بأداة أو بحرف مع الاسم التالي. فاللغات المختلفة تتباين من هذا الجانب وتختلف اختلافًا كبيرًا. ويعكس هذا الاختلاف اختلاف الطرق التي تميز بها اللغات المختلفة بين صيغ الأسماء.
وتصنف اللغات السامية الأسماء أيضا من ناحية الجنس إلى ما يطلق عليه المذكر وما يطلق عليه المؤنث، ولا علاقة هنا بين الواقع الخارجي والصيغ اللغوية، وإنما تعارف النحويون على وصف صيغة الاسم بأنها من المذكر أو المؤنث على سبيل الاصطلاح والتقريب فقط، وتتضح نسبية هذا التقسيم بالنظر في الأشياء التي ليس لها بحكم طبيعتها أي نصيب من التذكير والتأنيث مثل: الكتاب. والشمس. والمنضدة. ولكن كل اسم في اللغة العربية أو في اللغات السامية الأخرى ينبغي أن يصنف من ناحية الجنس، وهنا تصبح بعض هذه الأشياء من المذكر، وبعضها من المؤنث لاعتبارات شكلية أحيانًا، وربما يعكس بعضها رواسب من فكر إنساني قديم، فكل الأسماء الدالة على جماد والتي تنتهي بتاء التأنيث تصنف في العربية باعتبارها مؤنثة، وبهذا الاعتبار تصنف كلمة "المنضدة"، وعلى العكس منها تصنف كلمة نضد، وقد لوحظ في عدد كبير من اللغات التي تميز الأسماء إلى مذكر ومؤنث أن الكلمتين الدالتين على الشمس والقمر في كل لغة من هذه اللغات لا تتفقان بل تتكاملان من ناحية الجنس فالشمس في العربية من المؤنث والقمر من المذكر، وكذلك كلمة der Mond وكلمة dir Sonne في الألمانية أما في اللغة اللاتينية واللغات المتفرعة عنها فإنا نلاحظ العكس ولكن مع الاحتفاظ بالتكامل؛ ففي اللاتينية كلمة Sol تصنف من المذكر وتدل على الشمس وكلمة Luna تصنف من المؤنث وتدل على القمر، ومعروف أنه لا علاقة طبيعية بين الشمس والقمر، والتذكير والتأنيث في الواقع الخارجي، وليس من الضروري أن تقسم اللغات الأسماء هذا التقسيم الثنائي؛ فهناك لغات مثل التركية لا تصنف الأسماء وفق هذا الاعتبار. وهناك لغات أخرى تصنف الأسماء من هذا الجانب تصنيفًا ثلاثيًّا، ففي اللغات الجرمانية يوجد إلى جانب المذكر والمؤنث صيغة ثالثة يطلق عليها neutrum
стр. 177
ويترجم هذا المصطلح بالمحايد، ولا علاقة هنا بين الكلمة كصيغة لغوية وما تدل عليه في واقع الحياة، فكل كلمة تنتهي في الألمانية بالنهاية chen أو بالنهاية lein تعد من المحايد بغض النظر عن مدلولها في واقع الحياة، ومن هذا النوع في اللغة الألمانية كلمة Fraulein ومعناها آنسة، وكلمة Madchen ومعناها بنت وكلمة Hauschen ومعناها بيت صغير. فكل هذه الأسماء تصنف في اللغة الألمانية من المحايد وذلك وفق الصيغ اللغوية لا وفقًا لما تدل عليه الكلمة في الواقع الخارجي، وكل هذه الأمثلة توضح أن تصنيف اللغات للأسماء من هذا الجانب يختلف من لغة لأخرى، ولكنه في كل حالة لا يخرج عن كونه مجرد تصنيف للكلمات. وقد صنفت اللغات السامية الأسماء من هذا الجانب تصنيفا ثنائيا، وهو تصنيف للأسماء لا للأشياء.
وتصنف اللغات السامية الفعل فيها إلى عدة صيغ، ويطلق على هذه الصيغ الموجودة في العربية: المضارع والماضي والأمر. وهكذا حال الفعل أيضا في اللغات السامية القديمة في الشام والحبشة، ولكن اللغة الأكادية طورت لنفسها نظاما مخالفا إلى حد ما، ففيها نجد صيغا أكثر، وأغلب الظن أن نظام الأفعال في اللغات السامية المختلفة لا يعكس ظاهرة موروثة على نحو مباشر من اللغة السامية الأولى، فالاختلاف كبير بين نظام الفعل الأكادي ونظام الفعل في اللغات السامية الأخرى. وليس من الصحيح أن نتصور أن قدرة اللغة العربية على التعبير عن الزمن غير متنوعة لعدم تنوع صيغ الأفعال فيها، فالمضارع لا يعبر بالضرورة عن الحال أو الاستقبال، بل قد يعبر أيضا بالصيغ المركبة عن الحديث الذي استمر في الماضي: كان يكتب. وبالمثل فإن الماضي لا يعبر بالضرورة عن الزمن الماضي، فيمكن أن يستخدم الفعل الماضي في اللغة العربية للتعبير عن الحاضر أو المستقبل. فجملة الشرط يمكن أن تتكون بفعلين ماضيين دون أية دلالة عن الماضي: إن كتب كتبت. فالصيغتان الفعليتان الماضي والمضارع في العربية تعبران عن أشياء كثيرة، ويتحدد معنى الصيغة المستخدمة وفق بنية الجملة.
стр. 178
بناء الجملة:
أما من ناحية بناء الجملة فالاختلاف كبير بين اللغات السامية في عصورها القديمة واللغات السامية في العصور التالية، ويبدو أن اللغة السامية الأولى لم تكن ذات جمل طويلة، بل كانت تسودها ظاهرة التوازي Parataxe أي أن الجمل كانت قصيرة وترتبط الجملة بالأخرى عن طريق الواو، فهذه الجمل القصيرة تتوازى الواحدة بجانب الأخرى١. ونجد في اللغة العبرية القديمة ظاهرة التوازي ونجدها أيضا في اللغة العربية في نصوصها القديمة إلى حد كبير. فالجمل قصيرة، والواو تربط بين جملة قصيرة وأخرى، ولكننا نلاحظ بمضي الوقت أن اللغات السامية أخذت تكون شيئًا فشيئًا جملا طويلة معقدة، فالجملة العربية تعقدت مع تطور الفكر ورقيه تعقيدًا كبيرًا، حتى إننا نجد صيغ الاستثناء والقصر في العربية على نحو لا نجده في اللغات السامية التي دونت قبل العربية. فكلما تقدم الزمن تعقدت الجملة ولم تعد على بساطتها الأولى، ظهر نمط جديد يطلق عليه التركيب Hypotaxe. ومن الممكن أن تلاحظ إلى اليوم سيادة ظاهرة التوازي في اللهجات العربية ولا سيما عند المتحدثين الذين لم يتأثروا بالفصحى كثيرًا، ونلاحظ نفس الظاهرة في اللغة المهرية، فالجملة فيها قصيرة تتكون من بضع كلمات لا تزيد، وسرعان ما تنتهي الجملة وتبدأ أخرى، فالكلام العادي يتكون من وحدات صغيرة متراصة الواحدة بجانب الأخرى. وهذا شأن اللغات التي لم تدخل بعد إلى مرحلة التعبير عن الفكر المعقد المتنوع، فما أشبه بساطة الجملة المهرية بالجملة التي كتبت في النقوش العربية القديمة، وما أبعد هذه الجمل البسيطة عما نقرأه في النثر العربي الحديث. فالجملة تتعقد كلما دخلت إلى مجال التعبير عن الأفكار الكثيرة المتميزة والمتنوعة. وتعقد أنماط الجملة وتنوعها على مستوى التأليف يعد سمة عامة، تقابلها سمة التوازي على مستوى اللغة المنطوقة، فعندما يكون الحديث باللغة الفصحى في أحد المواقف الكلامية التي يحدث فيها ذلك نلاحظ رغم هذا أن الجمل المنطوقة أقل تركيبًا من الجمل المكتوبة، ففي اللغة الألمانية يمكن أن تكون الجملة
стр. 179
المكتوبة الواحدة من خمسة أسطر ولكن الجملة المنطوقة الفصيحة لا يمكن في الأحوال الكلامية العادية أن تبلغ نصف هذا الطول. ليست الجمل المكتوبة طويلة لمجرد أن وحداتها كثيرة متوازية، ولكنها طويلة لأن بها وحدات كثيرة متكاملة في نظام محكم يضمها جميعا في إطار جملة واحدة مركبة، ولم تكن الجملة السامية الأولى تعرف مثل هذا التركيب، فأقدم النصوص السامية تسودها الجمل الصغيرة المتراصة. ما أشبه هذه الجمل الصغيرة المتوازية بالاستخدام اللغوي عند الطفل، فالطفل يستخدم أيضا في حديثه العادي جملا صغيرة كثيرة. وكلما ارتقى فكره تعقدت جمله شيئا فشيئا.
стр. 180
٤- الألفاظ الأساسية:
وهناك ألفاظ أساسية تشترك فيها اللغات السامية، وليس المقصود بذلك أن هذه الألفاظ موجودة بنفس دلالتها في كل اللغات السامية، فكثيرا ما تتغير الدلالات، ولكن المقصود أن هذه الألفاظ ترجع إلى أصل اشتقاقي واحد في اللغة السامية الأولى١. فكلمة "هلك" في اللغة العربية يقابلها في اللغة العبرية الفعل "هالخ"، ومعنى هذا أن كلا الفعلين يرجع إلى المادة السامية المشتركة "هـ ل ك" ولكن ثمة خلافا بين معنى "هلك" في العربية و"هالخ" في العبرية. إذ تدل "هلك" في العربية على الذهاب إلى العالم الآخر ولكن الفعل العبري "هالخ" يدل على مطلق الذهاب ومنه الذهاب إلى المدرسة والذهاب إلى العمل......إلخ فالمقارنات الاشتقاقية بين الألفاظ في اللغات السامية لا تعني بالضرورة أن معنى الكلمتين أو الكلمات موضع المقارنة هو نفس المعنى بل تعني أن الكلمتين أو الكلمات المقصودة من أصل اشتقاقي واحد. فكلمة "لحم" تدل في العربية على معنى يخالف كلمة "لحم" في العبرية، لأن الكلمة العبرية تدل على الخبز. وتعد الكلمتان من أصل واحد باعتبار الاشتقاق رغم اختلاف المعنى وإذا ما اختلف معنى الكلمتين المشتقتين من أصل واحد كان السؤال عن
стр. 181
الدلالة الأقدم موضوع بحث، وهذا البحث ممكن بربط هذه الدلالات المتفرعة. فيمكن أن تكون كلمة "لحم" قد أدت في اللغة السامية الأولى معنى الطعام اليابس، أي غير السائل فيكون معنى هذه الكلمة في العبرية ضربا من تخصيص الدلالة، ويكون المعنى الموجود للكلمة العربية المقابلة ضربا آخر من تخصيص الدلالة. وهكذا ينطلق علم اللغة المقارن في مجال المفردات من الأصول الاشتقاقية ثم ينظر بعد ذلك في الدلالة ومدى اتفاقها وتغيرها.
وقد صنف كثير من الباحثين الألفاظ المشتركة في كل اللغات السامية. وتضم هذه الألفاظ المشتركة عدة كلمات تدخل في مجالات: الأسرة، وجسم الإنسان وتسمية الحيوان والنبات، والأعداد، وتضم أيضا بعض الأفعال. تضم كل اللغات السامية عدة كلمات متشابهة في كل هذه اللغات، منها الألفاظ الدالة على العلاقات الأساسية القديمة في الأسرة. وهذه الألفاظ مثل: أب، أم، أخ، أخت، حم. وتوجد هذه الكلمات في اللغات السامية القديمة مما يدل على كونها موروثة من اللغة السامية الأولى، ويلاحظ مثلا في هذ المجموعة المشتركة أن العم والخال لم يتخذا مكانهما ضمن الألفاظ المشتركة في اللغات السامية الخاصة بالأسرة. غير أن كلمة "عم" توجد في أكثر اللغات السامية بدلالات أخرى، فكلمة "عم" في العبرية تعني الشعب، وقد وُصِفَ الإله الكبير في اليمن القديم بأنه "عم" وكأن هذه الكلمة دلت في اللغة السامية على الأب الكبير، وتغيرت دلالاتها بعد ذلك في اللغات السامية. وهناك كلمات مشتركة في كل اللغات السامية تدل على أجزاء من جسم الإنسان، وليس من المتوقع أن نجد ألفاظا تعبر عن تفصيلات تشريحية كثيرة في جسم الإنسان، بل هي ألفاظ عامة، فالكلمات: عين، رجل، يد، شعر، أذن، رأس، مشتركة في كل اللغات السامية. أما أسماء الحيوانات في اللغات السامية فتشترك في كلمات معدودة منها مثلا: ليث وكلب، وعجل، وقد لوحظ أن كثيرًا من اللغات السامية تتخذ للحيوان الذكر اسما وللحيوان الأنثى اسما آخر لا يمت للأول بصلة، ومثال ذلك في العربية: حمار وأتان، أسد ولبؤة. وهناك عدة أسماء
стр. 182
للنباتات تشترك فيها اللغات السامية منها: كمون، سنبلة، قمح، ثوم، وتشترك اللغات السامية أيضا في الأعداد الأساسية. وتتفق اللغات السامية كلها اتفاقا شبه كامل في الأعداد من ٢ إلى١٠ ولكن الكلمة الخاصة بالعدد واحد تختلف في الأكادية والمهرية عن باقي اللغات السامية١. ويبدو أن اللغة السامية الأولى عرفت هذه الأعداد إلى العشرة، ثم عرفت كلمتين أخريين للمائة والألف.
إن المنهج المقارن يفترض أن الظواهر المشتركة في كل اللغات السامية، أو في أكثر اللغات السامية ظواهر موروثة عن اللغة السامية الأولى، يصدق هذا على الأصوات وعلى الأبنية الصرفية وعلى أبنية الجمل وعلى المفردات أيضا؛ فتلك الظواهر المشتركة ميراث سام قديم، أضافت إليه كل لغة من اللغات السامية على مر الزمن. وليس من المفيد أن يكثر الجدل حول مهد هذه اللغة السامية الأولى التي سبقت اللغات السامية المختلفة في الوجود٢. وأغلب الظن أن أبناء اللغة السامية الأولى كانوا في بيئة تعرف قدرا من الزراعة وقدرا من الرعي، فهناك قدر كبير من الألفاظ الزراعية والرعوية المشتركة في اللغات السامية، وإذا صح لنا أن نفترض أن الجماعة اللغوية السامية الأولى قد عاشت في شمال الجزيرة العربية وبادية الشام والعراق فإن الهجرات التي خرجت من مهد الساميين قد اتجهت في موجات تاريخية متتالية إلى منطقة الرافدين وإلى أرض الشام وإلى اليمن والحبشة، وفي هذه المناطق تكونت اللغات السامية المختلفة.
стр. 183
الفصل العاشر: التوزيع الجغرافي والتاريخي للغات السامية
١- الفرع الأكادي
يضم الفرع الأكادي من اللغات السامية١ كل اللغات واللهجات التي نشأت عن اللغة السامية الأولى التي دخلت أرض العراق مع الوافدين إليها حوالى سنة ٢٥٠٠ق. م. وقد سميت هذه اللغات واللهجات باسم شامل لها يميزها عن سواها، وتنسب الأكادية إلى "أكد" وهي أول مدينة سكنها الساميون الوافدون في شمال بابل، وقد أطلق هؤلاء اسم الأكادية على لغتهم تمييزا لها عن اللغة السائدة في جنوب أرض الرافدين آنذاك، وهي اللغة السومرية٢ لقد وجد الساميون المهاجرون إلى أرض العراق شعبا ذا حضارة زراعية سبقهم إلى الإقامة في هذه المنطقة، وهو الشعب السومري،
стр. 184
وقد أظهرت الكشوف الحديثة عددا كبيرا من النقوش السومرية واتضحت ملامح اللغة السومرية١ وملامح الحضارة التي سجلها السومريون بلغتهم ولكن انتماء اللغة السومرية لا يزال مشكلة لم تحل، السومرية من أقدم اللغات التي دونت، وربما تكون أقدم لغة دونت في العالم، ولم تكن الكتابة في التاريخ القديم أمرا شائعا، بل ولا تزال آلاف اللغات في عالمنا المعاصر منطوقة لا يكتبها أهلها، ولذا لا يستطيع البحث المقارن التعرف على القرابة اللغوية للسومرية، وربما كانت السومرية منتمية إلى أسرة لغوية بادت كل لغاتها ولم يكتبها أهلها. لقد التقى الساميون المهاجرون إلى أرض العراق بالسومريين، كان السومريون أكثر حضارة، وكان الأكاديون فيما يبدو لا يقلون عن السومريين عددا. ولذا لم تستطع الأكادية أول الأمر أن تقضي على السومرية ولم تستطع السومرية أن تقضي على الأكادية فساد ازدواج لغوي مستمر أكثر من ستة قرون "٢٥٠٠-١٩٠٠ق. م". وفي هذه الفترة اختلط الساميون البسطاء بالسومريين الأكثر حضارة واندمج السومريون شيئا فشيئا مع الساميين الأكاديين لم يحدث هذا عند دخول الساميين أرض العراق وإنما حدث بعد ذلك وزاد بمضي الوقت وأدى في النهاية إلى سيادة اللغة الأكادية في كل مناطق العراق وانتهاء استخدام اللغة السومرية. فهناك عدد كبير من النقوش السومرية والنقوش الأكادية وصلت إلينا من هذه الفترة التي ساد فيها الازدواج اللغوي، ويطلق على اللغة الأكادية في هذه الفترة اسم الأكادية القديمة تمييزا لها عن المراحل اللغوية التي جاءت بعد ذلك، وهي البابلية القديمة والوسيطة الجديدة والحديثة والمتأخرة، والآشورية القديمة والوسيطة والجديدة٢.
стр. 185
كانت فترة الازدواج اللغوي بين السومرية والأكادية القديمة فترة مهمة تركت آثارها في حياة الأكاديين. لقد تعلم الأكاديون الكتابة عن السومريين. ولم يكن الأكادييون يعرفون قبل ذلك أن لغتهم المنطوقة يمكن أن تدون وتتحول إلى ظاهرة مرئية، لقد كتب السومريون لغتهم بالخط المسماري، ويطلق على هذا الخط اسم الخط المسماري لأنه يشبه المسامير، أي أن وصفه بهذه الكلمة لا يدل على طبيعته، بل يشير إلى شكله الخارجي فقط، وقد كتبت شعوب كثيرة بعد السومريين والأكاديين بالخط المسماري، ومن أشهر اللغات القديمة التي كتبت بالخط المسماري اللغة الحيثية وهي لغة هندية - أوربية. فالخط المسماري إذن وسيلة من وسائل التدوين ابتكرها السومريون وقلدهم غيرهم، فكتبوا بها لغاتهم المتباينة المختلفة، فالسومرية لا تربطها علاقة قرابة بالأكادية
стр. 186
ولا علاقة بين هذه أو تلك باللغة الحيثية، فهذه لغات مختلفة الانتماء تكتب بخط واحد.
تقوم الكتابة المسمارية -عموما- على أساس صوتي، فالكلمة تقسم إلى مقاطع ولكل مقطع رمز يكتب به١ وبذلك يختلف أساس الخط المسماري عن الأساس الذي يقوم عليه الخط الهيروغليفي الذي كتبت به في نفس الفترة الزمنية اللغة المصرية القديمة، فالخط الهيروغليفي لا يقوم -في أساسه- على تدوين الصوت المنطوق بل على أساس الكتابة بالصور. ومن هذا الجانب يوضح الخط المسماري كما دونت به اللغة الأكادية جوانب كثيرة من طبيعة اللغة الأكادية. وهو من هذا الجانب أكثر تعبيرا عن واقع اللغة من خطوط كثيرة لم تكن تدون الحركات بأية صورة مثل الخط العربي الجنوبي القديم ويمكن إيضاح هذا الأمر ببيان قضية النهايات الإعرابية وقضية أصوات الحلق٢ في ضوء النقوش الأكادية التي تدون المقاطع بالرموز المسمارية.
إعراب الاسم في الأكادية
كلمة: "كلب"
стр. 187
فالاسم الأكادي يظهر في النقوش المختلفة على ثلاثة أشكال، تتحدد بوظيفة الاسم في الجملة، ويطابق أحد هذه الأشكال حالة الرفع في العربية ويطابق الشكل الثاني حالة النصب في العربية، والشكل الثالث حالة الجر، فقد عرفت الأكادية إعراب الاسم على نحو ما عرفته العربية، أي بالرفع والنصب والجر، أما الميم التي تنتهي بها الصيغ المذكورة في الأكادية القديمة "انظر الجدول" فتقابل نون التنوين في العربية، أي أن التيميم في الأكادية يقابل التنوين في العربية.
وإذا كان وجود أصوات الحلق يعد من السمات المميزة للغات السامية عموما فأغلب الظن أن اللغة السامية الأولى عرفت مجموعة أصوات الحلق بالتنوع الموجود في العربية. أما اللغة السامية فقد عرفت صوتين حلقيين، هما الهمزة والخاء، ولذا لم تكن هناك مشكلة تجاه هذين الصوتين. فقد كان السومريون الأكاديون ينطقون الصوتين، ولكن الأكاديين قلدوا السومريين في عدم نطقهم لصوتي العين والحاء، ولا يمكننا تصور هذا التأثير إلا إذا لاحظنا الازدواج اللغوي الذي ساد عدة قرون، فكان كثير من السومريين يعرفون الأكادية وينطقونها، وربما كان بعض الأكاديين يعرفون السومرية، ومعنى هذا أن نطق اللغة الأكادية تأثر بكيفية نطق السومريين لها، وبذلك اختفت العين والحاء من الأكادية، بينما ظلت الهمزة والخاء موجودتين.
اختفاء العين والحاء والهاء في الأكادية
стр. 188
ومثل هذا التغير الصوتي يفسر في إطار الأساس اللغوي، والمقصود تأثير اللغة الأقدم في اللغة الوافدة١ وقد كان للغة السومرية تأثيرات كثيرة في اللغة الأكادية. لقد انتقلت عدة كلمات من السومرية إلى الأكادية. وانتقل بعضها من الأكادية إلى العبرية والعربية بعد ذلك، وأشهر هذه الكلمات كلمة "هيكل" وأصل هذه الكلمة في السومرية ekallum دون هاء يعني البيت الكبير ثم دخلت منها الأكادية بمعنى البيت الكبير أو القصر أو المعبد ثم انتقلت بالمعنى الأخير إلى العبرية مع إضافة الهاء إلى الآرامية والعربية أي أن الصيغة العربية لهذه الكلمة تبدأ بالهاء التي أضيفت إليها في اللغة العبرية.
وامتد التأثير السومري أيضا إلى بناء الجملة الأكادية فقد كان الفعل السومري يتخذ مكانه في آخر الجملة، بينما يكون الفعل في الجملة السامية في أول الجملة لتكوين الجملة الفعلية أو في وسط الجملة في بعض أنواع الجملة الاسمية، ولكن النصوص النثرية الأكادية تأثرت باللغة السومرية فتحرك الفعل إلى آخر الجملة الأكادية، وكان العشر الأكادي محافظا فاحتفظ بالنمط السامي لبناء الجملة، وبذلك ظل الفعل في مكانه في أول أو وسط الجملة الأكادية.
واللغة الأكادية من أهم اللغات السامية لغويا وحضاريا فالأكادية أقدم لغة سامية دونت، ولذا يعد وجود أية ظاهرة لغوية في الأكادية والعربية دليلا على كون الظاهرة موروثة عن اللغة السامية الأولى، وبذلك نستطيع التأريخ لأقدم الظواهر في العربية عن طريق المقارنة بالأكادية.
عاشت الأكادية أكثر من خمسة وعشرين قرنا، وبعد انهيار الاستقلال السياسي للمنطقة اللغوية الأكادية ودخول العراق في الإمبراطورية الفارسية ظلت
стр. 189
اللغة الأكادية تستخدم في بعض النقوش. لقد ظلت الأكادية لغة الحياة والدولة حتى القرن السابع قبل الميلاد، وبسقوط الدولة الآشورية في القرن السابع قبل الميلاد بدأ احتضار اللغة الأكادية فقد كانت الآرامية تواصل انتشارها كلغة حديث ولغة تعامل، ولكن التغير اللغوي حدث ببطء شديد، فظل الازدواج اللغوي قائما عدة قرون انتهت بأن تركت الأكادية الحياة مخلفة وراءها تراثا أدبيا مثل ملحمة جلجامش١ وتراثا قانونيا مثل شريعة حمورابي٢ وعددا كبيرا من النقوش ذات المضمون السياسي والاجتماعي.
стр. 190
الفرع الكنعاني
مدخل
...
٢- الفرع الكنعاني:
يضم الفرع الكنعاني من اللغات السامية عدة لغات كانت في منطقة الشام١ وأهم هذه اللغات واللهجات الكنعانية: الأجريتية والعبرية والفينيقية واليونانية والمؤابية، وقد امتدت بعض هذه اللغات إلى مناطق أخرى خارج أرضها الأولى، ويمكن تقسيم اللغات واللهجات الكنعانية من الناحية الجغرافية إلى الكنعانية الشمالية وتمثلها الأجريتية، والكنعانية المتوسطة وتمثلها الفينيقية، والكنعانية الجنوبية وتمثلها العبرية والمؤابية
стр. 191
الأجريتية:
تعد الأجريتية اللغة الوحيدة التي نعرفها من لغات الفرع الكنعاني الشمالي وأغلب الظن أن الأجريتية لم تكن وحدها في منطقة شمال الشام. فهناك لغات أخرى مثل العمورية بادت منذ زمن بعيد ولم تدون في نقوش، ولذا فليس لها صورة واضحة بين اللغات القديمة١. وتنسب اللغة الأجريتية إلى اسم مدينة عتيقة هي مدينة أجريت، وقد جاء اسم هذه المدينة الساحلية في مراسلات وجدت بالعراق ومصر من القرنين الثامن عشر والرابع عشر قبل الميلاد، واللغة الأجريتية هي آخر لغة سامية اكتشفت، وهي اللغة السامية الوحيدة التي اكتشفت في القرن العشرين، وقد بدأت الكشوف بالقرب من مدينة رأس شمراء على الساحل السوري ١٩٢٩، فكشفت عن مجموعة كبيرة من النقوش الأجريتية، ولم تكن اللغة الأجريتية معروفة قبل هذا التاريخ، ولذا تخلو كتب اللغات وكتب النحو المقارن في اللغات السامية المؤلفة قبل هذا التاريخ من أية إشارة إلى اللغة الأجريتية٢.
لقد كشفت هذه الحفريات عن عدد كبير من النقوش المدونة على ألواح طينية مكتوبة بخط مسماري، أي أن هذا الخط يشبه من ناحية الشكل ذلك الخط الذي كتبت به من قبل اللغات السومرية والأكادية والحيثية ولكن عدد الرموز
стр. 192
التي تتكرر في هذه النقوش الأجريتية الكثيرة يقل كثيرا عن عدد الرموز المستخدمة في الخط المسماري الأكادي، ويرجع هذا إلى سبب يتعلق بطبيعة الكتابة الأكادية واختلافها عن الكتابة الأجريتية. لقد كتب الأكاديون برموز مسمارية يدل كل منها بصفة عامة على مقطع، ولذا كانت هناك حاجة إلى استخدام مئات الرموز. ولكن الأجريتيين كتبوا برموز قليلة لا يتجاوز عددها الثلاثين. ومعنى هذا أن الأجريتيين بسطوا نظام الكتابة فلم تعد هناك حاجة لتعلم مئات الرموز، بل بسط الأجريتيون الرموز المكتوبة إلى عدد قليل. لقد عبر الأجريتيون عن كل صوت من أصوات اللغة بحرف واحد، ولذا كانت الحروف بعدد الوحدات الصوتية الموجودة في لغتهم، غير أنهم جعلوا للهمزة المفتوحة ثم للهمزة المضمومة ثم للهمزة المسكورة رموزا مختلفة، وهذا القصور في تدوين الهمزة أصبح ميراثا تناقلته كل الكتابات السامية الأبجدية بعد ذلك. وبذلك كان الأجريتيون أول من دون أية لغة من اللغات تدوينا صوتيا يقوم على أساس استخدام الحرف الواحد -دائما- للوحدة الصوتية الواحدة، وكانت الكتابة قبلهم إما صورية مثل الكتابة الهيروغليفية، أو مقطعية مثل الكتابة السومرية والأكادية، ولم تكن الكتابة الهيروغليفية صورية مائة في المائة كما لم تسلم الكتابة الأكادية من تأثيرات الكتابة السومرية؛ بمعنى أن يؤخذ الرمز الدال على الكلمة السومرية ويستخدم بمعناه في النقوش الأكادية. وابتكار الأجريتيين للأبجدية وهي نظام سهل يقوم على أساس صوتي منتظم مكن الإنسانية أن تمضي في ركب الحضارة وأن تصبح المعرفة شيئا متاحا لعدد كبير من البشر، بعد أن كانت في الحضارات الأقدم وقفا على نخبة من كبار رجال الدولة.
ولكن الكتابة الأجريتية تعد من جانب بعينه مختلفة عن الكتابة الأكادية، وقد امتد هذا القصور إلى الكتابات السامية الأبجدية عدة قرون بعد ذلك، كان الأكاديون يدونون الحركات، فالرمز المقطعي كان يدل على الصامت مع الحركة، وبذلك اختلف الرمز الخاص بالباء المفتوحة عن الرمز الخاص بالباء المكسورة عن الرمز الخاص بالباء المضمومة. ولذا يمكن التعرف على البنية
стр. 193
الصوتية للحركات الأكادية على نحو أفضل من معرفتنا بالحركات الأجريتية، فالأجريتيون لم يدونوا الحركات على الإطلاق، وتقوم كتابتهم على تدوين الصوامت فقط. وقد ظلت الكتابات السامية تدون الصوامت فقط على نحو ما فعل الأجريتيون ولا تدون الحركات عدة قرون بعد الميلاد.
لقد اتبع الأجريتيون لأول مرة في التاريخ النظام الأبجدي في تدوين اللغة وترجع كلمة الأبجدية إلى ترتيبهم للحروف التي كتبوا بها لغتهم١ فالحروف انتظمت عندهم وفق الترتيب التالي: أب ج د هـ وز ح ط ي ك ل م ن س ع ف ص ق ر ش ت. وهذا الترتيب الأبجدي هو الأبجدية لأنه يبدأ بالألف والباء والجيم والدال. وقد ظل الترتيب الأبجدي للحروف سائدا عند كل الشعوب التي تعلمت الخط من الأجريتيين بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وأكثر النظم المعروفة في ترتيب الحروف ترجع بشكل مباشر إلى الترتيب الأبجدي الأجريتي أخذته كما هو أو عدلت فيه قليلا، فترتيب الحروف على النحو الأبجدي هو ترتيبها في العبرية وفي كل اللهجات الآرامية إلى اليوم.
النقوش الأجريتية تلي الأكادية من الناحية الزمنية، فالأكادية أول لغة سامية دونت، وكان هذا حوالي سنة ٢٥٠٠ق. م ثم دونت بعد ذلك اللغة الأجريتية حوالي ١٤٠٠ ق. م ولذا تحمل اللغة الأجريتية سمات قديمة كثيرة، بل إنها تختلف -من هذا الجانب عن باقي لغات الفرع الكنعاني, وتقترب بذلك من العربية، فالعربية احتفظت بصفة عامة بالأصوات السامية الأولى، نجد في العربية مثلا تمييزا واضحا بين الحاء والخاء، وهذه هي الحال أيضا في الأجريتية، أما في العبرية والفينيقية فقد تحولت كل حاء وكل خاء إلى صوت واحد هو الحاء، وهناك تمييز بين العين والغين في العربية وكانت الأجريتية تميز بينهما أيضا، ولكن العبرية جعلت منهما صوتا واحدا هو العين. ويوضح تمييز الأجريتية بين أصوات اختلطت بعد ذلك في العبرية والفينيقية
стр. 194
أنها -من هذا الجانب- أقرب إلى اللغة السامية الأولى، ولذا تعد دراسة الأجريتية أداة مهمة لدراسة عبرية العهد القديم والفينيقية كما جاءتنا في النقوش. ويعتمد الباحثون المعاصرون على الأجريتية لبيان المرحلة السابقة على العبرية والفينيقية، فالأجريتية أقدم لغة وصلت إلينا من المجموعة الكنعانية.
стр. 195
الفينيقية:
الفينيقية هي إحدى لغات المجموعة الكنعانية١ وقد وصلت إلينا الفينيقية في مجموعة من النقوش، فلا تعرف الفينيقية إلا من هذه النقوش. وأقدم ما وصل إلينا من اللغة الفينيقية بضع جمل وجدت في مجموعة رسائل تل العمارنة بصعيد مصر. وتمثل هذه العبارات الموجزة لهجة منطقة جبيل في القرن الرابع عشر قبل الميلاد. ولكن أكثر النقوش الفينيقية ترجع إلى الفترة بين سنة ١٠٠٠ق. م وسنة ١٠٠م.
كانت الفينيقية لغة الساحل الفلسطيني والسوري واللبناني، وفي هذه المنطقة وجدت مجموعة كبيرة من النقوش. وقد وجدت نقوش فينيقية كثيرة خارج منطقة الشام، فقد كان الفينيقيون مهتمين بالتجارة البحرية فكانت لهم محطاتهم التجارية وجالياتهم في مناطق مختلفة من جزر البحر المتوسط، ولذا هناك نقوش فينيقية كثيرة من قبرص. وقد انتشرت المحطات التجارية الفينيقية في كل أنحاء
стр. 196
حوض البحر المتوسط، فهناك نقوش فينيقية وجدت في المنطقة الساحلية لآسيا الصغرى وعلى الساحل الأوربي للبحر المتوسط وخصوصا في جنوب إسبانيا١.
ويطلق على اللغة الفينيقية في امتدادها في المغرب اسم اللغة البونية، وتقع المنطقة اللغوية البونية على الساحل التونسي، وأهم المدن التي أسسها الفينيقيون هناك مدينة "قرت حدشت" أي "القرية الحديثة" بمعنى المدينة الحديثة٢ ويقسم تاريخ اللغة الفينيقية في هذه المنطقة الإفريقية إلى مرحلتين: البونية والبونية الحديثة. تبدأ اللغة البونية بانتشار الفينيقيين في منطقة الساحل التونسي حوالي القرن التاسع قبل الميلاد، وتنتهي بسقوط الكيان السياسي للدولة البونية سنة١٤٦. فقد قضى الرومان الذين نازعوا الفينيقيين السيادة البحرية ودخلوا معهم في حروب متصلة على مدينة قرطاجنة واحتلوا المنطقة اللغوية البونية، وبعد سقوط قرطاجنة تبدأ الفترة الثانية في حياة اللغة البونية. لقد خضع البونيون للرومان، وكان الرومان في مركز السيادة ولذا تأثرت اللغة البونية الجديدة باللغة اللاتينية من أكثر من جانب. لقد دخلت ألفاظ لاتينية كثيرة إلى اللغة
стр. 197
البونية في هذه الفترة، ويبدو أن الازدواج اللغوي الحادث مع إقامة عدد من أبناء اللغة اللاتينية إلى جوار المتحدثين بالبونية قد أدى إلى ضعف النطق بأصوات الحلق في اللغة البونية الجديدة. وقد أمكن التعرف على هذه الظاهرة من النقوش البونية الجديدة. فكتابها يخلطون في التدوين بين الكلمات التي ينبغي أن تكتب بحرف العين والكلمات التي يجب أن تكتب بالهمزة، كما يخلطون بين الكلمات التي ينبغي أن تكتب بالحاء والكلمات التي ينبغي أن تكتب بالهاء، ويرجع هذا الخطأ في الكتابة إلى أنهم في النطق لم يكونوا يميزون بين العين والهمزة وبين الحاء والهاء، وفي عدد من النقوش البونية الجديدة تلاحظ مزيدا من الخلط بين الهاء والألف، وفي مرحلة متأخرة من تاريخ البونية الحديثة نجد الحروف التي كانت تستخدم قديما للتعبير عن أصوات الحلق تصبح وسيلة لكتابة الحركات القصيرة، ولا بد أن هذا حدث في فترة لم يعد أحد يحس فيها بأن هذه الحروف تعبر عن أصوات تنطق فعلا، فوجدوها بلا وظيفة فأفادوا منها لتدوين الحركات. ونلاحظ في هذه المحاولة التأثير المباشر لليونان واللاتين فقد قلدهم البونيون الخاضعون للرومان في كتابة الحركات داخل الكلمة على نحو ما فعل اليونان والرومان.
كان اليونان قد تعلموا في أثناء احتكاكهم بالفينيقيين حوالي القرن التاسع قبل الميلاد الكتابة الأبجدية. والكتابة الأبجدية الفينيقية امتداد مباشر للأبجدية الأجريتية. كان الأجريتيون قد بسطوا نظام الكتابة وجعلوها أبجدية. احتفظ الفينيقيون بفكرة النظام الأبجدي، غير أنهم عدلوا أشكال الحروف لتصبح سهلة في الكتابة. واحتفظ الفينيقيون في نفس الوقت بترتيب الحروف كما رتبها الأجريتيون. وعندما تعلم اليونان الكتابة من الفينيقيين بدأت أوربا حضارتها الراقية القديمة؛ ففي القرن التاسع قبل الميلاد كان عمر الحضارة في الشرق بضع آلاف من السنين وكان تاريخ الكتابة قد مر بمراحل متتابعة، ثم أخذ اليونان عن الفينيقيين فكرة التدوين الصوتي بالحروف، أي أنهم أخذوا الأبجدية. واحتفظوا أيضا بترتيب الحروف كما عرفه الفينيقيون، ولكن اليونان وجدوا مجموعة
стр. 198
حروف عبرت عند الفينيقيين عن أصوات الحلق وأصبحت بالنسبة لليونان دون فائدة، وهنا أدخل اليونان تجديدا منهجيا على الخط بأن استخدموا مجموعة الحروف المذكورة للدلالة على الحركات في سياق الكلمة، ويعد هذا التجديد مرحلة مهمة من تاريخ الخط بصفة عامة، وقد حدث في الكتابة اليونانية تعديل آخر جعلها تختلف عن الكتابة الفينيقية، فقد جعل اليونان اتجاه الكتابة من اليسار إلى اليمن، بعد أن كانت بخلاف ذلك عند الفينيقيين، وهذان التعديلان -تدوين الحركات وتعديل اتجاه الكتابة- ظلا سمتين أساسيتين في كل الخطوط المأخذوة عن الخط اليوناني، وأهمها الخط الكريلي الذي انتشر مع انتشار المسيحية الأرثوذكسية في شرق أوربا، والخط الروماني الذي انتشر مع الكاثوليكية في غرب أوربا. وبذلك كان للأجريتيين ثم للفينيقيين دور كبير في تبسيط نظام الكتابة، وهو ما أتاح تحول المعرفة الإنسانية إلى ظاهرة ذات بعد اجتماعي عريض.
стр. 199
اللهجات الكنعانية الجنوبية:
أقدم ما وصل إلينا بالكنعانية الجنوبية مجموعة هوامش مدونة على رسائل أكادية أرسلها بعض أمراء فلسطين إلى حكام مصر، وترجع هذه النصوص إلى عهد أمنحتب الثالث ١٤١٣-١٣٧٧ ق. م وأمنحتب الرابع "إخناتون" ١٣٧٧-١٣٥٨ ق. م، وتعد لغة هذه الهوامش صورة قديمة من اللهجات الكنعانية الجنوبية١.
وهناك نقش يعرف باسم الملك ميشع، ويعبر عن لهجة خاصة به تختلف في بعض الخصائص عن الفينيقية، كما تختلف في خصائص أخرى عن العبرية٢
стр. 200
إن هذا النقش الذي يقع في ٣٤ سطرًا يؤرخ بمنتصف القرن التاسع قبل الميلاد. وهو الأثر الوحيد الباقي من تلك اللهجة الكنعانية الجنوبية: المؤابية.
ولكن أهم اللهجات الكنعانية الجنوبية هي العبرية، وترجع أهميتها إلى أنها دونت في أسفار العهد القديم، ومرت بازدهار في الأندلس الإسلامية، وعادت للحياة مرة أخرى في العصر الحديث.
стр. 201
العبرية:
تبدأ اللغة العبرية تاريخها في القرن الثاني عشر قبل الميلاد عندما دخلت قبيلة إسرائيل أرض فلسطين. وقد تعلم أبناء القبلية الوافدة لهجة المنطقة التي حلوا فيها من فلسطين، وهي إحدى اللهجات الكنعانية الجنوبية، ويكاد العهد القديم يكون المصدر الوحيد للتعرف على تاريخ العبرية مدة ألف عام، تبدأ بدخول قبيلة إسرائيل لأرض فلسطين وتمضي إلى القرن الثاني قبل الميلاد، وقد أوضحت الكشوف الأثرية في القرن العشرين عددا من النقوش العبرية القديمة، وهو عدد قليل لا يقارن على الإطلاق بعدد النقوش الفينيقية فضلا عن الأجريتية أو الأكادية. وفي السنوات الأخيرة ظهرت مجموعة نصوص دينية وأدبية مكتوبة على البردي وعلى الجلد سميت باسم لفائف البحر الميت Dead Sea Scrolls وترجع هذه الكتابات إلى الفترة ما بين القرن الثالث قبل الميلاد والقرن الثاني الميلادي. وتحاول السلطات الحاكمة في إسرائيل تدعيم ارتباطها بالأرض بالاهتمام بالكشوف الأثرية ولكن هذه الكشوف لا تكاد تظهر إلا القليل، وفي سنة ١٩٦٠ وجدت مجموعة رسائل عبرية أرخها أحد المؤلفين بالقرن الثاني للميلاد١.
اللغة العبرية القديمة هي لغة العهد القديم، وهو الكتاب المقدس عند اليهود,
стр. 202
وأحد الكتابين المقدسين عند المسيحيين١ يطلق عليه اليهود "تنخ" اختصارا للعناوين العبرية لأقسامه الثلاثة: التوراة والأنبياء والمكتوبات. ويطلق عليه المسيحيون اسم العهد القديم The Old Testament باعتبار أن الأناجيل هي العهد الجديد The New Testament ويكون الكتابان معا الكتاب المقدس عند المسيحيين The Bible. أما التسمية الشائعة في العربية "التوراة" فتعكس ضربا من إطلاق اسم الجزء على الكل، فالتوارة هي الثلث الأول من العهد القديم. ولذلك يمكن اعتبار كلمة "التوراة" تسمية لهذا القسم وحده، أو للعهد القديم كله. وليس العهد القديم كله باللغة العبرية، ففيه عدة صفحات بالآرامية وهي سفر عزرا ٤/ ٨ -٦ و١٨، ٧/ ١٢-٢٦ صفر دنيال ٢/ ٤-٧، ٢٨ وسفر إرميا ١٠/ ١١، وهناك كلمتان آراميتان في سفر التكوين ٣١، ٤٧ ويطلق على العبرية كما نعرفها في العهد القديم اسم العبرية القديمة أو العبرية الكلاسيكية٢.
стр. 203
تمييزا لها عن المراحل التالية في تاريخ العبرية. ومن المعروف أن العبرية المستخدمة في العصر الحديث هي العبرية الحديثة، ولكن هناك خلافا بين الباحثين في تصنيف المراحل التي مرت بها اللغة العبرية بعد العهد القديم وقبل العصر الحديث، ويجعلها البعض فترة واحدة باسم العبرية الوسيطة، ويقسم بعض الباحثين هذه الفترة إلى مراحل مختلفة.
لم تكن اللغة العبرية حية تستخدم في التعامل اليومي في كل هذه الفترة الطويلة، بل كانت لغة التعامل اليومي حتى سقوط سامريا سنة ٧٢١ ق. م ثم سقوط القدس سنة ٥٨٧ق. م أي أن الحياة الحقيقية للغة العبرية بدأت في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، ثم أخذت العبرية في الانكماش في القرن السادس قبل الميلاد، وكانت اللغة الآرامية قد أخذت تسود منطقة الشام شيئا فشيئا قبل هذا التاريخ، وما نكاد نصل إلى القرن السادس قبل الميلاد حتى نجد اليهود يتعاملون باللغة الآرامية في حياتهم اليومية. وأوضح مثال لذلك أن المرتزقة اليهود الذين تركوا فلسطين في القرن السادس قبل الميلاد تقريبا كانوا يتعاملون مع سلطات القدس، كما تثبت كتاباتهم البردية باللغة الآرامية، ولم يكن تعاملهم باللعة العبرية١. وعلى الرغم من أن اللغة العبرية قد انكمشت بعد القرن السادس قبل الميلاد كلغة تعامل فقد ظلت لغة الدين اليهودي. اهتم بها رجال الدين، وكتبت بها بعض الكتب الدينية اليهودية وظل بعض اليهود يهتمون بتعلمها وبقراءة كتبها الدينية.
لم يدون العهد القديم في شكله الحالي في فترة حياة اللغة العبرية، ولكنه دون
стр. 204
على مراحل متعاقبة فمن المؤكد أنه لم يجمع وترتب أسفاره قبل القرن الثاني الميلادي. تم ذلك على يد عدد من علماء الدين اليهود العارفين بالعبرية المتحدثين في حياتهم اليومية باللغة الآرامية. لقد دون العهد القديم- أول الأمر- بالخط العبري غير المضبوط بالشكل، أي أن النص المدون كان نصا يدون الصوامت ولا يدون الحركات القصيرة، في هذه الفترة كان العهد القديم يتلى بعد أن يحفظ، فلم تكن كتابته كاملة بل كان النص المكتوب يذكر القارئ بالنطق وترجع إضافة الحركات إلى النص العبري إلى مرحلة تالية امتدت من القرن الخامس الميلادي حتى القرن التاسع الميلادي. وكانت هناك عدة مدارس تعنى بالنص العبري للعهد القديم، ويطلق عليها مدارس الماسورا١. وتم عمل رجال الماسورا في مرحلة لم تكن فيها اللغة العبرية لغة حية، ومعنى هذا أن رجال الماسورا كانوا من أبناء اللهجات الآرامية ثم اللهجات العربية. وقد تأثر رجال الماسورا في محاولاتهم لضبط النص العبري بالحركات بطريقة النساطرة السريان في ضبط الخط السرياني. أما النظام المتداول إلى اليوم في ضبط النص العبري للعهد القديم والنصوص العبرية بصفة عامة فلا يقوم على جهد المدارس اليهودية في العراق، بل يعتمد على جهود مدرسة طبرية في فلسطين، وقد أبرز البحث الحديث وجود مجموعة أسر اهتمت بالنص العبري للعهد القديم، وتوارثت هذه المعرفة ومن أهم هذه الأسر أسرة نفتالي وأسرة بن أشر.
وهكذا وصل إلينا العهد القديم بعد أن ألف على مراحل، ودون على مراحل. وضبط بالحركات في مدارس مختلفة، ولذا ينبغي وضع كل هذا في الاعتبار عند استخراج الصيغ اللغوية من العهد القديم.
стр. 205
وقد ألف اليهود باللغة العبرية على مدى القرون عدة كتب دينية، وتصنيف هذه الكتب من الموضوعات الخلافية بين فرق اليهود وأحبارهم وربانييهم. ولكن أهم هذه الكتب الدينية العبرية: المشنا١ وهو الكتاب العبري الثاني بعد العهد القديم. وترجع كلمة المشنا إلى المادة العبرية ش ن هـ -وهي تقابل المادة العبرية الدالة على التثنية والتكرار. فالمشنا في رأي اليهود هو النص الثاني من النصوص الدينية وقد ألف نص المشنا بين أواخر القرن الأول الميلادي ومنتصف القرن الثالث الميلادي، لقد انتهى آخر كيان سياسي لليهود في فلسطين القديمة سنة ٧٠م، وعندما قضى الرومان على الاستقلال الداخلي لمنطقة صغيرة حكمها اليهود حتى ذلك التاريخ، وبذلك وجدت ظروف جديدة عاشها اليهود في اختلاط مع أبناء العقائد الأخرى، فألف رجال الدين لهم نص المشنا، ليدعم ارتباطهم بأنفسهم على أساس الدين وتحيزهم عن الآخرين تبعا لذلك. وقد ألف نص المشنا باللغة العبرية في فترة كانت معرفة اللغة العبرية فيها قاصرة على رجال الدين اليهودي. ولذا فقد كان من الضروري أن يشرح النص بلغة مفهومة لليهود، فكان رجال الدين يقرءون لعامة اليهود نص المشنا بالعبرية ثم يشرحونه
стр. 206
لهم بالآرامية. ولم تكن هناك لغة آرامية موحدة، بل هناك لهجات آرامية كثيرة، وتعددت الشروح الشفوية الآرامية بتعدد هذه اللهجات ثم كتب الأحبار والربانيون هذه الشروح الآرامية على المشنا. وهكذا ظهر التلمود، فالتلمود البابلي يتألف من المشنا وهي نص عبري، ومن الجمارا وهي الشرح الآرامي للنص العبري. والتلمود الفلسطيني يتألف من المشنا نفسها، ومن الشرح المدون باللهجة الآرامية الفلسطينة ويسمى الجمارا أيضا. المشنا نص عبري واحد، والجمارا "أي النص المُكَمِّل أو الإكمال" تختلف باختلاف اللهجة الآرامية وباختلاف مؤلفيها.
وفي العصور الوسطى لم تزدهر اللغة العبرية إلا في إطار الدولة الإسلامية١ ففي الأندلس الإسلامية عاشت جماعات من اليهود. وشارك اليهود في الحياة الثقافية العربية مشاركة عميقة، فكانوا يتعلمون المعارف العربية، وأراد اليهود أن يؤلفوا بما اكتسبوه من معارف عربية كتبا عبرية. وبذلك كانت المؤلفات العبرية الأندلسية انعكاسا واضحا للثقافة الإسلامية في كل فروع المعرفة، فكتب النحو العبري التي ألفها يهود الأندلس، مثل: مروان بن جناح القرطبي وحيوج والمعاجم التي ألفوها للعبرية والعربية تعد امتدادا وتطبيقا لمناهج البحث اللغوي عند العرب. وقد اهتم اليهود الأندلسيون بالتأليف الأدبي بالعبرية أيضا، وهنا نلاحظ أن الشعر العبري الأندلسي انعكاس واضح للشعر العربي. وكما ألف العرب في فن المقامة ألف الحريزي بعض مقامات عبرية، لقد ترجم الحريزي
стр. 207
-وهو يهودي أندلسي- مقامات الحريري، والتزم في الترجمة بالجوانب البيانية والبديعية التي اتسمت بها المقامات في نصها العربي، ثم حاول الحريزي بعد ذلك أن يؤلف مقامات عبرية فألفها محاكيا المقامات العربية، فالتراث العبري الأندلسي هو تراث باللغة العبرية ألفه اليهود في إطار الثقافة العربية الإسلامية.
أما العبرية الحديثة التي يطلق عليها Evrit فهي اللغة الرسمية الأولى في إسرائيل وتعد العبرية الحديثة محاولة من اليهود الأوربيين لبعث لغة سامية إلى الحياة المعاصرة١. فاليهود الأوربيون هم أصحاب المكانة الأولى في إسرائيل لأنهم أرقى حضاريا واجتماعيا ولأنهم هم أصحاب الفكرة الصهيونية التي تقوم عليها الدولة. وقد كان لهؤلاء الأوربيين أثر بعيد في تكوين الإطار اللغوي الجديد للعبرية، فمن الناحية الصوتية تأثرت العبرية الحديثة باللغات الأوربية، فخف النطق بأصوات الحلق وأصوات الإطباق لأنها غير موجودة في اللغات الأوربية، ولم تعد الصاد تنطق مثل الصاد العربية، بل تأثرت بنطق صوت Z في الألمانية ويرجع هذا التأثير الألماني إلى أن لغة البيدش -التي كان يهود وسط وشرق أوربا يتعاملون بها قبل إحياء اللغة العبرية- هي عبارة عن لهجة ألمانية، وقد أصبح العارفون بلغة البيدش أصحاب مكانة في الدولة الصهيونية، ولكنهم رفضوا جعل لغة البيدش اللغة الرسمية، لأن انتماءهم إلى العبرية يربطهم بتاريخهم القديم ولا يفصلهم عاطفيا عن يهود المشرق، وقد دخلت إلى العبرية الحديثة ألفاظ كثيرة من اللغات الأوربية. ولعل مقارنة بين الألفاظ الأوربية الكثيرة الدخيلة في العبرية الحديثة مع محاولات
стр. 208
التعريب في العالم العربي توضح اختلاف النسبة، فالعبرية الحديثة زاخرة بألفاظ أوربية خصوصا في المجال العلمي. والتأثير الأوربي في العبرية الحديثة لا يقتصر على الأصوات والمفردات، ولكنه يتضح أيضا في كثير من التراكيب والتعبيرات الأوربية التي نقلت نقلا حرفيا إلى العبرية. وهذا شيء طبيعي بالنسبة للعبرية الحديثة، فهي تدور بعناصر مأخذوة من العبرية القديمة مع كثير من الإضافات داخل الإطار الفكرى الأوربي.
стр. 209
الفرع الآرامي
مدخل
...
٣- الفرع الآرامي:
يضم الفرع الآرامي من اللغات السامية مجموعة من اللهجات المتقاربة في بنيتها اللغوية تقاربا كبيرا، وانتشرت هذه اللهجات المختلفة في منطقة الشام والعراق، وتجاوزتها في بعض المراحل التاريخية عندما استخدمت الآرامية كلغة تعامل دولي في الشرق القديم١. ليست هناك لغة آرامية بالمعنى المتعارف عليه لكلمة لغة في الاستخدام العام للكلمة، بل هناك لهجات آرامية متقاربة، لقد ذكر الآراميون في التاريخ في النقوش الآشورية في الألف الثالث قبل الميلاد٢. وهذه حال كثير من الشعوب القديمة عندما يرد اسمها لأول مرة عند جيرانهم الأكثر حضارة ولكن الآرامية لم تدون - وفق معلوماتنا المعاصرة إلا بعد ذلك بوقت طويل، فأقدم النقوش الآرامية ترجع إلى القرن العاشر قبل الميلاد، ومرت الآرامية بعد ذلك بمراحل تاريخية متعاقبة، ارتبطت الآرامية في بعض مراحلها التاريخية
стр. 210
بإمبراطوريات الشرق القديم، ثم كانت إحدى لهجاتها أداة للتبشير المسيحي ووسيلة لنقل معارف اليونان إلى الحضارة الإسلامية، فالسريانية إحدى اللهجات الآرامية التي كان لها دور كبير في تاريخ الحضارة في الشرق، وانحسر استخدام اللغة الآرامية مع الفتح الإسلامي، ولكنها ما زالت تستخدم في عدة أشكال حديثة في عدد من القرى في شمال العراق وإيران وسوريا، ويبلغ هذا التاريخ الطويل حوالي ثلاثة آلاف عام منذ أقدم النقوش الآرامية إلى اليوم، وقد أطلقت عدة تسميات علمية على اللهجات الآرامية المختلفة عبر التاريخ، وأهم هذه اللهجات: الآرامية القديمة وآرامية الدولة والسريانية، واللهجات الآرامية اليهودية والنبطية والمندعية واللهجات الآرامية الحديثة.
стр. 211
الآرامية القديمة:
يطلق على مجموعة النقوش القديمة المدونة بالآرامية مصطلح الآرامية القديمة١، وترجع هذه النقوش إلى الفترة بين القرن العاشر قبل الميلاد والقرن الثامن قبل الميلاد وقد وجدت هذه النقوش في مناطق مختلفة من الشام والعراق. وأهم ما يميز الآرامية القديمة عن اللهجات الآرامية الأخرى، أنها تستخدم القاف في كلمة "أرقا" ومعناها الأرض، بينما تأتي هذه الكلمة في اللهجات الآرامية الأخرى "أرعا". ومعنى هذا أن الضاد العربية وهي الامتداد المباشر للضاد في اللغة السامية الأولى قد تحولت في الآرامية القديمة إلى قاف وفي اللهجات الآرامية إلى عين. وهذا التحول من أصعب التحولات الصوتية تفسيرا.
стр. 212
آرامية الدولة:
المقصود بها الآرامية المستخدمة في النقوش الكثيرة التي دونت في القرن من السابع إلى الخامس قبل الميلاد، وقد سميت آرامية هذه النقوش باسم آرامية الدولة لأن دولة الفرس الأخمينيين اعترفت بالآرامية لغة رسمية في الدولة، فالدولة المقصودة هي دولة الفرس الأخمينيين١ كانت اللغة الآرامية قد استخدمت قبل ذلك في الدولة الآشورية على نطاق واسع فقد لاحظ الباحثون في كثير من العقود المدونة على نقوش من أواخر عهد الدولة الآشورية استخدام الأكادية والآرامية جنبا إلى جنب، وعندما سقطت الدولة الآشورية سنة ٦٢٥ق. م ودخل العراق في إطار الإمبراطورية الفارسية دعم الحكام الفرس مكانة الآرامية واعترفوا بها لغة رسمية في كل أنحاء الدولة، وبهذا دخلت الآرامية إيران أيضا، ودخلت مع النفوذ الفارسي إلى كل أنحاء الشرق القديم وتعد الآرامية في هذه الفترة التي تبدأ في القرن السابع قبل الميلاد لغة دولية لأنها كانت مستخدمة في منطقة واسعة من العالم القديم؛ في التعامل التجاري والسياسي بين أبنائها وغير أبنائها. تشهد بذلك النقوش الكثيرة التي وجدت في إيران والعراق والشام وشمال الجزيرة العربية ومنطقة أسوان في مصر، ووجدت في آسيا الصغرى نقوش ثنائية اللغة، فبعضها آرامي يوناني وبعضها آرامي ليدي.
стр. 213
وهكذا كانت الآرامية اللغة الوحيدة التي تجاوز استخدامها في هذه الفترة التعامل المحلي المحدود وأصبحت تستخدم عند الكثيرين ممن ينتمون إلى بيئات لغوية مختلفة، وإذا كان سفر أستير قد ذكر أن أوامر الملك الفارسي كانت تمضي من إيران إلى الهند وإلى الحبشة فلا شك أن هذه الأوامر كانت تصل إلى هذه المناطق بالآرامية. وأدى انتشار الآرامية في إيران والمناطق المجاورة لها إلى أن كل رجال الدين البوذي يستخدمونها في مواعظهم الدينية في منطقة الحدود الإيرانية الهندية. وتشير النقوش الكثيرة التي وصلت إلينا من القرون السابع والسادس والخامس والرابع قبل الميلاد من إيران والعراق وآسيا الصغرى والشام ومصر إلى أن اللغة الآرامية أصبحت في هذه الفترة لغة التعامل الدولي في الشرق القديم بالإضافة إلى كونها لغة الإدارة في دولة الفرس الأخمينيين، ولكن مكانة اللغة الآرامية أخذت تقل شيئا فشيئا، وعندما انتهت الدولة الأخمينية وأعلنت الدولة الساسانية في مطلع القرن الرابع قبل الميلاد عدل الساسانيون عن استخدام الآرامية في الإدارة، وبذلك انتهت آرامية الدولة.
ولكن التعامل اليومي باللغات الآرامية أو بمعنى آخر اللهجات الآرامية المختلفة ظل يسود الحياة اللغوية في الشام والعراق عدة قرون بعد هذا التاريخ. لقد قلت مكانة اللغة الأكادية في العراق مع انتشار اللغة الآرامية قبيل سقوط الدولة الآشورية.
وقل استخدام اللهجات الكنعانية المختلفة في منطقة الشام مع انتشار الآرامية، لقد ظلت الآرامية إلى جوار العبرية والفينيقية واللهجات الكنعانية المختلفة عدة قرون، ولكن استخدام اللهجات الكنعانية قل شيئا فشيئا إلى أن حلت الآرامية محل كل لهجة كنعانية بادت، وما نكاد نصل إلى فترة انحسار الآرامية عن الاستخدام الدولي حتى نجد اللهجات الآرامية قد أصبحت وحدها في العراق والشام، وهنا نجد عدة لهجات آرامية تختلف باختلاف المكان؛ فهناك لهجات شرقية وأخرى غربية وتختلف باختلاف الطائفة الدينية فهناك لهجات
стр. 214
لليهود وأخرى للوثنيين والمندعيين. ثم تأتي بعد ذلك السريانية وتتحول مع انتشار المسيحية إلى لغة من أهم لغات الشرق المسيحي في القرون التالية.
стр. 215
السريانية:
السريانية لهجة آرامية ارتبطت بالمسيحية، ولذا يحب أبناؤها تمييزها عن اللهجات الآرامية الأخرى، وقد انتشرت السريانية بعد أن كانت في منطقة محدودة في شمال الشام لتصبح لغة جماعة كبيرة في شمال العراق والشام، وتكون السريانية مع لغة التلمود البابلي والمندعية مجموعة آرامية واحدة يطلق عليها المجموعة الشرقية، فهذه اللهجات الثلاث تتفق في عدد كبير من الخصائص اللغوية وهي متقاربة كل التقارب من ناحية البنية اللغوية. ومن الطبيعي أن تتأثر آرامية التلمود البابلي بالعبرية، وأن تأخذ مندعية الصابئة اتجاها خاصا بها، وأن تتأثر السريانية المسيحية بالثقافة السائدة في منطقة الشام والأفكار المسيحية.
وقد ازدهرت السريانية مع انتشار المسيحية شيئًا فشيئًا، ووصل التأليف بالسريانية والترجمة إليها مع بداية القرن الثالث الميلادي إلى مستوى رفيع، وقد ازدهرت حركة التأليف بالسريانية في الفترة من القرن الثالث الميلادي حتى القرن السابع، ولكن لغة التأليف انقسمت في القرن الخامس الميلادي -أي في منتصف فترة الازدهار- إلى سريانية شرقية وسريانية غربية١. إن السريانية عمومًا