← Язык

Язык · id 11299

علم اللغة العربية

د. محمود فهمى حجازى

Полный текст (455 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

العرب في المنطقة فحال دون تعريبها. واستمرت مملكة النوبة في عزلتها عن العربية حتى أن ابن سليم الأسواني الذي زار النوبة سنة ٣٦٥هـ لاحظ أن العرب الذين اختلطوا بالنوبة، قد تعلموا النوبية وكادوا ينسون العربية. واستمرت الحال في النوبة على هذا النحو إلى أن تحولت إلى منطقة تابعة لمصر في القرن الثالث عشر الميلادي على أثر خلاف على عرش مملكة النوبة أدى بنفوذ القاهرة إلى تعيين حاكم من الكنوز المتعربين. ويبدو أن تحول النوبة إلى الإسلام كان بطيئًا، ففي القرن الرابع عشر ذكر ابن بطوطة١ أن حاكمهم مسلم وأنهم مسيحيون. أما تعريب المناطق الواقعة بين وادي النيل والبحر الأحمر فقد زاد، إذ اهتم الفاطميون بتحويل التجارة إلى البحر الأحمر كي ينافسوا العباسيين، فازدهرت المحطات التجارية على الساحل السوداني للبحر الأحمر، وازدهر كذلك ثغر عيذاب. وبعد تخلص المماليك من الاحتلال الصليبي في الشام عادت التجارة إلى طريقها القديم. كانت الحركة التجارية قد دفعت بكثير من العرب إلى منطقة ساحل البحر الأحمر فأسهموا في تعريبها، وعندما كسدت الحركة التجارية عبر البحر الأحمر أخذوا يسلبون العابرين، وكان أن انقضوا على ركب يمني قادم إلى مصر يحمل هدايا لسلطان المماليك، فتحرك جيش السلطان وهزم هؤلاء البدو في معركة أسوان سنة ٧٥٤هـ، فهرب بعضهم مهاجرًا إلى السودان وهنا حدثت خلخلة بشرية في هذه المنطقة جعلت السلطان يعمل على نقل الهوارة –وسيأتي ذكرهم- إلى المنطقة. وفي النصف الثاني من القرن الرابع عشر الميلادي كان عدد كبير من

стр. 352

القبائل العربية قد تجاوز حدود النوبة جنوبًا، يقول ابن خلدون: "وبالصعيد الأعلى من أسوان وما وراءها إلى أرض النوبة إلى بلاد الحبشة قبائل متعددة وأحياء متفرقة، كلهم من جهينة -إحدى بطون قضاعة- ملئوا تلك القفار وغلبوا النوبة على مواطنهم وملكهم، وزاحموا الحبشة في بلادهم وشاركوهم في أطرافها١". والواقع أن هجرة بطون كثيرة من جهينة إلى السودان كانت قد تمت في عصر ابن خلدون، ولا تزال آثار هذه الهجرات واضحة في السودان العربي، فالتجمعات البشرية المسماة باسم: رفاعة والكبابيش ودار حامد والبقارة في كوردفان ودارفور والمناطق الغربية تنسب نفسها إلى جهينة. وينبغي أن نوضح هنا أن هذه التجمعات البشرية إنما نتجت عن الاختلاط بين العرب المهاجرين والسكان الأقدم. وهذه أيضًا حال التجمع البشري العربي الثاني في السودان، ويطلق عليهم اسم "الجعليين"، وهؤلاء الجعليون منتشرون في المنطقة الممتدة من الحبشة إلى تشاد، وهكذا كان تعريب السودان مرتبطًا بالهجرات الوافدة عبر مصر، ولم يتضح بعد دور الهجرات عبر مضيق باب المندب والتي تفترض أنها أمدت السودات كذلك بدماء عربية ولسان عربي، ولكنا لا نستطيع القول بالرأي في هذا لنقص المصادر.

стр. 353

٢- المغرب وتعريب البربر: كانت هجرة بني هلال وبني سليم هي العامل الحاسم في تعريب المغرب في القرن الحادي عشر الميلادي، فالفتح الاسلامي كان ذا أثر في تعريب منطقة الساحل، وفي هذا يقول ابن خلدون: "العرب لم يكن المغرب لهم في الأيام السابقة بوطن، وإنما انتقل إليه في أواسط المائة الخامسة أفاريق من بني هلال وسليم اختلطوا في الدول هناك"١. وفي موضع آخر يقول ابن خلدون:

стр. 354

العرب لم يوطنوا المغرب، ثم إنهم دخلوا إليه في منتصف المائة الخامسة وأوطنوه، وافترقوا بأحيائهم وحللهم في جهانة١". والعبارتان تحملان قدرًا من التعميم الذي لا تبرره القرائن التاريخية التي نستقي بعضها من كتابات ابن خلدون نفسه، وعنصر التعميم هنا نفي ابن خلدون وجود تعريب في المغرب قبل الهجرة الهلالية. وقد لاحظ اللغوي الفرنسي وليام مارسيه وجود مجموعتين اثنتين من اللهجات العربية في المغرب٢ فالمدن الساحلية مثل القيروان وتونس وتلمسان وفاس تختلف في لهجاتها -وهي متشابهةمتقاربة- عن لهجات البدو والمناطق الريفية ومنخضات برقة وجنوب تونس والريف الجزائري وجنوب المغرب والسواحل الجنوبية. وبهذا تنقسم لهجات المغرب إلى مجموعتين متميزتين، تمثل كل مجموعة منهما مرحلة بعينها من مرحلتي تعريب المغرب. فالمجموعة الأولى وريث اللغة المشتركة التي تكونت في القرون الثاني والثالث والرابع للهجرة مع قيام المدن العربية في المغرب، والمجموعة الثانية وريث لهجات بني هلال وبني سليم. المجموعة الأولى -في المقام الأول- لهجات مدن، ويدعم هذا قول ابن خلدون عن عرب الفتح في المغرب: "إن الملك الذي حصل لهم يمنعهم من سكنى الضاحية ويعدل بهم إلى المدن والأمصار". وينبغي أن نلاحظ هنا أن هذه المجموعة من اللهجات تضم كذلك عددًا من اللهجات التي أثبتتها الدراسات الميدانية الحديثة للمناطق الزراعية التالية: الساحل التونسي، المنطقة الساحلية شمال قسطنطينة، ومنطقة تراره شمال قسطنطينة، وكذلك مرتفعات

стр. 355

جبالة في شمال فارس، وكل هذه اللهجات تكون مجموعة واحدة تتفق في عدد من الخصائص التي تميزها عن اللهجات العربية الأخرى في المغرب. فالمجموعة الأولى أقدم من المجموعة الثانية، يتضح هذا من كثرة الألفاظ البربرية بها، كما يتضح من أثر اللغة البربرية في هذه اللهجات. إن هذه اللهجات كانت في القرون الأولى جزرًا لغوية عربية في منطقة تحيط بها لهجات بربرية مختلفة. ومع هذا فقد تم في وقت مبكر تعريب قسم من البربر، فلا شك أن التعامل بالعربية مع مراكز الحكم جعل بعض البربر المحيطين بتلك المراكز يقبلون على تعلم العربية، وليس صحيحًا أن المناطق التي تعربت قبل الموجة الهلالية في القرن الحادي عشر الميلادي كانت تضم عرب الفتح وحدهم، فالبربر الذين بادروا إلى الإسلام وانتظموا في جيوش الفتح الإسلامي الزاحف إلى الأندلس اختلطوا بالعرب وتزاوجوا معهم، فاتخذت كثرة من الأسر الإسلامية الجديدة أنسابًا عربية ليدخلوا في الأرستقراطية الحاكمة. وبعد تأسيس مدينة فاس سنة ١٩٣هـ أصبحت هذه المدينة مركزًا للعرب والمتعربين في المغرب ولمن اضطروا لهجر الأندلس أو تونس في الظروف السياسية المضطربة. وفي نفس الوقت كانت العلاقات بين الأندلس والمغرب الأقصى تدعم مكانة العربية باعتبارها لغة التعامل المشتركة فضلا عن كونها لغة القرآن الكريم، وبذلك أسهمت هذه العلاقات في تعريب المنطقة. وقد لاحظ الباحثون تشابه ما عرف عن اللهجات العربية في أسبانيا والاستخدام اللغوي في هذه المدن المغربية الأولى. أما المجموعة الثانية من اللهجات العربية في المغرب فهي لهجات تتحدث بها مجموعات بشرية تنتسب إلى بني هلال وبني سليم. ومعروف أن هجرة بني هلال وبني سليم على المغرب "تغريبة بني هلال" أحدثت أكبر تحول بشري عرفته المنطقة في العصور الوسطى. وينبغي أن نقف قليلا لنتابع ظروف تحركاتهم وخط

стр. 356

سيرهم، فقد دخل الهلاليون مصر الفاطمية بدعوة من حكامها وعاشوا في الصعيد حياة بدوية، الغزو أحد مقوماتها "فعم ضررهم، وأحرق البلاد والدولة شررهم". وما لبث الفاطميون أن فكروا في دفعهم إلى المغرب ليقفوا في وجه البربر من صنهاجة الذين ثاروا على التبعية للفاطميين. وفي هذا يقول ابن خلدون: "دفعهم إلى حرب صنهاجة، ليكونوا عند نصر الشيعة والسبب في الدفاع عن الدولة، فإن صدقت المخيلة في ظفرهم بالمعز وصنهاجة كانوا أولياء للدعوة وعمالا بتلك القاصية، وارتفع عدوانهم عن ساحة الخلافة، وإن كانت الأخرى فلها ما بعدها"١. وترغيبًا لبني هلال في دخول المغرب "وصل عامتهم بعير ودينار لكل منهم، وأباح لهم إجازة النيل، وقال لهم أعطيتكم المغرب وملك المعز بن بلكين الصنهاجي العبد الآبق فلا تفتقرون"٢. وهكذا تحركت بطون كثيرة من بني هلال متجهين إلى المغرب العربي، وفي هذا يقول ابن خلدون: "سارت ... جميع بطون هلال إلى أفريقية كالجراد المنتشر لا يمرون بشيء إلا أتوا عليه حتى وصلوا أفريقية سنة ثلاث وأربعين "٤٤٣هـ"٣. وهكذا بدأت "تغريبة بني هلال" وبدأت بذلك سلسلة طويلة من الصدام والصراع بين الغازين وأبناء المنطقة. وقد اهتم ابن خلدون بهذه الموجة، واستخدم مصطلح "عرب الفتح" للدلالة على الموجة العربية الأولى التي دخلت المغرب، فهو يقول: "ولما تزاحم الفريقان انخذل بقية عرب الفتح وتحيزوا للهلالية للعصبية القديمة، وخانته زناتة وصنهاجة وكانت الهزيمة على المعز"٤، وهكذا دخل بنو هلال وبنو سليم المغرب. وبعد فترة سادها الصدام البدوي المعتاد والغزوات المتجددة، لاحظ الهلالية والبربر أن نمط حياتهم ومثلهم متشابهة متماثلة، وفي هذا يقول ابن خلدون:

стр. 357

البربر "أشبه الخلق بالعرب" فالبداوة ليست ظاهرة عربية ينفرد بها العرب، وما زلنا نعرف إلى اليوم بدوًا من البربر في المغرب، بل ويعتبر الطوارج "بجيم مصرية" أكثر البربر تبديا، وهم لا يمتون بصلة مباشرة إلى العرب، فهم لا يستخدمون في التعامل اليومي المحلي البربرية. كان البربر والعرب الغازون يمثلون نمطًا من أنماط الحياة يقوم على الرعي، ويدور داخل القبيلة، ويحتفل بالدم والأنساب. وأدى هذا التشابه إلى الاندماج بين العرب والبربر. وكان من الممكن أن يؤدي هذا الاندماج إلى ذوبان العرب في البربر لولا أن اللقاء كان في إطار الإسلام والحضارة العربية الإسلامية وبذا كان هذا الإندماج مشجعًا على تعريب أكثر البربر في المغرب. ونستطيع تتبع مراحل التعريب في ضوء ما كتبه المؤرخ ابن خلدون في القرن الرابع عشر الميلادي، فهو يصور لنا ثلاثة قرون من الانتقال المكاني والاندماج البشري والتحول اللغوي في المغرب. لقد صور ابن خلدون انتشار العرب في المغرب قبل تغريبة بني هلال قائلًا: "إن آخر مواطن العرب كانت برقة، وكان فيها بنو قرة بن هلال بن عامر.... ولما أجاز بنو هلال وسليم إلى المغرب خالطوهم في تلك المواطن، ثم ارتحلوا معهم إلى المغرب.... وبقي في مواطنهم لهذا العهد -القرن الرابع عشر الميلادي- أحياء بن جعفر"١. ومضت تحركات الهلالية وزاد اندماجهم لا مع عرب الفتح فحسب، بل مع البربر كذلك. ويهمنا هنا أن كثيرًا من القبائل البربرية قد تعربت بين القرنين الحادي عشر عندما دخل الهلالية، والرابع عشر عندما دون ابن خلدون كتابة: العبر. لقد تعربت قبائل بربرية كثيرة، فقبيلة كتامة من قبائل البربر٢ ولكنها كانت قد تعربت باندماج أهلها مع بني

стр. 358

سليم، وأخذ التجمع البشري الناتج ينتسب إلى بني سليم، وفي هذا يقول ابن خلدون: وهم ينتفون من نسب كتامة ويفرون منه لما وقع من أربعمائة سنة من النكير على كتامة بانتحال الرافضة وعداوة الدول بعدهم فيتفادون الانتساب إليهم، وربما انتسبوا في سليم من قبل مضر، وليس بصحيح"١. وذكر ابن خلدون بطونًا أخرى، كانت بربرية ثم اختلطت وتعربت فنسبت نفسها إلى العرب٢. ومن أهم الأمثلة الدالة على تعريب قبائل من البربر بين القرنين الحادي عشر والرابع عشر تعربًا كاملًا ما دونه ابن خلدون عن الهوارة٣، فهذه القبيلة الكبرى كانت من بطون البرانس، يتفق في هذا نسابة البربر والعرب، وكانت مواطنهم في القرن العاشر الميلادي -كما نقل ابن خلدون عن البكري- بنواحي طرابلس وما يليها من برقة٤، ولكنهم اختلطوا أول الأمر ببعض الهذليين الذين "جاءوا من مواطنهم بالحجاز مع العرب الهلاليين عند دخولهم إلى المغرب، واختلطوا بهوارة وحطوا في عدادهم"٥. ويبدو أن اشتغالهم بالتجارة مع بلاد السودان عبر الصحراء ومع الإسكندرية عبر الساحل جعلهم ينتشرون في منطقة واسعة ويختلطون ببني سليم. وكانت بطون من بني سليم تعمر المنطقة الممتدة من الإسكندرية إلى برقة، وبمضي الوقت اندمج الهوارة في بني سليم فأصبحت منازلهم جميعًا بين برقة والإسكندرية، وما نكاد نصل إلى القرن الرابع عشر الميلادي حتى نجد الهوارة "صاروا في عداد الناجعة -عرب بني سليم- في اللغة والزي وسكنى الخيام وركوب الخيل والإبل وممارسة الحروب وإيلاف الرحلتين في الشتاء والصيف في تلولهم، قد نسوا رطانة البربر واستبدلوها بفصاحة العرب، فلا يكاد يفرق

стр. 359

بينهم"١. وهكذا تحرك الهوراة شيئًا فشيئًا مقتربين من مصر وقد تعربوا باندماجهم مع بطون من بني سليم. ويبدو أن عددًا من الهوارة تحرك جنوباً إلى فزان فكانت لهم بها محطة تجارية عظيمة، أو كما يقول ابن خلدون: "كان لهم بها ملك ودولة"٢. ولم تكن هوارة القبيلة البربرية الوحيدة التي اختلطت مع عرب بني سليم وبني هلال فتعربت، فابن خلدون يذكر أن المنطقة الممتدة غرب الدلتا كانت بها "قبائل رحالة ينتقلون في نواحي البحيرة هنا، ويعمرون أرضها بالسكنى والفلح ويخرجون في المشاتي إلى نواحي العقبة وبرقة" ويذكر ابن خلدون من هذه القبائل "بعض بطون لواته" ثم يقول: "ويندرج فيهم أخلاط من العرب والبربر لا يحصون كثرة"٣. ولنقف قليلا عند نسب قبيلة لواته، فهي قبيلة من البربر تعربت شيئًا فشيئًا، وما نكاد نصل إلى عصر المقريزي حتى نجده يذكرهم بين القبائل العربية في مصر، ويقول: "وفي معظم بلاد البهنسا لواته، ومنهم طوائف بالجيزة وبالمنوفية"٤. وهكذا نلاحظ تحرك البربر المتعربين من المغرب الأوسط إلى البحيرة ثم إلى المنوفية والجيزة. ولكن انتشار البربر المتعربين لم يقتصر على الوجه البحري، فقد ذكر المقريزى هوارة، وحار في أصلها بين العروبة والبربرية٥. ثم حدد منازلهم في عصره قائلا: "ثم قدم منهم طوائف إلى أرض مصر، ونزلوا بلاد البحيرة.... وهوارة التي ببلاد الصعيد أنزلهم الظاهر برقوق بعد وقعة بدر بن سلام هنا سنة

стр. 360

اثنين وثمانين وسبعمائة تخمينًا"١، وهكذا دخلت مصر عدة قبائل عربية اللغة بربرية الأصل، فأسهمت في تعريب مصر بعد أن عربهم بنو سليم وبنو هلال في تغريبتهم بعد خروجهم من مصر. ولننظر بعد هذا فيما كتبه ابن خلدون عن قبائل البربر المقيمين في المغرب في عصره، فنلاحظ مع الباحثين أن عددًا من القبائل البربرية التي ذكرها ابن خلدون في المغرب الأقصى والأوسط قد تعربت، فقبيلة زناتة البربرية٢ كانت في عصر ابن خلدون قبيلة بربرية كبيرة، يقول: "وشعارهم بين البربر اللغة التي يتراطنون بها، وهي مشتهرة بنوعها عن سائر رطانة البربر، ومواطنهم في سائر مواطن البربر بأفريقية والمغرب"٣، ولكن أين هم اليوم؟ لقد ظهرت في المنطقة تجمعات بشرية جديدة تنسب نفسها جميعًا إلى بني هلال وبني سليم وتتوسل بالعربية، ولو سلمنا بأنهم جميعًا من أحفاد الهلالية والسليمية لتصورنا المنطقة كانت خالية قبل التغريبة. والأدنى إلى الصواب أن نقول بأن هؤلاء البربر، ومنهم القبيلة العظيمة زناتة قد تزاوجوا مع العرب، فتعربوا كما تعربت هوارة ولواته قبل ذلك، وبذلك تغيرت الصورة اللغوية للمغرب، فأصبحت، ربوعه –بعض النظر عن الجزر اللغوية البربرية- عربية اللسان. وختامًا لا بد أن نشير إلى أن المصادر التي ترسم لنا مراحل التعريب بعد القرن الخامس عشر لم تر النور بعد، وربما تكون المخطوطات العربية المغربية حافلة بمعلومات في هذا. غير أنا نود أن نوضح أن أكثر التنظيمات العشائرية هناك إنما ترجع على الأرجح إلى فترة الحكم التركي، وهي لا تنسب نفسها إلى زناته أو لواته، بل هي أولاد سيدي.... واليوم لا نجد التوزيع القديم، ولا نجد

стр. 361

اللهجات البربرية الباقية إلا في مناطق مرتفعة. وهنا يحضرنا قول ابن خلدون: "إن العرب لا يتغلبون إلا على البسائط" أي على الأرض السهلة، فالواقع أن موجة التعريب وقفت عند جبال البربر العالية.

стр. 362

٣- العربية جنوب دول المغرب: لا تقتصر العربية على الدول التي توصف اليوم بأنها من الدول العربية،* فانتشار اللغة العربية في موريتانيا لا يكاد يقل عنه في المملكة المغربية. وفي حديثنا عن تعريب المغرب كنا نتناول كذلك منطقة موريتانيا التي تمر بنفس الظروف والموجات البشرية تقريبًا، وعرفت الاختلاط بين العرب والبربر وغيرهم مما أتاح لها نوعًا من التعريب. ولا ينفي هذا أن اللهجات البربرية هي اللغات الأصلية لنصف سكان موريتانيا، فيما يقال، وأن نصف هؤلاء يستطيع التعامل بالعربية والبربرية، أي أن ثلاثة أرباع أبناء موريتانيا يستخدمون العربية لغة أساسية أو لغة تعامل أو لغة دين، رغم أن اللغة الفرنسية هي لغة الدولة الرسمية. ويواجهنا موقف مشابه إذا اتجهنا في المنطقة الممتدة من السنغال ومالي إلى تشاد، فالعربية مستخدمة هناك في مناطق كثيرة تارة لغة أم وأخرى لغة تداول. وتختلف كثافة هذه المناطق العربية من منطقة لأخرى، فالبحث لا يزال قاصرًا على استيعاب القارة الإفريقية لغويًّا. غير أنا نكتفي هنا بملاحظة بارت Barth وناختيجال١ Nachtigal أن العربية منتشرة من شمال السنغال ومنطقة النيجر إلى تمبكتو، ثم من بورنو إلى دارفور، والمنطقة الوحيدة التي ينقطع فيها استخدام العربية هي المنطقة من بورنو إلى تمبكتو. وأكبر تجمع بشري يستخدم العربية كلغة أم في هذه المنطقة هم ذوو حسان،

стр. 363

وتسمى لهجتهم العربية باسم "الحسانية". وهو الحسانية أو بنو حسان أو ذوو حسان يتحدثون العربية في حياتهم الخاصة. وقد دون ابن خلدون أول إشارة وصلت إلينا عن هؤلاء العرب الذين يطلق عليهم "عرب المعقل"، وقد عد ليو الإفريقي ذوي حسان أحد فروع ثلاثة كان عرب المعقل ينقسمون إليها١. يقول ابن خلدون: "كان عرب المعقل منذ دخول عرب الهلاليين إلى صحراء المغرب الأقصى أحلافًا وشيعًا لزناتة "العبر ٧/ ١٧٥". فهؤلاء العرب ربما جاءوا هذه المنطقة مع الهلالية، وربما جاءوا المغرب قبل الهلالية، أو قبيل الهلالية، غير أنا لا نستطيع لقلة المصادر الفصل في هذا، ولكن عبارة ابن خلدون تشير إلى كون عرب المعقل هناك عند دخول الهلالية صحراء المغرب الأقصى. لقد ألف بنو حسان بالعربية تراثًا لا تزال صورته غير واضحة المعالم، ولعل المكتبات الخاصة والعامة تميط اللثام قريبًا عن هذا التراث غير أنا نود هنا الإشارة على كتاب ألفه محمد بن أحمد يور العاقل الديماني بعنوان: "أخبار الأخبار بأخبار الآبار"٢. يقول المؤلف في كتابه بالأصل العربي لبني حسان، يقول: "لا خلاف

стр. 364

بين علمائنا وأهل النسب من قدمائنا كسيد محمد والد صاحب أنساب أهل الصحراء، وشيخه محمد السيد إلى أن بني حسان أصلهم عرب١. وذكر المؤلف بعد ذلك شراء شعرًا في مدح بني حسان بأنهم ورثوا الإقدام والجود والنجدة من قريش، وأنهم من نسل جعفر بن أبي طالب، ثم قال بعد ذلك: "وقد شاع هذا النسب على ألسنة العامة والخاصة ولهج به الصغير والكبير". ويتضح رأي المؤلف في هذا من العبارة التالية: "واعلم أن كون بني حسان من قريش غير متفق عليه ... وأما كونهم من العرب فلا خلاف فيه ولا شك، وبعضهم ينسبهم لهوازن وبعضهم ينسبهم إلى قريش". ويدعم محمد بن أحمد يور القول بالأصل العربي لبني حسان قائلا: "ويعضد ذلك أنهم لم يتكلموا قط إلا بالعربية" فهم ليسوا من البربر المتعربين بل من العرب الوافدين الذين جاءوا بلغتهم إلى وطنهم الجديد، يقول المؤلف: "بل سمعنا من غير واحد أن لغة أولهم كانت عربية قحة غير مشوبة بشيء من كلام البربر إلا أنها غير معربة". وقد حدد المؤلف دخول الحسانية هذه المنطقة بالعبارة التالية: "دخلوا هذه البلاد وتغلبوا عليها وعلى ما حولها من بلاد السوادين عام ١٠٤٠م". ورغم أن موضوع هذا الكتاب التعريف بالآبار وشرح أسمائها البربرية وأهمية الأماكن التي بها الآبار فإنه يضم كثيرًا من الأخبار ذات الأهمية الاثنولوجية واللغوية، فعندما تحدث عن أحد الأماكن قال عنه: "إنه مستقر بني ديمان من قديم الزمان إلى الآن وكان فيه من العرب أولاد بوزكر ثم جلاهم أمير الترارزة المختار بن عمر" وفي حديثه عن الأماكن المختلفة يذكر العلماء الذين عاشوا فيها أو دفنوا بها، فيقول عن سيد محمد بن سعيد اليدالي "ت ١١٦٦هـ" إنه مؤلف "الذهب الإبريز في تفسير كتاب الله العزيز، وحلة السيرى في أنساب خير الورى".... وبالكتاب فقرات طريفة توضح لنا أن التعليم والتأليف في تلك البقاع لم يكن قاصرًا على الرجال دون النساء، فالمؤلف

стр. 365

يذكر في ترجمة أحد العلماء: "أخذ العلم الظاهر عن أخته خديجة بنت محمد العاقل وكانت دولته حينئذ العلامة المختار بن بون صاحب طرة ألفية ابن مالك وغيرها من التصاريف والأمير الصالح الإمام عبد القادر المغربي، قرءوا ثلاثتهم عليها" ويذكر المؤلف بعد ذلك من مؤلفات خديجة: "شرح مليح على عقيدة محمد بن يوسف السنوسي المسماة بأم البراهين يدل على نباهتها في المعقول". ويبدو أن مؤلف هذا الكتاب كان يعرف بجانب العربية البربرية وإحدى لغات إفريقيا السوداء، وهو يشرح أسماء الأماكن في ضوء معارفه هذه "أنو كشوط، أصله أنو كشط" أما كلمة أنو فمعناها بير أو عين ماء، وهو يشرح الكلمة الثانية قائلا: "واكشط بالبربرية من لا أذنان له ومقطوعهما وهو البير الذي بنت الفرانسيسة عنده الآن"١. وهكذا يتيح لنا هذا الكتاب معرفة بالحياة اللغوية هناك. ولعل العبارة التالية توضح لنا مدى الصعوبة التي كانت تواجه هؤلاء المؤلفين في تلك الأنحاء وتبين صلتهم بالثقافة العربية، فهو يقول عن محمد الولي بن المختار.... ابن يدال "ت ١١٦٦": وكان إذا أوى الناس إلى مراقدهم بالليل أو قد شمعته ويبيت يؤلف إلى طلوع الفجر وكان يقول على وجه الإخبار لا على وجه الافتخار "لو لم يكن بدويا، فإنه كان حضريا لألف السيوطي". وهكذا عرفت هذه المنطقة اللغة العربية من عدة قرون وعرفى مؤلفين يطالعون مؤلفات ابن مالك ويعلقون عليها ويعرفون السيوطي ويؤلفون بالعربية. ولا تزال انتشار لهجتها في غرب إفريقيا بحاجة إلى بحث لغوي جغرافي دقيق، ولدينا بحث عن لهجة الحسانية في موريتانيا، ومعجم فرنسي عربي، وعربي فرنسي أعده في دراسته عن السنغال المستشرق مفرنسي باسيه.

стр. 366

هذا وتوجد في المنطقة الممتدة من تمبكتوا إلى كانم وواداي إلى غرب السودان تجمعات بشرية كثيرة تتحدث العربية كلغة أم أو تستخدم العربية كلغة تداول، وليست لدينا دراسات تفصيلية عن الحياة اللغوية لهذه الجماعات الأثنية، غير أننا نستطيع -اعتمادا على ما جاء في كتب الرحالة العرب في العصور الوسطى وبعض الرحالة الأوروبيين في العصر الحديث- أن نعرف بعض هذه الجماعات العربية في قلب إفريقيا، وترسم المصادر الصورة التالية العربية هناك: ١- منطقة تشاد بها حوالي مليون عربي، وهؤلاء العرب مرتبطون بعرب الشرق الإفريقي، فهم ينتمون إلى بطون جهينة، وهم بذلك امتداد لبطون جهينة في السودان، وأكثرهم يعيش إلى الآن حياة بدوية قبلية. وأقدم إشارة إليهم نجدها في كتاب المسالك والممالك للبكري "ت ٤٨٧- ١٠٩٤". "ويزعمون أن هنالك قومًا من بني أمية صاروا إليها عند محنتهم بالعباسيين وهم على زي العرب وأحوالها"١. وهذه العبارة عرفها الباحث كامفماير ولم يستطع تفسيرها وإن سلم عن حس صادق بإمكان كونها تعبيرًا عن حقيقة تاريخية، والواقع أن تفسير هذه العبارة مرتبط بتاريخ القبائل العربية في مصر وصدام هذه القبائل مع العباسيين الذين حرموا هؤلاء البدو من مكانتهم كطبقة عسكرية لها رواتبها الدائمة. لقد اصطدم هؤلاء مع السلطة العباسية فكان عليهم إما التحول إلى احتراف الزراعة وإما الرحيل، فتحركت بطون منهم إلى الجنوب. وها نحن نجدهم في القرن الحادي عشر لا يزالون محتفظين في ذاكرتهم بولائهم للبيت الأموي وبلغتهم وبنمط حياتهم. ويبدو أن عرب جذام الذين دخلوا مصر مع الفتح الإسلامي كانوا من هؤلاء العرب، فلدينا في صبح

стр. 367

الأعشى "٨/ ١١٧" وثيقة يشكو فيها حاكم برنو من غزوات "أعراب جذام وغيرهم" وليست هذه الموجة هي المكون البشري العربي الوحيد لمنطقة تشاد فكثير من القبائل العربية هناك تنسب نفسها إلى جهينة، وقد هاجرت جهينة وهي قبيلة جنوبية على مصر في العصر الفاطمي. ونحن لا نعلم علم اليقين الطريق الذي اتخذه هؤلاء من الجنوب العربي إلى تشاد، ربما كان طريقهم عبر سيناء ومصر أو عبر مضيق باب المندب. ولكن الذي يؤكده الرحالة بارت والباحث كامبفماير أنهم لم يصلوا منطقتهم عبر المغرب الأقصى وموريتانيا، فهناك منطقة خاية من الجماعات العربية تقع بين بورنو وتمبكتو، وبذلك ينتمي عرب منطقة تشاد إلى عرب المشرق الإفريقي، فهم مرتبطون مع قبائل السودان لا مع قبائل المغرب. وقد ذكر الرحالة بارت أسماء عدد من البطون العربية اللغة، وبعضها ينتسب إلى الهلالية. وهم منتشرون في دارفور وواداي وبورنو. ويبدو أنهم في رأي كامبفماير، قد جاءوا هذه المنطقة من تونس، وفي هذا نظر، فالموجات الهلالية الباقية في صعيد مصر والعائدة إلى مصر، أو التي كانت في منطقة فزان يمكن أن تكون مصادر خرجت عنها هذه المجموعة إلى تشاد. هذا وتتعدد أسماء القبائل عند الرحالة الذين جابوا هذه المنطقة، فهم يتحدثون عن بني حسن الذين يتحدثون العربية فقط وعن بني وائل الذين قال عنهم الرحالة إنهم لا يتحدثون العربية ولهم لغة خاصة بهم، وعن أولاد راشد، والمحاميد الذين يتحدثون العربية ولونهم يقل سمرة عن جيرانهم من غير العرب. ولعل من المفيد أن نشير هنا أن عرب واداي ينسبون أنفسهم إلى عرب اليمن، وتدل القرائن على صحة ذلك. ويؤكد عرب واداي قرابتهم لمعقل، ومعقل من أصل جنوبي. ولا أدل على جنوبية ذوي حسان وأحد فروع معقل الكبرى، من أنهم يصفون أنفسهم باستخدام كلمة "ذو" التي شاعت في هذا السياق بين عرب اليمن، وذلك: مثل: ذو نواس. وهناك دليل آخر على

стр. 368

كونهم من أصل جنوبي وهو أنهم يستخدمون الإبل المهرية، ولم تكن هناك إبل قبيل دخول العرب إفريقيا، فالرومان لم يذكروا الإبل في شمال إفريقيا وارتباط الإبل بهذه التسمية ونسبتها إلى المهرة دليل على ارتباطها بمنطقة المهرة على الساحل الجنوبي لجزيرة العرب. وقبل أن نترك هذه المنطقة لا بد أن نشير أن هناك عدة لهجات عربية قد تكونت في وسط إفريقيا١، وهذه اللهجات تنضوي بين ما يطلق عليه عند الباحثين اسم: العربية الهجين pidgin- arabic وأهم هذه اللهجات الهجين توجد في تشاد وجنوب السودان وأوغندا٢، وكل هذه اللهجات متأثرة باللهجات الإفريقية تأثرًا بعيدًا حتى إنه من الصعب على من لم يتعلمها من أبناء اللهجات العربية الأخرى أن يفهمها، ومن ثم يطلق عليها اللهجات الهجين.

стр. 369

٤- العربية لغة الدين والثقافة الإسلامية: اللغة العربية هي لغة الدين الإسلامي والثقافة العربية الإسلامية في مناطق أخرى من إفريقيا لا تسودها اللغة العربية. فقد ارتبط الإسلام بحفظ قدر من القرآن الكريم هو الحد الأدنى الضروري للصلاة وحفظ هذه الآيات مرتبط أساسا بقراءة الخط العربي. وفوق هذا فعلى رجال الدين وأصحاب الثقافة الدينية قراءة كتب في الفقه الإسلامي بالعربية ومن أراد منهم التعمق في فهم هذه الكتب فعليه دراسة شيء من العلوم العربية كالنحو والصرف والبلاغة وهكذا ارتبط الإسلام بالعربية.

стр. 370

على نحو يجعل للعربية درجة من الانتشار في كل المناطق الإفريقية التي تضم جماعات إسلامية، ولنحاول أن نوضح هذا بأمثلة من بعض المناطق الإفريقية هذا ولا يجوز اعتبار كل منطقة إسلامية منطقة عربية إذ مدى المعرفة بالعربية يرتبط بالعلاقات الأثنية للمسلمين، فالمسلمون في اتحاد جنوب إفريقيا مثلا يكونون مجموعة أثنية متميزة، فمعظمهم من الملايو وأندونيسيا، وقدر عددهم في إحصاء سنة ١٩٥١ بـ٦٣ ألفا بجانب قلة من أصول عربية، يتحدث هؤلاء عن اللهجة الجرمانية التي حملها المستعمرون الجرمان معهم إلى جنوب إفريقيا، غير أن الاستخدام اللغوي للغة الأفريكانز عند المسلمين به عناصر من اللغة العربية لم يأخذوها عن العربية مباشرة بل عبر لغة الملايو. كان هؤلاء المسلمون يلتقون لاستخدامها لغة الملايو المكتوبة بالخط العربي١. ومنذ عدة حقب ظهرت لهم كتب دينية أحلت لغة الأفريكانز محل لغة الملايو في المجالات الدينية، فقديمًا طبعوا كتبهم الدينية كترجمات مالاوية لكتب عربية وهناك كتب كثيرة طبع فيها النصان متوازيين، واليوم أحلوا الأفريكانز محل الملايوية، وأخذوا يكتبون لغة الأفريكانز لا بالحروف اللاتينية كما يفعل المسيحيون بل بالحروف العربية. فهؤلاء مسلمون يكتبون بالخط العربي، ولكنهم لا يكادون يعرفون من العربية إلا ما تسرب منها عبر الملايوية من مصطلحات دينية. فالمصادر العربية تشير كثيرًا إلى "مالي" و "ملك مالي"، فابن خلدون يحدثنا عن "ملك مالي أعظم ملوك السودان"٢، وكلمة السودان عند ابن خلدون لا تعني دولة السودان بحدودها الجغرافية التي نعرفها اليوم، بل تدل على

стр. 371

إفريقيا السوداء عمومًا، ويحدد ابن خلدون الرقعة الجغرافية التي كانت عليها مملكة مالي، فهي تجاور المغرب، وتتاخم مواطن قبيلة صنهاجة البربرية وتتاخم كذلك موطن ذوي حسان١. وخصص العمري "٤٨٧هـ = ١٠٩٤م" في كتابه مسالك الأبصار فصلا عن مالي. وقد زار ابن بطوطة "ت ١٣٧٧م" مالي وظل بها عدة أشهر ولاحظ أنهم مسلمون يصومون ويحجون ويقيمون الصلاة ولكنهم على عادات وثنية، ونلاحظ كذلك في حديث ابن بطوطة عن مالي أنهم كانوا على صلة بمصر وأن بعض المصريين كانوا يعيشون هناك. ولكنا نلاحظ أنهم لا يستخدمون العربية، ومن ثم فقد نجمت الحاجة إلى مترجمين ييسرون التعامل. أما الصورة التي يرسمها ابن بطوطة للساحل الصومالي فتشبه ما ذكره عن مالي غير أن السلطان الحاكم في مقديشو "كلامه بالمقدشي ويعرف العربية" ويطول بنا الكلام لو تحدثنا عن انتشار العربية سلبا في غرب إفريقيا أو شرق إفريقيا، والمصادر المتاحة نادرة، والتراث العربي الإفريقي لا يزال مجهولا ولم ينشر أكثره بعد، غير أن الملاحظ في كثير من دول إفريقيا ذات الجماعات أو الأغلبية الإسلامية وجود معرفة بالعربية. ففي نيجيريا الشمالية يعيش حوالي عشرة ملايين مسلم، ويتناول التعليم الديني عندهم في أدنى مراحله الخط العربي والقرآن ومعظم تلاميذه من البنين، وفي المراحل الأعلى يتناول برنامج الدراسة الإسلامية: النحو العربي وعلم الكلام وعلم الحديث وقدرا من النصوص الأدبية، وهناك كتب مشهورة في المعاهد الإسلامية في نيجيريا الشمالية مثل كتاب الأحاديث الأربعين للنووي، ومختصر خليل في الفقه ويطلق عليه الكتاب، ومقامات الحريري٢.

стр. 372

وينبغي أن نشير هنا أن العربي في هذه المنطقة ليست وحدها لغة الثقافة، فلغة الهاوسا متداولة غير أن المعرفة بها لا تزيد على المعرفة بالإنجليزية هنا. ويخلق الصراع بين النزوع إلى التدين والرغبة في ممارسة الحياة الحديثة- قيام مشكلات كثيرة تؤثر بالضرورة على تعليم اللغة العربية في تلك المنطقة. أما في شرق إفريقيا فتعتبر زنجبار أكبر نقطة تركيز إسلامية تتوسل بالثقافة العربية، وهم مرتبطون في قسم منهم بالجنوب العربي أثنولوجيا وثقافيا. أما في أوغندا فالمسلمون من أصول هندية ويمنية وعدد كبير منهم من أصول إفريقية، وهناك تعليم ديني يقوم به رجال الدين، ويطلق على الواحد منهم ملا وهي التسمية الفارسية لرجال الدين ويقتصر هذا التعليم على المراسم الدينية، أما كبار رجال الدين فلديهم إجازات في الباكستان ودار السلام وزنجبار وحضرموت وعدن، وشبيه بهذا ما يلاحظ في كينيا والمشكلة التي تواجه اللغة العربية هناك أنها مرتبطة بالماضي وتعلم كأداة لفهم الدين، فمعاهد العلم التي تتيح تعلم العربية هي معاهد إسلامية. أما التعليم الفني الحديث فلا يهتم بتعليم العربية، ولعل السنوات القادمة تتيح تغيرا في هذا الموقف. هذا وقد أدت الترجمة السواحلية للقرآن التي أعدتها الطائفة الأحمدية إلى جذب الكثيرين نحو الإسلام، فحوالي ٨٠- ٨٥% من المسلمين الإفريقيين قد أسلموا على يد الأحمدية. ولا ينفي هذا أن هناك دراسات لا تزال تجعل اللغة العربية ضمن برنامج التعليم الديني، ففي مومباسا يلتقي طلاب مع شيوخهم في المساجد لدراسة اللغة.

стр. 373

العربية والتفسير والفقه والبلاغة والحديث والتصوف والتوحيد في حلقات مسائية ذات برنامج يمتد سنوات. ورغم اختلاف الطوائف الدينية الإسلامية فكل من أراد ثقافة إسلامية عالية يتوسل بقدر من العربية يتيح له الإطلاع والفهم. أما في الصومال فالعربية أكثر انتشارًا واستخدامها إيجابي١فهي لغة التعامل والكتابة والعربية لغة الدين والحياة العامة ولذا فهي تفهم أكثر من اللغتين الإنجليزية والإيطالية هناك. غير أننا نود هنا أن نلاحظ أن المعرفة بها في كل هذه المناطق تكاد تكون قاصرة على الرجال، فهم الذين يتعلمون ويقومون بالعلاقات في الحياة العامة.

стр. 374

الفصل الخامس عشر: اتجاهات التغير في البنية والمعجم التغير في البنية مدخل ... الفصل الخامس عشر: اتجاهات التغير في البنية والمعجم ١- التغير في البنية: عندما كتب سيبويه في القرن الثاني الهجري كتابه العمدة في النحو لاحظ اللغوي العظيم أن صوت الضاد من الأصوات الصعبة التي لا يسهل نطقها على غير البدو، وتحدث عن نطق آخر لها أطلق عليه "الضاد الضعيفة"١. ولسنا نريد هنا أن نفصل القول في كيفية النطق للضاد البدوية، فهذا لا يزال موضع خلاف بين الباحثين، ولكن الضاد الضعيفة على كل حال ثمرة أثر من آثار الأساس اللغوي، فاللغات التي سبقت العربية في الشام والعراق ومصر والمغرب لم تكن تعرف الضاد ... كانت العراق حيث عاش سيبويه ملتقى لأخلاط من القوم يتحدث أكثرهم باللهجات الآرامية التي لا تعرف صوتا اسمه الضاد. ولذا فقد نتج عن محاولتهم الناقصة النطق بالضاد ذلك الصوت الذي يطلق عليه سيبويه اسم الضاد الضعيفة.

стр. 375

وربما يتصور البعض في مصر أو في العراق أن هذه الضاد التي تنطق اليوم هي الضاد التي كان ينطقها امرؤ القيس أو زهير قبل الإسلام، أو كعب بن زهير في صدر الإسلام، أو الخليل بن أحمد في القرن الثاني للهجرة، وهذا غير صحيح، فالنطق العراقي الحالي للضاد يخلطها مع الظاء خلطًا يجعل التلاميذ يخلطون في الكتابة بين هذه وتلك. وهذه الظاهرة ليست وليدة الساعة بل بزغت مع استقرار العربية في العراق، وهناك عدد كبير من الرسائل أكثرها من العراق والمغرب يحاول مؤلفوها فيها التمييز بين الكلمات ذات الضاد والأخرى ذات الظاء، ولولا الخلط لما كانت هناك صورة لتأليف هذه الرسائل١. لقد التقت الضاد والظاء في العراق في نطق واحد هو النطق الذي يسمعه أبناء مصر ظاء، أما في مصر فهناك تطور مواز، فقد التقت الضاد والظاء في نطق واحد، فنحن نقول اليوم كلمة "ظل" في العامية كما لو كانت بالضاد. ولسنا نريد الآن تحديد زمن هذا الخلط، وقصارى محاولتنا هنا أن نبين أن هذا النطق الذي يتصوره بعض أبناء مصر نطقًا قديمًا للضاد ليس كذلك، فهذا النطق الحديث يجعل من الضاد صوتًا مطبقًا مقابلا للدال. ولكن سيبويه جعل المقابل المطبق للدال هو الطاء لا الضاد. وهنا وجه الخلاف بين القديم والحديث، فالإطباق في اصطلاح علماء الأصوات العرب القدامى والمعاصرين اتخاذ طرف اللسان وأقصاه وضعا مرتفعا نحو الحنك الأعلى مع حدوث تقعر في وسط اللسان. ولو طبقنا الفهم العلمي الدقيق لنصوص سيبويه على البحث الصوتي لخرجنا من هذا أن النطق القديم للطاء "ط" هو ما ينطبق تماما على النطق الحالي للضاد في مصر، فالضاد في مصر تنطق مثل الدال، اللهم إلا أن الضاد مطبقة والدال غير مطبقة، وقديمًا قال سيبويه "ولولا الأطباق لصارت الطاء دالا.... ولخرجت الضاد من الكلام لأنه ليس شيء في موضعها غيرها"٢ لقد حدث.

стр. 376

إذن تطور في عدد من الأصوات، لقد صعبت الضاد فتحولت على نطق جديد وتغير نطق الطاء. وهناك قضية يثيرها كثير من الباحثين حول نطق القاف، وقد وصف سيبويه نطق هذا الصوت وصفًا يجعله من الأصوات التي يهتز الوتران الصوتيان اهتزازًا شديدًا عند النطق بها، ويطلق على هذا النوع من الأصوات اسم: "الأصوات المجهورة"، ولكن النطق الحالي لهذا الصوت في قراءتنا للعربية الفصحى لا يجعل الصوت مجهورًا، أي أن الوترين الصوتيين لا يهتزان اهتزازًا يذكر عند النطق بالقاف في نطقها التقليدي على مستوى الفصحى، فكيف نتج الاختلاف؟ هل تطورت القاف من صوت مجهور إلى صوت غير مجهور؟ وكيف كانت القاف القديمة؟ يرى بعض اللغويين أن هذه القاف القديمة هي القاف البدوية أعنى الجاف البدوية، وليعد القارئ الكريم بسمعه إلى البدو يقول "هو جال لي وأنا جلت له"، إن هذه الجاف مجهورة فعلا وقد تكون هي القاف التي عرفها سيبويه. ويرفض بعض الباحثين هذا التفسير قائلين: بأن القاف القديمة تشبه الغين الحالية أي تشبه النطق العامي الحالي للقاف في السودان والكويت والخليج العربي١. ويرى بعض الباحثين أن هذا الصوت هو الوريث الحقيقي للقاف القديمة. أن ظواهر التطور الصوتي كثيرة وحسبنا مع ضيق المكان ما ذكرناه.

стр. 377

كلمات جديدة: أما التطور في الكلمات فأبعد مدى وأكثر وضوحًا، إن وزن فاعل ووزن مفعول والأوزان الأخرى هي هي، لم يكد يطرأ عليها تغير في البنية، ولكن التغير في هذه الأوزان يكمن في بناء كلمات جديدة لم يكن يعرفها المجتمع البدوي القديم. ولننظر نظرة بسيطة إلى مادة جمع في "لسان العرب" مقارنين

стр. 378

إياها بنفس المادة في معجم دوزي١، والمعروف أن كل المادة التي في لسان العرب المؤلف في القرن السابع الهجري قد أخذت من معاجم سبق تأليفها في مراحل سابقة، وهذه المعاجم أخذت مادتها بدورها من الرسائل اللغوية التي أثمرت عنها حركة جمع اللغة في البادية في أواخر القرن الأول وعلى امتداد القرن الثاني وأوائل القرن الثالث. والاستثناء الوحيد هنا هو ما أخذه صاحب لسان العرب من معجم تهذيب اللغة للأزهري، فقد سجل الأزهري بنفسه في القرن الرابع الهجري مادة لغوية في البادية. إن مادة اللسان إذن مادة بدوية وجلها يرجع إلى القرن الثاني الهجري، فماذا تفعل الحضارة العربية الإسلامية والعلوم الناشئة والمجتمع الحضري في العراق والشام ومصر والمغرب والأندلس بهذا المعجم البدوي الذي يعرف للجمل أكثر من مائة اسم، وماذا يفعل المفكر الأندلسي بمائة اسم للأسد؟. لقد نشأت كلمات جديدة مع الضرورات الحضارية الجديدة، ولولا هذه التجديدات لما عرفنا الحضارة العربية الإسلامية في أبعادها المأثورة. وعندما حاول المستشرقون الأوربيون قراءة التراث العربي الإسلامي لم يسعفهم لسان العرب في الفهم الدقيق للكلمات وطال تفكيرهم، وحاولوا بالمقارنة فهم السياق حتى عرفوا المقصود معرفة تصيب أحيانا وتجافي الصواب أحيانا. وهنا ظهرت الحاجة إلى تأليف معجم مكمل للمعاجم العربية، وقام المستشرق دوزي بعمل هذا المعجم. ومن الطريف هنا أن نقارن مادة من المواد في اللسان كمثل للغة البادية بما جمعه دوزي كنموذج للكلمات التي استخدمت في عصر الحضارة العربية الإسلامية. وكي نكمل الصورة لننظر في المعجم القيم الذي ألفه عالم هندي جليل في القرن الثالث عشر الهجري هو التهانوي، وهذا المعجم هو كشاف اصطلاحات الفنون. لقد أمدت اللغة البدوية مجتمع الحضارة الإسلامية بالمواد اللغوية المختلفة

стр. 379

ونعنى بالمواد هنا الحروف الأصول، وأمدت أيضًا بعدد من القوالب أو الأوزان ولكنها لم تكن بحاجة إلى استخدام جميع الأوزان من كل كلمة، فمثلا وزن انفعل من المادة جمع أي: انجمع. لم يرد في لسان العرب ولكنه استخدم في الأندلس الإسلامية. يقول المقري: "انجمعت عن كل النفوس". الأوزان: أفعال وافعوعل أو افعنلل أو افعنلي وغيرها من الأوزان النادرة لم ترد أيضا من المادة "جمع"، ولكن القضية ليست فقط قضية وجود الكلمة، فالكلمة كرمز صوتي لا قيمة لها دون استخدام، والمعنى هو العنصر الثاني بعد وجود الرمز، فالرمز اللغوي لا يكون رمزًا إلا إذا كان له معنى، وسنحاول فيما يأتي تتبع تطور بعض الألفاظ التي تدخل في مادة "جمع". لقد عرف لسان العرب كلمة "جمع" أنها نتيجة ضم شيء إلى شيء، أو أنها مرادف لكلمة جماعة من الناس، والجمع أيضًا هم القوم المجتمعون، والجمع فوق هذا وذاك: الأشتات من التمر. ولكن العلوم العربية الإسلامية استخدمت كلمة الجمع كاصطلاح، وكل علم عرف لهذا الاصطلاح معناه، يوضح هذا لنا كتاب التهانوي كشاف اصطلاحات الفنون١، فالجمع عند المحاسبين هو زيادة عدد على عدد آخر، أي أننا إذا أضفنا ٥+ ٦ = ١١ لكان هذا جمعًا. ولو أضفنا ٥+ ٥ = ١٠ لكان عنده تضعيفًا. ويذكر التهانوي أيضًا الجمع عند علماء أصول الفقه: وهؤلاء هم المهتمون بالقضايا المنهجية للفقه الإسلامي، فالجمع عندهم: أن يجمع بين الأصل والفرع لعلة مشتركة بينهما ليصح القياس". وأما الجمع عند النحويين فله معانيه وصوره المختلفة، ونفس المصطلح تجده أيضًا عند البديعيين والصوفيين والمنطقيين وغيرهم من أصحاب العلوم. وهكذا استخدمت الكلمة القديمة "جمع" استخداما اصطلاحيا متنوعًا. ولنقف قليلا عند كلمة "الجامعة". فهذه الكلمة استخدمت كما يخبر

стр. 380

لسان العرب- صفة للمؤنث واسما، فالصفة مثل قولهم "سورة جامعة" أي جمعت فيها أشياء كثيرة، و "الجامعة" اسما بمعنى الغل أو القيد، وشتان بين هذا الاستخدام والاستخدام الحديث، نحن نعرف الجامعة اليوم تيارًا سياسيًّا هو الجامعة الإسلامية، ومنظمة دولية هي: الجامعة العربية ومعهدًا أكاديميًّا مثل جامعة القاهرة ومعهدًا علميًّا غير أكاديمي مثل الجامعة الشعبية. أما كلمة "جماعة" فيبدو أن استخدامها كثر وشاع بمعنى محدد جديد في عصر الحضارة الإسلامية إن لسان العرب يعرف الكلمة، فالجماعة عنده الجمع من الناس أو الشجر أو النبات، ولكن إذا نظرنا في معجم دوزي لاحظنا أن معظم أمثلته حول كلمة جماعة مأخوذة من مؤلفات الأندلسيين والمغاربة. ذكر دوزي في استخدام الكلمة: "مذهب السنة والجماعة"، "أهل السنة والجماعة" "جماعة المسلمين" "أمر الجماعة" "افترق أمر الجماعة" "المستمسكون بالجماعة" ... إلخ. وواضح أن كلمة الجماعة تعني هنا الصف الإسلامي "الموحد" وكل هذا نقله دوزي عن المقري وابن خلدون وأبي حيان وغيرهم من المغاربة. ولنفكر قليلا في استخدامنا العامي لكلمة جماعة كناية عن الزوجة. ... لنلاحظ تغيرًا في دلالة الكلمة. وهناك عدد من الألفاظ لم تعرفها اللغة العربية حتى القرن الثاني إذا سلمنا أن لسان العرب قد قدم لنا صورة أمينة لها، فكلمة "جمعية" لم يعرفها اللسان ونجدها لأول مرة في معجم دوزي، وهو يذكر تحتها "جمعية أهل البلد" ولكنا نستخدم الكلمة اليوم استخدامًا اصطلاحيًّا شائعًا فنتحدث عن الجمعية العمومية لإحدى الشركات المساهمة وعن الجمعية العامة للأمم المتحدة كمجموع الأعضاء المساهمين أو المشتركين، وعن جمعية الإسعاف كمنظمة خيرية، وعن الجمعية التشريعية كمجلس نيابي، وعن الجمعية التعاونية، وكذلك عن الجمعية الاستهلاكية. وهكذا ظهرت الكلمة واستخدمت وشاعت. وشبيه بهذا القول في كلمة "اجتماع" فهذه الكلمة لم يعرفها اللسان وذكرها

стр. 381

دوزي عن أبي الفداء بمعنى اللقاء، ثم أفرد لها التهانوي في "كشاف اصطلاحات الفنون" عرضها مسهبا، وتحدث عن مفهوم "الاجتماع" عند المنجمين وعند علماء الكلام وكذلك عند النحاة، فلكل علم مصطلحه ... وإذا قلنا اليوم كلمة "الاجتماع" تبادر إلى الذهن اجتماع مجموعة من الناس في مكان ما أو اجتماعهم على شيء، وربما تذكر البعض "علم الاجتماع" هذا العلم الجديد الذي استعان بالكلمة القديمة ليسمى نفسه في العربية، وربما خطر في ذهن أحد القراء وزارة الشئون الاجتماعية ... فكلمة اجتماعية من اجتماعي، والأخيرة من اجتماع، وربما تذكرنا المساواة الاجتماعية أو العلاوة الاجتماعية، كل هذا من الكلمة التي لم تكن تعرفها لغة البدو حتى القرن الثاني، وهل كان لمجتمع البداوة أن يعرف العلاوة الاجتماعية أو علم الاجتماع أو اجتماع الساكنين عند النحاة! ولعل من غير المتصور أن يتحدث اليوم مثقف عربي دون أن يستخدم كلمة "مجتمع"، ولكن هذه الكلمة لم يعرفها اللسان، وأقدم استخدام نعرفه لها هو ما سجله دوزي نقلًا عن الجغرافي الصقلي المشهور الإدريسي، وربما كان الإدريسي أول من عرف هذه الكلمة التي أصبحت في العصر الحديث مصطلحًا مهما. وشبيه بهذه كلمة "مجتمع"، نتحدث اليوم عن المجمع العلمي والمجمع اللغوي، فهل عرفت لغة البادية هذه الكلمة؟ نعم لقد عرفتها ولكن بمعنى الجمع من الناس ونقطة الالتقاء وموضع الاجتماع، وهذه المعاني القديمة أصل للاستخدام الحديث. وفوق هذا وذاك فنحن نعرف اليوم كلمة "المجموع" كاسم قائم برأسه وكذلك كلمة "المجموعة" كاسم آخر، ولكن الكلمة عرفت قديمًا، فالمجموع في اللسان ما جمع من هنا وهناك وإن لم يجعل كالشيء الواحد، ولكن كلمة المجموعة لم تعرف قديمًا كاسم قائم بذاته بل كصفة، ولنقرأ أمثلة دوزي: "قرية مجموعة عامرة" بليدة مجموعة أي زاخرة بالسكان، ولكن الكلمة.

стр. 382

تحولت اليوم في الاستخدام الحديث إلى اسم قائم بذاته. وأخيرًا نذكر كلمة "تجمع" هذه الكلمة الشائعة في الاستخدام المعاصر والتي لم تعرفها المعاجم القديمة ولا محاولات استكمالها، وكأن هذه الكلمة صياغة جديدة لمادة قديمة في شكل قديم. فإذا كانت المادة قديمة في العربية والأوزان المختلفة قديمة أيضًا، فإن الاستخدام اللغوي القديم لم يكن بحاجة إلى صياغة كل الأوزان والمشتقات من هذه المادة فالتطور الذي حدث يكمن في صياغة كلمة جديدة من وزن معروف ومادة معروفة، وهكذا تظهر من العنصرين كلمة جديدة، ويظهر التطور أيضًا في استخدام الكلمة القديمة لتؤدي دلالة جديدة أرادت العلوم أو الحضارة التعبير عنها، فوجدت في الكلمة القديمة إمكانية طيعة طورتها بالاستعمال في المعنى الجديد فاكتسبته. وأصبحنا لا نعرفها إلا في الاستخدام الجديد.

стр. 383

تراكيب نحوية جديدة: وفوق هذا وذاك فهناك ظواهر كثيرة نلاحظها في بناء الجملة العربية الحديثة، ولا تكاد تبدو شائعة في الضوابط التي استخرجها النحاة من لغة القرون الأولى فالجملة العربية الحديثة كما نعرفها في الكتابات والمؤلفات والصحافة تعرف تراكم المصادر على نحو لم يعرف قديمًا بنفس القدر من الانتشار. نقرأ اليوم عن احتمال قيام حرب في منطقة ما، والكلمات: احتمال، وقيام، وحرب، كلها مصادر أضيف سابقها إلى لاحقها ونسمع من الإذاعة على لسان أحد رجال الأمم المتحدة: استحالة منع نشوب حرب بين مصر وإسرائيل والكلمات: استحالة، ومنع، ونشوب، وحرب، كلها مصادر أضيف سابقها إلى لاحقها على نحو لم تكن تعرفه اللغة القديمة على هذا النحو التراكمي. هذا وينبغي أن نذكر في هذا الصدد أن دراسات النحاة العرب للغة إنما قامت على أساس لهجات بعض القبائل ولغة الشعر العربي في القرن الثاني للهجرة، ولم تضع هذه الدراسات نصوص النثر العربي الذي ازدهر بعد هذا في بؤرة التحليل اللغوي، ولذا فمن الصعب الاعتماد على كتب النحاة القدماء لنتعرف

стр. 384

على طبيعة الأساليب التي عرفها النثر العربي الإسلامي، ونحن الآن نلاحظ بعض الظواهر الموجودة في النثر فنلاحظ الشائع الجديد في النثر ولا نراه في تلك المؤلفات التي قامت أساسًا على دراسة لغة الشعر، فأحكامنا هذه تظل نسبية إلى أن يوضح البحث نسبة شيوع هذه الظواهر في الشعر والنثر على نحو تاريخي، وهذا هو ما يصبو إليه النحو التاريخي للغة العربية. يعرف النثر العربي الحديث اتجاهًا إلى فك حالة الإضافة باستخدام حرف جر، وهذه الظاهرة شائعة نمارسها ونفهمها ليل نهار، فنحن نتحدث عن صورة من الصور ونقول: هذا منظر عام للواجهة الأمامية لجامعة القاهرة، تفصيلا للعبارة الموجزة: منظر واجهة جامعة القاهرة، ولنقارن الجملتين: ففي الثاني كلمة منظر مضافة إلى واجهة، وكلمة واجهة مضافة إلى جامعة ولكن الجملة الأولى عرفت فك حالة الإضافة مستخدمة بين المضاف والمضاف إليه حرف جر هو اللام، فبدلا من "منظر واجهة" نقول "منظر لواجهة"، وبدلا من "واجهة الجامعة" نقول "الواجهة.... لجامعة" ... ولكن ينبغي أن نلاحظ هنا أيضًا أن المضاف السابق في كل هذه الحالات قد وصف ثم جاءت اللام ثم المضاف إليه السابق بعد ذلك. وعلى هذا فنحن نتحدث عن منظر عام –للواجهة الأمامية– لجامعة القاهرة. وكذلك عن "المدير العام، لإدارة البعثات، وعن المفوض العام، لشركة السيارات، أو عن: المراسل الخاص، للأهرام أو: الأمين العام، لجامعة الدول العربية وفي كل هذه الحالات وصف المضاف السابق، وفكت حالة الإضافة باللام. وإذا نظرنا على مزيد من الأمثلة الخاصة بفك حالة الإضافة باللام وجدنا أن المضاف السابق يكون في كثير من الأحيان في حالة إضافة جديدة. نقول: "منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة"، فالتعبير البسيط "منظمة التربية و ... " قد فك بدخول اللام على المضاف إليه "التربية" وبدخول مضاف إليه جديد مضاف إلى المضاف الأول، فتحدثنا عن منظمة الأمم.... لـ.....، وعن وزير

стр. 385

الدولة لـ....، وعن سوء استعمال الحمقى لـ....، وعن أول اجتماع لـ..، وعن استلام الدولة لـ.... وهكذا نلاحظ أن ظاهرة فك حالة الإضافة باستخدام اللام بين المضاف القديم والمضاف إليه القديم ارتبطت بتخصيص المضاف القديم إما بالصفة أو بمضاف إليه جديد. وإلى جانب هذا نلاحظ فك حالة الإضافة باستخدام حرف الجر: الباء، فنحن نقرأ عن قرار بتأميم الشركة، أو تفويض بعقد الاتفاقية، أو أمر بإنساء....، أو مشروع بتخويل رئيس الدولة.... وهذه الظاهرة شائعة في النثر العربي الحديث. ولا يكاد يعرفها الاستخدام القديم، وعلى كل حال فظاهرة فك حالة الإضافة في النثر العربي الحديث موازية لفك حالة الإضافة في العبرية الحديثة وفي اللهجات العربية الحديثة، ففي العبرية القديمة يكون المضاف والمضاف إليه تركيبًا واضح المعالم مثل "سيفر يوسيف" أي سفر يوسف، ولكن التعبير الحديث "هسيفر شل يوسيف" أي الكتاب الذي ليوسف، ولو كنا أكثر دقة لترجمنا العبارة إلى العامية المصرية قائلين: الكتاب بتاع يوسف، فحالة الإضافة فكانت هنا وهناك في العبرية باستخدام "شل" كأداة للربط بين المضاف والمضاف إليه السابقين، وفي اللهجات العربية الحديثة باستخدام كلمة "بتاع" أو "متاع"، أو "حق"١، فظاهرة فك حالة الإضافة موجودة إذن في مستويات لغوية حديثة مختلفة، وكل مستوى يستخدم للفك أداته الخاصة به، ولم تعد الظاهرة أمرا نادرًا أو خاصًّا بضرورة الشعر كما سجل النحاة القدماء. وفوق هذا وذاك فقد طورت العربية الفصحى في استخدامها الحديث عدة وسائل للتعبير عما يعبر عنه في علم اللغة بالتنكير. ومعروف أن العربية تعرف عدة أنواع من المعارف، وكان التنوين ولا يزال يؤدي فيها وظيفة علامة التنكير. ولكن الاستخدام الحديث يعرف أيضًا استخدام كلمة "أحد" والمؤنث

стр. 386

"إحدى" مضافة إلى ما بعدها للتعبير عن التنكير. نجد هذا في العبارات الآتية: أحد الأمريكيين، أحد البيوت، أحد رجال الشرطة، أحد كبار الضباط، إحدى السفن الحربية، إحدى المدارس، إحدى الصحف، إحدى المقومات الأساسية، فكلمة أحد أو إحدى أضيفت إلى صيغة الجمع التالية، والتركيب كله معناه معنى المفرد النكرة. وشبيهة بهذا أيضًا استخدام كلمة "ما" بعد المفرد للتعبير عن كونه نكرة، وهذا التعبير له جذوره في القرآن الكريم: ﴿مَثَلًّا مَا﴾ ١، ونجده شائعًا في النثر العربي الحديث مثل: شيء ما، وقت ما، يوم ما، اصطلاح ما، تأليف ما،.....إلخ، وهكذا عرفت اللغة العربية في العصر الحديث للتنكير تعبيرات مختلفة بأدوات طورتها لذلك وأخذتها لهذا من اللغة المتوارثة.

стр. 387

٢- نمو المفردات في العربية: إن نظرة إلى جملة واحدة بسيطة في حديثنا اليومي أو أحد الكتب الحديثة أو القديمة لتعطينا كلمات لها تاريخ، ولكل كلمة في كل لغة تاريخ، فالكلمة تحيا وتستخدم وتتغير وتموت.. والعربية تعرف كلمات ترجع إلى اللغة السامية الأم، وهذه ترجع إلى ما قبل منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، وهناك كلمات لا تعرفها من اللغات السامية إلا العربية، عرفتها بعد أن هاجرت الجماعات السامية الأخرى من عهد الساميين، وهناك طائفة من المصطلحات استخدمت مع العلوم الإسلامية، وفوق هذا وذاك فهناك طائفة من الألفاظ الأجنبية تعربت تعربًا كاملًا، ولم نعد نحس اليوم أنها أجنبية، بجانب طائفة لا تزال

стр. 388

عجمتها واضحة أمامنا، إن مستخدم اللغة لا يهتم بتاريخ الكلمة أو بأصلها، وكل ما يهمه هو أن يستطيع استخدامها، فالمتحدث ساعة استخدامه للغة لا ينظر إلى حياة كل كلمة بل يستعمل الرمز اللغوي لنقل الفكرة أو الانفعال إلى المتلقى أو للتنفيس عن عاطفة أو شعور. إن ماضي الكلمة وتاريخ اللغة أمر علمي يهتم به الباحثون. ولا غرابة، فالإنسان يحتاج اللغة كما يحتاج هواء للتنفس، ولكن معرفة طبيعة عملية التنفس وطبيعة مكونات الهواء أمران علميان يهمان الباحث كموضوع للبحث، ولا يهتم الإنسان العادي إلا بالممارسة العملية للغة وللتنفس، فدراسة حياة كل كلمة عمل علمي. ولننظر في كتاب الفهرست لابن النديم إلى العنوان البسيط التالي: "أسماء النقلة من اللغات إلى اللسان العربي". لكل اسم من كلمات هذا العنوان في تاريخ اللغة قصة، فكلمة "اسم" كلمة سامية قديمة نجدها في صورة أو أخرى في كل اللغات السامية، نجدها في النقوش الأكادية المؤرخة في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد. فهذه الكلمة يزيد عمرها إذن على خمسة وأربعين قرنًا. وقد بحثت الكلمة في ضوء المنهج المقارن. ويرى معظم الباحثين أنها من أصل ثنائي هو السين والميم أو الشين والميم ثم تطورت بعد هذا في اتجاه الثلاثي، والألف التي نراها في الخط العربي في هذه الكلمة هي ألف وصل تسقط في نطق الكلمة في السياق. والصيغة التي أمامنا من الكلمة هي صيغة جمع التكسير، وجمع التكسير ظاهرة خاصة بالمجموعة الجنوبية من اللغات السامية، أي أنه يوجد في الحبشية والعربية الجنوبية والعربية الشمالية، ولا يوجد في اللغات السامية القديمة في العراق والشام. والكلمة الثانية في هذه العبارة هي كلمة "نقلة" وهي من المادة العربية نقل، وهذه تفيد النقل المادي أي نقل شيء من مكان إلى آخر، وتطور المعنى هنا إلى النقل المعنوي ونقل الفكرة من لغة لأخرى. وهنا نؤرخ أن استخدام كلمة "ناقل- نقلة" بمعنى "مترجم، مترجمين" قد عرف في القرن الرابع الهجري

стр. 389

عندما ألف كتاب الفهرست لابن النديم، والواقع أن دراسة تاريخ اللغة لا تحقق إلا بدراسة النصوص وتحليلها ثم بتتبع الظاهرة صوتية كانت أو صرفية أو نحوية أو دلالية تتبعًا تاريخيًّا يحدد على نحو دقيق زمن ظهور الكلمة ومكان ظهورها وتطور دلالتها على مر التاريخ. يذكر ابن النديم في هذا العنوان كلمة "اللغات" وكلمة "اللسان"، ولا بد أن نقف قليلا عند الكلمتين، فالكلمة الثانية "اللسان" كلمة ترجع إلى أقدم اللغات السامية، هي من المعجم الأساسي المشترك في اللغات السامية حملتها الهجرة الأكادية معها، فهي أقدم من منتصف الألف الثالث قبل الميلاد. ولو نظرنا إلى الكلمة في اللغات السامية الأخرى وجدناها في العبرية "لاشون" وفي الآرامية "لشانا" والكلمات الثلاث "لسان، لاشون، لشانا" كلمة واحدة من الناحية الاشتقاقية، فالسين في العربية يقابلها شين في العبرية والآرامية، وهذا قانون صوتي والقوانين الصوتية مطردة لا تعرف الشذوذ والحركة التي بعد السين في العربية هي فتحة طويلة وفي العبرية نجد بعد الشين ضمة طويلة، والواقع أن الفتحة الطويلة في العربية يقابلها دائمًا ضمة طويلة في اللغات الكنعانية، والعبرية إحدى اللغات الكنعانية، وهذا أيضًا قانون صوتي مطرد. وإذا نظرنا بعد هذا إلى الكلمة الآرامية "لشانا" لاحظنا أنها بفتحة طويلة، وقد كانت هذه الفتحة الطويلة أداة التعريف في الآرامية فالجماعات السامية الأولى لم تكن تعرف أداة للتعريف فطورت العربية لنفسها أداة هي "أل" تدخل في أول الكلمة وطورت الآرامية لنفسها فتحة طويلة تلحق بآخر الاسم لتفيد التعريف. الكلمات: "لسان، لاشون، لشانا" كلمة واحدة اشتقاقيا وتفيد كل واحدة اللسان. بالمعنى المادي "كجزء من الفم" ثم المعنى المعنوي أيضًا ... فقد تحدثوا عن اللسان العربي أو اللسان الآرامي أو اللسان العبري. لقد استمر استخدام كلمة اللسان بالمعنى المعنوي قرونا طويلة، وعندما تأسست في القرن الماضي مدرسة للغات والترجمة أطلق عليها اسم "مدرسة".

стр. 390

الألسن" وكان ناظر هذه المدرسة رفاعة رافع الطهطاوي يستخدم في كتبه كلمة "لسان" مثلما نستخدم اليوم كلمة "لغة" فهو يتحدث عن اللسان العربي واللسان الفرنساوي واللسان اللاطيني ... ونحن نتحدث اليوم عن الإنجليزي والألماني والعربي والإيطالي، وهذا التعبير ظهر أولا كصفة وموصوف تجده في القرآن الكريم: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِين﴾ ١. ونجده عند ابن النديم في القرن الرابع الهجري: "اللسان العربي، اللسان السرياني، اللسان اليوناني" وعند ابن النديم نجد أيضًا حذف الموصوف والاكتفاء بالصفة، أي: بالعربي، بالسرياني، باليوناني أو إلى العربي أو إلى السرياني أو إلى اليوناني، ومن هنا استقر التعبير الشائع عندنا والذي كان صفة لا لمؤنث بل لمذكر هو اللسان. أما كلمة "لغة" فترجع إلى أصل غير سامي، إنها من الكلمة اليونانية Logos , ومعناها: كلمة، كلام، لغة. وقد دخلت الكلمة العربية في وقت مبكر، فاللغويون العرب جامعو اللغة في القرن الثاني للهجرة تحدثوا عن لغات القبائل وكثيرًا ما وصفت الصيغة اللغوية التي اعتبروها ثانوية أو جانبية بأنها "لغة" وقالوا مثلا: إن كلمة شهد أو كبر فيها أربع لغات شَهْد شِهْد، شَهَد شِهَد وكذلك كبر. فاللغات هنا هي الصيغ أو الأشكال الفرعية. ولكنهم تحدثوا أيضًا عن اللغة بالمعنى الاصطلاحي الذي نعرفه اليوم لكمة: كلام، قالوا: لغته فاسدة أو لغته جيدة، ثم تغيرت دلالة هذه الكلمة في العربية إلى أن حلت شيئًا فشيئًا محل كلمة "لسان" إن الحديث عن تاريخ حياة أي كلمة تاريخ طويل فالكلمة تعيش وتتفاعل، والمعنى هو حصيلة الملابسات التي عاشتها الكلمة. إن العربية لغة ذات قدرة بارعة في هضم الألفاظ الأجنبية وجعلها مثل الألفاظ الأصيلة فيها، فكلمة فيلسوف كلمة يونانية مركبة Philosoph, ومعناها الأول: محب الحكمة، دخلت الكلمة العربية مع عدد كبير من ألفاظ الحضارة والثقافة اليونانية، وعرفتها العربية في عصر الحضارة الإسلامية،
следующие страницы →