية بقدر ما تقوم على قواعد تجريبية ذاتية، ذلك أن هذه الحاسة الأخلاقية مهما كانت موجودة في كل إنسان بالفطرة فإنه يزيد أو ينقص بحسب اختلاف الناس وهذا الاختلاف يرجع أساسا إلى سيكولوجية الفروق الفردية التي هي بدورها ترجع إلى الوراثة والتربية العامة والتجربة العلمية. المعيار الثالث: النية والإرادة والغاية الخيرة: يجدر بنا قبل بيان دور هذا المعيار الأخلاقي أن نحدد بعض المصطلحات التي تستعمل عادة في هذا الصدد فمنها الباعث: وحقيقة الباعث أنه اندفاع داخلي نحو الأشياء والأفعال، وقد يكون المثير له العوامل البيولوجية والفسيولوجية الداخلية أو العوامل الأيديولوجية الاجتماعية الخارجية ومهما كان من أمر عامل الباعث فإنه غالبا يتم تحت إثارة أو ضغط أحد العوامل السابقة لا تحت نور العقل والفكر، ولهذا فإن قيمة الباعث في المعيار الأخلاقي لا أهمية لها كأهمية النية والإرادة والغاية الخيرة. ومنها النية: وهي كما عرفها بعض العلماء "قصد الشيء وعزم القلب عليه"١. وقسموها إلى قسمين: القصد وهو إرادة الفعل حالا, والعزم وهو إرادة الفعل مستقبلا، وقالوا إن النية والإرادة شيء واحد أو أن الإرادة يشملهما، وبناء على هذا فالقصد والعزم جزء من الإرادة وتطلق الإرادة على كل واحد منهما من إطلاق الكل على الجزء كإطلاق النية٢. ثم إن الإرادة أو النية قد تنصب على

стр. 356

الفعل ذاته وقد تنصب على شيء خارج عنه أي: على النتيجة أوالغاية منه. أما الغاية فهي آخر ما يهدف إليه الإنسان من وراء فعله، إذن الغاية هي الهدف البعيد أو الغرض البعيد من الفعل، وإذن الغاية والإرادة قد تشتركان في هذا المعنى، فهناك عموم وخصوص من وجه بينهما، وقياس العمل الخلقي مرتبط بالمعنيين معا، ذلك أن المعنى الأول ضروري؛ لأن من ضروريات العمل أن يكون مقصودا مرادا حتى يدخل في مجال المسئولية الأخلاقية، والمعنى الثاني ضروري أيضا لتحديد درجات المسئولية والجزاء في العمل الأخلاقي. فالغاية تضفي على العمل حسنا أو قبحا بحسب نوعها من حيث الخير والشر. دور النية والغاية في السلوك الأخلاقي: فدور النية والغاية في السلوك الأخلاقي هام إذ لا يكفي أن يكون السلوك مطابقا للقانون الأخلاقي من حيث الصورة الخارجية بل لا بد للسلوك الأخلاقي من شكل ومضمون أو مادة وروح، ولهذا قال الرسول ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" ١، وقد بينا في المسئولية أن مجالها قسمان: ظاهري وباطني، ظاهرها الفعل المادي، وباطنها النية والغاية، فمن نوى نية حسنة فله أجر العمل بها وإن لم يستطع إلى ذلك سبيلا، وكذلك من نوى نية سيئة فعليه وزر العمل بها إذا حالت بينه وبين تنفيذها عوامل خارجية. والنية الحسنة تجعل الأعمال المباحة عبادة يثاب فاعلها عليها؛ فإذا نوى عند الأكل أنه إنما يأكل لأداء واجباته في الحياة يثاب عليها، حتى إتيان الرجل امرأته؛ فإذا نوى عند

стр. 357

ذلك أنه بذلك يؤدي أمرًا إليها فيثاب كأنه قد فعل خيرا، ولهذا قال الرسول ﷺ : "وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر، فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر" ١؛ لأن في ذلك إدخال السرور للطرف الآخر، ومن يكسب لينفق على أهله ففيه أجر، قال الرسول ﷺ : "وإنك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة حتى اللقمة التي ترفعها إلى في امرأتك" ٢. ولكن هل الإرادة الخيرة تجعل الأعمال كلها خيرة ولو كانت شرا، والإرادة السيئة تجعل الأعمال كلها قبيحة ولو كانت حسنة؟ الحقيقة أن النية ليست كل شيء في العمل الأخلاقي وإنما هي ركن فيه، فالعمل الأخلاقي له كيان مادي ومعنوي، ولهذا قال الرسول- ﷺ : "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" ٣. والأول يتمثل في الفعل, والثاني في النية والإرادة الحسنة، وهذه الإرادة الخيرة لا تجعل الفعل السيئ حسنا أو خيرا أو الفعل غير الأخلاقي أخلاقيا كما أن الضوء المسلط على الوجه القبيح لا يجعله جميلا. أما كون النية الحسنة تجعل الأعمال العادية المباحة حسنة وعبادة؛ فذلك لأن هذه الأعمال ليست قبيحة ولا حسنة في ذاتها فهي لذلك لا تعتبر صورة حسنة ولا قبيحة ولكن تسلط النية الحسنة عليها يحسن من منظرها كما أن الضوء يحسن شيئا ما من منظر شيء لا هو حسن ولا هو قبيح. ولكن لا يكون الحسن الناتج هنا كالحسن الناتج عن

стр. 358

منظر حسن تتسلط الأضواء عليه. ولهذا يقل مقدار الثواب الذي يناله الإنسان من العمل المباح العادي بالنية الحسنة عن مقدار الثواب الذي يناله من الواجب الأخلاقي بالنية نفسها، ولهذا قال الرسول ﷺ في حديث قدسي: "إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء، أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته" ١. إن النية الخيرة لا تحول فعلا شريرا في ذاته إلى فعل خير، بل تحول الفعل الذي ليس شرا في ذاته إلى درجة من الخيرية لا الخيرة الكاملة. ولكن ماذا تكون النتيجة إذا أخطأت النية الخيرة الصورة الأخلاقية: الجواب المنطقي هو أن يأخذ نصف أجر ما لو أصابت الصورة؛ لأنه وجد أحد الركنين فقط ولم يوجد الركن الثاني، ولهذا قال الرسول ﷺ : "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" ٢. ولنتصور الآن عكس القضية وهو أنه لو طبق الصورة الأخلاقية دون روحها هنا تفصيل: ففي الأمور التي لا تشترط النية فيها لا ينال صاحبها الثواب إذا عملها بدون النية مثل ترك الشرور والمحرمات لا لوجه الله بل اتباعا للعادة أو

стр. 359

خوفا من الجماعة. أما الأمور التي تشترط النية فيها مثل الصوم فلا يعتد به بدونها إطلاقا؛ لأن الصوم قد يكون للعبادة وقد يكون لعلاج طبي فالنية هنا هي التي تميز بين ما هو عبادة وبين ما هو غير عبادة١. وعلى العموم فالنية والغاية مناط المسئولية والعقاب والجزاء الإلهي، غير أنه لا ينبغي أن يفهم من هذا أن المتمسك بالقيم الأخلاقية عموما بدون النية والإخلاص لله يحرم من الجزاء الطبيعي للقوانين الأخلاقية نفسها، إذ إننا بينا وجود جزاءات عدة للقوانين الأخلاقية وخاصة فيما يتعلق بالقوانين المبنية على القوانين الطبيعية. وعلينا أن نعرض لهذه المسألة الهامة وهي إذا كانت الغاية تؤدي دورا هاما في التفكير الأخلاقي الإسلامي وأنه لا يعتد بالقوانين الأخلاقية إلا من حيث غاياتها فمعنى ذلك أن الأخلاق وسيلة لغيرها وليست غاية في ذاتها أي: أنها ليست مقدسة وأنها قد تتغير من حين إلى آخر؛ لأن الوسائل عادة تتغير. الحقيقة أن هذه مشكلة التفكير الأخلاقي عموما، ولقد اختلف فيها الفلاسفة وذهبوا فيها مذاهب شتى. نشير إليها قبل أن نحدد موقف الإسلام من تلك المشكلة بعينها: الاتجاه الأول: يرى أن الأخلاق غاية في ذاتها وإذا أصبحت وسيلة فلا تبقى أخلاقا. وهذا ما ذهب إليه "كانط" ومن يرى رأيه، فالذي يجعل الأخلاق وسيلة ينبغي أن يقول مثلا: "علي أن أحافظ على الأخلاق إذا أردت أن أحافظ

стр. 360

على شرفي، أما الذي يجعل الأخلاق غاية ينبغي أن يقول: علي أن أحافظ على الأخلاق ولو لم يجلب عدم المحافظة أي عار وأي نفع؛ لأنها واجب بصرف النظر عما يترتب عليها"١. وبناء على هذه الفكرة لا تتغير الأخلاق ولا تتبدل وتكون لها قدسيتها الدائمة، فلو كانت وسيلة لتغيرت من حين إلى آخر وفقا لأهواء الناس ومصالحهم ولجاز مخالفة قوانينها عندما تقتضي المصلحة العامة أو الخاصة وعندئذ لا تبقى للأخلاق قدسية ولا سلطان دائم بل تخرج الأخلاق عن كينونتها أخلاقا، وقيما ثابتة. الاتجاه الثاني: يرى أن الأخلاق وسيلة لا غاية وأنها يصح أن تتغير وتتطور وفقا لمصالح الناس أو مصلحة المجتمعات وهذا الاتجاه هو الاتجاه النفعي عموما. الاتجاه الثالث: يوفق بين الاتجاهين السابقين عن طريق التوحيد بين الوسيلة والغاية فهو يعتبر الأخلاق مبدئيا وسيلة عامة لتوجيه سلوك الإنسان في الحياة وتحقيق مطالبه فيها ويعتبرها في الوقت نفسه غاية؛ إذ لا توجد لغاية أخلاقية سوى وسيلة واحدة تخصها ولا توجد منفصلة عنها؛ ولأن الوسيلة والغاية لا تنفك إحداهما عن الأخرى. هذا إلى أن الفصل بين الوسيلة والغاية يؤدي ضرورة إلى فكرة "أن الغاية تبرر الوسيلة" فتترتب على ذلك شرور وفساد في الحياة الاجتماعية، ولهذا لا يصح إطلاقا أن نفصل بين الوسائل والغايات في النظرية الأخلاقية ولا أن نحدد

стр. 361

أي هدف أخلاقي قبل معرفة الوسيلة الضرورية لتحقيقه وإلا كان ذلك على حساب هدف أو أهداف أخلاقية أخرى. أي: لتحقيق هدف ما قد يضحي المرء بأهداف أخرى. فمثلا قد ينقذ الرجل ماله على حساب شرفه أو شرف وطنه وقد يعمل المرء من أجل تحقيق هدفه على حساب مصلحة أصدقائه، فهو لجلب الخير لنفسه ارتكب شرا في حق غيره وهذا مخالف للأخلاق، وهذا ما ذهب إليه الفيلسوف الأمريكي "جون ديوي"١.

стр. 362

وجهة نظر الإسلام: وإذا نظرنا إلى الإسلام في هذه النقطة وجدناه يفرق بين مجال الدنيا ومجال الآخرة. والإسلام نفسه من حيث إنه نظام حياة للإنسان جاء لتحقيق غاية في هذه الحياة، فقد جاء ليحقق للإنسان حياة منظمة متناسقة من شأنها أن تؤدي إلى السعادة لا في هذه الدنيا فحسب بل في الحياة الأخرى أيضا، فالإسلام- إذن- من هذه الزاوية وسيلة لا غاية في ذاته ولكنه يعتبر غاية في نفسه باعتباره غاية لعمل الإنسان ولا سيما فيما يتعلق بالتخلق مع الله، فإذا لم يكن أساس أعمال الإنسان الإخلاص الكامل للإسلام بصرف النظر عما يترتب على التمسك به من النفع في الدنيا والآخرة فلا تعتبر هذه الأعمال أخلاقية ولا تجد قبولا عند الله ومن ثم فلا تستحق جزاء منه. بل الإمام الشاطبي يقول: "إن قصد الحظ الأخروي في العبادة لا ينافي الإخلاص فيها"١. ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ

стр. 363

الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ١، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ ٢, ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ ٣، وقال الرسول ﷺ : "فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا من خلص لوجهه" ٤. وهكذا نجد الغاية نفسها تكون وسيلة من جهة وغاية من جهة أخرى, وهذه حقيقة يحس بها كل منا في حياته اليومية فنحن نتخذ في حياتنا الجارية أهدافا ونتخذ لها وسائل حتى إذا ما حققناها نتطلع إلى أهداف أخرى أسمى منها ولكن لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق الأهداف التي هي أدنى منها، وهكذا تتسلسل الأهداف والغايات فكل غاية وسيلة بالنسبة إلى أعلاها وغاية بالنسبة إلى أدناها، فمتعلم الدين مثلا يقصد من تعلمه أن يكون تدينه مقبولا عند الله ويقصد من ذلك أن ينال رضا الله ويقصد من الآخر الدخول في جنته. إذن لا نستطيع القول بأن الأخلاق وسيلة وغاية بوجه عام ونصدر حكما عاما في هذا الشأن فيما إذا أردنا أن يكون حكمنا مطابقا للحقائق الواقعية، ولكن هل معنى هذا أن الأخلاق متغيرة وغير ثابتة تتطور بتطور الزمان والحياة وتزول الأخلاقيات وتأتي أخرى مكانها؟ وهل مؤدى ذلك أن الأخلاق لا تحمل قداسة وإلزاما عاما؟ لا ينبغي أن يفهم أولا من قولنا: إن غاية الأخلاق لها مراتب وأن أدناها وسيلة لأسماها، وأسماها غاية لأدناها - إننا نذهب إلى أن عدم ثابت المبادئ

стр. 364

الأخلاقية والاستدلال على أن كل وحدة مستقلة بنفسها، بل ينبغي أن يفهم أنها في الحقيقة وحدة متكاملة ولها مراتب ومستويات مختلفة القيمة وفي التطبيق العملي. فالإحسان مثلا بصفة عامة مبدأ أخلاقي ولكن الإحسان له درجات من حيث التطبيق، فالإحسان إلى واحد ليس كالإحسان إلى مجموعة، فتزيد درجاته بحسب عدد المحسن إليه ومن حيث نوع الإحسان. ثم من حيث النية والغاية: فاتخاذ الغاية من الإحسان مجرد مساعدة الإنسان فحسب غير الإحسان الذي يتخذ منه نيل الجزاء من الله وهو غير ذلك إذا قصد وجه الله فحسب مثلا فاتخاذ الإحسان وسيلة لهذه الغايات ثم اتخاذ بعضها وسيلة لأخرى لا يدل على أن الإحسان من حيث كونه مبدأ أخلاقيا متغير بل هو ثابت في الواقع بين المجتمعات البشرية من قديم الزمان إلى يومنا هذا بالرغم من اعتباره وسيلة لهذه الأغراض كلها، نعم إن القيمة الفعلية تزيد أو تنقص بحسب الغايات التي تتخذ من ورائها، ولكن مفهوم تلك القيمة مبدأ أخلاقيا مفهوم مقدس في أذهان الناس وإن تفاوتت من إنسان إلى آخر درجة هذا التقديس والتقدير لسبب من الأسباب الاجتماعية. إذن لا يدل كون الأخلاق وسيلة من جهة وغاية من جهة أخرى أنها متغيرة ولا تحمل تقديسا وتقديرا في نفوس الناس. يقول جان جاك روسو: "إن مبادئ الأخلاق واحدة في كل مكان ومبادئ الخير والشر هي بعينها حيثما ذهبت"١. ثم نتساءل فنقول هل يصح لنا أن نتخذ أي وسيلة للوصول إلى أي غاية

стр. 365

أخلاقية أو أن نتخذ أي مبدأ أخلاقي وسيلة لأي غاية أخلاقية؟ إن الإسلام لم يبح اتخاذ أية وسيلة لأية غاية أخلاقية بل اشترط أن تكون الوسائل أخلاقية كالغايات تماما فالغاية في نظر الإسلام لا تبرر الوسيلة، ولهذا قال الأصوليون: الغاية لا تبرر الوسيلة، واتخذوا ذلك قاعدة تشريعية. والدليل على صدق ما ندعي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١. فالآية ترسم لنا طريقين للفلاح أو طريقا واحدا له جانبان: الأول تقوى الله بترك المحرمات والثاني التقرب إليه بالوسائل، وهي أداء الواجبات والتمسك بالقيم الأخلاقية ولا يمكن التقرب إليه بالمحرمات وإلا لما حرم المحرمات ولما نهى عنها، ولو نوى مرتكبها وجه الله والتقرب إليه. ومن هنا جاء في الحديث القدسي الذي سبق ذكره بأن أحب الأعمال التي يتقرب بها الإنسان إلى الله هي الواجبات ثم الأمور المشروعة دون المحرمات ثم إن الله تعالى نفسه قد اعتبر الواجبات الأخلاقية وسيلة للتقرب إليه إذ هي وسائل والغاية كسب رضوان الله وكسب رضوان الله وسيلة للفوز بالسعادة في الآخرة. غير أنه قد يعترض على هذه الفكرة بأن الإسلام قد أباح في مواضع كثيرة اتخاذ بعض الوسائل اللا أخلاقية مثل: قتال الكفار والمعتدين والكذب لإنقاذ النفس من الهلاك. حقا إن هذا قد يحدث ولكننا بينا فيما سبق أن ذلك استثناء والاستثناء لا يعتبر قاعدة أخلاقية أو مبدأ دستوريا. وهذا الاستثناء من قبيل دفع الشر بشيء لا يمكن دفعه إلا به٢ وليس الهدف من ذلك جلب المصلحة وإنما

стр. 366

هو حماية ما جاءت به الأخلاق لحمايته وهو حفظ الحياة وحفظ العقيدة عن طريق إزالة الفساد. إذن نحن نلتجئ أحيانا اضطرارا إلى حفظ الأخلاق بلا أخلاق عندما لا نملك غير ذلك. فنحن هنا مضطرون والمضطر لا يسأل عما اضطر إليه، ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ١. وأما الأساس في الأخلاق الإسلامية فهو دفع الشر بالخير والإساءة بالحسنى ولهذا قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ٢. وإذا لم نستطع أن ندفعه بالأخلاق ندفعه باللا أخلاق وغايتنا هو الأخلاق ولكن هل بالغاية الأخلاقية يصبح الفعل اللا أخلاقي أخلاقيا؟ وهل من الممكن أن يصبح القبيح أو الشر في ذاته حسنا وخيرا بعامل خارجي؟ لأن الخير لا يأتي إلا بالخير كما قال الرسول ﷺ عندما سألوه: أو يأتي الخير بالشر؟: "الخير لا يأتي إلا بالخير" ٣، أما الشر فقد يأتي بأشر منه. الواقع أن الحقائق لا تتغير من حيث الجوهر، ولكن يتغير تقييمها من الناحية المادية والمعنوية بحسب الظروف، فالذهب مثلا لا يمكن أن يكون حديدا ولا العكس والحق لا يكون باطلا والباطل لا يكون حقا. ولكن قيمة الذهب تتغير من الناحية المادية والنفسية، وقد يفقد قيمته في بعض الظروف فلا ينظر إليه إلا على أنه معدن لا أكثر ولا أقل, ولكن الذهب فيما عدا هذه الظروف يحتفظ بقيمته بشكل من الأشكال. وكذلك الأمور الأخلاقية فإراقة دم إنسان قبيح؛ لأنه إعدام موجود ذي قيمة ولكن إذا أصبح وجود الشيء فاسدا في كيان جماعة فإزالة هذا

стр. 367

الوجود يعتبر خيرا من هذه الزاوية ومن هنا شرع إعدام الجاني، ثم إن إعدام الجاني في نظر المجني عليه غيره في نظر إنسان لم يصل إليه جرمه. وقد يضطر الطبيب إلى قطع أحد أعضاء الجسم إذا كان مريضا ويؤدي وجوده إلى فساد الجسم كله. إذن نحن نضحي في هذه الحالات الاستثنائية بقليل من القيمة في سبيل الحفاظ على القيم بناء على قاعدة ارتكاب أهون الشرين إذا لم نجد مفرا من ارتكاب أحدهما. كما أن غايتنا فيها دفع الشر لا جلب المنفعة؛ لأن دفع الشر أولى من جلب المنفعة حسب القاعدة الأصولية. من هذا كله نقرر أن الأخلاق وسيلة من جهة وغاية من جهة أخرى وقيمة الغاية تؤثر في قيمة العمل الأخلاقي، وكلما كانت الغاية أسمى وأشرف كان السلوك الأخلاقي أكثر قيمة، ولكن الغائية في السلوك الأخلاقي لا تفيد عدم موضوعية المبادئ الأخلاقية، ولا تفيد كذلك عدم وجود قدسية للأخلاق. ثم إن الأخلاق لها مادة وروح وهناك تفاوت في قيمة الصور الأخلاقية وفي قيمة روح هذه الصور من حيث التقييم الموضوعي والذاتي، وإذا كان الأمر كذلك فإن القيمة المعنوية للأخلاق تأتي من نية فاعلها وغايتها. ولذا كان للنية والغاية من حيث كونها معيارا أخلاقيا دور كبير في السلوك الأخلاقي من حيث إضفاء القيمة وبيان درجاتها. غير أن معيارية الغاية تختلف عن معيارية العقل والوجدان إذ إن الأَولى من حيث إضفاء القيمة، والثانية مقياسا لتمييز السلوك الأخلاقي من اللا أخلاقي يعرف بها الذات الفاعلة عندما يقوم نفسه بنفسه في ضوء نياته.

стр. 368

ثالثا: خلاصة المعايير الأخلاقية الإسلامية والآن في نهاية المطاف في الحديث عن المعايير يمكن تلخيصها بعد تفصيلها في أهم المعايير الآتية: ١- حسن النية والغاية والإرادة الخيرة. ٢- الحاسة الأخلاقية أو حاسة الضمير أو الإحساس الوجداني. وذلك يظهر عند الإقدام على الفعل أو بعد الانتهاء منه الشعور بخيرية الفعل أو شريته والشعور بالطمأنينة والفرح في حالة الخيرية والشعور بالذنب وتأنيب الضمير وعذاب الوجدان في حالة شريته. ٣- تمييز العقل بين الخير والشر والحسن والقبيح بناء على الأصول الأخلاقية وهي الحكمة والعفة والعدالة والشجاعة والوسطية أو الاعتدال. ٤- حسن السلوك المتفق مع القواعد والمبادئ الأخلاقية المذكورة. ٥- أن يعامل الإنسان الآخرين بما يجب أن تعامل به نفسه. ٦- صلاحية العمل لأن يكون قانونا عاما للناس، أي إذا أردت أن تعرف ما إذا كان عمل ما أخلاقيا أولًا اجعله فرضا نظاما عاما للناس فإذا طبقه الجميع هل يؤدي إلى الخير أم إلى الشر في حياة الناس أو في الحياة الاجتماعية. ٧- إتقان الأعمال كما ينبغي ويجب، وذلك سواء كان العمل لنفسه أو لغيره، وأن يقوم نفسه في عمله إذا وجد تقصيرا عليه أن يعمل لتلافي القصور. ٨- تقويم السلوك في ضوء ما يترتب عليه من خير أو شر أو نفع أو ضر وذلك في ضوء التجارب العلمية أو الشخصية وفي ضوء روح الأصول الأخلاقية وقواعدها ومبادئها التي ذكرنا بعضها.

стр. 369

الفصل الثاني: حقيقة القيم الأخلاقية مدخل ... الفصل الثاني: حقيقة القيم الأخلاقية سبق أن أشرت إلى بعض القيم الأخلاقية عند بعض المناسبات ولكنني رأيت أن تلك الإشارات لا يمكن أن تكفي في دراسة هذا الموضوع المهم المعقد، إذ لا بد من تفصيل القول فيه وإبراز حقيقته بصورة واضحة. وأهم صعوبة كنت أشعر بها إزاء بيان هذه الحقيقة كانت مسألة المعايير التي نستطيع استخدامها لتحديد هذه القيم، ولهذا سبقت بدراسة تلك المعايير لتذليل تلك الصعوبة عن طريق تعريف تلك المعايير التقويمية الأخلاقية. ولكي أعرض هذا الموضوع بصورة متكاملة رأيت دراسته من النواحي الآتية: الأولى: تحديد حقيقة القيم الأخلاقية ومستوياتها وأنواعها. الثانية: تحديد موضوعية هذه القيم. الثالثة: أهمية هذه القيم في الحياة العملية. ١- فمن الناحية الأولى يكاد يتفق الأخلاقيون على أن القيمة العليا للأخلاق هي الخير ويقابلها الشر، إلا أن هذا الاتفاق كان في اللفظ أكثر من كونه في المضمون, فقد اختلفوا في ماهية الخير والشر. وكان يسود هذا الاختلاف اتجاهان متميزان: اتجاه مادي وآخر روحي، ويرجع أصل الاختلاف هنا إلى الاختلاف في فهم طبيعة الوجود، ومعايير تقويم الموجودات، ومنبع الأخلاق وكان اختلافهم في منبع الأخلاق يدور حول مسألة: أهي تنبع من الأرض أم تنزل

стр. 370

من السماء، أهي صورة عقلية أم حقيقة واقعية. ولا أريد الرجوع لدراسة فلسفة هذين الاتجاهين، فقد أشرت إلى معالم فلسفتهما خلال الموضوعات السابقة إشارة مباشرة أحيانا وغير مباشرة أحيانا أخرى. ثم إن معالجة هاتين الفلسفتين من جميع النواحي على النحو الذي أشرنا إليه يبتعد بنا عن منهج هذا الكتاب؛ ولهذا فالأفضل لنا أن نرجع إلى دراسة ما وعدنا بدراسته: أي تحديد مفهوم القيمة وحقيقتها حتى نستطيع تقويم الأخلاق بوجه عام وتحديد حقيقة الخير والشر بوجه خاص. وسأعرض هذين الأمرين خارج إطار الإسلام أولًا ثم في إطار الإسلام ثانيا.

стр. 371

تحديد القيمة الأخلاقية خارج إطار الإسلام مدخل ... أولا: تحديد القيمة الأخلاقية خارج إطار الإسلام: لو استقرأنا الآراء التي قدمت لتحديد مفهوم القيمة لطال بنا المقام ولخرجنا عن منهجنا المرسوم, ولكن من الممكن أن نعرضها في صورة اتجاهات عامة. فلقد عالجها الأستاذ "ريمون رويه" معالجة مفصلة١ ألخصها في خمس اتجاهات عامة هي:

стр. 372

١- الاتجاه الطبيعي: يفسر هذا الاتجاه عموما القيمة باللذة والألم، فاللذة مرغوبة بالطبيعة وكل مرغوب بالطبيعة لذيذ، والألم مكروه بالطبيعة وكل مكروه بالطبيعة مؤلم، وكل لذيذ خير وكل مؤلم شر، والخير والشر من الأمور الحسية المادية المدركة بالطبيعة الإنسانية: فكل شيء ينزع الإنسان نحوه ويميل إليه ويرغب فيه بالطبيعة ويشتهيه هو خير، وكل شيء يكرهه ويأنف منه بالطبيعة هو شر، والإنسان

стр. 373

لا يشتهي الأشياء؛ لأنه يحكم عليها بالصلاح أو يأنف منها؛ لأنه يحكم عليها بالطلاح. بل إنه يحكم عليها بالصلاح؛ لأنه يشتهيها ويحكم عليها بالطلاح؛ لأنه يأنف منها بالطبيعة. وكان من أنصار هذا الاتجاه "بنتام" و "هوبز" و "سبينوزا" وكلهم يزعمون إمكان قياس القيمة قياسا ماديا وكميا.

стр. 374

٢- اتجاه الطبيعة النفسية الفاعلة: ويرى هذا الاتجاه أن القيمة ليست صفة خاصة بحقيقة الأشياء بل هي نابعة من الفاعلية النفسية سواء أكانت هذه الفاعلية اهتماما أم رغبة أم ميلا أم تعاطفا أم تحسينا أم تقبيحا. إذن مسألة القيمة مسألة ذاتية فردية وإرادية، فكل ما يوائم الرغبات النفسية الإرادية الفردية يعتبر خيرا بالنسبة إلى صاحب هذه الإرادة أو تلك. وتأثير الأشياء في إرادتنا ونفسيتنا بالمواءمة أو بالمنافاة يدل على وجود علاقة بين طبيعة الأشياء وطبيعة نفسيتنا، وإذا كانت هذه العلاقة موضوعية من ناحية التأثير، فإنها ذاتية من ناحية التأثر، ذلك أن الناس يختلفون من هذه الناحية الأخيرة اختلافا كبيرا. وبالإجمال فإن القيمة لا ترجع بالكلية إلى الأشياء ذاتها وإنما ترجع إلى النفس الفاعلة ذاتها أيضا، فالنفس الفاعلة هي التي تضفي على الأشياء والأفعال والأفكار قيمة بحسب اهتمامها بها وانفعالها معها. وبحسب ما تحس فيها من خير أو شر. ونفع أو ضر ومن إحساس سار أو مؤلم. وقد ذهب إلى هذا الاتجاه "شوبنهور" و "نيتشه" وأصحاب المذهب البراجماتي مثل "جون ديوي".

стр. 375

والفرق بين الاتجاهين الأسبقين أن الأول يرجع القيم إلى قيمة مادية موضوعية. فالعلاقة بين الكائن الحي والقيمة علاقة حسية يمكن قياسها قياسا موضوعيا كميا. بينما يرجع الثاني إلى عملية نفسية ذاتية إلى جانب موضوعية والعلاقة بين القيمة والعملية النفسية فيها جانب موضوعي وجانب آخر ذاتي ولهذا لا يمكن قياسها قياسا موضوعيا آليا كميا.

стр. 376

٣- الاتجاه العقلي أو فاعلية الفكر الفردي: يرى هذا الاتجاه بصفة عامة أن القيمة هي التي تتلاءم مع العقل وتوافقه وأن العقل والقيمة شيء واحد، وإذا كان الأمر قاصرا على مجرد العقل لم يكن بد من التفرقة على أساسه، فالمعيار هو العقل والقيمة خاضعة له؛ لأن القيمة تحدد بناء على المعيار. ولا ينبغي العمل بمقتضى العقل لغرض الوصول إلى الخير بل يجب السير عليه بصرف النظر عن الغاية الخيرية إلا أن الخير لما كان متحدا مع الفعل أو أنه تابع وملازم له فالعمل وفقا للعقل يولد الخير بالطبيعة. وإذا كانت قيمة الأخلاق تقاس بالإرادة الخيرة فإن الإرادة الخيرة تقاس بمدى موافقتها للعقل؛ ذلك أن الأخلاق تعتبر قيمة عقلية ولذا كانت القوانين الأخلاقية خاضعة للعقل كالقوانين الفكرية، وكما أن هذه القوانين الأخيرة ثابتة فكذلك القوانين الأولى. وينبغي ألا يفهم من هذا أن العقل ظاهرة طبيعية بل ينبغي أن يفهم من حيث إنه متعالٍ على الطبيعة؛ لأنه فكر يحكم على الطبيعة، فالعقل إذن ليس خاضعا للطبيعة مقهورا بها بل هو متحكم فيها ومقوم لها، وقد ذهب إلى هذا الاتجاه "كانط" وأتباعه من بعده مثل "ماربوغ"١ "وبرنشفيك"٢.

стр. 377

٤- الاتجاه الواقعي: يرى أنصار هذا الاتجاه أن القيمة صفة مستقلة عن الطبيعة وعن الذات الفاعلة فهي تقع وراء الحوادث الطبيعية ووراء الذوات الفاعلة وهي في الوقت نفسه تفرض نفسها على الذوات الفاعلة "إذن فهي ليست نسبية -كما يدعي من ذهب إلى ذلك- بل إن لها وجودا مطلقا كأي وجود آخر ولها قوانين مستقلة بنفسها كقوانين الطبيعة لا تتغير ولا تتبدل، وإذا كان الأمر كذلك فالإنسان لا يخلقها بعقله أو بإرادته، وإنما يجدها موجودة بين الموجودات، ولكن وجودها متعالٍ على الموجودات الأخرى، وإن كان معايشا أو ملازما معها فهو بذلك وجود واقعي من جهة ومثالي من جهة أخرى، وينضوي تحت لواء هذا الاتجاه آراء مختلفة بعضها يميل إلى الجهة الأولى وبعضها الآخر يميل إلى الجهة الثانية بينما يلتزم بعضها بموقف الوسط، ومن أهم أنصار هذا الاتجاه "مور"، "ورسل"، "وشيلر"١.

стр. 378

٥- اشتراك الذات الفاعلة مع الواقع الراهن والمثل الأعلى: ويرى هذا الاتجاه أن القيمة نظام العمل أو طراز الشروع، ولا تتحقق هذه القيمة إلا بوجود ذات عاملة وموضوع تعمل فيه الذات ولا بد أخيرا من مثل أعلى نلاحظه أثناء العمل، فعن طريق اشتراك العوامل الثلاثة تتكون القيمة، وإذا فقدت هذه العوامل أو بعضها فقدت القيمة؛ لأنها هي هذه العوامل مجتمعة ولا تنفصل عنها أو بتعبير آخر إن القيمة هي علاقة التركيب بين الفاعل والمفعول والموجود، وهذه العلاقة ليست علاقة اختيارية بل إنها إلزامية؛ ذلك

стр. 379

أن الإنسان مجذوب ومشدود إلى الواقع الوجودي يجذبه إليه العقل والخير أو العقل الخير، ومن أنصار هذا الاتجاه "لوسين", و"لافيل"١. وبعد، لو نظرنا إلى هذا الاتجاهات السابقة لوجدنا أن مرجع القيم في الاتجاه الأول هو الطبيعة الفاعلة، وفي الثاني طبيعة النفس الفاعلة، وفي الثالث العقل الفاعل، وفي الرابع واقع القيم نفسه، وفي الأخير فاعلية الفاعل مع الوجود والمعقول. هذا التناول من حيث تحديد مرجع القيمة لا يكفي لتحديد مفهوم القيمة عموما؛ لأن القيمة ليست وحدة واحدة بل هي متنوعة ولها مستويات مختلفة، وإذا لم يكن هذا التنوع من حيث الأصل فهي متنوعة على الأقل من حيث الفروع والأشكال؛ فإن المهتمين بتحديد القيمة ذهبوا في هذه النقطة خاصة إلى مذهبين متعارضين: فمنهم من ذهب إلى عدم التقسيم لصعوبة تقسيمها وتحديد أقسامها, ومنهم من ذهب إلى تقسيمها وقالوا: إنه وإن لم تكن قاعدة يمكن تصنيفها على أساسها بدقة، فإن التصنيف على أي حال خير من عدمه؛ لأنه يساعدنا على دراسة مفهومها وتناولها بالدراسة من جميع أطرافها.

стр. 380

تصنيف القيم: وبناء على هذه الفكرة صنفوا القيم إلى أنواع وإن لم يتفقوا على أنواع معينة، فقسمها بعضهم إلى قيم أصلية وقيم مشتقة، وقسمها آخرون إلى قيم ذاتية وقيم ذرائعية، ومنهم من قسمها إلى القيم - الغايات, القيم - الوسائل ومنهم من قسمها إلى قيم الحق والخير والجمال.

стр. 381

ومن أشهر التقسيمات التي اشتهرت في مجال دراسة القيم الاجتماعية تصنيف "سترنج" وهو كالآتي: القيم النظرية، الاقتصادية، الجمالية، الاجتماعية، السياسية، الدينية. وفي مجال تحديد مستوياتها، رتبوها كالآتي: ١- القيم الإلزامية وتشمل الأوامر والنواهي وهي القيم المقدسة التي يجب الالتزام بها والمحافظة عليها والتي يعاقب الخارج عليها عقابا صارما. ٢- القيم التفضيلية وهي القيم التي تشجع الجماعة أفرادها للقيام بها وتكافئ عليها لكنها لا ترقى إلى مكانة الأولى التي تتطلب لتاركها عقابا صارما مثل النجاح في الحياة وضروب المجاملات الأخرى بين الناس. ٣- القيم المثالية: وهي التي يحسن تحقيقها بصورة كاملة وقد تؤثر تأثيرا قويا في توجيه سلوك الفرد "مثل مقابلة الإساءة بالإحسان"١. وهناك تقسيم آخر لمستويات القيم وهو التقسيم الآتي: ١- المستوى الأدنى: مستوى القيم الملائم وغير الملائم والمنافي. ٢ - مستوى القيم الحيوية وتشمل القيم: المتميز والمبتذل والنبيل. ٣- مستوى القيم الروحية: وتضم القيم البديعية الجمالية والحقوقية والعقلية. ٤- مستوى القيم الدينية: وهي تتصل بالله وعلاقة الناس به وهي تهيمن

стр. 382

على سائر القيم "لأنها هي أساسها كلها"١. وهذه المستويات لا تنفصل بعضها عن بعض بحدود حاسمة بل يتداخل أحيانا بعضها في بعض، وقد يتحول مستوى قيمة إلى مستوى آخر من حيث درجة الالتزام بها، وقد يتم هذا التحول من النوع الأول إلى الثالث أو الثاني أو من النوع الثالث إلى الأول والثاني وهكذا. وقد تفقد قيمتها بمرور الزمان وتتحول إلى مجرد عادة. كما قد ينشأ صراع بين القيم فتنتصر بعض القيم وتهزم بعضها الأخرى. وذلك نتيجة الصراع الاجتماعي بين المجتمعات أحيانا وبين الطبقات في داخل المجتمع الواحد نفسه، ونتيجة صراع بين القيم الدينية والاقتصادية ومن ثم نستطيع أن نحدد أهم ما قيل في مفهوم القيمة في المفاهيم الآتية: أحدها: أن القيمة منفعة وفائدة والشيء القيم هو الشيء المفيد والنافع. ثانيها: أن القيمة هي الاهتمام والشيء القيم هو الشيء المهتم به. ثالثها: أن نظام القيم متأصل في طبيعة الإنسان، والإنسان يندفع بالطبيعة لتحقيقه في الواقع إذن فهو في التقويم يحوله من القوة إلى الفعل وإلى الوجود المادي. رابعها: هي علم السلوك التفضيلي، فالإنسان يبحث دائما عن أفضل أو بتعبير آخر القيمة هي طراز الشروع المفضل في ميادين الحياة المختلفة. خامسها: هي الأفكار الاعتقادية الانفعالية النفسية المتعلقة بفائدة الأشياء في حياة المجتمع٢.

стр. 383

وسادسها: هي ضرب من النظام موجود في الوجود يميل إليه الإنسان بالطبيعة في القيم الإيجابية وينفر منه في القيم السلبية١. بعد تحديد مفهوم القيمة بصفة عامة في الاتجاهات الفلسفية المختلفة نستطيع تحديد القيمة الأخلاقية في إطار مفهوم القيمة عموما. إن قيمة الأخلاق في أساسها هي قيمة الأفعال أو السلوك لا قيمة الأشياء والأفكار، وليس أي سلوك، وإنما سلوك إنسان راشد يبتغي غاية من سلوكه. وحقيقة هذه القيمة هي الخير وحقيقة الخير -كما رأينا- اختلفت فيها وجهات النظر، وقد فسرها كل اتجاه بما يتناسب مع فلسفته في القيمة عموما، وقد عرضنا هذه الاتجاهات ولا داعي لعرضها لتفسير القيمة الأخلاقية من جديد.

стр. 384

ثانيا: تحديد القيمة الأخلاقية في إطار الإسلام: عرفنا مفهوم الأخلاق في نظر الإسلام بصفة عامة بأنه علم الخير والشر والحسن والقبيح والطيب والخبيث. وقد رأينا أن للسلوك الأخلاقي جانبين الجانب الشكلي المادي والجانب الباطني المعنوي. ويتمثل الأول في القوانين الأخلاقية المرسومة من قبل الشرع, ويتمثل الثاني في الإرادة والغاية والنية الخيرة ولا بد من تطابق الظاهر والباطن حتى يكون السلوك الأخلاقي كاملا، وحتى تتحقق القيمة المنوطة به، فقيمة الأخلاق مرتبطة بهذه القيمة المادية والقيمة المعنوية لارتباط السلوك الأخلاقي بهما معا. غير أن ارتباطه بالقيمة المعنوية أكبر؛ لأن هذه القيمة هي التي تضفي

стр. 385

علي السلوك الصفة الأخلاقية، أما السلوك بغير الصفة الأخلاقية فيعد سلوكا عاديا لا يقاس بمعايير الأخلاق. فمثلا لو ساعد رجل آخر وهو يقصد من وراء ذلك مقابلا فإن هذا السلوك لا يدخل في مجال العمل الأخلاقي بالرغم من توافر صورة الأخلاق فيه؛ لأنه يعد صفقة تجارية تتم في إطار الأخلاق ظاهريا. فالغاية الأخلاقية تحمل قيمة الأخلاق وهي بدورها تحمل قيمة الشخص. والفعل الأخلاقي للإنسان شبيه بأن يكون وليدا له. فكما أن الوليد يتأثر بكثير من خصائص أمه عندما يحيا في بطنها. ويظهر هذا الأثر في شخصيته بعد الميلاد. كذلك الفعل تتكون بنيته الأولى في ضمير الفاعل من حيث الخيرية والشرية والصلاح والطلاح. لكن كيف تؤثر الغاية في قيمة الفعل الأخلاقي مع أنها أمر خارج عن الفعل أو هي غير الفعل ثم من أين جاءت القيمة إلي الغاية؟. لنجيب عن ذلك نضرب المثل الآتي: هب أن رجلا ألف كتابا كعمل علمي خلقي, فمن الضروري أن تكون له غاية, قد تكون غايته كسب مال أو شرف أو إفادة الناس؛ لذات الفضيلة لا لشيء آخر. ولو سألنا الناس عن أشرف هذه الغايات لاختاروا الأخيرة بدون شك, ولكن لماذا يختارون الأخيرة؟ هل لأن النفع يعود عليهم؟ إذ النفع موجود على أي حال, إذن فالترجيح هنا مبني على الغاية لا على ذات الفعل. ولا يدل هذا على عدم إعطاء أية قيمة لهذا العمل كعمل نافع بناء. ولكن المسألة مسألة التفضيل، وهو مبني علي القيمة المتزايدة وهذه القيمة وليدة الغاية ولكن من أين جاءت هذه القيمة إلى هذه الغاية. لا شك أنها جاءت من الخير العام الذي يستهدفه من عمله أي: من الإيثار. ولكن من أين

стр. 386

جاءت القيمة إلي الإيثار, لا شك أنها جاءت من فكرة الفضيلة، ولكن من أين جاءت القيمة إلي هذه الفكرة لا شك أنها جاءت من الإنسانية؛ لأنه عمل إنسان يستهدف غاية إنسانية, ولكن فكرة الإنسانية أيضا تستمد قيمتها من شعور الإنسان بالقيمة المثالية للسلوك. هذه الغاية قيمة؛ لأنها موافقة للمثل العليا أو القيمة العليا. ولكن ما زلنا نحتاج إلى سؤال متسلسل من نوع الأسئلة السابقة وهو من أين جاءت القيمة إلي المثل العليا؟ وما المثل العليا في حقيقتها؟ إن الفلاسفة الذين قالوا: إن القيم الأخلاقية نازلة من المثل العليا أو أن الأخلاق تستمد قيمتها من المثل العليا حاولوا تحديد ماهية هذه المثل, ولكنهم لم يستطيعوا تحديدها وبيان حقيقتها. أما الإسلام فقد بينها بأنها ضرب من النظام المتعالي على الواقع يستمد قيمته من إرادة الله ومن الإنسان والوجود المادى, وهذه المثالية للقيمة معطاة قد أخذت مكانها في فطرة الإنسان باسم الحاسة الخلقية والشعور الخلقي وتحت دافعية هذا الإحساس أو ذلك الشعور يحاول الإنسان التسامي به إلي ذلك المثال وتقليده وفي ضوئهما يميز بين العمل الأخلاقي واللا أخلاقي وبين درجات القيمة الأخلاقية للأفعال الإنسانية. إذن الغاية تستمد من إرادة الله. وعندما يريد الإنسان من سلوكه ما أراد الله منه أن يريده فإنه يكون قد اتحدت الإرادتان أو الغايتان إرادة الإنسان وإرادة الله. ولقد حدد الإسلام غاية الأخلاق التي ينبغي أن يتم العمل الخلقي في ظلها بأن يريد الإنسان من عمله وجه الله وأن يعمل لأن هذا العمل إرادة الله منه لا أكثر ولا أقل, ولهذا قال تعالى

стр. 387

: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ ١, ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢, ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً, إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً﴾ ٣, ونرى في هذه الآيات بالإضافة إلى جعل الله غاية الأخلاق ابتغاء وجهه فإنه قد ربط بين هذه الغاية وبين خيرية الأخلاق والجزاء في الآخرة. ولا ينبغي أن يفهم من هذا أن ليس للسلوك الأخلاقي أية قيمة بدون الغاية الأخلاقية إذ إن له قيمة أيضا لكن قيمته ناقصة ولا ينال ثوابه في الآخرة وإنما ينال ثوابه الطبيعي في الدنيا؛ لأن الله يكافئ من يعمل من أجله, ومن كان يعمل للناس أو للدنيا ينال مكافأة عمله من الناس أو من الدنيا. ولا نصيب له منه في الآخرة ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ, أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٤, وقال تعالي: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ ٥. وروي عن ابن عباس في معنى الآية: "من كان من الأبرار يريد بعمله الصالح ثواب الأخرة نزد له في حرثه أي: في حسناته, ومن كان من الفجار يريد

стр. 388

بعمله الحسن الدنيا نؤته منها", وقال قتادة: "إن الله يعطى مَن نيته الآخرة ما شاء من أمر الدنيا ولا يعطي علي نية الدنيا إلا الدنيا"١, لكن إذا قلنا: إن للأخلاق قيمة فلنا أن نسأل ما ماهيتها؟ وما مميزاتها بالنسبة إلي القيم الأخرى؟ نحن نعلم أن هناك قيما كثيرة: قيم الأشياء والحق والخير والجمال وقد عبر الفلاسفة عن قيم الأخلاق بالخير وذهبوا في تفسير الخير مذاهب شتى. فما مذهب الإسلام في حقيقة هذه القيمة؟ عندما ندرس هذه الحقيقة في الإسلام نجد أنه قد عبر عنها أحيانا بالخير وأحيانا بالقيمة, وإن كان استعماله للفظ الأول أكثر من الأخير, إلا أن إبدال لفظ بلفظ آخر قد لا يزيد الأمر وضوحا, لبيان حقيقة هذا الخير أو تلك القيمة في الإسلام ينبغي أن ندرسها في المجالات التي استعمل فيها حتى نستطيع تحديد حقيقة هذه القيمة ومقارنتها بالقيم الأخرى. وإذا نظرنا إلي المجالات التي استعمل فيها لفظ الخير وجدنا أنه استعمل في المجالات الآتية: وعبر عنها بألفاظ مختلفة مثل: البر والحكمة ورفعة المكانة الأدبية بين الناس وما إلي ذلك ويمكن تلخيصها في المجالات الآتية: مجال المعرفة والحكمة: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ ٢, ومعروف أن الحكمة باختصار هي القول السديد والعمل المفيد ومعرفة أسرار الموجودات والعمل بمقتضى العلم, فهي بذلك تجمع بين القيمة الفكرية والعملية أو بين العلم والعمل بموجبه.

стр. 389

- مجال العقيدة والإيمان بالله: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ ١؛ لأن الإيمان بالله كما هو خير بنفسه فإنه يؤدي كذلك إلي الخير. - مجال الصلاح والتقوى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ ٢, ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ ٣. - مجال المال والمساعدة: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ ٤. - مجال الشخصية الإنسانية: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ ٥, ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ ٧, وقال الرسول -صلي الله عليه وسلم: "إن من أخيركم أحسنكم أخلاقا" ٦. - مجال كسب رضوان الله في الآخرة: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٨, ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ ٩. أما لفظ القيمة فقد استعملت في المجالات الآتية: - مجال الدين والعبادة الخالصة لله تعالي: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ١٠, ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ ١١.

стр. 390

- مجال الأحكام والقضاء: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُطَهَّرَةً, فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ١, ولقد بين الله أن في تلك الصحف أحكاما قيمة صدرت من الله إلي العباد. - مجال هداية الناس بالكتاب الكريم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا, قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً﴾ ٢. - في مجال وصف الإسلام بالطريق المستقيم: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣. - مجال وصف الإسلام كله دينا: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٤, ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ ٥. يتبين لنا من هذا العرض لاستعمالات كلمة الخير والقيمة أن الأولى تستعمل لجميع الخصال الحميدة والأفعال الأخلاقية النبيلة وما تؤدي إليه هذه وتلك من المنافع والفوائد لصالح الفرد والجماعة في الدنيا والآخرة ويعبر بها بصفة عامة عن القيم السلوكية والشخصية والفكرية والمادية. أما كلمة القيمة فقد استعملت بصفة عامة في قيمة الإسلام أحكاما ومبادئ سليمة وهادية ومرشدة للناس في هذه الحياة.
следующие страницы →