← Язык

Язык · id 11299

علم اللغة العربية

د. محمود فهمى حجازى

Полный текст (455 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

النسق الذي عرفته لغة الشعر الجاهلي والقرآن الكريم. سجل الجاحظ أيضا عبارة مشابهة، يقول الجاحظ: "وقلت لخادم لي: في أي صناعة أسلموا هذا الغلام؟ قال أصحاب سند نعال. يريد في أصحاب النعال السندية"١. نلاحظ هنا التعبير المركب "سند نعال" بدلا من التعبير العربي النعال السندية أو نعال السند، والعربية لا تعرف هذه التعبيرات المركبة وإنما تعبر عن هذا المعنى بالموصوف والصفة أوالمضاف والمضاف إليه. ولكن بعض اللغات الهندية الأوروبية، والفارسية لغة منها تعرف التعبيرات المركبة. وواضح أن مستخدم التعبير "سند نعال" متأثر بالأساس اللغوي الفارسي. ويلاحظ الجاحظ أن هذه العبارة الغريبة عن الذوق العربي لم تكن سهلة الفهم على من لم يعتد سماع مثل هذا ويمضي الجاحظ فيقول: "ومن لم يفهم هذا لم يفهم قولهم: ذهبت إلى أبو زيد، ورأيت أبي عمرو، ومتى وجد النحويون أعرابيًّا يفهم هذا وأشباهه بهرجوه ولم يسمعوا منه؛ لأن ذلك يدل على طول إقامته في الدار التي تفسد اللغة وتنقص البيان"٢. ومن الطريف أن نجد عند الجاحظ ملاحظات قيمة عن أثر الأساس اللغوي في نطق متعلمي العربية من الشعوب المفتوحة. يقول الجاحظ: "وقد يتكلم المغلاق الذي نشأ في سواد الكوفة بالعربية المعروفة، وقد يكون لفظة متخيرًا فاخرًا، ومعناه شريفًا كريمًا، ويعلم مع ذلك السامع من الكلام ومخارج حروفه أنه نبطي. وكذلك إذا تكلم الخراساني على هذه الصفة فإنك تعرف من إعرابه وتخير ألفاظه في مخرج كلامه أنه خراساني، وكذلك إن كان من كتاب الأهواز. ومع هذا فإنا نجد الحاكية من الناس من يحكي ألفاظ سكان اليمن مع مخارج كلامهم لا يغادر من ذلك شيئًا، وكذلك تكون حكايته للخراساني،

стр. 317

والأهوازي، والزنجي، والسندي، والأجناس وغير ذلك، نعم حتى تجده كنه أطبع منه"١. وفي موضع آخر يفصل الجاحظ بطريقة أدق ما لوحظ من أثر للأساس اللغوي الأجنبي فيقول: ألا ترى أن السندي إذا جلب كبيرًا فإنه لا يستطيع إلا أن يجعل الجيم زايًا، ولو أقام في عليا تميم، وسفلى قيس، وبين عجز هوزان خمسين عامًا. وكذلك النبطي القح خلاف المغلاق الذي نشأ في بلاد النبط، لأن النبطي القح يجعل الزاي سينًا، فإذا أراد أن يقول زروق قال سورق ويجعل العين همزة"٢. وفي مواضع أخرى يسجل الجاحظ أن أبا مسلم الخراساني لم يكن يستطيع النطق بالقاف، فكان يقول بدلا من: قلت كلت، ومن: قمر كمر٣، والملاحظ أن القاف من أصوات الإطباق التي لا تعرفها الفارسية، ولذا كانت صعبة النطق على فارسي يتعلم العربية، ويروي الجاحظ أن زيادًا الأعجم كان يجعل السين شينًا٤، ويفهم من هذا النص أنه لم يكن يميز بينهما تمييزًا واضحًا وكان زياد الأعجم لا ينطق الطاء كما ينبغي أن يكون، بل يجعلها تاء أي أنه لم يستطع نطق الطاء المطبقة وأبدلها بصوت غير مطبق، كما لاحظنا عند أبي مسلم الخراساني، وذكر الجاحظ أن بعض مواطني الدولة الإسلامية من غير العرب لم يكونوا يميزون تمييزًا واضحًا بين الدال والذال٥. ولا شك أن هؤلاء كانوا من بيئة لغوية لا تميز بين الدال والذال فالدال والذال في الآرامية مثلا صورتان صوتيتان لوحدة صوتية واحدة. ونظرًا لأن استخدام صورة

стр. 318

صوتية في أي لغة محل صورة صوتية أخرى لنفس الوحدة الصوتية لا يغير المعنى، فلم يكن المتحدث بالآرامية يجد فرقًا في المعنى بين استخدام الدال محل الذال أو الذال محل الدال. ويطلق الجاحظ على هذه الظاهرة ظاهرة عدم قدرة المستعربين على النطق بالأصوات العربية اسم: اللكنة، بضم اللام. يقول الجاحظ: "ويقال في لسانه لكنة إذا أدخل بعض حروف العجم في حروف العرب وجذبت لسانه العادة الأولى إلى المخرج الأول"١. فاصطلاح اللكنة محدد بهذا النوع من الخطأ في النطق، واللكنة أثر مباشر للأساس اللغوي وكل الأصوات العربية التي لم تعرفها لغات الأساس اللغوي تشكل نوعًا من الصعوبة وتنطق بلكنة. ينبغي أن نقف قليلًا عند المصطلحات الأخرى المعبرة عن العجز في الأداء النطقي عند الجاحظ. أهم هذه المصطلحات الحبسة والحكلة واللثغة، وكلها بوزن فُعْلَة، بضم الفاء. يقول الجاحظ: ويقال في لسانه حُبْسَة إذا كان الكلام يثقل عليه ولم يبلغ حد الفأفاء والتمتام.... وإذا قالوا في لسانه حكلة فإنما يذهبون إلى نقصان آلة المنطق"٢. ويعني الجاحظ بكل من الحبسة والحكلة عيبين من عيوب النطق على المستوى الفردي، وينبغي أن نذكر أن كليهما مرتبط بالظروف الخاصة للفرد ويخرج عن نطاق البحث في اللغة كنظام إلى البحث في اللغة كظاهرة نفسية، أي أن دراسة اللكنة والحبسة ليست من البحث في اللغة كظاهرة نفسية، أي أن دراسة اللكنة والحبسة ليست من البحث في علم اللغة بل هما من علم النفس اللغوي وعلم الأصوات العلاجي. فعلم اللغة يعني باللغة كظاهرة اجتماعية، ولا يهتم بالاختلافات الفردية إلا إذا أصبحت سارية المفعول في المجتمع. معنى الحبسة عند الجاحظ عدم السلاسة في النطق، ومعنى الحكلة عدم اكتمال العادات الصوتية وعدم قدرة الجهاز الصوتي، أو كما يقول الجاحظ "نقصان آلة المنطق" عن النطق الواضح المبين.

стр. 319

٤- العربية بين البداوة والحضارة: كانت لغة البدو لا تزال حتى القرن الثاني من الهجرة موضع إعجاب، وكان البدو حجة في أمور اللغة، وكان إليهم المرجع إذا اختلفت النحاة، وكثيرًا ما اختلفوا، فعرفت مجتمعات العراق عددًا من البدو الوافدين المعتمدين على ثقة المجتمع في صحة لغتهم، جاء هؤلاء واستقروا على مقربة من المدن يبيعون الغريب لكل نحوي يلجأ إليهم وكل لغوي ينشدهم مادة لكتاب أو لرسالة. وعندما اختلف سيبويه مع الكسائي في مدى صحة التعبيرين: "فإذا هو إياها" أو "فإذا هو هي" احتكما إلى البدو ليجدا عندهم الخبر اليقين١. ويفسر البعض اختلاف الضوابط البصرية في النحو عما قال به الكوفيون بأن هذا يرجع لاختلاف لهجات البدو الذين أخذ عنهم كل فريق. ومن المعروف أن النحاة العرب لم يحاولوا توزيع الظواهر اللغوية واقعيًّا بأن يقرروا لكل قبيلة ما عندها من أصوات وأبنية، بل نظروا إلى كل هذا بمعيار الصحة والخطأ، واعتبروا البدو حجة لا يرقى إليها الشك. وكان ينظر إليه كل اختلاف بين اللهجات بمقياس الصحة والخطأ وبهدف المفاضلة بين الصور اللغوية إن كانت كلها بدوية، بأن يقال هذا فصيح وهذا أفصح. كان الأمويون مرتبطين بالبادية مؤمنين بتنشئة الأبناء في بيئة لغوية بدوية، ولكن العباسيين آمنوا بضرورة إجادة الأبناء للعربية، غير أنهم لم يكونوا

стр. 320

مرتبطين فكريًّا أو عاطفيًّا بالمجتمع البدوي، وأرادوا لأبنائهم حياة رغدة في قصور بغداد ومعرفة جيدة بالعربية، ولهذا ظهر الأعراب في قصور السادة الجدد يعلمون اللغة، وهكذا اختلفت الصورة، قديمًا كان الأبناء يرسلون إلى البادية، وفي القرن الثاني كان الأعراب يفدون إلى القصور يعلمون اللغة. ويبدو أن المثقفين في القرن الثاني من الهجرة كانوا يحاولون استخدام العربية الفصحى في حديثهم ولم يقصروها على الكتابة، وهناك مجموعة من الأخبار تروي أن حمادًا الراوية "كان يكذب ويلحن ويكسر" أو أنه "لحنه لحانة". ويروى عن حماد أنه قال عن نفسه: "إني رجل أكلم العامة فأتكلم بكلامها". ويرى البعض أن هذه الاتهام إنما نشأ من التأثر بالخصومة التي كانت بين حماد وبين غيره من الرواة١. كما يروى أن الفراء، وهو نحوي كوفي، لحن مرة بمحضر هارون واعتذر قائلا بأن اللحن عند سكان المدن كالأعراب عند أهل البادية. وإذا نظرنا إلى طبيعة الأخطاء التي تنسب إلى المثقفين في القرن الثاني لاحظنا أنها تتناول الخلط بين الحالات الإعرابية، كأن يقول أحدهم: "أن نقم" بالجزم بدلا من "أن نقوم" بالنصب، أو أن يستخدم متحدث حالة النصب بعد حرف جر كان يقول "بخيرا" وكأنه يقول "خيرا"، أو أن يخلط المتحدث بين صيغ الممدود وصيغ المقصور كأن يقول "قفاء" بدلا من "قفا"٢. وهذه الأمثلة نادرة ولكنها تعكس أمرًا مأخوذًا من لغة الحديث اليومي، لا لغة الكتابة. وندرة هذه الأمثلة دليل على أن لغة الحديث عند مثقفي القرن الثاني كانت هي الفصحى أو أنهم حاولوا استخدام الفصحى، ولو كان

стр. 321

حديثهم باللهجات المحلية لما لوحظت هذه الأخطاء. كانت لغة المثقفين هي الفصحى، بينما كانت اللهجات المحلية المختلفة وسيلة التفاهم عند السواد الأعظم من سكان الدولة الإسلامية. على أن محاولة الابتعاد عن اللهجات المحلية وتوهم الاختلاف الشاسع بين الفصحى واللهجات المحلية في غير أماكن هذا الاختلاف دفع إلى عدد من الأخطاء وإلى خروج على ضوابط البنية اللغوية الفصحى. فالقارئ نافع يجمع كلمة "معيشة" على معائش" بينما الصيغة القياسية "معايش"، لأن الأخيرة لا تعرف الهمز١. والهمز من الظواهر التي تميز العربية الفصحى عن بعض اللهجات القديمة، فأراد نافع أن يجعل الكلمة فصيحة فأضاف إليها الهمزة في غير موضع لها. فقد اعتقد أن المفرد "معيشة" على وزن "فعيلة" دون أن يعلم بأن الميم هنا ليست من أصل الكلمة، وجمع فعيلة فعائل، مثل: كريمة كرائم، ولكن معيشة هي في واقع اللغة بوزن مفعلة الذي يجمع على مفاعل، فتكون صيغة الجمع القياسية معايش بلا همزة، ولكن هذا لم يدر في ذهن من جمع معيشة على معائش لأنه يعتقد أن الهمزة تكسب الكلمة طابعا فصيحا، فأضافها في غير موضعها، ويطلق على هذه الظاهرة اسم Overcorrectness، أي المبالغة في تقليد الفصحاء أو التفاصح. ودفع الإعجاب بلغة البدو إلى محاولتهم إظهار اختلافهم في النطق عن أهل الحضر، فكانوا يتشدقون أو يتشادقون وكانوا يحتفلون بالغريب ويهتمون به غاية الاهتمام، ولذا نجد في كتب اللغويين اهتمامًا بالغريب، أي بالألفاظ الغريبة النادرة، وحاول بعض البدو إرضاء رغبة اللغويين في استخدام الغريب وولعهم به. وفي هذا الإطار اخترعت بعض الشخصيات الأسطورية ونسبوا لها بعض الأقاصيص٢. يروى عن أبي علقمة أنه كان نحويًّا، ولا تذكر كتب

стр. 322

الطبقات أي شيء عنه، أو عن تلاميذه، أو عن مؤلفاته، أو عن آرائه. إنها لا تذكر أي شيء إلا أنه كان مريضًا، وذهب للطبيب فأخبره بعبارات غريبة لا تفهم، فرد عليه الطبيب بعبارات لا تقل غموضًا، وعندما رد أبو علقمة قائلا للطبيب: لم أفهم ما قلت، قال الطبيب: وهل فهمت أنا ما قلت!. وهناك رواية أخرى عن عبارات تنسب لأبي علقمة هي عبارات اخترعت اختراعًا، ولكنها تعبر عن روح العصر. كان هذا في إطار ولعهم بالغريب والألفاظ النادرة البدوية، وتعبيرًا عن روح العصر في تمجيده للحياة البدوية. دخلت العربية في العصر الأموي مجالًا جديدًا هو مجال التأليف، فإذا نظرنا في التراث العربي قبل ذلك العصر لاحظنا أن يتركز في الشعر القديم والأمثال. يضاف إلى هذا أن القرآن الكريم بالعربية. لم يعرف المجتمع التأليف بالعربية واستخدامها كلغة كتابة إلا في العصر الأموي. وكان ابن المقفع المتوفى سنة ١٤٢هـ من أوائل من استخدم العربية لغة كتابة. وقد ترجم من البهلوية إلى العربية مجموعة من الكتب منها "خداي نامة" أي "أخبار الملوك"، كما ترجم أيضا كتاب: "كليلة ودمنة"١، وبذا دخلت العربية إلى مستوى جديد من مستويات الاستخدام اللغوي، فلم تعد العربية لغة الشعر فقط بل أصبحت أيضا لغة التأليف والثقافة. فكان على كل من يعيش في الدولة الإسلامية ويرغب في الإسهام بالتأليف أو بالترجمة أن يتعلم العربية ليترجم إليها أو يكتب بها أو يفهم المأثور الذي كتب بها. ولا شك أن استخدام العربية في مستويات جديدة دفع إلى تجديدات لغوية بعيدة المدى، فسيبويه يتحدث عن "الاسم" و"الفعل" و"الحرف" كاصطلاحات ذات معنى محدد، وشتان بين المعنى القديم لهذه المفردات في لغة البادية اليومية وبين المعنى الاصطلاحي المحدد، فسيبويه خلع على هذه الكلمات مدلولا علميًّا. وهو حين تحدث عن "الهمس" و"الجهر" و"المخارج" ابتكر اصطلاحات استقاها وانتقاها من لغة الحديث، واستخدمها كاصطلاحات.

стр. 323

علمية، محددًا معناها تحديدًا يتفق وطبيعة الاصطلاح العلمي. وعندما اكتشف الخليل أوزان الشعر العربي وضع لهذه الأوزان أسماء لم تكن تخطر للشعراء على بال، لقد أخذ اصطلاحات "الطويل" و"الخفيف" و"البسيط" و"الكامل" ... إلخ، من لغة الحياة العامة، واستخدمها بدلالة جديدة. وفي كل فروع المعرفة نجد ظهور اصطلاحات علمية مع ظهور العلم نفسه. ومن الطريف ما لاحظة الجاحظ بشأن المصطلحات التي استدعت وجودها العلوم المختلفة التي جدت في العصر العباسي، فلاحظ أن المتكلمين "اشتقوا منك كلام العرب تلك الأسماء، وهم اصطلحوا على تسمية ما لم يكن له في لغة العرب اسم، فصاروا في ذلك سلفًا لكل خلف وقدوة لكل تابع. ولذلك قالوا العرض والجوهر وأيس وليس، وفرقوا بين البطلان والتلاشي وذكروا الهذية والهوية وأشباه ذلك، كما وضع الخليل بن أحمد لأوزان القصيد وقصار الأرجاز ألقابًا ولم تكن العرب تتعارف تلك الأعاريض بتلك الألقاب وتلك الأوزان بتلك الأسماء، كما ذكر الطويل والبسيط والمديد والوافر والكامل وأشباه ذلك، كما ذكر الأوتاد والأسباب والخرم والزحاف ... وكما سمى النحويون فذكروا الحال والظرف وما أشبه ذلك ... وأصحاب الحساب قد اجتلبوا أسماء وجعلوها علامة للتفاهم"١. فالجاحظ لاحظ وضع هذه الأسماء كمصطلحات علمية، وهذه الكلمات إما جديدة في الصياغة مثل الماهية أو ذات معنى اصطلاحي جديد مثل البسيط والكامل. وهكذا دخلت العربية عصر الثقافة الإسلامية، كانت لغة بعض القبائل البدوية في شمال جزيرة العرب فصارت لغة الدولة الإسلامية من إيران إلى الأندلس ومن الشام إلى اليمن، وكانت لغة الحياة اليومية البسيطة فأصبحت لغة العلوم وأداة حضارة راقية. عندما كانت العربية لغة بعض القبائل البدوية في شمال ووسط جزيرة

стр. 324

العرب كانت اللغة تعيش دون موقف مدرسي أو تقنين نظري، كانت في مرحلتها البدوية المتأثرة بما تتأثر به الحياة اللغوية، من مؤثرات غير مدرسية. لم يكن هناك موقف مدرسي أو ديني تجاه اللغة، ولكن خروج القبائل مع الجيوش الإسلامية داعية معربة الأقاليم المفتوحة أحدث تغيرًا لغويًّا، وظهرت عند المستعربين ظواهر جديدة أزعجت الحس اللغوي لمن كان قد أعجب بالعربية البدوية ومن وجد في لغة القرآن الكريم اللغة المثلى والنموذج الممتاز للتعبير اللغوي. خرج اللغويون لجمع اللغة من القبائل التي أعجب العصر بفصاحتها، ورفضوا أخذ اللغة وتعلمها عن باقي القبائل، ومعنى هذا أن تعلم اللغة الفصحى متاح لمن أراد إذا اتجه هادفًا لذلك نحو بعض القبائل. كان مجتمع الشام والعراق يريد العربية، ولكن إعجابه بالبداوة وبحياة البادية قل مع الأجيال التي لم تعرف حياة البادية، لقد أرادوا العربية وحياة الحضارة. وما أن بدأت حركة التأليف العلمي في النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة حتى بدأ التأليف أيضًا في تعليم اللغة العربية. فقد ظهرت الرسائل اللغوية التعليمية الأولى في ذلك الوقت، وكتبت رسالة صغيرة في "لحن العامة" تنسب للغوي الكوفي الكسائي١. يضم هذا الكتيب مجموعة من المفردات التي شاعت في القرن الثاني في صورة رفضها اللغويون لمخالفتها للمأثور عن لغة فصحاء البادية. فالمؤلف يعتبر صيغة فعلول بفتح الفاء مثل عصفور برغوت صيغة فاسدة، لأن المأثور عن لغة فصحاء البادية وزن فعلول بضم الفاء لا بفتحها. أكد الكسائي أيضًا أن وزن فعيل يستخدم للمؤنث دون تاء التأنيث، وأن إضافة التاء خطأ. والكتاب يعكس بهذه الملاحظات الصورة المضادة للاستخدام اللغوي كما عرفه القرن الثاني للهجرة. ونحن لا ننظر نظرة الكسائي بأن نحكم عليها بالخطأ أو بالصواب، بل نحاول أن ننظر إليها كجزء من واقع لغوي عرفه القرن الثاني للهجرة.

стр. 325

أراد الكسائي أن يعلم برسالته في "لحن العامة" الاستخدام اللغوي الصحيح، وهذا ما أراده ثعلب أيضًا بكتابه "الفصيح"١. ويعد ثعلب أهم نحوي ولغوي عرفته مدرسة الكوفة في القرن الثالث للهجرة، وقد ألف عدة كتب منها كتاب "الفصيح" الذي يسمى كثيرًا باسم "فصيح ثعلب"، ذكر ثعلب فيه الألفاظ الفصيحة التي يود تقديمها لمن أراد تعلم اللغة الفصحى في صورتها المأثورة القديمة البدوية. أما ابن قتيبة وهو مؤلف آخر من القرن الثالث الهجري فله كتاب بعنوان "أدب الكاتب"، خصص المؤلف فيه فصلا عن اللغة وذكر فيه بعض إرشادات تعليمية تعين على استخدام اللغة الفصحى في صورتها المأثورة٢. وظهور هذه المؤلفات يعكس أمرًا جديدًا، فلم تعد اللغة تتعلم سماعًا، وإنما أصبحت تؤخذ عن طريق الكتب، وفي هذا تحول جديد بدأ مع أواخر القرن الثاني، واستمر في القرون التالية. وهكذا تغيرت الصورة، فأصبحت اللغة العربية مادة تعليمية تؤلف فيها الكتب.

стр. 326

٥- العربية في القرن الرابع: وفي القرن الرابع الهجري كانت العربية تؤخذ تعلما من الكتب لا بمخالطة الأعراب، ولذا فقد ظهرت مجموعة من الكتب منها كتاب قدامة بن جعفر: "جواهر الألفاظ"، وكتاب "الألفاظ" لابن السكيت، وكتاب عبد الرحمن الهمذاني: "الألفاظ الكتابية"، وكلها كتب تعليمية من القرن الرابع الهجري. ولنقف قليلا عند مقدمة الكتاب الأخير لنجد المؤلف يقول: "..... ووجدت من المتأخرين في الآلة قومًا أخطأهم الاتساع في الكلام، فهم

стр. 327

متعلقون في مخاطباتهم وكتبهم باللفظة الغريبة والحرف الشاذ، ليتميزوا بذلك من العامة ويرتفعوا عن الأغبياء عن طبقة الحشو.... فجمعت في كتابي هذا لجميع الطبقات أجناسًا من ألفاظ كتاب الرسائل والدواوين والبعيدة من الاشتباه والالتباس، السليمة من التقعير، المحمولة على الاستعارة والتلويح على مذاهب الكتاب وأهل الخطابة، دون مذاهب المتشدقين والمتفاصحين،.... ولا غنى بالكاتب البليغ ولا الشاعر المفلق ولا الخطيب المصقع عن الاقتداء بالأولين والاقتباس من المتقدمين١.... ويبدو من مضمون هذا الكتاب أنه تعليمي انتقائي وأن المؤلف يعتبر اللغة العربية مما ينبغي أخذه تعلمًا، واللغة العربية هنا هي لغة الكتابة التي تبعد عن التشادق والغريب وترتفع عن الكلام العامي. فلم تعد محاكاة البدو في تشادقهم أمرًا محمودًا، ولم يعد الاختلاط بهم وسيلة تعلم اللغة. فالهمذاني يرى أن قراءة كتب تعليم اللغة هي الطريق إلى استخدام العربية في الكتابة، وها هو يقدم مجموعة من التعبيرات المختلفة في كل موضوع، فهو يذكر في معنى "صلح الشيء" ما يأتي: "وإذا صلح الفاسد قلت استقام المائل، وانشعب الصدع، وانجبر الوهي، وانحسم الداء، ارتفق الفتق، واعتدل الميل، واندمل الكلم". وعلى هذا النحو ذكر الهمذاني في كل باب التعبيرات المختلفة، وقد اعتمد الهمذاني في انتقائه مادته من البدو وإنما هي "متخيرة من بطون الدفاتر، ومصنفات العلماء"٢. وهذا تعبير عن موقف جديد، فاللغة العربية أصبحت لغة كتابة، وأصبحت تطويرها مرتبطًا باستخدامها على المستوى الإداري والثقافي، ولم تعد لغة بعض القبائل هي الفيصل، لم يذكر الهمذاني الأعراب الفصحاء كما كان لغويو القرن الثاني يذكرونهم في فخر واعتزاز.

стр. 328

فقدت لغة البدو في القرن الرابع الهجري قيمتها كمثل أعلى للاستخدام اللغوي، وقد خصص اللغوي ابن جني فصلا في كتابه الخصائص بعنوان "أغلاط الأعراب"١. وعقد فصل بهذا العنوان في كتاب من كتب اللغة معناه أن نظرة القرن الرابع تختلف عن موقف اللغويين الأوائل في القرن الثاني. فعندما اختلف الكسائي وسيبويه في صحة العبارة "فإذا هو هي" أو "فإذا هو إياها". أي: هل يعتبر الضمير الثاني في حالة الرفع أم في حالة النصب؟ كان البدو هم الحكم في القضية. ورغم اختلاف الروايات في هذه القصة إلا أنها تجمع على أن البدو كان الحكم في هذه القضية، وشتان هذا الموقف وموقف ابن جني الذي يجعل نفسه حكمًا يفصل في مدى الصحة اللغوية للغة البدو، ويقضي بأن بعض ما عندهم ليس صحيحًا. وهذا الموقف الجديد يرجع إلى مجموعة من العوامل، أهمها أن العربية في القرن الرابع الهجري كانت قد استقرت كلغة للثقافة. واستدعى هذا بالضرورة معجمًا متنوعًا جديدًا، فلم تعد لغة البدو بمعجمها البدوي وأفقها الصحراوي كافية للتعبير عن الثقافة العربية الإسلامية الراقية. لم يعد من الممكن أن تكتفي لغة الثقافة بالمعجم البدوي، فماذا يفعل الفيلسوف أو المنطقي أو عالم الرياضيات بمائة اسم للجمل أو مائتي اسم للأسد. إن اللغة العربية في القرن الرابع الهجري كانت قد استقرت لغة للثقافة، وأصبحت لغة كتابة تنمو على المستوى الثقافي، فظهرت المصطلحات والتعبيرات المختلفة، ولم يعد مثقفو القرن الرابع الهجري يلوذون بالبادية بحثا عن الغريب، بل كانوا يشتقون المصطلحات والتعبيرات المعبرة عن فكرهم وتخصصهم. ولكن الشعر ظل داخل الضوابط اللغوية القديمة أو على الأقل حاول الشعراء أن يلزموا الخصائص اللغوية للشعر القديم، كما قننها النحاة المبكرون.

стр. 329

اعتبر اللغويون أي خروج على الضوابط القديمة غير جائز في لغة الشعر، وحاول الشعراء دراسة النحو، ومنهم من تعمق هذه الدراسة وأظهر ذلك عن عمد في شعره. آمن شعراء العربية الفصحة بأن اللغة القديمة أي اللغة التي سجلها النحاة هي المثل الأعلى، فكل الصيغ التي جاءت من عصور الاحتجاج صحيحة وجديرة بالاحتذاء، ومنها صيغ نادرة جاءت في أبيات مفردة فقدت قصائدها وسجلها النحاة. وهناك عدد من الصيغ اعترف الكوفيون وحدهم بصحتها، ولم يعرفها أو يعترف بصحتها البصريون. وهنا ظهرت أهمية الثقافة اللغوية والإعداد النحوي للشاعر، والمتنبي من أوضح الأمثلة على هذا. فقد حاول أن يظهر في شعره براعته اللغوية، وكأنه كان يستعرض معرفته بالمعجم القديم وهو يتفاصح بالنادر والغريب، ويثير ثائرة النحاة ليثبت بعد ذلك صحة ما قال من الناحية اللغوية. استخدم المتنبي صيغة الجمع "آخاء" جمعًا لكلمة "أخ" لأنه عرف أن هذه الكلمة استخدمت في بيت من الشعر القديم١. وقد أثار المتنبي غضب أنصار المذهب البصري ليثبت لهم بعد هذا أنه على صواب، أي: سداس، متحديًّا بذلك ضوابط النحاة إذ إنهم أجازوا وزن فعال من العدد واحد إلى العدد أربعة، ورفضوا قياس هذا الوزن من الأعداد الأخرى٢. وكان المتنبي يعلم أن بعض اللهجات القديمة استخدمت كلمة "التوراب" بدلا من كلمة التراب، ولذا استخدم هذه الكلمة النادرة٣. ولهذا كله فقد اهتم به اللغويون، ولا نعلم شاعرًا عربيًّا في عصر المتنبي أو بعد عصره أثار انتباه اللغويين مثله. فقد كثرت الشروح اللغوية على ديوان المتنبي. ومن هذه الشروح: شرح العكبري، وشروح ابن جني، وشرح المعربي، وشرح التبريزي، وهكذا اهتم المتنبي بالصيغ القديمة النادرة، فأثار اللغويون واهتموا به.

стр. 330

٦- الهمداني والحياة اللغوية في القرن الرابع الهجري: وصف الهمداني "ت ٣٣٤" الحياة اللغوية في جزيرة العرب في أوائل القرن الرابع الهجري وخصص لها فصلا مستقلا عنوانه "لغات أهل هذه الجزيرة"١. ويتضح من عبارات الهمداني في هذا الفصل صورة التنوع اللغوي في الجزيرة العربية آنذاك. لقد قاس الهمداني اللهجات واللغات المختلفة في الجزيرة العربية وفق معايير العربية الفصحى، فبقدر قرب اللهجة من الفصحى تكون هذه اللهجة رديئة. إننا نلاحظ من وصف الهمداني لطبيعة التنوع اللغوي في الجزيرة العربية في أوائل القرن الرابع الهجري عدة أنماط لغوية. ففي أقصى الجنوب وبالتحديد في منطقة الشحر لاحظ الهمداني أن أهلها "ليسوا بفصحاء" مهرة غشم يشاكلون العجم"٢. والواقع أنهم يمثلون جماعة لغوية متميزة لغتها الأول هي اللغة المهرية وليست اللغة العربية، فالعربية بالنسبة لهم لغة تكتسب تعلمًا كما تكتسب أية لغة أجنبية أخرى. ولاحظ الهمداني أن منطقة حضرموت القريبة من منطقة المهرة تسودها لغة ليست بفصيحة "وربما كان فيهم الفصيح، وأفصحهم كندة وهمدان"٣. ومعنى هذا أن منطقة حضرموت كانت قطعت في ميدان التعريب بعربية الشمال شوطًا بعيدًا، وأن قبيلة كندة بصفة خاصة كانت قد تعربت بدرجة أكبر، ومعنى هذا بالنسبة لعربي مثل الهمداني أنه كان يستطيع التعامل مع أبناء قبيلته بلغته العربية ويستطيع كذلك التعامل مع أبناء قبيلة كندة بالعربية أيضًا، بينما يصعب عليه أن يفهم كلام أهل الشحر، فلغتهم هي اللغة المهرية. ويعكس وصف الهمداني لبعض اللهجات بأنها غير فصيحة أن هذه اللهجات عربية شمالية ولكنها تختلف

стр. 331

اختلافًا بينًا عن العربية الفصحى. وقد ذكر الهمداني إلى جانب لغة المهرة لغة أخرى تختلف عن العربية الشمالية، وهي اللغة الحميرية. فذكر أن أهل شبام أقيان والمصانع وتُخلى يستخدمون "الحميرية المحضة"١، وذكر في مواضع أخرى أن بعض القبائل تتعامل "باللسان الحميري"٢ أو بالحميرية القحة المتعقدة٣. ومن هذا كله يتضح أن القرن الرابع الهجري عرف جماعات بشرية تتعامل في اليمن بالمهرية، وأخرى باللسان الحميري، وجماعات أخرى أخذت تتعرب بعربية الشمال. لقد كان الهمداني يعلم أن منطقة اليمن عرفت لغة أخرى غير العربية الشمالية، وأن هذه اللغة الحميرية تركت أثرًا في استخدام اليمنيين المتعربين بعربية الشمال. فعندما تحدث الهمداني عن سرور حمير وجعده ذكر أنهم: "ليسوا بفصحاء وفي كلامهم شيء من التحمير..... فيقولون: يا بن مَعَم في يا بن العم وسِمَع في اسمع"٤. وبهذا تعربت بعض الجماعات البشرية بعربية الشمال متأثرة بلغتها الأولى العربية الجنوبية. ويبدو أن لغة بعض المناطق في اليمن في القرن الرابع الهجري كانت تتعامل بلغة قريبة من الفصحى غير أنها مولدة أي بها بعض مظاهر اللحن. يقول الهمداني: "عدن لغتهم مولدة ردية"٥، "بنو مجيد وبنو واقد والأشعر لا بأس بلغتهم"٦ "سرو ومذحج ومأرب وبيحان وحريب فصحاء، ورديء

стр. 332

اللغة منهم قليل"١. "خولان صَعْدَه.... فصحاء"٢. ويبدو أن هذه المناطق كانت قد تعربت بعربية الشمال إلى حد كبير. لقد ذكر الهمداني في عبارة موجزة لهجة كل قبيلة وكل منطقة اهتم بها. وقد جعل أقرب اللهجات إلى اللغة الفصحى تلك اللهجات العربية الشمالية في مناطق العروض والحجاز ونجد. يقول الهمداني "أما العروض ففيها الفصاحة ما خلا قراها، وكذلك الحجاز فنجد السفلى، فإلى الشام وإلى ديار مضر وديار ربيعة ففيها الفصاحة إلا في قراها"٣. ومن هذا يتضح أن مجموعة من اللهجات في هذه المناطق كانت قريبة من الفصحى ولكن لهجات الحضر المستقرين أي سكان القرى كانت مخالفة للفصحى. وهكذا أوضح الهمداني في وصفه للحياة اللغوية في جزيرة العرب بعبارات موجزة بعض جوانب التنوع اللغوي في القرن الرابع الهجري.

стр. 333

٧- المقدسي والحياة اللغوية في القرن الرابع الهجري تضمن كتاب "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم" للمقدسي معلومات مختلفة حول العالم الإسلامي في القرن الرابع الهجري. وقد ذكر في مقدمته أنه اهتم أيضًا "باختلاف أهل البلدان في كلامهم وأصواتهم وألسنتهم وألوانهم"١ وتقوم هذه الملاحظات على خبرة المؤلف في أثناء رحلاته وما دونه في أثناء هذه الرحلات حول كل إقليم من الأقاليم التي زارها٢. تناول المقدسي الحياة اللغوية في الأقاليم العربية من الدولة الإسلامية بمجموعة.

стр. 334

من الملاحظات حول جزيرة العرب والعراق والشام ومصر والمغرب. لاحظ المقدسي أن العربية هي اللغات السائدة في جزيرة العرب عدا منطقة صُحَار١ وهي المنطقة الواقعة على المحيط الهندي والخليج العربي من عمان. فهذه المنطقة كانت تضم وفق وصف المقدسي جماعات من المتحدثين بالفارسية. وإلى جانب هذه المنطقة التي سادها فيما يبدو ضرب من الازدواج اللغوي، فقد ذكر المقدسي أن اليمن ضمت "قبيلة من العرب لا يفهم كلامهم"٢، ولا شك أن المقصود بهؤلاء العرب تلك الجماعات اللغوية التي كانت تتعامل في القرن الرابع الهجري باللغات العربية الجنوبية المختلفة، وقد أشار الهمداني إلى ذلك. وإذا كان الهمداني قد ذكر أن لغة عدن مولدة فإن المقدسي ذكر عدة أمثلة من لهجة عدن، يقول المقدسي: "وأهل عدن يقولون لرجليه رجلينه، وليديه يدينه وقس عليه، ويجعلون الجيم كافا فيقولون لرجب ركب ولرجل ركل"٣. ومعنى هذا أن لهجة عدن في القرن الرابع الهجري لم تكن تميز بين الاسم المضاف والاسم غير المضاف وأن النون لم تكن تحذف من الاسم المثنى المضاف إلى ما بعده. وملاحظة المقدسي حول نطق الجيم في عدن على نحو نطق الجيم في لهجة القاهرة المعاصرة واضحة من تدوينه لهذا الصوت بحرف الكاف، فقد أراد أن يعبر دون لبس عن صوت الجيم الشديدة فعبر عنه بالكاف، وهي في العربية صوت شديد أيضًا. ولا شك أن نطق الجيم على هذا النحو في عدن في القرن الرابع الهجري يعد امتدادًا للجيم في اللغة السامية الأم وللجيم في اللغة العربية الجنوبية، وأن أهل عدن عندما تعربوا بعربية الشمال احتفظوا بهذا الصوت ولم ينطقوه النطق العربي الشمالي. ويبدو أن جماعات بشرية غير عربية الأصل كانت قد هاجرت إلى أنحاء من الجزيرة العربية ولكنها تعربت وأصبحت منتمية للإطار اللغوي العربي، يقول المقدسي: "وأكثر أهل عدن وجدة فرس إلا أن

стр. 335

اللغة عربية"١. وعندما يلاحظ المقدسي أن تلك اللهجات العربية التي أشارت إليها كتب اللغة كانت لا تزال حية في بوادي الجزيرة العربية ذكر ذلك٢، ولاحظ أن أقرب اللهجات العربية من الفصحى هي لهجات "هذيل ونجد وبقية الحجاز إلا الأحقاف فإن لسانهم وحش"٣. فهذه اللهجات كانت قريبة من الاستخدام اللغوي الفصيح. فضل المقدسي الاستخدام اللغوي في مشرق الدولة الإسلامية على باقي أنحائها. والمقصود بالمشرق عنده المنطقة الواقعة شرقي العراق، وتضم إيران والمناطق التي بعدها. يقول المقدسي في تفسير ذلك: "لأنهم أصح الناس عربية؛ لأنهم تكلفوها تكلفا وتعلموها تلقفًا"٤. ومعنى هذا أن اللغة العربية المنشودة في رأي المقدسي كانت لغة تؤخذ بالتعليم لا بالسليقة، ولذا فلم يبرز فيها أبناء الجزيرة العربية، بل اهتم بتعلمها المهتمون بذلك من أبناء لغات أخرى، فأجادوا العربية الفصحى وامتازوا بها. وعندما ذكر المقدسي إقليم العراق والمقصود به جنوب ووسط العراق – لاحظ كثرة اللهجات في هذه المنطقة وهي لهجات "حسنة فاسدة" أي حسنة نطقًا فاسدة نحوًا. لقد فضل المقدسي لهجة الكوفة عن باقي لهجات العراق، وفسر هذا بأن سكان الكوفة قريبون من البادية بعيدون نسبيًّا عن المنطقة اللغوية الآرامية. يقول المقدسي: "لغاتهم مختلفة، أصحها الكوفية لقربهم من البادية وبعدهم عن النبط، ثم هي بعد ذلك حسنة فاسدة، بخاصة بغداد، أما البطائح فنبط لا لسان ولا عقل"٥. ويبدو أن المقصود بالبطائح المناطق الزراعية السهلة، وأن اللهجات الآرامية كانت لا تزال مسموعة في هذه الأنحاء وقد قارن المقدسي لهجة شمالي العراق بلهجات الشام

стр. 336

ولاحظ أن "لغتهم لغة حسنة، أصح من لغة الشام لأنهم عرب، أحسنها الموصلية"١ ويبدو أن المقصود بهذا أن اللهجة الموصلية كانت أقرب إلى الفصحى من لهجات الشام. وفي كل هذه المنطقة كاد استخدام اللغة الفصحى يكون مقصورًا على التأليف والتدوين والإبداع الفني، ولم تكن لغة حديث عادي بين المثقفين، يقول المقدسي: "وكنت إذا حضرت مجلس قاضي القضاة في بغداد أخجل من كثرة ما يلحن، ولا يرون ذلك عيبًا"٢. فالعربية الفصحى كانت قد استقرت آنذاك لغة ثقافة، أجادها أيضًا مؤلفون من غير أبناء اللغة العربية، ومن لم يعتمد إجادتها لم يستطع حسن استعمالها. وعندما زار المقدسي مصر والمغرب والأندلس لاحظ وجود لغات أخرى إلى جانب العربية. قال المقدسي عن مصر: "لغتهم عربية غير أنها ركيكة رخوة وذمتهم يتحدثون بالقبطية"٣. ومعنى هذا أن اختلاف اللهجة العربية في مصر عن الفصحى جعل المقدسي يصفها على هذا النحو، وفي القرن الرابع الهجري كانت مصر قد قطعت في التعريب شوطًا بعيدًا كاد أن يكون حاسمًا، لكن المقدسي لاحظ معرفة بعض أهل الذمة وبالتحديد بعض المسيحيين، بالقبطية فسجل هذا. وذكر المقدسي أيضًا أن اللهجة العربية في المغرب والأندلس "منغلقة مخالفة لما ذكرنا في الأقاليم" ثم ذكر أيضًا أن "لهم لسانا آخر يقارب الرومي". "والغالب على بوادي هذا الإقليم البربر.... لا يفهم لسانهم"٤. ففي ذلك الوقت كانت موجة بني هلال وبني سليم لم تصل بعد، وكانت اللغة البربرية لا تزال تسود منطقة كبيرة من المغرب. وقد فصل المقدسي الكلام عن اللغات الموجودة في المناطق غير العربية في

стр. 337

شرقي العالم الإسلامي، وذكر عددًا كبيرًا من اللغات واللهجات١. ومن أهم هذه اللغات: اللغة الفارسية، واللغة الصغدية "السغدية" ولغة الديلم، ولغة الخزر، واللغة الأرمينية، واللغة الرانية، ولغة البلوش، بالإضافة إلى عدد كبير من اللهجات المحلية. وفي كل هذه المناطق وجد المقدسي معرفة باللغة العربية عند المثقفين، كما وجد أيضًا في إقليم الديلم مجموعة من المتحدثين باللغة العربية واللغة الفارسية يعيشون في عزلة عن باقي أنحاء الدولة الإسلامية. وهكذا صور المقدسي بعبارات موجزة صورة للتنوع اللغوي في أنحاء العالم الإسلامي في القرن الرابع الهجري.

стр. 338

٨- العلاقات اللغوية في القرن الخامس إلى فجر العصر الحديث يلاحظ اتجاه هذه الفترة التي امتدت سبعة قرون أن العالم العربي كان واقعًا في قبضة عناصر غير عربية تشترك مع غالبية العرب في اعتناقها الدين الإسلامي، ورغم تغير الحكام فقد كانوا دائمًا من غير العرب. كانت الطبقات الحاكمة من عناصر فارسية أو تركية أو شركسية، ويختلف توزيع العناصر من إقليم لآخر، وفي كل هذه الفترة كانت العربية لغة الطقوس الدينية ولغة الفقه الإسلامي مما جعل دراسة العربية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بدراسة الدين، فلم تكن العربية إلا لغة الدين. وهذا الأمر يشبه مركز العربية في إيران الحالية، فكل من أراد أن يشتغل بالدين كان عليه أن يدرس العربية. وظهر في هذا العصر عدد من الملخصات والشروح انتشرت انتشارًا كبيرًا في المشرق والمغرب. وكان الهدف من هذه الملخصات تقريب ما توصل إليه الباحثون القدماء من نتائج في بحث اللغة العربية. كانت المعرفة بالعربية أداة لدراسة الدين، وكل المعاهد العلمية التي نشأت أو أخذت طابعها المميز في تلك الفترة مثل الأزهر والمعاهد المماثلة في العالم العربي والبلدان الإسلامية لا تزال تعتبر دراسة العربية والدين أمرًا واحدًا. وهذا الربط إنما يرجع إلى ظروف

стр. 339

تاريخية، فالعربية لم تكن إلا لغة الدين عندما كان العالم العربي واقعًا تحت السيطرة الإسلامية غير العربية، فلم تكن العربية لغة الإدارة أو السياسة، كانت الإدارة فارسية في أقصى المشرق الإسلامي وتركية في المناطق الواقعة تحت النفود التركي. بدأت هذه المرحلة بإبعاد العربية عن الإدارة عندما أعلن السلجوقيون في القرن الخامس الهجري اللغة الفارسية لغة رسمية لدولتهم التي ضمت القسم الشرقي من الدولة الإسلامية. وفي ذلك العصر بدأ الإيرانيون يؤلفون بالفارسية وبدأ بعضهم يهجر العربية، وألف بعض المفكرين بالعربية والفارسية، فالغزالي مثلا ألف كتابه "إحياء علوم الدين" بالعربية، وألف بالفارسية كتبًا كثيرة منها "التبر المسبوك". ويلاحظ في المؤلفات الفارسية المبكرة أي في القرن الخامس أنها اعتمدت اعتمادًا كليًّا على المصطلحات العلمية العربية. فقد كان الإيرانيون يستخدمون العربية في القرون الأربعة الأولى للهجرة لغة للتعبير وللتأليف. كان كل ما كتبه الإيرانيون في القرون السابقة بالعربية، وكانت عندهم لغة التأليف، وعندما حاولوا استخدام الفارسية اعتبروا العربية لغة الأساس، وأخذوا منها المصطلحات العلمية المختلفة. أما الأفعال وأدوات الربط اللغوي والألفاظ الأساسية البسيطة فكانت من اللغة الفارسية وهذا يشبه الكتابة العلمية بالألمانية أو بالسويدية، فمعظم المصطلحات لاتينية أو يونانية وأدوات الربط والأفعال والمفردات البسيطة من اللغة التي يفترض أن يكتب الإنسان بها. لقد تغير الموقف في القرن الخامس الهجري إذ دخلت اللغة الفارسية مجال التأليف مدعمة بدولة فارسية مسلمة، ورأت هذه الدولة أن تجعل من الفارسية لغة الإدارة والسياسة ومن العربية لغة الدين. ولعل من الغريب أن أول المدارس العالية التي أنشئت لتعليم العربية إنما ظهرت في القرن الخامس الهجري وهي: "المدرسة النظامية" المنسوبة إلى نظام الملك، فقد أسست سنة ٤٥٩هـ. وكان تأسيس "المدرسة النظامية" في إطار الوضع اللغوي السائد، فقد اهتم السلجوقيون.

стр. 340

بالعربية الفصحى في عصورها المبكرة، لأن هذا يعين على فهم الدين، ولكنهم اعتبروا الفارسية لغة الحياة. وهذا يشبه موقف الكنيسة الكاثوليكية في أوربا في استخدامها اللغة اللاتينية في الطقوس الدينية. وقد درس في "المدرسة النظامية" أبو زكريا التبريزي المتوفى سنة ٥٠٢هـ، ومن أهم مؤلفاته: "شرح ديوان الحماسة" ويلاحظ في مقدمات الكتب التي ألفها التبريزي وغيره أنه يعتبر دراسة العربية وسيلة فهم القرآن الكريم والسنة. ونلاحظ عند المشتغلين في ذلك الوقت تدينًا شديدًا جعلهم يذكرون أن أشرف العلوم علم الكتاب والسنة وأن مفتاح هذه الدراسة اللغة العربية. إن الحديث عن العربية في العالم الإسلامي من القرون: الخامس عشر حتى التاسع عشر ذو شجون لقد كان معظم أجزاء العالم العربي تحت السيطرة العثمانية المباشرة أو غير المباشرة، ومعنى هذا أن لغة الإدارة العليا كانت التركية، وأن لغة الإدارة المباشرة كانت التركية في كثير من الأقاليم، ولننظر إلى ألقاب الوظائف الكبرى في مصر في تلك الفترة، لقد كان الديوان الكبير وهو مجلس حكم البلاد يضم عن كل أوجاق موظفين ثلاثة: الأغا والدفتر دار والروز نامجي. والكلمات: أوجاق، أغا دفتر دار، روز نامجي ليست عربية لم تدخل مصر إلا مع الفتح العثماني، والأوجاق هو المنطقة، والأغا قائد الحامية، والدفتر دار مدير المالية، والروز نامجي حافظ السجلات. وكانت أهم وظائف الدولة في يد العناصر غير العربية، فالمماليك يتولون أهم الوظائف العسكرية والمدنية حتى أن شيخ البلد "المحافظ" كان منهم، وكان أعضاء الديوان والمماليك أصحاب الكلمة الأولى في البلاد، فإذا كان منهم، وكان أعضاء الديوان والمماليك أصحاب الكلمة الأولى في البلاد، فإذا أضفنا على ذلك مركز القوة الرابع في البلاد -بجانب الوالي الديوان والمماليك- وهو الحامية التركية والمتتركة لتبينا أن كل مراكز القوة كانت في يد غير العرب. كانت لغة الإدارة المركزية في الدولة العثمانية هي اللغة التركية، وكان أصحاب المراكز العليا يستخدمون في الإدارة اللغة التركية أيضًا، أما العربية فكانت في الإدارة المحلية.

стр. 341

لقد ارتبطت اللغة العربية طوال هذه الفترة بالطبقات غير الحاكمة في المجتمع، فالمتحدثون بالعربية كانوا يمثلون الطبقات المحكومة، وكانت العناصر الحاكمة من أصول غير عربية وكانت العناصر العسكرية المسيطرة من أصول غير عربية أيضًا. كانت الطبقات الأرستقراطية ذات النفوذ من غير العرب فالمماليك الذين حكموا وقتًا طويلًا إنما جلبوا من مناطق مختلفة في وسط آسيا وبعد دخول العثمانيين كانت الطبقات غير العربية في المجتمع تحتفظ لنفسها بكل الوظائف الراقية التي كانت وقفًا على المتحدثين بالتركية. وهكذا ارتبطت دراسة العربية الفصحى في الوجدان الشعبي بدراسة الدين، وأصبح رجل الدين والمتخصص في العربية شخصًا واحدًا هدفه الدين ووسيلته العربية. وأصبح الحديث باللهجات العربية واستخدام هذه اللهجات للإبداع الفني دليلا على الضعة الاجتماعية، وكانت التركية لغة السياسة والإدارة والطبقات الحاكمة في المجتمع.

стр. 342

الفصل الرابع عشر: العربية في القارة الإفريقية مدخل ... الفصل الرابع عشر: العربية في القارة الإفريقية العربية أكثر اللغات الوطنية انتشارًا في القارة الإفريقية، فأكثر من نصف سكان إفريقيا يتعاملون باللغة العربية. وإذا كانت اللغة العربية قد نشأت في آسيا وانتشرت في غربها بعد الفتح الإسلامي، فإن اللغة العربية قد انتشرت في القارة الإفريقية بصورة زادت مع الزمن حتى أصبح أبناء العربية في إفريقيا أكثر منهم في آسيا. وإذا كانت درجة انتشار اللغة العربية في إفريقيا تختلف من قطر لآخر، كما تختلف اللهجات العربية في القارة اختلافًا بعيدًا، فإن هذا يرجع إلى ظروف التعريب التي مرت بها كل منطقة من هذه المناطق.

стр. 343

١- تعريب مصر والنوبة والسودان: ارتبطت بداية تعريب مصر بالفتوح العربية الإسلامية وما صحب ذلك من هجرات بشرية تلتها موجات أخرى من القبائل العربية التي استقرت في مصر فذابت في أهلها، وبذلك أخذت هذه المجموعات الوافدة تتحول من النظام القبلي القائم على وحدة الدم إلى أنماط حضرية مغايرة تقوم على وحدة المكان.

стр. 344

وذوبان القبائل الوافدة وتحولها عن النظام القبلي يجعلها بالضروة لا تهتم بأنسابها القائمة على الدم، وتجعل التجمعات البشرية الناجمة عن اختلاطهم بالسكان الأقدم تترابط وتتغاير على أساس الموطن والمستقر، لا على أساس الأصل والنسب. وقد لاحظ المؤرخ الكبير المقريزي هذه الحقيقة في الأسطر الأول من كتابة: "البيان والإعراب عما بمصر من الأعراب" قال: "اعلم أن العرب الذين شهدوا فتح مصر قد أبادهم الدهر وجهلت أحوال أكثر أعقابهم". فلا شك أن الاستقرار ثم الاختلاط والإقامة في القرى والمدن مما يخلق ظروفًا موضوعية جديدة يصبح فيها الاهتمام بالأنساب أمرًا ثانويًّا لا قيمة له، وفي مثل هذه الظروف يصبح تتبع أحوال أعقاب الموجة البشرية العربية المصاحبة للفتح أمرًا غير ممكن. وقد سجل لنا المقريزي معلومات قيمة عن الموجات العربية المختلفة التي قدمت فاستقرت في أرض مصر، وحاول أن ينسب كل قبيلة إلى عرب الشمال أو على عرب الجنوب وذكر الخلاف في ذلكن يقول المقريزي: "جذام من قدماء عربان مصر قدموا مع عمرو بن العاص"، وهذه القبيلة من عرب الجنوب الذين كانوا قد هاجروا إلى الشمال، يقول المقريزي: "لحقت بالشام فانتمت إلى سبأ ولحقوا باليمن"١. ويبدو أن قبائل الجنوب التي هاجرت إلى مصر كانت من الناحية اللغوية قد تعربت بعربية الشمال قبل رحيلها إلى مصر، فأسهمت في تعريب مصر بلغة الشمال لا بلغة الجنوب، ولا ينفي هذا إمكان وجود تأثيرات جنوبية في الاستخدام اللغوي لهذه القبائل الجنوبية أصلا، الشمالية مهجرًا، المصرية مستقرًا. وتمثل قبيلة قضاعة أكبر تجمع قبلي هاجر إلى مصر في عهد عمر بن الخطاب، وتهجير القبائل إجراء سياسي عرفه التاريخ الإسلامي، ففي عهد

стр. 345

عمر بن الخطاب هجّر ثلث قبيلة قضاعة إلى مصر، فقد ذكر المقريزي أن بلى قبيلة عظيمة فيها بطون كثيرة، وكانت بلى بالشام، فنادى رجل من بلى بالشام: "يا لقضاعة! فبلغ ذلك عمر بن الخطاب ﵁، فكتب إلى عامل الشام أن يسير ثلث قضاعة إلى مصر". وواضح من هذا الخبر أن عمر بن الخطاب رأى في الظروف التي أدت إلى استصراخ القبيلة وحدوث ذلك رده نحو عصبية قبلية كامنة، فكان تهجير ثلث القبيلة إجراء سياسيًّا يهدف إلى كسر حدة تكتل "قبيلة عظيمة فيها بطون كثيرة"، وهكذا جاءت هذه الموجة أرض مصر. وقبيلة قضاعة هذه مختلف في نسبتها إلى عرب الشمال أو عرب الجنوب. يقول ابن حزم: "وأما قضاعة فمختلف فيها، يقولون: هو قضاعة بن معد بن عدنان، وقوم يقولون: هو قضاعة بن مالك بن حمير" ويشير ابن حزم بعد ذلك إلى كتب بطليموس وكتب العجم التي تذكر قضاعة وتحدد مواضعها، قال: "وبلاد قضاعة متصلة بالشام، وببلاد يونان والأمم التي بادت ممالكها بغلبة الروم عليها وببلاد عدنان، ولا تتصل ببلاد اليمن أصلًا١" والواقع أن المصادر المتاحة لا تمكننا من الفصل في قضية أصل قضاعة، وأغلب الظن أن قضاعة من أصل جنوبي، وأنها قد هاجرت مع تلك القبائل العربية الجنوبية التي هاجرت إلى الشمال بعد انهيار سد مأرب، وأن قضاعة قد تعربت في مهجرها إلى الشمال بعربية الشمال تعربا ترك بعض السمات غير الشمالية في لهجتها، الأمر الذي جعل اللغويون ينصون على إعراضهم عن الاستشهاد بلغتها، ولو كانت لغتها جنوبية لما فكر فيهم أحد رفضًا أو قبولًا. ذكر الفارابي٢ أنه لم يؤخذ لا من لخم ولا من جذام، فإنهم كانوا مجاورين لأهل مصر والقبط، ولا من قضاعة ولا من غسان ولا من إياد فإنهم كانوا مجاورين لأهل الشام.

стр. 346

وأكثرهم نصارى يقرءون في صلاتهم بغير العربية" فعربيتهم لم تكن إذن عربية جنوبية، بل كانت عربية شمالية مشوبة. هذا وقد كان اعتماد ابن مالك على لغة لخم وقضاعة وغيرهم مما أثار عليه نقد أبي حيان النحوي: "وليس ذلك من عادة أئمة هذا الشأن١" وينبغي لكل هذا ألا نبالغ في تصور الأثر الجنوبي في تعريب مصر، فهذه القبائل وإن كان بعضها -على ما يرجح من أصل جنوبي، فإنها كانت من الناحية اللغوية قد تعربت- بصفة عامة بعربية الشمال، قبل أن تخرج بإرادتها أو بأمر الخليفة مهاجرة إلى مصر، وهذا لا ينفي الانتماء الشعوري لهؤلاء، ولا ينفي ترابط القبائل ذات الأصل الجنوبي في عصبية واحدة جمعتهم فترة ما قبل أن يذوبوا مع السكان الأقدمين في مصر. وفي العصر الأموي حاولت الدوائر الحاكمة إحداث توازن بين عرب الشمال وعرب الجنوب في مصر، والمضي قدمًا في تعريب مصر، فنقلت عدة قبائل شمالية إلى مصر كي تحقق توازنًا مع هؤلاء الذين احتفظوا في وجدانهم الجماعي بأصولهم الجنوبية، وكي تمضي عملية التعريب في مصر على نحو أسرع. فتهجير قبائل شمالية إلى مصر إجراء سياسي اتخذه الخليفة هشام بن عبد الملك سنة ١٠٩ هجرية، ذكر المقريزي: "وكان نزول سليم وعدة قبائل من قيس في أرض مصر سنة تسع ومائة.... ولم يكن بأرض مصر أحد من قبس قبل ذلك إلا من كان من فهم وعَدْوَان فإنهما من قيس". وقد ذكر المقريزي أن هذا القرار السياسي ثم استجابة من الخليفة لرغبة عامل خراج مصر، إذ سأله أن ينقل إليها من قيس أبياتا، فأذن له هشام في الحاق ثلاثة آلاف منهم، وتحويل ديوانهم إلى مصر، على أن لا ينزلوا بالفسطاط.... فأنزلهم الحوف الشرقي وفرقهم فيه"٢. وفي موضع آخر ذكر المقريزي أنهم نزلوا منطقة بلبيس، وهذا ما يدفعنا إلى افتراض أنهم نزلوا المنطقتين،

стр. 347

ولعل تشابه بعض اللهجات في الشرقية مع لهجات في الصعيد إنما يرجع إلى هجرة نفس القبائل إلى كلتا المنطقتين. واستمرت هجرات عرب الشمال إلى مصر في العصر الطولوني. فنزلت قبائل من اليمامة في صعيد مصر في العقد الخامس من القرن الثالث الهجري، وفي هذا يقول المقريزي: "كانوا ينزلون اليمامة وقدموا مصر في خلافة المتوكل على الله أعوام بضع وأربعين ومائتين في عدد كثير، وانتشروا في النواحي، ونزل طائفة منهم بأعلى الصعيد، وسكنوا بيوت الشعر في براريها الجنوبية وأوديتها". وفي العصر الفاطمي عرفت مصر موجتين بشريتين عربيتين، لهما أهمية كبرى في تاريخ التعريب في مصر والسودان والمغرب، لقد هاجرت إلى مصر "جهينة"، كما هاجر إليها بنو هلال وبنو سليم. أما عرب "جهينة" الذين تنتسب إليهم اليوم، أكثر قبائل السودان العربية، فقد نقلوا إلى مصر بقرار سياسي اتخذه الساسة الفاطميون، يقول المقريزي: "وأما جهينة فإنها من قبائل اليمن.... وهي قبيلة عظيمة وفيها بطون كثيرة..... وكانت مساكنهم في بلاد قريش، فأخرجتها قريش بمساعدة عسكر الفاطميين، ونزلوا في بلاد إخميم أعلاها وأسفلها". وهكذا كان تهجير عرب "جهينة" قرارًا سياسيًّا اتخذه الفاطميون فأسهم في إضافة عنصر عربي إلى مصر. وكانت العوامل السياسية كذلك وراء تهجير بني هلال وبني سليم إلى مصر وإخراجهم منها بعد ذلك، وكانت هذه الموجة العربية الشمالية مثار اهتمام ابن خلدون، وهو مصدرنا الأول في دراسة هذه الهجرة الضخمة ذات العدد الوفير. يذكر ابن خلدون أن "بطون هلال وسليم كانوا يجوبون قفر الحجاز ونجد.... فبنو سليم مما يلي المدينة، وبنو هلال في جبل غزوان عند الطائف، وربما كانوا يطوفون رحلة الصيف والشتاء أطراف

стр. 348

العراق والشام"١. إن بني هلال وبني سليم من عرب الشمال، ولكن تحالف بني هلال وبني سليم مع القرامطة ثم اندحار القرامطة جعل بني هلال وبني سليم في مركز حرج لم ينقذهم منه إلا دعوتهم إلى مصر الفاطمية، يقول ابن خلدون: ".... ثم تحيز بنو سليم والكثير من ربيعة بن عامر إلى القرامطة عند ظهورهم، وصاروا جندًا لهم بالبحرين وعمان..... ولما تغلب شيعة ابن عبيد الله المهدي على مصر والشام نقل أشياعهم من العرب من بني هلال وسليم فأنزلهم بالصعيد وفي العدوة الشرقية من بحر النيل، فأقاموا هناك"٢. وهكذا جاء الفاطميون الشيعة بأنصار القرامطة الشيعة إلى مصر، وسنشير –بعد– إلى خروج الهلالية من مصر إلى المغرب "تغريبة بني هلال"، ولا بد هنا أن نتحفظ قليلًا، فلم يهاجر كل الهلالية إلى المغرب "تغريبة بني هلال"، ولا بد هنا أن نتحفظ قليلًا، فلم يهاجر كل الهلالية إلى المغرب، بل بقيت بطون منهم في مصر، ذكر المقريزي في وقت لاحق للتغريبة أن "ببلاد الصعيد عدة قبائل من العرب، ففي بلاد أسوان وما تحتها بنو هلال"٣. وأغلب الظن أن الموجات البشرية استمرت بعد ذلك، ففي عهد صلاح الدين جاءت هجرة كان العدوان الصليبي قد قطع عليها الطريق إلى مصر، يقول المقريزي: "فلما فتح صلاح الدين.... بلاد غزة، وأعادها من أيدي الفرنج إلى المسلمين جاءت ثعلبة وطائفة من جرهم إلى مصر، وبقيت بقايا جرهم في مكانها"٤، وليس من مجال بحثنا هنا أن ننظر في حركات بشرية تالية، فما شأننا بها في وقت كانت مصر قد تعربت تعريبًا كاملًا. غير أن نود أن نشير هنا إلى أحداث جعلت العرب الوافدين يذوبون في الكيان المصري، فلم يكونوا مجموعة لغوية متميزة كما حدث مثلًا عندما.

стр. 349

هاجرت جماعات جرمانية من وسط أوروبا إلى شرقها، بل ساعدت عوامل مختلفة على انصهارهم في بوتقة واحدة مع السكان الأقدمين. لقد احتفظت القبائل الوافدة فترة من الزمن بالبداوة، إذ نزلوا في مناطق خاصة بهم، عاشوا في فخر الغزاة المحاربين ذوي الرواتب. كان عمر بن الخطاب قد حرم عليهم امتلاك الأرض، فأقاموا في معسكرات خاصة بهم أبقت لهم شخصيتهم متميزة وصقلت لغتهم على نحو قضى على كثير من الفروق المحلية غير الشائعة، وظلت لهم رواتبهم باعتبارهم طبقة عسكرية فاتحة حتى انتهى العصر الأموي. ودفعت عدة عوامل السكان الأصليين إلى تعلم العربية، فهي لغة الدين ولغة القرآن، وهي منذ حوالي ٨٧هـ اللغة الرسمية للدولة، وهي لغة الطبقة العربية الحاكمة، وكل هذا جعل الطامحين في مكانة اجتماعية رفيعة أو في التعامل والتكامل في الدولة الإسلامية يحاولون تعلم العربية. وفي القرن الثاني الهجري زاد الاختلاط بين العرب والسكان الأصليين في مصر، إذ سمح للعرب الوافدين بامتلاك الأرض، وفي هذا يقول المقريزي: "ولم ينتشر الإسلام في قرى مصر إلا بعد المائة من تاريخ الهجرة". وهنا نسجل اتجاه كثير من العرب –في وقت كانت مكانة العربية قد استقرت فيه– إلى الاستقرار في الريف، وهذا ما أتاح مزيدًا من التعريب ونشر الدين خارج مراكز الثقل في المدن والتجمعات العسكرية. ولا نكاد نمضي طويلا حتى نصل في خلافة المعتصم العباسي "٢١٨ – ٢٢٧هـ" إلى نقطة تحول مهمة في وضع العرب في مصر، لقد انتقل الحكم إلى العباسيين اعتمادًا على العناصر غير البدوية، فتكون الجيش الاسلامي من غير البدو، وهنا فقد العرب وظيفتهم كطبقة عسكرية في مصر، ولم تعد لهم أهمية بالنسبة للدولة، فحرم البدو من رواتب الدولة التي كانت تؤدي إليهم باعتبارهم جنودًا١. وفي هذا يقول المقريزي: "فانقرضت دولة العرب

стр. 350

من مصر، وصار جندها العجم والموالي من عهد المعتصم". وأدى هذا الموقف الجديد إلى توطين كثير من البدو المسرحين في الريف فأسهموا في تعريب الريف، ورفض بعضهم احتراف الزراعة وفضل الهجرة جنوبًا إلى منطقة تشاد -وهو ما نشير إليه فيما بعد. وهاجر بعض هؤلاء الوافدين إلى الجنوب الشرقي لصعيد مصر. وكانت قبائل ربيعة قد نزلت أرض مصر في العصر الطولوني، ثم هجرتهم الدولة جنوبا لوقف إغارات البجة الذين كانوا يتحكمون في المنطقة ويرهبون الحجاج، وما أن قتلوا حاكم فقط -على البحر الأحمر- ومن معه من الحجاج حتى دفعت الدولة قبائل ربيعة لكبح جماح البجة، فقاوموهم، ثم تزوجوا منهم واستولوا على معدن الذهب بالعلاقي، فكثرت أموالهم واتسعوا في أحوالهم". وعن هذا التزواج بين البجة وربيعة نجمت أسرة "أولاد الكنز" نسبة إلى جدهم صاحب النفوذ في العصر الفاطمي الملقب بكنز الدولة، وظل الكنوز أصحاب نفوذ في جنوب مصر حتى قضى العادل أبو بكر بن أيوب عليهم سنة ٥٧٠هـ،١ وبذلك أسهم تهجير ربيعة واختلاطها بالبجة في تعريب هذا القطاع البشري بين الوادي والبحر الأحمر. وقد ظلت منطقة النوبة بعيدة عن موجات تعريب مصر، ولهذا تفسير تاريخي واضح المعالم، فقد عرف النوبيون في فجر الفتح الإسلامي مملكة نوبية متحدة عاصمتها دنقلة "تنطق: دنجلة بجيم مصرية"، ومملكة علوه وعاصمتها سوبه. وظل النوبيون وثنيين حتى القرن السادس الميلادي عندما انتشرت المسيحية بين النوبة والبجة. ولم تتجاوز الجيوش العربية الفاتحة حدود مملكة النوبة، بل وقفت دونها وارتبطت النوبة مع مسلمي الشمال بمعاهدة عقدت سنة ٦٥١هـ عرفت باسم البقط "عن الكلمة اللاتينية Pactum وتعنى التعاهد أو الحلف" وقد نصت هذه الاتفاقية على عدم إقامة العرب في النوبة مقابل التزامات أخرى يلتزم بها النوبيون٢، والملاحظ هنا أن البقط منع إقامة

стр. 351

العرب في المنطقة فحال دون تعريبها. واستمرت مملكة النوبة في عزلتها عن العربية حتى أن ابن سليم الأسواني الذي زار النوبة سنة ٣٦٥هـ لاحظ أن العرب الذين اختلطوا بالنوبة، قد تعلموا النوبية وكادوا ينسون العربية. واستمرت الحال في النوبة على هذا النحو إلى أن تحولت إلى منطقة تابعة لمصر في القرن الثالث عشر الميلادي على أثر خلاف على عرش مملكة النوبة أدى بنفوذ القاهرة إلى تعيين حاكم من الكنوز المتعربين. ويبدو أن تحول النوبة إلى الإسلام كان بطيئًا، ففي القرن الرابع عشر ذكر ابن بطوطة١ أن حاكمهم مسلم وأنهم مسيحيون. أما تعريب المناطق الواقعة بين وادي النيل والبحر الأحمر فقد زاد، إذ اهتم الفاطميون بتحويل التجارة إلى البحر الأحمر كي ينافسوا العباسيين، فازدهرت المحطات التجارية على الساحل السوداني للبحر الأحمر، وازدهر كذلك ثغر عيذاب. وبعد تخلص المماليك من الاحتلال الصليبي في الشام عادت التجارة إلى طريقها القديم. كانت الحركة التجارية قد دفعت بكثير من العرب إلى منطقة ساحل البحر الأحمر فأسهموا في تعريبها، وعندما كسدت الحركة التجارية عبر البحر الأحمر أخذوا يسلبون العابرين، وكان أن انقضوا على ركب يمني قادم إلى مصر يحمل هدايا لسلطان المماليك، فتحرك جيش السلطان وهزم هؤلاء البدو في معركة أسوان سنة ٧٥٤هـ، فهرب بعضهم مهاجرًا إلى السودان وهنا حدثت خلخلة بشرية في هذه المنطقة جعلت السلطان يعمل على نقل الهوارة –وسيأتي ذكرهم- إلى المنطقة. وفي النصف الثاني من القرن الرابع عشر الميلادي كان عدد كبير من

стр. 352

القبائل العربية قد تجاوز حدود النوبة جنوبًا، يقول ابن خلدون: "وبالصعيد الأعلى من أسوان وما وراءها إلى أرض النوبة إلى بلاد الحبشة قبائل متعددة وأحياء متفرقة، كلهم من جهينة -إحدى بطون قضاعة- ملئوا تلك القفار وغلبوا النوبة على مواطنهم وملكهم، وزاحموا الحبشة في بلادهم وشاركوهم في أطرافها١". والواقع أن هجرة بطون كثيرة من جهينة إلى السودان كانت قد تمت في عصر ابن خلدون، ولا تزال آثار هذه الهجرات واضحة في السودان العربي، فالتجمعات البشرية المسماة باسم: رفاعة والكبابيش ودار حامد والبقارة في كوردفان ودارفور والمناطق الغربية تنسب نفسها إلى جهينة. وينبغي أن نوضح هنا أن هذه التجمعات البشرية إنما نتجت عن الاختلاط بين العرب المهاجرين والسكان الأقدم. وهذه أيضًا حال التجمع البشري العربي الثاني في السودان، ويطلق عليهم اسم "الجعليين"، وهؤلاء الجعليون منتشرون في المنطقة الممتدة من الحبشة إلى تشاد، وهكذا كان تعريب السودان مرتبطًا بالهجرات الوافدة عبر مصر، ولم يتضح بعد دور الهجرات عبر مضيق باب المندب والتي تفترض أنها أمدت السودات كذلك بدماء عربية ولسان عربي، ولكنا لا نستطيع القول بالرأي في هذا لنقص المصادر.

стр. 353

٢- المغرب وتعريب البربر: كانت هجرة بني هلال وبني سليم هي العامل الحاسم في تعريب المغرب في القرن الحادي عشر الميلادي، فالفتح الاسلامي كان ذا أثر في تعريب منطقة الساحل، وفي هذا يقول ابن خلدون: "العرب لم يكن المغرب لهم في الأيام السابقة بوطن، وإنما انتقل إليه في أواسط المائة الخامسة أفاريق من بني هلال وسليم اختلطوا في الدول هناك"١. وفي موضع آخر يقول ابن خلدون:

стр. 354

العرب لم يوطنوا المغرب، ثم إنهم دخلوا إليه في منتصف المائة الخامسة وأوطنوه، وافترقوا بأحيائهم وحللهم في جهانة١". والعبارتان تحملان قدرًا من التعميم الذي لا تبرره القرائن التاريخية التي نستقي بعضها من كتابات ابن خلدون نفسه، وعنصر التعميم هنا نفي ابن خلدون وجود تعريب في المغرب قبل الهجرة الهلالية. وقد لاحظ اللغوي الفرنسي وليام مارسيه وجود مجموعتين اثنتين من اللهجات العربية في المغرب٢ فالمدن الساحلية مثل القيروان وتونس وتلمسان وفاس تختلف في لهجاتها -وهي متشابهةمتقاربة- عن لهجات البدو والمناطق الريفية ومنخضات برقة وجنوب تونس والريف الجزائري وجنوب المغرب والسواحل الجنوبية. وبهذا تنقسم لهجات المغرب إلى مجموعتين متميزتين، تمثل كل مجموعة منهما مرحلة بعينها من مرحلتي تعريب المغرب. فالمجموعة الأولى وريث اللغة المشتركة التي تكونت في القرون الثاني والثالث والرابع للهجرة مع قيام المدن العربية في المغرب، والمجموعة الثانية وريث لهجات بني هلال وبني سليم. المجموعة الأولى -في المقام الأول- لهجات مدن، ويدعم هذا قول ابن خلدون عن عرب الفتح في المغرب: "إن الملك الذي حصل لهم يمنعهم من سكنى الضاحية ويعدل بهم إلى المدن والأمصار". وينبغي أن نلاحظ هنا أن هذه المجموعة من اللهجات تضم كذلك عددًا من اللهجات التي أثبتتها الدراسات الميدانية الحديثة للمناطق الزراعية التالية: الساحل التونسي، المنطقة الساحلية شمال قسطنطينة، ومنطقة تراره شمال قسطنطينة، وكذلك مرتفعات

стр. 355

جبالة في شمال فارس، وكل هذه اللهجات تكون مجموعة واحدة تتفق في عدد من الخصائص التي تميزها عن اللهجات العربية الأخرى في المغرب. فالمجموعة الأولى أقدم من المجموعة الثانية، يتضح هذا من كثرة الألفاظ البربرية بها، كما يتضح من أثر اللغة البربرية في هذه اللهجات. إن هذه اللهجات كانت في القرون الأولى جزرًا لغوية عربية في منطقة تحيط بها لهجات بربرية مختلفة. ومع هذا فقد تم في وقت مبكر تعريب قسم من البربر، فلا شك أن التعامل بالعربية مع مراكز الحكم جعل بعض البربر المحيطين بتلك المراكز يقبلون على تعلم العربية، وليس صحيحًا أن المناطق التي تعربت قبل الموجة الهلالية في القرن الحادي عشر الميلادي كانت تضم عرب الفتح وحدهم، فالبربر الذين بادروا إلى الإسلام وانتظموا في جيوش الفتح الإسلامي الزاحف إلى الأندلس اختلطوا بالعرب وتزاوجوا معهم، فاتخذت كثرة من الأسر الإسلامية الجديدة أنسابًا عربية ليدخلوا في الأرستقراطية الحاكمة. وبعد تأسيس مدينة فاس سنة ١٩٣هـ أصبحت هذه المدينة مركزًا للعرب والمتعربين في المغرب ولمن اضطروا لهجر الأندلس أو تونس في الظروف السياسية المضطربة. وفي نفس الوقت كانت العلاقات بين الأندلس والمغرب الأقصى تدعم مكانة العربية باعتبارها لغة التعامل المشتركة فضلا عن كونها لغة القرآن الكريم، وبذلك أسهمت هذه العلاقات في تعريب المنطقة. وقد لاحظ الباحثون تشابه ما عرف عن اللهجات العربية في أسبانيا والاستخدام اللغوي في هذه المدن المغربية الأولى. أما المجموعة الثانية من اللهجات العربية في المغرب فهي لهجات تتحدث بها مجموعات بشرية تنتسب إلى بني هلال وبني سليم. ومعروف أن هجرة بني هلال وبني سليم على المغرب "تغريبة بني هلال" أحدثت أكبر تحول بشري عرفته المنطقة في العصور الوسطى. وينبغي أن نقف قليلا لنتابع ظروف تحركاتهم وخط
следующие страницы →