وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيْمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيْمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . ١
عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ :
"لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَو أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ". ٢
وعن عمران بن حصين وعبد الله بن مسعود ﵄ أن النبي ﷺ قال:
"خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي - وفي حديث ابن مسعود: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي" - ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" ٣ الحديث.
стр. 72
وعن البراء ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ ، أو قال: قال النبي ﷺ : "الأَنْصَارُ لا يُحِبُّهُمْ إِلاَّ مُؤْمِنٌ، وَلا يُبْغِضُهُمْ إِلاَّ مُنَافِقٌ، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ". ١
وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال:
"آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ" ٢، وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي يطول ذكرها والأحاديث الشهيرة التي يكثر تعدادها، وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله له إلى تعديل أحد من الخلق.
وقال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ) :
"عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم"، ثم ساق طائفة من الآيات والأحاديث في ذلك ثم قال: "على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد ونصرة الإسلام وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأبناء والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين، القطع على تعديلهم والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم كافة أفضل من جميع الخالفين بعدهم، والمعدلين الذين يجيئون من بعدهم. هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتمد قوله".
стр. 73
ثم روى بسنده إلى أبي زرعة الرازي قال: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول ﷺ عندنا حق والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة". ١
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) :
"ومن أوكد آلات السنن المعينة عليها والمؤدية إلى حفظها، معرفة الذين نقلوها عن نبيهم ﵌ إلى الناس كافة، وحفظوها عليه وبلغوها عنه، وهم صحابته الحواريون الذين وعوها وأدوها ناصحين محسنين، حتى كمل بما نقلوه الدين، وثبتت بهم حجة الله تعالى على المسلمين، فهم خير القرون، وخير أمة أخرجت للناس، ثبتت عدالة جميعهم بثناء الله عليهم وثناء رسوله ﵊، ولا أعدَلَ ممن ارتضاه الله لصحبة نبيه ونصرته ولا تزكية أفضل من ذلك ولا تعديل أكمل منه". ٢
وقال الحافظ شهاب الدين ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) :
"اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة". ٣
وقال الإمام ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) :
стр. 74
"والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة، لِمَا أثنى الله عليهم في كتابه العزيز، وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم، وما بذلوه من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله ﷺ رغبة فيما عند الله من الثواب الجزيل الجميل.
وأما ما شجر بينهم بعده ﵊، فمنه ما وقع عن غير قصد، كيوم الجمل، ومنه ما كان عن اجتهاد كيوم صفين، والاجتهاد يخطئ ويصيب، ولكن صاحبه معذور وإن أخطأ ومأجور أيضاً، وأما المصيب فله أجران اثنان، وكان علي وأصحابه أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه ﵃ أجمعين". ١
وقال ﵀ أيضاً -:
"وأفضل الصحابة بل أفضل الخلق بعد الأنبياء ﵈ أبو بكر الصديق خليفة رسول الله ﷺ ، ثم بعده عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل أحد، ثم أهل بيعة الرضوان يوم الحديبية". ٢
وقال الحافظ أبو جعفر الطحاوي (ت ٣٢١ هـ) :
"ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر
стр. 75
ونفاق وطغيان". ١
وقال أبو محمد بن حزم (ت ٤٥٦ هـ) :
"الصحابة جميعهم في الجنة: قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاً وَعْدَ اللهُ الحُسْنَى﴾ . ٢ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ . ٣ فثبت أن الجميع من أهل الجنة، وأنه لا يدخل أحد منهم النار، لأنهم المخاطبون بالآية السابقة. ٤
قال الإمام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) :
"ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم، فيفضلون من أنفق من قبل الفتح - وهو صلح الحديبية - وقاتل على من أنفق من بعده وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الأنصار.
ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر - وكانوا ثلاث مائة وبضعة عشر:
стр. 76
"اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ". ١ وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، كما أخبر به النبي ﷺ ٢، بل قد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة.
ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة كالعشرة وكثابت بن قيس بن شماس ٣ وغيرهم من الصحابة.
ويؤمنون بأن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليّ ﵃ أجمعين - ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء الأئمة فهو أضل من حمار أهله
ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ .
ويتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة.
ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يُبغضون الصحابة ويسبونهم، ومن طريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل،
стр. 77
ويمسكون عما شجر بين الصحابة.
ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغُيِّرَ عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون وإما مجتهدون مخطئون.
وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر" ١ اهـ ملخصاً.
وقال ﵀:
" فإن القدح في خير القرون الذين صحبوا الرسول ﵌ قدح فيه ﵇، كما قال الإمام مالك وغيره من أئمة العلم: هؤلاء طعنوا في أصحاب رسول الله ﷺ ، إنما طعنوا في أصحابه ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحين". ٢
وقال ﵀:
" فأما من سب أزواج النبي ﷺ فقال القاضي أبو يعلى: من قذف عائشة بما برأها الله منه كفر بلا خلاف، وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد، وصرح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم.
فروي عن مالك: من سب أبا بكر جلد، ومن سب عائشة قتل،
стр. 78
قيل له: لِمَ؟ قال: من رماها فقد خالف القرآن، لأن الله تعالى قال: ﴿يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .
ثم فصَّل ﵀ القول في سابِّ الصحابة فقال:
"أما من اقترن بسبه دعوى أن عليّاً إله أو أنه كان هو النبي وإنما غلط جبرائيل في الرسالة، فهذا لا شك في كفره بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره، وكذلك من زعم منهم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت أو زعم أن له تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة ونحو ذلك.
وأما من سبهم سبّاً لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم مثل وصف بعضهم بالبخل أو الجبن أو قلة العلم أو عدم الزهد ونحو ذلك، فهذا هو الذي يستحق التأديب والتعزير ولا نحكم بكفره بمجرد ذلك، وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم.
وأما من لعن وقبح مطلقاً فهذا محل الخلاف فيهم لتردد الأمر بين لعن الغيظ ولعن الاعتقاد.
وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله ﷺ إلا نفراً قليلاً لا يبلغون بضعة عشر، أو أنهم فسقوا عامتهم، فهدا لا ريب أيضاً في كفره، لأنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع من الرضى عنهم والثناء عليهم بل من شك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين، فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفارٌ أو فساقٌ، كفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، ولهذا تجد عامة من ظهر عليه شيء من هذه الأقوال، فإنه يتبين أنه زنديق، وعامة الزنادقة يتسترون بمذهبهم.
стр. 79
وبالجملة فمن أصناف السابَّة من لا ريب في كفره، ومنهم لا يحكم بكفره، ومنهم من تردد فيه". ١ ملخصاً.
стр. 80
المبحث الثالث: طبقات الصحابة وأشهر ما صنف فى تراجمهم
أ- طبقات الصحابة:
تقدم أن من معاني الطبقة في لغة العرب: الجماعة من الناس يشبه أو يعدل بعضهم بعضاً، وأن من معانيها الحال بعد الحال والمرتبة فوق المرتبة
وإذا أمعنا النظر في الكتب التي ذكرت طبقات الصحابة وجدنا أن أصحاب تلك المصنفات قد سلكوا فى ذكر طبقات الصحابة مسلكين، وكلا هذين المسلكين يحتمله معنى الطبقة في لغة العرب وكذلك اصطلاح المحدثين:
المسلك الأول: جعلهم كلهم طبقة واحدة.
وممن سلك هذا المسلك:
١- خليفة بن خياط العُصفري (ت ٢٤٠ هـ) في كتابه "الطبقات" - وهو مطبوع -.
٢- أسلم بن سهل الواسطي المعروف ببحشل (ت ٢٩٢ هـ) في كتابه "تاريخ واسط" - وهو مطبوع -.
٣- أبو حاتم محمد بن حبان البستي (ت ٣٥٤ هـ) في كتابه "الثقات" - وهو مطبوع -.
стр. 81
٤- أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥هـ) في كتابه "تاريخ نيسابور". ١
٥- أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني
(ت ٨٥٢ هـ) في كتابه "التقريب". ٢
وقد راعى هؤلاء المصنفون في جعلهم الصحابة "طبقة واحدة" اشتراك الصحابة في الصحبة لرسول الله ﷺ ، واعتبار الطبقة فى هذه المصنفات بمعنى "الجيل أو القرن". ٣
المسلك الثاني: تقسيم الصحابة إلى عدة طبقات.
وممن سلك هذا المسلك:
١- محمد بن سعد كاتب الواقدي (ت ٢٣٠ هـ) فى كتابه "الطبقات الكبرى" - مطبوع -.
٢- أبو عبد الله الحاكم (ت ٤٠٥ هـ) في كتابه "معرفة علوم الحديث". ٤
٣- جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي المعروف بابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) في كتابه "صفة الصفوة" - وهو مطبوع - وغيرهم.
стр. 82
وقد راعى هؤلاء المصنفون في تقسيمهم الصحابة إلى عدة طبقات معنى آخر يحتمله أيضاً معنى الطبقة في لغة العرب ١، وهو حال الصحابي ومنزلته في الإسلام من حيث فضله وسابقته في الإسلام.
وقد اختلفت اجتهادات هؤلاء المصنفين في عدد طبقات الصحابة بهذا الاعتبار، حيث جعلهم محمد بن سعد خمس طبقات ٢ في حين جعلهم الحاكم اثنتي عشرة طبقة ٣، بينما قلد الحافظ أبو الفرج بن الجوزي ابن سعد في تقسيمه لهم إلى خمس طبقات. ٤
ب- من أشهر المصنفات في معرفة الصحابة:
لقد اعتنى علماء هذه الأمة عبر عصورها المختلفة بتراجم أصحاب رسول الله ﷺ ومعرفة أحوالهم وأخبارهم، وذلك لأنهم خير هذه الأمة وقدوتها بعد رسول الله ﷺ .
فلم يخل عصر من العصور من التأليف في معرفة الصحابة.
ونظراً لصعوبة حصر ذلك أكتفي بذكر أشهر ما صنف في ذلك: ٥
стр. 83
١- الصحابة لأبي عبيدة معمر بن المثنى (ت ٢٠٨ هـ) . ١
٢- معرفة من نزل من الصحابة سائر البلدان للإمام علي بن المديني (ت ٢٣٤ هـ) . ٢
٣- الصحابة، تأليف: عبد الرحمن بن إبراهيم بن عمرو الدمشقي المعروف بدحيم (ت ٢٤٥ هـ) . ٣
٤- تأريخ الصحابة لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦ هـ) . ٤
٥- الصحابة لأبي زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي
(ت ٢٦٤ هـ) . ٥
стр. 84
٦- الصحابة لأحمد بن سيار المروزي (ت ٢٦٨ هـ) . ١
٧- الصحابة لأبي بكر أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم المعروف بابن البرقي (ت ٢٧٠ هـ) .٢
٨- الصحابة لأبي حاتم محمد بن إدريس الرازي (ت ٢٧٧ هـ) .٣
٩- الصحابة لأبي جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي مطين (ت ٢٩٧ هـ) . ٤
١٠- الصحابة لأبي منصور محمد بن سعد الباوردي (ت٣٠١ هـ)
١١- الصحابة للحافظ أبي محمد عبد الله بن أحمد بن موسى الأهوازي الملقب بعبدان (ت ٣٠٦ هـ) . ٦
стр. 85
١٢- الآحاد لأبى محمد عبد الله بن محمد الجارود (ت٣٠٧ هـ)
١٣- الصحابة لأبي بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني (ت ٣١٦ هـ) . ٢
١٤- معجم الصحابة لأبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد
стр. 86
العزيز البغوي (ت ٣١٧ هـ) . ١
١٥- الصحابة لأبي جعفر محمد بن عمرو بن موسى العقيلي (ت ٣٢٢ هـ) . ٢
١٦- الصحابة لأبي العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي (ت ٣٢٥ هـ) . ٣
١٧- الصحابة للقاضي أبي أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم العسال (ت ٣٤٩ هـ) . ٤
١٨- معجم الصحابة لأبي الحسين عبد الباقي بن قانع الأموي مولاهم (ت ٣٥١ هـ) . ٥
١٩- معجم الصحابة لأبي علي سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن البغدادي المصري (ت ٣٥٣ هـ) . ٦
стр. 87
٢٠- الصحابة لأبي حاتم محمد بن أحمد بن حبان البستي (ت ٣٥٤ هـ) . ١
٢١- المعجم الكبير للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (ت ٣٦٠ هـ) . ٢
٢٢- أسماء الصحابة لأبي بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي (ت ٣٧١ هـ) . ٣
٢٣- معرفة الصحابة لأبي أحمد الحسن بن عبد الله العسكري (ت ٣٨٢ هـ) . ٤
٢٤- الصحابة لأبي حفص عمر بن أحمد بن شاهين (ت ٣٨٥ هـ) .
٢٥- معرفة الصحابة لأبي عبد الله محمد بن إسحاق بن منده الأصبهاني (ت ٣٩٥ هـ) . ٥
стр. 88
٢٦- معرفة الصحابة لأحمد بن علي بن لال الهمداني الشافعي (ت ٣٩٨ هـ) . ١
٢٧- معرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني (ت ٤٣٠ هـ) . ٢
٢٨- معرفة الصحابة لأبي العباس جعفر بن محمد المستغفري (ت ٤٣٢ هـ) . ٣
٢٩- الاستيعاب في معرفة الأصحاب لأبي عمر يوسف بن عبد الله المعروف بابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) - مطبوع -.
هذه من أشهر المصنفات في معرفة الصحابة إلى نهاية القرن الخامس الهجري ٤، وهناك مؤلفات أخرى اشتملت على تراجم كثيرة
١قال ابن نقطة في التقييد: وله معرفة الصحابة ما رأيت شيئاً أحسن منه. طبقات الشافعية (ص: ٢٠٣) .
٢حقق الدكتور محمد راضي جزءاً منه لنيل الدكتوراه من قسم السنة بالدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة، وقد طبع هذا الجزء في ثلاث مجلدات في مكتبة الدار بالمدينة النبوية.
٣الإعلان بالتوبيخ (ص: ٩٣) ، والرسالة المستطرفة (١٢٦) .
٤استمرت عناية العلماء بتراجم الصحابة بعد القرن الخامس الهجري، فأُلّف في ذلك كتب كثيرة من أهم ما ألف في ذلك إلى نهاية القرن التاسع الهجري:
стр. 89
من الصحابة منها:
أولاً: الكتب التي حوت تراجم الصحابة وغيرهم، مثل:
١- الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد (ت ٢٣٠ هـ) - مطبوع -.
٢- طبقات خليفة بن خياط (ت ٢٤٠ هـ) - مطبوع -.
٣- التاريخ الكبير للإمام البخاري (ت ٢٥٦ هـ) - مطبوع -.
٤- المعرفة والتاريخ ليعقوب بن سفيان الفسوي (ت ٢٧٧ هـ) - مطبوع -.
٥- التاريخ لأبي بكر بن أبي خيثمة (ت ٢٧٩ هـ) مخطوط، وغيرها.
ثانياً: كتب ألفت في فضائل الصحابة ﵃، مثل:
١- فضائل الصحابة للإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ) ، مطبوع.
٢- فضائل الصحابة لأبي عبد الرحمن النسائي (ت ٣٠٣ هـ) ، مطبوع.
٣- فضائل الصحابة لخيثمة بن سليمان الأطرابلسي (ت ٣٤٣ هـ) مطبوع. وغير ها.
стр. 90
المبحث الرابع: دراسة موجزة لنموذجين من كتب معرفة الصحابة ١
الأول: الاستيعاب في معرفة الأصحاب:
المؤلف: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النَّمَري - بفتح النون والميم - الأندلسي القرطبي، قال الحافظ الذهبي:
"الإمام العلامة حافظ المغرب شيخ الإسلام صاحب التصانيف الفائقة، ولد سنة (٣٦٨ هـ) ، وتوفي سنة (٤٦٣ هـ) ﵀ رحمة واسعة" ٢
منهج ابن عبد البر في كتاب الاستيعاب:
وخير من يوضح المنهج المؤلف نفسه رحمه الله تعالى، حيث يقول في خطبة كتابه:
"وقد جمع قوم من العلماء في ذلك - معرفة الصحابة - كتباً صنَّفوها، ونظرت إلى كثير مما صنفوه في ذلك وتأملت ما ألَّفوه، فرأيتهم - رحمة الله عليهم - قد طوّلوا في بعض ذلك وأكثروا من تكرار الرفع في الأنساب ومخارج الروايات، وهذا - وإن كان له وجه - فهو تطويل على من أحب علم ما يعتمد عليه من أسمائهم
стр. 91
ومعرفتهم، وهم مع ذلك قد أضربوا عن التنبيه على عيون أخبارهم التي يوقف بها على مراتبهم، رأيت كل واحد منهم قد وصل إليه من ذلك شيء ليس عند صاحبه، فرأيت أن أجمع ذلك وأختصره وأقربه على من أراده، وأعتمد في ذلك على النكت التي هي البغية من المعرفة بهم، وأشير إلى ذلك بألطف ما يمكن، وأذكر عيون فضائل ذي الفضل منهم وسابقته ومنزلته، وأبين مراتبهم بأوجز ما تيسر وأبلغه ليغتنى اللبيب بذلك ويكفيه عن قراءة التصنيف الطويل فيه. وجعلته على حروف المعجم ليَسْهُلَ على من ابتغاه. ١
وأرجو أن يكون كتابي هذا أكبر كتبهم تسمية وأعظمها فائدة وأقلها مؤنة، على أني لا أدعي الإحاطة، بل أعترف بالتقصير الذي هو الأغلب على الناس، وبالله أستعين وهو حسبي ونعم الوكيل".٢
ثم قال ٣ ﵀: "ولم أقتصر في هذا الكتاب على ذكر من صحت صحبته ومجالسته، حتى ذكرنا من لقي النبي ﷺ ، ولو لقيه مرة واحدة مؤمناً به، أو رآه رؤية، أو سمع منه لفظة فأدَّاها عنه، واتصل ذلك بنا على حسب روايتنا، وكذلك ذكرنا من وُلِد على عهده من أبوين مسلمين، فدعا له أو نظر إليه وبارك عليه ونحو هذا".
стр. 92
ثم قال ١: "ونبدأ بذكر رسول الله ﷺ ونقتصر من خبره وسيرته على النكت التي يجب الوقوف عليها ولا يليق بذي علم جهلها، وتحسن المذاكرة بها لتتم الفائدة للعالم الراغب والمتعلم الطالب فى التعريف بالمصحوب والصاحب، مختصراً ذلك أيضاً، موعباً مغنياً عما سواه كافياً ثم نتبعه ذكر الصحابة باباً باباً على حروف المعجم على ما شرطنا من التقصي والاستيعاب ٢ مع الاختصار وترك التطويل والإكثار".
وقد نص ﵀ في خطبة كتابه على مصادره التي اعتمدها فقال ٣:
"واعتمدت في هذا الكتاب على الأقوال المشهورة عند أهل العلم بالسير وأهل العلم بالأثر والأنساب وعلى التواريخ المعروفة التي عليها عوَّل العلماء في معرفة أيام الإسلام وسير أهله ثم ذكر تلك المصادر وأسانيدها إلى مؤلفيها وهم:
١- موسى بن عقبة (ت ١٤١ هـ) .
٢- محمد بن إسحاق (ت ١٥٠ هـ) .
٣- محمد بن عُمر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) .
٤- خليفة بن خياط (ت ٢٤٠ هـ) .
стр. 93
٥- الزبير بن أبي بكر - بكار - (ت ٢٥٦ هـ) .
٦- مصعب بن عبد الله الزبيري (ت ٢٣٦ هـ) ، وعلي بن محمد المدائني (ت ٢٢٤ أو ٢٢٥ هـ) ، وأبو معشر (ت ١٧٠ هـ) ، يروي عن ثلاثتهم من كتاب "التاريخ" لابن أبي خيثمة.
٧- أبو عبد الله البخاري من "تاريخه الكبير".
٨- أبو العباس محمد بن إسحاق السراج (ت ٣١٣ هـ) من كتابه "التاريخ".
٩- ابن جرير الطبري (ت٣١٠ هـ) من كتابه المسمى "ذيل المذيل".
١٠- أبو بشر الدولابي (ت ٣٢٠ هـ) من كتابه "المولد والوفاة".
١١- أبو علي سعيد بن عثمان بن السكن (ت ٣٥٣ هـ) من كتابه "الحروف في الصحابة".
١٢- أبو محمد عبد الله بن محمد بن الجارود (ت ٣٠٧ هـ) من كتابه "الآحاد".
١٣- أبو جعفر محمد بن عمرو العُقيلي (ت ٣٢٢ هـ) من كتابه "الصحابة".
ثم قال: "وقد طالعت أيضاً كتاب ابن أبي حاتم الرازي، وكتاب الأزرق إسحاق بن يوسف (ت ١٩٥ هـ) ، والدولابي، والبغوي (ت ٣١٧ هـ) في الصحابة، وفي كتابي هذا من غير هذه الكتب من منثور الروايات والفوائد والمعلقات عن الشيوخ ما لا يخفى على
стр. 94
متأقل ذي عناية، والحمد لله" ١ اهـ ملخصاً.
الثاني: الإصابة في تمييز الصحابة:
المؤلف: الحافظ شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي العسقلاني المعروف بابن حجر المولود سنة (٧٧٣ هـ) ، والمتوفى سنة (٨٥٢ هـ)
منهج الحافظ ابن حجر فى كتاب "الإصابة":
قال ٣ ﵀ بعد أن ذكر بعض من جمع تراجم الصحابة قبله: "فجمعت كتاباً كبيراً في ذلك ميَّزت فيه الصحابة من غيرهم، ومع ذلك فلم يحصل لنا من ذلك جميعاً الوقوف على العُشر من أسامي الصحابة ٤ بالنسبة إلى ما جاء عن أبي زرعة الرازي قال: "توفي رسول الله ﵌ ومن رآه وسمع منه زيادة على مائة ألف إنسان من رجل وامرأة، كلهم قد روى عنه
стр. 95
سماعاً أو رؤية". ١
ومما يؤيد قول أبي زرعة ما ثبت في "الصحيحين" عن كعب بن مالك في قصة تبوك: "والناس كثير لا يحصيهم ديوان". ٢
ثم قال: "وقد كثر سؤال جماعة من الإخوان فى تبييضه، فاستخرت الله تعالى في ذلك ورتبته على أربعة أقسام في كل حرف. ٣
فالقسم الأول: فيمن وردت صحبته بطريق الرواية عنه أو عن غيره، سواء كانت الطريق صحيحة أو حسنة أو ضعيفة، أو وقع ذكره بما يدل على الصحبة بأي طريق كان.
القسم الثاني: فيمن ذكر في الصحابة من الأطفال الذين ولدوا في عهد النبي ﷺ لبعض الصحابة من النساء والرجال ممن مات ﷺ وهو في دون سن التمييز، إذ ذكر أولئك الصحابة إنما هو على سبيل الإلحاق لغلبة الظن على أنه ﷺ رآهم لتوفر دواعي أصحابه على إحضارهم أولادهم عنده عند ولادتهم ليُحَنِّكَهُم ويسميهم ويبرك عليهم، والأخبار بذلك كثيرة شهيرة.
стр. 96
القسم الثالث: فيمن ذكر في الكتب المذكورة - كتب معرفة الصحابة - من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يرد في خبر قط أنهم اجتمعوا بالنبي ﷺ ولا رأوه سواء أسلموا في حياته أم لا، وهؤلاء ليسوا من الصحابة باتفاق من أهل الحديث.
القسم الرابع: فيمن ذكر في الكتب المذكورة على سبيل الوهم والغلط وبيان ذلك البيان الظاهر الذي يعوّل عليه على طرائق أهل الحديث، ولم أذكر فيه إلا ما كان الوهم فيه بيناً، وهذا القسم الرابع لا أعلم من سبقني إليه".
ثم قال ﵀: "وقبل الشروع في الأقسام المذكورة أذكر فصولاً مهمة يحتاج إليها في هذا النوع ... " ثم ذكر ثلاثة فصول:
الأول: في تعريف الصحابي.
والثاني: في الطريق إلى معرفة كون الشخص صحابيّاً.
والثالث: في بيان حال الصحابة من العدالة، وقد أطال في هذا الفصل فأجاد وأفاد، ثم ختم مقدمته بذكر فائدة في ذكر أكثر الصحابة فتوى مطلقاً ... ١
وقد ضمن تراجم المترجمين في كتابه المعلومات الآتية - في الغالب -: نسب المترجم، وقد يطيل في نسبه، أشهر تلاميذه، وطائفة من أخباره وما شهده من المغازي مع رسول الله ﷺ والفتوحات في عصر الخلفاء الراشدين ﵃، أو الحوادث المهمة.
стр. 97
ويشير أحياناً إلى من خرج حديثه من أصحاب الكتب الستة وغيرها، وربما ساق نماذج من مروياته ويذكر سنة وفاة المترجم وما ورد من اختلاف إذا وجد.
وقد حوى كتاب "الإصابة" فوائد مهمة وتنبيهات دقيقة قد لا تتوفر في كثير من الكتب الأخرى التي ألفت في معرفة الصحابة، وهو من أجمع كتب معرفة الصحابة، استخلصه مؤلفه من كتب معرفة الصحابة التي ألفت قبله كما أفاد من كتب الجرح والتعديل، وتواريخ المدن، وكتب ضبط الأسماء، وكتب الحديث والتفسير، كما أفاد من كتب الأنساب والأخبار ١ وغيرها.
стр. 98
الفصل الثالث: كتب الجرح والتعديل
المبحث الأول: علم الجرح والتعديل تعريفه وحكمه وتاريخ نشأته
...
المبحث الأول: علم الجرح والتعديل، تعريفه، وحكمه، وتاريخ نشأته.
أجود وأجمع تعريف وقفت عليه لهذا العلم هو: علمٌ يتعلق ببيان مراتب الرواة من حيث تضعيفهم أو توثيقهم بتعابير فنية متعارف عليها عند علماء الحديث، وهي دقيقة الصياغة ومحددة الدَّلالة مما له أهمية في نقد إسناد الحديث ١.
حكم الجرح والتعديل:
الكلام في الرجال جرحاً وتعديلاً ثابتٌ عن رسول الله ﷺ ، ثمَّ عن كثير من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وجُوِّز ذلك تورعاً وصوناً للشريعة لا طعناً في الناس.
وكما جاز الجرح في الشهود جاز في الرواة، والتثبت في أمر الدِّين أولى من التثبت في الحقوق والأموال.
والأصل في هذا قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنِبِإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيْبُوا قَوْمَاً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِيْنَ﴾ ٢.
стр. 99
وما روته أم المؤمنين عائشة ﵂: أن رجلاً استأذن على النبي ﷺ فلما رآه قال: "بِئْسَ أخو العَشِيرةِ، بِئْسَ ابن العَشِيرةِ"، فلما جلس تطلَّق له النَّبي ﷺ في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق قالت له عائشة: يا رسول الله! حين رأيت الرجل قلت كذا وكذا، ثم تطلَّقت في وجهه وانبسطت إليه. فقال ﷺ : "يا عَائِشَة! مَتَى عَهِدْتني فَحَّاشاً؟ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ منزلةً عندَ اللهِ يوم القيامة مَن تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقاءَ شَرِّه" ١.
فلهذا افترض الأئمة على أنفسهم الكلام في ذلك. ٢
قال أبو بكر محمد بن خلاد الباهلي (ت ٢٤٠ هـ) :
"قلت ليحيى بن سعيد القطان: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله يوم القيامة فقال: لئن يكونوا خصمائي أحب إليَّ من أن يكون خصمي رسول الله ﷺ يقول لي: لِمَ لَمْ تَذُبَّ الكَذِبَ عن حَدِيثِي. ٣
وقال الحافظ أبو عمرو بن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ) : "روينا - أو قال: بلغنا - أن أبا تراب النخشبي الزاهد سمع من أحمد بن حنبل شيئاً من ذلك، فقال له: يا شيخ لا تغتب العلماء، فقال له: ويحك هذا نصيحة
стр. 100
وليس هذا غيبة". ١
وقال ابن الصلاح أيضاً: "ثم إن على الآخذ في ذلك أن يتقي الله ﵎ ويتثبَّت ويتوقَّى التساهل كي لا يجرح سليماً ويَسِم بريئاً بِسِمَةِ سوءٍ يبقى عليه الدهر عارها". ٢
وقال الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ) :
"قد أخبر النَّبيُّ ﷺ بأنَّ في أمته ممن يجيء بعده كذابين، فحذَّر منهم وأعلمنا أن الكذب عليه ليس كالكذب على غيره، فوجب بذلك النظر في أحوال المحدثين والتفتيش عن أمور الناقلين احتياطاً للدين وحفاظاً للشريعة من تلبيس الملحدين". ٣
وقال ابن الصلاح: "أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على أنَّه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلاً ضابطاً لما يرويه، وتفصيله أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً سالماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة، متيقظاً غير مغفل، حافظاً إن حدَّث من حفظه، وضابطاً لكتابه إن حدَّث من كتابه، وإن كان يحدث بالمعنى اشترط فيه مع ذلك أن يكون عالما بما يحيل المعاني، والله أعلم". ٤
وقال الحافظ الذهبي: "والكلام في الرواة يحتاج إلى ورعٍ تامٍّ وبراءةٍ من الهوى والميل، وخبرةٍ كاملةٍ بالحديث وعلله ورجاله، ثم نحن نفتقر إلى تحرير عبارات التعديل والجرح وما بين ذلك من
стр. 101
العبارات المتجاذبة، ثم أهم من ذلك أن نعلم بالاستقراء التَّام: عُرْفَ ذلك الإمام الجهبذ واصطلاحه ومقاصده بعباراته الكثيرة". ١
تاريخ نشأة علم الجرح والتعديل:
نشأ هذا العلم - الذي هو ميزة تفردت بها أمة محمد ﷺ على سائر الأمم - مع نشأة علم الرجال وظهوره في أواخر القرن الأول الهجري وبداية القرن الثاني.
ولعل أبا عبد الله الحاكم (ت ٤٠٥ هـ) كان أول من جمع قواعد علم الجرح والتعديل واعتبرها أحد أنواع علوم الحديث ٢، إذ لم يتطرق الرامهرمزي إلى ذلك في كتابه "المحدث الفاصل" الذي يعد أول مصنف في علوم الحديث، ثم اهتمَّت كتب المصطلح بعد الحاكم بقواعد علم الجرح والتعديل التي هي عبارة عن ضوابط تمنع الشطط والمغالاة، وتوجِّه المتتبع لهذا العلم إلى معرفة كيفية الإفادة منه بصورة صحيحة. ٣
وقد تقدم الكلام عن مراحل نشأة علم الرجال والجرح والتعديل وتطوُّره في الفقرة الثالثة من "التمهيد".
стр. 102
المبحث الثاني: طبقات من يعتمد قوله في الجرح والتعديل
قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) :
"والكلام في الرواة يحتاج إلى ورعٍ تامٍّ، وبراءةٍ من الهوى والميل، وخبرةٍ كاملةٍ بالحديث وعلله ورجاله.
ثم نحن نفتقر إلى تحرير عبارات التعديل والجرح وما بين ذلك من العبارات المتجاذبة.
ثم أهم من ذلك أن نعلم بالاستقراء التام عُرْفَ ذلك الإمام الجهبذ واصطلاحه ومقاصده بعباراته الكثيرة". ١
وقال أبو عبد الله الحاكم (ت ٤٠٥ هـ) :
"ذكرت في كتاب "المزكين لرواة الأخبار" ٢ أنهم على عشر طبقات في كل عصر منهم أربعة، وهم أربعون رجلاً.
فالطبقة الأولى منهم: أبو بكر، وعمر، وعلي، وزيد بن ثابت ﵃، فإنهم قد جرحوا وعدَّلوا وبحثوا عن صحة الروايات وسقيمها.
стр. 103
والطبقة العاشرة منهم: أبو إسحاق إبراهيم بن حمزة الأصبهاني، وأبو علي النيسابوري، وأبو بكر محمد بن عمر بن سالم البغدادي، وأبو القاسم حمزة بن محمد بن علي الكناني المصري". ١ اهـ
وقال الحافظ أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني (ت ٣٦٥ هـ) : "ذكر من استجاز تكذيب من تبين كذبه، من ٢ الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ومن بعدهم إلى يومنا هذا رجلاً رجلاً.
الطبقة الأولى: فمن الصحابة: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، وعائشة أم المؤمنين وغيرهم ﵃ أجمعين.
الطبقة الثانية: ومن التابعين: سعيد بن المسيب (ت ٩٤ هـ) ، وسعيد بن جبير (ت ٩٥ هـ) ، وعروة بن الزبير (ت ٩٤ هـ) ، والحسن البصري (ت ١١٠ هـ) ، وعامر الشعبي (ت ١٠٣ هـ) وغيرهم.
الطبقة الثالثة: ومن تابعي التابعين من الأئمة الذين يسمع قولهم في الرجال: شعبة بن الحجاج (ت ١٦٠ هـ) ، وسفيان بن سعيد الثوري (ت ١٦١ هـ) ، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (ت
стр. 104
١٥٧ هـ) ، ومالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ) ، وعبد الله بن المبارك (ت ١٨١ هـ) ، ويحيى بن سعيد القطان (ت ١٩٨ هـ) وغيرهم.
الطبقة الرابعة: طبقة بعد تابعي التابعين منهم: وكيع بن الجراح (ت ١٩٧ هـ) ، وعبد الرحمن بن مهدي (ت ١٩٨ هـ) ، ومحمد بن إدريس الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) ، وسعيد بن منصور (ت ٢٢٧ هـ) وغيرهم.
الطبقة الخامسة: قال: وطبقة بعدهم منهم: أحمد بن حنبل
(ت ٢٤١ هـ) ، وعلي بن عبد الله بن جعفر المديني (ت ٢٣٤ هـ) ، ويحيى بن معين (ت ٢٣٣ هـ) ، وإسحاق بن راهويه (ت ٢٣٨ هـ) ، وأبو بكر بن أبي شيبة (ت ٢٣٥ هـ) ، وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم الدمشقي (ت ٢٤٥ هـ) ، وعمرو بن علي الفلاس (ت ٢٤٩ هـ) وغيرهم.
الطبقة السادسة: قال: وطبقة أخرى تليهم منهم: محمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦ هـ) ، وأبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي (ت ٢٦٤ هـ) ، ومحمد بن إدريس أبو حاتم الرازي (ت ٢٧٧ هـ) ومحمد بن مسلم بن واره (ت ٢٧٠ هـ) ، وأبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله النصري الدمشقي (ت ٢٨١ هـ) ، وصالح بن محمد الملقب جزرة (ت ٢٩٣ هـ) ، وموسى بن هارون الحمال (ت ٢٩٥ هـ) وعبد الله بن أحمد بن حنبل (ت ٢٩٠ هـ) وغير هم".
ثم قال: "وفي هذه الطبقة ممن أدركتهم وكتبت عنهم أو يقاربونهم في الإسناد والمعرفة ومحلهم محل من ذكرت في طبقتهم،
стр. 105
وكلهم يجوز لهم الكلام في الرجال.
الطبقة السابعة: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت٣٠٣هـ) ، والحسين بن محمد بن مودود أبو عروبة الحراني
(ت ٣١ هـ) ، وعلي بن سعيد عَلِيَّك الرازي (ت ٢٩٧ هـ) وغيرهم.
وقد ذكرت أسماء من استجاز لنفسه الكلام في الرجال من الصحابة والتابعين ومن بعدهم طبقة طبقة إلى يومنا هذا ... " اهـ ملخصاً. ١
ألَّف الإمام الحافظ أبو عبد الله الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) رسالة لطيفة بعنوان: "ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل". ٢
فقسَّم المذكورين فيها ثلاثة أقسام بثلاث اعتبارات، ثم جعل كلَّ قسم أقساماً أو طبقات:
فقال ﵀: "اعلم هداك الله أن الذين قَبِلَ الناس قولهم في الجرح والتعديل على ثلاثة أقسام:
١- قسم تكلموا في أكثر الرواة كابن معين وأبي حاتم الرازي.
٢- وقسم تكلموا في كثير من الرواة كمالك وشعبة.
стр. 106
٣- وقسم تكلموا في الرجل بعد الرجل كابن عيينة والشافعي.
والكلُّ أيضاً على ثلاثة أقسام:
١- قسم منهم متعنِّتٌ في الجرح والتعديل يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث، ويليِّن بذلك حديثه، فهذا إذا وثَّق شخصاً فَعُضَّ على قوله بناجذيك وتمسك بتوثيقه، وإذا ضعَّف رجلاً فانظر هل وافقه غيره على تضعيفه، فإن وافقه ولم يوثق ذاك أحد من الحذَّاق فهو ضعيف، وإن وثقه أحدٌ فهذا الذي قالوا فيه: لا يقبل تجريحه إلا مفسراً، يعني: لا يكفي أن يقول فيه ابن معين مثلاً: هو ضعيف، ولم يوضِّح سبب
ضعفه، وغيره قد وثَّقه، فمثل هذا يتوقف في تصحيح حديته ...، وأبو حاتم (ت ٢٧٧ هـ) ، وابن معين (ت ٢٣٣ هـ) ، والجوزجاني
(ت ٢٥٩ هـ) متعنتون.
٢- وقسم في مقابل هؤلاء: كأبي عيسى الترمذي (ت ٢٧٩ هـ) ، وأبي عبد الله الحاكم (ت ٤٠٥ هـ) ، وأبي بكر البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) متسا هلو ن.
٣- وقسم كالبخاري (ت ٢٥٦ هـ) ، وأحمد بن حنبل
(ت ٢٤١ هـ) ، وأبي زرعة الرازي (ت ٢٦٤ هـ) ، وابن عدي
(ت ٣٦٥ هـ) معتدلون منصفون". ١
وقال ﵀:
"فأول من زكَّى عند انقراض عصر الصحابة: الشعبي (ت ١٠٣هـ) وابن سيرين (ت ١١٠ هـ) ونحوهما حُفظ عنهما توثيق أناس
стр. 107
وتضعيف آخرين ١.
وسبب قلة الضعفاء في ذلك الزمان قلة متبوعيهم من الضعفاء، إذ أكثر المتبوعين صحابة عدول، وأكثرهم من غير الصحابة بل عامَّتهم ثقات صادقون يَعُون ما يروون، وهم كبار التابعين.
فيوجد فيهم الواحد بعد الواحد فيه مقال كالحارث الأعور ٢، وعاصم بن ضَمْرة ٣ ونحوهما.
نعم فيهم عِدَّة من رؤوس أهل البدع، من الخوارج والشيعة والقدرية - نسأل الله العافية - كعبد الرحمن بن مُلْجَم ٤، والمختار بن أبي عُبيد الكذاب ٥، ومعبد الجهنى ٦.
стр. 108
ثم كان في المئة الثانية في أوائلها جماعة من الضعفاء من أوساط التابعين وصغارهم ممن تُكلِّم فيهم من قِبَل حفظهم أو لبدعة فيهم، كعطية العوفي ١، وفرقد السبخي ٢، وجابر الجعفي ٣، وأبي هارون العبدي ٤.
فلما كان عند انقراض عامَّة التابعين في حدود الخمسين ومئة تكلَّم طائفة من الجهابذة في التوثيق والتضعيف". ٥ اهـ ملخصاً
ثم قال ﵀: "فنشرع الآن بتسمية من كان إذا تكلَّم في الرجال قُبِل قوله ورُجِع إلى نقده، نسوق من يسَّر الله تعالى منهم على الطبقات والأزمنة والله الموفق للسَّداد بمنِّه:
стр. 109
الطبقة الأولى: شعبة بن الحجاج ١ (ت ١٦٠ هـ) ، وأبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (ت ١٥٧هـ) ، وسعيد بن أبي عروبة - مهران - اليشكري (ت ١٥٥ هـ) ، وسفيان بن سعيد الثوري
(ت ١٦١ هـ) ، وحماد بن زيد بن درهم الجهضمي (ت ١٧٩ هـ)
وعد في هذه الطبقة سبعة وثلاثين إماماً.
الطبقة الثانية: ومنهم عبد الله بن المبارك (ت ١٨١ هـ) ، وجرير بن عبد الحميد الضبي (ت ١٨٨ هـ) ، وأبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الفزاري (ت ١٨٥ هـ) ، وعبد الله بن وهب المصري (ت ١٩٧ هـ) ، ووكيع بن الجراح (ت ١٩٧ هـ) وذكر في هذه الطبقة ثمانية وخمسين إماماً ثم قال: وخلائق من أئمة هذا الشأن.
الطبقة الثالثة: منهم عبد الرحمن بن مهدي (ت١٩٨ هـ) ، وكان هو ويحيى بن سعيد القطان (ت ١٩٨ هـ) قد انتدبا لنقد الرجال، وناهيك بهما جلالة ونبلاً وعلماً وفضلاً، فمن جرحاه لا يكاد - والله - يندمل جرحه، ومن وثَّقاه فهو الحجة المقبول، ومَنْ اختلفا فيه اجتهد في أمره، وقد وثقا خلقاً كثيراً وضعَّفا آخرين.
ومن هذه الطبقة من حفاظ الحديث: أبو داود سليمان بن داود الطيالسي (ت ٢٠٤ هـ) ، ويحيى بن آدم (ت ٢٠٣ هـ) ، ومكي بن
стр. 110
إبراهيم (ت ٢١٥ هـ) ، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت ٢١١ هـ) ومحمد بن إدريس الشافعي (ت ٢٠٤ هـ ٠) ، وأبو نعيم الفضل بن دُكَين - مصغراً - (ت ٢١٨ هـ)
﴾ ثم ذكر ﵀ في هذه الطبقة اثنين وسبعين إماماً وقال: ﴿
وخلق يتعذر استقصاؤهم ويتعب إحصاؤهم". ١
الطبقة الرابعة: قال: ومن أئمة الجرح والتعديل بعد مَنْ قدمنا: يحيى بن معين (ت ٢٣٣ هـ) ، وعلي بن المديني (ت ٢٣٤ هـ) ، وأحمد ابن حنبل (ت ٢٤١ هـ) ، وأبو خيثمة زهير بن حرب (ت ٢٣٤ هـ) ، ومحمد بن عبد الله بن نمير (ت ٢٣٤ هـ) ، وأبو بكر بن أبي شيبة عبد الله بن محمد بن إبراهيم (ت ٢٣٥ هـ) ، وإسحاق بن راهويه (ت ٢٣٨ هـ) .وعد مئة إمام وثلاثة أئمة ثم قال: وخلق سواهم.
الطبقة الخامسة: محمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦ هـ) ، ومحمد ابن يحيى الذهلي (ت ٢٥٨ هـ) ، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي (ت ٢٥٥ هـ) ، وإسحاق بن منصور الكوسج (ت ٢٥١ هـ) ، ويعقوب ابن شيبة السدوسي (ت ٢٦٢ هـ) ، وأبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي (ت ٢٦٤ هـ) ، وأبو حاتم محمد بن إدريس الرازي (ت ٢٧٧ هـ) ، وأبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت ٢٧٥ هـ) ، ثم ذكر ثمانية وثمانين إماماً ثم قال: وخلق كثير لا