٣- نحاة القرن الرابع:
عرف القرن الرابع مجموعة من النحاة أكثرهم في بغداد، وأهمهم
стр. 107
ابن السراج، ت ٣١٦ هـ، والزجاج، ت ٣١١هـ، وابن درستويه توفي بعد ٣٣٠ هـ وأبو سعيد السيرافي ت ٣٦٨ هـ وأبو علي الفارسي ت ٣٧٧هـ والرماني ت ٣٨٥هـ وابن جني ٣٩١هـ. وقد وصلت إلينا كتب كثيرة من مؤلفات هؤلاء النحاة.
اهتم ابن السراج، ت ٣١٦ هـ، بكتاب سيبويه اهتمامًا كبيرًا، فقد كان يقوم بتدريس كتاب سيبويه وقد لاحظ ابن السراج تعدد نسخ كتاب سيبويه فقارن النسخ المتداولة في عصره وأثبت مجموعة الفروق والاختلافات بين هذه النسخ. كان كتاب سيبويه حتى ذلك الوقت أساس تدريس النحو، ولذا كثرت نسخه وكثرت معها التصحيفات والاختلافات وأحس ابن السراج الذي ولد بعد وفاة سيبويه بأقل من مائة عام بضرورة المقابلة بين نسخ الكتاب المختلفة للتوصل إلى النص الصحيح، فقام بذلك وسجل ملاحظاته حول اختلاف نسخ كتاب سيبويه في كتاب أصول النحو١ ويعد كتاب أصول النحو لابن السراج الكتاب النحوي الثالث بعد كتاب سيبويه والمقتضب للمبرد، فإذا كان ابن السراج هو صاحب أول محاولة لتحقيق كتاب سيبويه فهو إلى جانب هذا مؤلف "أصول النحو".
وقد وصل إلينا من كتب أبي إسحق الزجاج، ت ٣١١هـ، أكثر من كتاب وأهم مؤلفاته التي بقيت لنا كتاب "سر النحو" ويتناول هذا الكتاب موضوع الممنوع من المصرف. وقد اتضح من مقارنة هذا الكتاب أنه ألف تيسيرًا لفهم كتاب سيبويه. وكأن الزجاج أراد أن يشرح كتاب سيبويه فألف كتابه "سر النحو" يدل على ذلك أن ترتيب موضوعات "سر النحو" هو
стр. 108
نفس ترتيب أبواب كتاب سيبويه في موضوع الممنوع من الصرف فالترتيب الداخلي واحد في الكتابين.
وفي منتصف القرن الرابع الهجري عرفت بغداد ثلاث شخصيات مرموقة من اللغويين والنحويين. لقد عُرف أبو سعيد السيرافي،ت ٣٦٨هـ، بشرحه الكبير لكتاب سيبويه، كما اشتهر الرماني، ت ٣٨٥هـ، بشرحه لكتاب سيبويه أيضا يتفق السيرافي والرماني في إعجابهما بسيبويه والتزامهما بمنهج نحاة البصرة ولكن شرحيهما يختلفان، فقد ذكر السيرافي كثيرًا من الشواهد والآراء النحوية وعرض في كتابه لمعارفه النحوية واللغوية العميقة. أما شرح الرماني فلا يعكس أي اهتمام بالشواهد وآراء النحاة الذين عاشوا بعد سيبويه وكأنه اكتفى بشرح مضمون كتاب سيبويه بطريقة منطقية. ويمتاز شرح السيرافي باهتمامه بموضوعات لم تنل عند معاصريه نفس الاهتمام، فقد خصص السيرافي في آخر شرحه لسيبويه بابًا خاصًا لآراء الكوفيين في الدراسات الصوتية، وهذا الباب هو مصدرنا الوحيد للتعرف على آراء الكوفيين في الأصوات. أما ثالث الثلاثة فهو أبو على الفارسي، ت ٣٧٧هـ، وقد وصلت إلينا كتب كثيرة له منها المسائل الشيرازيات إلى جانب كتابه في علم القراءات "الحجة في القراءات".
لقد تتلمذ أبو الفتح عثمان بن جني، ت ٣٩٢ هـ، على هؤلاء النحاة الأعلام فأصبح أهم نحاة بغداد في عصره. ألف ابن جني كتبًا كثيرة في علوم اللغة منها كتاب "الخصائص" الذي يضم حشدَا من القضايا الصرفية والدلالية والنحوية، وكتاب "سر صناعة الإعراب" لابن جني ليس في الإعراب النحوي بل هو أول كتاب عربي مستقل في الدراسات الصوتية فالإعراب عنده هو الإبانة نطقًا.
بدأت علوم اللغة في مصر والأندلس في القرن الرابع الهجري امتداد لجهود علماء بغداد. لقد درس ابن ولاد، ت ٣٣٢هـ، وأبو جعفر النحاس، ت ٣٣٨هـ، النحو في بغداد على الزجاج وأسسا علم النحو في مصر فابن ولاد أول نحوي
стр. 109
مصري، وقد وصلت إلينا بعض كتبه، مثل: المقصور والممدود، والانتصار لسيبويه من المبرد، أما أبو جعفر النحاس فقد اهتم بالقراءات وبكتاب سيبويه وألف فيهما.
وبدأت علوم اللغة في الأندلس تأخذ شكلها الواضح بهجرة أبي علي القالي، ت ٣٥٦ هـ، بعد أن درس علوم اللغة في بغداد. وبذلك نقل أبو علي القالي دراسة كتاب سيبويه وتدريس اللغة والأدب إلى الأندلس، وبه بدأت المدرسة الأندلسية في علوم اللغة.
стр. 110
٤- الكتب النحوية التعليمية والمنظومات:
عرف القرن الرابع الهجري اتجاهًا جديدًا لتأليف كتب تعليمية في النحو، وأول كتاب في هذه المجموعة هو كتاب الجمل للزجاجي، ت ٣٣٧هـ، وقد ضم الزجاجي في كتابه "الجمل" كل أبواب النحو والصرف بأسلوب سهل موجز وألف ابن السراج، ت ٣١٦هـ، كتابًا تعليميًّا بعنوان "الموجز في النحو".
ثم ألف أبو علي الفارسي، ت ٣٧٧هـ، كتابين تعليميين هما "الإيضاح في النحو" و"التكملة في الصرف" وألف ابن جني، ت ٣٩١هـ، كتابًا تعليميًّا هو "اللمع" وتختلف هذه الكتب مجتمعة عن الكتب النحوية السابقة عليها فالكتب التعليمية كتب موجزة واضحة الشواهد شاملة لكل الأبواب في عرض سهل وعبارة واضحة، ولذا دارت حولها دروس تعليم النحو عدة قرون، فكثرت شروحها بتعدد مدرسي هذه الكتب وقد اهتم الأندلسيون بكتاب "الجمل" للزجاجي فألفوا عليه أكثر من عشرين شرحًا.
وزادت الكتب النحوية التعليمية في القرن الخامس الهجري والقرون التالية زيادة ملحوظة وظهرت محاولات أخرى لوضع منظومات تعليمية تلخص
стр. 111
النحو في منظومة أعدت لكي يحفظها التلاميذ. وأشهر هذه المحاولات ألفية ابن مالك، ت ٦٧٢هـ، حاول ابن مالك أن ينظم كل قواعد النحو نظمًا لتكون في قصيدة ألفية يسهل حفظها، يتركز جهد ابن مالك في الصياغة وترجيح رأي نحوي على آخر، فلقد كان ابن مالك وأبناء عصره أبعد الناس عن ملاحظة التغير اللغوي وتسجيل مادة جديدة أو النظر إلى مادة قديمة بمنهج جديد لقد أعجب معاصروه كما أعجبت القرون التالية ببراعة ابن مالك في صياغة ألفيته التي فاقت غيرها من الألفيات، فاهتم مدرسو النحو بشرحها وبتعليق الحواشي على شروحها، واستمرت حركة تأليف الشروح على الألفية دون انقطاع أكثر من خمسة قرون، ومن أشهر هذه الشروح شرح ابن عقيل، ت ٧٦٩هـ، والأشموني، ت ٩٢٩هـ، وقد وضع الصبان، ت ١٢٠٦هـ، حاشية على شرح الأشموني، ولا تزال هذه المنظومات والشروح والحواشي تشغل ساعات دراسة النحو في أكثر المعاهد العلمية المهتمة بذلك.
стр. 112
٥- الموسوعات النحوية والشروح:
كانت ظاهرة تأليف الموسوعات النحوية موازية لاتجاه تأليف الكتب التعليمية والمنظومات. تتسم الموسوعات النحوية التي بدأت بالمفصل للزمخشري، ت ٥٣٨هـ، بالتركيز الشديد ومحاولة حشد آراء النحاة والاهتمام بالتقسيمات الداخلية للموضوعات. وقد أدت الصياغة المركزة لهذه الكتب إلى ضرورة شرحها كي نفهم، وكأنها ألفت موجزة لكي تحفظ حفظًا، فكتاب "المفصل" للزمخشري كتاب مركز يضم بين دفتيه كل أبواب النحو العربي، وقد شرح "المفصل" عشرات المرات لم يطبع منها إلا شرح ابن يعيش، ت ٦٤٣هـ.
وبعد أن ألف ابن الحاجب، ت ٦٤٦هـ، متنيه التعليميين: "الكافية"في النحو و"الشافية" في الصرف بدأ الشراح في تناول الكتابين بالتفصيل والتعليق فألفت على كل منهما عشرات الشروح العربية والتركية. وأشهر شروح
стр. 113
الكافية والشافية شرح الرضي الإستراباذي، ت ٦٨٨هـ، عليها. وهناك محاولات كثيرة للتعليق على شرح الإستراباذي على الكافية وإيضاح شواهده، أشهرها كتاب "خزانة الأدب" لعبد القادر البغدادي، ت ١٠٩٣هـ.
ولا شك أن أفضل جهد موسوعي في هذه الفترة هو كتاب "مغني اللبيب" لابن هشام، ت ٧٦٢هـ، لقد شارك ابن هشام أبناء عصره في الاهتمام بتأليف المتون التعليمية وشرحها، فألف متن "شذور الذهب" ومتن "قطر الندى" وشرحهما وكتاب ابن هشام "أوضح المسالك في شرح ألفية ابن مالك" ولكن كتابه الأكثر أهمية هو كتاب "مغنى اللبيب"، فهو أفضل كتاب حول الجملة العربية وتحليلها النحوي.
وشارك السيوطي، ت ٩١١هـ، في التأليف الموسوعي في النحو بعدة مؤلفات ضخمة ضم فيها آراء السابقين عليه. فالسيوطي في كل كتبه عالم على طريقة الجمع والتأليف، كان يجمع ما أمامه في الكتب المختلفة حول موضوع واحد، فيؤلف فيه كتابًا ضخمًا. ومن أشهر جهوده في النحو كتاب: همع الهوامع، وقد ألف السيوطي متنًا صغيرًا هو جمع الجوامع، ثم شرحه بكتاب موسوعي هو "همع الهوامع". وترجع أهمية همع الهوامع إلى تسجيله لكثير من الآراء والخلافات النحوية وإلى اهتمامه بالنحاة الأندلسيين الذين أتيحت كتبهم له، نجد في "همع الهوامع" في مئات المواضع أسماء النحاة الأندلسيين والمغاربة المتأخرين مثل: ابن عصفور وابن خروف وابن الطراوة والشّلَوْبين ولا نعرف اليوم آراء هؤلاء بقدر ما نعرفها خلال اقتباسات السيوطي من كتبهم. ويضم كتاب "الأشباه والنظائر" للسيوطي نقولات كثيرة من الكتب النحوية المشرقية والمغربية التي أتيحت للسيوطي.
ظلت حركة التأليف في النحو العربي في العصر العثماني في إطار وضع الشروح على المتون والمنظومات التعليمية. وكانت قيمة أي مؤلف في النحو تتركز في إحاطته إن كان يؤلف شرحًا موسوعيًّا، أو في حسن صياغته إن كان
стр. 114
يشرح متنًا تعليميًّا. ويعد عبد القادر البغدادي نموذجًا لشرح الشواهد، وله كتابان الأول "خزانة الأدب" في شرح شواهد الكافية والثاني في شرح شواهد "مغني اللبيب"، وكلا الكتابين موسوعة ضخمة تضم كثيرًا من المعلومات اللغوية والنحوية والأدبية. وهناك شروح تعليمية كثيرة ألفها مدرسو النحو في الأزهر مثل الشيخ حسن العطار. وتناول بعض هؤلاء شواهد الكتب التعليمية فشرحوها مثل: "شرح شواهد شرح ابن عقيل" للجرجاوي، و"شرح شواهد شرح شذور الذهب" للفيومي.
وظل اهتمام مدرسي النحو في الأزهر محصورًا داخل إطار هذه الشروح العقيمة التي لم تأت بجديد. وليس مصادفة أن أول من اهتم بكتاب سيبويه في العصر الحديث وحققه تحقيقًا علميًّا هو المستشرق الفرنسي درنبور. وارتبطت حركة التجديد في عرض النحو العربي في شكل حديث بكتاب "التحفة المكتبية لتقريب اللغة العربية". وقد ألف رفاعة الطهطاوي هذا الكتاب على نمط مؤلفات الفرنسيين في عرض النحو. لقد أعجب رفاعة الطهطاوي في أثناء إقامته في فرنسا بمنهج الفرنسيين في عرض النحو، فخرج عن طريقة معاصريه في الشروح والهوامش والتعليقات والتقريرات. وألف كتابًا بسيط العبارة سهل العرض ليس له متن أو شرح، بل له نص واحد يقرأ فيفهم، وكان الطهطاوي أول من استخدم الجداول الإيضاحية في كتب النحو العربي١ وبذلك بدأت الكتب التعليمية الحديثة في النحو العربي، ثم ظهرت بعد ذلك حركة تحقيق التراث النحوية وأخذت الكتب النحوية الأساسية المبكرة تظهر بتحقيق العلماء العرب
стр. 115
الفصل السادس: المكتبة اللغوية
١- جمع اللغة وتأليف المعاجم:
قامت حركة التأليف في المعاجم العربية على أساس المادة التي جمعها اللغويون في البادية في القرن الثاني الهجري. لقد خرج عدد كبير من اللغويين إلى البادية. وأخذ كل منهم يجمع اللغة من أبناء القبائل العربية، وبذلك تم إنجاز أول عمل لغوي ميداني في الجزيرة العربية. ولاحظ كثير من البدو اهتمام اللغويين بتلقي اللغة عنهم، فهاجروا إلى جنوب العراق حيث ازدهرت علوم اللغة في البصرة والكوفة، وأخذوا يبيعون المادة اللغوية التي عندهم لكل من ينشدها من اللغويين. ولم تكن عملية جمع اللغة شاملة لتسجيل كل الألفاظ التي عرفتها القبائل العربية، بل كان اللغويون يصدرون في اختيارهم للقبائل واختيارهم للرواة عن مبدأ أساسي هو تسجيل اللغة الفصحى والابتعاد عن الصيغ والألفاظ غير الفصحى. وبهذا المعيار ركز اللغويون عملهم على لغة تلك القبائل التي تقترب كل الاقتراب من العربية الفصحى، ورفضوا لهجات القبائل البعيدة عن الفحصى، وبين هذا وذلك صنفت لهجات القبائل المختلفة.
стр. 116
وظل هذا الأساس سائدًا في عملية جمع اللغة في القرن الثاني الهجري. وبذلك حفظت لنا كتب اللغة الاستخدام اللغوي عند مجموعة من القبائل العربية الشمالية.
لقد اهتم اللغويون بقبائل قيس وتميم وأسد وهذيل وبعض بطون قبيلة كنانة وبعض بطون طيء١. وقد تجنب اللغويون أخذ اللغة عن الحضر، أي عن العرب المستقرين وعن القبائل العربية التي عاشت بالقرب من جماعات لغوية غير عربية، فلم يؤخذ من قبيلة لخم ولا من قبيلة جذام، لمجاورتهم أهل مصر والقبط، وبالمثل تجنب اللغويون أخذ اللغة عن قضاعة وغسان وإياد لمجاورتهم أهل الشام٢.
وأعرض جامعو اللغة عن قبائل تغلب لاختلاط هذه القبائل بالجماعات اللغوية غير العربية في الشام والعراق ومصر. أما قبائل العرب في اليمن وشرق الجزيرة العربية ومدن الحجاز فقد خرجت أيضا عن اهتمام اللغويين، وقد فسروا عدم أخذ اللغة عن أهل اليمن أن لغتهم تغيرت لمخالطتهم للهند والحبشة ورفضوا أخذ اللغة عن قبائل شرق الجزيرة العربية ومدن الحجاز باعتبار أن لغتهم اختلطت بلغة غير العرب.
والواقع أن اللغويين لم يهتموا في القرن الثاني الهجري بالتنوع اللغوي في الجزيرة العربية، وقصروا اهتمامهم على تقرير فصاحة لغة القبيلة أو عدم فصاحتها، فشغلتهم قضية الفصاحة عن باقي القضايا الكثيرة التي يمكن طرحها في العمل اللغوي الميداني. فسر اللغويون التغير الذي لاحظوه في لهجات بعض القبائل
стр. 117
التي رفضوها بأنه ثمرة الاختلاط بأبناء الجماعات اللغوية غير العربية في مصر والشام والعراق وبأبناء الجماعات اللغوية الهندية والحبشية الذين اختلط بهم نفر من العرب. ولكن جامعي اللغة في القرن الثاني الهجري لم يهتموا بالعربية الجنوبية التي كانت دون شك منتشرة في مناطق من الجنوب العربي آنذاك، بل عدوا ما وجدوه عند قبائل اليمن من ظواهر لغوية مخالفة ضربًا من الاختلاط الذي أصاب اللغة وجعلها غير نقية وغير سليمة. وبذلك لم يكن العمل اللغوي في القرن الثاني الهجري محاولة لتسجيل جوانب الحياة اللغوية عند أبناء اللغة العربية أو محاولة لبحث جوانب التنوع اللغوي في الجزيرة العربية، بل كان محاولة للبحث عن الصيغ الفصيحة والكلمات الفصيحة عند القبائل العربية التي يقترب استخدامها للغة من المستوى اللغوي المنشود.
وقد أثمرت حركة جمع اللغة مجموعة من الكتب والرسائل اللغوية، لقد جمع تجنب اللغويون ما عرفته القبائل الفصيحة من ألفاظ، وصنفوها في مجموعات دلالية وألفوا في هذا مجموعة كبيرة من الكتب. ألف الأصمعي، ت ٢١٦هـ، في خلق الإنسان والإبل والخيل والوحش والنبات والشجر، وألف أبو زيد الأنصاري في اللبن والمطر والنبات والشجر، وظلت الرسائل هي الشكل الوحيد الذي اتخذته دراسة الألفاظ العربية من الناحية الدلالية وقتا طويلا، إلى أن برزت إلى الدوائر العلمية حركة تأليف المعاجم. وقد كان لما ألفه الأصمعي وأبو زيد الأنصاري ومن عاصرهما من اللغويين أكبر الأثر في المعاجم العربية وفي نظرية اللغة عند العرب بشكل عام.
لقد أخذ مؤلفوا المعاجم المادة التي دونها علماء القرن الثاني واحتفلوا بكل ما سجله الأصمعي وأبو زيد ومعاصروهما كل الاحتفال، ولذا تتكرر أسماء هؤلاء اللغويين في المعاجم اللغوية الكثيرة التي ظهرت في القرون التالية. وإذا كان هؤلاء اللغويون في القرن الثاني قد قصروا جهدهم على جمع الصيغ والدلالات الفصيحة أو القريبة كل القرب من الفصيحة فإن الأكثرية المطلقة من
стр. 118
علماء اللغة في القرون التالية قد لاحظت تغير الاستخدام اللغوي بعد القرن الثاني ولذا توقفت حركة العمل اللغوي الميداني توقفًا تامًا. ولم يكن العمل اللغوي الميداني في القرن الثاني الهجري هادفًا إلى دراسة التنوع اللغوي والتغير اللغوي في الجزيرة العربية أو في البيئات العربية الأخرى، بل اقتصروا على ما اتفقوا على القول بفصاحته. وظل اللغويون في القرون التالية يقصرون عملهم على المادة اللغوية التي اعترف علماء القرن الثاني بفصاحتها. وبذلك حددت حركة جمع اللغة في القرن الثاني الهجري إطار النظرية العامة للعمل اللغوي في القرون التالية. وظلت التعبيرات الشائعة في كتب اللغة مثل لغة الحجاز أو لغة أهل الحجاز أو لغة تميم أول لغة هذيل لا تعني الاستخدام اللغوي عند هذه القبائل عموما. بل تعني الاستخدام اللغوي عند هذه القبائل في القرن الثاني الهجري، وبذلك لم تختلف الظواهر التي عالجها السيرافي في القرن الرابع الهجري عن الظواهر التي ناقشها السيوطي في القرن التاسع الهجري، فهما يناقشان مثل باقي النحاة العرب ما سجله الباحثون في القرن الثاني الهجري. وعندما يذكر ابن منظور، ت ٧١١هـ، والزبيدي، ت ١٢٠٥هـ، في لسان العرب وتاج العروس مجموعة من الملاحظات حول دلالات الألفاظ، فإنهما لم يسجلا هذه الملاحظات عن الاستخدام اللغوي في القرن السابع الهجري أو القرن الثاني عشر للهجرة، بل نقلاها عن كتب تعود بدورها إلى كتب قام أكثرها على أساس ما جمعه اللغويون في القرن الثاني الهجري. وبذلك تعد حركة جمع اللغة في القرن الثاني الهجري أساس المادة اللغوية ونظرية اللغة عند أصحاب المعاجم العربية التالية.
يعد نشاط العلماء العرب في عصر الحضارة الإسلامية لتأليف المعاجم من أبرز مظاهر جهدهم العملي، وهم بهذا أهم من ألف المعاجم قبل العصر الحديث على الإطلاق. لقد بدأت حركة تأليف المعاجم العربية موازية لتدوين الرسائل اللغوية في النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة.
وفي هذه الفترة أيضا ألف كتاب سيبويه. وبذلك عرف النصف الثاني من
стр. 119
القرن الثاني للهجرة جمع اللغة وتدوين الرسائل اللغوية وبداية العمل المعجمي وبداية التأليف النحوي. وإذا كان القرن الرابع الهجري قد عرف مجموعة كبيرة من أعلام النحاة فإن نفس الفترة الزمنية أخرجت لنا عددًا كبيرًا من المعاجم اللغوية التي تمثل اتجاهات مختلفة في التأليف المعجمي، وكانت حركة تأليف الموسوعات النحوية موازية لتأليف المعاجم الموسوعية مثل لسان العرب، كما كانت حركة تأليف الحواشي والشروح النحوية مصحوبة بتأليف حواش على المعاجم وشروح لها، وكان عبد القادر البغدادي، ت ١٠٩٣هـ، بكتابيه خزانة الأدب وشرح شواهد مغني اللبيب ظاهرة موازية لتأليف مرتضى الزبيدي لتاج العروس شرحًا للقاموس المحيط، وإذا كانت كتب النحو تختلف اختلافًا بسيطًا في تبويبها الداخلي وترتيبها للموضوعات فإن المعاجم العربية تقسم من ناحية ترتيبها للألفاظ الواردة فيها إلى مدارس مختلفة، لكل منها منهجها الخاص.
стр. 120
٢- معاجم الترتيب الصوتي:
يعد كتاب "العين" أقدم المعاجم العربية على الإطلاق ورائد أقدم مدرسة في التأليف المعجمي، يختلف كتاب العين عن الجهود الأخرى المبكرة في التأليف اللغوي في أنه أول محاولة لحصر ألفاظ اللغة العربية على نحو شامل وفي إطار نظام منهجي واضح، يتفق الباحثون على أن خطة كتاب العين من عمل الخليل بن أحمد، ولكن مدى إسهامه وإسهام تلميذه الليث بن المظفر في تنفيذ المعجم ظل موضع خلاف بين الباحثين. فمنهم من ينسب العمل كله للخليل ومنهم من ينكر نسبته للخليل وينسبه لليث بن الظفر١ وأغلب الظن أن جهد الخليل
стр. 121
في كتاب العين هو المقدمة المنهجية١ وهي أهم ما في الكتاب، مع محاولة تطبيقها في الأبواب. أما الليث فهو رواية ما أعده الخليل ومؤلف باقي الكتاب.
يقوم منهج الخليل في ترتيب ألفاظ اللغة العربية على مجموعة أسس عامة.
١- ترتب الكلمات باعتبار حروفها الأصول فقط، ومعنى هذا أن الخليل بنى معجمه على أساس التمييز بين الحروف الأصول والحروف الزوائد في الكلمة الواحدة، وهو أساس صرفي لم يكن من الممكن تصوره قبل اتضاح ملامح البحث في بنية الكلمة العربية، من هذا الجانب يختلف كتاب العين عن الرسائل الكثيرة التي ألفت في القرن الثاني الهجري والتي صنفت فيها الألفاظ تصنيفًا موضوعيًّا، وقد ظل المبدأ الذي وضعه الخليل في كتاب العين باعتبار الحروف الأصول دون الحروف الزوائد في ترتيب الكلمات أساسًا متعارفًا عليه في كل المعاجم العربية العامة حتى العصر الحديث، لم تخرج عنه إلا قلة من المعاجم الخاصة وبعض المعاجم التعليمية الحديثة.
٢- ترتب الكلمات المندرجة في مادة لغوية واحدة ترتيبًا داخليًّا على أساس الأبنية الثنائي، الثلاثي -الصحيح والمعتل واللفيف- الرباعي الخماسي.
والثنائي مثل: قد، لم، هل، والثلاثي مثل: ضرب، خرج، والرباعي مثل: دحرج، قرطس، والخماسي مثل: اقشعر. وقد اتبع هذا الأساس في الترتيب الداخلي لعدد من المعاجم العربية التالية التي التزمت بمنهج الخليل، وهي "البارع" للقالي، ت ٣٥٦هـ، و"تهذيب
стр. 122
اللغة" للأزهري، ت ٣٧٠هـ، و"المحيط" للصاحب بن عباد، ت ٣٨٥هـ، و"المحكم والمحيط الأعظم" لابن سيده ت ٤٥٨هـ.
٣- توضع الكلمة ومقلوباتها في مادة واحدة وبذلك ترد الكلمة وقد جردت من حروفها الزوائد في أول موضع ممكن، فالحروف "ك ت ب" يمكن أن تأخذ الترتيبات التالية: ١- كتب، ٢- كبت، ٣- تكب، ٤- تبك، ٥- بكت، ٦- بتك، وتعد كل هذه المواد مجموعة واحدة.
ولا شك أن هذه الفروض الرياضية لا تجد لها في اللغة شواهد على كل صيغة من الصيغ السابقة، وقد أطلق الخليل على الصيغ الموجودة فعلا مصطلح المستعمل وعلى الصيغ غير الموجودة والممكنة نظريًّا المهمل، وبغض النظر عن نسبة المستعمل والمهمل من كل مجموعة من الحروف فإن هذه المجموعة تناقش كوحدة واحدة. وتأتي المجموعة كاملة وفق أحد حروفها، قد يكون الأول أو الثاني أو الأخير، يتحدد ذلك بجدول المخارج، فكلما كان الحرف سابقًا في جدول المخارج جاء بمجموعته كاملة إلى مكانه. وبذلك تأتي أي كلمة بها حرف العين في القسم الخاص بالعين وهو أول أقسام كتاب العين، وبالمثل لا تأتي كلمة بكت تحت الباء لأن الباء تأتي متأخرة في ترتيب المخارج ولكنها تأتي تحت الكاف لأن الكاف أسبق من الباء والتاء في التريب المخرجي.
٤- رتب الخليل الحروف العربية وفق المخارج، وبدأ بأصوات الحلق ثم ذكر باقي الحروف منتهيًا بالحروف الشفوية، وختم ترتيبه بأصوات العلة والهمزة، لم يبدأ الخليل بالهمزة أو بالألف لما لاحظه من تغير صوتي يؤدى بها، ولكنه بدأ معجمه بكتاب العين باعتبارها الصوت الحلقي الأول الذي لا يتغير في الأبنية الصرفية، وقد سمي المعجم باسم أول قسم فيه كتاب العين.
وقد احتفظت مجموعة من المعاجم العربية العامة بمنهج الخليل وطبقته من
стр. 123
الجوانب المذكورة، ولكنها اختلفت في تريبها للحروف عن ترتيب الخليل اختلافًا يسيرًا، وهذه المعاجم هي "البارع" للقالي، ت ٣٥٦هـ، و"تهذيب اللغة" للأزهري، ت ٣٧٠هـ، و"المحيط" للصاحب بن عباد، ت ٣٨٥هـ، و"المحكم والمحيط الأعظم" لابن سيده، ت ٤٥٨هـ، وقد ألفت هذه المعاجم في القرنين الرابع والخامس للهجرة في مناطق متباعدة من العالم الإسلامي، فقد ألف القالي معجمه "البارع" في الأندلس وألف ابن سيده معجمه "المحكم والمحيط الأعظم" في الأندلس أيضا ولكن "تهذيب اللغة" للأزهري و"المحيط" للصاحب بن عباد معجمان مشرقيان ألفا في خرسان والري.
وقد اعتمدت كل هذه المعاجم على المادة اللغوية المتاحة في كتاب العين وفي الكتب اللغوية الأخرى وتختلف قيمتها باختلاف مصادرها ومدى اعتماده عليها فقد اعتمد ابن سيده في "المحكم" على مجموعة مصادر منها الكتب اللغوية النحوية وكتب التفسير والحديث، وبهذا اختلف "المحكم" من هذا الجانب عن المعاجم المشابهة، ولكن أهم معاجم الترتيب الصوتي التي وصلت إلينا هو تهذيب اللغة للأزهري فقد وصل إلينا هذا المعجم كاملا بينما لم يصل إلينا من المعاجم التى التزمت بمنهج الخليل إلا قطع منها. ولكن أهم سمة تميز تهذيب اللغة للأزهري عن المعاجم المماثلة أن الأزهري جمع مادة جديدة عن البدو الذين عاش بينهم فترة من الزمن، وقد ذكر الأزهري في مقدمته أنه وقع أسيرًا في أثناء ثورة القرامطة وعاش بين مجموعة من العرب أكثرهم هوازن بعضهم من تميم وأسد، ولا يكاد يقع في منطقتهم لحن أو خطأ فاحش فبقيت في إسارهم دهرًا طويلا واستفدت من مخاطبتهم ومحاورة بعضهم بعضًا ألفاظا جمة ونوادر كثيرة أوقعت أكثرها في مواقعها من الكتاب١، وبهذا يعتبر الأزهري اللغوي الوحيد الذي اهتم في القرن الرابع الهجري بالعمل اللغوي الميداني وكانت حركة جمع اللغة قد توقفت منذ أكثر من قرن.
стр. 124
٣- معاجم الترتيب الهجائي:
تنتظم المعاجم العربية ذات الترتيب الهجائي في مجموعتين. فالمجموعة الأولى بدأت بكتاب "الحروف" أو كتاب "الجيم" للشيباني، ت ٢٠٦هـ، وترتب فيها الكلمات وفق الحرف الأول من حروفها الأصول. أما المجموعة الثانية فبدأت بـ"ديوان الأدب" للفارابي، ت ٣٠٥هـ، و"الصحاح" للجوهري، ت ٣٩٣هـ، وترتب فيها الكلمات وفق الحرف الأخير من حروفها الأصول. لقد أفادت معاجم الترتيب الهجائي من منهج الخليل بن أحمد، فكل هذه المعاجم حذت حذوه في ذكر الكلمات باعتبار حروفها الأصول، وقد ظل هذا المبدأ سائدًا في كل المعاجم العربية العامة قبل العصر الحديث، التزمت به معاجم الترتيب الصوتي كما التزمت به معاجم الترتيب الهجائي.
ولكن معاجم الترتيب الهجائي اتخذت ترتيب الحروف المتعارف عليه عند جمهور المثقفين أساسًا لها، ويرجع هذا الترتيب إلى نصر بن عاصم الذي طوره عن النظم السامي الشمالي المعروف باسم الأبجدية. كان ترتيب الحروف عند الأجريتين والفينيقيين والعبريين والآراميين يتخذ النظام التالي، أب ج د هـ وز ح ط ي ك ل م ن س ع ف ص ق ر ش ت١. وعندما استخدم هذا الترتيب الأبجدي عند العرب وضعوا الحروف العربية التي لم ترد فيه في آخر الترتيب وهي ث خ ذ ض ظ غ.
ولكن نصر بن عاصم، ت ٨٩هـ، أعاد ترتيب الحروف على أساس شكلي فوضع إلى جانب الباء التاء والثاء، ووضع إلى جانب الجيم الحاء والخاء وهكذا..
وبذلك ظهر الترتيب الهجائي للحروف العربية وهو الترتيب الذي قامت عليه
стр. 125
معاجم الترتيب الهجائي١
يعد "كتاب الجيم" , كتاب "الحروف" للشيباني، ت ٢٠٦ هـ، أقدم المعاجم ذات الترتيب الهجائي. لقد رتب الشيباني الكلمات الوادرة في إطار الجذر الواحد ترتيبًا داخليًّا على نحو ما فعل الخليل. وقد ألف الزمخشري معجمه "أساس البلاغة" على هذا النسق فكتاب الجيم وأساس البلاغة متفقان من هذا الجانب.
ولكن معاجم الترتيب الهجائي التي ألفت في القرن الرابع الهجري احتفظت بفكرة الترتيب الداخلي وفق الأبنية، والمعاجم المقصودة هي "جمهرة اللغة" لابن دريد، ت ٣٢١ هـ، ومعجم "مقاييس اللغة" لابن فارس، ت ٣٩٥هـ، و"المجمل" لابن فارس أيضا، تتفق هذه المعاجم في اتخاذها للترتيب الهجائي أساسًا للترتيب العام للجذور، ثم في مراعاتها للأبنية باعتبارها أساس الترتيب الداخلي. ولكن ثمة خلافا بين هذه المعاجم؛ فجمهرة اللغة لابن دريد وهو أقربها زمنا إلى عصر الخليل بن أحمد احتفظ بنظام ذكر الكلمة ومقلوباتها في أقرب موضع ممكن. أي أن ابن دريد أفاد من الخليل من عدة جوانب ولكنه عدل ترتيب الحروف.
أما معجم مقاييس اللغة لابن فارس فقد رتب الجذور وفق نظام الدائرة فعندما تأتي الكلمات التي تبدأ بالباء تنتظم الجذور فيها على النحو التالي: ب ب، ب ت، ب ث.... ويكون آخر هذه الحروف ب أوعندما تأتي الكلمات التي تبدأ بالثاء تنتظم فيها الجذور على النحو التالي: ث ث، ث ج، ث ح ... ويكون آخر هذه الجذور ث أ، ث ت. أي أن ابن فارس يبدأ من
стр. 126
الحرف نفسه ثم يأتي الحرف مع الحرف الذي يليه في الترتيب الهجائي إلى أن تنتهي حروف الترتيب الهجائي ثم تأتي الحروف الأخرى السابقة على ذلك الحرف في الترتيب الهجائي.
أما معاجم الترتيب الهجائي التي رتبت الجذور فيها وفق الحرف الأخير بدأت بـ"ديوان الأدب" للفارابي، ت ٣٥٠هـ، و"الصحاح" للجوهري، ت ٣٩٣هـ، أقام الفارابي معجمه على أساس تقسيم الكلمات العربية وفق أبنيتها. ويقوم الترتيب الداخلي في كل قسم من أقسام "ديوان الأدب" على أساس الترتيب الهجائي أي أن "ديوان الأدب" معجم للأبنية مرتب داخليًّا على أساس الترتيب الهجائي للحروف١. أما "الصحاح" للجوهري فهو معجم عام اتبع نظام الباب والفصل والمقصود بهذا أن الكلمات ترتب بمراعاة حروفها الأصول وفق الحرف الأول وقد ظل هذا النظام سائدًا في المعاجم العربية التي ألفت في القرون التالية، أهمها "العباب" للصاغاني، ت ٥٧٧هـ، و"لسان العرب" لابن منظور، ت ٧١١هـ، و"القاموس المحيط" للفيروزآبادي، ت ٨١٧هـ، و"تاج العروس" للزبيدي، ت ١٠٢٥هـ، والمعاجم الثلاثة الأخيرة هي أكثر المعاجم العربية شهرة وانتشارًا.
стр. 127
٤- مصادر المعاجم الموسوعية العامة:
يعد لسان العرب لابن منظور، ت ٧١١هـ، أول معجم موسوعي ضخم. كان مؤلفو المعاجم قبل لسان العرب ينزعون إلى الاختيار والانتقاء من المادة اللغوية المتاحة لهم في مصادرهم، ومن ثم سميت المعاجم بأسماء تعبر
стр. 128
عن هذا الاتجاه الانتقائي. وعبر مؤلفو "جمهرة اللغة" و"تهذيب اللغة" و"صحاح اللغة" في مقدمات معاجمهم عن هذا. أما ابن منظور فقد أراد تأليف معجم موسوعي كبير ولكنه لم يلجأ إلى جمع المادة جمعًا مباشرًا كما فعل اللغويون في القرن الثاني وكما فعل الأزهري في القرن الرابع، بل اعتمد على خمسة معاجم اعتمادًا كاملا فأخذ مادتها وحشدها في كتابه. يقول ابن منظور: وأنا مع ذلك لا أدعي فيه بدعوى فأقول شافهت أو سمعت أو فعلت أو صنعت أو شددت أو رحلت أو نقلت عن العرب العرباء أو حملت ... فكل هذه الدعاوى لم يترك الأزهري وابن سيده لقائل مقالا ولم يخليا فيه لأحد مجالا١. وقد صرح ابن منظور بعد ذلك بمصادره التي اعتمد عليها وهي:
١- تهذيب اللغة للأزهري، ت ٣٧٠هـ.
٢- المحكم لابن سيده، ت ٤٥٨هـ.
٣- الصحاح للجوهري، ت ٣٩٣هـ.
٤- حواشي ابن بري، ت ٥٨٣هـ على الصحاح.
٥- النهاية في غريب الحديث لابن الأثير الجزري، ت ٦٠٦هـ.
أخذ ابن منظور ما وجده في هذه المعاجم ونقله نقلا، قال ابن منظور: ليس لي في هذا الكتاب فضيلة أمت بها، ولا وسيلة أتمسك بسببها، سوى أني جمعت فيه ما تفرق في تلك الكتب من العلوم ... ونقلت من كل أصل مضمونه، ولم أبدل منه شيئًا ... بل أديت الأمانة في نقل الأصول بالنص، وما تصرفت فيه بكلام غير ما فيها من النص٢. وبذلك اعتمد ابن منظور على مصادر تعود بدورها إلى المادة التي جمع أكثرها في القرن الثاني الهجري بالإضافة إلى نقله المواد الموجودة في معجم متخصص هو "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير.
стр. 129
ولكن ضخامة حجم لسان العرب أتاح للقاموس المحيط للفيروزآبادي، ت ٨١٦هـ، أن ينتشر ويصبح عنوانه بعد ذلك علمًا على كل معجم عربي حديث، وتقابل كلمة قاموس التي فسرها الفيروزآبادي بأنها البحر الأعظم إلى الكلمة اليونانية Oceanos واللاتينية Oceanus وتعني المحيط، وكان الفيروزآبادي قد عرف كلمة القاموس بهذا المعنى في البيئة اللغوية والفارسية التي نشأ فيها١. اعتمد الفيروزآبادي على معجمين موسوعيين هما "المحكم" لابن سيده و"العباب" للصاغاني ويعتمد كل منهما على معاجم أخرى سبقتهما فالمحكم يضم ما جاء في كتاب "العين" و"جمهرة اللغة" و"البارع". أما العباب فيضم مادة معجم مقاييس اللغة والصحاح والمعاجم المؤلفة حول الصحاح. وبذلك يقوم عمل الفيروزآبادي على كل هذه الجهود ولكنه لم ينسخ ما أخذه من مصادره، بل كان يأخذ خلاصة ما فيها، ويحذف الشواهد، ويضيف إلى هذه المادة معلومات جديدة خاصة بالأعلام وبالنباتات وبذلك ضم القاموس المحيط مادة لغوية متنوعة، وقد شرحت شرحًا بسيطًا، محذوف الشواهد مطروح الزوائد.
ويعد "تاج العروس" للزبيدي، ت ١٠٢٥هـ، أكبر المعاجم العربية على الإطلاق. لقد ألف الزبيدي تاج العروس شرحًا للقاموس المحيط ولكن عمله تجاوز حدود الشرح اللغوي البسيط، فأصبح تاج العروس أضخم المعاجم
стр. 130
العربية وأكثرها مادة وشرحًا، واعتمد الزبيدي على المعاجم العربية الكثيرة التي أتيحت له؛ منها الصحاح للجوهري وتهذيب اللغة للأزهري والمحكم لابن سيده ولسان العرب لابن منظور وأساس البلاغة للزمخشري والمجمل لابن فارس والمعاجم الكثيرة التي ألفت إكمالا لهذه المعاجم أو تلخيصًا لها.
ولكن الزبيدي لم يكتف بهذه المعاجم -كما فعل كثير ممن سبقوه في التأليف المعجمي- بل اعتمد على المعاجم القرآنية والحديثة، والكتب اللغوية وكتب الطبقات، وشروح اللغويين على النصوص الأدبية. اعتمد الزبيدي على مجموعة من معاجم ألفاظ القرآن والحديث مثل: كتاب "الغريبين" لأبي عبيد الهَرَوِي و"النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير الجزري و"المفردات" للراغب الأصفهاني و"مشكل القرآن" لابن قتيبة إلى جانب كتب القراءات. مثل: الحجة في قراءات الأئمة السبعة لابن خالويه، واعتمد الزبيدي على مجموعة كبيرة من كتب الدراسات اللغوية والتثقيف اللغوي، مثل فصيح ثعلب، وإصلاح المنطق لابن السكيت، والخصائص لابن جني، وسر صناعة الإعراب لابن جني، والمقصور والممدود للقالي، والأضداد لأبي الطيب اللغوي، وتهذيب الأبنية والأفعال لابن القطاع، واعتمد الزبيدي أيضا على كتب كثيرة في الطبقات والأعلام والتراجم مثل جمهرة الأنساب لابن حزم، وطبقات الشافعية للسبكي، والوافي بالوفيات للصفدي إلخ...... واعتمد الزبيدي أيضا على شروح الدواوين والمجموعات الشعرية. مثل: شرح ديوان الهذليين للسكري، وشرح المعلقات السبع لابن الأنباري....... إلخ١.
ولكن الزبيدي أخذ ما أخذه من هذه المصادر المتنوعة دون تعليل أو تعليق أو إضافة.. وكان شرحه لما جاء في القاموس المحيط نقولا من هذه المصادر التي اعتمد عليها، وفي هذا يقول الزبيدي "عن كل كتاب نقلت
стр. 131
مضمونه، فلم أبدل شيئًا، فيقال: فإنما إثمه على الذين يبدلونه، بل أديت الأمانة في شرح العبارة بالنص، وأوردت ما زدت على المؤلف بالنص". وإذا كان الزبيدي قد شرح القاموس بالنقل من الكتب فإن مقدمته أيضا تكاد في بعض فقراتها أن تكون منقولة من مقدمة لسان العرب١.
الجديد عند الزبيدي أنه عاد إلى الكتب المبكرة وأخذ عنها أخذًا مباشرًا في عصر عزت فيه معرفة التراث العربي القديم، كان معاصرو الزبيدي ومن سبقوه بقرون يعتمدون على الكتب التي نقلت بدورها ما جاء في التراث الأقدم، ولكن الزبيدي عاد إلى هذه الكتب الأقدم، وقال: نقلت بالمباشرة لا بالوسائط عنها٢. ولذا يعد معجم تاج العروس جامعا لجهد مؤلفي المعاجم واللغويين والشراح في أكبر موسوعة معجمية باللغة العربية.
стр. 132
٥- المعاجم الدلالية الخاصة ذات الترتيب الهجائي:
هناك عدد كبير من الكتب رتبت فيها الألفاظ وفق الحروف الأصول، أو حروف الكلمة كاملة أو وفق الموضوعات أو وفق الأبنية، وقد تناولت المعاجم الدلالية الخاصة مستوى بعينه من مستويات اللغة، فهناك معاجم لألفاظ القرآن الكريم ومعاجم لألفاظ الحديث. ومعاجم للمصطلحات العلمية العربية. وإلى جانب هذا فهناك معاجم بحثت الألفاظ الدخيلة في العربية من الناحيتين الاشتقاقية والدلالية وهذه المعاجم الدلالية الخاصة تختلف عن المعاجم
стр. 133
العامة السابقة في أنها لم تهدف إلى ألفاظ اللغة عموما أو إلى جمهرة هذه الألفاظ, بل كانت تتناول مجموعة محدودة من الألفاظ وتبحثها من النواحي الدلالية وتصنفها هجائيًّا.
ومن أهم المعاجم الدلالية المؤلفة لألفاظ القرآن الكريم، "المفردات في غريب القرآن" للراغب الأصفهاني، ت ٥٠٢ هـ، يختلف كتاب المفردات عن الجهود السابقة عليه في نفس الموضوع من ناحية الترتيب، فكتاب "مجاز القرآن" لأبي عبيدة معمر بن المثنى، ت ٢٠٩ هـ أو ٢١٣ هـ، يضم بعد مقدمة عامة عن قضايا المجاز تفسيرًا للألفاظ القرآنية من الجوانب الدلالية والصرفية مستشهدًا على ذلك بشواهد من الشعر والأحاديث والأمثال. ولكن "مجاز القرآن" لم يرتب موضوعاته أو ألفاظه ترتيبًا معجميًّا بل جاء بها وفق السور، وشرح أبو عبيدة في إطار كل سورة ما ورد بها من قضايا. وقد ظل هذا المنهج سائدًا عند كثير من المؤلفين الذين بحثوا القضايا الدلالية لألفاظ القرآن الكريم في إطار تفسيرهم للسور، ولذا لا يعتبر جهدهم معجميًّا. نجد هذا أيضا في كتاب "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة، ت ٢٧٦ هـ، لقد ذكر ابن قتيبة في أول كتابه أسماء الله الحسنى، ثم الألفاظ الشائعة في القرآن الكريم، وأخذ يشرح بعد ذلك الكلمات الغريبة مرتبة وفق السور، كان يذكر الآية القرآنية ويشرح ما بها من غريب شرحًا مختصرًا دون إفاضة في تفصيلات صرفية أو نحوية أو دلالية. لا يعد مجاز القرآن لأبي عبيدة ولا تفسير غريب القرآن لابن قتيبة من معاجم مفردات القرآن الكريم، فإنهما وإن تضمنا قضايا دلالية كثيرة إلا أن الكتابين لم يتخذا منهجًا معجميًّا في ترتيب الألفاظ التي شرحت فيهما وبذلك يختلف هذان الكتابان وغيرهما من الكتب عن كتاب المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني، وقد رتب الراغب الأصفهاني مفردات القرآن باعتبار حروفها الأصول ترتيبًا هجائيًّا، واتبع بذلك ما جرت عليه المعاجم العربية العامة من ترتيب الكلمات وفق حروفها الأصول.
стр. 134
ويعد كتاب "النهاية" في غريب الحديث لابن الأثير الجزري، ت ٦٠٦هـ، ثمرة كتب كثيرة تناولت موضوع غريب الحديث وقد أشار ابن الأثير إلى هذه الجهود في مقدمة كتابه، ويرجع الاهتمام بألفاظ الحديث إلى أبي عبيدة معمر بن المثنى والأصمعي وأبي عبيد القاسم بن سلام وابن قتيبة، ولكن هؤلاء لم يرتبوا الألفاظ التي شرحوها ترتيبًا معجميًّا بل كانت تشرح وفق الأحاديث، وقد اعتمد ابن الأثير الجزري في معجمه "النهاية في غريب الحديث" على معجمين ألفا قبله في هذا الموضوع. ففي القرن الرابع الهجري ألف أبو عبيد الهروي أول معجم لألفاظ الحديث. ثم ألف أبو موسى الأصفهاني معجمًا مكملا لمعجم الهروي. وقام ابن الأثير الجزري بالجمع بين معجمي الهروي والأصفهاني في معجم واحد خاص بألفاظ الحديث وحدها. وقد رتب ابن الأثير معجمه مثل ترتيب الهروي والأصفهاني وفق الحروف الأوائل. ولكن منهج ابن الأثير اختلف عن معجمي الهروي والأصفهاني والمعاجم العربية العامة من ناحية أساسية. فقد وجد أنه من الصعب الالتزام بفكرة ترتيب الكلمات وفق حروفها الأصول فقط، وعدم مراعاة باقي حروف الكلمة، وإذا كانت المعاجم العربية من كتاب العين إلى تاج العروس قد رتبت الكلمات وفق حروفها الأصول فقط، فإن ابن الأثير كان قد وجد في هذا صعوبة عملية، فرتب الكلمات بمراعاة كل حروفها دون تمييز بين الأصول والزوائد، وفي هذا يقول ابن الأثير: وجدت في الحديث كلمات كثيرة في أوائلها حروف زائدة قد بنيت الكلمة عليها حتى صارت كأنها من نفسها..... فرأيت أن أثبتها في باب الحرف الذي هو في أولها وإن لم يكن أصليا ونبهت عند ذكره على زيادته لئلا يراها أحد في غير بابها فيظن أني وضعتها فيه للجهل بها١. ومن هذا الجانب أيضا يختلف كتاب النهاية في غريب الحديث عن المعاجم العربية العامة.
стр. 135
وأهم المعاجم العربية الخاصة بالألفاظ الدخيلة هو كتاب "المعرب من الكلام الأعجمي" للجواليقي، ت ٥٤٠هـ، وقد حدد الجواليقي موضوع كتابه بالبحث في الألفاظ الدخيلة من اللغات الأجنبية المختلفة والتي استخدمت في القرآن المجيد وأخبار الرسول والصحابة وفي أشعار العرب وأخبارها. وقد أثبت الجواليقي أن هذه الألفاظ الدخيلة من لغات مختلفة، مثل: الفارسية والآرامية التي تسمى عنده بالنبطية. ولذا لم يكن ترتيب هذه الألفاظ باعتبار حروفها الأصول أمرًا مقبولا، فإجراء الألفاظ غير العربية وغير السامية على النمط الصرفي للغة العربية نوع من التعسبف غير المقبول علميًّا. ولذا رتب الجواليقي الألفاظ التي ناقشها في كتابه من الجانبين الدلالي والاشتقاقي ترتيبًا معجميًّا يراعي كل حروف الكلمة، وبذلك خرج الجواليقي على المبدأ السائد في المعاجم العربية العامة.
وهناك عدد من المعاجم الخاصة بالمصطلحات العلمية، منها التعريفات لعلي بن محمد الجرجاني، ت ٨١٦هـ، وكشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي المؤلف ١١٥٨هـ، ويعد كتاب التهانوي أكبر معجم عربي للمصطلحات العلمية، والتهانوي مؤلف هندي وجد المصطلحات المتداولة في التراث العربي في العلوم المختلفة بحاجة إلى معجم دلالي يوضح معانيها. فإذا كانت المعاجم العربية العامة قد اعتمدت على حركة جمع اللغة والشعر القديم في القرن الثاني الهجري فإن المصطلحات العلمية لم تنشأ في البادية عند القبائل التي اعتمد عليها اللغويون، لقد كثرت المصطلحات العملية العربية مع تنوع جوانب المعرفة العربية واتساع الأفق العلمي في القرن الثالث والقرون التالية، ولذا كانت المصطلحات خارج إطار اهتمام المعاجم العربية، وليس مصادفة أن يكون الاهتمام بهذه المصطلحات واضحًا عند عدد من العلماء غير العرب، فهؤلاء وجدوا صعوبة في فهم هذه المصطلحات، فأثارت اهتمامهم. وكانت ثمرة هذا الاهتمام معجمًا كبيرًا، مثل كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي، وفي هذا يقول التهانوي "ولم أجد كتابا حاويا لاصطلاحات جميع العلوم
стр. 136
المتداولة بين الناس وغيرها، وقد كان يختلج في صدري أوان التحصيل أن أؤلف كتابًا وافيًا لاصطحلات جميع العلوم، كافيًا للمتعلم من الرجوع إلى الأساتذة العالمين بها"١.
قدم التهانوي لكتابه بعرض عام حول العلوم وتصنيفها، أما المصطلحات العلمية فقد جاءت عنده مرتبة ترتيبًا معجميًّا وفق الحرف الأول من حروفها الأصول، وبهذا نهج التهانوي نهج بعض المعاجم العربية مثل أساس البلاغة للزمخشري.
стр. 137
٦- المعاجم الموضوعية:
توجد عدة أنواع من المعاجم الموضوعية في التراث العربي، فهناك معاجم اهتمت بالألفاظ الغريبة، مثل: الغريب المصنف لأبي عبيد القاسم بن سلام، ت٢٢٤هـ، وهناك مجموعة كبيرة من الكتب التعليمية التي كانت تهدف إلى تقريب الألفاظ لمن أراد حصيلة لغوية تعينه على الكتابة العربية الفصيحة، وتصنف هذه الكتب ألفاظها في موضوعات وتذكر الألفاظ الخاصة بكل موضوع بغض النظر عن حروفها الأصول أو الزوائد. وأهم هذه الكتب التعليمية الدلالية ذات التصنيف الموضوعي كتاب "الألفاظ" لابن السكيت، ت ٢٤٤هـ، وكتاب "جواهر الألفاظ" لقدامة بن جعفر، ت ٣٣٧هـ، و"متخير الألفاظ" لأحمد بن فارس، ت ٣٩٥هـ، و"الألفاظ الكتابية" لعبد الرحمن الهمذاني، ت٣٢٧هـ، و"فقه اللغة" للثعالبي، ت٤٢٩هـ. وهذه الكتب التعليمية لا تهتم بالألفاظ الغريبة بل تهتم بالألفاظ التي ارتضتها الدوائر الثقافية التي كانت تنفر من التقعر كما تنفر من العامية.
ولكن أكبر معجم موضوعي باللغة العربية هو "المخصص" لابن سيده
стр. 138
ت ٤٥٨هـ، تناول ابن سيده - بعد مقدمة عامة في قضايا اللغة- المفردات العربية وصنفها تصنيفًا موضوعيًّا. فعندما ذكر الألفاظ الخاصة بخلق الإنسان أورد ما يتعلق بجسم الإنسان وحياته الاجتماعية، ثم جاءت بعد ذلك الأقسام الخاصة بالأبنية والسلاح والخيل والإبل والغنم.... إلخ والأنواء..... والماء...... والمشاورة..... والاسبتداد....... والغناء والرقص واللعب...... إلخ وأفرد ابن سيده قسمًا كبيرًا في آخر كتابه لمجموعة من القضايا الصرفية شغلت السدس الأخير من كتاب المخصص.
стр. 139
٧- كتب الأبنية الصرفية:
هناك مجموعات من الكتب في موضوعات صرفية تناولت الكلمات في إطار الوزن الصرفي أو الظاهرة الصرفية وأهم هذه الكتب مجموعة من الكتب الخاصة بأبنية الأفعال ومجموعة أخرى خاصة بالمقصور والممدود ومجموعة ثالثة خاصة بالمذكر والمؤنث.
تناولت كتب الأفعال موضوعًا خاصًا بصيغتي فعل وأفعل. وألف عدد من اللغويين كتبًا بعنوان: فعلت وأفعلت، وأهم هؤلاء أبو حاتم السجستاني، ت ٢٥٥هـ، والزجاج، ت ٣١١هـ، وضمت مجموعة أخرى -من كتب الأبنية- الأفعالَ في اللغة العربية وقد رتبت بمراعاة بنيتها وحروفها الأصول ومن هذه الكتب كتاب الأفعال لابن القوطية، ت ٣٦٧هـ، وكتاب الأفعال للسرقسطي، ت بعد ٤٠٠ هـ، وكتاب الأفعال لابن القطاع، ت ٥١٥هـ.
واهتمت الكتب الخاصة بأبنية الأسماء بموضوع المقصور والممدود ويبدو أن الفراء، ت ٢٠٧هـ، كان أول من ألف في هذا الموضوع, وفي القرن الرابع الهجري ألف كتابان مهمان في هذا الموضوع هما كتاب القالي، ت ٣٥٦هـ، وابن ولاد، ت ٣٣٢هـ.
стр. 140
وهناك مجموعة أخرى من كتب الأبنية الخاصة بالأسماء تناولت موضوع التذكير والتأنيث، وأهم من ألف كتبًا بعنوات المذكر والمؤنث: الفراء، ت ٢٠٧هـ، وأبو حاتم السجستاني، ت ٢٥٥هـ، والمبرد، ت ٢٨٥هـ، والمفضل بن سلمة، ت بعد ٢٩٠هـ، والأنباري، ت ٣٢٨هـ، والتستري، ت بعد ٣٦٠هـ، وابن جني، ت ٢٩٢ هـ، وابن فارس، ت ٣٩٥هـ، وابن الأنباري ت ٥٧٧هـ.
وقد خصصت كتب التثقيف اللغوي ولحن العامة فصولا للأبنية الصرفية للأفعال والأسماء واهتمت ببيان الأبنية في الفصحى ومدى اختلاف اللهجات العربية عن الفصحى من هذا الجانب.
стр. 141
٨- كتب التثقيف اللغوي ولحن العامة:
بدأ الاهتمام بتأليف الكتب اللغوية الهادفة إلى تعليم الفصحى والابتعاد عن التأثيرات العامية في الاستخدام اللغوي في النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة١. كان اللغويون قد اعتبروا اللهجات صورًا فاسدة من الاستخدام اللغوي، فسجلوا بعض ظواهر اللهجات لبيان خطئها وأشاروا إلى ما ينبغي أن يقال بدلا منها في الفصحى، ولكن البحث اللغوي الحديث يتناول تراث لحن العامة والتثقيف اللغوي باعتباره من مصادر التاريخ اللغوي.
وهناك مجموعة من الكتب التي ألفت في العراق من القرن الثاني إلى القرن السادس الهجري وتدخل في هذا الإطار. وأهم هذه الكتب: ما تلحن فيه
стр. 142
العامة" للكسائي، ت ١٨٩هـ، و"إصلاح المنطق" لابن السكيت، ت ٢٤٤هـ، و"أدب الكاتب" لابن قيبة، ت ٢٧٦هـ، ودرة الغواص للحريري، ت ٥١٦هـ، والتكملة للجواليقي، ت ٥٣٩هـ، و"تقويم اللسان" لابن الجوزي، ت ٥٧٩هـ. ويرجع قسم كبير من المادة المسجلة في كل كتاب من هذه الكتب إلى مؤلف كل كتاب منها، ولذا يمكن التعرف منها على جوانب الاستخدام اللغوي في جنوب العراق من القرن الثاني حتى القرن السادس الهجري.
وقد وصلت إلينا من المغرب والأندلس وصقلية مجموعة كتب في لحن العامة والتثقيف وأقدم هذه الكتب "لحن العوام" لأبي بكر الزبيدي، ت ٣٧٩هـ، وهو كتاب أندلسي ولكن أكبر هذه الكتب هو كتاب "تثقيف اللسان" لابن مكي الصقلي، ت ٥٠١ هـ، الذي يصور لهجة صقلية العربية آنذاك وقد وصل من تونس كتاب بعنوان "الجمانة في إزالة الرطانة" منسوبًا لابن الإمام، ت بعد ٨٢٧هـ،
وأما مصر والشام فلا نعرف عنهما كتبًا في لحن العامة والثقيف اللغوي إلا من القرنين التاسع والعاشر للهجرة، فكتب ابن الحنبلي، ت ٩٧١هـ، قد تكون المصدر الوحيد للتعرف على لهجة الشام في العصر الإسلامي ولا تزال أكثر هذه الكتب مخطوطة١. والأثر المصري الوحيد الذي وصل إلينا في لحن العامة هو كتاب "دفع الأصر عن كلام أهل مصر" ليوسف المغربي، ت ١٠١٩هـ، وقد حاول ابن الحنبلي والمغربي أن يبحثا جوانب من لهجة الشام ومصر بهدف إثبات عروبتها والدفاع عنها، وبذلك تختلف هذه الكتب عن مجموعة كتب لحن العامة المؤلفة في العراق والأندلس.
стр. 143
٩- كتب الموضوعات الصوتية:
اهتم اللغويون العرب بتأليف الكتب والرسائل في القلب والإبدال من جانب، وفي الضاد والظاء من الجانب الآخر، ويرجع التركيز على كلا الموضوعين إلى كون اللهجات العربية كانت تمد اللغويين بمادة ثرية فيهما.
فهناك عدة مئات من الكلمات العربية، عرفت اللهجات العربية القديمة كل كلمة منها في عدة صيغ. كل صيغة منها في صوت بعينه. وذلك مثل: هتن، هتل، وقد ألفت عدة كتب تتناول هذه الصيغ، وأهم هذه الكتب "القلب والإبدال" لابن السكيت، ت ٢٤٤هـ، و"الإبدال والمعاقبة والنظائر" للزجاجي، ت ٣٧٧. كتاب "الإبدال" لأبي الطيب اللغوي، ت ٣٥١.
وقد أدى الخلط بين الضاد والظاء في اللهجات العربية الوسيطة إلى اهتمام كثير من اللغويين بتأليف رسائل لغوية تضم الألفاظ التي يرد فيها أحد الصوتين ومن أهم من ألف في الفرق بين الضاء والظاء، أبو عمر الزاهد، ت ٣٤٥هـ، والصاحب بن عباد، ت ٣٨٥هـ، وأبو الحسن الصقلي، ق ٥ هـ، وأبو القاسم الزنجاتي ق ٥ هـ. والحريري، ت ٥١٦هـ وغيرهم.
стр. 144
الفصل السابع: المنهج المقارن و تصنيف اللغات
١- تصنيف اللغات
قسم اللغويون الأوربيون في القرن التاسع عشر اللغات المختلفة إلى مجموعات؛ فهناك أسرة اللغات الهندية -الأوربية التي تضم عددًا كبيرًا من اللغات المنتشرة في منطقة شاسعة من الهند وإيران إلى أوربا، وهناك أسرة اللغات السامية التي تنتمي إليها اللغة العربية. وإلى جانب هاتين الأسرتين الكبيرتين هناك أسرات لغوية كثيرة أخرى، ويقوم تصنيف اللغات إلى أسرات على أساس أوجه الشبه بين هذه اللغات من الجوانب الصوتية والصرفية والنحوية والمعجمية١. قد يحدث تغير في المكونات الصوتية يجعل لغة من اللغات تختلف في مرحلة من
стр. 145
من مراحل تطورها عن اللغة الأم التي انحدرت عنها، وهنا يحاول اللغويون تسجيل هذا التغير في قوانين تفسر التغيير الصوتي ويطلق عليها اسم القوانين الصوتية، وقد تنمو الصيغ الصرفية وتتغير أشكالها وتنشأ من العناصر القديمة كلمات جديدة، وهنا يبحث اللغويون مدى الاتفاق والتشابه في الصيغ الصرفية بين اللغات المندرجة في أسرة لغوية واحدة، بهدف إثبات اتجاهات التغير الصرفي. ومثل هذا يقال بالنسبة للتغير الدلالي فإن دلالة الكلمات تتغير وتختلف بشكل ما في اللغات المختلفة التي خرجت عن أصل واحد مشترك وهنا تكون مقارنة الكلمات المشتركة بدلالتها المتغيرة في لغات الأسرة الواحدة موضوعًا من موضوعات البحث المقارن.
إن تصنيف اللغات إلى أسرات يعني أن اللغات المندرجة في أسرة لغوية واحدة ترجع إلى لغة واحدة هي الأصل الذي تفرعت عنه لغات الأسرة كلها، فعندما يقال بأن العربية والآرامية لغتان ساميتان فالمقصود أن اللغتين من أصل واحد، وأنهما تطورتا عن لغة واحدة هي اللغة السامية الأولى، وقد افترض العلماء وجود هذه اللغة في عصور مغرقة في القدم لتفسير انتماء اللغات العربية والآرامية والحبشية إلخ.. إلى أسرة لغوية واحدة، وعندما يذكر الباحثون أن اللغتين العربية والفارسية من أصلين مختلفين؛ العربية سامية والفارسية هندية أوربية، فالمقصود أن كليهما تطورت عن أصل مستقل وأنهما بذلك من أسرتين لغويتين مختلفتين. وتكون الفارسية مع عدد من اللغات في الهند وأوروبا أسرة لغوية كبيرة، وهي الأسرة الهندية - الأوروبية. لقد أدت الدراسة اللغوية المقارنة في القرن التاسع عشر إلى تصنيف اللغات على أساس أوجه الشبه بينها وكلما زادت أوجه الشبه بين لغتين أو أكثر عدت هذه اللغات الأكثر تشابهًا فرعًا لغويًّا في إطار الأسرة اللغوية الواحدة. وبهذا المعنى يذكر الباحثون العربية الشمالية والعربية الجنوبية واللغات السامية في الحبشة باعتبارها تكون الفرع الجنوبي من أسرة اللغات السامية لأن هذه اللغات