← Тараджим

Тараджим · id 112

ذيل ابن العراقي على العبر

ابن العراقي

Полный текст (551 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

بصرف القاضي تقيّ الدّين. وفي ليلة عرفة ركب برقوق وبركة ومن معهم ولبسوا السّلاح؛ وانزلوا السّلطان بكرة النّهار إلى الإصطبل، ودقّوا الكوسات، وحصل القتال بينهم وبين مماليك الأمير طشتمر؛ فغلب طشتمر؛ وطلب الأمان، فأمسك، وأرسل إلى سجن (١) الإسكندريّة. واستقرّ (٢) الأمير (٣) برقوق أتابك العساكر (٤) ، وخلع عليه بذلك يوم الاثنين ثالث عشر ذي الحجّة. واستقرّ أيتمش البجاسيّ (٥) أمير آخور. وفي خامس عشر ذي الحجّة أمسك الأمير يلبغا النّاصريّ وأرسل إلى سجن (٦) الإسكندريّة، وجعل إينال اليوسفيّ أمير سلاح عوضا عنه. [١٠٢ أ]. ومات يوم الثّلاثاء ثالث المحرّم الأمير طشتمر (٧) أتابك العساكر، الشّهير باللّفّاف ودفن من غده . وفي اليوم المذكور توفّيت والدة شيخنا الإمام سراج الدّين عمر بن أبي

стр. 457

الحسن عليّ بن أحمد (١) الأنصاريّ، الشّهير بابن الملقّن ودفنت من الغد. وقد جاوزت السّبعين. وفي ليلة الثّلاثاء عاشر المحرّم توفّي تقيّ الدّين طلحة (٢) بن محمّد بن عثمان الشّارمساحيّ. أحد شهود الخزانة، وموقّع الدّست، وموقّع الحكم. سمع حديث النّجيب الحرّانيّ (٣) . وما علمته حدّث. وحصّل مالا كثيرا. وفي يوم السّبت رابع عشر المحرّم توفّي الفقيه الفاضل (٤) شهاب

стр. 458

الدّين أحمد (١) بن عليّ بن عبد الرّحمن العسقلانيّ الأصل، الشّهير بالبلبيسيّ. تفقّه، ولازم الشّيخ جمال الدّين عبد الرّحيم (٢) الإسنويّ، واشتغل بالحديث؛ وسمع على أبي الفتح محمّد بن محمّد بن إبراهيم الميدوميّ، ثمّ على جماعة من شيوخنا. وما علمته حدّث. وقرأ على والدي شرح «الألفيّة» له. وقرأ القرآن بالرّوايات. واشتغل بالعربيّة، وتميّز، وفضل، وكتب بخطّه المليح الحسن الضّبط أشياء متقنة الضّبط، وشغل. وكان فيه خير، وتواضع، واحترام. ومات بمكّة يوم الثّلاثاء نصف صفر الشّيخ الإمام المفنّن جمال الدّين أبو الفضائل محمّد (٣) بن أحمد بن عبد الرّحمن الدّمشقيّ الأصل، المدنيّ المولد والدّار، الشّهير بابن الشّاميّ [١٠٢ ب]. ولم يكمل الأربعين. اشتغل بالحديث والفقه والعربيّة وبرع فيها، وساد (٤) وفضل، ولازم

стр. 459

الحافظ تقيّ الدّين ابن رافع بدمشق. وقدم القاهرة في أواخر عمره لأمر حصل بينه وبين قاضي المدينة. ثم حجّ وجاور بمكّة فمات بها. وقيل: إنّه مات مسموما (١) . ومات بمكّة أيضا في تاسع عشري ربيع الأوّل الشّيخ الإمام الفقيه الكبير عزّ الدّين عبد السّلام (٢) بن محمّد الكازرونيّ الأصل، المدنيّ المولد والدّار، الشّافعيّ . كان فقيها كبيرا، فاضلا، حسن الخطّ والمعرفة، كثير التّواضع، حسن الملتقى. وجاور بمكّة لنفرة بينه وبين قاضي بلده. ويقال (*): إنّه مات مسموما أيضا. وكانت بينه وبين جمال الدّين-المقدّم ذكره (٣) -صحبة ومودّة أكيدة، وفجع أهل بلدهما بهما لعلمهما، وخيرهما، ودينهما، وحسن خلقهما. ومات بحلب يوم الجمعة الحادي والعشرين من ربيع الآخر الإمام المسند الفاضل المؤرّخ جمال الأدباء بدر الدّين حسن (٤) ابن المحدّث

стр. 460

الإمام زين الدّين عمر بن الحسن (١) بن حبيب الحلبيّ. والد القاضي زين الدّين طاهر موقّع الدّست الشّريف (٢) . سمع على بيبرس العديميّ، وطبقته من أهل حلب. اشتغل بالحديث، وقرأ، وكتب، وسمع بدمشق والقاهرة من جماعة. وكتب الخطّ المليح. وعمل «تاريخا» (٣) حسنا مسجّعا. وكان حسن النّظم والنّثر. وله فضائل عديدة.

стр. 461

ومات بظاهر القاهرة يوم الأحد تاسع رمضان الشّيخ [١٠٣ أ] شمس الدّين محمّد (١) ابن الإمام العارف الزّاهد أبي محمّد عبد الله، الشّهير بالمنوفيّ (٢) كهلا. اشتغل بمذهب مالك، وتنزّل بالدّروس. وكان فيه خير، وتواضع. ومات في أواخر ذي القعدة سراج الدّين عمر (٣) ابن شيخ الحجبة شمس الدّين محمّد بن أبي بكر الشّيبيّ، الحجبيّ . اشتغل بمذهب أبي حنيفة على خلاف مذهب أبيه وأخوته. وولي إمامة مقام الحنفيّة بمكّة. وورد القاهرة، ثمّ توجّه منها إلى مكّة فأدركه أجله قبيل وصوله إلى مكّة بيسير (٤) ، فحمل إليها، ودفن بها. ومات يوم عيد الأضحى الشّيخ إبراهيم المغربيّ. المقيم بتربة أمّ آنوك (٥) بالصّحراء. صحب الشّيخ شمس الدّين ابن اللّبّان وخدمه وانتفع به وسمع الحديث عليه، وعلى أبي الفتح محمّد بن محمّد بن إبراهيم الميدوميّ. وما علمته حدّث.

стр. 462

وعلت سنّه. وكان رجلا (١) صالحا، خيّرا، كثير السّكون والتّواضع. ومات بمكّة في العشر الأوسط من ذي الحجّة القاضي بدر الدّين محمّد (٢) ابن القاضي علم الدّين صالح الإسنويّ . ناظر الأوقاف بالقاهرة، وباشر بعض جهات الدّولة. وكان فيه خيّر، وبرّ، وصدقة، وخدمة لأهل الخير. وكان يجتهد في براءة ذمّته في عمارة الأوقاف (٣) ومباشرة ذلك بنفسه. وكان كثير الحجّ والمجاورة. وانقطع في هذه السّنة للمجاورة وتوفّي بمكّة بعد انصراف الحجّاج، ودفن بها. ﵀ (٤) . ومات بالقاهرة يوم الاثنين السّابع والعشرين من ذي الحجّة الشّيخ الإمام مجد الدّين محمّد (٥) ابن شيخنا زين الدّين محمّد بن محمّد (٦) بن [١٠٣ ب] إبراهيم البلبيسيّ، الشّهير والده بابن الإسكندريّ . مولده سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.

стр. 463

وسمع على أبي الحسن عليّ بن عمر الوانيّ وطبقته. ورحل إلى الشّام فسمع بها على الحافظ المزّيّ، والبرزاليّ، والذّهبيّ، وداود بن إبراهيم ابن العطّار، وعبد الرّحيم بن أبي اليسر، وغيرهم. وتفقّه على الشّيخ مجد الدّين السّنكلونيّ (١) ، والشّيخ جمال الدّين عبد الرّحيم (٢) الإسنويّ، وغيرهما. وأخذ العربيّة عن الشّيخ جمال الدّين ابن هشام، والأصول عن الشّيخ جمال الدّين (٣) عبد الرّحيم، وغيره. وبرع، وتميّز، وأجازه قاضي القضاة عزّ الدّين ابن جماعة بالإفتاء، ثمّ باشر التّوقيع عند قاضي القضاة المالكيّ. واشتغل بالتّكسّب بذلك وأعرض عن الاشتغال إلا قليلا. وناب في الحكم برحبة العيد من القاهرة وببعض بلاد البرّ. وكان حسن الخطّ والمعرفة بالمكاتيب والسّجلات، رأسا في الحساب والجبر (٤) والمقابلة، معدودا من الأفاضل الأذكياء؛ لكنّه أضاع نفسه بالاشتغال بالتّوقيع والكسب به. ومات في اليوم المذكور الشّيخ أبو وكيل ميمون (٥) التّونسيّ . أحد فضلاء المالكيّة.

стр. 464

ومات في (١) هذه السّنة بحلب الإمام أبو جعفر أحمد (٢) بن يوسف بن مالك الرّعينيّ، الغرناطيّ، المالكيّ . قدم من بلاده شابّا فحجّ ثمّ استوطن حلب، وأقام بها نحوا من ثلاثين سنة. وله مصنّفات منها: «شرح ألفيّة ابن معطي». وله يوم مات سبعون سنة. وانتفع به الحلبيّون واشتغلوا عليه في العربيّة [١٠٤ أ] والأدب. وفيها مات (٣) المولى الكبير الرّئيس صلاح الدّين صالح (٤) بن أحمد بن عمر الحلبيّ .

стр. 465

حفيد ابن السّفّاح. وكيل بيت المال، وناظر الأوقاف بحلب، وأحد رؤسائها المتعيّنين. وكانت وفاته ببصرى من أرض الشّام عند عزمه على الحجّ. ومات وله بضع وستّون سنة. وفيها مات الأمير الكبير سيف (١) الدّين أقتمر (٢)، الشّهير بالحنبليّ ، بدمشق على نيابتها. وقد ولي النّيابة قبل ذلك بالدّيار المصريّة (٣). وكان متعبّدا، كثير الصّلاة والصّيام. وفي أخلاقه حدّة، وفي أحكامه شدّة، وتمنّع من النّيابة بالدّيار المصريّة (٣) للأشرف حتّى شرط له التّمكين من طلب الوزير وسائر أرباب الدّولة، وله في ذلك أخبار عجيبة. واستقرّ في نيابة الشّام بيدمر (٤) الخوارزميّ.

стр. 466

سنة ثمانين وسبع مئة في يوم الاثنين سادس عشر ذي الحجّة عقد مجلس عند الأميرين الكبيرين برقوق وبركة بحضور القضاة الأربعة (١) والمشايخ المعتبرين: الشّيخ أكمل الدّين البابرتيّ، والشّيخ سراج الدّين البلقينيّ، والشّيخ ضياء الدّين القرميّ، وغيرهم بسبب إبطال أوقاف الأراضي المشتراة من بيت المال وإعادتها إلى بيت المال، لأنّها تباع من غير أن تدعو حاجة المسلمين إلى ذلك، فأجاب أكثر الحاضرين بمنع ذلك إذا حكم حاكم بصحّته (٢) فإنّ نقض الحكم في محل الاجتهاد ممتنع، وجميع الأوقاف المذكورة محكوم بصحّتها. ومال (٣) شيخنا الإمام البلقينيّ إلى الإبطال وإن حكم القضاة بذلك لم [١٠٤ ب] يصادق محلا لأنّهم إنّما فعلوه خوفا على مناصبهم فإنّهم لو امتنعوا لعزلوا، كما جرى لابن منصور قاضي الحنفيّة لمّا جيء إليه بشيء (٤) من هذا ليثبّته فامتنع من ذلك فعزل. ووقع بين شيخنا المذكور وبين الشّيخ ضياء الدّين القرميّ بسبب ذلك ما أوجب الوحشة بينهما مع تأكّد المودّة بينهما (٥) قبل ذلك. واجتمعت بالشّيخ ضياء الدّين عقب ذلك ووجدته متغيّر الخاطر متألّما بسبب ذلك وتضعّف فمات بعد جمعة كما سيأتي في الوفيات.

стр. 467

وكذلك حصل في المجلس بين الشّيخ سراج الدّين وقاضي القضاة بدر الدّين ابن أبي البقاء معارضة وكلام فيه حدّة. وبلغني أنّ الشّيخ أكمل الدّين قال للأمراء: إن كنتم تريدون الشّرع فهؤلاء علماء الشّرع أفتوكم بعدم الجواز، وإن كنتم تريدون قطع أرزاق العلماء فرتّبوا لهم كما رتّب فرعون لخدّام الأصنام أو نصفه! فيقال: إنّ الأمير بركة أثنى عليه. وقال له الأمير برقوق: أنتم إذا جاء العدو تخرجون لقتاله؟ فقال (١) له الشّيخ ضياء الدّين: نعم ألم تخرج الفقهاء قبل العسكر في قضيّة الملك المعظّم فقتلوا عددا كبيرا؟ فقال له: فإذا جاء التّركمان تخرجون إليهم وتقاتلونهم؟ فقال (٢) له: لا كيف نقاتل المسلمين! ؟ قال: فهم يبقون لكم (٣) هذه الأوقاف. فقال (٤) : بلى، أليسوا مسلمين؟ . وانفصل المجلس على تنافر، لكن استمرّت الأوقاف على حالها، وارتدع الأمراء الذين أرادوا إبطالها بما وقع في المجلس. ومات بدمشق يوم الجمعة ثاني المحرّم الخطيب شهاب الدّين [١٠٥ أ] أحمد (٥) بن عبد الله (٦) بن مالك بن مكنون (٧) [العجلونيّ] (٨) .

стр. 468

خطيب بيت لهيا (١) . كتب لي بذلك الإمام صدر الدّين الياسوفيّ وقال: سمع من ابن الشّحنة يقينا، ومن القاسم (٢) بن عساكر في غالب الظّن، وحدّث؛ سمعت منه. وصلّي عليه ببيت لهيا، ودفن بمقبرتها. انتهى كلامه. وسمع أيضا من الضّياء الحمويّ. ومات في ليلة الجمعة سادس عشر (٣) المحرّم الشّيخ الصّالح العابد أبو محمّد عبد الله (٤) الجبرتيّ . كان منقطعا إلى الله تعالى، وللنّاس فيه اعتقاد. ودفن بالقرافة وقبره ظاهر يزار ويتبرّك به ويقرأ عنده، ويطبخ الطّعام للقرّاء وغيرهم. ووقف بعض أهل الخير على دون ذلك وقفا. وكان يحبّ والدي ﵀ (٥) على غير اجتماع وأرسل إليه يناصحه في بعض الأمور.

стр. 469

ومات ليلة السّبت سابع عشر (١) المحرّم الشّيخ المسند العدل نور الدّين عليّ (٢) بن صالح بن أحمد الطّيبيّ . سمع «صحيح» البخاريّ على الحجّار، ووزيرة. وسمع أيضا على عبد الرّحمن بن مخلوف وغيره. وحدّث؛ سمعت عليه، وسمع عليه الهيثميّ، وابن الشّاميّ [، وابن الفرضيّ، وغيرهم. وكان يجلس بحانوت الشّهود بالخوخ بقرب الجامع الأزهر. وتقدّم إلى الصّلاة عليه قاضي القضاة] (٣) بدر الدّين ابن أبي البقاء لقرابة بعيدة بينهما. ومات بالإسكندريّة يوم الاثنين خامس عشري جمادى الأولى الشّيخ نهار (٤) وهو لقب له واسمه عبد الله بن محمّد بن سهل المرسيّ . كان للنّاس فيه اعتقاد زائد، وكان مسلوبا (٥) تدعى له الولاية ويقع منه تخليط، والله أعلم بحاله.

стр. 470

ومات بمنية الشّيرج من ضواحي القاهرة يوم الأربعاء نصف رمضان الشّيخ صالح (١) بن نجم بن صالح . أصله من قليوب، ونشأ (٢) [١٠٥ ب] هو ووالده بظاهر (٣) منية الشّيرج. وكان عبدا (٤) صالحا، خيّرا، قائما بحقوق الله وحقوق العباد، ويقوم بحقوق الواردين، ويطعم كلّ من يرد عليه من النّاس على اختلاف طبقاتهم. اجتمعت به وتبرّكت بدعائه. وأشيع موته أوّل يوم من رمضان وكان طيّبا (٥) فأخبر (٦) بذلك فحمّ (٧) آخر النّهار، ثمّ قوي ضعفه ومات في اليوم الذي ذكرناه، ودفن بزاويته خارج منية الشّيرج. وكانت جنازته مشهودة. ومات يوم الاثنين ثالث عشري ذي الحجّة شيخنا الإمام العلاّمة المفنّن مفتي المسلمين ضياء الدّين ضياء (٨) كذا كان يكتب بخطّه ورأيت

стр. 471

اسمه في استدعاء له سنة تسع وعشرين: عبيد الله (١) بن سعد الله بن محمّد بن عثمان المؤذّنيّ، العفيفيّ، القزوينيّ، الشّافعيّ، عن نحو من (٢) خمس وخمسين سنة. يقال: إنّه من ذرّيّة عثمان بن عفّان ﵁. وكان يذكر أنّه أخذ عن أبيه، والخطيب الخلخاليّ، وبدر الدّين التّستريّ، وزين الدّين النيدرميّ (٣) وغيرهم. وسمع الحديث بالمدينة على الشّيخ عفيف الدّين المطريّ. وكان إماما عالما بالتّفسير والفقه والأصلين والعربيّة والمعاني والبيان. يقرىء الكتب المشهورة في ذلك من غير مراجعة. وكان ملازما الشّغل والإفادة، أوقاته مستغرقة بذلك. يجلس في أكثر الأيّام للشّغل بالجامع الأزهر بعد صلاة الصّبح تبرّعا ويواظب دروسه في بقيّة النّهار وهي: الفاضليّة، والمنصوريّة في الفقه والحديث، والشّيخونيّة، وتولّى مشيخة (٤) البيبرسيّة. وكان يجلس للشّغل بها بعد صلاة العصر وحضور الوظيفة. ومع

стр. 472

ذلك فكنت أتردّد إليه في (١) بيته قريب الظّهر فأقرأ عليه درسا؛ قرأت عليه [١٠٦ أ] من (٢) «منهاج البيضاويّ»، وأجازني بإقراء أصول الفقه. وقرأت عليه قطعة من «التّلخيص» وهي المقدّمة في (٣) البيان وسمعت عليه باقيه تحسّبا. وحضرت القراءة عليه في (٤) كتب عديدة وفنون شتّى وانتفعت به. وكان يقرىء «المصابيح» (٥) كلّ سنة في شهر (٦) رمضان بحثا، ويمسك نسخة بيده وعليها حواش يلقيها ويقرّرها. وكان حسن الفتوى متثبّتا. وأخبرني أنّه كان يفتي في بلدهم (٧) على مذهب أبي حنيفة أيضا وكان يستحضره وكان يقول: أنا حنفيّ في الاعتقاد والعبادات (٨) ، ربّاني أبي على ذلك ولذلك كان لا يرفع يديه في ركوع الصّلاة وسجودها. وكان ديّنا خيّرا، سليم الصّدر، حسن الشّكل، له لحية تملأ وجهه وتمتدّ إلى قريب (٩) من سرّته وكان فيه رفق وإحسان، وله تهجّد وأوراد لم يقطع ورده ولا ليلة موته على ما بلغني.

стр. 473

وكان فيه صدق، وبر، وإيثار، وعنده قيام في الحقّ عند الأمراء، ويصدع بالحقّ ولا يبالي. وكان مستحضرا لعلومه؛ قد صارت له ملكة بها لمواظبته عليها يستحضر «الكشّاف» ويبادر القارىء بلفظه. وكان قد اتّصل بالملك (١) الأشرف شعبان وحصلت بينهما مودّة أكيدة وعمله شيخا ومدرّسا بمدرسته التي لم تكمل ورتّب له بها معلوما جيّدا وجعله شيخ الشّيوخ مطلقا وسكن بها قبل إكمالها ثمّ لم يرد الله بإكمالها وانتقل منها عند وفاة صاحبها. وكانت جنازته مشهودة، حضرتها (٢) ، وفقده النّاس.

стр. 474

سنة إحدى وثمانين وسبع مئة [١٠٦ ب] في صفر أرسل الأمير الكبير برقوق إلى قاضي القضاة برهان الدّين ابن جماعة إلى القدس ليعيده إلى ولاية (١) القضاء بالدّيار المصريّة (٢) ، فوصل إليها يوم الأربعاء ثاني عشرية (٣) ، وولي يوم الخميس ثالث عشريه (٤) وضمّ إليه تدريس الشّافعيّ، وعوّض هو شيخنا الشّيخ سراج الدّين البلقينيّ عن ذلك: تدريس الفقه بجامع ابن (٥) طولون، ونظر الوقف السّيفيّ (٦) . وناب عنه في القضاء الشّيخ جمال الدّين الخطيب الإسنويّ على عادته بعد أن كان قد انقطع عن النّيابة عن قاضي القضاة بدر الدّين بن أبي البقاء، وأعيدت إليه الأعمال الشّرقيّة على عادته. وكان القاضي تقيّ الدّين الزّبيريّ قد ولي (٧) في ولاية ابن أبي البقاء الحكم في نوبته بالصّالحيّة وأضيفت إليه الشّرقيّة فخرج ذلك عنه، وصار يكتب للقاضي صدر الدّين (٨) المناويّ خليفة الحكم العزيز بالدّيار المصريّة، كما كان يكتب لعمّه عن

стр. 475

قاضي القضاة لكنّه لم يكن يتحكّم في المنصب كتحكّم عمّه القاضي تاج الدّين. وفي يوم الاثنين ثالث عشر جمادى الآخرة عقد للشّيخ عزّ الدّين الرّازيّ (١) مدرّس الحديث بالمدرسة (٢) المنصوريّة، والقاضي جمال الدّين محمود القيصريّ المحتسب مدرّس الحديث بالصّر غتمشيّة مجلس عند الأمير الكبير بركة بحضور قاضي القضاة برهان الدّين ابن جماعة، وقاضي القضاة ناصر الدّين الحنبليّ، والشّيخ سراج الدّين البلقينيّ، والشّيخ سراج الدّين ابن الملقّن، ووالدي، وجماعة أهل الحديث بسبب ما انتهى للأمير بركة أنّ بيديهما (٣) هذين [١٠٧ أ] التّدريسين وأنّهما ليسا أهلا لذلك، فابتدىء (٤) بالكلام مع الرّازيّ وقيل (٥) له: إنّ شرط الحديث بالمنصوريّة أن يكون عالما بالحديث وأسانيده (٦) ، فادّعى وجود الشّرط فيه؛ فاقترح عليه أن يقرأ حديثا من «صحيح» مسلم فقرأ بعض حديث فغلط في إسناده في موضعين أحدهما: أنّه قال: عن حرير قالها بالحاء المهملة والرّاءين المهملتين، وهو جرير بن عبد الحميد، والثّاني: أنّه قال: عن عبد العزيز يعني الدّراورديّ برفع الدّراورديّ. وغلط في بعض المتن في أربعة مواضع وذلك لأنّه قرأ: «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه» (٧) قالها:

стр. 476

بفتح الياء المثنّاة من تحت ورفّع القاف، ورفع الباء من ثيابه؛ فأخطأ من أربعة أوجه: أحدها: كونه قاله بالياء وصوابه (١) بالتّاء (٢) المثنّاة من فوق لعود الضّمير على الجمرة. ثانيها: كونه فتح أوّل الفعل مع كونه رباعيّا والصّواب ضمّه. ثالثها: كونه رفعه والصّواب نصبه لأنّه معطوف على يجلس من قوله: «لأن يجلس». رابعها: كونه رفع ثيابه مع كونه مفعولا واجب النّصب فخجل ولم يتم الحديث. وتبيّن للحاضرين عدم أهليّته لذلك. أمّا القيصريّ فإنّه شرع يروي حديثا من «صحيح» (٣) البخاريّ بإسناده عن شمس الدّين محمّد بن عليّ ابن الخشّاب، فقال له الوالد: تسمع أمس على هذا وتصبح اليوم مدرّس حديث! ؟ فأمسك عن الرّواية. وتبيّن للحاضرين عدم أهليّتهما لذلك (٤) . ومع ذلك فلم يعزلا بل استمرّا مع ولا يتهما! . وكان المجلس ذلك اليوم للوالد في مكافحتهما وتليه في الكلام شيخنا سراج الدّين تكلّم يسيرا. وأمّا [١٠٧ ب] الباقون فلم يتكلّموا بكلمة واحدة مداهنة ومداجاة. واعترف بذلك ابن جماعة لوالدي بعد مدّة فقال: ما ندمت على شيء ما ندمت على مداجاتي على الحقّ في ذلك المجلس! فإنّه فعل ذلك مراعاة لجمال الدّين القيصريّ. ثمّ قال هذا

стр. 477

الكلام لمّا وقع بينهما! . وموّه الرّازيّ في أوّل المجلس بكتب أحضرها في علوم عقليّة، وغيرها فقال: نحن نحسن هذه العلوم وهم لا يحسنونها! فقيل له: ليس الكلام في هذا، فرفعت تلك الكتب. ومات بالقاهرة يوم الخميس تاسع صفر الشّيخ الإمام شيخ القرّاء تقيّ الدّين عبد الرّحمن (١) بن أحمد بن عليّ بن مبارك بن معالي الواسطيّ الأصل والشّهرة (٢) المصريّ المولد والدّار . مولده سنة اثنتين أو ثلاث وسبع مئة. وسمع على أبي محمّد الحسن بن عبد الكريم سبط زيادة قصيدتي الشّاطبيّ «اللاّميّة» (٣) في القراءات و «الرّائيّة» (٤) في المرسوم وتفرّد عنه بالرّواية.

стр. 478

وسمع الحديث على تاج الدّين أحمد بن عليّ ابن دقيق العيد أخي الشّيخ تقيّ الدّين، والحجّار، ووزيرة، وأبي الحسن عليّ بن عمر الوانيّ، وأبي محمّد عبد الرّحيم بن عبد المحسن المنشاويّ، في خلق كثيرين تجمعهم «مشيخته» التي خرّجتها له وقرأتها عليه، وسمعها عليه جماعة الطّلبة. وقرأ القرآن العظيم (١) بالرّوايات على الشّيخ تقيّ الدّين ابن الصّائغ، وبرع في ذلك، واشتغل بالعربيّة وتميّز فيها، وحصّل (٢) ، وجمع، وانتصب للإقراء، وطال عمره، وانتفع به النّاس، وتفرّد، وقصد. وقرأ عليه القراءات جماعة من الأعيان منهم: والدي، وشيخنا (٣) الشّيخ سراج الدّين ابن الملقّن. وألحق الأصاغر بالأكابر. وحدّث [١٠٨ أ] ب «صحيح» البخاريّ عن الحجّار، ووزيرة، غير مرّة. وتصدّر للإقراء بعدّة مواضع، ودرّس آخرا بدرس الحديث بالمدرسة الشّيخونيّة. وكان في ذلك مزجيّ البضاعة، وجاءته الوظيفة المذكورة على شيخوخة وترك. فكان يقرأ «شرح العمدة» (٤) لابن دقيق العيد على شيخنا أبي العبّاس النّحويّ ويقرئه في الدّرس. وكان لطيف المزاج، مؤثرا للرّاحة، فيه دعابة، وعنده نوادر.

стр. 479

ومات يوم الأحد ثاني عشر صفر السّيّد (١) الشّريف القاضي العالم زين الدّين محمّد (٢) بن أبي بكر بن عليّ بن محمود الجعفريّ، الزّينبيّ، السّيوطيّ . قاضي سيوط ومنفلوط، ومدرّس المدرسة الفائزيّة بسيوط. مولده سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة. وتفقّه على الشّيخ جمال الدّين عبد الرّحيم (٣) الإسنويّ، وغيره. وأخذ النّحو عن الشّيخ سراج الدّين الدّمنهوريّ، وبرع. وكان يكتب خطّا حسنا، وله شأو في الرّئاسة والتّصدّر (٤) والقعدة. وبنى بسيوط دارا مليحة ومدرسة. وكان (٥) له دواليب وثروة، وعنده عفّة وصرامة. وله نظم حسن. وقرأ «صحيح» البخاريّ بسيوط على أبي حفص عمر بن عليّ ابن شيخ الدّولة، وكان يرويه (٦) عن العزّ الحرّانيّ، وكان آخر أصحابه. وهو من شيوخي بالإجازة وقد تقدّمت ترجمته في موضعها (٧) . ومات بمكّة في ليلة الجمعة العشرين (٨) من شهر ربيع الآخر الشّيخ (٩)

стр. 480

الإمام العالم العامل أديب العصر برهان الدّين أبو إسحاق إبراهيم (١) بن عبد الله بن محمّد بن عسكر (٢) القيراطيّ (٣) الشّافعيّ ، وصلّي عليه عقب صلاة الجمعة ودفن بالمعلا بالقرب من الفضيل بن عياض [١٠٨ ب]. وله قريب من ستّين (٤) سنة. اشتغل بالفقه والعربيّة وبرع في الأدب؛ فكان فيه أوحد زمانه وآدب أقرانه. وكتب له شيخنا وشيخه الإمام جمال الدّين ابن نباتة: لا تحسب الكوكب رع شاعرا ... يسمو إلى أفقك من سمته (٥) من فوقه أنت بمقدار ما ... تبصرك الأبصار من تحته فكتب هو إليه:

стр. 481

من نحو بيتيك (١) ... لقد جاءني عطف رفيع حرت في نعته ... فوق عصا الجوزاء له مقعد أضحى ذراع (٢) ... الزّهر من تحته وله قصيدة طنّانة في مرثيّة شيخنا الشّيخ جمال الدّين عبد الرّحيم (٣) الإسنويّ أنشدنيها عنه والدي ﵀. وأجاز لي. أوّلها: نعم قبضت (٤) ... روح العلا والفضائل بموت جمال الدّين صدر الأفاضل وكان مع تبحّره في الأدب متين (٥) الدّيانة، كثير العبادة، وعنده تخيّل ونوع من سوء المزاج. واختصّ بصحبة السّبكيّين ومدحهم وحصل له منهم خير كثير. ودرّس بالمدرسة (٦) الفارسيّة بعد الشّيخ جمال الدّين عبد الرحيم. وسمع «صحيح» البخاريّ على ابن شاهد الجيش، وسمع جماعة من أصحاب النّجيب الحرّانيّ، وابن علاّق، وطبقتهم. وتأدّب به الشّيخ كمال الدّين الدّميريّ، واختصّ بصحبته ولازمه.

стр. 482

ومات بمكّة في (١) أواخر جمادى الأولى (٢) القاضي زين الدّين [ (٣) محمّد بن أحمد بن هبة الله محمّد ابن الخزرجيّ] الشّهير بابن الأنصاريّ . قاضي دمنهور. كان ذا ثروة عظيمة، ونعمة ظاهرة [١٠٩ أ]. واختصّ بصحبة القاضي تاج الدّين المناويّ (٤) ، لأنّه ذكر له بعد موت أخيه القاضي شرف الدّين (٥) أنّ له عنده مبلغ ذهب كثير للتّجارة (٦) ؛ فعلم من ذلك أمانته وخصوصيّته بأخيه، مع أنّه كان لا يخفي عنه شيئا، وأقرّ ذلك المال عنده، وتنمّى. ويقال: إنّه لم يكن له عنده شيء، ولكن تحيّل بذلك على صحبه القاضي تاج الدّين. وقد كان كثير التّحيّل في هذا المعنى بهذه الطّريق ونحوها فيرتبط (٧) عليه أصحاب المناصب مع عفّتهم (٨) . ومات بالقاهرة يوم الجمعة رابع عشري جمادى الآخرة ناصر الدّين محمّد شاه .

стр. 483

دوادار الأمير ألجاي. صاحب التّربة التي بحوش الجامع الطّشتمريّ خارج باب البرقيّة، وبها دفن. حجّ مرّات، وكان له برّ، وصدقة، ويقرأ عنده «صحيح» البخاريّ في كلّ سنة. وكان له في والدي محبّة واعتقاد. ومات بالقاهرة يوم الخميس (١) خامس عشر رجب الشّيخ (٢) المسند المعمّر الرّحلة ناصر الدّين محمّد (٣) بن عليّ بن يوسف بن إدريس الكرديّ، الحرّاويّ - بفتح الحاء المهملة وتشديد الرّاء المهملة أيضا وبعد الأف واو-. مولده بثغر (٤) دمياط سنة سبع وتسعين وستّ مئة. سمع بإفادة خاله الشّيخ عماد الدّين الدّمياطيّ من الحافظ شرف الدّين عبد المؤمن بن خلف الدّمياطيّ سمع عليه «كتاب الخيل» له، وغيره، وتفرّد عنه بالقاهرة. وسمع أيضا (٥) على الحسن بن عمر الكرديّ. وأجاز له جماعة.

стр. 484

وخرّجت له «جزء» عن عشرة من شيوخه؛ حدّث به غير مرّة. وسمع منه والدي، والهيثميّ، وجماعة المحدّثين. وألحق الأصاغر [١٠٩ ب] بالأكابر. وانفرد وقصد للسّماع عليه. وقرأت عليه كثيرا عن الدّمياطيّ بالإجازة. وكان جنديّا أحد الطّبرداريّة السّلطانيّة (١) وهو من أهل الخير، والدّين، والصّلاح، وملازمة الخير. وصلّي عليه من غد يوم وفاته، ودفن بتربته خارج باب النّصر.

стр. 485

سنة اثنتين وثمانين وسبع مئة في شهر (١) رجب قتل الأمير بركة بحبس الإسكندريّة ، وكان الآمر بذلك صلاح الدّين ابن عرّام (٢) نائب الإسكندريّة، فقام جماعة من مماليكه على الأمير برقوق، فأحال الأمر في (٣) ذلك على ابن عرّام وقال: أنا لم آمره بقتله، وأرسل دواداره يونس إلى الإسكندريّة فأمسك ابن عرّام وجماعة، وحمله (٤) مقيّدا إلى القاهرة، فضرب بالمقارع، ثمّ سمّر وطيف به مسمّرا على جمل، فلمّا كان بالرّميلة تحت القلعة ابتدره جماعة من مماليك بركة فقطّعوه بأسيافهم. وصدق بذلك ما كان يحكى عن أحد الشّيخين: أمّا يحيى الصّنافيريّ أو نهار (٥) أنّه (٦) قال له: ما تموت إلاّ مسمّرا! ثمّ علّقت رأسه على باب زويلة. ثمّ جمعت عظامه ولحمه وغسّل وصلّي عليه، ودفن من يومه. وولي نيابة الإسكندريّة الأمير بلّوط.

стр. 486

وفي شهر (١) رجب أيضا أرسل الأمير طشتمر-الذي كان دوادار السّلطان، ثمّ صار الأمير الكبير-من دمياط إلى صفد نائبا لها. وفي ثامن شهر (٢) رمضان ولي الشّيخ صدر الدّين ابن (٣) منصور قضاء الحنفيّة بالدّيار المصريّة (٤) [١١٠ أ]. وفي شهر (٥) رمضان برز مرسوم السّلطان: ألاّ (٦) يزيد كلّ واحد من القضاة الأربعة (٧) على أربعة نوّاب. وفي سابع عشري شوّال نفي الأمير ناصر الدّين محمّد بن أقبغا آص -الذي كان أستاذ دار الأستاذ داريّة-من القاهرة. وفي اليوم المذكور أعيد شيخنا الشّيخ برهان الدّين الأبناسيّ إلى مشيخة سعيد السّعداء بصرف شمس الدّين ابن أخي الجار (٨) . وفي مستهلّ ذي القعدة ولي شمس الدّين الدّميريّ نظر الأحباس.

стр. 487

وفي ثامن ذي الحجّة قدم والد الأمير الكبير برقوق وخرج لتلقّيه الأمراء والقضاة وأرباب المناصب، ودخل في محفل عظيم، واستطرق بين القصرين ومعه العسكر: ولده فمن دونه. ومات في سابع (١) المحرّم بدمشق الشّيخ الإمام شيخ الشّافعيّة بالشّام شمس الدّين محمّد (٢) بن عمر، الشّهير بابن قاضي شهبة ، وصلّي عليه بعد الظّهر بجامع بني أميّة، ودفن بباب الصّغير. ومولده ليلة الثّلاثاء العشرين (٣) من ربيع الأوّل سنة إحدى وتسعين وستّ مئة مجاوزا التّسعين. تفقّه وبرع، وساد، وانتصب للشّغل والإفادة. وكان حسن التّعليم. وجميع الفقهاء بالشّام من طلبته. وسمعت والدي يحكي عن الشّيخ تقيّ الدّين ابن رافع قال: كان ابن قاضي شهبة بالشّام مثل الشّيخ مجد الدّين السّنكلونيّ (٤) بالقاهرة جميع الجماعة طلبته. ودرّس بالشّاميّة الكبرى. وسمع على ستّ الأهل بنت علوان، وأبي جعفر ابن الموازينيّ، ووزيرة بنت عمر التّنوخيّة، وآخرين.

стр. 488

وانفرد برواية «كتاب الأموال» (١) لأبي عبيد [١١٠ ب] وسمعته عليه في الثّالثة من عمري. وسمع منه الأئمّة: والدي، وابن سند، والهيثميّ، والياسوفيّ، وخلائق. ومات بدمشق ليلة الأربعاء (٢) خامس صفر الشّيخ الإمام علاء الدّين حجّي (٣) بن موسى الحسبانيّ . أحد مشايخ الشّافعيّة وأعيانهم بدمشق. وصلّي عليه من غده بعد صلاة الظّهر بجامع تنكز (٤) ودفن إلى جانب الشّيخ تقيّ الدّين ابن الصّلاح. كذا كتب لي بذلك الإمام صدر الدّين الياسوفيّ وعلّقته عندي كذلك، فوقف عليه-بخطّي-ولده الإمام شهاب الدّين أحمد بن حجّي فكتب بخطّه: سابع عشر أو ثامن عشر أي صفر. وصحّح عليه. تفقّه على الشّيخ شمس الدّين ابن النّقيب، وبرع، ودرّس، وأفتى.

стр. 489

وسمع الحديث عليه وعلى الحافظ (١) علم الدّين البرزاليّ، والشّهاب أحمد بن حسن الجزريّ. وحدّث؛ سمع منه الياسوفيّ، وغيره. ومات بدمشق في صفر الشّيخ شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد (٢) [ (٣) بن إبراهيم بن سالم بن داود بن محمّد المنبجيّ] الدّمشقيّ الشّهير بابن الطّحّان، المقرئ. مولده سنة اثنتين وسبع مئة. ومات بالقاهرة يوم الثّلاثاء الخامس والعشرين من جمادى (٤) الأولى الشّيخ الإمام المحدّث الرّحال المفنّن الصّالح نور (٥) الدّين أبو الحسن عليّ (٦) بن أحمد بن إسماعيل المدلجيّ، الفوّيّ الشّافعيّ ، عن نحو من خمس وستّين سنة. مولده تقريبا سنة سبع عشرة وسبع مئة. وسمع على أصحاب ابن علاّق، والنّجيب، وطبقتهم.

стр. 490

وطلب الحديث بنفسه، ورحل إلى دمشق وغيرها. وتفقّه، ولازم الشّيوخ، وتزهّد، وتصوّف [١١١ أ] وحجّ، وجاور. وحدّث بالحرمين، ومصر، والشّام، وبلاد العجم، اتّفق له ببلاد العجم أنّه اجتمع ببعض الرّواة بها فروى حديثا عن شخص عنه فقال له (١) : اسمعه منّي يعلو لك درجة فخجل ذلك الرّجل. كما وقع للجعابيّ (٢) مع الطّبرانيّ. وكان رجلا (٣) صالحا، أمّارا بالمعروف، نهّاء عن المنكر، متقشّفا (٤) ، ملازما على طريقة السّلف، لا يكثر الإقامة ببلد، ولا ينقطع في الغالب إلى معلوم. وكان غالب إقامته بالحرمين. وولي في وقت مشيخة خانقاه بالقدس، ثمّ تركها، واستقرّ آخرا مجاورا (٥) بالمدينة النّبويّة؛ وولي بها

стр. 491

تدريس الحديث بوقف السّلطان الأشرف شعبان بن حسين. ثمّ ورد في آخر عمره إلى القاهرة فمات بها، وصلّي عليه بجامع الحاكم ثم بالمصلّى (١) خارج باب النّصر ودفن بتربة الصّوفيّة ظاهر القاهرة. حضرت الصّلاة عليه ودفنه، رحمه (٢) الله تعالى. ومات بالقاهرة يوم الاثنين رابع عشر شهر (٣) رجب قاضي القضاة جلال الدّين (٤) أبو عبد الله [ (٥) محمّد بن محمّد] بن محمود النّيسابوريّ، الحنفيّ، الشّهير بجار الله (٦) عن سنّ عالية، وصلّي عليه بظاهر البرقيّة، ودفن من يومه بتربة قاضي القضاة سراج الدّين الهنديّ (٧) ، وكان صهره. أحكم علم المعقول، وكان بصيرا به متمكّنا منه. وبرع في العربيّة والأصول. وولي مشيخة سعيد السّعداء، وناب في الحكم عن صهره السّراج الهنديّ، ثمّ ولي قضاء القضاة في آخر سلطنة الأشرف لمّا طبّه فعوفي على يده، وكان خبيرا بالطّبّ.

стр. 492

ولمّا توفّي أرسل الأمير الكبير (١) برقوق للشّيخ جلال الدّين التّبّانيّ (٢) [١١١ ب] في يوم الخميس رابع عشري رجب وسأله بحضور القضاة بولاية القضاء فامتنع من ذلك فاستشير قاضي القضاة برهان الدّين ابن جماعة فأشار بالشّيخ صدر الدّين ابن منصور وقال: إنّه شيخ الحنفيّة؛ فرسم بطلبه من دمشق المحروسة (٣) فتوجّه البريد (٤) يوم الاثنين ثامن عشريه (٥) فقدم في أوائل شهر (٦) رمضان؛ وولي القضاء في ثامنه. ومات بدمشق ليلة الاثنين العشرين من شعبان قاضي القضاة شرف (٧) الدّين [ (٨) أبو العبّاس أحمد (٩) بن عليّ] بن منصور الحنفيّ .

стр. 493

أخو قاضي القضاة صدر (١) الدّين المذكور قريبا. وكان قد ولي قضاء الحنفيّة بالدّيار (٢) المصريّة مدّة. وهو معدود من فضلاء الحنفيّة، وعنده معرفة بعلوم (٣) . كان أصغر من أخيه وأكثر تفنّنا في العلوم. وأخوه أكبر وأفقه. وله رواية. سمع منه الإمامان (٤) : صدر الدّين الياسوفيّ، وشهاب الدّين ابن الحسبانيّ؛ وكتب لي بوفاته. ومات بمكّة في شوّال الشّيخ (٥) الإمام شهاب الدّين أحمد (٦) البدماصيّ-بفتح الباء الموحّدة والدّال المهملة بعدها ميم وبعد الألف صاد مهملة-الشّافعيّ . تفقّه وبرع، وتميّز، وفضل، وأعاد بمدرسة (٧) أمّ الأشرف.

стр. 494

وكان عنده خير ودين، وفيه سكون وتواضع. وجاور بمكّة فتوفّي بها. ومات بمكّة في شوّال أيضا الشّيخ برهان الدّين إبراهيم (١) بن أحمد بن أبي بكر المرشديّ، ثمّ المكّيّ . سمع «صحيح» البخاريّ على عبد الرّحيم ابن شاهد الجيش، وسمع أيضا (٢) على أصحاب النّجيب، وابن علاّق [١١٢ أ] وطبقتهم. وحدّث؛ سمعت منه أنا وطلبة الحديث. وكان من أهل الخير والدّين، والصّلاح. ومات بمكّة أيضا (٣) في شوّال الشّيخ أبو القاسم (٤) بن أحمد بن عبد الصّمد اليمنيّ، ثمّ المكّيّ، المقرىء . كتب لي بذلك الإمام جمال الدّين ابن ظهيرة وقال: كان يذكر أنّه اجتمع بابن تيميّة بدمشق. ولم يعرف له سماعا منه ولا من غيره. وكان يتعلّق بعلم القراءات ولم يكن بالمحقّق فيه. انتهى. وقد اجتمعت بأبي القاسم هذا عند اجتماعه بوالدي بمكّة. وكان يذكر أنّ الجنّ يقرؤون عليه القرآن الكريم (٥) يحضرون إليه من اليمن وأخبر أنّ عندهم بلادة، وغاية الماهر منهم أن وصل إلى سورة الرّحمن. وأنّ امرأته تأذّت (*) بحضورهم عنده في البيت؛ فصار يخرج إلى الحرم يقرئهم به

стр. 495

ليلا. ومات بالقاهرة يوم الأحد ثالث عشر ذي الحجّة الشّيخ الإمام الفقيه المفتي شرف الدّين عبّاس (١) بن حسين بن بدر التّميميّ، الشّافعيّ . تفقّه وبرع، وتميّز، وساد، ودرّس، وأفتى، وتصدّر بجامع أصلم (٢) والسّابقيّة. وأعاد بالزّاوية (٣) الخشّابيّة. وكان مواظبا على الشّغل والفتوى. كان يقرىء الفقه والأصول والعربيّة ويروي (٤) القراءات السّبع ويقرىء بها. وسمع الحديث على نور الدّين عليّ بن حسن الأرمويّ، وغيره. وحدّث؛ سمعت عليه. وذكر لي: أنّه سمع «صحيح» مسلم على عبد الرّحمن بن محمّد بن عبد الهادي. وكان من أهل الخير، والدّين، والصّلاح، والتّقوى والعبادة. وكان برجله بلعم يحوجه إلى [١١٢ ب] الاتّكاء في المشي وكأنّه الذي يسمّى داء الفيل (٥) .
следующие страницы →