← Язык

Язык · id 11299

علم اللغة العربية

د. محمود فهمى حجازى

Полный текст (455 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الضاد العربية ومقابلاتها في اللغات السامية: وصفت العربية بأنها لغة الضاد وكأن الضاد لم تأت إلا في العربية. والواقع أن الضاد من الأصوات التي تشترك فيها العربية الشمالية مع العربية الجنوبية القديمة. ويقابلها في اللغات السامية الشمالية الصاد في العبرية والأكادية، والعين في الآرامية يتضح هذا من المثال التالي١: وتعد الضاد هنا سمة من سمات العربية الشمالية والعربية الجنوبية. ويرى أكثر الباحثين أن الضاد تمثل الصوت الأقدم في هذه المجموعة، ولكن هناك اختلافا في معرفة كيفية نطق تلك الضاد في اللغة السامية الأولى فضلا عن نطقها العربي القديم الذي لا يزال موضوع خلاف بين الباحثين. ويعد التقابل بين الضاد العربية والعين الآرامية من الظواهر المؤكدة التي يصعب إيجاد تفسير صوتي لها. وفي كل الأمثلة السابقة لاحظنا وجود ضمة الرفع في الصيغة الأكادية. ويعد الإعراب رفعًا ونصبًا وجرًّا من السمات المشتركة للعربية والأكادية مما

стр. 247

يشير إلى كونه موروثا من اللغة السامية الأولى، كما لوحظ في الأمثلة السابقة انتهاء الصيغة الآرامية بفتحة طويلة كانت تدل على كون الكلمة مَعْرِفة. وبغض النظر عن عدد من الأصوات التي تغيرت في اللغة العربية عنها في السامية الأولى، فإن أصوات العربية تعد بصفة عامة امتدادًا مباشرًا للأصوات التي افترض العلماء وجودها في اللغة السامية الأولى قبل الهجرات السامية.

стр. 248

أصوات عربية تختلف عن السامية الأولي مدخل ... ٣- أصوات عربية تختلف عن السامية الأولى: تعد الأصوات العربية عمومًا امتدادًا مباشرًا للأصوات في السامية الأولى وأغلب الظن أن بضعة أصوات في العربية قد اختلفت عنها في اللغة السامية الأولى. ومن هذه الأصوات العربية الفاء ومجموعة أصوات السين والشين١.

стр. 249

الفاء العربية والباء المهموسة السامية: يقابل الفاء في العربية صوت آخر في اللغات السامية الأخرى وهذا الصوت الآخر هو الباء المهموسة "P" ويتضح هذا التقابل من الجدول التالي لكلمة فم العربية وما يقابلها اشتقاقا في اللغات السامية الأخرى. وهنا نلاحظ اتفاق اللغات السامية -عدا العربية- في وجود صوت الباء

стр. 250

المهموسة في هذه الكلمة، مما يرجح أن هذا الصوت كان موجودًا على هذا النحو في اللغة السامية الأولى، ومعنى هذا أن صوت الفاء العربية ليس امتدادًا مباشرًا للغة السامية بل هو ثمرة تغير صوتي؛ فقد تحولت الباء المهموسة وهي صوت شفوي ينطق بالتقاء الشفتين تمام الالتقاء إلى صوت الفاء، وهو صوت شفوي أسناني ينطق بالتقاء الشفة السفلى والأسنان العليا، أي أن الباء المهموسة والفاء لا تختلفان إلا من ناحية المخرج بدرجة ما، فالشفة السفلى تشترك في نطقها ولذا لم يكن من الصعب حدوث هذا التغير. فالفاء العربية إذن صوت نتج عن صوت الباء المهموسة في اللغة السامية الأولى.

стр. 251

السين والشين العربيتان وأصولهما السامية: وهناك فرق آخر بين الأصوات العربية والأصوات التي افترض الباحثون وجودها في اللغة السامية الأولى، ويتعلق هذا الفرق بمجموعة أصوات السين والشين، وتضم هذه المجموعة في العربية صوتين فقط هما السين والشين، ولكنها تضم في لغات سامية أخرى مثل المهرية ثلاثة أصوات هما السين الجانبية والسين والشين، وتضم الكتابة العبرية رمزًا للسين ورمزًا للشين ورمزًا ثالثا لحرف السامخ مما يشير إلى وجود ثلاثة أصوات في هذه المجموعة في العبرية، وقد أثبت البحث المقارن أن اللغة السامية الأولى كانت تضم ثلاثة أصوات تحولت في العربية إلى صوتين اثنين١ لقد نشأت السين العربية عن صوتين اثنين أحدهما السين السامية الأولى والثاني الشين السامية الأولى. أما ذلك الصوت الثالث الذي افترض وجوده في اللغة السامية الأولى فقد ظل موجودًا في المهرية، وتحول في العربية والحبشية والأكادية إلى شين. ويتضح توزيع هذه الأصوات من الجدول التالي

стр. 252

ويوضح هذا الجدول مدى تعقد العلاقات بين هذه الأصوات ونكتفي هنا بملاحظة أن السين العربية تمثل السين السامية الأولى من جانب كما تمثل الشين السامية الأولى من الجانب الآخر، أما الشين العربية فتمثل السين الجانبية المفترضة في اللغة السامية الأولى. وهكذا أوضحت الدراسة المقارنة لأصوات اللغات السامية عدة قوانين تلخص التقابل الصوتي وأثبتت هذه القوانين الصوتية أن اللغة العربية تمثل بصفة عامة أصوات اللغة السامية الأولى، غير أن بعض أصوات العربية ثمرة تغير لغوي في العربية جعلها تختلف عن السامية الأولى.

стр. 253

٤- الضمائر: يتناول التحليل المقارن لبنية الكلمة كل مفردات اللغة، وبهذا يتناول المنهج المقارن أنواعًا من الكلمات كانت خارج إطار التحليل الصرفي عند النحاة العرب. وأهم هذه الأنواع الضمائر وأسماء الإشارة والأسماء الموصولة وأسماء الاستفهام ويصنف علم اللغة الحديث كل هذه الأنواع تحت اسم

стр. 254

"الضمائر"، وتضم الضمائر بالمعنى الحديث الضمائر الشخصية وضمائر الإشارة والضمائر الموصولة وضمائر الاستفهام١ وإذا كان التحليل الصرفي عند النحاة العرب لا يتناول هذه الكلمات، فإنها تكون أحد موضوعات البحث في علم اللغة المقارن إلى جانب البحث في الأسماء "الأخرى) والأفعال والأدوات. ويقوم تحليل الضمائر العربية في ضوء اللغات السامية على أساس تحليل صيغة كل ضمير إلى مكوناتها.

стр. 255

يلاحظ من الجدول السابق أن الضمائر الشخصية المنفصلة للمفرد ترتبط عناصرها المكونة بأحرف المضارعة. ويتضح أيضا من مقارنة صيغ الضمائر الشخصية المنفصلة في اللغات السامية أنها تتكون بعناصر مأخوذة من السوابق التي يتكون بها صيغ الفعل المضارع "أحرف المضارعة" أو من اللواحق التي يتكون بها صيغ الفعل الماضي "ضمائر الرفع المتصلة" ومعنى هذا أن صيغ الضمائر الشخصية المنفصلة في اللغات السامية تضم عناصر أساسية تشترك فيها اللغات السامية، وهذه عناصر موروثة مغرقة في القدم، وقد كونت اللغات المختلفة الصيغ المختلفة للضمائر الشخصية المنفصلة من عناصر مأخوذة من سوابق المضارع كما هي حال الصيغ العربية المذكورة أو من عناصر مأخوذة من الضمائر الشخصية المتصلة كما هي حال الضمير الأكادي المذكور. وتختلف صيغ الضمير الشخصي المتصل بالماضي للمتكلم المفرد من لغة سامية لأخرى، فهو في بعض اللغات يتكون من الكاف وفي لغات أخرى يتكون من التاء

стр. 256

ويرجح الباحثون هنا أن اللغة السامية الأولى كانت تستخدم الكاف في هذا الموضع وأن العربية والعبرية اختلفتا بذلك من هذا الجانب عن اللغة السامية الأم. ويقوم هذا الرأي على أساس أن الكاف كانت ضمير المخاطب وأن التاء كانت ضمير المتكلم في اللغة السامية الأم، ثم استخدمت العربية التاء للمتكلم والمخاطب معا، وميزت بعد التاء بالضمة والفتحة والكسرة بين الصيغ المختلفة. وهكذا يوضح المنهج المقارن العناصر المكونة لصيغ الضمير من جانب كما يوضح عناصرها القديمة الموروثة عن اللغة السامية الأولى، وعناصرها المتكونة في إطار اللغة العربية.

стр. 257

٥- الأسماء الثنائية: تقوم فكرة الميزان الصرفي عند النحاة العرب على أساس أن أكثر الألفاظ العربية من أصل ثلاثي وقد أثبت البحث المقارن في اللغة السامية أن الأصل الثلاثي كامن وراء أكثر كلمات اللغات السامية وفي نفس الوقت ظهر عن طريق المقارنة بين مجموعة من الكلمات يمكن أن ترد إلى أصول ثنائية. والأصل هنا هو الصيغة الأقدم التي خرجت عنها الصيغ الأخرى الأحدث وهنا فرق بين منهج النحاة العرب ومنهج علماء اللغات السامية بخصوص تحديد الأصل، كان العلماء العرب يحاولون التوصل إلى أصل الكلمة بتقليب الكلمات المشتقة من نفس المادة في العربية، ولكن علم اللغة المقارن يحاول التعرف على الأصل التاريخي بمقارنة كل الكلمات السامية المنتمية إلى جذر واحد في محاولة لتحديد

стр. 258

الأصل الذي صدرت عنه كل هذه الكلمات. ولا شك أن الضمائر وأكثر الأدوات تخرج عن إطار الأصل الثلاثي. والبحث في قضية الثلاثية والثنائية يتناول الأسماء والأفعال التي يمكن أن ترد إلى أصل ثنائي١. ويمكن تصنيف الألفاظ التي يردها العلماء إلى أصل ثنائي إلى عدة مجموعات من أهمها مجموعة الأسماء الدالة على القرابة، ومجموعة الأسماء الدالة على أعضاء جسم الإنسان. تعد الكلمات أب، أم، أخ، حم، ابن، من أصل ثنائي وقد تطورت هذه الكلمات في اتجاه الثلاثي لإحداث هذا التطور في عدة اتجاهات أحدها يجعل حركة الإعراب طويلة فيكون الرفع بضمة طويلة أبوك والنصب بفتحة طويلة أباك والجر بكسرة طويلة أبيك غير أن هذه الكلمات تحتفظ بثنائيتها عندما تضاف إلى ضمير المتكلم أبي، حمي، أخي والاتجاه الثاني لجعل هذه الكلمات متوازنة مع الثلاثي كان بتشديد الصامت الثاني في الكلمات أب أم أخ حم. ونجد هذا في لهجات عربية كثيرة، أما كلمة "بن" فقد وسعت صيغتها بألف الوصل وتظهر هذه الكلمة بالباء والنون في الآشورية والعبرية والعربية ولكنها في الآرامية والمرهية بالباء والراء، وتدل صيغ الجمع في الآرامية والمهرية بالإضافة إلى صيغ المفرد والجمع في اللغات السامية الأخرى على أن أصل هذه الكلمة هو الباء والنون كما في العربية، وأما صيغة المفرد في الآرامية والمهرية فهي تطور خاص باللغتين ولا يعكس الصيغة الموروثة من اللغة السامية الأم. هناك مجموعة ألفاظ ذات أصل ثنائي في اللغات السامية وتدل على أعضاء

стр. 259

جسم الإنسان منها كلمة "يد" وكلمة "دم" وكلمة "رئة" وكلمة "لثة". ترد كلمة يد في اللغات السامية كلها مكونة من الباء والدال مما يشير إلى ثنائية أصل هذه الكلمة. غير أن بعض اللهجات العربية حاولت جعل هذه الكلمة في شكل الثلاثي بأن شددت الدال، وحاولت لهجات عربية أخرى جعلها ثلاثية بإضافة همزة في أول الكلمة. أما كلمة "دم" فهي من أصل ثنائي أيضا كما تشهد بذلك الصيغ في العربية الفصحى وغيرها من اللغات السامية. أما الصيغة التي تعرفها بعض اللهجات العربية بتشديد الميم فترجع إلى الاتجاه العام لجعل هذه الكلمة الثنائية الأصل في شكل ثلاثي مثل أكثر الكلمات العربية. أما الكلمات "رئة" و"لثة" و"شفة" فتعد من أصل ثنائي تطور باضافة تاء التأنيث إلى الأصل الثنائي. وهناك كلمة ترد إلى أصل أحادي وهي كلمة الفم: فوك، فيك، فاك فالأصل المشترك هو الفاء التي ترد في اللغات السامية أصلا لهذه الكلمة وقد تكونت الصيغ العربية من هذه الفاء مع حركة طويلة في الرفع والنصب والجر، أما الميم التي تظهر في كلمة فم فيمكن أن تكون راسبا من رواسب ظاهرة التمييم وهي ظاهرة تقابل التنوين في بعض اللغات السامية. وقد أوضح البحث ثنائية كلمات أخرى كانت موضع خلاف بين النحاة العرب. وقد اختلفوا قديما في كلمة اسم أهي مشتقة من السمة أم من السمو١، وأثبت البحث المقارن أن الأصل ثنائي هو الشين والميم في اللغة السامية الأم بدليل الصيغ السامية المختلفة. وبمراعاة أن الشين السامية الأم قد تغيرت إلى سين عربية يتضح أن الصيغة ذات أصل ثنائي، أما ألف الوصل التي أدخلت على الصيغة العربية فكانت لجعل الكلمة مشابهة للألفاظ الثلاثية ولإحداث نوع من التوازن مع أكثر الكلمات العربية.

стр. 260

٦- الأفعال هناك مجموعة من الأفعال التي نعرفها في شكل ثلاثي، ويمكن ردها بالمقارنة إلى أصل ثنائي. وتنتظم هذه الأفعال في مجموعتين: أ- أفعال تبدأ بالسين مثل: سكب بالمقارنة مع كب، فواضح هنا تقارب المعنيين وتقارب الصيغة مما يشير إلى كون الأصل الكاف والباء وأن الصيغة قد وسعت في اتجاه الثلاثي بإضافة السين في أولها أو بتشديد الحرف الثاني "قارن خف، سخف". ب- أفعال تبدأ بالنون مثل: نقص بالمقارنة مع قص، فمعنى الكلمتين متقارب، والصيغتان ترجعان إلى أصل ثنائي وسِّع بإضافة النون قبل الأصل الثنائي أو بتشديد الحرف الثاني من الأصل. "قارن جس ونجس وكذلك ذل ونذل"، ويمكن جمع مزيد من الأمثلة بتتبع الظاهرتين في المعجم العربي

стр. 261

٧- تحديد الجذور في ضوء المقارنات: توضح الدراسات المقارنة عدة حقائق تجاه تحديد الجذور في بعض الكلمات. لقد ورد الفعل "هرق" في اللغة العربية وكأنه من الجذر "هرق"١ والواقع

стр. 262

أن الهاء هنا ليست أصلية، بل هي هاء وزن "هَفْعَلَ"، وهذا الوزن قياسي في العبرية والعربية الجنوبية في مقابل وزن "أَفْعَلَ" في العربية الشمالية، ولعل مقارنة كلمة أراق وكلمة هراق بنفس المعنى توضح لنا أن الأولى بوزن أَفْعَلَ وأن الثانية بوزن هَفْعَلَ، وكلا الوزنين للتعدية في اللغات السامية. وعلى ذلك فكلمة هراق بوزن هفعل، ومن الممكن أن تكون دخيلة من العربية الجنوبية، ومن الممكن أيضًا أن تكون راسبًا من اللغة السامية الأولى إذا افترضنا أنها عرفت أيضًا وزن هفعل للتعدية، ويصدق ما ذكرناه حول كلمة هراق على كلمات أخرى في العربية مثل: هجرع، هيلع ... إلخ. وقد يكشف بحث الكلمات المبدوءة بالهاء في العربية عن أمثلة كثيرة من هذا النوع الهاء فيها زائدة لا أصلية. وإذا كان ثمة خلافا في تحديد الحروف الأصول في كلمة مدينة١ فإن بحثها في ضوء اللغات السامية يوضح أن الميم زائدة، ففي العربية والعبرية نجد كلمة "دين" بمعنى القانون وفي الآرامية "دينا". كما نجد في العبرية "بيت دين" بمعنى المحكمة، وفي العربية والعبرية ديان بمعنى القاضي، وقد ظهرت كلمة مدينة في الآرامية في منطقة الشام قبل الإسلام بمعنى المنطقة الإدارية أو الدائرة القضائية مرتبطة بهذا المعنى القضائي الذي ما زلنا نجده في كلمات عربية مثل دائن، مدين، أدان، إدانة.... إلخ. وعندما أطلق الرسول ﷺ على يثرب اسم المدينة كان هذا الاستخدام مرتبطًا بظهور الدولة الإسلامية الصغيرة حول الرسول وهو يحكم في المدينة وهكذا توضح الدراسة المقارنة جوانب مختلفة في تحديد الجذور في كلمات عربية مختلفة.

стр. 263

٨- الألفاظ المشتركة: العلاقة بين الألفاظ العربية وما يقابلها اشتقاقيًّا في اللغات السامية الأخرى تتناول موضوعين اثنين. فهناك ألفاظ تشترك فيها اللغات السامية بصفة عامة

стр. 264

وترجع إلى اللغة السامية الأم. وإلى جانب هذا فهناك ألفاظ دخلت من إحدى اللغات السامية إلى لغة سامية أخرى، كأن تدخل كلمة عربية إلى الحبشية أو كلمة عبرية إلى الآرامية.. إلخ. ومعنى هذا أن البحث يتناول الألفاظ السامية المشتركة من جانب. والألفاظ الدخيلة من لغة سامية لأخرى من الجانب الآخر. هناك مجموعة من الألفاظ المشتركة في اللغات السامية، والمقصود بذلك أن جذورها الاشتقاقية مشتركة، وليس معنى هذا أن معناها متفق في اللغات السامية المختلفة كل الاتفاق، فالتغير الدلالي ظاهرة معروفة في إطار اللغة الواحدة فضلا عنه في إطار الأسرة اللغوية الواحدة، فكلمة "لحم" تعني في العربية شيئًا مخالفًا لما تعنيه كلمة Lehem في العبرية، فالأخيرة تعني الحبز واضح أن الكلمتين العربية والعبرية من جذر اشتقاقي واحد هو ل ح م. ويتفق معنى هذا الجذر اتفاقًا بعيدًا في أن المقصود هو الأكل اليابس غير السائل، ولكن اختلاف معنى الكلمتين قد جعل كلا منهما تتخصص بمعنى آخر يوضح فكرة وحدة الأصل الاشتقاقي وتغير دلالات الكلمات المشتقة منه في اللغات السامية المختلفة. فكلمة "أهل" في العربية يقابلها في العبرية Ohel هما من أصل واحد هو همزة وهاء ولام. ولكن الكلمة العبرية تعني "الخيمة" ولا تعني أي شيء آخر، أما الكلمة العربية فتعني الأسرة عمومًا أو الزوجة بصفة خاصة. وهناك علاقة بين المعنيين يمكن تصورها بأن المجتمع البدوي أشبه وصف الخيمة أو الزوجة التي بها أو الزوجة أو الأولاد الذين بها بنفس الكلمة، لقد تغير المعنى وتحدد باختلاف دلالة الكلمة العبرية عن الكلمة العربية المقابلة لها اشتقاقًا، فلا شك أن الزوجة تختلف عن الخيمة فالمعجم الاشتقاقي للغات السامية وأية دراسة للمقابلات السامية من ناحية المفردات تبحث الكلمات التي انحدرت من أصل اشتقاقي واحد ثم يبحث مدى الاتفاق أو الاختلاف الدلالي بعد ذلك.

стр. 265

٩- الدخيل في ضوء القوانين الصوتية: وتحديد أية كلمة مشتركة في لغتين ساميتين موروثة فيهما من اللغة السامية الأم أو دخيلة من إحدى اللغتين إلى اللغة الأخرى، إنما يتم بمعيار لغوي في المقام الأول. وهذا المعيار الذي ارتضاه البحث الحديث يدخل في إطار التطبيقات المباشرة لفكرة القوانين الصوتية وليس هذا المعيار جديدًا كل الجدة فقد عرف اللغويون العرب وجود مقابلات مطردة بين العربية والآرامية. وهناك مثالان ذكرهما الجواليقي، ت٥٤٠هـ، في كتابه "المُعَرَّب"١ يوضحان أنه طبق فكرة القوانين الصوتية لإثبات كون الكلمة دخيلة في العربية، ذكر الجواليقي أن كلمة "الناطور" من المعرب وأنها تعني حافظ النخل والشجر وقد استدل على كونها عربية الأصل بما ذكره الأصمعي أن المقابل العربي لهذه الكلمة هو "الناظور" بالظاء والواقع أن الظاء العربية يقابلها طاء في الآرامية، وهذا قانون من القوانين الصوتية المطردة، وكان الجواليقي قد لاحظ اطراد التقابل بين الظاء العربية والطاء الآرامية فالمادة "نظر" في العربية لا بد وأن يقابلها "نطر" في الآرامية؛ يقول الجواليقي والنبط تجعل الظاء طاء وتدل كلمة النبط عند الجواليقي على البيئة اللغوية الآرامية ويبدو أن هذا يرجع إلى أن النبط كانوا من أقرب مستخدمي اللغة الآرامية إلى العرب، واستدل الجواليقي على اطراد هذا القانون الصوتي بكلمة: "برطلة" وتعني ابن الظل والواقع أن كلمة "بر" في الآرامية تعني "ابن" في العربية وأما الكلمة الثانية فتنتهي بفتحة طويلة، دونت تاء مربوطة للدلالة على التعريف وباقي الكلمة متفق مع الكلمة العربية ظل إلا في التقابل بين الظاء العربية والطاء الآرامية. وبهذا عرف الجواليقي معتمدًَا على ملاحظات اللغويين في القرن الثاني الهجري مثل الأصمعي فكرة القوانين الصوتية بين العربية والآرامية وطبقها تطبيقًا محدودًا للتعرف على عدم

стр. 266

أصالة الكلمة في العربية ولتحديد أصلها. وقد ارتضى البحث الحديث تطبيق فكرة القوانين الصوتية باعتبارها المعيار الأول لتحديد أصالة الكلمة أو عدم أصالتها من الناحية الاشتقاقية١ ونوضح هذه الفكرة بمجموعة أمثلة تنتمي إلى المادة العربية "ثغر" وما يقابلها وفق القوانين الصوتية في اللغات السامية المختلفة. الثاء العربية تعبر عن الثاء في اللغة السامية الأم. ويقابلها الشين في العبرية والتاء في الآرامية، أما الغين العربية فيقابلها في الآرامية والعبرية صوت العين ومعنى هذا أن المقابل الاشتقاقي المباشر للمادة العربية "ث غ ر" هو "ش ع ر" في العبرية و"ت ع ر" في الآرامية. وهذا ما نجده في الكلمات "ثغر" في العربية و saar في العبرية. و tara في الآرامية، وواضح أن هذه الكلمات من جذر اشتقاقي واحد وقد طرأ على الكلمة الآرامية قلب مكاني وألحقت بها الفتحة الطويلة التي كانت أداة التعريف في الآرامية أما معنى هذه الكلمات فمتقارب لكنه غير متفق مثل كثير من الكلمات ذات الأصل الاشتقاقي الواحد، المعنى الأساسي لكل هذه الكلمات هو معنى الفتحة فتدل كلمة ثغر في العربية على منافذ الدولة نحو الخارج ونقط الحدود، فكانت توصف منطقة الحدود العربية البيزنطية بأنها الثغور. وعندما تطورت دلالة هذه الكلمة إلى معناها الحديث في العربية تحدد معناها بالمنافذ البحرية للدولة وكانت من قبل تدل على المنافذ البحرية أو البرية دون تخصيص. يضاف إلى هذا اسخدام كلمة "ثغر" بمعنى فتحة الفم، أما في العبرية فتدل كلمة "شعر" على الباب أو المدخل، وتدل الكلمة الآرامية "ترعا" على الباب أو المدخل أو الشيء الموصل إلى شيء آخر، وعندما انتقلت الصيغة الآرامية المذكورة إلى العربية احتفظت بسمتين أساسيتين دلتا على كونها غير أصلية في العربية ودخيلة من الآرامية، وهما وجود التاء - لا الثاء

стр. 267

وجود الفتحة الطويلة في آخر الصيغة وكلاهما من السمات المميزة للصيغة الآرامية وحدث تخصيص دلالي عندنا انتقلت هذه الصيغة الآرامية إلى العربية فأصبحت تدل في العربية على المجرى المائي الموصل من منطقة إلى منطقة.

стр. 268

١٠- المقارنات اللغوية وتاريخ الألفاظ: وتوضح المقارنات اللغوية تاريخ كثير من الألفاظ العربية. فالألفاظ التي وردت في الشعر الجاهلي أو في المعاجم العربية أو في القرآن الكريم لا ترجع من الناحية الاشتقاقية التاريخية إلى مرحلة واحدة. ففيها ألفاظ مغرقة في القدم وفيها ألفاظ أحدث عهدًا. ويمكن بصفة عامة اعتبار الألفاظ المشتركة في اللغات السامية عمومًا أو المشتركة بين العربية والأكادية بصفة خاصة من ذلك التراث اللغوي الذي عرفته اللغة الأساسية الأم قبل أن تبدأ الهجرات إلى العراق والشام، أي أن هذه الألفاظ ترجع إلى ما قبل سنة ٢٥٠٠ق. م أما الألفاظ التي تجدها في الشعر الجاهلي أو القرآن الكريم أو المعاجم العربية ولا نجد مقابلها الاشتقاقي في اللغات السامية القديمة فهذه ألفاظ دخلت العربية أو كونتها العربية في الفترة ما بين الهجرات وتأليف الشعر الجاهلي أو نزول القرآن الكريم، ونوضح هذه القضية ببحث مجموعة ألفاظ دلت في مستويات لغوية متعاقبة على الرجل والمرأة وعلاقتهما. تشترك اللغات السامية كلها في كلمتي "ذكر" و"أنثى" وينطبق على صيغ الكلمتين في الأكادية والعبرية والآرامية القوانين الصوتية الخاصة بالأصوات المكونة دون أدنى شذوذ وهذا يدل على أن كلمتي "ذكر" و"أنثى" من المعجم السامي المغرق في القدم الذي عرفته اللغة السامية الأم قبل أن تبدأ الهجرات السامية حوالي سنة ٢٥٠٠ق. م ولكنا نجد في العربية كلمتين أخريين هما "بعل" و"زوج" ولكل كلمة من الكلمتين نشأة مغايرة ولكن معناهما يفهم كوحدة تضاد دلالي، وترجع كلمة "بعل" إلى المعجم.

стр. 269

السامي القديم وهي معروفة في أكثر اللغات السامية وتعني الإله أو الرب أو السيد. ولكن استخدامها بمعنى الرجل المتزوج ارتبط بوجود كلمة "زوج" وترجع كلمة زوج إلى أصل غير سامٍ فهي من الكلمة اليونانية Zeugos التي دخلت الآرامية أول الأمر فكانت بصيغة تنتهي لا بالنهاية اليونانية os بل بالنهاية الآرامية وهي الفتحة الطويلة ولذا فالصيغة الآرامية "زوجًا" تكونت إلى جانب الصيغة غير المنتهية بأداة التعريف "زوج" ثم انتقلت هذه الكلمة الى العربية واتخذت فيها ذلك المعنى المقابل لمعنى كلمة "بعل" فالبعل هو الرجل المتزوج وزوجته هي "الزوج" وظل هذا الاستخدام سائدًا إلى أن لاحظ الأصمعي أن بعض أبناء عصره يستخدمون كلمة زوجة وأنكر الأصمعي هذه الصيغة واعتبرها لحنا١. ويمكن تفسير ظهور هذه الصيغة أحد تفسيرين: أحدهما أنها الصيغة العامية التي استمرت من الآرامية. والثاني أنها محاولة لإضافة علامة التأنيث إلى الصيغة دالة على المؤنث. وفي القرون التالية لما لاحظه الأصمعي أصبح التقابل الدلالي بين كلمة زوج الدالة على الرجل المتزوج وكلمة زوجة الدالة على المرأة المتزوجة أي أن وجود كلمتي زوج وزوجة جنبًا إلى جنب أدى إلى أن تختص الكلمة الأولى بالمذكر والثانية بالمؤنث. وبهذا المعنى استمر استخدام الكلمتين في النصوص العربية إلى اليوم. ويعكس التحول في التسمية من "ذكر، أنثى" إلى "بعل، زوج" تحول الإنسان من الوصف البيولوجي البيسط الذي حددته الطبيعة إلى العلاقة الاجتماعية التي جعلت منه إنسانًا يسهم في تكوين الحضارة. أما التحول في "بعل، زوج" إلى "زوج، زوجة" فقد أدى إلى اختفاء كلمة بعل فلم يبق لها وجود حي في اللغة العربية إلا في بعض أسماء الأماكن في لبنان مثل بعلبك إله البقاع أو الإله باخوس وبعل شمية = إله السماء

стр. 270

واختفت الكلمة١ عندما ظهر التقابل الجديد بين "زوج، زوجة". ولكن اللغة العربية ذات قدرة كبيرة على الاستفادة من الجذور الأصيلة والدخيلة فيها ولذا صيغت كلمات كثيرة من مادة "ز - و - ج" كما لو كانت هذه المادة عربية سامية. ولذا ظهرت الكلمات التالية: زوج - تزويج - زواج - مزاوجة - مزدوج - ازدواج.....إلخ وبهذا يمكن عن طريق القوانين الصوتية وتتبع المجموعات الدلالية وانتقال الألفاظ من اللغات السامية وغير السامية إلى العربية تأريخ جوانب مختلفة من حياة الألفاظ العربية.

стр. 271

الفصل الثاني عشر: العربية في جزيرة العرب النقوش العربية القديمة مدخل ... الفصل الثاني عشر: العربية في جزيرة العرب ١- النقوش العربية القديمة: كشفت الدراسات الميدانية التي قام بها عدد من الأوربيين في منطقة شمال الجزيرة العربية ابتداء من منتصف القرن التاسع عشر إلى اليوم عن عدة آلاف من النقوش١. وقد لوحظ أن بعض هذه النقوش مكتوب بعناية وبإتقان، فلكل حرف شكله الواضح المتميز، ولكن بعض هذه النقوش لم تكتب بعناية، ولذا لا يتخذ كل حرف ملامح واضحة متميزة، ويطلق على النوع الأول مصطلح نقش inscription، بينما يسمى النوع الثاني باسم الجرافيتي

стр. 272

١Craffiti أي المخربشات. وقد أمكن تقسيم هذه النقوش الكثيرة إلى عدة مجموعات أهمها: مجموعة النقوش الثمودية، مجموعة النقوش الصفوية، ومجموعة النقوش اللحيانية. ويقوم هذا التقسيم على عدة معايير متكاملة، أهما: أماكن وجود النقوش، الخصائص اللغوية، خصائص الكتابة. ومجموع هذه المعايير يحدد لنا كون نقش بعينه صفويًّا أو ثموديًّا أو لحيانيًّا.

стр. 273

النقوش الثمودية: تنسب النقوش الثمودية١ إلى قبيلة ثمود، التي ورد اسمها في هذه النقوش كما ورد اسمها في آيات كثيرة من القرآن الكريم وجاءت قصة أهلها فيه. وقد أثار بعض الباحثين قضية كون كتاب هذه النقوش قبيلة واحدة أو عدة قبائل تعاملت بنفس اللغة٢ وليس لهذا التساؤل أية إجابة، لأن النقوش هي مصدرنا الوحيد للتأريخ لكُتّاب هذه النقوش، وليس هناك تحديد واضح لكلمة قبيلة، فإذا كان كل تجمع بشري يحس بنوع من الانتماء العرقي يمكن أن يعد قبيلة، فمن الممكن أن تنشطر القبيلة الواحدة إلى قبيلتين أو أكثر. ولكن الثابت أن الثموديين كونوا جماعة لغوية واحدة، وهذا ما يهمنا في إطار البحث اللغوي. وجدت النقوش الثمودية في منطقة مدائن صالح غرب الجزيرة

стр. 274

العربية في مناطق أخرى محددة مجاورة لها مثل مدينة العلا "= ديدان، في التاريخ القديم" كما وجدت في حائل وتيماء وتبوك، وهناك عدة نقوش ثمودية تتناول أشياء شخصية لا ترتبط بقرائن تاريخية أو أحداث مهمة تمكن من تأريخ هذه النقوش، ولذا فليس من الممكن تحديد زمن تدوين أكثر هذه النقوش على نحو مباشر، والتاريخ الوحيد المؤكد هو تاريخ نفش ثمودي مواز لنقش نبطي وكلاهما من سنة ١٦٢ بعد سقوط دولة النبط فقد كان عرب شمال الجزيرة العربية يؤرخون بسقوط دولة النبط سنة ١٠٥م، أي أن النقش الثمودي المقصود يرجع إلى سنة ٢٦٧م ويميل الباحثون إلى تأريخ النقوش الثمودية اعتمادًا على قرائن أخرى خاصة بأشكال الحروف، فالحروف المتشابهة تكون من فترة زمنية واحدة، وكلما تباينت أشكال الحروف كانت من فترات زمنية متباعدة، ووفق هذا المعيار يؤرخ أقدم النقوش الثمودية بالقرن الخامس قبل الميلاد ويؤرخ أحدثها بالقرن الرابع الميلادي، أي أنها امتدت وفق هذا التقدير حوالي تسعة قرون١.

стр. 275

النقوش الصفوية: تنسب النقوش الصفوية إلى المكان الذي وجدت فيه، فبالقرب من منطقة جبل الصفا الواقع جنوب شرق دمشق وجدت مجموعة كبيرة من هذه النقوش فسميت باسم النقوش الصفوية وقد وجدت بعد ذلك نقوش كثيرة في مناطق مجاورة لهذه المنطقة، ولكنها تتفق معها في الخط والخصائص.

стр. 276

اللغوية، ولذا عدت أيضا من النقوش الصفوية١ وأكثر النقوش الصفوية يخلو من أية إشارة تاريخية ولكن بعضها يشير إلى بعض الأحداث المعروفة. فقد ذكرت النقوش أحداثًا كثيرة من القرن الثاني الميلادي. ولا شك أن الصفويين كانوا في هذه المنطقة قبل هذه الأحداث بوقت طويل. وهناك مجموعة من النقوش بها أسماء بعض الشخصيات المعروفة في تاريخ المنطقة. فالملك أذينة كان يحكم في تدمر في منتصف القرن الثالث الميلادي. وقد جاء اسمه في نقوش معاصرة له، وترجع نقوش أخرى جاءت فيها بعض أسماء شخصيات رومانية مثل Alexander Severus, Septimus Severus إلى القرن الثالث الميلادي أيضًا. وهناك نقش به ذكر لامرئ القيس ملك العرب، فإن صح هذا فهو من أوائل القرن الرابع الميلادي وهكذا تمكن بعض النقوش من تحديد زمن تدوينها في القرن الثاني أو الثالث أو أوائل الرابع بعد الميلاد، ولكن بداية كتابة النقوش الصفوية لا يزال يكتنفها الغموض.

стр. 277

النقوش اللحيانية: تنسب النقوش اللحياينة١ إلى دولة لحيان التي تذكرها النقوش باعتبارها كيانًا سياسيًّا يحكم منطقة في شمال غرب الجزيرة العربية، وقد وجدت مجموعة من هذه النقوش في منطقة العلا "= ديدان". ويبدو أن ظهور مملكة لحيان ارتبط بسقوط الدولة المعينية، وهي دولة عربية جنوبية كانت لها مستعمراتها في الشمال، وفي القرن الثاني قبل الميلاد أخذت منطقة ديدان تحس باستقلالها.

стр. 278

فبدءوا يكتبون على نحو متميز وهناك نقوش لحيانية تمضي بنا حتى أواخر القرن الثالث الميلادي. أي أن هذه النقوش كتبت على مدى خمسة قرون بدأت باستقلال لحيان وانتهت بنهاية مملكة لحيان على يد الرومان.

стр. 279

الخط: كتبت النقوش الثمودية والصفوية واللحيانية بخط أبجدي يقوم على أساس الخط العربي الجنوبي القديم١. ورغم الاختلاف الكبير في شكل الحرف الواحد في كل مجموعة من مجموعات النقوش الكثيرة إلا أن كل هذه الأشكال تعد امتدادًا مباشرًا لشكل الحرف في الخط العربي الجنوبي القديم، هناك نقوش مدونة من اليمين إلى اليسار وأخرى من اليسار إلى اليمن فاتجاه الكتابة يختلف من نقش لآخر. وهناك نقوش مكتوبة بخط المحراث boustrohedon بأن يكتب السطر الأول من اليمين إلى اليسار ثم يكتب السطر الثاني من اليسار إلى اليمن ثم يكتب السطر الثالث من اليمين إلى اليسار وهكذا؟ تتفق كل النقوش العربية القديمة في تدوينها للصوامت مثل الباء والتاء والسين. لكل صوت منها حرف متميز، ولكن الفرق الأساسي بين كتابة هذه النقوش والخط العربي الحالي أن هذه النقوش لا تدون الحركات الطويلة، فضلا عن عدم تدوينها للحركات القصيرة، فعندما يرد في أحد النقوش "أل" فقد يكون المقصود كلمة "آل" الدالة على الانتماء القبلي، وقد يكون المقصود كلمة "ايل" الدالة على الإله، وقد يكون المقصود حرف الجر "إلى" ومعنى هذا أنه من الصعب التعرف على النطق الكامل لأية كلمة وردت في هذه النقوش، فالحركات الطويلة ناقصة والحركات القصيرة ناقصة أيضًا. وتؤثر هذه السمة في عدم بروز أوزان كاملة، فالفرق بين وزن "فَعَلَ" ووزن "فَاعَلَ" يقتصر على وجود فتحة

стр. 280

قصيرة بعد فاء الأول وفتحة طويلة بعد فاء الثاني، وكلتاهما لا تدون في هذه النقوش وعلى ذلك فالفعلان "سعد" و "ساعد" يكتبان بنفس الحروف س ع د. ومعنى هذا أنه إذا وجدت الواو مكتوبة فهي تدل بالضرورة على صوت صامت لا على حركة طويلة، فإذا دونت النقوش "ج ور" فالمقصود اسم العلم "جوير" وبالمثل إذا دونت الياء فهي تدل على صوت صامت لا على حركة، فمثلا "ي خ ل د" تدل فيها الياء على صوت صامت تعقبه فتحة ويؤدي عدم تدوين الحركات القصيرة إلى عدم معرفتنا بطبيعة هذه الحركات داخل الكلمة وفي آخرها، وعلى ذلك فلا يمكن بحث قضية النهايات الإعرابية وهل كانت موجودة أم لا في ضوء هذه النقوش، وبالمثل فالتنوين لا يدون في هذه النقوش، حتى إن افترضنا وجوده فيها. وعلى ذلك فكيفية تدوين هذه النقوش تجعل الإفادة منها للتعرف على الخصائص اللغوية محدودة وهي تفيد في التعرف على وجود بعض الكلمات في هذه النقوش وفي التعرف من السياق على معانيها فيها، كما تفيد أيضا في التعرف على بعض خصائص الجملة.

стр. 281

اللغة: عندما يجد الباحث مجموعة من النقوش في شمال الجزيرة العربية بالقرب من منطقة الشام والعراق تطرح دائمًا عدة فروض حول لغة هذه النقوش فقد تكون عربية وقد تكون كنعانية وقد تكون آرامية، وقد تكون امتدادًا للغة أخرى من خارج هذه المنطقة مثل العربية الجنوبية. وقد أثبتت الدراسات المبدئية للغة هذه النقوش أنها عربية، ومن الممكن دون صعوبة قراءة هذه النقوش باعتبار أنها نصوص عربية. ترد في النقوش مجموعة أفعال تعرفها بصيغها ومعانيها في العربية، وأهم هذه الأفعال: علم، حل، بات، رعى، ذكر، نعم، خط، تشوق، كتم، ود، قنص، صاد، قاد، حب. ويضم معجم الأسماء في هذه النقوش

стр. 282

ألفاظًا كثيرة تعرفها الحياة الصحراوية مثل: وعل. جمل. فجع، أثر، دار وتضم هذه النقوش مجموعة من الحروف المعروفة في العربية منها: إلى من، لم، الباء، الفاء، اللام، وهكذا تتفق النقوش من الناحية المعجمية مع عربية الجاهلية١. وثمة ظاهرتان جديرتان بالملاحظة في لغة هذه النقوش وهما: استخدام الاسم الموصول "ذ" واستخدام أداة التعريف "هـ"، وكلتا السمتين موجودة في بعض اللهجات العربية. أما "ذ" المدونة في النقوش فقد تكون منصرفة إعرابيًّا "ذو، ذا، ذي" وقد تلزم حالة واحدة من الحالات المذكورة دون تصويب إعرابي ومع هذا فلا شك أن استخدام هذه الكلمة كاسم موصول هو ما عرف قديمًا عند قبيلة طيئ. فقد ذكر النحاة أن قبيلة طيئ كانت تستخدم كلمة "ذو" اسمًا موصولًا٢ وأما استخدام الهاء كأداة للتعريف تحمل الدلالة الإشارية فهو ما تعرفه لهجات عربية كثيرة في الشام وجزيرة العرب إلى اليوم عندما يقولون: "هالولد" و "هالبنت". إن الخصائص اللغوية للنقوش الثمودية والصفوية واللحيانية تثبت أن كتابها كانوا من البيئة اللغوية العربية، وتثبت أسماء الأعلام الورادة في هذه النقوش أن كتابها عرب جاهليون وثنيون نجد فيها أسماء عربية مثل: حبيب وذهل وقيس ومطر كما نجد فيها أسماء مركبة منسوبة إلى معبودات الجاهلية مثل: عبد مناة، وزيد شمس، وعبد ايل، وعبد يغوث، وتيم يغوث، وتيم اللات. فهذه أسماء عربية جاهلية، عاش أصحابها حياة تشهد النقوش بأنها

стр. 283

قبلية. فأصحاب هذه النقوش يذكرون أنسابهم ويعرفونها معرفة تفصيلية, فسلاسل الأنساب أبرز ما تأتي به النقوش. وكتاب هذه النقوش ينسبون أنفسهم إلى قبائلهم في عدد كبير من النقوش مستخدمين كلمة "آل" المعبرة عن الانتماء القبلي. وهكذا تثبت الخصائص اللغوية لهذه النقوش وأسماء الأعلام الواردة فيها وسلاسل النسب فيها أن كتاب هذه النقوش عرب وأن لهجاتهم اليومية تدخل في إطار اللهجات العربية.

стр. 284

اللهجات العربية واللغة الفصحى مدخل ... ٢- اللهجات العربية واللغة الفصحى: المصادر القديمة التي تمدنا ببعض الظواهر اللغوية في اللهجات العربية القديمة تنقسم إلى مجموعتين رئيسيتين, أولاهما: كتب النحو, الثانية: كتب اللغة والمعاجم. ومعظم المادة التي جاءت في كتب النحو واللغة إنما جمعت من لهجات البادية في القرنين الأول والثاني. حاول اللغويون الذين جمعوا هذه المادة النظر بمعيار الخطأ والصواب إلى كل الظواهر اللغوية التي عرفها عصرهم, ولذا رفضوا أخذ اللغة عن القبائل التي عاشت في مناطق متاخمة للحضر في بادية الشام أو العراق, كما نظروا إلى اللهجات العربية في الجنوب بعين الشك، ولم يأخذوا اللغة عنها. لم يحاولوا جمع الظواهر بهدف بحثها بحثًا شاملا ينسب لكل قبيلة كل ما عندها من ظواهر, وإنما قصروا همهم على تسجيل بعض الظواهر التي لفتت نظرهم عند بعض القبائل. ومن هنا نستطيع أن نقول أن كتب النحو واللغة لم تقدم لنا إلا قطاعًا صغيرًا محدودًا من الحياة اللغوية حتى القرن الثاني للهجرة, وهذا القطاع هو بعض لهجات البدو. أخذ النحاة واللغويون اللغة عن بعض قبائل شبه جزيرة العرب, واستبعدوا عددًا كبيرًا من القبائل التي اختلطت في حياتها بغير العرب, واستبعدوا كذلك اللهجات الناشئة في الأمصار المفتوحة, كما رفضوا أخذ اللغة عن القبائل الجنوبية, والناظر في كتب النحو واللغة يلاحظ أن أكثر المادة التي جاءت بها

стр. 285

هذه الكتب تنسب إلى لهجات الحجاز وتميم وهذيل وطيئ, وهناك ظواهر كثيرة جاءت دون نسبة إلى قبيلة بعينها. اتخذ جامعو اللغة موقفًا مختلفًا عن موقف الباحث اللغوي الحديث, فقد نظروا إلى هذه اللهجات وقاسوها بمعيار اللغة الفصحى واعتبروا أي اختلاف عنها خروجًا على النمط الصحيح وخروجًا على الضوابط وفسادًا لغويًّا لا يجوز أن يقبل ممن يندرج ضمن المثقفين. ومن ثم فقد أهملوا تلك اللهجات التي أصبح البون بينها وبين الفصحى شاسعًا ولم ينظروا ويهتموا إلا باللهجات التي تقترب في خصائصها من العربية الفصحى، وهذه هي لهجات الحجاز وتميم وهذيل وطيئ. وسنحاول دراسة بعض الظواهر التي جاءت في كتاب سيبويه منسوبة إلى هذه اللهجات دراسة لغوية وصفية وسنبدأ بالأصوات, ثم بعد ذلك إلى بناء الكلمة فبناء الجملة.
следующие страницы →