← Язык

Язык · id 11299

علم اللغة العربية

د. محمود فهمى حجازى

Полный текст (455 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الآرامية القديمة: يطلق على مجموعة النقوش القديمة المدونة بالآرامية مصطلح الآرامية القديمة١، وترجع هذه النقوش إلى الفترة بين القرن العاشر قبل الميلاد والقرن الثامن قبل الميلاد وقد وجدت هذه النقوش في مناطق مختلفة من الشام والعراق. وأهم ما يميز الآرامية القديمة عن اللهجات الآرامية الأخرى، أنها تستخدم القاف في كلمة "أرقا" ومعناها الأرض، بينما تأتي هذه الكلمة في اللهجات الآرامية الأخرى "أرعا". ومعنى هذا أن الضاد العربية وهي الامتداد المباشر للضاد في اللغة السامية الأولى قد تحولت في الآرامية القديمة إلى قاف وفي اللهجات الآرامية إلى عين. وهذا التحول من أصعب التحولات الصوتية تفسيرا.

стр. 212

آرامية الدولة: المقصود بها الآرامية المستخدمة في النقوش الكثيرة التي دونت في القرن من السابع إلى الخامس قبل الميلاد، وقد سميت آرامية هذه النقوش باسم آرامية الدولة لأن دولة الفرس الأخمينيين اعترفت بالآرامية لغة رسمية في الدولة، فالدولة المقصودة هي دولة الفرس الأخمينيين١ كانت اللغة الآرامية قد استخدمت قبل ذلك في الدولة الآشورية على نطاق واسع فقد لاحظ الباحثون في كثير من العقود المدونة على نقوش من أواخر عهد الدولة الآشورية استخدام الأكادية والآرامية جنبا إلى جنب، وعندما سقطت الدولة الآشورية سنة ٦٢٥ق. م ودخل العراق في إطار الإمبراطورية الفارسية دعم الحكام الفرس مكانة الآرامية واعترفوا بها لغة رسمية في كل أنحاء الدولة، وبهذا دخلت الآرامية إيران أيضا، ودخلت مع النفوذ الفارسي إلى كل أنحاء الشرق القديم وتعد الآرامية في هذه الفترة التي تبدأ في القرن السابع قبل الميلاد لغة دولية لأنها كانت مستخدمة في منطقة واسعة من العالم القديم؛ في التعامل التجاري والسياسي بين أبنائها وغير أبنائها. تشهد بذلك النقوش الكثيرة التي وجدت في إيران والعراق والشام وشمال الجزيرة العربية ومنطقة أسوان في مصر، ووجدت في آسيا الصغرى نقوش ثنائية اللغة، فبعضها آرامي يوناني وبعضها آرامي ليدي.

стр. 213

وهكذا كانت الآرامية اللغة الوحيدة التي تجاوز استخدامها في هذه الفترة التعامل المحلي المحدود وأصبحت تستخدم عند الكثيرين ممن ينتمون إلى بيئات لغوية مختلفة، وإذا كان سفر أستير قد ذكر أن أوامر الملك الفارسي كانت تمضي من إيران إلى الهند وإلى الحبشة فلا شك أن هذه الأوامر كانت تصل إلى هذه المناطق بالآرامية. وأدى انتشار الآرامية في إيران والمناطق المجاورة لها إلى أن كل رجال الدين البوذي يستخدمونها في مواعظهم الدينية في منطقة الحدود الإيرانية الهندية. وتشير النقوش الكثيرة التي وصلت إلينا من القرون السابع والسادس والخامس والرابع قبل الميلاد من إيران والعراق وآسيا الصغرى والشام ومصر إلى أن اللغة الآرامية أصبحت في هذه الفترة لغة التعامل الدولي في الشرق القديم بالإضافة إلى كونها لغة الإدارة في دولة الفرس الأخمينيين، ولكن مكانة اللغة الآرامية أخذت تقل شيئا فشيئا، وعندما انتهت الدولة الأخمينية وأعلنت الدولة الساسانية في مطلع القرن الرابع قبل الميلاد عدل الساسانيون عن استخدام الآرامية في الإدارة، وبذلك انتهت آرامية الدولة. ولكن التعامل اليومي باللغات الآرامية أو بمعنى آخر اللهجات الآرامية المختلفة ظل يسود الحياة اللغوية في الشام والعراق عدة قرون بعد هذا التاريخ. لقد قلت مكانة اللغة الأكادية في العراق مع انتشار اللغة الآرامية قبيل سقوط الدولة الآشورية. وقل استخدام اللهجات الكنعانية المختلفة في منطقة الشام مع انتشار الآرامية، لقد ظلت الآرامية إلى جوار العبرية والفينيقية واللهجات الكنعانية المختلفة عدة قرون، ولكن استخدام اللهجات الكنعانية قل شيئا فشيئا إلى أن حلت الآرامية محل كل لهجة كنعانية بادت، وما نكاد نصل إلى فترة انحسار الآرامية عن الاستخدام الدولي حتى نجد اللهجات الآرامية قد أصبحت وحدها في العراق والشام، وهنا نجد عدة لهجات آرامية تختلف باختلاف المكان؛ فهناك لهجات شرقية وأخرى غربية وتختلف باختلاف الطائفة الدينية فهناك لهجات

стр. 214

لليهود وأخرى للوثنيين والمندعيين. ثم تأتي بعد ذلك السريانية وتتحول مع انتشار المسيحية إلى لغة من أهم لغات الشرق المسيحي في القرون التالية.

стр. 215

السريانية: السريانية لهجة آرامية ارتبطت بالمسيحية، ولذا يحب أبناؤها تمييزها عن اللهجات الآرامية الأخرى، وقد انتشرت السريانية بعد أن كانت في منطقة محدودة في شمال الشام لتصبح لغة جماعة كبيرة في شمال العراق والشام، وتكون السريانية مع لغة التلمود البابلي والمندعية مجموعة آرامية واحدة يطلق عليها المجموعة الشرقية، فهذه اللهجات الثلاث تتفق في عدد كبير من الخصائص اللغوية وهي متقاربة كل التقارب من ناحية البنية اللغوية. ومن الطبيعي أن تتأثر آرامية التلمود البابلي بالعبرية، وأن تأخذ مندعية الصابئة اتجاها خاصا بها، وأن تتأثر السريانية المسيحية بالثقافة السائدة في منطقة الشام والأفكار المسيحية. وقد ازدهرت السريانية مع انتشار المسيحية شيئًا فشيئًا، ووصل التأليف بالسريانية والترجمة إليها مع بداية القرن الثالث الميلادي إلى مستوى رفيع، وقد ازدهرت حركة التأليف بالسريانية في الفترة من القرن الثالث الميلادي حتى القرن السابع، ولكن لغة التأليف انقسمت في القرن الخامس الميلادي -أي في منتصف فترة الازدهار- إلى سريانية شرقية وسريانية غربية١. إن السريانية عمومًا

стр. 216

هي إحدى لهجات المجموعة الشرقية من الآرامية، ولذا ينبغي ألا يختلط انتماء السريانية إلى الآرامية الشرقية بانقسام السريانية ابتداء من القرن الخامس الميلادي إلى سريانية شرقية وسريانية غريبة. لقد حدثت اختلافات عقيدية في إطار المسيحية السريانية أدت إلى انشطارها إلى فرقتين: النساطرة واليعاقبة: والنساطرة هم السريان الشرقيون الذين كانوا خاضعين آنذاك للدولة الفارسية، أما اليعاقبة فهم السريان الغربيون الخاضعون آنذاك لحكم الرومان. وقد أدى هذا الانقسام أيضا إلى تطور الخط السرياني. وهو خط أبجدي، في اتجاهين. وترجع الأهمية التاريخية للسريانية إلى أنها كانت المعبر الذي انتقلت عليه الثقافية اليونانية إلى الحضارة العربية الإسلامية، فبعد غزو الإسكندر لمصر والشام في القرن الرابع قبل الميلاد بدأت هذه المناطق تدخل شيئًا فشيئًا في إطار الثقافة اليونانية. وهنا تحدث صحوة التراث الهيليني تمزجه بالروح الشرقية فتبدأ مرحلة جديدة للحضارة يطلق عليها الحضارة الهيلينستية. والحضارة الهيلينية هي حضارة اليونان في جنوب أوربا في عصرها المبكر، والحضارة الهيلينستية هي حضارة اللغة اليونانية في مصر والهلال الخصيب بعد فتح الإسكندر وقبل الفتح الإسلامي. نقل السريان كتبا كثيرة من التراث اليوناني وشروحها الهيلينستية من اليونانية إلى السريانية، وكان السريان أيضا نقلة هذا التراث إلى اللغة العربية في عصر الحضارة الإسلامية، ولذا تعد الترجمات السريانية ذات أهمية في نقل

стр. 217

تراث اليونان إلى العربية١. وعقب ظهور الإسلام وقيام الدولة العربية الإسلامية التي ضمت أيضا الشام والعراق بدأت السريانية واللهجات الآرامية الأخرى تفقد قيمتها في التعامل اليومي. ولكن حركة التأليف بالسريانية استمرت في العصر الإسلامي على الرغم من التناقص المطرد لعدد المتحدثين بالسريانية وبباقي اللهجات الآرامية وكانت هذه المؤلفات السريانية المدونة في العصر الإسلامي انعكاسًا لتراث اليونان والسريان من جانب والتراث العربي الإسلامي من الجانب الآخر، ومن أهم المؤلفين السريان الذين عاشوا في عصر الحضارة الإسلامية وتمثلوا جوانب كثيرة من علوم القدماء والعلوم العربية أبو الفرج بن العبري، المتوفى ١٢٨٦م. وقد ألف ابن العبري كتبا كثيرة، بعضها بالعربية وبعضها بالسريانية. وفي كتب ابن العبري تلتقي معرفته بتراث اليونان والتراث السرياني المسيحي والتراث العربي الإسلامي لتكوِّن الروافد الأساسية لكتبه في فروع المعرفة المختلفة: التاريخ والطب وعلوم اللغة٢. وهناك جوانب اتصال كثيرة بين السريانية والعربية في اللغة والحضارة، فقد انتقلت كلمات كثيرة من السريانية إلى العربية، وبعض هذه الكلمات ليست أصلا في السريانية، فأكثر الكلمات اليونانية التي دخلت إلى العربية مثل كلمة "فيلسوف" انتقلت من السريانية، وخصوصا المصطلحات الفلسفية

стр. 218

والطيبة. أما اللقاء الحضاري بين التراث السرياني والتراث العربي فله جوانب كثيرة، فهناك عدد كبير من القصص الشعبية نجدها في نصوص سريانية ثم عربية، أشهرها قصة أهل الكهف، قصة السندباد، كليلة ودمنة، لقمان الحيكم، قصة الإسكندر ذي القرنين، قصص القديسين وكراماتهم. وبعض هذه القصة ليس أصيلا في التراث السرياني بل ترجم إلى السريانية، ومن الأهمية بمكان مقارنة الصياغة السريانية بالصياغة العربية لهذه الأقاصيص١.

стр. 219

اللهجات الآرامية اليهودية: هناك عدد من اللهجات الآرامية ارتبطت بكتب اليهود المقدسة وبالجماعات اليهودية التي عاشت في فلسطين والعراق في فترة ازدهار الآرامية، ولا تزال هناك أقليات لغوية يهودية في شمال إيران تتعامل في الحياة اليومية بلهجة آرامية حديثة. لقد استخدمت الآرامية في بعض أسفار العهد القديم، وفيه سفران

стр. 220

بالآرامية هما سفر عزرا وسفر دانيال. وهذان السفران جزيرة لغوية آرامية في محيط عبري١. وعندما قلت معرفة اليهود بالعبرية وأصبح أكثرهم لا يستطيع قراءة نصوصها فضلا عن التحدث بها، نجمت ضرورة لترجمة أجزاء من العهد القديم إلى اللهجات المحلية التي كان اليهود يفهمونها آنذاك. وبدأت هذه الترجمات الآرامية في صورة نقل شفوي، فكان رجل الدين يترجم النص العبري ترجمة شفوية إلى لهجة المستمعين الآرامية، وكان ثمة تحرج من تدوين هذه الترجمات حتى لا تكون منافسا للكتاب المقدس الأصلي، ولكن هذا الحرج قل بمضي الوقت فدونت هذه الترجمات، وبذلك ظهر الترجوم البابلي والترجوم الفلسطيني والترجوم السامري. ويمثل كل ترجوم من هذه "الترجوميم"٢.

стр. 221

لهجة آرامية متميزة، فلهجة الترجوم البابلي قريبة في كثير من الخصائص من باقي اللهجات الآرامية الشرقية، ولكن الترجوم الفلسطيني والترجوم السامري يمثلان مع غيرهما المجموعة الآرامية الغربية، ويلاحظ في كل هذه اللهجات أن اليهود كتبوها بالخط العبري, وهذا شأنهم مع كل اللغات التي كانوا يستخدمونها في التعامل الداخلي فيما بينهم. وقد أدى استخدام الخط العبري لكتابة هذه اللهجات الآرامية إلى دخول كلمات كثيرة من العبرية إلى هذه اللهجات الآرامية. وقد كتب أحبار اليهود وربانيوهم في فلسطين والعراق نصوصًا أخرى باللهجات الآرامية. ودخلت هذه النصوص في التلمودين البابلي والفلسطيني. يتكون التلمود البابلي من النص العبري للمشنا مع الشروح الآرامية عليه. ويتكون التلمود الفلسطيني أيضا من المشنا العبرية والشروح الآرامية، وثمة اختلاف بين اللهجة المستخدمة في الجمارا وهي الشرح الآرامي في كلا التلمودين، فكلاهما يمثل لهجة مختلفة عن الأخرى وكلاهما مكتوب بالخط العبري مثل الترجوميم.

стр. 222

النبطية: النبطية لهجة آرامية كتب بها النبط نقوشهم حتى أواخر القرن الثالث الميلادي، والنبط شعب عربي عاش في أقصى شمال الجزيرة العربية وجنوب بادية الشام١. وعاش النبط حياة رعوية وكان لهم في النشاط التجاري مكانة كبيرة. وكانت لغتهم العربية آنذاك لغة محلية، ولم يكن لها خط فكتب النبط

стр. 223

كما كان يكتب جيرانهم. كانت الآرامية لغة التعامل في الفترة التي ازدهر فيها النبط، وكانوا يتعاملون بالآرامية مع غير العرب، وفرض عليهم نشاطهم التجاري التعامل بالآرامية لكي يفهمهم الآخرون، ولذا كان من السهل على النبط أن يكتبوا نقوشهم باللغة الآرامية التي اعتادوا عليها، تعلم النبط من جيرانهم الكتابة بالآرامية، وبذلك كان النبط أول شعب عربي شمالي كتب. تظهر عروبة النبط من استخدامهم اللغوي فهناك ألفاظ تأتي بمعانيها العربية في نقوشهم مثل: آل "للدلالة على الانتماء العربي القبلي". ولد "بمعنى أبناء". أخر "بمعنى ذرية". وجر "بمعنى قبر صخري". ضريح "بمعنى حجرة"، إحدى "بمعنى واحدة". غير "بمعناها العربي الحالي". والأفعال هلك، صنع، لعن. بمعانيها في العربية، وبالإضافة إلى هذا فقد أفاد النبط من أداة التعريف العربية "أل" وتظهر في نقوشهم، بينما لا تستخدم اللهجات الآرامية الأخرى للتعريف إلا الفتحة الطويلة في آخر الكلمة، وللنبط أهمية كبيرة في تدوين العربية. فقد كانوا أول شعب عربي كتب، وهم معلمو سائر العرب كيف يكتبون، فالخط العربي يقوم على الخط النبطي، والخط النبطي يعود على نحو غير مباشر للخط الأجريتي، فالتطور الذي بدأ عند الأجريتيين وصل عن طريق النبط إلى العرب.

стр. 224

المندعية: المندعية هي لهجة آرامية شرقية ارتبطت بجماعة دينية عرفت باسم الصابئة١. وللمندعيين كتاب مقدس يطلقون عليه اسم: جنزا، أي الكنز.

стр. 225

وقد جمعوا في هذا الكتاب ترانيمهم الدينية وآراءهم في الدين فأصبحوا بعد الفتح الإسلامي من أهل الكتاب، وبذلك أتيحت لهم في إطار الدولة الإسلامية حقوق أهل الكتاب، ولا يزال المندعيون يتعاملون داخليا بلهجتهم الآرامية إلى اليوم وهم يعيشون في عدة قرى في جنوب العراق. وهكذا ارتبطت اللهجات تارة بالمسيحية، وأخرى باليهودية، وثالثة بالصابئة، ولكنها كانت في كل هذه الأحوال -وفي غيرها أيضا- في منطقة سادتها العربية بعد الفتح الإسلامي.

стр. 226

٤- العربية الجنوبية: تكون العربية الجنوبية والعربية الشمالية واللغات السامية في الحبشة الفرع الجنوبي من اللغات السامية. وهناك خصائص مشتركة لا نجدها إلا في لغات الفرع الجنوبي من اللغات السامية منها ظاهرة جمع التكسير، فكل الجموع في اللغات السامية الأخرى يمكن أن توصف بأنها من الجمع السالم. أما المجموعة الجنوبية فقد أفادت من الجمع السالم، وطورت أيضا عدة أبنية لجموع التكسير١ وأول لغة من الفرع الجنوبي كان لها دور في التاريخ هي اللغة العربية الجنوبية.

стр. 227

القديمة التي عرفت قديما باسم الحميرية. وقد اكتشفت النقوش العربية الجنوبية القديمة في القرن التاسع عشر، وأمكن بعد فك رموز خطها المسند التعرف على مضمون هذه النقوش وتحليل خصائصها اللغوية١. ترجع النقوش العربية الجنوبية القديمة إلى فترة امتدت أكثر من ألف عام، فأقدم هذه النقوش من القرن الخامس قبل الميلاد، ويؤرخه البعض بالقرن الثامن قبل الميلاد. أما آخر هذه النقوش فيرجع باتفاق الباحثين إلى الربع الثالث من القرن السادس الميلادي٢ ومعنى هذا أن النقوش العربية الجنوبية القديمة ترجع إلى أكثر من عشرة قرون. وعندما قلت النقوش الجنوبية في أواخر القرن السادس الميلادي كانت العربية الشمالية قد بدأت تنتشر في المنطقة اللغوية الجنوبية. وقد وجدت النقوش العربية الجنوبية في النصف الجنوبي من الجزيرة العربية، فقد كانت المنطقة اللغوية العربية الجنوبية تضم الأقاليم الحالية لدولتي اليمن والقسم الجنوبي من المملكة السعودية، وهناك عدد من النقوش الجنوبية خارج هذه المنطقة، فقد أقام عدد من عرب الجنوب محطات تجارية في شمال غرب الجزيرة العربية، مثل ديدان التي توجد في مكانها اليوم مدينة العلا. وقد

стр. 228

وجدت في العلا عدة نقوش كتبها عرب الجنوب بلغتهم. وفضلا عن هذا فقد ترك بعض الرحالة والتجار اليمنيين نقوشا دونوها في خارج الجزيرة العربية، فقد وجدت عدة نقوش في صعيد مصر مكتوبة بالعربية الجنوبية، كما وجد نقش في جزيرة دبلوس. وقد انتشر عرب الجنوب أيضا في شرق إفريقيا؛ فأقدم النقوش التي وجدت في الحبشة ليست مدونة بإحدى اللغات المنسوبة إلى الحبشة بل هي بالعربية الجنوبية القديمة. كتبت النقوش العربية الجنوبية القديمة بخط أبجدي يتكون من تسعة وعشرين رمزًا. ويقوم الخط المسند على أساس تدوين الصوامت فقط، فهو خط لا يدون الحركات لذا تظل معرفتنا بطبيعة الحركات في اللغة العربية الجنوبية القديمة مجرد افتراض يقوم على القياس مع أقرب لغتين إلى العربية الجنوبية وهما العربية الشمالية ولغة الجعز الحبشية. وهناك نصوص كتبت بعناية Inseriptions وأخرى دونها أفراد بسطاء بخط أقل وضوحا ويطلق عليها الجرافيتي Graffiti وأهم اللهجات العربية الجنوبية القديمة: السبئية والمعينية والقتبانية والحضرمية والهرمية. وأكثر النقوش التي وجدت تمثل اللهجة السبئية. وهي نقوش كتبت في حوالي ألف عام. ولذا فالمعرفة باللهجة السبئية تفوق المعرفة بباقي اللهجات العربية الجنوبية القديمة، ومن السمات الأساسية في اللهجة السبئية استخدام الهاء في تكوين عدد من الصيغ الصرفية، فوزن التعدية في العربية الشمالية أفعل يقابله في السبئية وزن هفعل ولذا يعد الفعل أراق بوزن أفعل أصيلا في العربية الشمالية، بينما يعد الفعل هراق دخيلا من العربية الجنوبية إلى العربية الشمالية. أما اللهجة المعينية فقد وجدت نقوشها في منطقة معين قرنا وبرافش في اليمن، كما وجدت أيضا في المستعمرة المعينية في ديدان في شمال غرب الجزيرة العربية، ويبدو أن اللهجة المعينية لم تعمر طويلا، فكل نقوشها ترجع إلى الفترة السابقة على الميلاد بينما ظلت اللهجة السبئية عدة قرون بعد هذا التاريخ. والسمة

стр. 229

الفارقة بين بنية السبئية وبنية المعينية هي استخدام الهاء في السبئية واستخدام السين في المعينية، فوزن أَفْعَلَ في العربية الشمالية يقابله وزن هَفْعَلَ في السبئية ويقابله وزن سَفْعَلَ في المعينية. أما اللهجات الأخرى وهي القتبانية والحضرمية والهرمية فيبدو أنها أقل انتشارا. وتنسب اللهجة القتبانية إلى مملكة قتبان في وادي بيحان وحريب، وتنسب اللهجة الحضرمية إلى حضرموت، وقد وجدت أكثر نقوشها في منطقة شبوة ووادي حضرموت وساحل حضرموت، وقد عمرت اللهجة الحضرمية أكثر من اللهجة القتبانية، فآخر النقوش القتبانية يرجع إلى القرن الأول الميلادي بينما ظلت الحضرمية حتى القرن الثالث الميلادي على أقل تقدير، وكلا اللهجتين تشبهان اللهجة المعينية من ناحية استخدام السين ولكنهما تختلفان عنها من جوانب أخرى. وأقل اللهجات العربية الجنوبية شأنا هي اللهجة الهرمية المنسوبة إلى منطقة هرم في غرب معين قرناو. وأهم خصائص هذه اللغة المحددة الانتشار قديما استخدام حرف الجر "من" على نحو استخدامه في العربية الشمالية وبذلك خالفت اللهجة الهرمية باقي اللهجات العربية الجنوبية لأنها تستخدم بدلا من هذا الحرف كلمة "بن" وهذا التقسيم يقوم في المقام الأول على الخصائص اللغوية لا على التوزيع المكاني ففي كل المواضع التي وجدت فيها نقوش عربية جنوبية قديمة تنوعت اللهجات، فليست كل النقوش الموجودة في منطقة هرم مكتوبة باللهجة الهرمية بل هي أيضا بالسبئية والمعينية. وبعد انهيار سد مأرب هاجرت قبائل عربية جنوبية إلى الشمال ولم تكن القبائل المهاجرة في وضع اقتصادي طيب، ولذا تعربت بعربية الشمال ولم يبق لها من الأصل القديم إلا الذكرى والنسب، حتى إن شعراء هذه القبائل قبل الإسلام مثل امرئ القيس نظموا شعرهم بالعربية الشمالية، يضاف إلى هذا أن الإسلام قد ساعد على انتشار العربية الشمالية في اليمن فتعرب جنوب

стр. 230

الجزيرة العربية شيئًا فشيئًا. ولكن هذا التعريب لم يشمل إلى اليوم كل مناطق اليمن, فهناك مجموعة لغات عربية جنوبية معاصرة في جنوب الجزيرة العربية والجزر القريبة من الساحل الحضرمي، وأهم هذه اللغات: اللغة المهرية وهي لغة حوالي ثلث مليون مواطن في جمهورية اليمن الديمقراطية في المحافظة السادسة التي تقع على الحدود الواقعة مع عمان في الربع الخالي. ويعيش بعض المتحدثين بالمهرية في جاليات صغيرة في دول الخليج العربي، أما السقطرية فهي لغة جزيرة سقطرة. وفي كل هذه المناطق التي يتم فيها التعامل الداخلي بلغات المهرة المذكورة يعرف الرجال اللغة العربية بقدر تعاملهم مع جيرانهم بها١.

стр. 231

٥- اللغات السامية في الحبشة: ليست كل اللغات القديمة والحديثة في منطقة الحبشة من أسرة اللغات السامية، فقد عرفت المنطقة قديما لغات كثيرة أخرى، ولا تزال الحبشة تضم لغات غير سامية مثل لغة ساهو ولغة الجالا. والمقصود هنا باللغات السامية في الحبشة تلك اللغات التي نشأت عن العربية الجنوبية القديمة، لقد دخلت اللغات السامية إلى الحبشة عن طريق بعض القبائل من جنوب الجزيرة العربية،

стр. 232

ويبدو أن هذه الهجرة تمت حوالي القرن السابع قبل الميلاد، فهناك نقش عربي جنوبي من هذا التاريخ وجد في منطقة أريتريا التي يسيطر عليها الأحباش. عرف الباحثون أسماء بعض القبائل التي هاجرت عابرة باب المندب إلى إفريقيا، ونقلت لغتها السامية إلى هذه المنطقة من القارة الإفريقية، وأهم هذه القبائل قبيلة حبشت وقبيلة الأجعازي. وقد سميت هذه المنطقة عندنا باسم الحبشية نسبة إلى القبيلة الأولى، بينما سميت اللغة باسم لغة الجعز نسبة إلى القبيلة الثانية، فأبناء هذه اللغة وسكان الحبشة يسمون لغتهم القديمة باسم الجعز. وهناك تسميتان أخريان أقل استخداما في مجال العلم. وهما تسمية هذه اللغة باسم الحبشية والأثيوبية. والتسيمة الأولى شائعة في الكتب العربية، أما الثانية فمأخوذة من كلمة أثيوبيا التي وصفت بها منطقة البحر الأحمر جنوب مصر في كتب الرحالة الأوربيين القدماء. وقد جاءت كلمة أثيوبيا في الكتاب المقدس فأحبها الأحباش مع تحولهم إلى المسيحية، فأطلقوها على دولتهم باعتبارها تسمية مقدسة١.

стр. 233

ولغة الجعز هي أقدم لغة سامية في الحبشة، ومن الصعب تتبع مراحل نشوء هذه اللغة أو بمعنى آخر تمييز هذه اللغة عن العربية الجنوبية القديمة، وهناك خلاف بين الباحثين في تصور الحياة اللغوية في الحبشة في القرون الأولى بعد الميلاد فضلا عن القرون السابقة على ذلك. يرى البعض أن الحبشة عرفت تنوعا لغويا وأن لغة الجعز هي لغة إحدى القبائل التي سيطرت على منطقة الجنوب وأن لغات أخرى وجدت إلى جانبها، ولكنها لم تدون إلا بعد ذلك بقرون طويلة. ويرى بعض الباحثين أن كل اللغات السامية في الحبشة ترجع إلى لغة واحدة هي لغة الجعز، وأنها بذلك من أصل واحد لا أكثر. ومن الصعب الوصول في هذه القضية إلى رأي واحد مفصل لقلة المصادر، فالأحباش لم يكتبوا إلا أقل من القليل. فقد مضى أكثر من ألف عام على هجرة القبائل اليمنية إلى الحبشة قبل أن يكتب هؤلاء الذين أصبحوا أحباشا لغتهم. فالنقوش الجعزية القليلة التي وصلت إلينا ترجع إلى الفترة بين القرن الرابع حتى القرن السابع للميلاد، وفي بداية هذه الفترة تحول الأحباش إلى المسيحية وأطلقوا على بلدهم اسم أثيوبيا وأصبحوا تابعين للكنيسة القبطية المصرية، وبعد تحول الأحباش إلى المسيحية. ويعد تحولهم أهم حدث في تاريخهم القديم، فتراثهم من الكتب الجعزية لا يكاد يتجاوز الإطار الديني المسيحي، كان الكتاب المقدس أول كتاب ترجم إلى لغة الجعز، وإلى جانبه ترجمت في هذه الفترة المبكرة من تاريخ الأدب الجعزي عدة نصوص دينية قليلة العدد قليلة الأثر، كما ترجم كتاب واحد يضم مجموعة من الأقاصيص الوثنية والمسيحية حول الحيوانات والنباتات وخصائصها. وأغلب الظن أن حركة الترجمة إلى لغة الجعز كانت جهد المبشرين الذين عرفوا الكتب الدينية في نصوصها السريانية أو اليونانية ونقلوها بعد ذلك إلى لغة الجعز. ومضت بعد هذه الفترة عدة قرون تمثل فراغا في تاريخ اللغة الجعزية والأدب الجعزي، فبعد القرن السابع قل التدوين بلغة الجعز، ثم توقف الأحباش عن الكتابة أربعة قرون كاملة لم يصل منها أي أثر مدون في نقش أو روقة أو كتاب، وكأن الحياة قد توقفت عندهم. ولكن المعرفة بالخط الجعزي ظلت متوارثة لأن

стр. 234

رجال الدين كانوا يقرءون، ويعظون في الكنائس بلغة الجعز، فظلوا حفظة المعرفة بلغة الجعز المكتوبة وبالخط الجعزي وبذلك القدر المحدود من الكتب الجعزية المترجمة، وهكذا ارتبطت لغة الجعز بالكنيسة. وازدهرت لغة الجعز مرة ثانية بعد طول سبات عندما تأسست الأسرة السليمانية ١٢٧٠م، فبدأت حركة التأليف بلغة الجعز، ولكن الثراث الجعزي ظل في هذه الفترة أيضا مرتبطا بالكنيسة، وكانت الكنيسة الأم بالقاهرة قد تعربت، وأصبح رجال الدين الأقباط يؤلفون بالعربية، فترجمت كتب قبطية عربية كثيرة إلى لغة الجعز. فالأثر المصري واضح في كل كتب هذه الفترة المترجمة أو المؤلفة. وتجاوزت هذه الكتب المجال الديني إلى مجال واحد هو التاريخ، فقد دون الأحباش تاريخهم من وجهة نظرهم وتدعيما لشرعية وجود الأسرة السليمانية الحاكمة، لم تكن لغة الجعز آنذاك لغة الحياة، ولكنها ظلت في الفترة من القرن الثالث عشر إلى القرن السابع عشر لغة الكنيسة والثقافة الدينية والتدوين التاريخي١. وظهرت في بداية هذه الفترة لغات أخرى يعد بعضها أو تعد كلها امتدادا للغة الجعز وأهم هذه اللغات: الأمهرية والتيجرينية والتيجرية والهررية. اللغة الأمهرية هي أكثر اللغات السامية انتشارا في الحبشة وقد بدأ تدوين اللغة الأمهرية في القرن الرابع عشر، وهناك عدة أناشيد ملكية أمهرية ترجع إلى

стр. 235

نفس الفترة تقريبًا. لكن الأمهرية ظلت ذات لون شعبي إلى أن حاول اليسوعيون تحويل مسيحي الحبشة عن مذهبهم الديني إلى الكاثوليكية، فترجم المبشرون الوافدون العهد الجديد إلى اللغة الأمهرية ليفهمه الشعب الذي لم يكن يفهم الطقوس الجعزية في الكنيسة الأرثوذكسية. ولكن هؤلاء المبشرين طردوا من الحبشة، ولم يبدأ ازدهار اللغة الأمهرية إلا في منتصف القرن التاسع عشر. واللغة الأمهرية هي اللغة الرسمية في الحبشة، ولذا يطلق عليها هناك لسان النجاشي وتستخدم اللغة الأمهرية عند أبنائها وعند غير أبنائها باعتبارها لغة تعامل رسمي في الدولة، ونظرا للتخلف الإحصائي في الحبشة وللتمزق الداخلي يصعب تقدير عدد المتحدثين باللغة الأمهرية، ويقدر هذا العدد بما لا يقل عن ثلاثة ملايين وما لا يزيد على خمسة ملايين، واللغة الأمهرية الحالية هي لغة الصحف والكتب المدرسية في الحبشة. وقد حدثت تغيرات كثيرة في الأمهرية جعلتها تختلف عن لغة الجعز وعن باقي اللغات السامية، فلا توجد في الأمهرية من أصوات الحلق إلا الهاء والهمزة. وقد دخلت في الآونة الأخيرة ألفاظ أوربية كثيرة إلى اللغة الأمهرية بالإضافة إلى الألفاظ التي استعيرت من قبل من اللغات الإفريقية المجاورة. وهناك عدة لغات سامية أخرى في الحبشة منها اللغة التيجرينية التي تعد أقرب اللغات السامية في الحبشة من لغة الجعز القديمة، ويقدر عدد أبناء اللغة التيجرينية بحوالي مليون ونصف. وقد أعلنت اللغة التيجرينية لغة رسمية في دستور أريتريا الصادر سنة ١٩٥٢، أي قبل استيلاء دولة الحبشة على السلطة في أريتريا. وبعض أبناء التيجرينية مسيحيون، وبعضهم مسلمون، أما لغة التيجري فهي لغة حوالي ربع مليون في الحبشة وفي إقليم كسلا في السودان، وأكثرهم من المسلمين، أما اللغة الهَرَرِيَّة فهي لغة سكان مدينة هَرَر وكلهم من المسلمين، وقد ارتبط مسلمو الحبشة وأريتريا على مر التاريخ بمصر باعتبارها مركز الثقافة الإسلامية. تعد العربية في كل هذه المناطق الإسلامية لغة الثقافة ولغة التعامل بين القبائل ذات

стр. 236

اللغات المختلفة. ومن اللغات السامية ذات الانتشار المحدود في الحبشة لغة جوارج ولغة جفت ولغة أرْجبا. ويختلف الخط المستخدم في تدوين اللغات السامية في الحبشة عن كل الخطوط السامية المعاصرة له. فقد كتبت لغة الجعز بخط مقطعي يتكون من ١٨٢ رمزا تنتظم على النحو التالي: لكل صوت صامت مع الحركة التالية رمز مستقل. وتضم الكتابة الجعزية رموزا لستة وعشرين صامتا يرتبط كل منها بإحدى الحركات التالية: فتحة قصيرة، فتحة طويلة، فتحة ممالة طويلة، فتحة ممالة قصيرة، وهذا الرمز غامض الدلالة وقد يكون مجرد سكون، وضمة طويلة مثل صوت حرف O الأجنبي في اللغات الأوربية وضمة طويلة مثل صوت U الألمانية وكسرة طويلة. أي أن الرمز الواحد يمثل في الخط الأثيوبي أحد الصوامت الستة والعشرين مع إحدى الحركات السبع، ولذا يعد الخط الحبشي من أكثر الخطوط السامية تعقيدًا، فهو مرحلة تخلف أعادت التقدم الذي أحدثه الأجريتيون مرحلة إلى الخلف، وقد أثبت تاريخ الحضارة في العالم كله أن صعوبة الخط معوق أمام انتشار المعرفة والعلم. واللغة السامية الوحيدة التي تكتب في الحبشة بخط سهل هي اللغة الهررية فيكتبها أبناؤها، وهم مسلمون بالخط العربي.

стр. 237

الفصل الحادي عشر: العربية في ضوء اللغات السامية مدخل ... الفصل الحادي عشر: العربية في ضوء اللغات السامية ظلت نصوص الشعر الجاهلي عدة قرون أقدم نصوص عربية معروفة عند الباحثين. لكن البحث الحديث في القرن التاسع عشر أوضح بعد اكتشاف اللغة الأكادية وبحث اللغات السامية بالمنهج المقارن أن خصائص البنية اللغوية للعربية ولهجاتها القديمة يمكن أن تؤرخ في ضوء علم اللغات السامية المقارن١. وبذلك أمكن عن طريق الدراسة المقارنة تأريخ كثير من الظواهر العربية في مرحلة أسبق من الشعر الجاهلي بأكثر من ألفي عام، فالظواهر المشتركة في العربية والأكادية لا يمكن أن تكون إلا موروثة عن اللغة السامية الأولى التي خرجت عنها كل اللغات السامية، ولذا يبدأ البحث في تاريخ العربية ببيان علاقة العربية باللغات السامية الأخرى وباللغة السامية الأولى، في محاولة لتأريخ الجوانب الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية للغة العربية قبل تدوينها.

стр. 238

١- الخطوط السامية والواقع الصوتي: يوضح البحث المقارن في اللغات السامية عددا من الحقائق المهمة حول تاريخ العربية من الجوانب الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية وإذا كانت اللغة العربية أحدث لغة سامية دونها أبناؤها. فإن اللغات السامية الأخرى قد دونت قبل اللغة العربية بقرون طويلة، فالأكادية دونت حوالي سنة ٢٥٠٠ق. م والأجريتية كتبت حوالي سنة ١٤٠٠ق. م وتوضح المقارنات بين اللغات السامية المختلفة أن العربية احتفظت بمجموعة من الخصائص المغرقة في القدم والتي ترجع إلى اللغة السامية الأولى، فالخصائص المشتركة في كل اللغات السامية، أو أكثرها هي الخصائص التي يفترض الباحثون أنها موروثة عن اللغة السامية الأولى التي خرجت عنها كل اللغات السامية. تكتب اللغات السامية بعدة خطوط ولكل خط منها خصائصه الشكلية وإمكاناته التعبيرية فالخط المسماري الذي دونت به اللغة الأكادية يدون الكلمات مقسمة إلى مقاطع، وبذلك احتفظ الخط الأكادي رغم صعوبته بتدوين الحركات مع الصوامت، ومن هذا الجانب تفصح الكتابة الأكادية عن طبيعة الحركات سواء أكانت في وسط الكلام أم في آخره، وهناك لغات سامية قديمة لم يتح خطها التعرف على الحركات التي كانت بها، فاللغة العربية الجنوبية القديمة واللغة الأجريتية واللغة الفينيقية دون كل منها بخط متميز من الناحية الشكلية، فالخط العربي الجنوبي لا يشبه الخط الأجريتي والخط الفينيقي ولكن هذه الخطوط تشترك في سمة أساسية، وهي أنها تدون الصوامت ولا تدون الحركات. وبهذا لا نكاد نتعرف على طبيعة الحركات في هذه اللغات

стр. 239

إلا بالقياس على اللغات الأخرى القريبة من كل واحدة منها. أما اللغات السامية الحية وهي العربية والأرامية واللغات السامية في الحبشة فنستطيع بشكل متفاوت التعرف من طريقة النطق المتوارث عند أبنائها على النطق القديم لهذه اللغات. ويدل وصف الخليل وسيبويه لنطق الأصوات العربية في القرن الثاني الهجري على أن النطق الحالي المتوارث للعربية الفصحى لا يكاد يختلف إلا من جوانب محدودة عن نطقها آنذاك. أما النطق المتوارث للعبرية عند اليهود الشرقيين والآرامية عند العارفين بالسريانية القديمة من مسيحي العراق والشام وللغة الجعز عند العارفين بها من أبناء الحبشة فينبغي أن يؤخذ بتحفظ شديد. فقد تغير نطق هذه اللغات لعوامل كثيرة أهمها أنها لم تعد اللغات الأساسية عند أية مجموعة بشرية منذ قرون. فاللغة العبرية تستخدم عند هؤلاء استخدامًا محدودًا بالطقوس الدينية, أما استخدامها في إطار الصهيونية فقد تأثر تأثراً حاسما بنطق الأوربيين للغة العبرية. وتتحدث الأقليات الآرامية بلهجات تختلف كل واحدة منها عن اللهجات القديمة اختلافا واضحا. ولم يعد للغة الجعز أي استخدام في الحبشة منذ قرون, وهي لغة الطقوس الدينية يقرؤها أبناء الأمهرية متأثرين بالأمهرية, وأبناء لغة التيجري متأثرين بها وكذلك أبناء لغة التيجرينا. ولكنا نستطيع رغم كل هذا التعرف بشكل تقريبي على النطق القديم للعبرية والآرامية ولغة الجعز. وذلك لأن الخطوط التي كتبت بها هذه اللغات تدون الحركات والصوامت. وبمقارنة الكلمات الأساسية المشتركة في كل اللغات السامية١ يستطيع الباحث أن يتبين مجموعة من السمات المشتركة المغرقة في القدم، فكل اللغات السامية لا تتمايز أو تختلف أي اختلاف من ناحية أصوات الراء واللام والنون والتاء والدال. فالراء العربية يقابلها راء في الأكادية وراء في العبرية وراء في الآرامية وراء في الحبشية دون أدنى تغيير حقيقي، أما اختلاف نطق

стр. 240

الصور الصوتية المختلفة للراء تارة بالتفخيم وأخرى دون تفخيم فيخرج عن إطار بحثنا لعدم إمكان التعرف عليها بالنسبة لأكثر اللغات السامية، وشبيه بهذا أمر اللام التي نجدها في كل اللغات السامية لاما. وكذلك النون والدال والباء والميم. ولكن مجموعة من الأصوات المشتركة الثابتة في اللغات السامية كلها قد تعرضت لتغيرات محدودة في النظام الصوتي للعبرية والآرامية، فالباء تنطق مثل الباء الغربية إذا كانت في أول الكلام ولكنها تنطق مثل حرف "V" الأجنبي في الإنجليزية لو كانت غير مشددة ومسبوقة بحركة، والكاف تنطق مثل الكاف العربية في أول الكلام وتنطق خاء إذا كانت غير مشددة ومسبوقة بحركة. وتنطق التاء تاء كما تنطق بعد أي حركة ثاء إلخ...... ويلاحظ أن كل هذه التحولات تعبر عن صور صوتية في إطار الوحدة الصوتية الواحدة. وإذا نظرنا إلى هذه التغيرات التي تشترك فيها العبرية والآرامية لاحظنا أنها تعبر عن تطور داخلي في اللغتين وأن هذه الظاهرة التي لا تعرف في باقي اللغات السامية هي من الظواهر التي وجدت في اللغتين ومعنى هذا أنها غير موروثة عن اللغة السامية الأم، أما النطق العربي لهذه الأصوات فيعبر عن النطق الموروث عن اللغة السامية الأم. ومن هذا الجانب يعتبر النطق العربي لهذه الأصوات أقدم من الهجرات السامية. وهناك مجموعة أصوات نجدها واضحة متميزة في كل أفرع اللغات السامية عدا الفرع الآكادي وهي مجموعة أصوات الحلق مثل العين والحاء، وهنا يمكن افتراض أحد أمرين، فإما أن تكون هذه الأفرع اللغوية قد عرفت أصوات الحلق في إطار التغير الذي طرأ على هذه اللغات، وهذا فرض مستبعد، وإما أن تكون الأكادية قد فقدت التمييز بين أصوات الحلق متأثرة في ذلك باللغة السومرية، وهذا هو الرأي المرجح. ومعنى هذا أن أصوات الحلق كانت معروفة في اللغة السامية الأم وعرفتها أكثر اللغات السامية باعتبارها من الظواهر الموروثة عن اللغة الأم. وبذلك نستطيع أن نفترض قدم أصوات الحلق في العربية، وأنها كانت موجودة في اللغة السامية الأم قبل أقدم الهجرات أي

стр. 241

قبل عام ٢٥٠٠ ق. م تقريبًا أي أن أصوات الحلق في العربية يزيد عمرها على ٤٥ قرنًا من الزمن وكذلك كل الخصائص التي نجدها في العربية وننسبها إلى اللغة السامية الأم. ومن الممكن تطبيق هذا المنهج على باقي الظواهر اللغوية في المجالات الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية. فالظواهر التي تشترك فيها كل اللغات السامية، أو التي تثبت المقارنات أنها كانت موجودة في اللغات السامية القديمة هي ظواهر ترجع إلى اللغة السامية الأم، وعلى العكس من هذا تكون الظواهر التي تختلف من لغة سامية لأخرى، وذلك مثل ظاهرة أداة التعريف، فهي في العربية "أل" سابقة على الاسم، وهي في العبرية الهاء تسبق الاسم، وفي الآرامية فتحة طويلة تأتي بعد الاسم، واختلاف هذه الظاهرة من لغة سامية لأخرى معناه أنها غير موروثة عن اللغة السامية الأم، وأن كل لغة طورت لنفسها أداة للتعريف فاختلفت بذلك أدوات التعريف في اللغات السامية المختلفة.

стр. 242

القوانين الصوتية مدخل ... ٢- القوانين الصوتية: قد ركز الباحثون جوانب الاختلاف المطرد بين الأصوات في اللغات السامية في شكل قوانين تسجل أوجه التقابل الصوتي١. ويمكن استخراج قوانين التقابل الصوتي في اللغات السامية من مقارنة الألفاظ الأساسية المشتركة في هذه اللغات، وذلك تجنبًا للانطلاق من ألفاظ غير مشتركة ودخيلة. ونوضح فكرة القوانين الصوتية في ضوء عدد من أهم هذه القوانين في اللغات السامية.

стр. 243

الثاء العربية ومقابلاتها في اللغات السامية: تدل مقارنة مجموعة من الألفاظ الأساسية في اللغات السامية والتي جاء في

стр. 244

العربية صوت الثاء١ أن الأكادية تعرف مكانها صوت الشين، وأن العبرية تعرف في مكانها الشين أيضًا، لكن الآرامية تعرف التاء، والحبشية تعرف السين في نفس المواضع. ويتضح هذا من الأمثلة التالية: وهنا نلاحظ اطراد بعض التغيرات، فالثاء العربية تقابلها الشين في الأكادية والعبرية، وتكتب الشين في الخط الصوتي بعلامة السين وفوقها علامة مميزة تكاد تكون بديلا مرئيًّا عن نقط الشين العربية بشكل معكوس وليس من الممكن تصور أن الشين هنا هي الصوت الأصلي في اللغة السامية الأم، بل من الممكن تفسير كل الأصوات الموجودة هنا باعتبار أن الثاء تمثل الصيغة الأقدم، وأن الشين والتاء والسين تمثل تطورات خاصة بكل لغة من هذه اللغات على حدة، ونكتفي هنا ببيان تحول الثاء التي افترضناها في اللغة السامية الأم والموجودة في العربية إلى تاء في الآرامية فهذا التغير عبارة عن تحول نطق الأصوات بين الأسنانية مثل الثاء والذال إلى المقابلات الأسنانية التاء والدال على نحو ما حدث في تغير العربية الفصحى إلى لهجات مصر والشام، والثاء في العربية يقابلها في هذه اللهجات كما يقابلها في الآرامية صوت التاء، نجد هذا واضحا في الكلمات اثنين، اتنين، ثعلب، تعلب، في العربية وكذلك في اسم الإشارة: ذا، ده، ذه، دي فالتغير الذي حدث للثاء السامية الأولى إلى تاء في الآرامية مواز للتغير

стр. 245

الذي حدث بعد ذلك عندما تحولت الثاء في العربية الفحصى إلى تاء في اللهجات العربية في مصر والشام. وفي هذا دليل على قدم الثاء العربية وأنها رغم اختلاف مقابلاتها في اللغات السامية الأخرى تعد امتداد مباشرا للثاء في اللغة السامية الأولى أي قبل الهجرات السامية.

стр. 246

الضاد العربية ومقابلاتها في اللغات السامية: وصفت العربية بأنها لغة الضاد وكأن الضاد لم تأت إلا في العربية. والواقع أن الضاد من الأصوات التي تشترك فيها العربية الشمالية مع العربية الجنوبية القديمة. ويقابلها في اللغات السامية الشمالية الصاد في العبرية والأكادية، والعين في الآرامية يتضح هذا من المثال التالي١: وتعد الضاد هنا سمة من سمات العربية الشمالية والعربية الجنوبية. ويرى أكثر الباحثين أن الضاد تمثل الصوت الأقدم في هذه المجموعة، ولكن هناك اختلافا في معرفة كيفية نطق تلك الضاد في اللغة السامية الأولى فضلا عن نطقها العربي القديم الذي لا يزال موضوع خلاف بين الباحثين. ويعد التقابل بين الضاد العربية والعين الآرامية من الظواهر المؤكدة التي يصعب إيجاد تفسير صوتي لها. وفي كل الأمثلة السابقة لاحظنا وجود ضمة الرفع في الصيغة الأكادية. ويعد الإعراب رفعًا ونصبًا وجرًّا من السمات المشتركة للعربية والأكادية مما

стр. 247

يشير إلى كونه موروثا من اللغة السامية الأولى، كما لوحظ في الأمثلة السابقة انتهاء الصيغة الآرامية بفتحة طويلة كانت تدل على كون الكلمة مَعْرِفة. وبغض النظر عن عدد من الأصوات التي تغيرت في اللغة العربية عنها في السامية الأولى، فإن أصوات العربية تعد بصفة عامة امتدادًا مباشرًا للأصوات التي افترض العلماء وجودها في اللغة السامية الأولى قبل الهجرات السامية.

стр. 248

أصوات عربية تختلف عن السامية الأولي مدخل ... ٣- أصوات عربية تختلف عن السامية الأولى: تعد الأصوات العربية عمومًا امتدادًا مباشرًا للأصوات في السامية الأولى وأغلب الظن أن بضعة أصوات في العربية قد اختلفت عنها في اللغة السامية الأولى. ومن هذه الأصوات العربية الفاء ومجموعة أصوات السين والشين١.

стр. 249

الفاء العربية والباء المهموسة السامية: يقابل الفاء في العربية صوت آخر في اللغات السامية الأخرى وهذا الصوت الآخر هو الباء المهموسة "P" ويتضح هذا التقابل من الجدول التالي لكلمة فم العربية وما يقابلها اشتقاقا في اللغات السامية الأخرى. وهنا نلاحظ اتفاق اللغات السامية -عدا العربية- في وجود صوت الباء

стр. 250

المهموسة في هذه الكلمة، مما يرجح أن هذا الصوت كان موجودًا على هذا النحو في اللغة السامية الأولى، ومعنى هذا أن صوت الفاء العربية ليس امتدادًا مباشرًا للغة السامية بل هو ثمرة تغير صوتي؛ فقد تحولت الباء المهموسة وهي صوت شفوي ينطق بالتقاء الشفتين تمام الالتقاء إلى صوت الفاء، وهو صوت شفوي أسناني ينطق بالتقاء الشفة السفلى والأسنان العليا، أي أن الباء المهموسة والفاء لا تختلفان إلا من ناحية المخرج بدرجة ما، فالشفة السفلى تشترك في نطقها ولذا لم يكن من الصعب حدوث هذا التغير. فالفاء العربية إذن صوت نتج عن صوت الباء المهموسة في اللغة السامية الأولى.
следующие страницы →