← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11302

تلبيس إبليس - ت المزيد والسحيباني

ابن الجوزي

Полный текст (915 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

والرافضة (١)، والجبرية (٢). وقد قال بعض أهل العلم (٣): أصل الفرق الضالة هذه الفرق الست، وقد انقسمت كل فرقة منها اثنتي عشرة فرقة فصارت اثنتين وسبعين فرقة (٤):

стр. 107

• انقسمت الحرورية اثنتي عشرة فرقة: ١ - فأولهم الأزرقية (١): قالوا: لا نعلم أحدًا مؤمنًا. وكَفَّروا أهلَ القبلة إلا من دان بقولهم. ٢ - والإباضية (٢): قالوا: من أخذ بقولنا فهو مؤمن، ومن أعرض عنه فهو منافق.

стр. 108

٣ - والثعلبية (١): قالوا: إن الله لم يقض ولم يقدِّر. ٤ - والحازمية (٢): قالوا: لا ندري ما الإيمان! والخلق كلهم معذورون. ٥ - والخلفية (٣): زعموا أن من ترك الجهاد من ذكر أو أنثى كَفَر.

стр. 109

٦ - والكوزية (١): قالوا: ليس لأحد أن يمس أحدا؛ لأنه لا يعرف الطاهر من النجس، ولا أن يؤاكله حتى يغتسل ويتوب. ٧ - والكنزية (٢) قالوا: لا يسع أحدا أن يعطي ماله أحدًا؛ لأنه لا يعرف ربما لم يكن مستحقًّا، بل يكنزه في الأرض حتى يظهر أهل الحق. ٨ - والشمراخية (٣): قالوا: لا بأس بمس النساء الأجانب؛ لأنهن رياحين. ٩ - والأخنسية (٤): قالوا: لا يلحق الميت بعد موته خير ولا شر.

стр. 110

١٠ - والحكمية (١): قالوا: من حَاكَمَ إلى مخلوق فهو كافر. ١١ - والمعتزلة من الحرورية (٢): قالوا: اشتبه علينا أمر علي ومعاوية، فنحن نتبرأ من الفريقين. ١٢ - والميمونية (٣): قالوا: لا إمام إلا برضا أهل محبتنا. • وانقسمت القدرية اثنتي عشرة فرقة: ١ - الأحمدية (٤): وهي التي زعمت أن في شرط العدل من الله أن يملك عباده

стр. 111

أمورهم، ويحول بينهم وبين معاصيهم. ٢ - والثنوية (١): وهي التي زعمت أن الخير من الله، والشر من إبليس. ٣ - والمعتزلة (٢): وهم الذين قالوا بخلق القرآن وجحدوا الرؤية. ٤ - والكيسانية (٣): وهم الذين قالوا: لا ندري هذه الأفعال من الله أم من العباد، ولا نعلم أيثاب الناس بعد الموت أم يعاقبون! ٥ - والشيطانية (٤): قالوا: إن الله لم يخلق الشيطان.

стр. 112

٦ - والشريكية (١): قالوا: إن السيئات كلها مقدرة إلا الكفر. ٧ - والوهمية (٢) قالوا: ليس لأفعال الخلق وكلامهم ذات، ولا للحسنة والسيئة ذات. ٨ - والريوندية (٣): قالوا: كل كتاب نزل من الله تعالى فالعمل به حق، ناسخًا كان أو منسوخًا. ٩ - والمنبرية (٤): زعموا أن من عمى ثم تاب لم تقبل توبته. ١٠ - والناكثية (٥): زعموا أن من نكث بيعة رسول الله فلا إثم عليه.

стр. 113

١١ - والقاسطية (١): فضلوا طلب الدنيا على الزهد فيها. ١٢ - والنظامية (٢): تبعوا إبراهيم ابن النظام (٣) في قوله: من زعم أن الله شيء فهو كافر. • وانقسمت الجهمية اثنتي عشرة فرقة: ١ - المعطلة (٤): زعموا أن كل ما يقع عليه وهم الإنسان فهو مخلوق، وأن من ادَّعى

стр. 114

أن الله يُرى فهو كافر. ٢ - والمرِّيسية (١): قالوا: أكثر صفات الله مخلوقة. ٣ - والملتزقة (٢): جعلوا الباري سبحانه في كل مكان. ٤ - والواردية (٣): قالوا: لا يدخل النار من عرف ربه، ومن دخلها لم يخرج منها أبدًا. ٥ - والزنادقة (٤): قالوا: ليس لأحد أن يثبت لنفسه ربًّا؛ لأن الإثبات لا يكون إلا بعد إدراك الحواس، وما لا يدرك فليس بإله، وما لا يدرك لا يثبت.

стр. 115

٦ - الحرقية (١): زعموا أن الكافر تحرقه النار مرة واحدة، ثم يبقى محترقًا أبدًا لا يجد حرَّ النار. ٧ - والمخلوقية (٢): زعموا أن القرآن مخلوق. ٨ - والفانية (٣): زعمت أن الجنة والنار يفنيان، ومنهم من قال: لم تخلقا. ٩ - والعيرية (٤): جحدوا الرسل، وقالوا: إنما هم حكماء. ١٠ - والواقفة (٥): قالوا: لا نقول القرآن مخلوق ولا غير مخلوق.

стр. 116

١١ - والقبرية (١): ينكرون عذاب القبر والشفاعة. ١٢ - واللفظية (٢): قالوا: لفظنا بالقرآن مخلوق. • وانقسمت المرجئة اثنتي عشرة فرقة: ١ - التاركية (٣): قالوا: ليس لله على خلقه فريضة سوى الإيمان به، فمن آمن به فليفعل ما شاء.

стр. 117

٢ - والسائبية (١): قالوا: إن الله تعالى سيَّب خلقه ليعملوا ما شاؤوا. ٣ - والراجية (٢): قالوا: لا نسمي الطائع طائعا ولا العاصي عاصيا؛ لأنا لا ندري ما له عند الله. ٤ - والشاكية (٣): قالوا: الطاعات ليست من الإيمان. ٥ - والبيهسية (٤): قالوا: الإيمان العلم، ومن لا يعلم الحق من الباطل والحلال من الحرام فهو كافر. ٦ - والعملية (٥): قالوا: الإيمان عمل. ٧ - والمنقوصية (٦): قالوا: الإيمان لا يزيد ولا ينقص.

стр. 118

٨ - والمستثنية (١): نفوا الاستثناء في الإيمان. ٩ - والمشبهة (٢): يقولون: بصر كبصري، ويد كيدي. ١٠ - والحشوية (٣): جعلوا حكم الأحاديث كلها واحدًا، فعندهم أن تارك النفل كتارك الفرض.

стр. 119

١١ - والظاهرية (١): الذين نفوا القياس. ١٢ - والبدعية (٢): أول من ابتدع الأحداث في هذه الأمة. • وانقسمت الرافضة اثنتي عشرة فرقة: ١ - العلوية (٣): قالوا: إن الرسالة كانت إلى علي، وإن جبريل أخطأ. ٢ - والأمرية (٤): قالوا: إن عليًّا شريك محمد في أمره.

стр. 120

٣ - والشيعية (١): قالوا: إن عليًّا ﵁ وصيُّ رسولِ الله ووليه من بعده، وإن الأمة كفرت بمبايعة غيره. ٤ - والإسحاقية (٢): قالوا: النبوة متصلة إلى يوم القيامة، وكل من يعلم عِلْمَ أهل البيت فهو نبي. ٥ - والناووسية (٣): قالوا: علي أفضل الأمة، فمن فضَّل غيرَه عليه كفر. ٦ - والإمامية (٤): قالوا: لا يمكن أن تكون الدنيا بغير إمام من ولد الحسين، وإن

стр. 121

الإمام يعلمه جبريل، فإذا مات بدل مكانه مثله. ٧ - والزيدية (١): قالوا ولد الحسين كلهم أئمة في الصلوات، فمتى وجد منهم أحد لم تجز الصلاة خلف غيره برهم وفاجرهم. ٨ - والعباسية (٢): زعموا أن العباس (٣) كان أولى بالخلافة من غيره.

стр. 122

٩ - والمتناسخة (١): قالوا: الأرواح تتناسخ، فمن كان محسنا خرجت روحه فدخلت في خلق تسعد بعيشه، ومن كان مسيئًا دخلت روحه في خلق تشقى بعيشه. ١٠ - والرجعية (٢): زعموا أن عليًّا وأصحابه يرجعون إلى الدنيا وينتقمون من أعدائهم. ١١ - واللاعنة (٣): يلعنون عثمان وطلحة والزبير ومعاوية وأبا موسى وعائشة وغيرهم.

стр. 123

١٢ - والمتربصة (١): تشبهوا بزي النساك، ونصبوا في كل عصر رجلا ينسبون إليه الأمر، يزعمون أنه مهدي هذه الأمة، فإذا مات نصبوا آخر. • ثم انقسمت الجبرية اثنتي عشرة فرقة، فمنهم: ١ - المضطرية (٢): قالوا: لا فعل للآدمي، بل الله يفعل الكل. ٢ - والأفعالية (٣): قالوا: لنا أفعال ولكن لا استطاعة لنا فيها، وإنما نحن كالبهائم تقاد بالحبل. ٣ - والمفروغية (٤): قالت: كل الأشياء قد خلقت، والآن لا يخلق شيء. ٤ - والنجارية (٥): زعمت أن الله تعالى يعذب الناس على فعله، لا على فعلهم.

стр. 124

٥ - والمنانية (١): قالوا: عليك بما يخطر بقلبك؛ فافعل ما توسمت منه الخير. ٦ - والكسلية (٢): قالوا: لا يكسب العبد ثوابًا ولا عقابًا. ٧ - والسابقية (٣): قالوا: من شاء فليعمل، ومن شاء لم يعمل، فإن السعيد لا تضره ذنوبه، والشقي لا ينفعه برّه. ٨ - والحبية (٤): قالوا: من شرب كأس محبة الله تعالى سقطت عنه عبادة الأركان.

стр. 125

٩ - والخوفية (١): قالوا: من أحب الله لم يسعه أن يخافه؛ لأن الحبيب لا يخاف حبيبه. ١٠ - والفكرية (٢): قالوا: من ازداد علما سقط عنه بقدر ذلك من العبادة.

стр. 126

١١ - والحسبية (١): قالوا: الدنيا بين العباد سواء، لا تفاضل بينهم مما ورثهم أبوهم آدم. ١٢ - والمعية (٢): قالوا: منا الفعل، ولنا الاستطاعة.

стр. 127

الباب الثالث في التحذير من فتن إبليس ومكايده اعلم أن الآدمي لما خلق ركب فيه الهوى والشهوة ليجتلب بذلك ما ينفعه، ووضع فيه الغضب ليدفع به ما يؤذيه، وأُعطي العقل كالمؤدب يأمره بالعدل فيما يجتلب ويجتنب، وخلق الشيطان محرضًا له على الإسراف في اجتلابه واجتنابه، فالواجب على العاقل أن يأخذ حذره من هذا العدو الذي قد أبان عداوته من زمن آدم، وقد بذل نفسه وعمره في إفساد أحوال بني آدم. وقد أمر الله بالحذر منه فقال: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٨]، وقال: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، وقال: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠]، وقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، وقال: ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥]، وقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]، وقال: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣)﴾ [لقمان: ٣٣] وفي القرآن من هذا كثير. فصل وينبغي أن يُعْلَمَ أن إبليس شغله التلبيس أول ما التبس الأمر عليه، فأعرض عن النص الصريح على السجود (١)، وأخذ يفاضل بين الأصول فقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ

стр. 128

طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، ثم أردف ذلك بالاعتراض على الملك الحكيم (١)، فقال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢]، والمعنى أخبرني لِمَ كرَّمتَه عليّ؟! غرر هذا الاعتراض أن الذي فعلت ليس بحكمة، ثم أتبع ذلك بالكبر فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢]، ثم امتنع من السجود، فأهان نفسه التي أراد تعظيمها باللعنة والعقاب. فمتى سوَّل للإنسان أمرا فينبغي أن يحذر منه أشد الحذر، وليقل له حين أمره إياه بالسوء: إنما تريد بما تأمرني به نصحي ببلوغ شهوتي، وكيف يصح صواب النصح للغير لمن لم ينصح نفسه؟! ثم كيف أثق بنصيحة عدو، فانصرف فما لقولك منفذ. فلا يبقى إلا أنه يستعين بالنفس؛ لأنه يحث على هواها؛ فليستحضر العقل إلى بيت التفكير في عواقب الذنب لعل مدد توفيق يبعث جند عزيمة فينهزم عسكر الهوى. أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، قال: أخبرنا عاصم بن الحسن، قال: أخبرنا أبو عمر بن مهدي، قال: نا الحسين بن إسماعيل، قال: نا زكريا بن يحيى، قال: نا شبابة بن سوار، قال: حدثني المغيرة، عن مطر عن مطرف بن الشخير، عن عياض بن حمار، قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أيها الناس إن الله أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا: إن كل مال نحلته عبدي فهو له حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا، وإن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب" (٢).

стр. 129

أخبرنا ابن الحصين قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر قال: نا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: نا يحيى بن سعيد، قال: نا هشام، قال: حدثنا قتادة، عن مطرف، عن عياض بن حمار، أن النبي ﷺ خطب ذات يوم فقال في خطبته: "إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا: كل ما نحلت عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وأنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا، ثم إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عجميهم وعربيهم، إلا بقايا من أهل الكتاب" (١). أخبرنا ابن الحصين، قال أنا ابن المذهب، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: نا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: نا أبو معاوية، قال: نا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا. فيقول: ما صنعت شيئًا. قال: ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله. فيدنيه أو قال: فيلتزمه ويقول: نعم أنت! " (٢). وبه قال أحمد: ونا أبو نعيم، قال: نا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن إبليس قد يئس أن يعبده المصلون، ولكن في التحريش (٣) بينهم"، انفرد بإخراج هذا الحديث والذي قبله مسلم، وفي لفظ حديثه: "قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب" (٤) (٥).

стр. 130

أنبأنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي، قال: أنا عاصم بن الحسن، قال: أخبرنا ابن بشران، قال: نا ابن صفوان، قال: نا أبو بكر القرشي قال: حدثني الحسين بن السكن، قال: نا المعلى بن أسد، قال: نا عدي بن أبي عُمارة، قال: نا زياد النميري، عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ : "إن الشيطان واضع خطمه (١) على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله خنس، وإن نسي الله التقم قلبه" (٢). أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنا الحسن بن علي التميمي، قال: نا أبو بكر بن مالك، قال: نا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: نا أبي، قال: نا عبد الرحمن، عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود قال: إن الشيطان أطاف بأهل مجلس ذكر ليفتنهم فلم يستطع أن يفرق بينهم، فأتى على حلقة يذكرون الدنيا فأغرى بينهم حتى اقتتلوا، فقام أهل الذكر فحجزوا بينهم فتفرقوا (٣).

стр. 131

قال عبد الله: وحدثني علي بن مسلم، قال: نا سيار، قال: نا حيان الجريري، قال: نا سويد الحناط، عن قتادة قال: إن لإبليس شيطانا يقال له: قبقب، يجمه (١) أربعين سنة، فإذا دخل الغلام في هذا الطريق قال له: دونك إنما كنت أجمك لمثل هذا أجلب عليه وافتنه (٢). قال سيار: ونا جعفر، قال: نا ثابت البناني، قال: بلغنا أن إبليس ظهر ليحيى بن زكريا ﵇ فرأى عليه معاليق من كل شيء، فقال يحيى: يا إبليس ما هذه المعاليق التي أرى عليك؟ قال: هذه الشهوات التي أصيب بهن ابن آدم. قال: فهل لي فيها من شيء؟ قال: ربما شبعت فثقلناك عن الصلاة، وثقلناك عن الذكر. قال: هل غير ذلك؟ قال: لا. قال: لله علي أن لا أملأ بطني من طعام أبدًا. قال إبليس: ولله علي أن لا أنصح مسلمًا أبدًا (٣). قال عبد الله بن أحمد: ونا أبي، قال: حدثنا وكيع، قال: نا الأعمش، عن خيثمة، عن الحارث بن قيس، قال: إذا أتاك الشيطان وأنت تصلي فقال: إنك ترائي. فزدها طولًا (٤). أنبأنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي، قال: أخبرنا عاصم بن الحسن، قال: أخبرنا علي بن محمد بن بشران، قال: أنا أبو علي بن صفوان، قال: أنا أبو بكر بن عبيد، قال: نا عبد الرحمن بن يونس، قال: نا سفيان بن عيينة، قال: سمع عمرو بن دينار عروة بن عامر، سمع عبيد بن رفاعة يبلغ به النبي ﷺ ، قال: "كان راهب في بني إسرائيل،

стр. 132

فأخذ الشيطان جارية فخنقها، وألقى في قلوب أهلها أن دواءها عند الراهب، فأُتي بها الراهب فأبى أن يقبلها، فما زالوا به حتى قبلها، فكانت عنده، فأتاه الشيطان فقال: الآن تفتضح يأتيك أهلها فاقتلها، فإن أتوك فقل: ماتت، فقتلها ودفنها، فأتى الشيطان أهلها فوسوس إليهم، فألقى في قلوبهم أنه أحبلها ثم قتلها ودفنها، فأتاه أهلها فسألوه، فقال: ماتت. فأخذوه فأتاه الشيطان فقال: أنا الذي أخذتها، وأنا الذي ألقيت في قلوب أهلها، وأنا الذي أوقعتك في هذا فأطعني تنج، اسجد لي سجدتين، فسجد له سجدتين، فهو الذي قال الله : ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر: ١٦] (١). قال المصنف: وقد روي لنا هذا الحديث على صفة أخرى عن وهب بن منبه، فأخبرنا محمد بن أبي منصور الحافظ، قال: أخبرنا أحمد بن الحسن بن خيرون، قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد بن شاذان، قال: أنا أبو علي عيسى بن محمد الطوماري، قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن البراء، قال: أنا عبد المنعم بن إدريس، عن أبيه، قال: ذكر وهب بن منبه أن عابدًا كان في بني إسرائيل وكان من أعبد أهل زمانه، وكان في زمانه ثلاثة إخوة لهم أخت، فكانت بكرا ليست لهم أخت غيرها، فخرج البعث على ثلاثتهم، فلم يدروا عند من يخلفون أختهم، ولا من يأمنون عليها، ولا عند من يضعونها، قال: فأجمع رأيهم على أن يخلفوها عند عابد بني إسرائيل، وكان ثقة في أنفسهم، فأتوه فسألوه أن يخلفوها عنده فتكون في كنفه وجواره إلى أن يقفلوا من غزاتهم، فأبى ذلك عليهم، وتعوذ بالله منهم ومن أختهم، قال: فلم يزالوا به حتى أطاعهم فقال: أنزلوها في بيت حذاء صومعتي.

стр. 133

قال: فأنزلوها في ذلك البيت ثم انطلقوا وتركوها، فمكثت في جوار ذلك العابد زمانًا ينزل إليها الطعام من صومعته فيضعه عند باب الصومعة، ثم يغلق بابه ويصعد في صومعته، ثم يأمرها فتخرج من بيتها فتأخذ ما وضع لها من الطعام، قال: فتلطف له الشيطان، فلم يزل يرغبه في الخير ويعظم عليه خروج الجارية من بيتها نهارًا، ويخوفه أن يراها أحد فيعلقها، فلم يزل به حتى مشى بطعامها حتى وضعه على باب بيتها ولا تكلمها (١). قال: فلبث بذلك زمانًا، ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير والأجر وقال: لو كنت تمشي إليها بطعامها حتى تضعه في بيتها كان أعظم لأجرك! قال: فلم يزل به حتى مشى إليها بطعامها فوضعه في بيتها، قال: فلبث بذلك زمانا. ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير وحضه عليه، وقال له: لو كنت تكلمها وتحدثها فتأنس بحديثك فإنها قد استوحشت وحشة شديدة، قال: فلم يزل به حتى حدثها زمانا يطلع إليها من فوق صومعته. قال: ثم أتاه إبليس بعد ذلك فقال: لو كنت تنزل إليها فتقعد على باب صومعتك وتحدثها وتقعد على باب بيتها فتحدثك كان آنس لها، فلم يزل به حتى أنزله فأجلسه على باب صومعته يحدثها وتخرج الجارية من بيتها حتى تقعد على باب بيتها، قال: فلبثا زمانا يتحدثان. ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير والثواب فيما يصنع بها وقال: لو خرجت من باب صومعتك: فجلست قريبا من باب بيتها كان آنس لها، فلم يزل به حتى دخل، قال: فلبثا بذلك زمانا.

стр. 134

ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير وفيما له من حسن الثواب فيما يصنع بها، وقال له: لو دنوت من باب بيتها فحدثتها ولم تخرج من بيتها ففعل فكان ينزل من صومعته فيقعد على باب بيتها فيحدثها، فلبثا بذلك حينا. ثم جاءه إبليس، فقال: لو دخلت البيت معها فحدثتها ولم تتركها تبرز وجهها لأحد كان أحسن بك، قال: فلم يزل به حتى دخل البيت، فجعل يحدثها نهاره كله فإذا أمسى صعد في صومعته. قال: ثم أتاه إبليس بعد ذلك فلم يزل يزينها له حتى ضرب العابد على فخذها وقبلها، فلم يزل به إبليس يحسنها في عينيه ويسول له حتى وقع عليها فأحبلها، فولدت له غلامًا. فجاء إبليس فقال له: أرأيت إن جاء إخوة هذه الجارية وقد ولدت منك كيف تصنع؟ لا آمن عليك أن تفتضح أو يفضحوك، فاعمد إلى ابنها فاذبحه وادفنه، فإنها ستكتم ذلك عليك مخافة إخوتها أن يطلعوا على ما صنعت بها. ففعل. فقال له: أتراها تكتم إخوتها ما صَنَعْتَ بها وقتلْتَ ابنها؟ خذها فاذبحها وادفنها مع ابنها، قال: فلم يزل به حتى ذبحها فألقاها في الحفيرة مع ابنها، وأطبق عليهما صخرة عظيمة وسوى عليهما، وصعد إلى صومعته يتعبد فيها، فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث، حتى قفل إخوتها من الغزو، فجاؤوه فسألوه عن أختهم، فنعاها لهم وترحم عليها وبكاها، وقال: كانت خير امرأة وهذا قبرها فانظروا إليه، فأتى إخوتها القبر فبكوا أختهم، وترحموا عليها، وأقاموا على قبرها أيامًا ثم انصرفوا إلى أهاليهم. فلما جنهم الليل وأخذوا مضاجعهم، أتاهم الشيطان في النوم على صورة رجل مسافر، فبدأ بأكبرهم فسأله عن أختهم، فأخبره بقول العابد وبموتها وترحمه عليها

стр. 135

وكيف أراهم موضع قبرها، فكذبه الشيطان، وقال: لم يصدقكم أمر أختكم، إنه قد أحبل أختكم وولدت منه غلامًا فذبحه وذبحها معه فرقًا (١) منكم، وألقاها في حفيرة احتفرها خلف باب البيت الذي كانت فيه عن يمين من دخله، فانطلقوا فادخلوا البيت فإنكم ستجدونهما هنالك جميعا كما أخبركم. قال: وأتى الأوسط في منامه فقال له مثل ذلك، ثم أتى أصغرهم فقال له مثل ذلك. فلما استيقظ القوم استيقظوا متعجبين لما رأى كل واحد منهم، فأقبل بعضهم على بعض يقول كل واحد منهم: لقد رأيت عجبا فأخبر بعضهم بعضا بما رأى، فقال كبيرهم: هذا حلم ليس بشيء فامضوا بنا ودعوا هذا، قال أصغرهم: لا أمضي حتى آتي هذا المكان فأنظر فيه، قال: فانطلقوا جميعا حتى أتوا البيت الذي كانت فيه أختهم، ففتحوا الباب وبحثوا الموضع الذي وصف لهم في منامهم، فوجدوا أختهم وابنها مذبوحين في الحفرة كما قيل لهم، فسألوا عنها العابد فصدق قول إبليس فيما صنع بهما. فاستعدوا عليه ملكهم، فأُنزل من صومعته وقدموه ليصلب، فلما أوثق على الخشبة أتاه الشيطان، فقال له: قد علمت أني صاحبك الذي فتنتك في المرأة حتى أحبلتها وذبحتها وابنها، فإن أنت أطعتني اليوم وكفرت بالله الذي خلقك خلصتك مما أنت فيه. قال: فكفر العابد بالله، فلما كفر خلى الشيطان بينه وبين أصحابه فصلبوه، قال: ففيه نزلت هذه الآية: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ إلى قوله: ﴿جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [الحشر: ١٦ - ١٧] (٢).

стр. 136

أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله، قال: أنا أبو بكر الآجري، قال: نا عبد الله بن محمد العَطَشِي، قال: نا إبراهيم بن الجنيد، قال: حدثني محمد بن الحسين، قال: نا بشر بن محمد بن أبان، قال: حدثني الحسن بن عبيد الله بن مسلم القرشي، عن وهب: أن راهبا تخلى في صومعته في زمن المسيح فأراده إبليس فلم يقدر عليه، ثم أتاه بكل رائدة فلم يقدر عليه، وأتاه متشبها بالمسيح، فناداه: أيها الراهب أَشْرِفْ عليَّ أكلمْك. قال: انطلق لشأنك فلست أرد ما مضى من عمري. فقال: أَشْرِفْ عليَّ فأنا المسيح! فقال: إن كنت المسيح فما لي إليك حاجة، أليس قد أمرتنا بالعبادة، ووعدتنا القيامة؟ انطلق لشأنك فلا حاجة لي فيك، فانطلق اللعين عنه وتركه (١). أنبأنا إسماعيل بن أحمد، قال: أخبرنا عاصم بن الحسن، قال: أخبرنا علي بن محمد بن بشران، قال: أنا أبو علي البرذعي، قال: نا أبو بكر بن عبيد القرشي، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن موسى الحرشي، قال: نا جعفر بن سليمان، قال: نا عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير، قال: نا سالم بن عبد الله، عن أبيه، قال: لما ركب نوح في السفينة رأى فيها شيخًا لم يعرفه، فقال له نوح: ما أدخلك؟ قال: دخلت لأصيب قلوب أصحابك، فتكون قلوبهم معي وأبدانهم معك. قال نوح: اخرج يا عدو الله، فقال إبليس: خمس أهلك بهن الناس وسأحدثك منهن بثلاث ولا أحدثك بالثنتين، فأُوحي إلى نوح أنه لا حاجة بك إلى الثلاث، مرْهُ يحدثك بالثنتين، قال: بهما أهلك الناس وهما لا يكذبان: الحسد، وبالحسد لعنت وجعلت شيطانًا رجيمًا؛ والحرص، أبيح لآدم الجنة كلها فأصبت حاجتي منه بالحرص.

стр. 137

قال: ولقي إبليس موسى، فقال: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالته وكلمك تكليما، وأنا من خلق الله أذنبت وأنا أريد أن أتوب، فاشفع لي إلى ربي أن يتوب علي، فدعا موسى ربه فقيل: يا موسى قد قضيت حاجتك، فلقي موسى إبليس فقال: قد أمرت أن تسجد لقبر آدم ويتاب عليك، فاستكبر وغضب وقال: لم أسجد له حيًّا أسجد له مَيْتًا! ثم قال إبليس: يا موسى إن لك علي حقا بما شفعت إلى ربك، فاذكرني عند ثلاث لا أهلك فيهن: اذكرني حين تغضب فإن وحيي في قلبك وعيني في عينك وأجري منك مجرى الدم، واذكرني حين تلقى الزحف فإني أَتي ابن آدم حين يلقى الزحف فأُذَكِّره ولده وزوجته وأهله حتى يولي، وإياك أن تجالس امرأة ليست بذات محرم فإني رسولها إليك ورسولك إليها (١). قال القرشي: ونا أبو حفص الصفار، قال: نا جعفر بن سليمان، قال: نا شعبة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، قال: ما بعث الله نبيا إلا لم ييأس إبليس أن يهلكه بالنساء (٢). قال القرشي: وحدثني القاسم بن هاشم، عن إبراهيم بن الأشعث، عن فضيل بن عياض، قال: حدثني بعض أشياخنا، أن إبليس جاء إلى موسى وهو يناجي ربه ، فقال له الملك: ويلك ما ترجو منه وهو على هذه الحالة يناجي ربه؟! قال: أرجو منه مما رجوت من أبيه آدم وهو في الجنة (٣). قال القرشي: ونا أحمد بن عبد الأعلى الشيباني، قال: نا فرج بن فضالة، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم قال: بينما موسى جالس في بعض مجالسه إذ أقبل إبليس

стр. 138

وعليه برنس له يتلون فيه ألوانًا، فلما دنا منه خلع البرنس فوضعه، ثم أتاه فقال له: السلام عليك يا موسى. فقال له: من أنت؟ قال: أنا إبليس. قال: أنت فلا حياك الله، ما جاء بك؟ قال: جئت لأسلم عليك بمنزلتك من الله ومكانك منه. قال: فماذا الذي رأيت عليك؟ قال: به أخطف قلوب بني آدم. قال: فما الذي إذا صنعه الإنسان استحوذت عليه؟ قال: إذا أعجبته نفسه، واستكثر عمله، ونسي ذنوبه، وأحذرك ثلاثا: لا تخل بامرأة لا تحل لك، فإنه ما خلا رجل بامرأة لا تحل له إلا كنت صاحبه دون أصحابي حتى أفتنه بها، ولا تعاهد الله عهدًا إلا وفيت به، فإنه ما عاهد اللهَ أحدٌ عهدًا إلا كنت صاحبه دون أصحابي، حتى أحول بينه وبين الوفاء به. ولا تُخْرِجَنَّ صدقة إلا أمضيتها، فإنه ما أخرج رجل صدقة فلم يمضها إلا كنت صاحبه دون أصحابي حتى أحول بينه وبين الوفاء بها، ثم ولَّى وهو يقول: يا ويله! ثلاثا، علم موسى ما يحذر به بني آدم (١). قال القرشي: وحدثني محمد بن إدريس، قال: نا أحمد بن يونس، قال: نا حسن بن صالح، قال: سمعت أن الشيطان قال للمرأة: أنت نصف جندي، وأنت سهمي الذي أرمي به فلا أخطئ، وأنت موضع سري، وأنت رسولي في حاجتي (٢). قال القرشي: نا إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثني هشام بن يوسف، قال: أخبرنا عقيل بن معقل بن أخي وهب بن منبه، قال: سمعت وهبا يقول: قال راهب للشيطان وبدا له: أي أخلاق بني آدم أعون لك عليهم؟ قال: الحدة، إن العبد إذا كان حديدا قلبناه كما يقلب الصبيان الكرة (٣).

стр. 139

قال القرشي: ونا سعيد بن سليمان الواسطي عن سليمان بن المغيرة عن ثابت قال: لما بُعث النبي ﷺ جعل إبليس يرسل شياطينه إلى أصحاب النبي ﷺ فيجيئوا بصحفهم ليس فيها شيء، فقال: ما لكم ما تصيبون منهم شيئا؟ فقالوا: ما صحبنا قوما قط مثل هؤلاء، قال: رويدا بهم! عسى أن تفتح لهم الدنيا، هنالك تصيبون حاجتكم منهم (١). قال القرشي: وأخبرنا أحمد بن جميل المروزي: قال: أخبرنا عبد الله -يعني ابن المبارك-، قال: أنا سفيان عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن أبي موسى الأشعري، قال: إذا أصبح إبليس بث جنوده فيقول: من أضل مسلما ألبسته التاج. قال: فيقول له القائل: لم أزل بفلان حتى طلق امرأته. قال: يوشك أن يتزوج. ويقول آخر: لم أزل بفلان حتى عق. قال: يوشك أن يبر. قال: ويقول القائل: لم أزل بفلان حتى زنى. فيقول: أنت! قال: ويقول: لم أزل بفلان حتى قتل، فيقول: أنت، أنت! (٢) قال القرشي: وسمعت سعيد بن سليمان، يحدث عن المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: كانت شجرة تُعْبَدُ من دون الله فجاء إليها رجل فقال: لأقطعن هذه الشجرة، فجاء ليقطعها غضبا لله فلقيه الشيطان في صورة إنسان، فقال: ما تريد؟

стр. 140

قال: أريد أقطع هذه الشجرة التي تُعْبَدُ من دون الله. قال: إذا أنت لم تعبدها فما يضرك من عبدها؟ قال: لأقطعنها! فقال له الشيطان: هل لك فيما هو خير لك، لا تقطعها ولك ديناران كل يوم إذا أصبحت عند وسادك. قال: فمن لي بذلك؟ قال: أنا لك. فرجع فأصبح فوجد دينارين عند وساده، ثم أصبح بعد فلم يجد شيئا، فقام غضبا ليقطعها فتمثل له الشيطان في صورته، وقال: ما تريد؟ قال: أريد قطع هذه الشجرة التي تُعْبَدُ من دون الله. قال: كذبت مالك إلى ذلك من سبيل. فذهب ليقطعها فضرب به الأرض وخنقه حتى كاد يقتله، قال: تدري من أنا؟ أنا الشيطان، جئت أول مرة غضبا لله فلم يكن لي عليك سبيل، فخدعتك بالدينارين فتركتها، فلما جئت غضبا للدينارين سلطت عليك (١). قال القرشي: ونا بشر بن الوليد الكندي، قال: نا محمد بن طلحة عن زبيد عن مجاهد قال: لإبليس خمسة من ولده قد جعل كل واحد منهم على شيء من أمره، ثم سماهم، فذكر: ثبر، والأعور، ومسوط، وداسم، وزلنبور: فأما ثبر فهو صاحب المصيبات الذي يأمر بالثبور وشق الجيوب ولطم الخدود ودعوى الجاهلية (٢). وأما الأعور فهو صاحب الزنا الذي يأمر به ويزينه. وأما مسوط فهو صاحب الكذب الذي يسمع فيلقى الرجل فيخبره بالخبر، فيذهب الرجل إلى القوم فيقول لهم: قد رأيت رجلا أعرف وجهه وما أدري ما اسمه حدثني بكذا وكذا. وأما داسم وهو

стр. 141

الذي يدخل مع الرجل إلى أهله يريه العيب فيهم ويغضبه عليهم. وأما زلنبور فهو صاحب السوق الذي يَرْكُزُ رايتَهُ في السوق (١). أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: نا إبراهيم بن عبد الله قال: نا محمد بن إسحاق، قال: نا إسماعيل بن أبي الحارث، قال: نا سنيد بن داود قال: نا مخلد بن الحسين، قال: ما ندب الله تعالى العباد إلى شيء إلا اعترض فيه إبليس بأمرين ما يبالي بأيهما ظفر: إما غلو فيه، وإما تقصير عنه (٢). وبالإسناد قال محمد بن إسحاق، وحدثنا قتيبة بن سعيد، قال: نا ابن لهيعة، عن أبي قبيل قال: سمعت حياة (٣) بن شراحيل يقول: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: إن إبليس موثق في الأرض السفلى، فإذا تحرك كان كل شر في الأرض بين اثنين فصاعدًا من تحركه (٤). قال المصنف: قلت: وفتن الشيطان ومكايده كثيرة، وسيأتي في غضون هذا الكتاب منها ما يليق بكل موضع إن شاء الله، ولكثرة فتن الشيطان وتشبثها بالقلوب عزت السلامة، فإن من يدعو إلى ما يحث عليه الطبع فهو كمداد لسفينة منحدرة فيا

стр. 142

سرعة انحدارها! ولما ركب الهوى في هاروت وماروت لم يستمسكا (١)، فإذا رأت الملائكة مؤمنا قد مات على الإيمان تعجبت من سلامته: فأخبرنا محمد بن أبي منصور قال: أخبرنا جعفر بن أحمد، قال: أخبرنا الحسن بن علي التميمي، قال: نا أبو بكر بن حمدان، قال: نا عبد الله بن أحمد قال: حدثني سريج قال: نا عنبسة بن عبد الواحد، عن مالك بن مغول، عن عبد العزيز بن رفيع قال: إذا عرج بروح المؤمن إلى السماء قالت الملائكة: سبحان الذي نجى هذا العبد من الشيطان، يا ويحه كيف نجا (٢)! ذكر الإعلام بأن مع كل إنسان شيطانا أخبرنا ابن الحصين الشيباني، قال أخبرنا أبو علي بن المذهب قال: أنا أبو بكر بن حمدان، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، قال: نا هارون، قال: نا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني أبو صخر عن ابن قُسَيْط، أنه حدثه أن عروة بن الزبير حدثه، أن عائشة ﵂ حدثته أن رسول الله ﷺ خرج من عندها ليلا قالت: فغرت عليه. قالت: فجاء فرأى ما أصنع، فقال: "مالك يا عائشة أغرت"؟ فقلت: وما لي لا يغار مثلي على مثلك؟ فقال رسول الله ﷺ : "أفأخذك شيطانك"؟ قلت: يا

стр. 143

رسول الله أو معي شيطان؟! قال: "نعم"! قلت: ومع كل إنسان؟ قال: "نعم". قلت: ومعك يا رسول الله؟ قال: "نعم، ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم" (١). انفرد بإخراجه مسلم، ويجيء في لفظ آخر: "أعانني عليه فأسلم". قال أبو سليمان الخطابي: عامة الرواة يقولون: "فأسلمَ" على مذهب الفعل الماضي، يريدون أن الشيطان قد أسلم، إلا سفيان بن عيينة فإنه يقول: "فأسلمُ" أي أسلم من شره. وكان يقول: الشيطان لا يُسلِم (٢). قال المصنف: قلت أنا: وقول ابن عيينة حسن، وهو يظهر أثر المجاهدة لمخالفة الشيطان، إلا أن حديث ابن مسعود كأنه يرد قول ابن عيينة (٣): وهو ما أخبرنا به ابن الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أنا أبو بكر بن مالك، قال: نا عبد الله بن أحمد، قال: نا أبي، قال: نا يحيى، عن سفيان، قال: حدثني منصور عن سالم بن أبي الجعد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة". قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: "وإياي، ولكن الله أعانني عليه ولا يأمرني إلا بحق" (٤). قال عبد الله: وحدثني أبي، قال: نا زياد بن عبد الله البكائي، قال: نا منصور عن سالم، عن أبيه عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أحد إلا وقد وكل به

стр. 144

قرينه من الجن" قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: "وأنا، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فليس يأمرني إلا بخير" (١). انفرد بإخراجه مسلم، وسالم هو: ابن أبي الجعد، واسم أبي الجعد: رافع، وظاهره إسلام الشيطان، ويحتمل القول الآخر (٢). بيان أن الشيطان يجري من ابن آدم مجري الدم أخبرنا هبة الله بن محمد، قال: أخبرنا الحسن بن علي، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: أني أبي، قال: نا عبد الرزاق، قال: نا معمر، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن صفية بنت حيي، قالت: كان رسول الله ﷺ معتكفا فأتيته أزوره ليلًا، فحدثته ثم قمت فانقلبت، فقام معي يقلبني وكان منزلها في دار أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا رسول الله ﷺ أسرعا، فقال النبي ﷺ : "على رِسْلِكُما إنها صفية بنت حي". فقالا: سبحان الله يا رسول الله! قال: "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًّا" أو قال: "شيئًا" (٣). أخرجاه في الصحيحين.

стр. 145

قال أبو سليمان الخطابي: وفي هذا الحديث من العلم استحباب أن يتحرّز الإنسان من كل أمر من المكروه مما تجري به الظنون، ويخطر بالقلوب، وأن يطلب السلامة من الناس بإظهار البراءة من الريب. قال (١): ويحكى في هذا عن الشافعي أنه قال: خاف النبي ﷺ أن يقع في قلوبهما شيء من أمره فيكفرا، وإنما قال هذا شفقة عليهما لا على نفسه. ذكر التعوذ من الشيطان قد أمر الله بالتعوذ من الشيطان عند التلاوة فقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، وعند السحر فقال سبحانه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١]، إلى آخر السورة: فإذا أمر بالتحرز من شره في هذين الأمرين فكيف في غيرهما! أخبرنا هبة الله بن محمد، قال: أخبرنا الحسن بن علي، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد قال: نا أبي، قال: نا سيار قال: نا جعفر، قال: نا أبو التياح، قال: قلت لعبد الرحمن بن خنبش: أدركت النبي ﷺ ؟ قال: نعم. قلت: كيف صنع رسول الله ﷺ ليلة كادته الشياطين؟ فقال: إن الشياطين تحدرت تلك الليلة على رسول الله من الأودية والشعاب، وفيهم شيطان بيده شعلة نار يريد أن يحرق بها وجه رسول الله فهبط إليه جبريل، فقال: يا محمد قل ما أقول. قال: قل:
следующие страницы →