← Язык

Язык · id 11299

علم اللغة العربية

د. محمود فهمى حجازى

Полный текст (455 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

٨- كتب التثقيف اللغوي ولحن العامة: بدأ الاهتمام بتأليف الكتب اللغوية الهادفة إلى تعليم الفصحى والابتعاد عن التأثيرات العامية في الاستخدام اللغوي في النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة١. كان اللغويون قد اعتبروا اللهجات صورًا فاسدة من الاستخدام اللغوي، فسجلوا بعض ظواهر اللهجات لبيان خطئها وأشاروا إلى ما ينبغي أن يقال بدلا منها في الفصحى، ولكن البحث اللغوي الحديث يتناول تراث لحن العامة والتثقيف اللغوي باعتباره من مصادر التاريخ اللغوي. وهناك مجموعة من الكتب التي ألفت في العراق من القرن الثاني إلى القرن السادس الهجري وتدخل في هذا الإطار. وأهم هذه الكتب: ما تلحن فيه

стр. 142

العامة" للكسائي، ت ١٨٩هـ، و"إصلاح المنطق" لابن السكيت، ت ٢٤٤هـ، و"أدب الكاتب" لابن قيبة، ت ٢٧٦هـ، ودرة الغواص للحريري، ت ٥١٦هـ، والتكملة للجواليقي، ت ٥٣٩هـ، و"تقويم اللسان" لابن الجوزي، ت ٥٧٩هـ. ويرجع قسم كبير من المادة المسجلة في كل كتاب من هذه الكتب إلى مؤلف كل كتاب منها، ولذا يمكن التعرف منها على جوانب الاستخدام اللغوي في جنوب العراق من القرن الثاني حتى القرن السادس الهجري. وقد وصلت إلينا من المغرب والأندلس وصقلية مجموعة كتب في لحن العامة والتثقيف وأقدم هذه الكتب "لحن العوام" لأبي بكر الزبيدي، ت ٣٧٩هـ، وهو كتاب أندلسي ولكن أكبر هذه الكتب هو كتاب "تثقيف اللسان" لابن مكي الصقلي، ت ٥٠١ هـ، الذي يصور لهجة صقلية العربية آنذاك وقد وصل من تونس كتاب بعنوان "الجمانة في إزالة الرطانة" منسوبًا لابن الإمام، ت بعد ٨٢٧هـ، وأما مصر والشام فلا نعرف عنهما كتبًا في لحن العامة والثقيف اللغوي إلا من القرنين التاسع والعاشر للهجرة، فكتب ابن الحنبلي، ت ٩٧١هـ، قد تكون المصدر الوحيد للتعرف على لهجة الشام في العصر الإسلامي ولا تزال أكثر هذه الكتب مخطوطة١. والأثر المصري الوحيد الذي وصل إلينا في لحن العامة هو كتاب "دفع الأصر عن كلام أهل مصر" ليوسف المغربي، ت ١٠١٩هـ، وقد حاول ابن الحنبلي والمغربي أن يبحثا جوانب من لهجة الشام ومصر بهدف إثبات عروبتها والدفاع عنها، وبذلك تختلف هذه الكتب عن مجموعة كتب لحن العامة المؤلفة في العراق والأندلس.

стр. 143

٩- كتب الموضوعات الصوتية: اهتم اللغويون العرب بتأليف الكتب والرسائل في القلب والإبدال من جانب، وفي الضاد والظاء من الجانب الآخر، ويرجع التركيز على كلا الموضوعين إلى كون اللهجات العربية كانت تمد اللغويين بمادة ثرية فيهما. فهناك عدة مئات من الكلمات العربية، عرفت اللهجات العربية القديمة كل كلمة منها في عدة صيغ. كل صيغة منها في صوت بعينه. وذلك مثل: هتن، هتل، وقد ألفت عدة كتب تتناول هذه الصيغ، وأهم هذه الكتب "القلب والإبدال" لابن السكيت، ت ٢٤٤هـ، و"الإبدال والمعاقبة والنظائر" للزجاجي، ت ٣٧٧. كتاب "الإبدال" لأبي الطيب اللغوي، ت ٣٥١. وقد أدى الخلط بين الضاد والظاء في اللهجات العربية الوسيطة إلى اهتمام كثير من اللغويين بتأليف رسائل لغوية تضم الألفاظ التي يرد فيها أحد الصوتين ومن أهم من ألف في الفرق بين الضاء والظاء، أبو عمر الزاهد، ت ٣٤٥هـ، والصاحب بن عباد، ت ٣٨٥هـ، وأبو الحسن الصقلي، ق ٥ هـ، وأبو القاسم الزنجاتي ق ٥ هـ. والحريري، ت ٥١٦هـ وغيرهم.

стр. 144

الفصل السابع: المنهج المقارن و تصنيف اللغات ١- تصنيف اللغات قسم اللغويون الأوربيون في القرن التاسع عشر اللغات المختلفة إلى مجموعات؛ فهناك أسرة اللغات الهندية -الأوربية التي تضم عددًا كبيرًا من اللغات المنتشرة في منطقة شاسعة من الهند وإيران إلى أوربا، وهناك أسرة اللغات السامية التي تنتمي إليها اللغة العربية. وإلى جانب هاتين الأسرتين الكبيرتين هناك أسرات لغوية كثيرة أخرى، ويقوم تصنيف اللغات إلى أسرات على أساس أوجه الشبه بين هذه اللغات من الجوانب الصوتية والصرفية والنحوية والمعجمية١. قد يحدث تغير في المكونات الصوتية يجعل لغة من اللغات تختلف في مرحلة من

стр. 145

من مراحل تطورها عن اللغة الأم التي انحدرت عنها، وهنا يحاول اللغويون تسجيل هذا التغير في قوانين تفسر التغيير الصوتي ويطلق عليها اسم القوانين الصوتية، وقد تنمو الصيغ الصرفية وتتغير أشكالها وتنشأ من العناصر القديمة كلمات جديدة، وهنا يبحث اللغويون مدى الاتفاق والتشابه في الصيغ الصرفية بين اللغات المندرجة في أسرة لغوية واحدة، بهدف إثبات اتجاهات التغير الصرفي. ومثل هذا يقال بالنسبة للتغير الدلالي فإن دلالة الكلمات تتغير وتختلف بشكل ما في اللغات المختلفة التي خرجت عن أصل واحد مشترك وهنا تكون مقارنة الكلمات المشتركة بدلالتها المتغيرة في لغات الأسرة الواحدة موضوعًا من موضوعات البحث المقارن. إن تصنيف اللغات إلى أسرات يعني أن اللغات المندرجة في أسرة لغوية واحدة ترجع إلى لغة واحدة هي الأصل الذي تفرعت عنه لغات الأسرة كلها، فعندما يقال بأن العربية والآرامية لغتان ساميتان فالمقصود أن اللغتين من أصل واحد، وأنهما تطورتا عن لغة واحدة هي اللغة السامية الأولى، وقد افترض العلماء وجود هذه اللغة في عصور مغرقة في القدم لتفسير انتماء اللغات العربية والآرامية والحبشية إلخ.. إلى أسرة لغوية واحدة، وعندما يذكر الباحثون أن اللغتين العربية والفارسية من أصلين مختلفين؛ العربية سامية والفارسية هندية أوربية، فالمقصود أن كليهما تطورت عن أصل مستقل وأنهما بذلك من أسرتين لغويتين مختلفتين. وتكون الفارسية مع عدد من اللغات في الهند وأوروبا أسرة لغوية كبيرة، وهي الأسرة الهندية - الأوروبية. لقد أدت الدراسة اللغوية المقارنة في القرن التاسع عشر إلى تصنيف اللغات على أساس أوجه الشبه بينها وكلما زادت أوجه الشبه بين لغتين أو أكثر عدت هذه اللغات الأكثر تشابهًا فرعًا لغويًّا في إطار الأسرة اللغوية الواحدة. وبهذا المعنى يذكر الباحثون العربية الشمالية والعربية الجنوبية واللغات السامية في الحبشة باعتبارها تكون الفرع الجنوبي من أسرة اللغات السامية لأن هذه اللغات

стр. 146

أكثر تشابهًا، وتشترك في صفات أكثر من الصفات التي تشترك فيها مع باقي اللغات السامية. وتنقسم الأسرة الهندية - الأوربية بدورها إلى عدة أفرع، فإذا قارن أحد الباحثين اللغة الأردية باللغة الفرنسية مثلا لم يستطع أن يتبين أوجه شبه تذكر، ولكن أوجه الشبه تتضح بمقارنة اللغات الفرنسية والإيطالية والإسبانية والرومانية. ترجع هذه اللغات إلى أصل واحد هو اللاتينية ولذا تكون هذه اللغات فرعًا واحدًا من أفرع الأسرة الهندية - الأوربية وهو الفرع الروماني. وهناك أوجه شبه كبيرة بين الإنجليزية والألمانية وغيرهما من لغات الفرع الجرماني من الأسرة الهندية - الأوربية. تتضح أوجه الشبه بصورة متزايدة كلما كانت النصوص موضع البحث قديمة. ولذا فقد أمكن عن طريق مقارنة اللغات الأقدم في كل فرع من أفرع الأسرة الهندية - الأوربية إثبات أن هذه اللغات من أصل واحد هو اللغة الهندية الأوربية الأولى، وكانت مهمة البحث بعد ذلك بيان أوجه الاختلاف بين هذه اللغات وتفسير ذلك بقوانين تاريخية١. يقوم علم اللغة المقارن على دراسة مجموعة من اللغات المنتمية إلى أسرة لغوية واحدة وليس المقصود بذلك القدرة على التحدث بهذه اللغات القديمة والحديثة أو القدرة على الكتابة بهذه اللغات، بل المقصود بحث هذه اللغات، فعلى الرغم من ضرورة معرفة الباحث المقارن بكل اللغات موضع المقارنة فعليه أن يبحث بنية ومعجم هذه اللغات بهدف إيضاح العلاقة التاريخية التي تربط لغات الأسرة الواحدة وأن يفسر هذه العلاقات بقوانين ثابتة مطردة، لقد أثبت تاريخ الحضارة في الشرق والغرب أن مجرد المعرفة باللغات المتشابهة والمختلفة لا يعني بالضرورة قيام بحث مقارن فيها، فلم يؤد معرفة كثير من العلماء على مدى القرون بعدة لغات إلى قيام دراسات مقارنة بالمعنى الذي حدث في القرن التاسع عشر، ففي العصور الوسطى كان كثير من العلماء يؤلفون بلغات ويتحدثون في حياتهم اليومية بلغات أخرى.

стр. 147

٢- العرب واللغات الأجنبية: ففي إطار الحضارة العربية الإسلامية كان كثير من النحويين واللغويين يؤلفون بالعربية ويعرفون الفارسية أو التركية، فسيبويه صاحب أقدم كتاب وصل إلينا في النحو العربي كان يعرف الفارسية١، والسيرافي مؤلف أقدم شرح وصل إلينا على كتاب سيبويه نشأ أيضا في بيئة لغوية فارسية٢ أما أبو الفرج بن العبري المتوفي ١٢٨٩م فكان يعرف العبرية وألف بالسريانية والعربية، كان ابن العبري مؤرخًا ولغويًّا اهتم بجهود النحاة العرب ودرس "المفصل" للزمخشري وألف في النحو السرياني على غرار "المفصل"٣ أما النحاة اليهود في الأندلس الإسلامية فقد درسوا النحو العربي وألفوا نحوا للعبرية على أساس معرفتهم بمنهج التحليل النحوي عند العرب٤. وإلى جانب هؤلاء جميعًا كان النحوي العربي أثير الدين بن حيان رائد التأليف في

стр. 148

النحو التركي، وربما كان أيضا أول مؤلف في النحو الحبشي١. وفوق هذا فقد عرف ابن حزم القرابة اللغوية بين العربية والعبرية والسريانية، وشبه هذه القرابة بقرابة لهجات اللغة الواحدة. قال ابن حزم: "الذي وقفنا عليه وعلمناه يقينا أن السريانية والعبرانية والعربية التي هي لغة مضر وربيعة لا لغة حمير لغة واحدة تبدلت مساكن أهلها فحدث فيها جرش كالذي يحدث من الأندلسي إذا رام نغمة أهل القيروان. ومن القيراوني إذا رام نغمة الأندلسي. ونحن نجد من سمع لغة أهل فحص البلوط وهي على ليلة واحدة من قرطبة كاد يقول إنها لغة أخرى غير لغة أهل قرطبة، وهكذا في كثير من البلاد فإنه بمجاورة أهل البلدة بأمة أخرى تتبدل لغتها تبدلا لا يخفى على من تأمله وإذا تعرب الجليقي أبدل من العين والحاء هاء فيقول: مهمدا، إذا أراد أن يقول: محمدا، ومثل هذا كثير فمن تدبر العربية والعبرانية والسريانية أيقن أن اختلافهما

стр. 149

إنما هو من نحو ما ذكرنا من تبديل ألفاظ الناس على طول الأزمان واختلاف البلدان ومجاورة الأمم وأنها لغة واحدة في الأصل١ وهكذا أتيح لبعض النحاة والمفكرين في الدولة الإسلامية أن يعرفوا لغات متشابهة ومن أصل واحد مثل العربية والعبرية والسريانية وأن يعرف بعضهم إلى جانب العربية لغات تختلف بنيتها عن بنية اللغات السامية مثل اللغة الفارسية وهي لغة هندية أوربية، واللغة التركية وهي لغة تنتمي إلى مجموعة لغوية أخرى.

стр. 150

الأوروبيون والمقارنات ... ٣- الأوربيون والمقارنات وفي إطار العصور الوسطى اللاتينية كان النحو أحد الفنون السبعة أي العلوم التي تناولها التدريس والشرح والتعليق في كل أنحاء غرب أوربا١، وكان كثير من أبناء المنطقة الحضارية اللاتينية منتمين أيضا إلى بيئات لغوية تختلف لغاتها عن اللاتينية اختلافا بعيدا، ولا تمت إليها إلا بصلة قرابة بعيدة. اهتم عدد من المؤلفين المنتمين للبيئات اللغوية الإنجليزية والأيسلندية والألمانية ابتداء من القرنين السابع والثامن للميلاد بتأليف المعاجم البسيطة للغة اللاتينية مع الألفاظ المقابلة بلغة أخرى مثل الإنجليزية القديمة، كما اهتموا بالتأليف في النحو اللاتيني٢

стр. 151

كان هؤلاء المؤلفون يتعاملون في حياتهم اليومية بلغات تختلف عن اللاتينية اختلافا بعيدا ولكنها تمت إليها بصلة قرابة بعيدة وعلى الرغم من هذا فلم تؤد معرفتهم بهذه اللغات إلى بحث بنيتها وبيان أوجه الشبه والخلاف أو العلاقات التاريخية بينها وكل ما عرفه أولئك العلماء مجموعة ملاحظات عابرة للتعرف على علاقات القرابة بين اللغات في القرن الرابع عشر الميلادي، فقد أدرك دانتي ١٢٦٥-١٣٢١ ببحث عدد من المفردات في اللغات الإسبانية والبرفسالية والفرنسية والإيطالية أن هذه اللغات ترجع إلى أصل واحد، ولكن دانتي لم يجعل هذه اللغات متفرعة عن اللاتينية، لأنها في رأيه لغة مصنوعة صنعها العلماء ليتعاملوا بها وأنها لم تكن لغة حية طبيعية في وقت من الأوقات، وإذا كان البحث العلمي قد أثبت خطأ هذا الرأي وأوضح أن اللغات الرومانية المختلفة إنما تطورت عن أصل واحد هو اللاتينية الشعبية، أي اللاتينية في صورتها المنطوقة، فإن أهمية رأي دانتي ترجع إلى تصنيفه لهذه اللغات في إطار واحد١. وهناك محاولات كثيرة تالية لتصنيف اللغات الأوربية المختلفة في مجموعات ولكن قصور هذه المحاولات يرجع إلى كونها قامت على دارسة المفردات ولم تقم على دراسة البنية الصرفية والنحوية، وقد صنف سكاليجر Scaliger ١٥٤٠- ١٦٠٩ اللغات الأوربية إلى أربع مجموعات رئيسية، وهي

стр. 152

المجموعة الرومانية والمجموعة اليونانية والمجموعة الجرمانية والمجموعة السلافية، وأضاف إلى هذه المجموعات سبع مجموعات فرعية تدخل فيها باقي لغات القارة الأوربية. وتدخل الفنلندية والمجرية وهما من غير اللغات الهندية- الأوربية في هذه المجموعات الفرعية١. ولكن نجاح سكاليجر ومؤلفي المعاجم المتعددة اللغات في القرن السابع عشر لم يتجاوز مجرد التصنيف، فلم يتجاوز هؤلاء تصنيف المفردات ولم يبحثوا المراحل الأقدم لهذ اللغات من الجوانب الصوتية والصرفية والنحوية، ولذا كان عملهم مجرد ملاحظات جزئية كثيرة لم يخرجوا منها بقواعد عامة أو بقوانين توضح الفروق بين اللغات الأقدم واللغات الأحدث وتفسر مسار التغير اللغوي. وظل هؤلاء المؤلفون أسرى الفكر الموروثة عن العهد القديم القائلة بأن العبرية هي أصل لغات الأرض. وهكذا كان الاطمئنان إلى صحة هذه الفكرة معوقًا أمام جهد هؤلاء العلماء في النظر إلى المراحل الموغلة في القدم في تاريخ اللغات.

стр. 153

٤- نشوء علم اللغة المقارن: لقد بدأ التقدم الحقيقي في علم اللغة المقارن في القرن التاسع عشر بعد أن اكتشف الأوربيون اللغة السنسكريتية١ وهي لغة تراث الهند القديم إن السنسكريتية لم تمت ولا يزال بعض العلماء الهنود يقرءون نصوصها ويألفون بها، لاحظ اللغويون الأوربيون الشبه الواضح للسنسكريتية باللغات الأوربية القديمة. ولا تقتصر أوجه الشبه على طائفة من المفردات المتشابهة فالألفاظ

стр. 154

تنتقل في يسر من لغة إلى أخرى. ولكن الباحثين ركزوا جهدهم على إيضاح جوانب الشبه في بنية اللغة السنسكريتية واللغات الأوربية القديمة من الجوانب الصوتية والصرفية والنحوية، ومر البحث اللغوي المقارن بعد بدايته الموفقة مع اكتشاف السنسكريتية بعدة مراحل، مضى فيها شيئا فشيئا نحو استخراج القوانين التاريخية للتغير اللغوي، كان شليجل F. Schlegel أول من طالب بدراسة البنية اللغوية للغة السنسكريتية باعتبارها منطلقا للمقارنات اللغوية١. لقد درس شليجل اللغة السنسكريتية، وكان إعجابه بها على نحو إعجاب الرومانتيكيين الألمان بكل شيء قديم وغريب، ورأى اللغات الأوربية القديمة مثل الإغريقية واللاتينة والجرمانية من أصل سنسكريتي. كان شليجل سعيد كل السعادة باللغة السنسكريتية وكأنه قد توصل بها إلى طفولة البشرية وإلى اللغة القديمة النقية والأصلية وقد أحرز علم اللغة المقارن في الأجيال التالية لشليجل تقدما مطردا حقق للبحث اللغوي درجة من الدقة العلمية، وخفت نشوة الولع بالهند وبالسنسكريتية ووهم أنها هي الأصل النقي القديم، كان فرانتس بوب F. Bopp أول من ألف كتابا جادا في علم اللغة المقارن، فصدر كتابه النحو المقارن ١٨٣٣-١٨٥١ كان فرانتس بوب يرى الهدف من النحو المقارن إعادة تكوين اللغة الهندية - الأوربية الأولى، ولم يكن يرى رأي شليجل أن السنسكريتية أصل كل اللغات الهندية - الأوربية، فحاول بوب أن يستخرج ملامح اللغة الهندية -الأوربية الأولى اعتمادا على مقارنة اللغات الأوربية المختلفة والمضي من المراحل القديمة إلى المراحل الأقدم في محاولة للتعرف على اللغة الأقدم التي خرجت عنها كل هذه اللغات٢ وفي النصف

стр. 155

الأول من القرن التاسع عشر كان هدف البحث المقارن التوصل إلى اللغة الأقدم ولذا كان البحث مرتبطًا بالنصوص المدونة، حاولوا بحث النصوص المختلفة التي وصلت إليهم باللغات الهندية الأوربية عبر التاريخ محاولين الوصول عبر أقدم هذه النصوص إلى اللغة الهندية الأوربية الأولى، ولم يكن هناك اهتمام جاد بدراسة اللهجات الحية -أول الأمر- ولكن الباحثين تبينوا بعد ذلك أهمية بحث اللهجات الحديثة في إطار علم اللغة المقارن، أي أنهم بحثوا اللهجات لا باعتبارها هدفا في ذاتها أو موضوعا متكاملا في ذاته، بل باعتبارها أداة توضح جوانب من التاريخ اللغوي القديم أي أنها كانت وسيلة لفهم الماضي١. ودخل علم اللغة المقارن في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مرحلة جديدة خبت فيها الروح الرومانتيكية، ونزع فيها البحث اللغوي إلى العلمية وتطوير المناهج الدقيقة في التصنيف والتفسير واستخراج القوانين الدقيقة على نحو ما فعل الباحثون في العلوم الطبيعية. تأثر علم اللغة في هذه المرحلة بالداروينية تأثرا بعيدا. كان اللغوي شلايشر متخصصًا أيضا في العلوم البيولوجية، أعجب بآراء دارون في تطور الكائنات، وألف في محاولة نقل فكرة التفسير التطوري التاريخي في علم اللغة كتابا بعنوان نظرية دارون وعلم اللغة٢ وقد عد شلايشر نفسه عالما طبيعيا ببحث اللغة لا بوصف مظهرها الخارجي، بل بتأريخ جزئيات ظواهرها وتعليل نشوء هذه الجزئيات بقوانين ثابتة. وإذا كان علماء النبات قد نجحوا في تصنيف النباتات إلى أسرات اعتمادا على بنيتها ومكوناتها ووضعوا بذلك مجموعة من قوانين التغير التاريخي -فإن شلايشر حاول أن يتوسل بهذا المنهج في بحث اللغات. ويعد كتاب شلايشر في النحو المقارن للغات الهندية -

стр. 156

الأوربية١ من أهم الكتب التي جعلت من علم اللغة علما دقيقا يحاول تفسير التغير بقوانين واضحة، وكان لهذا الكتاب أثر مباشر في قيام مدرسة النحاة الشبان٢ Junggrammariker وينتمي إلى هذه المدرسة أهم اللغويين الألمان في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. وأعلام هذه المدرسة لسكين A.Leskien وأستهوف H. Osthoff وبروجمان K. Brugmann في مجال علم اللغة الهندية - الأوربية وتبعهم نولدكه٣ The Noldeke وبروكلمان٤ C. Brockelman في مجال علم اللغات السامية. إن مدرسة النحويين الشبان أفادت من التقدم المنهجي في العلوم الطبيعية وحاولت استخراج القوانين المفسرة للتغير اللغوي، وعرفت بالتزامها الصارم بفكرة القوانين الصوتية، وأفادت مدرسة النحويين الشبان في مجال اللغات الشرقية أيضا من الكشوف الأثرية التي تمت في القرن التاسع عشر وأماطت اللثام عن لغات قديمة بائدة، ويكفي أن نذكر اللغات المصرية القديمة والآكادية والفينيقية والعربية الجنوبية باعتبارها أوضح الأمثلة في الشرق، وبالإضافة إلى هذا وذلك فقد كانت حركة تحقيق النصوص القديمة ذات نتائج مباشرة.

стр. 157

فأتاحت للغويين نصوصًا كثيرة اعتمدوا عليها وعلى غيرها في بحث اللغات وتوسلوا في هذا البحث بمنهج دقيق يهدف عن طريق القوانين التاريخية إلى تفسير العلاقات بين اللغات والمستويات اللغوية المختلفة القديمة والحديثة في إطار الأسرة اللغوية الواحدة، وفي ظل هذه الظروف نشأ علم اللغة المقارن في اللغات الهندية الأوربية ثم في باقي الأسرات اللغوية.

стр. 158

الفصل الثامن: اللغات السامية بين اللغات الأفروأسيوية ١- اللغات الأفروأسيوية يطلق مصطلح الأفروأسيوية على مجموعة كبيرة من اللغات في غرب آسيا وشمال وشرق إفريقيا ومنها اللغات السامية١. ويعني تصنيف مجموعة من اللغات في أسرة لغوية واحدة اشتراك هذه اللغات في عدد من الخصائص البنيوية باعتبار هذه اللغات ترجع إلى أصل واحد تفرعت عنه، ثم تباعدت خصائصها بعد ذلك على مدى التاريخ. ومعنى هذا أن اللغات العربية والأكادية

стр. 159

والكنعانية والآرامية والحبشية فرعًا من أفرع أسرة لغوية كبيرة، تضم أيضا اللغات المصرية القديمة والبربرية والتشادية والكوشية. ويقوم تصنيف اللغات في أسرة لغوية واحدة على أساس الخصائص المشتركة، وكلما تقاربت هذه الخصائص بين لغتين أو أكثر كونت اللغتان فرعًا لغويًّا داخل الأسرة اللغوية، وتقل الخصائص المشتركة بالضرورة كلما بحثنا العلاقات بين فرع لغوي وآخر، ولكن وجود قدر مشترك من الخصائص بين هذه اللغات جعل الباحثين المعاصرين يميلون إلى اعتبار اللغات السامية جزاء من الأسرة اللغوية الآفروأسيوية.

стр. 160

٢- اللغات السامية كان كثير من الباحثين الأوربيين قد لاحظوا منذ قرون أوجه الشبه بين العربية والعبرية، وكان العارفون بهما وبالسريانية في عصر الحضارة الإسلامية قد أدركوا أن هذه اللغات متقاربة، بل وعرف ابن حزم أنها من أصل لغوي واحد. وعندما بدأ بحث اللغة العربية في أوربا في القرن السادس عشر بهدف قراءة العهد القديم في نصه العبري أفاد علماء اللاهوت من اللغة العربية لفهم بعض الجوانب الغامضة في النص العبري للعهد القديم. وهكذا ارتبطت بداية الاهتمام الأوربي باللغة العبرية القديمة بحركة الإصلاح الديني التي نادت في هذا الصدد بضرورة بحث العهد القديم في نصه العبري لا في ترجماته اللاتينية. إن العهد القديم نص عبري، ولكن به سفرين بالآرامية، ولذا كان الاهتمام المبكر بالآرامية متواضعًا بقدر هذه الصفحات الآرامية القليلة في العهد القديم. وبذلك تركز البحث في اللغات السامية القديمة في أوربا على لغتي الأسفار الدينية وهما العبرية والآرامية. وتوسلوا في فهمها باللغة العربية التي كانت معروفة عند بعض الباحثين الأوربيين بصورة مستمرة. واتسعت دائرة الاهتمام باللغات السامية في القرن السابع عشر عندما بدأ البحث اللغوي في لغة الجعز، أي الحبشية القديمة، بينما استمر بالعبرية والآرامية والعربية.

стр. 161

ولا شك أن العارفين بهذه اللغات قد لاحظوا أوجه شبه كثيرة بينها. فحاول شلوتسر Schlozer ١٧٩٨ تسمية هذه اللغات: العبرية والعربية والآرامية والحبشية -باسم عام يجمعها، ووجد في العهد القديم تقسيما للشعوب إلى أبناء حام وأبناء سام وأبناء يافث. لاحظ شلوتسر أن أسماء هذه اللغات ينطبق إلى حد كبير على أسماء أولاد سام، فسمى هذه اللغات باسم اللغات السامية١. ولكن إدراك العلاقات التاريخية بين هذه اللغات لم ينتظم على أساس منهجي واضح وفي إطار نظرية شاملة إلا بعد تصنيف اللغات الهندية الأوروبية. ففي القرن التاسع عشر نجح العلماء في تصنيف اللغات الهندية - الأوربية بمنهج علمي واضح. وكان لهذا المنهج أثره المباشر عند الباحثين في اللغات السامية، فحاولوا التوسل بنفس المنهج لتصنيف اللغات السامية. وفي نفس الفترة زاد الاهتمام بالأبحاث التاريخية والأثرية واكتشفت آلاف النقوش في أنحاء مختلفة من الشرق،

стр. 162

وكشفت هذه النقوش عن لغات قديمة بائدة منها العربية الجنوبية والأكادية والفينيقية وثبت في أثناء بحث هذه اللغات القديمة أنها تتشابه أيضا مع اللغات السامية المعروفة حتى ذلك الوقت. ويتضح اللقاء بين البحث في اللغات السامية المختلفة في عدة شخصيات فاللغوي الألماني جيزينيس Gesenius ١٧٧٦-١٨٤٢ ألف للعبرية نحوًا ومعجمًا، واهتم أيضا بالآرامية وكان جيزينيس أول من نجح في فك أكثر رموز خط المسند أي الخط الذي كتبت به النقوش اليمنية القديمة. وقد أفاد الباحثون في القرن التاسع عشر من معرفتهم باللغات العربية والعبرية والآرامية والحبشية في فهم اللغات المكتشفة في النقوش. ولم تقتصر الأبحاث على لغات الكتب الدينية ولغات النقوش القديمة، بل اهتم عدد من الأوربين ولأسباب علمية غالبًا - بدراسة عدد من اللهجات العربية الحديثة وبتدوين عدد من اللهجات الآرامية الحديثة واللغات السامية الحديثة في الحبشة وبكل هذه الأدوات أتيح لعلماء القرن التاسع عشر ما لم يتح لمن سبقهم؛ ففي منتصف القرن التاسع عشر كانت اللغات العربية والعبرية والآرامية والحبشية والعربية الجنوبية والفينيقية والأكادية معروفة للباحثين الأوربيين وكان المنهج المقارن الذي صقلته أبحاث اللغات الهندية الأوربية معروفا لهم أيضا، ومعنى هذا أن البحث المقارن في اللغات السامية بدأ بعد أن اتضحت لهم ملامح هذه اللغات وبعد أن اتضح لهم أيضا منهج علمي لتصنيفها ولمقارنتها.

стр. 163

٣- اللغات السامية واللغة المصرية القديمة: كانت القرابة اللغوية بين اللغات السامية واللغات الأخرى القديمة والحديثة أحد موضوعات البحث المقارن، ولم يهتم بهذا الموضوع لصعوبته إلا عدد قليل من العلماء، ورغم هذا فقد طرحت فيه منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر عدة فروض تتفق في جعل اللغات السامية -بالمعنى الضيق للكلمة- ليست مختلفة كل الاختلاف عن لغة مصر القديمة، وقد افترض١ بروجش ١٨٦٧.

стр. 164

أن اللغة المصرية القديمة لغة سامية وفسر إرمان أوجه الشبه بين اللغات السامية واللغة المصرية القديمة بأن هذه اللغة قد انفصلت في وقت مبكر عن الأسرة السامية وشقت طريقها وحدها عدة آلاف من السنين١ وشبيه بهذا أمر العلاقة بين اللغات السامية وتلك اللغات المسماة بالحامية. كان البعض يجعل: لغات البربر، والنوبة ولغة الهوسا والفولبا، واللغات الكوشية مثل: لغات البشارية، والبجه، والماهو، والجالا، والصومالية وغيرها ضمن أسرة لغوية واحدة، أطلقوا عليها اسم الأسرة الحامية، وقد أدت دراسة أوجه الشبه بين هذه اللغات واللغات السامية إلى افتراض أنها جميعًا تكون أسرة لغوية كبرى وأن اللغات الحامية قد انفصلت عن اللغات السامية٢ في وقت مغرق في القدم، فشق كل فرع لغوي طريقه المستقل في التغيير اللغوي، ويقول هذا الرأي أيضا بأن اللغة المصرية القديمة قد انفصلت عن الأسرة الكبرى في مرحلة تالية، واحتفظت لذلك بقدر أكبر من الملامح المشتركة مع اللغات السامية.

стр. 165

٤- اللغات السامية واللغة الليبية القديمة وفي السنوات الأخيرة اهتم اللغوي الألماني روسلر ببحث لغة النقوش الليبية القديمة المسماة بالنقوش النوميدية١. وأثبت روسلر بما لا يقبل الشك أن اللغة النوميدية لغة سامية انفصلت عن اللغات السامية في الشرق في مرحلة مغرقة في القدم، ثم تطورت بعد ذلك في اتجاه خاص جعلها تختلف إلى حد كبير عن باقي

стр. 166

اللغات السامية١ واستطاع روسلر أن يفسر كثيرًا من الجوانب الصوتية والصرفية والمعجمية في اللغة النوميدية القديمة باعتبارها تغيرات حدثت فيها بعد انفصالها عن الأصل القديم المشترك. لاحظ روسلر عدم وجود أصوات حلق في اللغة النوميدية. لكنه فسر هذا باعتبار أن النوميدية عرفت أصوات الحلق قديما بدليل وجودها في اللغة الصومالية التي تمت بصلة القرابة مباشرة للغة الليبية القديمة. فوجود أصوات الحلق في الصومالية دليل على أنها كانت موجودة في اللغة النوميدية في أقدم مراحلها. وقد أوضح روسلر اشتقاق كثير من الكلمات النوميدية على أساس المقارنة باللغات السامية في المشرق، فكلمة "بُِن" بكسر الباء أو ضمها تعني في النوميدية واللغات البربرية التي تطورت عنها ما يعبر عنه في اللغات السامية بالمشرقية بكلمة "بيت" ومعنى هذا أن اللغة النوميدية اشتقت من المادة اللغوية الخاصة بالبناء كلمة تدل على البيت، بينما اشتقت اللغات السامية المشرقية من نفس المادة اللغوية كلمات تدل على الاتصال الجنسي بالمرأة والإنجاب منها، ونجد كلا المعنيين في المادة العربية "بنى": بنى البيت، بنى بالمرأة، فكأن الفعل العربي "بنى" ضم المعنيين: بناء البيت، والبناء بالمرأة أي الدخول بها والإنجاب، أما الكلمة العربية "بيت" فترتبط بالفعل "بات" أي قضى الليل، أي أنها من مادة لغوية مخالفة، وتثبت المواد اللغوية النوميدية التي بحثها روسلر أن اللغة النوميدية لغة سامية قديمة، ولكنها خضعت لمؤثرات إفريقية جعلتها تتخذ طابعها الخاص المتميز. وهكذا أوضحت الأبحاث حول اللغات السامية بالمعنى الضيق، واللغة المصرية القديمة، واللغة النوميدية أو الليبية القديمة أوجه الشبه بين كل هذه

стр. 167

اللغات. وترجع صعوبة البحث في هذا الموضوع إلى طبيعة المادة المدونة المتاحة، فالمادة المتاحة باللغة المصرية القديمة مدونة في أكثر الأحوال بخط صوري لا يعكس الخصائص الصوتية، والنقوش النوميدية قليلة جدًّا وتزيد هذه الصعوبة إذا أدخلنا في مجال المقارنة اللغات الأخرى، في الأسرة الأفروأسيوية ومنها اللغات الكوشية واللغات التشادية١ ومشكلة هذه المقارنات أنها لا يمكن أن تقارن بالمنهج التاريخي المقارن المتعارف عليه في بحث اللغات القديمة، فكثير من هذه اللغات لم يدون إلا منذ سنوات معدودة، ومن الطبيعي ألا يجد الباحث أوجه شبه كثيرة بين هذه اللغات القديمة البائدة والحديثة التي لم تكد تدون. شأن هذا البحث شأن من يقارن اللغة الفرنسية واللغة الروسية المعاصرة باللغة السنسكريتية وهذه مشكلة عامة في تصنيف اللغات الإفريقية وغيرها من اللغات التي ليست لها نصوص قديمة مدونة، وقد أثبت اللغوي الأمريكي جرينبرج وجود سمات بنوية مشتركة في كل أفراد الأسرة الأفروأسيوية: السامية، والبربرية، والمصرية القديمة، والكوشية، والتشادية، وأهم هذه السمات: التمييز بين المذكر والمؤنث باستخدام التاء للتأنيث، واستخدام النون للربط بين وحدتين صرفيتين، مثل نون الوقاية في العربية، ووجود الضمائر المتصلة، واستخدام الواو كصوت علة يسقط كثيرًا، وتكوين عدد من المشتقات بأبنية تبدأ بالميم مثل اسم المكان واسم المفعول في العربية٢. وكل هذه الدراسات الصعبة توضح أن اللغات السامية ليست أسرة لغوية مستقلة كل

стр. 168

الاستقلال، وأغلب الظن أنها تشكل فرعًا من الأفرع الخمسة للأسرة الأفروأسيوية١.

стр. 169

الفصل التاسع: الخصائص المشتركة بين اللغات السامية ١- الأصوات اهتمت كتب النحو المقارن في اللغات السامية -وكلها كتب أوربية ببيان الخصائص التي تتسم بها اللغات السامية. ومن الطبيعي أن تتناول هذه الدراسات الجوانب الصوتية- والصرفية والنحوية والمعجمية١. هناك أصوات لا تكاد تخلو منها أية لغة، مثل: الأصوات الشفوية كالباء والميم، والأصوات الأسنانية: كالتاء والدال، إلى جانب أصوات أخرى توجد في لغات ولا توجد في لغات أخرى. وقد لاحظ الباحثون الأوربيون أن اللغات السامية تضم مجموعة من أصوات لا توجد في اللغات الأوربية، ولذا أبرزوا وجود هذه الأصوات في حديثهم عن الخصائص العامة للغات السامية، والمقصود بهذه الأصوات مجموعة أصوات الحلق

стр. 170

ومجموعة أصوات الإطباق. أصوات الحلق مثل الغين والحاء والعين والخاء والهاء والهمزة في اللغة العربية، وهي تلك الأصوات التي تخرج من الحلق، وأصوات الإطباق مثل القاف والصاد والطاء وهي أصوات تشترك في سمة واحدة تتلخص في اتخاذ اللسان شكلا مقعرًا منطبقًا على الحنك الأعلى ويرجع إلى الوراء قليلا١، والواقع أن هاتين المجموعتين موجودتان بدرجات متفاوقة في اللغات السامية المختلفة، فليست كل لغة سامية تضم كل الأصوات الحلقية والمطبقة الموجودة في العربية، فالعربية مثلا تضم عددًا أكثر من أصوات الحلق والإطباق بالمقارنة مع باقي اللغات السامية، وليست هناك لغة سامية واحدة تخلو من عدد من أصوات الحلق والإطباق. والمقصود هنا بوجود أصوات الحلق وأصوات الإطباق كونها في اللغات السامية تكون وحدات صوتية متميزة، وتظهر هذه الحقيقة إذا قارنا ولو بصورة شكلية مباشرة أية لغة سامية، ولتكن العربية مثلا بأية لغة أوربية. فنلاحظ عدم وجود هذه الأصوات الحلقية والمطبقة في اللغات الأوربية كرموز صوتية متميزة، ولكن بعضها مثل الهمزة قد يسمع بصورة ما في بعض اللغات الأوربية؛ ففي اللغة الألمانية نسمع نوعًا من الهمز قد يسمع بصورة ما في بعض اللغات الأوربية، ففي اللغة الألمانية نسمع نوعا من الهمز قبل نطق صوتي "a" في كلمة Abart، ورغم هذا فلا تشكل الهمزة هنا وحدة صوتية متميزة، بل هي مجرد وسيلة نطقية لإبراز نطق الحركة. ولكن اللغات السامية تعرف الهمزة باعتبارها وحدة صوتية متميزة، ففي العربية مثلا هناك فرق دلالي بين "سأل" و"سال"، وشبيه بهذا أمر أصوات الإطباق التي ربما تسمع في كلمات معينة في اللغات الأوربية ولكنها تشكل فيها أصواتًا متميزة وظيفيًّا. ويميل أكثر الباحثين إلى اعتبار أصوات الحلق في اللغات السامية موروثة من اللغة السامية الأولى، واللغة العربية تعد بصفة عامة أصدق تعبيرًا عن اللغة السامية الأولى، وتضم كل من العربية الشمالية والعربية الجنوبية ستة أصوات.

стр. 171

حلقية وتضم اللغات السامية الأخرى أصواتًا حلقية بعدد أقل. فاللغة السامية الوحيدة التي تضم كل أصوات الحلق المعروفة في العربية الشمالية هي اللغة العربية الجنوبية القديمة أي لغة النقوش اليمنية، ففي العربية الشمالية والعربية الجنوبية نجد نفس أصوات الحلق كاملة غير منقوصة، أما في المهرية، وهي امتداد حديث للعربية الجنوبية القديمة، فإنا نجد هذه الأصوات عدا صوتًا واحدًا لأن المهرية تخلو من العين كصوت متميز. ويقل عدد أصوات الحلق في اللغات السامية التي عرفتها منطقة الشام قبل الإسلام، فأصبحت الحاء في العبرية مثلا تمثل الحاء العربية والخاء العربية معًا، وبذلك أصبح الصوتان المتميزان الحاء والخاء في اللغة السامية الأولى صوتًا واحدًا هو الحاء في اللغة العبرية. وهكذا قلت أصوات الحلق في اللغات السامية في الشام قبل الإسلام، وهناك لغة سامية فقدت أكثر أصوات الحلق وهي اللغة الأكادية في العراق القديم، ولذا لم يبق في اللغة الأكادية من أصوات الحلق إلا صوتان حلقيان، هما: الهمزة والخاء فقد حدثت في هذه اللغات تغيرات قللت عدد أصوات الحلق، أما اللغة العربية فقد احتفظت بالمجموعة كاملة، ولذا تعد العربية من هذا الجانب امتدادًا مباشرًا للغة السامية الأم. أما أصوات الإطباق وهي في العربية: القاف، والصاد، والطاء والضاد، والظاء، فقد قل عددها أيضا في بعض اللغات السامية الأخرى، وتوجد هذه المجموعة كاملة غير منقوصة في اللغة العربية الجنوبية القديمة وتضم كل اللغات السامية الأخرى عددا أقل من أصوات الإطباق، وأكثر هذه الأصوات ثباتًا الصاد والقاف والطاء، فهذه الأصوات الثلاثة موجودة في كل اللغات السامية القديمة، ولكن الظاء والضاد قد تعرضتا للتغير الصوتي في عدد من اللغات السامية، فكل ضاد وكل ظاء وكل صاد عربية يقابلها مثلا صاد في العبرية، وبذلك حل صوت واحد في العبرية محل ثلاثة أصوات في العربية. ويلاحظ نفس الشيء في الأكادية فالصاد الأكادية تقابل ثلاثة أصوات عربية هي الصاد والضاد والظاء، أما اللغة الآرامية فقد كان موقفها من الضاد

стр. 172

جديرًا بالملاحظة، فقد تحولت الضاد الموروثة عن اللغة السامية الأولى في اللغة الآرامية مرة إلى قاف ثم إلى عين. ويعد هذا التحول من أصعب التحولات الصوتية تفسيرًا. ولكن مقارنة أصوات الإطباق الموجودة في اللغات السامية المختلفة أثبت أن أصوات الإطباق الموجودة في العربية تعد امتدادًا مباشرًا لأصوات الإطباق الموجودة في اللغة السامية الأولى. ويطلق على تلك التحولات القياسية التي طرأت على بعض الأصوات في اللغات السامية مصطلح القوانين الصوتية، والمقصود بهذا المصطلح أن هذه التغيرات قياسية مطردة تسري على كل الكلمات دون استثناء. وتعني كلمة "قانون" إطار علم اللغة نفس معناها في العلوم الطبيعية، فالقانون تفسير للظاهرة، وليس وسيلة للتحكم فيها، فالقوانين الصوتية تفسر التغيرات الصوتية التي حدثت فعلا، فليس هناك قوانين تفرض على اللغات. بل هناك قوانين تفسر ظواهرها.

стр. 173

٢- بناء الكلمة ويقوم بناء الكلمة في اللغات السامية على أساس الصوامت ويرتبط معنى المادة اللغوية في اللغات السامية بمجموع الصوامت التي تكون كل مادة، وأكثر الكلمات في اللغات السامية تتكون من مادة ثلاثية. وقد عبر النحاة العرب عن هذه الصوامت بالفاء والعين واللام، وتقوم فكرة الميزان الصرفي على أساس التمييز بين الحروف الأصول الممثلة في الميزان الصرفي بالفاء والعين واللام وبين ما يطرأ على الكلمة المفردة من تغيير بالإضافة أو الحذف١. ويرتبط معنى الكلمات الكثيرة المشتقة من المادة اللغوية الواحدة في اللغات السامية بالصوامت فالكلمات: كَتَبَ، كُتِبَ، كتاب، مكتب، مكتبة، مكتبات، تكون أسرة واحدة تقوم وحدتها على أساس وجود الأصوات الصامتة الثلاثة، الكاف والتاء والباء بهذا الترتيب. ويؤدي وجود هذه الأصوات الصامتة الثلاثة إلى تحديد المعنى الأساسي الذي تدور حوله معاني الكلمات المختلفة المكونة من

стр. 174

تتابع هذه الصوامت. ويتحدد المعنى الخاص لكل كلمة من هذه الكلمات المشتركة في الحروف الأصول بمعايير أخرى، فالحركات المختلفة من ضم وفتح وكسر تشكل الصيغ المختلفة داخل الإطار الدلالي الذي حددته الصوامت وبذلك تختلف كلمة: كَتَبَ عن كلمة: كُتِبَ رغم اتحاد الحروف الأصول لأن الأولى بوزن: فَعَلَ المبني للمعلوم والثانية: فُعِلَ المبني للمجهول وتتكون صيغ صرفية كثيرة بإضافة سوابق مثل الميم، نجد هذا مثلا في الكلمات: مكتب مكتبة. تتكون صيغ صرفية أخرى عن طريق إلحاق نهاية تؤدي معنى محددًا. وذلك مثل نهاية المذكر السالم وجمع المؤنث السالم بالنسبة للأسماء. وهكذا يقوم بناء الكلمة في اللغات السامية على أساسين متكاملين: المادة اللغوية، والوزن. وتصنف الأسماء في اللغات السامية وفق معايير ثابتة يمكن تطبيقها على كل اللغات السامية لأنها مستخرجة منها. هذه المعايير ليست انعكاسًا لمنطق عقلي عام ليس له وجود. ولكن واقع اللغات السامية جعل من الممكن تحديد معايير تغيرات الصيغ في الأسماء فيها وفق ثلاثة جوانب، هي: العدد numbur والحالة الإعرابية case والجنس gender. والمقصود هنا بالعدد كل ما يتعلق بالإفراد والتثنية والجمع، فاللغات السامية تقسم الأسماء وفق هذا التقسيم الثلاثي. فكل اسم في اللغات السامية لا بد وأن يعبر عن مفرد أو عن مثنى أو عن جمع. وليست هذه دائمًا حال اللغات الأخرى، فاللغات الأوربية الحديثة مثلا تقسم الأسماء من هذا الجانب تقسيمًا ثنائيًّا. فهناك صيغة للمفرد تسمى Singular وصيغة لغير المفرد تسمى plural وبهذا تختلف اللغات السامية عن اللغات الأوربية المعاصرة، فالاسم الدال على اثنين او اثنتين له في اللغات السامية صيغة متميزة في صيغة المثنى القياسية في العربية. ويبدو أن صيغة المثنى كانت هكذا في اللغة السامية الأولى، ولكن استخدام هذه الصيغة قل في بعض اللغات السامية مثل العبرية، فلم تعد صيغة المثنى تستخدم فيها إلا في الأشياء التي توجد في الواقع الخارجي مثنى

стр. 175

مثنى مثل: اليدين والرجلين. أما الحالة الإعرابية للأسماء في اللغات السامية فذات تنوع ثلاثي. وقد أطلق النحاة العرب على هذه الحالات الإعرابية مصطلحات الرفع والنصب والجر، ويعد الإعراب على هذا النحو الثلاثي في العربية امتدادًا للغة السامية الأولى وقد احتفظت اللغة الأكادية بظاهرة الإعراب على هذا النحو أيضا فالخط الأكادي يثبت الحركات دائمًا، ولذا فقد أمكن التعرف من رموزه المدونة على حقيقة أن الاسم في الأكادية كان يتخذ ثلاثة أشكال، ينتهي أحدها بالضمة والثاني بالفتحة والثالث بالكسرة، وتطابق هذه الأشكال الثلاثة للاسم الأكادي الأشكال المقابلة في العربية رفعًا ونصبًا وجرًّا، لم تحتفظ أكثر اللغات السامية بالنهايات الإعرابية وفقدت اللهجات العربية التمييز بين الحالات الإعرابية للاسم أيضًا، ولكن الباحثين يرون الإعراب على نحو ما تعرفه العربية وما عرفته الأكادية ظاهرة أصيلة في اللغة السامية الأولى. ولا يعكس التنوع الإعرابي على هذا النحو المعروف في العربية منطقًا عقليًّا عامًا يسري على كل اللغات، فهناك لغات كثيرة لا تصنف الأسماء أي تصنيف وفق هذا المعيار، وهناك لغات تصنف الأسماء من هذا الجانب إلى أربع صيغ. فاللغة الألمانية تميز في إعراب الاسم بين المرفوع Nominativ والمنصوب Akkusativ والمجرور Dativ والمضاف إليه Genitiv ولا تكاد التقسيمات العربية تطابق التقسيمات الألمانية إلا في حالات معدودة، فلكل لغة نمطها الخاص في ذلك١. وتعرف اللغة اللاتينية عددًا أكبر من الحالات الإعرابية، منها مثلا حالة النداء Vocativ، وفي بعض اللغات السلافية توجد حالة الأداة Instrumental وفي اللغة التركية توجد حالة مكانية Locativ وكل هذه الحالات يعبر عنها في العربية

стр. 176

بأداة أو بحرف مع الاسم التالي. فاللغات المختلفة تتباين من هذا الجانب وتختلف اختلافًا كبيرًا. ويعكس هذا الاختلاف اختلاف الطرق التي تميز بها اللغات المختلفة بين صيغ الأسماء. وتصنف اللغات السامية الأسماء أيضا من ناحية الجنس إلى ما يطلق عليه المذكر وما يطلق عليه المؤنث، ولا علاقة هنا بين الواقع الخارجي والصيغ اللغوية، وإنما تعارف النحويون على وصف صيغة الاسم بأنها من المذكر أو المؤنث على سبيل الاصطلاح والتقريب فقط، وتتضح نسبية هذا التقسيم بالنظر في الأشياء التي ليس لها بحكم طبيعتها أي نصيب من التذكير والتأنيث مثل: الكتاب. والشمس. والمنضدة. ولكن كل اسم في اللغة العربية أو في اللغات السامية الأخرى ينبغي أن يصنف من ناحية الجنس، وهنا تصبح بعض هذه الأشياء من المذكر، وبعضها من المؤنث لاعتبارات شكلية أحيانًا، وربما يعكس بعضها رواسب من فكر إنساني قديم، فكل الأسماء الدالة على جماد والتي تنتهي بتاء التأنيث تصنف في العربية باعتبارها مؤنثة، وبهذا الاعتبار تصنف كلمة "المنضدة"، وعلى العكس منها تصنف كلمة نضد، وقد لوحظ في عدد كبير من اللغات التي تميز الأسماء إلى مذكر ومؤنث أن الكلمتين الدالتين على الشمس والقمر في كل لغة من هذه اللغات لا تتفقان بل تتكاملان من ناحية الجنس فالشمس في العربية من المؤنث والقمر من المذكر، وكذلك كلمة der Mond وكلمة dir Sonne في الألمانية أما في اللغة اللاتينية واللغات المتفرعة عنها فإنا نلاحظ العكس ولكن مع الاحتفاظ بالتكامل؛ ففي اللاتينية كلمة Sol تصنف من المذكر وتدل على الشمس وكلمة Luna تصنف من المؤنث وتدل على القمر، ومعروف أنه لا علاقة طبيعية بين الشمس والقمر، والتذكير والتأنيث في الواقع الخارجي، وليس من الضروري أن تقسم اللغات الأسماء هذا التقسيم الثنائي؛ فهناك لغات مثل التركية لا تصنف الأسماء وفق هذا الاعتبار. وهناك لغات أخرى تصنف الأسماء من هذا الجانب تصنيفًا ثلاثيًّا، ففي اللغات الجرمانية يوجد إلى جانب المذكر والمؤنث صيغة ثالثة يطلق عليها neutrum

стр. 177

ويترجم هذا المصطلح بالمحايد، ولا علاقة هنا بين الكلمة كصيغة لغوية وما تدل عليه في واقع الحياة، فكل كلمة تنتهي في الألمانية بالنهاية chen أو بالنهاية lein تعد من المحايد بغض النظر عن مدلولها في واقع الحياة، ومن هذا النوع في اللغة الألمانية كلمة Fraulein ومعناها آنسة، وكلمة Madchen ومعناها بنت وكلمة Hauschen ومعناها بيت صغير. فكل هذه الأسماء تصنف في اللغة الألمانية من المحايد وذلك وفق الصيغ اللغوية لا وفقًا لما تدل عليه الكلمة في الواقع الخارجي، وكل هذه الأمثلة توضح أن تصنيف اللغات للأسماء من هذا الجانب يختلف من لغة لأخرى، ولكنه في كل حالة لا يخرج عن كونه مجرد تصنيف للكلمات. وقد صنفت اللغات السامية الأسماء من هذا الجانب تصنيفا ثنائيا، وهو تصنيف للأسماء لا للأشياء. وتصنف اللغات السامية الفعل فيها إلى عدة صيغ، ويطلق على هذه الصيغ الموجودة في العربية: المضارع والماضي والأمر. وهكذا حال الفعل أيضا في اللغات السامية القديمة في الشام والحبشة، ولكن اللغة الأكادية طورت لنفسها نظاما مخالفا إلى حد ما، ففيها نجد صيغا أكثر، وأغلب الظن أن نظام الأفعال في اللغات السامية المختلفة لا يعكس ظاهرة موروثة على نحو مباشر من اللغة السامية الأولى، فالاختلاف كبير بين نظام الفعل الأكادي ونظام الفعل في اللغات السامية الأخرى. وليس من الصحيح أن نتصور أن قدرة اللغة العربية على التعبير عن الزمن غير متنوعة لعدم تنوع صيغ الأفعال فيها، فالمضارع لا يعبر بالضرورة عن الحال أو الاستقبال، بل قد يعبر أيضا بالصيغ المركبة عن الحديث الذي استمر في الماضي: كان يكتب. وبالمثل فإن الماضي لا يعبر بالضرورة عن الزمن الماضي، فيمكن أن يستخدم الفعل الماضي في اللغة العربية للتعبير عن الحاضر أو المستقبل. فجملة الشرط يمكن أن تتكون بفعلين ماضيين دون أية دلالة عن الماضي: إن كتب كتبت. فالصيغتان الفعليتان الماضي والمضارع في العربية تعبران عن أشياء كثيرة، ويتحدد معنى الصيغة المستخدمة وفق بنية الجملة.

стр. 178

بناء الجملة: أما من ناحية بناء الجملة فالاختلاف كبير بين اللغات السامية في عصورها القديمة واللغات السامية في العصور التالية، ويبدو أن اللغة السامية الأولى لم تكن ذات جمل طويلة، بل كانت تسودها ظاهرة التوازي Parataxe أي أن الجمل كانت قصيرة وترتبط الجملة بالأخرى عن طريق الواو، فهذه الجمل القصيرة تتوازى الواحدة بجانب الأخرى١. ونجد في اللغة العبرية القديمة ظاهرة التوازي ونجدها أيضا في اللغة العربية في نصوصها القديمة إلى حد كبير. فالجمل قصيرة، والواو تربط بين جملة قصيرة وأخرى، ولكننا نلاحظ بمضي الوقت أن اللغات السامية أخذت تكون شيئًا فشيئًا جملا طويلة معقدة، فالجملة العربية تعقدت مع تطور الفكر ورقيه تعقيدًا كبيرًا، حتى إننا نجد صيغ الاستثناء والقصر في العربية على نحو لا نجده في اللغات السامية التي دونت قبل العربية. فكلما تقدم الزمن تعقدت الجملة ولم تعد على بساطتها الأولى، ظهر نمط جديد يطلق عليه التركيب Hypotaxe. ومن الممكن أن تلاحظ إلى اليوم سيادة ظاهرة التوازي في اللهجات العربية ولا سيما عند المتحدثين الذين لم يتأثروا بالفصحى كثيرًا، ونلاحظ نفس الظاهرة في اللغة المهرية، فالجملة فيها قصيرة تتكون من بضع كلمات لا تزيد، وسرعان ما تنتهي الجملة وتبدأ أخرى، فالكلام العادي يتكون من وحدات صغيرة متراصة الواحدة بجانب الأخرى. وهذا شأن اللغات التي لم تدخل بعد إلى مرحلة التعبير عن الفكر المعقد المتنوع، فما أشبه بساطة الجملة المهرية بالجملة التي كتبت في النقوش العربية القديمة، وما أبعد هذه الجمل البسيطة عما نقرأه في النثر العربي الحديث. فالجملة تتعقد كلما دخلت إلى مجال التعبير عن الأفكار الكثيرة المتميزة والمتنوعة. وتعقد أنماط الجملة وتنوعها على مستوى التأليف يعد سمة عامة، تقابلها سمة التوازي على مستوى اللغة المنطوقة، فعندما يكون الحديث باللغة الفصحى في أحد المواقف الكلامية التي يحدث فيها ذلك نلاحظ رغم هذا أن الجمل المنطوقة أقل تركيبًا من الجمل المكتوبة، ففي اللغة الألمانية يمكن أن تكون الجملة

стр. 179

المكتوبة الواحدة من خمسة أسطر ولكن الجملة المنطوقة الفصيحة لا يمكن في الأحوال الكلامية العادية أن تبلغ نصف هذا الطول. ليست الجمل المكتوبة طويلة لمجرد أن وحداتها كثيرة متوازية، ولكنها طويلة لأن بها وحدات كثيرة متكاملة في نظام محكم يضمها جميعا في إطار جملة واحدة مركبة، ولم تكن الجملة السامية الأولى تعرف مثل هذا التركيب، فأقدم النصوص السامية تسودها الجمل الصغيرة المتراصة. ما أشبه هذه الجمل الصغيرة المتوازية بالاستخدام اللغوي عند الطفل، فالطفل يستخدم أيضا في حديثه العادي جملا صغيرة كثيرة. وكلما ارتقى فكره تعقدت جمله شيئا فشيئا.

стр. 180

٤- الألفاظ الأساسية: وهناك ألفاظ أساسية تشترك فيها اللغات السامية، وليس المقصود بذلك أن هذه الألفاظ موجودة بنفس دلالتها في كل اللغات السامية، فكثيرا ما تتغير الدلالات، ولكن المقصود أن هذه الألفاظ ترجع إلى أصل اشتقاقي واحد في اللغة السامية الأولى١. فكلمة "هلك" في اللغة العربية يقابلها في اللغة العبرية الفعل "هالخ"، ومعنى هذا أن كلا الفعلين يرجع إلى المادة السامية المشتركة "هـ ل ك" ولكن ثمة خلافا بين معنى "هلك" في العربية و"هالخ" في العبرية. إذ تدل "هلك" في العربية على الذهاب إلى العالم الآخر ولكن الفعل العبري "هالخ" يدل على مطلق الذهاب ومنه الذهاب إلى المدرسة والذهاب إلى العمل......إلخ فالمقارنات الاشتقاقية بين الألفاظ في اللغات السامية لا تعني بالضرورة أن معنى الكلمتين أو الكلمات موضع المقارنة هو نفس المعنى بل تعني أن الكلمتين أو الكلمات المقصودة من أصل اشتقاقي واحد. فكلمة "لحم" تدل في العربية على معنى يخالف كلمة "لحم" في العبرية، لأن الكلمة العبرية تدل على الخبز. وتعد الكلمتان من أصل واحد باعتبار الاشتقاق رغم اختلاف المعنى وإذا ما اختلف معنى الكلمتين المشتقتين من أصل واحد كان السؤال عن
следующие страницы →