← Язык

Язык · id 11299

علم اللغة العربية

د. محمود فهمى حجازى

Полный текст (455 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

اللغة: عندما يجد الباحث مجموعة من النقوش في شمال الجزيرة العربية بالقرب من منطقة الشام والعراق تطرح دائمًا عدة فروض حول لغة هذه النقوش فقد تكون عربية وقد تكون كنعانية وقد تكون آرامية، وقد تكون امتدادًا للغة أخرى من خارج هذه المنطقة مثل العربية الجنوبية. وقد أثبتت الدراسات المبدئية للغة هذه النقوش أنها عربية، ومن الممكن دون صعوبة قراءة هذه النقوش باعتبار أنها نصوص عربية. ترد في النقوش مجموعة أفعال تعرفها بصيغها ومعانيها في العربية، وأهم هذه الأفعال: علم، حل، بات، رعى، ذكر، نعم، خط، تشوق، كتم، ود، قنص، صاد، قاد، حب. ويضم معجم الأسماء في هذه النقوش

стр. 282

ألفاظًا كثيرة تعرفها الحياة الصحراوية مثل: وعل. جمل. فجع، أثر، دار وتضم هذه النقوش مجموعة من الحروف المعروفة في العربية منها: إلى من، لم، الباء، الفاء، اللام، وهكذا تتفق النقوش من الناحية المعجمية مع عربية الجاهلية١. وثمة ظاهرتان جديرتان بالملاحظة في لغة هذه النقوش وهما: استخدام الاسم الموصول "ذ" واستخدام أداة التعريف "هـ"، وكلتا السمتين موجودة في بعض اللهجات العربية. أما "ذ" المدونة في النقوش فقد تكون منصرفة إعرابيًّا "ذو، ذا، ذي" وقد تلزم حالة واحدة من الحالات المذكورة دون تصويب إعرابي ومع هذا فلا شك أن استخدام هذه الكلمة كاسم موصول هو ما عرف قديمًا عند قبيلة طيئ. فقد ذكر النحاة أن قبيلة طيئ كانت تستخدم كلمة "ذو" اسمًا موصولًا٢ وأما استخدام الهاء كأداة للتعريف تحمل الدلالة الإشارية فهو ما تعرفه لهجات عربية كثيرة في الشام وجزيرة العرب إلى اليوم عندما يقولون: "هالولد" و "هالبنت". إن الخصائص اللغوية للنقوش الثمودية والصفوية واللحيانية تثبت أن كتابها كانوا من البيئة اللغوية العربية، وتثبت أسماء الأعلام الورادة في هذه النقوش أن كتابها عرب جاهليون وثنيون نجد فيها أسماء عربية مثل: حبيب وذهل وقيس ومطر كما نجد فيها أسماء مركبة منسوبة إلى معبودات الجاهلية مثل: عبد مناة، وزيد شمس، وعبد ايل، وعبد يغوث، وتيم يغوث، وتيم اللات. فهذه أسماء عربية جاهلية، عاش أصحابها حياة تشهد النقوش بأنها

стр. 283

قبلية. فأصحاب هذه النقوش يذكرون أنسابهم ويعرفونها معرفة تفصيلية, فسلاسل الأنساب أبرز ما تأتي به النقوش. وكتاب هذه النقوش ينسبون أنفسهم إلى قبائلهم في عدد كبير من النقوش مستخدمين كلمة "آل" المعبرة عن الانتماء القبلي. وهكذا تثبت الخصائص اللغوية لهذه النقوش وأسماء الأعلام الواردة فيها وسلاسل النسب فيها أن كتاب هذه النقوش عرب وأن لهجاتهم اليومية تدخل في إطار اللهجات العربية.

стр. 284

اللهجات العربية واللغة الفصحى مدخل ... ٢- اللهجات العربية واللغة الفصحى: المصادر القديمة التي تمدنا ببعض الظواهر اللغوية في اللهجات العربية القديمة تنقسم إلى مجموعتين رئيسيتين, أولاهما: كتب النحو, الثانية: كتب اللغة والمعاجم. ومعظم المادة التي جاءت في كتب النحو واللغة إنما جمعت من لهجات البادية في القرنين الأول والثاني. حاول اللغويون الذين جمعوا هذه المادة النظر بمعيار الخطأ والصواب إلى كل الظواهر اللغوية التي عرفها عصرهم, ولذا رفضوا أخذ اللغة عن القبائل التي عاشت في مناطق متاخمة للحضر في بادية الشام أو العراق, كما نظروا إلى اللهجات العربية في الجنوب بعين الشك، ولم يأخذوا اللغة عنها. لم يحاولوا جمع الظواهر بهدف بحثها بحثًا شاملا ينسب لكل قبيلة كل ما عندها من ظواهر, وإنما قصروا همهم على تسجيل بعض الظواهر التي لفتت نظرهم عند بعض القبائل. ومن هنا نستطيع أن نقول أن كتب النحو واللغة لم تقدم لنا إلا قطاعًا صغيرًا محدودًا من الحياة اللغوية حتى القرن الثاني للهجرة, وهذا القطاع هو بعض لهجات البدو. أخذ النحاة واللغويون اللغة عن بعض قبائل شبه جزيرة العرب, واستبعدوا عددًا كبيرًا من القبائل التي اختلطت في حياتها بغير العرب, واستبعدوا كذلك اللهجات الناشئة في الأمصار المفتوحة, كما رفضوا أخذ اللغة عن القبائل الجنوبية, والناظر في كتب النحو واللغة يلاحظ أن أكثر المادة التي جاءت بها

стр. 285

هذه الكتب تنسب إلى لهجات الحجاز وتميم وهذيل وطيئ, وهناك ظواهر كثيرة جاءت دون نسبة إلى قبيلة بعينها. اتخذ جامعو اللغة موقفًا مختلفًا عن موقف الباحث اللغوي الحديث, فقد نظروا إلى هذه اللهجات وقاسوها بمعيار اللغة الفصحى واعتبروا أي اختلاف عنها خروجًا على النمط الصحيح وخروجًا على الضوابط وفسادًا لغويًّا لا يجوز أن يقبل ممن يندرج ضمن المثقفين. ومن ثم فقد أهملوا تلك اللهجات التي أصبح البون بينها وبين الفصحى شاسعًا ولم ينظروا ويهتموا إلا باللهجات التي تقترب في خصائصها من العربية الفصحى، وهذه هي لهجات الحجاز وتميم وهذيل وطيئ. وسنحاول دراسة بعض الظواهر التي جاءت في كتاب سيبويه منسوبة إلى هذه اللهجات دراسة لغوية وصفية وسنبدأ بالأصوات, ثم بعد ذلك إلى بناء الكلمة فبناء الجملة.

стр. 286

الهمز بين التحقيق والتخفيف: أول ما يلفت النظر في لهجة الحجاز من الناحية الصوتية أنها لا تعرف تحقيق الهمز, أي النطق بالهمزة باعتبارها صامتًا, والكتب العربية تتحدت دائمًا عن تحقيق الهمز وتنسبه إلى لهجة تميم, وعن تخفيف الهمز أو نطق الهمزة نطقًا بين بين, وتنسبه إلى لهجة الحجاز. قال سيبويه: "اعلم أن كل همزة مفتوحة كانت قبلها فتحة فإنك تجعلها إذا أردت تخفيفها بين الهمزة والألف الساكنة, وذلك قولك سال في لغة أهل الحجاز إذا لم تحقق كما يحقق بنو تميم"١. وواضح من هذا النص أن تحقيق الهمزة عند بني تميم كان يقابله التخفيف عند أهل الحجاز, ويعبر سيبوبه عن الهمزة المخففة قائلا بأنها تنطق نطقًا يجعلها بين الهمزة والألف

стр. 287

الساكنة. وإذا حاولنا فهم كلامه على نحو صوتي لاحظنا أن الهمزة, ويعني بها الهمزة المحققة. إنما تنطق نتيجة التقاء تام يحدث إغلاقًا لحظيًّا في أقصى الحنجرة يتبعه انفراج مفاجئ فيصدر هذا الصوت الذي نعرفه بالهمزة. وهذا النطق يختلف اختلافًا أساسيًّا عن نطق الفتحة الطويلة, وهو ما يطلق عليه سيبويه "الألف". فالفتحة الطويلة إحدى الحركات, والحركات تختلف عن الأصوات الساكنة في اتساع مخرجها, وأنه لا يحدث ضيق شديد يسبب عقبة في سبيل تيار الهواء, فظهور العقبة ثم انفراجها من خصائص النطق بالأصوات الصامتة، أما الحركات فيمضي في النطق بها تيار الهواء من الداخل إلى الخارج دون عقبة، والهمزة من الأصوات الصامتة, ولكن الحركة الطويلة التي تكتب في الخط العربي بالألف ليست من الأصوات الصامتة. ويبدو أن تخفيف الهمزة كان يعني عند سيبويه أن الالتقاء الذي يحدث إغلاقًا لحظيًّا في أقصى الحنجرة لم يحدث, وأن الهواء المندفع إلى الحنجرة كان يمضي من دون أن يعترضه هذا الإغلاق الحنجري.

стр. 288

الإمالة: من الظواهر التي ذكرها سيبويه ظاهرة الإمالة. والإمالة إحدى الظواهر الخاصة بنطق الفتحة الطويلة نطقًا يجعلها بين الفتحة الصريحة والكسرة الصريحة، يقول سيبويه في هذا: "الألف تمال إذا كان بعدها حرف مكسور، وذلك قولك: عابد، وعالم، ومساجد. ومفاتيح ... إنما أمالوها للكسرة التي بعدها، أرادوا أن يقربوها منها وجمع هذا لا يميله أهل الحجاز"١. ويتضح من هذا النص أن الإمالة ظاهرة من ظواهر المماثلة، وتعني المماثلة

стр. 289

أن صوتًا من الأصوات في كلمة أو ما يشبه الكلمة أثر في صوت آخر في نفس الكلمة فجعل نطقه قريبًا من نطقه، أي جعل نطقه مماثلا لنطقه. وفي شرح سيبويه لهذه الظاهرة تعليل بأن إمالة الفتحة الطويلة إنما حدث نتيجة لقربها من الكسرة، فيتحدث سيبويه عن الألف ونتحدث نحن عن الفتحة الطويلة، ويعتبر سيبويه الألف غير الممالة أصلا والممالة فرعًا، ونتحدث -نحن- عن نطق الألف الطويلة بصورة ما تجعلها قريبة -نطقًا- من الكسرة التي تلي اللام والباء. وهذا يعني أن الفتحة الطويلة الممالة إنما تأتي في محيط صوتي بعينه دون غيره، ومن هنا فنحن نتحدث عن صورة صوتية لا عن وحدة صوتية. فالفتحة الطويلة في تلك اللهجات لها صورتان: صورة بلا إمالة، وصورة بالإمالة، وكلتاهما وحدة صوتية واحدة، وكانت لهجة الحجاز القديمة لا تعرف الإمالة. بقي أن نشير إلى المثال الأخير الذي ذكره سيبويه وهو "مفاتيح"، فالإمالة هنا في تفسير سيبويه أثر للكسرة، وكأنه تصور -في كلمة مفاتيح- الكسرة شيئًا والياء شيئًا آخر، فالواقع أن نظرة النحويين العرب للخط جعلتهم يتصورون أن ما نطلق عليه كسرة طويلة هو كسرة ثم ياء ساكنة، ولهذا لم يلاحظ سيبويه أن الإمالة حدثت كأثر لمد الياء "الكسرة الطويلة" وكفاه أن وجد الكسرة هنا وهناك، والصحيح أن الإمالة حدثت كأثر للكسرة الطويلة. هذا وقد علل سيبويه ظاهرة الإمالة بالتماس الخفة، وهذا الرأي هو التفسير السائد في علم اللغة إلى عهد قريب، فكان كل تطور يفسر بعامل السهولة في كثير من اللغات. ولنحاول المضي قليلا مع سيبويه وهو يتحدث عن الإمالة. يقول سيبويه: "هذا باب ما يمتنع من الإمالة من الألفات ... فالحروف التي تمنعها الإمالة هذه السبعة: الصاد، والضاد، والطاء، والظاء، والغين، والقاف، والخاء. إذا

стр. 290

كان حرف منها قبل الألف تليه، ذاك قولك: قاعد، غائب، خامد، صاعد، طائف، وضامن، وظالم، إنما منعت هذه الحروف الإمالة لأنها حروف مستعلية إلى الحنك الأعلى، والألف إذا خرجت من موضعها استعلت إلى الحنك الأعلى فلما كانت مع هذه الحروف المستعلية غلبت عليها كما غلبت الكسرة عليها في مساجد ... ولا نعلم أحد يميل هذه الألف إلا من لا يؤخذ بلغته"١. وهذا النص واضح في أن الإمالة صورة لنطق الفتحة الطويلة أن نطقها يتأثر بالمحيط الصوتي، فهي ممالة على مقربة من الكسرة أو الكسرة الطويلة، وهي غير ممالة على مقربة من مجموعات من الأصوات. إذا نظرنا إلى تلك الأصوات التي ذكرها سيبويه مانعة للإمالة لاحظنا فيها وجود كل أصوات الإطباق، وهي: الصاد، والضاد، والطاء، والظاء، والقاف، كما نجد من أصوات الحلق: الغين والخاء. يبدو أن اللهجات التي كانت تميل مع الكسرة والكسرة الطويلة كانت تنطق الفتحة الطويلة بلا إمالة إذا كانت تميل مع الكسرة والكسرة الطويلة كانت تنطق الفتحة الطويلة بلا إمالة إذا كانت قريبة من أصوات الإطباق أو الحلق. وهذا يؤكد ما ذكرناه من أن تلك اللهجات عرفت صورتين لنطق الفتحة الطويلة، كل واحدة منها تظهر في محيط صوتي بعينه. والعبارة الأخيرة في نص سيبويه السابق تشير إلى موقف اللغويين من بعض اللهجات فهو لم يسجل إلا بعض اللهجات، ورفض الأخذ عن البعض الآخر، ويبدو أن بعض اللهجات التي رفض سيبويه الأخذ عنها كانت تعرف الإمالة بصورة أكثر ولكن إلى أي حد؟ هذا ما لم نستطع أن نعرفه، فهذه من لغة من لا يؤخذ بلغته، ولذا لم يجد سيبويه نفسه مطالبًا بتسجيلها ودراستها.

стр. 291

الاتباع = التوافق الحركي مما سجله سيبويه في كتابه ظاهرة أطلق عليها "الاتباع"، ويطلق عليها

стр. 292

عند اللغويين المحدثين اسم Vowel Harmony أي التوافق الحركي. وهذه الظاهرة تدخل أيضًا في باب المماثلة، وهي هنا مماثلة حركة لحركة أخرى مماثلة تامة، فنحن نقول في العربية الفصحى: منه، فوقه، تحته، فنجعل الحركة التالية للهاء ضمة، ولكنا نقول: به، عليه، فيه، فنجعل الحركة التالية للهاء كسرة، والضمير هو الضمير، فلماذا حدث هذا الاختلاف؟ ولنقرأ الفصل الذي عنونه سيبويه بقوله: هذا ما تكسر فيه الهاء التي هي علامة الإضمار: "اعلم أن أصلها الضم وبعدها الواو، لأنها في الكلام كله هكذا، إلا أن تدركها هذه العلة التي أذكرها لك. وليس يمنعهم ما أذكره لك أيضًا من أن يخرجوها على الأصل، فالهاء تكسر إذا كان قبلها ياء أو كسرة.. فكما أمالوا الألف في مواضع استخفافًا، كذلك كسروا هذه الهاء.. فالكسرة هنا كالإمالة في الألف لكسرة ما قبلها وما بعدها نحو كلاب وعابد، وذلك قولك: مررت بهِي وَلَدَيْهِي مال ومررت بِدَارِهِي ... وأهل الحجاز يقولون مررت بِهُو قبل، وَلَدَيْهُو مال، ويقرءون "فخسفنا بِهُو وبِدارِهُو الأرض". فإذا لحقت الهاء الميم في علامة الجمع كسرتها كراهية الضمة بعد الكسرة، ألا ترى أنهما لا يلزمان حرفًا أبدًا. فإذا كسرت الميم قلبت ١. وهذا النص مهم، فسيبويه اعتبر الأصل في ضمير الغائب أن تعقبه ضمة طويلة، وهو يتحدث دائمًا عن الواو في هذا الصدد كما لو كان الضمير مكونًا من هاء تليها واو. وقد حدد سيبويه المواضع التي كسرت فيها هذه الهاء فالهاء تكسر إذا كان قبلها ياء أو كسرة، فهذه الظاهرة إذن من ظواهر المماثلة، ولكنها مماثلة حركة لحركة. عندما نتحدث عن "فيه" فالحركة التي بعد الفاء كسرة طويلة أتت بكسرة بعد الهاء. عندما نناقش كلمة "عليه" فالصوت المزدوج "ay" جعل الضمة كسرة، وهذا أيضا ضرب من التوافق الحركي.

стр. 293

ويبدو أن التوافق الحركي كان يميز بعض اللهجات عن البعض الآخر. فبعض اللهجات كان يعرف التوافق الحركي على هذا النحو الذي تعرفه العربية الفصحى. ولكن لهجة الحجاز كانت بعيدة عنه كل البعد كما نرى في نص سيبويه عن التوافق الحركي بعدها عن الإمالة. فالحجازيون كانوا لا يقولون "بِهِ" بكسر الهاء، بل قالوا "بِهُ" بضمها، أو كما كتب في كتاب سيبويه "بِهُو" وكانوا يقولون "لديهو" بواو مسبوقة بضمة. ولم يقتصر الأمر على هذا، بل إن قراءاتهم للقرآن الكريم كانت تعكس لهجتهم المحلية التي لا تعرف التوافق الحركي، فبينما كان غيرهم يقرأ: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ بكسرة بعد الهاء كان الحجازيون يستخدمون الضم دون أن يستشعروا حاجة إلى التوافق الحركي. ويبدو أن التوافق الحركي كان من خصائص لهجة تميم، وهو ما نجده في الفصحى بينما كانت لهجة الحجاز بعيدة عن التوافق الحركي. ولكن بعض اللهجات مضت في التوافق الحركي شوطًا أبعد مما تعرفه اللغة الفصحى. يقول سيبويه: "واعلم أن قومًا من ربيعة يقولون: مِنْهِمِ، بكسر الميم والهاء والميم أتبعوها الكسرة، ولم يكن المسكن حاجزا عندهم. وهذه لغة رديئة، إذا فصلت بين الهاء والكسرة فالزم الأصل"١. فلهجة ربيعة كانت تستخدم صيغة، مِنْهِمِ، بكسر الهاء والميم، بينما لا تعرف الفصحى اليوم إلا ضم الهاء وضم الميم، وهو ما قرره سيبويه أيضًا، فلهجة ربيعة تمثل طورًا أبعد من الفصحى في التوافق الحركي. فالكسرة بعد الميم في: مِنْهِمِ، جعلت حركتي الضمير كسرتين رغم البعد. وهنا يظهر سيبويه الذي يريد أن يشرع للحياة اللغوية فيقول وهذه لغة رديئة. لاحظ سيبويه أيضا وجود التوافق الحركي في بعض أبنية الأسماء، يقول سيبويه: وفي: فَعِيل، لغتان، فَعِيل، وفِعِيل. إذا كان الثاني من الحروف الستة

стр. 294

"حروف الحلق" مطرد ذلك فيهما لا ينكسر في فعيل ولا فعل. وإذا كان كذلك في فعيل أو فعل كسرت الفاء في لغة تميم وذلك قولك لئيم "بكسر اللام" وشهيد وسعيد ونحيف ورغيف وبخيل، وشهد "بكسر الشين والهاء ولعب وضحك.... أما أهل الحجاز فيجرون جميع هذا على القياس"١. وهذا النص على صعوبته في الصياغة واضح المضمون، فالكتب العربية تقدم لنا فعيل "بفتح الفاء" وفعيل "بكسر الفاء" لعدد كبير من المفردات. والصيغة الأخيرة تمثل صورة من صور التوافق الحركي، فالكسرة الطويلة بعد العين جلبت كسرة سابقة على العين عند من يعرفون التوافق الحركي، ومن ثم فهم يقولون: فعيل، وهذا خاص بلهجة تميم. أما لهجة الحجاز التي لا تعرف الإمالة أو التوافق الحركي فتقدم لنا صيغة فعيل بفتح الفاء. وشبيه بهذا وزن فعل عند الحجازيين مثل شهد لعب ضحك، يقابل هذا الوزن في لهجة تميم كسر الفاء وكسر العين. وهنا تتفق اللغة الفصحى كما نعرفها اليوم مع لهجة الحجاز، ومن الجدير بالبحث أن ننظر إلى المعجم العربي المتوارث في ضوء هذه الاختلافات.

стр. 295

كسر أحرف المضارعة: كانت كل اللهجات التي اعترف سيبويه بصحة أخذ اللغات عنها تكسر حروف المضارعة على عكس ما نعرفه في العربية الفصحى اليوم. وكان أهل الحجاز هم من لم يعرفوا كسر حروف المضارعة. قال سيبويه: "هذا باب ما تكسر فيه أوائل الأفعال المضارعة للأسماء كما كسرت ثاني الحروف حين قلت فعل وذلك في لغة جميع العرب إلا أهل الحجاز وذلك قولهم:

стр. 296

أنت تعلم ذلك "بكسر التاء" وأنا إعلم "بكسر الهمزة" وهي تعلم "بكسر التاء" ونحن نعلم "بكسر النون"..... وكذلك كل شيء من بنات الواو والياء التي الياء والواو فيهن لام أو عين والمضاعف، وذلك قولك: شقيت فأنت تِشقى "بكسر التاء" وخشيت فأنا إخشى "بكسر الهمزة" وخلنا فنحن نخال "بكسر النون".... وجميع ذلك مفتوح في لغة أهل الحجاز وهو الأصل"١. وواضح من الأمثلة التي ذكرها سيبويه أن كسر حرف المضارعة كان مطردًا في الفعل الثلاثي في كل اللهجات إلا لهجة الحجاز، وأن الفعل الناقص أو الأجوف ذا الواو أو الياء كان يعرف كسر حرف المضارعة أيضًا. ولهجة الحجاز أقرب في هذا الجانب إلى العربية الفصحى.

стр. 297

مطابقة الفعل والفاعل: من أهم الظواهر اللهجية التي سجلها سيبويه وألقت الضوء على بناء الجملة ظاهرة تطابق الفعل الماضي المقدم مع فاعله في التثنية والجمع. من المعروف في كتب النحو العربي أن الفعل الذي تلاه فاعله يأتي بصيغة واحدة قبل الفاعل المفرد والمثنى والجمع، وهذه الصيغة هي صيغة المفرد الغائب، مثل: قال رجل، قال رجلان، قال الرجال. قال نسوة، أما المطابقة الكاملة في العدد والجنسين بين الفاعل والفعل فتنسب في كتب النحو العربي إلى بعض اللهجات، ذكر البعض أن المطابقة الكاملة من خصائص لهجة طيئ. وأطلقوا على هذه الخاصية اسم "لغة أكلوني البراغيث". قال سيبويه: "اعلم أن من العرب من يقول: ضربوني قومك، ضرباني أخواك فشبهوا هذا بالتاء التي يظهروها في قالت فلانة"١، فهذه الظاهرة إذن مثلما

стр. 298

نجد في بعض اللهجات العربية الحديثة. ولم تكن هذه الظاهرة مقصورة على الحديث اليومي عند طيئ. فالواقع أن هذه الظاهرة وجدت في بعض اللهجات القديمة، وفي أبيات من الشعر الجاهلي والإسلامي، وهي مطردة في اللهجات العربية الحديثة.

стр. 299

ما الحجازية: اختلفت اللهجات القديمة في الحالة الإعرابية للاسم الثاني بعد "ما" النافية، فلهجة الحجاز تجعل اسم الثاني بعد "ما" وهو خبرها منصوبًا، أما لهجة تميم فتستخدم هذا الاسم مرفوعًا. قال سيبويه: "هذا باب ما أجرى مجرى ليس في بعض المواضع بلغة أهل الحجاز، ثم يصير إلى أصله. وذلك الحرف هو ما، نقول: ما عبد الله أخاك، ما زيد منطلقًا. وأما بنو تميم فيجرونها مجرى أما وهل، وهو القياس لأنه بفعل كليس، ولا يكون فيه إضمار. وأما أهل الحجاز فيشبهونها بليس، إذ كان معناها كمعناها.... ومثل ذلك قوله : ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ في لغة أهل الحجاز، وبنو تميم يرفعونها إلا من عرف كيف هي في المصحف"١. وبجانب الآية التي ذكرها سيبويه نجد هذه الظاهرة في آية أخرى هي: ﴿مَا هُنَّ أُمَهَاتِهِم﴾ قرأها الحجازيون بكسر التاء وذلك باعتبار خبرها منصوبًا. أما التميميون فكانوا يرفعون عملا برفع الخبر بعد ما. وهكذا نلاحظ أن لهجة الحجاز تتفق مع العربية الفصحى التي نعرفها مطردة في الشعر الجاهلي والقرآن في ظواهر، وتختلف معها في ظواهر أخرى، كما أن لهجة تميم لا تمثل العربية الفصحى في كل مظاهرها.

стр. 300

٣- قضية الاستخدام اللغوي للفصحى واللهجات: تثبت كتب اللغة والنحو وجود اختلافات في اللهجات التي سادت شمال الجزيرة العربية ووسطها في فجر الإسلام والقرنين الأول والثاني للهجرة وتختلف العربية الفصحى كما نعرفها في الشعر الجاهلي اختلافات بعينها عن كل لهجة من اللهجات العربية القديمة، حتى إنه من الصعب اعتبار العربية الفصحى امتدادًا مباشرًا لإحدى هذه اللهجات فالثابت أنها كانت لغة الشعر. وقد أثار بعض الباحثين منذ أواخر القرن التاسع عشر قضية لغة الحديث اليومي في جزيرة العرب في هذه الفترة، تسائل البعض هل كانت اللغة الفصحى لغة الشعر فقط أم أنها كانت أيضًا لغة التعامل في الأمور غير اليومية ولغة التعامل بين القبائل. وارتبط بهذا التساؤل تساؤل آخر حول اللغة التي كان الرسول يستخدمها في قراءته للقرآن، هل كان يقرأ القرآن بلهجة الحجاز، أم وفق الخصائص الصوتية للغة الفصحى أي لغة الشعر الجاهلي. كان المتعارف عليه عند اللغويين العرب قديمًا واللغويين المحدثين حتى أواخر القرن التاسع عشر أن لغة الشعر الجاهلي ولغة القرآن الكريم تمثلان العربية الفصحى١ والمقصود بهذا أن هذه اللغة لم تكن مجرد لغة أدبية، بل كانت أيضًا لغة التعامل الراقي ولغة التعامل بين أبناء القبائل المختلفة. وقد أثار فولرز وهو متخصص ألماني في اللغة العربية كثيرًا من الشكوك حول كون هذه اللغة قد استخدمت في الحديث اليومي أو في التعامل الشفوي في الفترة التي ألف فيها الشعر الجاهلي. ولذا رفض فولرز تسمية هذه اللغة باسم: "العربية الفصحى"، واقترح تسميتها باسم اللغة "المكتوبة الأقدم"٢. وبهذا عد فولرز المعايير المتعارف

стр. 301

عليها حول العربية الفصحى والتي سجلتها الأمثلة الواردة في كتب النحو شيئًا مصنوعًا أقامه النحاة ودعوا إليه. ومعنى هذا في رأي فولرز. أن لغة الحديث اليومي في عصر تأليف الشعر الجاهلي وفي صدر الإسلام كانت تخلو من عدد كبير من السمات التي تنسب للعربية الفصحى، ومنها مثلا الإعراب. فيرى فولرز أن اللغويين العرب صنعوا ظاهرة الإعراب، ولم يكن لها وجود حقيقي من قبل. أما القرآن الكريم فرأى فولرز اعتمادًا على المصاحف المخالفة للمصحف المتداول، واعتمادًا على بعض القراءات - أنه كان يقرأ في صدر الإسلام على نحو محلي، أي وفق العادات الصوتية لأهل الحجاز في مكة والمدينة، أما قراءته وفق معايير اللغة الفصحى فقد كان عملا متأخرًا، هذه خلاصة رأي فولرز. ويقوم هذا الرأي على بعض المعلومات التي جاءت بها كتب اللغة والنحو وكتب الطبقات، مع تجاهل البعض الآخر. فاللغويون العرب في القرن الثاني الهجري لم يعتمدوا على الشعر والقرآن فقط، بل اعتمدوا أيضًا على لغة الإعراب الفصحاء. وكان الإعراب من أهم السمات التي لاحظها اللغويون العرب عند رواتهم، واعترفوا بصحة لغة مجموعة من القبائل، فعدوا أبناءها حجة في قضايا اللغة، ولو كانت لغة الحديث اليومي عند هذه القبائل تخلو من الإعراب في الشعر والقرآن الكريم على هذا النحو المطرد وفي قراءة القرآن الكريم على نحو يجعلنا نقتنع بأنه ليس من عمل النحاة بل هو انعكاس للواقع اللغوي الحي وأغلب الظن أن اللغة الفصحى كانت مستخدمة في الأغراض الفنية وفي التعامل الرفيع بين أصحاب المكانة في القبائل وفي التعامل بين أبناء القبائل المختلفة. فإذا كانت لغة الشعر الجاهلي لا تختلف باختلاف القبائل، بل يقتصر الاختلاف على الاستخدام

стр. 302

اللغوي من شاعر لآخر في إطار المستوى اللغوي الواحد فإن الطبيعي أن يكون ترتيل القرآن بهذه اللغة الفصحى التي يحترمها ويتعامل بها أبناء القبائل المختلفة في الأمور الجادة. وإذا كان القرآن ينص على أنه "بلسان عربي مبين" فمن غير المتوقع أن يكون بعد هذا ذا لون محلي والأقرب إلى طبيعة الأمور أن تكون قراءة القرآن وأن يكون الاستخدام اللغوي في القرآن مطابقًا بصفة عامة للمتعارف عليه في اللغة الفصحى آنذاك. لقد عرفت اللهجات القديمة مجموعة من الظواهر المغرقة في المحلية مثل الكشكشة والكسكسة والعجعجة. إلخ. والمقصود بالكشكشة إبدال الشين من كان الخطاب المؤنثة فبدلا من "عليك" يكون نطق هذه الكلمة في اللهجات التي تعرف الكشكشة "عليش"، وبالمثل "منش" و "بش". وهنكا أشكال للكشكشة لا تزال مسموعة في اللهجات البدوية الحالية. وقريب من الكشكشة ظاهرة الكسكسة وهي استخدام السين مع ضمير المؤنث بديلا للكاف أو ملحقة بالكاف، فبدلا من: "رأيتك" تكون الصيغة عند بعض القبائل "رأيتكس"، وبدلا من "أخوك" تنطق بعض القبائل "أخوس". أما العجعجة فهي ثمرة اختلاط نطق الجيم مع نطق الياء فبدلا من "تميمي" كانت بعض القبائل تقول "تميمج"١. فهذه الظواهر الصوتية المحلية كانت مما أثار انتباه اللغويين العرب. ولكن الشواهد التي جاءوا بها لبيان هذه الخصائص شواهد شعرية محدودة العدد تتكرر في كل الكتب، وكأنها انعكاس خافت للهجات المحلية. وبغض النظر عن هذه الظواهر المحدودة الأثر في الشعر الجاهلي فإن لغته لا تختلف باختلاف القبائل، ويبدو أن اللغة الفصحى وفق ما تعارف عليه القوم آنذاك كان ينبغي لها أن تخلو من مثل الظواهر المحلية. ولذا كان من الطبيعي أن يحاول المسلمون في صدر الإسلام تجنب استخدام هذه

стр. 303

السمات المغرقة في المحلية في قراءتهم للقرآن الكريم، وأن يكون المثل اللغوي المنشود في لغة القرآن الكريم بعيدًا عن المحلية في الخصائص اللغوية بمثل ما هو بعيد عن المحلية في المضمون الفكري. ولذا فليس من الممكن تصور أن لغة القرآن الكريم تعكس لهجة الحجاز وأية لهجة أخرى، بل الأقرب إلى واقع الأمر أن يكون بتلك اللغة الفصيحة المحترمة من الجميع. لقد شك فولرز في كون اللغة المنطوقة في فجر الإسلام ذات نظام إعرابي واضح المعالم، وظنها تخلو من النهايات الإعرابية. وقد ورد نولدكه على فولرز بمجموعة من الأدلة اللغوية مثبتًا عدم صحة ما قال به فولرز١. فعلامات الإعراب رفعًا ونصبًا وجرًّا مطردة في اللغة الأكاديمة على نحو اطرادها في لغة الشعر الجاهلي والقرآن الكريم ولغة القبائل التي أخذت عنها شواهد كتب النحو. والصحيح أن العربية ورثتها كما ورثتها الأكادية عن اللغة السامية الأولى. وقد بقيت من علامات الإعراب في اللغة الحبشية علامة النصب، وهي تطابق تمام المطابقة علامة النصب في العربية فما جاء عند النحاة العرب يعد تسجيلا لواقع يفسره ما جاء في النقوش الأكادية والنصوص الحبشية. وإذا كانت ثمة شك في الحركات النهائية للفعل الماضي، فهو ينتهي مثلا بالفتحة في "كتب" بينما ينتهي دون هذه الفتحة في اللهجات العربية، فإن العربية الفصحى كانت تعرف نهاية هذه الصيغة بالفتحة كما تعرفها اللغة الأمهرية إلى اليوم. لقد أثبت "نولدكه" أن الشك في النهايات الإعرابية للأسماء أو الحركات النهائية للأفعال لا يقوم على دليل، وأثبت بمقارنة العربية بالأكادية بالحبشية من هذا الجانب أن هذه النهايات لا يمكن أن تكون من صنع النحاة، بل كان جهد النحاة تسجيلا لها كما وجدوها في الشعر الجاهلي والإسلامي وفي القرآن الكريم وعند القبائل المعترف بفصاحتها.

стр. 304

الفصل الثالث عشر: العربية في المشرق الأسيوي مدخل ... الفصل الثالث عشر: العربية في المشرق الأسيوي اتسعت رقعة اللغة العربية بعد تكوين الدولة الإسلامية اتساعًا كبيرًا، فمع الفتوح الإسلامية بدأت الهجرات العربية إلى المناطق المفتوحة، ومع ازدياد الهجرات بدأ استخدام اللغة العربية في هذه المناطق، ومهد هذا لانتشار العربية في هذه الأقاليم مما أدى إلى تغير الحدود الجغرافية للمنطقة اللغوية العربية تغيرًا حاسمًا. ولذا تعد دراسة موجات انتشار العرب في المناطق المفتوحة أساسًا ضروريًّا لفهم موجات انتشار اللغة العربية.

стр. 305

١- موجات التعريب في المشرق: خرجت بطون كثيرة من القبائل العربية في السنوات التالية للفتح الإسلامي إلى مناطق مختلفة من الشام والعراق وإيران لقد كانت جماعات عربية تعيش في بادية الشام وبادية العراق قبل الفتح الإسلامي، ولكن دخول هذه المناطق وغيرها في إطار الدول الإسلامية جعل هذه القبائل وغيرها تتوغل وتستقر في

стр. 306

مناطق لم تكن مجالا لها من قبل. لقد هاجرت هذه القبائل واستقرت في الأمصار المفتوحة داخل معسكرات، ثم أدى اختلاط هؤلاء العرب الوافدين مع السكان الأصليين في هذه المناطق إلى تعريف العراق والشام شيئًا فشيئًا كانت اللهجات الآرامية المختلفة تسود الحياة اللغوية في هذه المناطق، وهي لهجات قريبة من الجوانب الصوتية والصرفية والنحوية والمعجمية من اللغة العربية، فالآرامية لغة سامية مثل العربية، ولذا لم يكن التحول من الآرامية إلى العربية أمرًا صعبًا. وليس معنى هذا أن التحول اللغوي تم دون صعوبات، بل لا تزال هذه الصعوبات النسبية واضحة في التأثيرات الآرامية في اللهجات العربية في هذه المناطق. لقد سهل عليهم أن يتحولوا من الآرامية إلى العربية، ولكن عربيتهم تأثرت بالآرامية فاختلفت عن عربية البدو في الجزيرة العربية. ولكن درجة التعريب في الشام والعراق اختلفت من منطقة لأخرى ومن جماعة بشرية لأخرى فالمناطق السهلية تعربت على نحو أسرع من تعريب المناطق الجبلية، ولا تزال المناطق الجبلية في شمال العراق وفي بعض أنحاء منطقة الشام تضم جماعات لغوية احتفظت بلغتها القديمة منذ الفترة السابقة على الفتح الإسلامي، فالأقليات الآرامية في هذه المناطق تعيش في مناطق جبلية وعرة، وكأن صعوبة الاتصال بهذه المناطق قد حال دون تعريبها. فلم تصل الهجرات العربية إلى هذه المناطق الوعرة، وبذلك ظلت بعيدة عن تأثيرات التعريب وقتًا طويلًا، ولا يزال بعضها محتفظًا بلغته القديمة إلى اليوم. ولم تقتصر الهجرات في المشرق على الشام والعراق، بل امتدت أيضًا إلى أنحاء الدول الفارسية التي دخلت في إطار الدول الإسلامية المنتصرة. فإذا كانت المصادر تشير إلى وجود جماعات عربية على الساحل الإيراني للخليج منذ العصر الجاهلي فإن عدد هذه الجماعات العربية زاد في صدر الإسلام بإطراد الهجرات زيادة ملحوظة. فقد هاجرت قبائل من عبد القيس كانت تقيم في منطقة ساحل عمان إلى إيران عن طريق الخليج، استقرت بعض هذه القبائل على الساحل

стр. 307

وتوغلت بعضها في الداخل، وظلوا هناك متميزين لغويًّا عدة قرون حتى العصر المغولي١. ودخلت موجات عربية أخرى إلى إيران عن طريق العراق. وقد تكونت جاليات عربية كبيرة في القرن الثاني الهجري في مناطق مختلفة من إيران. فقد كانت هناك جماعات عربية كثيرة العدد في كاشان وهمذان وأصفهان. بل وكان العنصر العربي سائدًا في منطقة "قم" ولكن أكبر تجمع عربي دخل إلى هذه المناطق استقر في منطقة خراسان، ففي منتصف القرن الأول الهجري هاجر عدة آلاف البصرة إلى خراسان، وعدة آلاف من الكوفة إلى خراسان أيضًا. وتتابعت الهجرات، وزادت نسبة العرب في خراسان، وما نكاد نصل إلى أوائل القرن الثاني الهجري حتى نجد عدد العرب في خراسان يقدر بمائتي ألف٢. لم يعش العرب في خراسان في المدن فحسب، بل عاش بعضهم في الريف الإيراني أيضًا، واختلطوا بصورة متزايدة مع السكان الأصليين. لقد كان العرب المهاجرون إلى هذه المناطق منتمين إلى قبائل مختلفة، ففيهم عرب من بكر ومن تميم ومن عبد القيس ومن الأزد٣، ولكن استقرار هؤلاء العرب في الريف الإيراني واختلاطهم المتزايد مع أبناء اللغات واللهجات الإيرانية خلق في هذه المناطق ظاهرتين متوازيتين عدة قرون، فقد تعلم كثير من

стр. 308

الإيرانيين اللغة العربية كما تعلم كثير من العرب لغة هؤلاء الإيرانيين. وقد كان أكثر العرب في جيش أبي مسلم الخراساني يتحدثون الفارسية. وزادت درجة انتشار الفارسية بين هؤلاء العرب بزيادة ارتباطهم بالمناطق التي عاشوا فيها وانفصالهم عن الارتباط القبلي بجزيرة العرب. لقد كانت هناك قبائل عربية في القرن الرابع الهجري في إيران، ولكن هذه القبائل ذابت شيئًا فشيئًا وأصبح أبناؤها من أبناء اللغة الفارسية، وما أن أصبحت اللغة الفارسية اللغة الرسمية في البلاد حتى قل تمسك هؤلاء العرب باللغة العربية، وبذلك لم يؤد تيار الهجرة العربية إلى إيران إلى النتيجة التي أحدثها تيار الهجرة العربية إلى الشام والعراق.

стр. 309

٢- العربية في العصر الأموي: وكان العرب يمثلون في ظل الحكم الأموي طبقة أرستقراطية مترفة، وهذه الطبقة تعتمد على أمرين يربطان أفرادها، أولهما: الأصل البدوي، والثاني: القدرة على التحدث بالعربية كأحد أبناء البادية. وفي ظل هذا المجتمع كانت الطبقات الدنيا والوسطى لا تزال مرتبطة إنْ قليلًا أو كثيرًا باللغات التي سادت المنطقة قبل الفتح الإسلامي، كانت القبطية لغة الطبقات الدنيا في المجتمع المصري وكانت اللهجات الآرامية تسود لدى معظم سكان الشام وبعض مناطق العراق، وكان المغرب العربي يستخدم عددًا من اللهجات البربرية. وفي شرق الدولة الإسلامية أي في أقاليم إيران والمناطق التي بعدها كانت لغات الحديث مجموعة من اللهجات الإيرانية. وفوق هذا وذاك فقد كانت العربية الجنوبية وهي لغة تختلف اختلافًا كبيرًا عن العربية الشمالية لا تزال سائدة في مناطق شاسعة في جنوب جزيرة العرب. ولذا فقد كان التحدث بالعربية دليلا على التفوق الاجتماعي، بينما كان استخدام اللغات أو اللهجات

стр. 310

الأخرى دليلًا على الضعة الاجتماعية١. في ظل هذه الظروف كان من الطبيعي أن يحرص سادة المجتمع على تنشئة أبنائهم في بيئة عربية بدوية حتى يستقيم لهم الانتظام في الطبقة الحاكمة وحتى يتضح تميزهم عن الطبقات الدنيا. والكتب العربية حافلة بروايات تروى لنا أن سادة المجتمع وأمراء البيت الأموي كانوا ينظرون نظرة فزع إلى أي خطأ لغوي يقع فيه أبناؤهم، وكانوا يحرصون كل الحرص على أن يستخدم أبناؤهم اللغة العربية وينطقون بها على النحو الذي يعرفه البدو الذين لم تفسد لغتهم بالاختلاط بالأعاجم٢. وأهم ما يلاحظ في تاريخ اللغة العربية ابتداء من الثلث الأخير من القرن الأول الهجري أنها أصبحت ذات مكانة مرموقة وطيدة في الدولة الإسلامية، وذلك لعدة أسباب أهمها أن: ١- العربية أصبحت اللغة الرسمية للدولة الإسلامية، فقد عربت الدواوين حوالي سنة ٨٧هـ/ ٧٠٥م. ٢- العربية كانت لغة الطبقات الحاكمة في المجتمع واستخدام الفصحى دليل على الرقي وعلى المكانة الاجتماعية. ٣- العربية المولدة أي التي بها أخطاء كانت لغات الطبقات الدنيا في المجتمع. ٤- العربية الفصحى ظلت لغة الشعر الذي تعتز به الطبقات العليا من المجتمع.

стр. 311

٥- العربية هي لغة الدين ولغة القرآن الكريم ولغة العبادات١. كان تعلم العربية هو أساس العمل في الدواوين وأقبل كثير من غير العرب على هذه الأعمال بعد تعلمهم للعربية وإجادتهم للكتابة بها، مما دفع أقرانهم إلى محاكاتهم، وكان ينظر طوال العصر الأموي إلى إجادة النطق بالعربية على أنها صفة من صفات الأرستقراطية العربية. ولذا كان سادة البيت الأموي يرسلون أبناءهم إلى البادية لينشئوا في جو عربي بدوي وحتى يدرجوا على استخدام العربية على النحو الذي كان معروفًا عند البدو. وكان سادة البيت الأموي يفزعون أشد الفزع عند ملاحظاتهم لبعض الأخطاء اللغوية عند الناشئة من أبنائهم فقد كانوا يعتزون بالعربية في صورتها البدوية اعتزازهم بأصلهم البدوي. وأقبل كثير من الأعاجم على العربية لا لمجرد التعبير بها تعبيرًا يفي بمطالب الحياة اليومية بل كي يرتفع في المجتمع. فزياد الأعجم -وهو كما يبدو من اسمه من أصل غير عربي– تعلم العربية لينطلق إلى التأليف في الشعر. وكان ينظم الشعر رغم أن نطقه مشوب بلكنة أجنبية، حتى إن أحد الولاة أهداه غلامًا سليم النطق ليقوم بإلقاء شعره٢. وقد كان شعره القديم على النمط القديم حتى إن سيبويه لم يجد غضاضة في الاستشهاد بأبيات من شعره، ويبدو أن ابن قتيبة حين ذكر أن زياد الأعجم كثير اللحن، كان يعني عدم قدرته على التعامل الشفوي بلغة عربية سليمة. حاولت الطبقات غير العربية في المجتمع الإسلامي تعلم اللغة العربية، فالعربية لغة القرآن الكريم ولغة الصلاة. وقد أدى دخول أكثر سكان المناطق المفتوحة في الإسلام إلى ظهور الرغبة لدى هؤلاء لدراسة القرآن الكريم لفهم أحكام الإسلام وللعمل في ضوئها، ولذا كان الاشتغال بنص القرآن الكريم

стр. 312

ومحاولة فهمه وتقريبه أول مظهر للبحث العلمي في المجتمع الإسلامي. وقد حدث الانتقال إلى العربية شيئًا فشيئًا، فالتحول اللغوي سواء في لغة الكتابة أم في لغة الحديث لا يحدث في جيل واحد بل يمتد إلى أكثر من جبل وتعتمد سرعة الانتقال أو التحول من لغة إلى أخرى على مجموعة من العوامل منها مدى القرابة بين اللغة القديمة واللغة الوافدة. ومن المعروف أن الانتقال من لغة سامية إلى لغة سامية أخرى أمر سهل ميسور، ولذا، فقد تعربت منطقة الشام والعراق في مرحلة مبكرة نسبيًّا، فقد كانت اللهجات الآرامية المختلفة الكثيرة عددًا والمتقاربة في بنيتها تسود هذه المنطقة. وهذه اللهجات قريبة من العربية في أكثر من جانب، وكان من السهل على المتحدث بالآرامية أن يتعلم العربية بينما لم يكن الانتقال من القبطية أو البربرية إلى العربية سهلا قريب المنال. ولذا تم تعريب مصر في فترة استمرت أطول من الفترة التي عربت فيها سوريا والعراق والجنوب العربي. وينبغي أن نشير إلى أن المناطق الجبلية تستعصي على التحول اللغوي والديني، ولذا فالمناطق غير السهلة في العراق لا تزال تحتفظ بلغات قديمة سبقت العربية في هذه المنطقة، وأكثر سكان هذه القرى غير العربية لم يدخلوا الدين الإسلامي. ويلاحظ أن القرى الآرامية في سوريا مثل المعلولة، وفي العراق مثل القوش تقع في مناطق جبلية وعرة. ويبدو أن تعريب المناطق الجبلية أو النائية في سوريا والعراق امتد وقتًا أطول من زمن تعريب المدن ومناطق السهول.

стр. 313

٣- الجاحظ وملاحظاته اللغوية: سجل الجاحظ إعجابه وإعجاب عصره بحديث الأعراب، يقول: "ليس في الأرض كلام هو أمتع، ولا آنق، ولا ألذ في الأسماع، ولا أشد اتصالا بالعقول السليمة، ولا أفتق للسان، ولا أجود تقديمًا للبيان، من طول استماع

стр. 314

حديث الأعراب الفصحاء العقلاء، والعلماء البلغاء"١. وهذا الكلام يعلن موقفًا عاما في القرن الثاني للهجرة. وقد لاحظ الجاحظ اختلاف لهجات الأمصار الجديدة، وعلل هذا تعليلًا علميًّا سليمًا، فقال بأن الاختلاف يرجع إلى لهجات القبائل الوافدة التي احتك بها واتصل بها السكان الأصليون في تلك المناطق. يقول الجاحظ: "وأهل الأمصار إنما يتكلمون على لغة النازلة فيهم من العرب، ولذلك تجد الاختلاف في ألفاظ أهل الكوفة والبصرة والشام ومصر"٢. فسكان البصرة يستخدمون كلمة "قدر" والجمع "قدور" لأن العرب الذين نزلوا البصرة كانوا يستخدمون الكلمتين، بينما يستعمل أهل مكة كلمة "برمة" والجمع "برام"٣. وسمى أهل مكة "البيت إذا كان فوق البيت عليَّة" وجمعها "علالِي"، بينما أطلق عليها أهل البصرة: "الغرفة"، والجمع: "الغرفات والغرف" ويستخدم أهل مكة كلمة "الكافور" بينما يتحدث أهل البصرة عن الطلع"٤. وفوق هذا وذاك فإن الجاحظ لاحظ انتشار الألفاظ الفارسية في المدينة والبصرة والكوفة. يقول: "ألا ترى أن أهل المدينة لما نزل فيهم أناس من الفرس، في قديم من الدهر علقوا بألفاظ من ألفاظهم. لذلك يسمون البطيخ "الخربز" ويسمون السميط "الرزدق" ويسمون المصوص "المزوز" ويسمون الشطرنج "الأشترنج"٥.... كما يسجل الجاحظ أيضا أن: أهل البصرة إذا التقت أربع طرق يسمونها مربعة، ويسميها أهل الكوفة الجهار سوك والجهارسوك بالفارسية، ويسمون السوق أو السويقة وازار، والوازار بالفارسية، ويسمون القثاء خيارا، والخيار فارسية"٦.

стр. 315

سجل الجاحظ بعض العبارات التي استخدمت في لغة الحديث اليومي بين الجيش العربي الفاتح وبين المتعاونين معه من الأمصار المفتوحة، وهذه العبارات على قلتها تعكس صورة من الحياة اللغوية في ذلك العصر، ورغم أنها ممسوخة إلا أنها طريفة. يحكى الجاحظ أن الحجاج قال لأحد تجار الدواب الخراسانيين الذين كانوا يبيعون الدواب للجيش الإسلامي: الحجاج: أتبيع الدواب المعيبة إلى جند السلطان؟ التاجر: شريكاننا في هوازها، وشريكاننا في مداينها، وكما تيجي تكون. الحجاج: ما تقول ويلك ... فقال بعض من كان قد اعتاد سماع الخطأ.... حتى صار يفهم مثل ذلك يقول: شركاؤنا بالأهواز والمدائن يبعثون إليها بهذه الدواب فنحن نبيعها على وجوهها١. يلاحظ في هذا النص أن الحجاج لم يفهم ما قاله التاجر الخراساني، وهذا أمر لا نستبعده، فمن درج على استخدام اللغة متحدثا وسامعًا وفق نسق معين لا يفهم نفس اللغة إذا استخدمت بطريقة مختلفة عما درج عليه ... اللهم إلا إذا كان لديه مران على فهم هذه اللغة الهجين المختلفة. وإذا نظرنا إلى الجملة التي قالها التاجر نلاحظ أنه استخدم كلمة "شريكاننا" بدلا من "شركاؤنا"، وبذلك لم يعرف المتحدث صيغة الجمع الصحيحة "شركاء"، وهي صيغة جمع تكسير. وجمع التكسير ذو صيغ متعددة في العربية، ولذا كان صعبًا عليه. ولكنه لم يجمع هذه الكلمة على نحو عربي، بل أضاف علامة الجمع في الفارسية "آن"، وبذلك نشأت هذه الصيغة الهجين، كلمة عربية ونهاية جمع فارسية. نلاحظ أيضًا في الجملة التي قالها التاجر استخدام النسبة إلى الأهواز بأن قال: "هوازها" على نحو لم تعرفه العربية، والجملة مختصرة اختصارًا شديدًا لا تكاد تمضي على

стр. 316

النسق الذي عرفته لغة الشعر الجاهلي والقرآن الكريم. سجل الجاحظ أيضا عبارة مشابهة، يقول الجاحظ: "وقلت لخادم لي: في أي صناعة أسلموا هذا الغلام؟ قال أصحاب سند نعال. يريد في أصحاب النعال السندية"١. نلاحظ هنا التعبير المركب "سند نعال" بدلا من التعبير العربي النعال السندية أو نعال السند، والعربية لا تعرف هذه التعبيرات المركبة وإنما تعبر عن هذا المعنى بالموصوف والصفة أوالمضاف والمضاف إليه. ولكن بعض اللغات الهندية الأوروبية، والفارسية لغة منها تعرف التعبيرات المركبة. وواضح أن مستخدم التعبير "سند نعال" متأثر بالأساس اللغوي الفارسي. ويلاحظ الجاحظ أن هذه العبارة الغريبة عن الذوق العربي لم تكن سهلة الفهم على من لم يعتد سماع مثل هذا ويمضي الجاحظ فيقول: "ومن لم يفهم هذا لم يفهم قولهم: ذهبت إلى أبو زيد، ورأيت أبي عمرو، ومتى وجد النحويون أعرابيًّا يفهم هذا وأشباهه بهرجوه ولم يسمعوا منه؛ لأن ذلك يدل على طول إقامته في الدار التي تفسد اللغة وتنقص البيان"٢. ومن الطريف أن نجد عند الجاحظ ملاحظات قيمة عن أثر الأساس اللغوي في نطق متعلمي العربية من الشعوب المفتوحة. يقول الجاحظ: "وقد يتكلم المغلاق الذي نشأ في سواد الكوفة بالعربية المعروفة، وقد يكون لفظة متخيرًا فاخرًا، ومعناه شريفًا كريمًا، ويعلم مع ذلك السامع من الكلام ومخارج حروفه أنه نبطي. وكذلك إذا تكلم الخراساني على هذه الصفة فإنك تعرف من إعرابه وتخير ألفاظه في مخرج كلامه أنه خراساني، وكذلك إن كان من كتاب الأهواز. ومع هذا فإنا نجد الحاكية من الناس من يحكي ألفاظ سكان اليمن مع مخارج كلامهم لا يغادر من ذلك شيئًا، وكذلك تكون حكايته للخراساني،

стр. 317

والأهوازي، والزنجي، والسندي، والأجناس وغير ذلك، نعم حتى تجده كنه أطبع منه"١. وفي موضع آخر يفصل الجاحظ بطريقة أدق ما لوحظ من أثر للأساس اللغوي الأجنبي فيقول: ألا ترى أن السندي إذا جلب كبيرًا فإنه لا يستطيع إلا أن يجعل الجيم زايًا، ولو أقام في عليا تميم، وسفلى قيس، وبين عجز هوزان خمسين عامًا. وكذلك النبطي القح خلاف المغلاق الذي نشأ في بلاد النبط، لأن النبطي القح يجعل الزاي سينًا، فإذا أراد أن يقول زروق قال سورق ويجعل العين همزة"٢. وفي مواضع أخرى يسجل الجاحظ أن أبا مسلم الخراساني لم يكن يستطيع النطق بالقاف، فكان يقول بدلا من: قلت كلت، ومن: قمر كمر٣، والملاحظ أن القاف من أصوات الإطباق التي لا تعرفها الفارسية، ولذا كانت صعبة النطق على فارسي يتعلم العربية، ويروي الجاحظ أن زيادًا الأعجم كان يجعل السين شينًا٤، ويفهم من هذا النص أنه لم يكن يميز بينهما تمييزًا واضحًا وكان زياد الأعجم لا ينطق الطاء كما ينبغي أن يكون، بل يجعلها تاء أي أنه لم يستطع نطق الطاء المطبقة وأبدلها بصوت غير مطبق، كما لاحظنا عند أبي مسلم الخراساني، وذكر الجاحظ أن بعض مواطني الدولة الإسلامية من غير العرب لم يكونوا يميزون تمييزًا واضحًا بين الدال والذال٥. ولا شك أن هؤلاء كانوا من بيئة لغوية لا تميز بين الدال والذال فالدال والذال في الآرامية مثلا صورتان صوتيتان لوحدة صوتية واحدة. ونظرًا لأن استخدام صورة

стр. 318

صوتية في أي لغة محل صورة صوتية أخرى لنفس الوحدة الصوتية لا يغير المعنى، فلم يكن المتحدث بالآرامية يجد فرقًا في المعنى بين استخدام الدال محل الذال أو الذال محل الدال. ويطلق الجاحظ على هذه الظاهرة ظاهرة عدم قدرة المستعربين على النطق بالأصوات العربية اسم: اللكنة، بضم اللام. يقول الجاحظ: "ويقال في لسانه لكنة إذا أدخل بعض حروف العجم في حروف العرب وجذبت لسانه العادة الأولى إلى المخرج الأول"١. فاصطلاح اللكنة محدد بهذا النوع من الخطأ في النطق، واللكنة أثر مباشر للأساس اللغوي وكل الأصوات العربية التي لم تعرفها لغات الأساس اللغوي تشكل نوعًا من الصعوبة وتنطق بلكنة. ينبغي أن نقف قليلًا عند المصطلحات الأخرى المعبرة عن العجز في الأداء النطقي عند الجاحظ. أهم هذه المصطلحات الحبسة والحكلة واللثغة، وكلها بوزن فُعْلَة، بضم الفاء. يقول الجاحظ: ويقال في لسانه حُبْسَة إذا كان الكلام يثقل عليه ولم يبلغ حد الفأفاء والتمتام.... وإذا قالوا في لسانه حكلة فإنما يذهبون إلى نقصان آلة المنطق"٢. ويعني الجاحظ بكل من الحبسة والحكلة عيبين من عيوب النطق على المستوى الفردي، وينبغي أن نذكر أن كليهما مرتبط بالظروف الخاصة للفرد ويخرج عن نطاق البحث في اللغة كنظام إلى البحث في اللغة كظاهرة نفسية، أي أن دراسة اللكنة والحبسة ليست من البحث في اللغة كظاهرة نفسية، أي أن دراسة اللكنة والحبسة ليست من البحث في علم اللغة بل هما من علم النفس اللغوي وعلم الأصوات العلاجي. فعلم اللغة يعني باللغة كظاهرة اجتماعية، ولا يهتم بالاختلافات الفردية إلا إذا أصبحت سارية المفعول في المجتمع. معنى الحبسة عند الجاحظ عدم السلاسة في النطق، ومعنى الحكلة عدم اكتمال العادات الصوتية وعدم قدرة الجهاز الصوتي، أو كما يقول الجاحظ "نقصان آلة المنطق" عن النطق الواضح المبين.

стр. 319

٤- العربية بين البداوة والحضارة: كانت لغة البدو لا تزال حتى القرن الثاني من الهجرة موضع إعجاب، وكان البدو حجة في أمور اللغة، وكان إليهم المرجع إذا اختلفت النحاة، وكثيرًا ما اختلفوا، فعرفت مجتمعات العراق عددًا من البدو الوافدين المعتمدين على ثقة المجتمع في صحة لغتهم، جاء هؤلاء واستقروا على مقربة من المدن يبيعون الغريب لكل نحوي يلجأ إليهم وكل لغوي ينشدهم مادة لكتاب أو لرسالة. وعندما اختلف سيبويه مع الكسائي في مدى صحة التعبيرين: "فإذا هو إياها" أو "فإذا هو هي" احتكما إلى البدو ليجدا عندهم الخبر اليقين١. ويفسر البعض اختلاف الضوابط البصرية في النحو عما قال به الكوفيون بأن هذا يرجع لاختلاف لهجات البدو الذين أخذ عنهم كل فريق. ومن المعروف أن النحاة العرب لم يحاولوا توزيع الظواهر اللغوية واقعيًّا بأن يقرروا لكل قبيلة ما عندها من أصوات وأبنية، بل نظروا إلى كل هذا بمعيار الصحة والخطأ، واعتبروا البدو حجة لا يرقى إليها الشك. وكان ينظر إليه كل اختلاف بين اللهجات بمقياس الصحة والخطأ وبهدف المفاضلة بين الصور اللغوية إن كانت كلها بدوية، بأن يقال هذا فصيح وهذا أفصح. كان الأمويون مرتبطين بالبادية مؤمنين بتنشئة الأبناء في بيئة لغوية بدوية، ولكن العباسيين آمنوا بضرورة إجادة الأبناء للعربية، غير أنهم لم يكونوا

стр. 320

مرتبطين فكريًّا أو عاطفيًّا بالمجتمع البدوي، وأرادوا لأبنائهم حياة رغدة في قصور بغداد ومعرفة جيدة بالعربية، ولهذا ظهر الأعراب في قصور السادة الجدد يعلمون اللغة، وهكذا اختلفت الصورة، قديمًا كان الأبناء يرسلون إلى البادية، وفي القرن الثاني كان الأعراب يفدون إلى القصور يعلمون اللغة. ويبدو أن المثقفين في القرن الثاني من الهجرة كانوا يحاولون استخدام العربية الفصحى في حديثهم ولم يقصروها على الكتابة، وهناك مجموعة من الأخبار تروي أن حمادًا الراوية "كان يكذب ويلحن ويكسر" أو أنه "لحنه لحانة". ويروى عن حماد أنه قال عن نفسه: "إني رجل أكلم العامة فأتكلم بكلامها". ويرى البعض أن هذه الاتهام إنما نشأ من التأثر بالخصومة التي كانت بين حماد وبين غيره من الرواة١. كما يروى أن الفراء، وهو نحوي كوفي، لحن مرة بمحضر هارون واعتذر قائلا بأن اللحن عند سكان المدن كالأعراب عند أهل البادية. وإذا نظرنا إلى طبيعة الأخطاء التي تنسب إلى المثقفين في القرن الثاني لاحظنا أنها تتناول الخلط بين الحالات الإعرابية، كأن يقول أحدهم: "أن نقم" بالجزم بدلا من "أن نقوم" بالنصب، أو أن يستخدم متحدث حالة النصب بعد حرف جر كان يقول "بخيرا" وكأنه يقول "خيرا"، أو أن يخلط المتحدث بين صيغ الممدود وصيغ المقصور كأن يقول "قفاء" بدلا من "قفا"٢. وهذه الأمثلة نادرة ولكنها تعكس أمرًا مأخوذًا من لغة الحديث اليومي، لا لغة الكتابة. وندرة هذه الأمثلة دليل على أن لغة الحديث عند مثقفي القرن الثاني كانت هي الفصحى أو أنهم حاولوا استخدام الفصحى، ولو كان
следующие страницы →