← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11302

تلبيس إبليس - ت المزيد والسحيباني

ابن الجوزي

Полный текст (915 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الذي يدخل مع الرجل إلى أهله يريه العيب فيهم ويغضبه عليهم. وأما زلنبور فهو صاحب السوق الذي يَرْكُزُ رايتَهُ في السوق (١). أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: نا إبراهيم بن عبد الله قال: نا محمد بن إسحاق، قال: نا إسماعيل بن أبي الحارث، قال: نا سنيد بن داود قال: نا مخلد بن الحسين، قال: ما ندب الله تعالى العباد إلى شيء إلا اعترض فيه إبليس بأمرين ما يبالي بأيهما ظفر: إما غلو فيه، وإما تقصير عنه (٢). وبالإسناد قال محمد بن إسحاق، وحدثنا قتيبة بن سعيد، قال: نا ابن لهيعة، عن أبي قبيل قال: سمعت حياة (٣) بن شراحيل يقول: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: إن إبليس موثق في الأرض السفلى، فإذا تحرك كان كل شر في الأرض بين اثنين فصاعدًا من تحركه (٤). قال المصنف: قلت: وفتن الشيطان ومكايده كثيرة، وسيأتي في غضون هذا الكتاب منها ما يليق بكل موضع إن شاء الله، ولكثرة فتن الشيطان وتشبثها بالقلوب عزت السلامة، فإن من يدعو إلى ما يحث عليه الطبع فهو كمداد لسفينة منحدرة فيا

стр. 142

سرعة انحدارها! ولما ركب الهوى في هاروت وماروت لم يستمسكا (١)، فإذا رأت الملائكة مؤمنا قد مات على الإيمان تعجبت من سلامته: فأخبرنا محمد بن أبي منصور قال: أخبرنا جعفر بن أحمد، قال: أخبرنا الحسن بن علي التميمي، قال: نا أبو بكر بن حمدان، قال: نا عبد الله بن أحمد قال: حدثني سريج قال: نا عنبسة بن عبد الواحد، عن مالك بن مغول، عن عبد العزيز بن رفيع قال: إذا عرج بروح المؤمن إلى السماء قالت الملائكة: سبحان الذي نجى هذا العبد من الشيطان، يا ويحه كيف نجا (٢)! ذكر الإعلام بأن مع كل إنسان شيطانا أخبرنا ابن الحصين الشيباني، قال أخبرنا أبو علي بن المذهب قال: أنا أبو بكر بن حمدان، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، قال: نا هارون، قال: نا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني أبو صخر عن ابن قُسَيْط، أنه حدثه أن عروة بن الزبير حدثه، أن عائشة ﵂ حدثته أن رسول الله ﷺ خرج من عندها ليلا قالت: فغرت عليه. قالت: فجاء فرأى ما أصنع، فقال: "مالك يا عائشة أغرت"؟ فقلت: وما لي لا يغار مثلي على مثلك؟ فقال رسول الله ﷺ : "أفأخذك شيطانك"؟ قلت: يا

стр. 143

رسول الله أو معي شيطان؟! قال: "نعم"! قلت: ومع كل إنسان؟ قال: "نعم". قلت: ومعك يا رسول الله؟ قال: "نعم، ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم" (١). انفرد بإخراجه مسلم، ويجيء في لفظ آخر: "أعانني عليه فأسلم". قال أبو سليمان الخطابي: عامة الرواة يقولون: "فأسلمَ" على مذهب الفعل الماضي، يريدون أن الشيطان قد أسلم، إلا سفيان بن عيينة فإنه يقول: "فأسلمُ" أي أسلم من شره. وكان يقول: الشيطان لا يُسلِم (٢). قال المصنف: قلت أنا: وقول ابن عيينة حسن، وهو يظهر أثر المجاهدة لمخالفة الشيطان، إلا أن حديث ابن مسعود كأنه يرد قول ابن عيينة (٣): وهو ما أخبرنا به ابن الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أنا أبو بكر بن مالك، قال: نا عبد الله بن أحمد، قال: نا أبي، قال: نا يحيى، عن سفيان، قال: حدثني منصور عن سالم بن أبي الجعد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة". قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: "وإياي، ولكن الله أعانني عليه ولا يأمرني إلا بحق" (٤). قال عبد الله: وحدثني أبي، قال: نا زياد بن عبد الله البكائي، قال: نا منصور عن سالم، عن أبيه عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أحد إلا وقد وكل به

стр. 144

قرينه من الجن" قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: "وأنا، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فليس يأمرني إلا بخير" (١). انفرد بإخراجه مسلم، وسالم هو: ابن أبي الجعد، واسم أبي الجعد: رافع، وظاهره إسلام الشيطان، ويحتمل القول الآخر (٢). بيان أن الشيطان يجري من ابن آدم مجري الدم أخبرنا هبة الله بن محمد، قال: أخبرنا الحسن بن علي، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: أني أبي، قال: نا عبد الرزاق، قال: نا معمر، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن صفية بنت حيي، قالت: كان رسول الله ﷺ معتكفا فأتيته أزوره ليلًا، فحدثته ثم قمت فانقلبت، فقام معي يقلبني وكان منزلها في دار أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا رسول الله ﷺ أسرعا، فقال النبي ﷺ : "على رِسْلِكُما إنها صفية بنت حي". فقالا: سبحان الله يا رسول الله! قال: "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًّا" أو قال: "شيئًا" (٣). أخرجاه في الصحيحين.

стр. 145

قال أبو سليمان الخطابي: وفي هذا الحديث من العلم استحباب أن يتحرّز الإنسان من كل أمر من المكروه مما تجري به الظنون، ويخطر بالقلوب، وأن يطلب السلامة من الناس بإظهار البراءة من الريب. قال (١): ويحكى في هذا عن الشافعي أنه قال: خاف النبي ﷺ أن يقع في قلوبهما شيء من أمره فيكفرا، وإنما قال هذا شفقة عليهما لا على نفسه. ذكر التعوذ من الشيطان قد أمر الله بالتعوذ من الشيطان عند التلاوة فقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، وعند السحر فقال سبحانه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١]، إلى آخر السورة: فإذا أمر بالتحرز من شره في هذين الأمرين فكيف في غيرهما! أخبرنا هبة الله بن محمد، قال: أخبرنا الحسن بن علي، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد قال: نا أبي، قال: نا سيار قال: نا جعفر، قال: نا أبو التياح، قال: قلت لعبد الرحمن بن خنبش: أدركت النبي ﷺ ؟ قال: نعم. قلت: كيف صنع رسول الله ﷺ ليلة كادته الشياطين؟ فقال: إن الشياطين تحدرت تلك الليلة على رسول الله من الأودية والشعاب، وفيهم شيطان بيده شعلة نار يريد أن يحرق بها وجه رسول الله فهبط إليه جبريل، فقال: يا محمد قل ما أقول. قال: قل:

стр. 146

أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن. قال: فطفئت نارهم، وهزمهم الله ﵎ (١). أنبأنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي، قال: أخبرنا عاصم بن الحسن قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران، قال: أنا ابن صفوان، قال: نا أبو بكر القرشي، قال: حدثني أبو سلمة المخزومي، قال: نا ابن أبي فديك، عن الضحاك بن عثمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: "إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلقك؟ فيقول: الله ﵎، فيقول: فمن خلق الله؟ فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل: آمنت بالله ورسله، فإن ذلك يذهب عنه" (٢). قال القرشي: ونا هناد بن السري، قال: نا أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود، قال: قال: رسول الله ﷺ : "إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد من ذلك شيئا فليعلم أنه من الله، فليحمد الله ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان" ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨] الآية (٣). وقد رواه جرير عن عطاء فوقفه على ابن مسعود.

стр. 147

أخبرنا هبة الله بن محمد، قال: أخبرنا الحسن بن علي، قال: أنا أحمد بن جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: نا عبد الرزاق، قال: أنا سفيان، عن منصور، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ ، يعوذ الحسن والحسين فيقول: "أعيذكما بكلمة الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة، ثم يقول: هكذا كان أبي إبراهيم ﵇ يعوذ إسماعيل وإسحاق" (١)، أخرجاه في الصحيحين. قال أبو بكر بن الأنباري: الهامة: واحد الهوام، ويقال: هي كل نسمة تهم بسوء، واللامة: الملمة. وإنما قال: "لامة": ليوافق لفظ هامة فيكون ذلك أخف على اللسان (٢). أنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: أنبأنا أبو الحسين عبد الله بن إبراهيم الزبيبي قال: نا محمد بن خلف، قال: نا عبد الله بن محمد، قال: نا فضيل بن عبد الوهاب، قال: نا جعفر بن

стр. 148

سليمان، عن ثابت، قال: قال مطرف: نظرت فإذا ابن آدم ملقى بين يدي الله وبين إبليس، فإن شاء أن يعصمه عصمه، وإن تركه ذهب به إبليس (١). وقد حكي عن بعض السلف أنه قال لتلميذه: ما تصنع بالشيطان إذا سول لك الخطأ؟ قال: أجاهده! قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده! قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده! قال: هذا يطول، أرأيت لو مررت بغنم فنبحك كلبها ومنعك من العبور ما تصنع؟ قال: أكابده وأرده جهدي، قال: هذا يطول عليك، ولكن استغث بصاحب الغنم يكفه عنك (٢). قال المصنف: قلت: واعلم أن مثل إبليس مع المتقي والمخلط كمثل رجل جالس ليس بين يديه طعام، فمر به كلب فقال له: اخسأ! فذهب. فمر بآخر بين يديه طعام ولحم، فكلما خسأه لم يبرح. فالأول: مثل المتقي يمر به الشيطان فيكفيه في طرده الذكر. والثاني: مثل المخلط لا يفارقه الشيطان لمكان تخليطه.

стр. 149

الباب الرابع في معنى التلبيس والغرور التلبيس: إظهار الباطل في صورة الحق (١). والغرور: نوع جهل يوجب اعتقاد الفاسد صحيحًا والرديء جيدًا (٢). وسببه وجود شبهة أوجبت ذلك، وإنما يدخل إبليس على الناس بقدر ما يمكنه، ويزيد تمكنه منهم ويقل على مقدار فطنهم وغفلتهم وجهلهم وعلمهم. واعلم أن القلب كالحصن، وعلى ذلك الحصن سور، وللسور أبواب، وفيه ثلم (٣)، وساكنه العقل، والملائكة تتردد إلى ذلك الحصن، وإلى جانبه ربض فيه الهوى والشياطين تختلف إلى ذلك الربض (٤) من غير مانع، والحرب قائم بين أهل الحصن وأهل الربض، والشياطين لا تزال تدور حول الحصن تطلب غفلة الحارس أو التسور من بعض الثلم. فينبغي للحارس أن يعرف جميع أبواب الحصن الذي قد وكل بحفظه وجميع الثلم، وأن لا يفتر عن الحراسة لحظة، فإن العدو ما يفتر. قال رجل للحسن البصري: أينام إبليس؟ قال: لو نام لوجدنا راحة (٥).

стр. 150

وهذا الحصن مستنير بالذكر مشرق بالإيمان، وفيه مرآة صقيلة يتراءى فيها صور كل ما يمر به، فأقل ما تفعل الشياطين في الربض إكثار الدخان لتسود حيطان الحصن، وتصدأ المرآة، وكمال الفكر يرد الدخان، وصقل الذكر يجلو المرآة. وللعدو حملات، فتارة يحمل فيدخل الحصن، فيكر عليه الحارس فيخرج، وربما دخل فعاث وربما أقام لغفلة الحارس، وربما ركدت الريح الطاردة للدخان فتسود حيطان الحصن وتصدأ المرآة فيمر الشيطان ولا يدرى به، وربما خرج الحارس لغفلته وأسر واستخدم وأقيم يستنبط الحيل في موافقة الهوى ومساعدته، وربما صار كالفقيه (١) في الشر، قال بعض السلف: رأيت الشيطان فقال لي: قد كنت ألقى الناس فأُعَلِّمُهم، فصرت ألقى الناس فأتعلم منهم. وربما هجم الشيطان على الذكي الفطن ومعه عروس الهوى قد جلاها فيتشاغل الفطن بالنظر إليها فيستأسره، وأقوى القيد الذي يوثق به الأسرى الجهلُ، وأوسطه في القوة الهوى، وأضعفه الغفلة وما دام درع الإيمان على المؤمن فإن نبل العدو لا يقع في مقتل. أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ، قال: نا أبو محمد بن حيان، قال: نا أحمد بن محمد بن يعقوب، قال: نا محمد بن يوسف الجوهري، قال: نا أبو غسان النهدي، قال: سمعت الحسن بن صالح يقول: إن الشيطان ليفتح للعبد تسعة وتسعين بابًا من الخير يريد به بابا من الشر (٢). أنبأنا علي بن عبيد الله، قال: أخبرنا محمد بن محمد النديم، قال: أنا عمي عبد الواحد بن أحمد، قال: حدثني أبي أحمد بن الحسين المعدل، قال: حدثنا أبو جعفر

стр. 151

محمد بن صالح، قال: حدثنا جبارة بن المغلس الحماني، قال: حدثنا حماد بن شعيب، عن الأعمش، قال: حدثنا رجل كان يكلم الجن، قالوا: ليس علينا أشد ممن يتتبع السنة، وأما أصحاب الأهواء، فإنا نلعب بهم لعبًا (١).

стр. 152

الباب الخامس في ذكر تلبيسه في العقائد والديانات ذكر تلبيسه على السوفسطائية (١) هؤلاء قوم ينسبون إلى رجل يقال له "سوفسطا"، زعموا أن الأشياء لا حقيقة لها، وأن ما نستبعده يجوز أن يكون على ما نشاهده، ويجوز أن يكون على غير ما نشاهده. وقد رد العلماء عليهم بأن قالوا: لمقالتكم هذه حقيقة أم لا؟ فإن قلتم: لا حقيقة لها وجوزتم عليها البطلان، فكيف يجوز أن تدعوا إلى ما لا حقيقة له؟ فكأنكم تقرون بهذا القول: أنه لا يحل قبول قولكم؛ وإن قلتم لها حقيقة، فقد تركتم مذهبكم (٢).

стр. 153

وقد ذكر مذهب هؤلاء أبو محمد الحسن بن موسى النُّوبَخْتي في كتاب "الآراء والديانات" (١) وقال: رأيت كثيرًا من المتكلمين قد غلطوا في أمر هؤلاء غلطًا بينًا؛ لأنهم ناظروهم وجادلوهم وراموا بالحجاج والمناظرة الرد عليهم، وهم لم يثبتوا حقيقة ولا أقروا لمشاهدة، فكيف تكلم من يقول: لا أدري أتكملني أم لا؟ فكيف تناظر من يزعم أنه لا يدري أموجود هو أم معدوم؟ وكيف تخاطب من يدعي أن المخاطبة بمنزلة السكوت في الإبانة، وأن الصحيح بمنزلة الفاسد؟ قال: ثم إنه إنما يناظر من يقر بضرورة (٢) ويعترف بأمر، فيجعل ما يقر به سببًا إلى الصحيح مما يجحده، فأما من لم يقر بذلك فمجادلته مطروحة (٣).

стр. 154

قال المصنف: قلت: وقد رد هذا الكلام أبو الوفاء بن عقيل فقال: إن أقوامًا قالوا: كيف نكلم هؤلاء وغاية ما يمكن المجادل أن يقرب المعقول إلى المُحَس، ويستشهد بالشاهد فيستدل به على الغائب، وهؤلاء لا يقولون بالمحسات فبمَ يكلمون؟ قال: وهذا كلام ضيق العطن (١)، ولا ينبغي أن يُوْءَسَ من معالجة هؤلاء، فإن ما اعتراهم ليس بأكثر من الوسواس، فلا ينبغي أن يضيق عطننا عن معالجتهم، فإنهم قوم أخرجتهم عوارض انحراف مزاج (٢)، وما مثلنا ومثلهم إلا كرجل رزق ولدا أحول ولا يزال يرى القمر بصورة قمرين، حتى إنه لم يشك أن في السماء قمرين، فقال له أبوه: إنما القمر واحد، وإنما السوء (٣) في عينك، غط عينك الحولاء وانظر، فلما فعل قال: أرى قمرا واحدا لأنني غطيت إحدى عيني فغاب أحدهما، فجاء من هذا القول شبهة ثانية، فقال له أبوه: إن كان ذلك كما ذكرت فغط الصحيحة ففعل فرأى قمرين، فعلم صحة ما قاله أبوه. أنبأنا محمد بن ناصر قال: أنبأنا الحسن بن أحمد بن البناء، قال: نا ابن وردان، قال: أخبرنا أبو عبيد الله المرزباني، قال: حدثني أبو عبد الله الحكيمي، قال: حدثني يموت بن المزرع، قال: حدثني محمد بن عيسى النظام قال: مات ابنٌ لصالح بن عبد القدوس فمضى إليه أبو الهذيل (٤) ومعه النظام وهو غلام حدث كالمتوجع له

стр. 155

فرآه محترقا، فقال له أبو الهذيل: لا أعرف لجزعك وجهًا إذا كان الناس عندك كالزرع، فقال له صالح: يا أبا الهذيل، إنما أجزع عليه لأنه لم يقرأ "كتاب الشكوك"، فقال له أبو الهذيل: وما كتاب الشكوك (١)؟ قال: هو كتاب وضعته من قرأه يشك فيما قد كان حتى يتوهم أنه لم يكن، وفيما لم يكن حتى يظن أنه قد كان، فقال له النظام (٢): فشُكَّ أنت في موت ابنك واعمل على أنه لم يمت وإن كان قد مات؟ وشُكَّ أيضا في أنه قد قرأ الكتاب وإن كان لم يقرأه (٣). وحكى (٤) أبو القاسم البَلْخِي (٥) أن رجلا من السوفسطائية كان يختلف إلى بعض المتكلمين فأتى مرة فناظره، فأمر المتكلم بأخذ دابته فلما خرج لم يرها فرجع إليه فقال: سرقت دابتي. قال: ويحك! لعلك لم تأت راكبًا، قال: بلى. فقال: فَكِّر. قال: هذا أمر أتيقنه. فجعل يقول له: تذكر. فقال: ويحك! ما هذا موضع تذكر، أنا

стр. 156

لا أشك أني جئت راكبا. قال: فكيف تدعي أنه لا حقيقة لشيء، وأن حال اليقظان كحال النائم؟ فوجم السوفسطائي ورجع عن مذهبه (١). فصل قال أبو محمد النُّوبَخْتي: وقد زعمت فرقة من المتجاهلين (٢) أنه ليس للأشياء حقيقة واحدة في نفسها، بل حقيقتها عند كل قوم على حسب ما يعتقد فيها، فإن العسل يجده صاحب المرة الصفراء مرًّا، ويجده غيره حلوا، قالوا: وكذلك العالم هو قديم عند من اعتقد قدمه، محدث عند من اعتقد حدثه، واللون جسم (٣) عند من اعتقده جسما، عرض (٤) عند من اعتقده عرضًا، قالوا: فلو توهمنا عدم المعتقدين وقف الأمر على وجود من يعتقد.

стр. 157

قال: وهؤلاء من جنس السوفسطائية، فيقال لهم: أقولكم صحيح؟ فسيقولون: هو صحيح عندنا، باطل عند خصمنا. قلنا: دعواكم صحة قولكم مردودة، وإقراركم بأن مذهبكم عند خصمكم باطل شاهد عليكم، ومن شهد على قوله بالبطلان فقد كفى خصمه تبيين فساد مذهبه. ومما يقال لهم: أتثبتون للمشاهدة حقيقة؟ فان قالوا: لا، لحقوا بالأولين، وإن قالوا: حقيقتها على حسب الاعتقاد، فقد نفوا عنها الحقيقة في نفسها وصار الكلام معهم كالكلام مع الأولين (١). فصل قال النُّوبَخْتي: ومن هؤلاء (٢) من قال: إن العالم في ذوب وسيلان، قالوا: ولا يمكن الإنسان أن يتفكر في الشيء الواحد مرتين لتغير الأشياء دائما، فيقال لهم: كيف علم هذا وقد أنكرتم ثبوت ما يوجب العلم، وربما كان أحدكم الذي يجيبه الآن غير الذي كلمنا.

стр. 158

ذكر تلبيسه على الدهرية (١) قد أوهم إبليس خلقا كثيرا أنه لا إله ولا صانع، وأن هذه الأشياء كانت بلا مكون، وهؤلاء لما لم يدركوا الصانع بالحس، ولم يستعملوا في معرفته العقل جحدوه (٢)، وهل يشك ذو عقل في وجود صانع؟! فإن الإنسان لو مر بقاع ليس فيه بنيان ثم عاد فرأى حائطا مبنيا علم أنه لابد له من بانٍ بناه. فهذا المهاد الموضوع، وهذا السقف المرفوع، وهذه الأبنية، العجيبة، والقوانين الجارية على وجه الحكمة، أما تدل على صانع! وما أحسن ما قال بعض العرب (٣): إن البعرة تدل على البعير، فهيكل علوي بهذه اللطافة، ومركز سفلي بهذه الكثافة، أما يدلان على اللطيف الخبير! ثم لو تأمل الإنسان نفسه لكفت دليلا، وشفت غليلا، فإن في هذا الجسد من الحكم ما لا يسع ذكره في كتاب: ومن تأمل تحديد الأسنان لتقطع، وتعريض الأضراس لتطحن، واللسان يقلب الممضوغ، وتسليط الكبد على الطعام ينضجه ثم ينفذ إلى كل جارحة قدر ما تحتاج إليه من الغذاء، وهذه الأصابع التي قد هيئت فيها

стр. 159

العقد لتنطوي وتنفتح، فيمكن العمل، ولم تجوف لكثرة عملها إذ لو جوفت لصدمها الشيء القوي فكسرها، وجعل بعضها أطول من بعض لتستوي إذا ضمت (١)، وأخفى ما في البدن ما به قوامه، وهو النفس (٢) التي إذا ذهبت فسد، والعقل الذي يرشد إلى المصالح، وكل شيء من هذه الأشياء ينادي: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٣]! وإنما تخبط الجاحد لأنه طلبه من حيث الحس، ومن الناس من جحده لأنه لما أثبت وجوده من حيث الجملة لم يدركه من حيث التفصيل فجحد أصل الوجود، ولو أعمل هذا فكره لعلم أن لنا أشياء لا تدرك إلا جملة كالنفس والعقل، ولم يمتنع أحد من إثبات وجودها، وهل الغاية إلا إثبات الخالق جملة، وكيف يقال: كيف هو أو ما هو ولا كيفية له ولا ماهية (٣)!

стр. 160

ومن الأدلة القطعية على وجوده أن العالم حادث بدليل أنه لا يخلو من الحوادث، وكل ما لا ينفك عن الحوادث حادث، ولابد لحدوث هذا الحادث من سبب، وهو الخالق سبحانه (١).

стр. 161

وللملحدين اعتراض يتطاولون به على قولنا: لابد للصنعة من صانع، فيقولون: إنما تعلقتم في هذا بالشاهد وإليه نقاضيكم فنقول: كما أنه لابد للصنعة من صانع ولابد للصورة الواقعة من الصانع من مادة تقع الصورة فيها كالخشب لصورة الباب والحديد لصورة الفأس. قالوا: فدليلكم الذي تثبتون به الصانع يوجب قدم العالم؟ والجواب: أنه لا حاجة بنا إلى مادة، بل نقول: إن الصانع اخترع الأشياء اختراعًا، فإنا نعلم أن الصورة والأشكال المتحادة (١) في الجسم كصورة الدولاب، ليس لها مادة وقد اخترعها، ولابد لها من مصور، فقد أريناكم صورة وهي شيء جاءت لا من شيء ولا يمكنكم أن ترونا صنعة جاءت لا من صانع (٢). ذكر تلبيسه على الطبائعيين (٣)

стр. 162

لما رأى إبليس قلة موافقيه على جحد الصانع؛ لكون العقول (١) شاهدة بأنه لابد للمصنوع من صانع، حَسَّن لأقوام أن هذه المخلوقات فعل الطبيعة، وقال: ما من شيء يخلو من اجتماع الطبائع الأربعة فيه؛ فدل على أنها الفاعلة. وجواب هذا أن نقول: اجتماع الطبائع دليل على وجودها لا على فعلها، ثم قد ثبت أن الطبائع لا تفعل إلا باجتماعها وامتزاجها، وذلك يخالف طبيعتها، فدل على أنها مقهورة. وقد سلموا أنها ليست بحية ولا عالمة ولا قادرة، ومعلوم أن الفعل المتسق المنتظم لا يكون إلا من عالم حكيم، فكيف يفعل من ليس بعالم عالما، ومن ليس بقادر قادرًا (٢)! فإن قالوا: فلو كان الفاعل حكيما لم يقع في بنائه خلل، ولا وجدت هذه الحيوانات المضرة، فعلم أنه بالطبع. قلنا: ينقلب هذا عليكم بما صدر منه من الأمور المنتظمة المحكمة التي لا يجوز أن يصدر مثلها عن طبع، فأما الخلل (٣) المشار إليه فيمكن أن يكون للابتلاء والردع أو للعقوبة، أو في طيه منافع لا نعلمها، ثم أين فعل الطبيعة من شمس تطلع في

стр. 163

نيسان على أنواع من الحبوب فترطب الحصرمة (١) والخلالة (٢) وتُنْشف البرة وتُيْبسها، ولو فعلتْ طبعًا لأيبستْ الكلَّ أو رطبتْهُ، فلم يبقَ إلا أن الفاعل المختار استعملها بالمشيئة في يُبْس هذه للادخار، ونضج هذه للتناول، والعجب أن التي أوصلت إليها اليبس في أَكِنَّة لا تلقي جرمها والتي رطبتها تلقي جرمها، ثم إنها تُبَيِّض ورد الخشخاش وتحمِّر الشقائق وتحمِّض الرمان، وتحلي العنب، والماء واحد، وقد أشار إلى هذا بقوله سبحانه: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤]. ذكر تلبيسه على الثنوية وهم قوم قالوا: صانع العالم اثنان: ففاعل الخير نور، وفاعل الشر ظلمة؛ وهما قديمان لم يزالا ولن يزالا قويَيْن حساسَيْن دراكَيْن، سميعَيْن بصيرَيْن، وهما مختلفان في النفس والصورة، متضادان في الفعل والتدبير: ° فجوهر النور فاضل حسن، صاف، نقي طيب الريح، حسن المنظر، ونفسه نفس خيرة كريمة حكيمة نفاعة، منها الخير واللذة والسرور والصلاح، وليس فيها شيء من الضرر ولا من الشر. ° وجوهر الظلمة على ضد ذلك من الكدر والنقص ونتن الريح وقبح المنظر ونفسها نفس شريرة بخيلة سفيهة منتنة ضرارة، منها الشر والفساد، كذلك حكاه أبو محمد النُّوبَخْتي عنهم (٣)، قال:

стр. 164

وزعم بعضهم (١) أن النور لم يزل فوق الظلمة. وقال بعضهم: بل كل واحد إلى جانب الآخر (٢). وقال أكثرهم (٣): النور لم يزل مرتفعا في ناحية الشمال، والظلمة منحطة في ناحية الجنوب، ولم يزل كل واحد منهما مباينا لصاحبه. قال النُّوبَخْتي: وزعموا أن كل واحد منهما أجناس خمسة، أربعة منها أبدان وخامس هو الروح. ° وأبدان النور الأربعة: النار والنور، والريح، والماء، وروحه الشبح ولم يزل يتحرك في هذه الأبدان. ° وأبدان الظلمة أربعة: الحريق، والظلمة، والسموم، والضباب، وروحها الدخان. وسموا أبدان النور الملائكة، وسموا أبدان الظلمة شياطين وعفاريت (٤). وبعضهم يقول: الظلمة تتوالد شياطين والنور يتوالد ملائكة، وأن النور لا يقدر على الشر ولا يجوز منه، والظلمة لا تقدر على الخير ولا يجوز منها (٥)، وذُكِرَ لهم

стр. 165

مذاهب مختلفة فيما يتعلق بالنور والظلمة، ومذاهب سخيفة، فمنها أنه فَرَضَ عليهم ماني (١) ألا يدخروا إلا قوت يوم (٢). وقال بعضهم: على الإنسان صوم سبع العمر، وترك الكذب والبخل والسحر، وعبادة الأوثان والزنا والسرقة، وأن لا يؤذي ذا روح (٣)، في مذاهب طريفة اخترعوها بواقعاتهم الباردة. وذكر يحيى بن بشر النهاوندي (٤) أن قوما منهم يقال لهم الديصانية (٥) زعموا أن طينة العالم كانت طينة خشنة، وكانت تحاكي جسم الباري الذي هو النور زمانا، فتأذى بها، فلما طال ذلك عليه قصد تنحيتها عنه، فتوحل فيها واختلط بها، فتركب بينهما هذا العالم النوري والظلمي، فما كان من جهة الصلاح فمن النور، وما كان من جهة الفساد فمن الظلمة. وهؤلاء يغتالون الناس ويخنقونهم، ويزعمون أنهم

стр. 166

يخلصون بذلك النور من الظلمة (١)، في مذاهب سخيفة! والذي حملهم على هذا أنهم رأوا في العالم شرًا واختلافًا، فقالوا: لا يكون من أصل واحد شيئان متضادان، كما لا يكون من النار التسخين والتبريد. وقد رد العلماء (٢) عليهم في قولهم: إن الصانع اثنان، فقالوا: لو كانا اثنين لم يخل أن يكونا: قادرين، أو عاجزين، أو أحدهما قادر والآخر عاجز: ° لا يجوز أن يكونا عاجزين؛ لأن العجز يمنع ثبوت الإلهية. ° ولا يجوز أن يكون أحدهما عاجزًا. ° فبقي أن يقال: هما قادران. فتصور أن أحدهما يريد تحريك هذا الجسم في حالة يريد الآخر فيها تسكينه، ومن المحال وجود ما يريدانه، فإن تم مراد أحدهما ثبت عجز الآخر (٣).

стр. 167

وردوا عليهم في قولهم: إن النور يفعل الخير، والظلمة تفعل الشر: فإنه لو هرب مظلوم فاستتر بالظلمة، وهذا خير قد صدر من شر! ولا ينبغي مد النفس في الكلام مع هؤلاء فإن مذاهبهم خرافات! ذكر تلبيس إبليس على الفلاسفة (١) وتابعيهم إنما تمكن إبليس من التلبيس على الفلاسفة من جهة أنهم انفردوا بآرائهم وعقولهم، وتكلموا بمقتضى ظنونهم من غير التفات إلى الأنبياء (٢)، فمنهم من قال

стр. 168

بقول الدهرية وأنه لا صانع للعالم (١)، حكاه النُّوبَخْتي وغيره عنهم. وحكى يحيى بن بشر النهاوندي أن أرسطاطاليس (٢) وأصحابه زعموا أن الأرض كوكب في جوف هذا الفلك، وأن في كل كوكب عوالم كما في هذه الأرض وأنهارًا وأشجارًا (٣)، وأنكروا الصانع، وأكثرهم أثبت علة قديمة للعالم (٤)، ثم قال بقدم العالم (٥)، وأنه لم يزل موجودا مع الله تعالى ومعلولًا (٦) له ومساوقًا غير متأخر عنه بالزمان مساوقة المعلول للعلة، والنور للشمس بالذات والرتبة لا بالزمان (٧).

стр. 169

فيقال لهم: لمَ أنكرتم أن يكون العالم حادثا بإرادة قديمة اقتضت وجوده في الوقت الذي وجد فيه؟ فإن قالوا: فهذا يوجب أن يكون بين وجود الباري وبين المخلوقات زمان. قلنا: الزمان مخلوق، وليس قبل الزمان زمان، ثم يقال لهم: هل كان الحق قادرا على أن يجعل سمك الفلك الأعلى أكثر مما هو بذراع أو أقل مما هو بذراع؟ فإن قالوا: لا يمكن. فهو تعجيز، ولأن ما لا يمكن أن يكون أكبر منه ولا أصغر فوجوده على ما هو عليه واجب لا ممكن، والواجب يستغني عن علة. وقد ستروا مذهبهم بأن قالوا: الله صانع العالم، وهذا تَجوُّزٌ عندهم لا حقيقة؟ لأن الفاعل مريد لما يفعله، وعندهم أن العالم ظهر ضروريًّا لا أن الله فعله، ومن مذاهبهم أن العالم باق أبدًا كما لا بداية لوجوده ولا نهاية (١)، قالوا: لأنه معلول علة قديمة، فكان المعلول مع العلة (٢). ومتى كان العالم ممكن الوجود لم يكن قديمًا ولا معلولًا (٣)، وقد قال جالينوس: لو كانت الشمس مثلا تقبل الانعدام لظهر فيها ذبول في هذه المدة الطويلة (٤)، فيقال له: قد يَفْسُد الشيء بغتة لا بالذبول، ثم من أين له أنها لا تذبل؟ فإنها عندهم بمقدار الأرض مائة وسبعون مرة أو نحو ذلك، فلو نقص منها مقدار جبال لم يبن ذلك

стр. 170

للحس، ثم نحن نعلم أن الذهب والياقوت يقبلان الفساد، وقد يبقيان سنين ولا يحس نقصانهما، وإنما الإيجاد والإعدام بإرادة القادر، والقادر لا يتغير في نفسه، ولا تحدث له صفة، وإنما يتغير الفعل بإرادة قديمة (١). فصل وقد حكى أبو محمد الحسن بن موسى النُّوبَخْتي في كتاب (الآراء والديانات) أن سقراط كان يزعم أن أصول الأشياء ثلاثة: علة فاعلة (٢)، والعنصر (٣)، والصورة (٤). قال: والله هو العقل، والعنصر هو الموضوع الأول للكون والفساد،

стр. 171

والصورة جوهر (١) لا جسم. وقال آخر منهم: الله هو العلة الفاعلة (٢)، والعنصر المنفعل، وقال آخر منهم: العقل رتب الأشياء هذا الترتيب (٣)، وقال آخر: بل الطبيعة (٤) فعلته (٥). وحكى يحيى بن بشر بن عمير النهاوندي (٦) أن قوما من الفلاسفة قالوا: لما شاهدنا العالم مجتمعا ومفرقا ومتحركا وساكنا علمنا أنه محُدَث ولابد له من محدِث، ثم رأينا أن الإنسان يقع في الماء ولا يحسن السباحة فيستغيث بذلك الصانع المدبر ولا يغيثه، أو في النار، فعلمنا أن ذلك الصانع معدوم. قال: واختلف هؤلاء في عدم هذا الصانع على ثلاث فرق: ° فرقة زعمت أنه لما أكمل العالم استحسنه، فخشي أن يزيد فيه أو ينقص منه فيفسد، فأهلك نفسه وخلا منه العالم، فبقيت الأحكام تجري بين حيواناته ومصنوعاته على ما اتفق.

стр. 172

° وقالت الفرقة الثانية: بل ظهر في ذات الباري تولول، فلم يزل يجتذب قوته ونوره حتى صارت القوة والنور في ذلك التولول وهو العالم، وساء نور الباري وكان الباقي منه سِنَّوْر (١). وزعموا أنه سيجذب النور من العالم إليه حتى يعود كما كما كان، وبضعفه عن مخلوقيه أهمل أمرهم فشاع الجور. ° وقالت الفرقة الثالثة: بل الباري لما أتقن العالم تفرقت أجزاؤه فيه، فكل قوة في العالم فهي من جوهريته. قال المصنف: هذا الذي ذكره يحيى بن بشر نقلته من نسخته بالنظامية (٢)، وقد كُتِبَتْ منذ مائتين وعشرين سنة، ولولا أنه قد قيل ونقل، وفي ذكره بيان ما قد فعل إبليس في تلبيسه، لكان الأولى الإضراب عن ذكره، تعظيما لله أن يذكر بمثل هذا، ولكن قد بينَّا وجه الفائدة في ذكره. فصل وقد ذهب أكثر الفلاسفة إلى أن الله تعالى لا يعلم شيئًا، وإنما يعلم نفسه (٣)، وقد ثبت أن المخلوق يعلم نفسه ويعلم خالقه، فقد زادوا مرتبة المخلوق على رتبة الخالق، وهذا أظهر فضيحة من أن يتكلم عليه! فانظر إلى ما زينه إبليس لهؤلاء الحمقى مع

стр. 173

ادعائهم كمال العقل! وقد خالفهم أبو علي بن سينا (١) في هذا، فقال: بل يعلم نفسه، ويعلم الأشياء الكلية ولا يعلم الجزئيات (٢). وتلقت هذا المذهب منهم المعتزلة، وكأنهم استكثروا المعلومات! فالحمد لله الذي جعلنا ممن ينفي عن الله سبحانه الجهل والنقص، ونؤمن بقوله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤]، وقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام: ٥٩]. وذهبوا إلى أن علم الله وقدرته هو ذاته (٣)؛ فرارًا من أن يثبتوا قديمين. وجوابهم أن يقال: إنما هو قديم واحد موصوف بصفات (٤).

стр. 174

فصل وقد أنكرت الفلاسفة بعث الأجساد، وردَّ الأرواح إلى الأبدان، ووجود جنة ونار جسمانيين، وزعموا أن تلك أمثلة ضربت لعوام الناس لتفهيم (١) الثواب والعقاب الروحانيين، وزعموا أن النفس تبقى بعد الموت بقاء سرمديًّا، إما في لذة لا توصف وهي الأنفس الكاملة، أو ألم لا يوصف وهو النفوس المتلوثة، وقد تتفاوت درجات الألم على مقادير الناس، وقد ينمحي عن بعضها الألم ويزول (٢). فيقال لهم: نحن لا ننكر وجود النفس بعد الموت، ولذلك سمي عودها إعادة، ولا أن لها نعيمًا وشقاء، ولكن ما المانع من حشر الأجساد؟ ولمَ ننكر اللذات والآلام الجسمانية في الجنة والنار وقد جاء الشرع بذلك؟! فنحن نؤمن بالجمع بين السعادتين والشقاوتين: الروحانية، والجسمانية (٣)، وأما إقامتكم الحقائق في مقام الأمثال فتَحَكُّمٌ بلا دليل. فإن قالوا: فالأبدان تنحك (٤) وتؤكل وتستحيل (٥).

стр. 175

قلنا: القدرة لا يقف بين يديها شيء، على أن الإنسان إنسان بنفسه، فلو صنع له بدن من تراب غير التراب الذي خلق منه لم يخرج عن كونه هو هو، كما أنه تتبدل أجزاؤه من الصغر إلى الكبر وبالهزال والسمن. فإن قالوا: لم يكن البدن بدنًا حتى يرقى من حالة إلى حالة، إلى أن صار لحما وعرقا. قلنا: قدرة الله سبحانه لا تقف على المفهوم المشاهد، ثم قد أخبرنا نبينا ﷺ أن الأجساد تنبت في القبور قبل البعث (١): فأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي البزاز، قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا عمر بن محمد بن الزيات، قال: نا قاسم بن زكريا المطرز، قال: نا أبو كريب، قال: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما بين النفختين أربعون". قالوا: يا أبا هريرة أربعون يوما؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت. قال: "ثم ينزل الله تعالى ماء من السماء؛ فينبتون كما ينبت البقل. قال: وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظمًا واحدًا، وهو عجب الذنب (٢)، ومنه يُرَكَّبُ الخلق يوم القيامة". أخرجه البخاري ومسلم (٣).

стр. 176

فصل وقد لبَّس إبليس على أقوام من أهل ملتنا (١)، فدخل عليهم من باب قوة ذكائهم وفطنهم، فأراهم أن الصواب اتباع الفلاسفة؛ لكونهم حكماء قد صدرت منهم أفعال وأقوال دلت على نهاية الذكاء وكمال الفطنة كما يُنقل من حكمة سقراط وبقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس وجالينوس، وهؤلاء قد كانت لهم علوم هندسية ومنطقية وطبيعية واستخرجوا بفطنهم أمورًا خفية، إلا أنه لما تكلموا في الإلهيات خلطوا (٢)، ولذلك اختلفوا فيها، ولم يختلفوا في الحسابيات والهندسيات، وقد ذكرنا (٣) جنس تخليطهم في معتقداتهم. وسبب تخليطهم أن قوى البشر لا تدرك تلك العلوم إلا جملةً، والرجوع فيها إلى الشرائع (٤)، وقد حكي لهؤلاء المتأخرين في أمتنا أن أولئك الحكماء كانوا ينكرون الصانع ويدفعون الشرائع ويعتقدونها نواميس (٥) وحِيَلًا، فصدقوا ما حكي لهم عنهم فرفضوا شعار الدين وأهملوا الصلوات ولابسوا المحظورات واستهانوا بحدود

стр. 177

الشرع وخلعوا ربقة الإسلام (١)، فاليهود والنصارى أعذر منهم؛ لكون أولئك متمسكين بشرائع دلت عليها معجزات، والمبتدعة في الدين أعذر (٢) منهم؛ لأنهم يدعون النظر في الأدلة، وهؤلاء لا مستند لكفرهم إلا علمهم بأن الفلاسفة كانوا حكماء، أتراهم ما علموا أن الأنبياء حكماء وزيادة (٣)! وما قد حكي لهؤلاء عن الفلاسفة من جحد الصانع محال؛ فإن أكثر القوم يثبتون الصانع ولا ينكرون النبوات وإنما أهملوا النظر فيها، وشذَّ منهم قليل فتبعوا الدهرية الذين فسدت فهومهم بمرة. وقد رأينا من المتفلسفة من أمتنا جماعة لم يكسبهم التفلسف إلا التحير (٤)، ولا

стр. 178

هم يعملون بمقتضاه ولا بمقتضى الإسلام، بل فيهم من يصوم ويصلي ثم يأخذ في الاعتراض على الخالق وعلى النبوات، ويتكلم في إنكار بعث الأجساد، ولا يكاد يرى منهم أحد إلا وقد ضربه الفقر فأضرَّ به فهو عامة زمانه في تسخط على الأقدار والاعتراض على المقدر، حتى قال لي بعضهم (١): أنا لا أخاصم إلا من فوق الفلك! وكان يقول أشعارًا كثيرة (٢)، فمنها: قوله في صفة الدنيا (٣): أتَرَاها صَنْعَةً من صانعْ … أَمْ تراها رميةً من غير رامْ

стр. 179

ومنها: وَا حيرتا من وجودٍ ما تقدمه … منَّا اختيارٌ ولا علم فيقتبسُ كنايةُ في عَناء ما يخلصنا … منه ذكاء ولا لين ولا شَرَسُ ونحن في ظلمات ما لها قمرٌ … يُضِيءُ وَلَا شمسٌ ولا قبسُ مُدَلَّهين حَيَارَى قد تَكَنّفنَا … جهلٌ تجهَّمنا في وجههِ عَبَسُ فالفعلُ فيه بلا ريبٍ كلا عَمَلٍ … والقوُل فيه كلامٌ كُلُّهُ هَوَسُ (١) فصل ولما كانت الفلاسفة قريبا من زمان شريعتنا والرهبنة (٢) كذلك، مدَّ بعض أهل (٣) ملتنا يده إلى التمسك بهذه، وبعضهم (٤) يده إلى التمسك بهذه، فترى كثيرًا من الحمقى إذا نظروا في باب الاعتقاد تفلسفوا، وإذا نظروا في باب التزهد ترهبنوا، فنسأل الله ثباتا على ملتنا، وسلامة من عدونا! ذكر تلبيسه على أصحاب الهياكل (٥) وهم قوم (٦) يقولون: إن لكل روحاني من الروحانيات العلوية هيكلًا، أعني:

стр. 180

جرما من الأجرام السماوية هو هيكله، ونسبته إلى الروحاني المختص به نسبة أبداننا إلى أرواحنا، فيكون هو مدبر هو المتصرف فيه (١)، فمن جملة الهياكل العلوية: السيارات (٢) والثوابت (٣)، قالوا: ولا سبيل لها إلى الروحاني بعينه، فتقرب إلى هيكله بكل عبادة وقربان (٤) وقال آخرون (٥): لكل هيكل سماوي شخص من الأشخاص السفلية على صورته وجوهره، فعمل هؤلاء الصور ونحتوا الأصنام وبنوا لها بيوتًا.
следующие страницы →