← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11302

تلبيس إبليس - ت المزيد والسحيباني

ابن الجوزي

Полный текст (915 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فصل وقد لبَّس إبليس على أقوام من أهل ملتنا (١)، فدخل عليهم من باب قوة ذكائهم وفطنهم، فأراهم أن الصواب اتباع الفلاسفة؛ لكونهم حكماء قد صدرت منهم أفعال وأقوال دلت على نهاية الذكاء وكمال الفطنة كما يُنقل من حكمة سقراط وبقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس وجالينوس، وهؤلاء قد كانت لهم علوم هندسية ومنطقية وطبيعية واستخرجوا بفطنهم أمورًا خفية، إلا أنه لما تكلموا في الإلهيات خلطوا (٢)، ولذلك اختلفوا فيها، ولم يختلفوا في الحسابيات والهندسيات، وقد ذكرنا (٣) جنس تخليطهم في معتقداتهم. وسبب تخليطهم أن قوى البشر لا تدرك تلك العلوم إلا جملةً، والرجوع فيها إلى الشرائع (٤)، وقد حكي لهؤلاء المتأخرين في أمتنا أن أولئك الحكماء كانوا ينكرون الصانع ويدفعون الشرائع ويعتقدونها نواميس (٥) وحِيَلًا، فصدقوا ما حكي لهم عنهم فرفضوا شعار الدين وأهملوا الصلوات ولابسوا المحظورات واستهانوا بحدود

стр. 177

الشرع وخلعوا ربقة الإسلام (١)، فاليهود والنصارى أعذر منهم؛ لكون أولئك متمسكين بشرائع دلت عليها معجزات، والمبتدعة في الدين أعذر (٢) منهم؛ لأنهم يدعون النظر في الأدلة، وهؤلاء لا مستند لكفرهم إلا علمهم بأن الفلاسفة كانوا حكماء، أتراهم ما علموا أن الأنبياء حكماء وزيادة (٣)! وما قد حكي لهؤلاء عن الفلاسفة من جحد الصانع محال؛ فإن أكثر القوم يثبتون الصانع ولا ينكرون النبوات وإنما أهملوا النظر فيها، وشذَّ منهم قليل فتبعوا الدهرية الذين فسدت فهومهم بمرة. وقد رأينا من المتفلسفة من أمتنا جماعة لم يكسبهم التفلسف إلا التحير (٤)، ولا

стр. 178

هم يعملون بمقتضاه ولا بمقتضى الإسلام، بل فيهم من يصوم ويصلي ثم يأخذ في الاعتراض على الخالق وعلى النبوات، ويتكلم في إنكار بعث الأجساد، ولا يكاد يرى منهم أحد إلا وقد ضربه الفقر فأضرَّ به فهو عامة زمانه في تسخط على الأقدار والاعتراض على المقدر، حتى قال لي بعضهم (١): أنا لا أخاصم إلا من فوق الفلك! وكان يقول أشعارًا كثيرة (٢)، فمنها: قوله في صفة الدنيا (٣): أتَرَاها صَنْعَةً من صانعْ … أَمْ تراها رميةً من غير رامْ

стр. 179

ومنها: وَا حيرتا من وجودٍ ما تقدمه … منَّا اختيارٌ ولا علم فيقتبسُ كنايةُ في عَناء ما يخلصنا … منه ذكاء ولا لين ولا شَرَسُ ونحن في ظلمات ما لها قمرٌ … يُضِيءُ وَلَا شمسٌ ولا قبسُ مُدَلَّهين حَيَارَى قد تَكَنّفنَا … جهلٌ تجهَّمنا في وجههِ عَبَسُ فالفعلُ فيه بلا ريبٍ كلا عَمَلٍ … والقوُل فيه كلامٌ كُلُّهُ هَوَسُ (١) فصل ولما كانت الفلاسفة قريبا من زمان شريعتنا والرهبنة (٢) كذلك، مدَّ بعض أهل (٣) ملتنا يده إلى التمسك بهذه، وبعضهم (٤) يده إلى التمسك بهذه، فترى كثيرًا من الحمقى إذا نظروا في باب الاعتقاد تفلسفوا، وإذا نظروا في باب التزهد ترهبنوا، فنسأل الله ثباتا على ملتنا، وسلامة من عدونا! ذكر تلبيسه على أصحاب الهياكل (٥) وهم قوم (٦) يقولون: إن لكل روحاني من الروحانيات العلوية هيكلًا، أعني:

стр. 180

جرما من الأجرام السماوية هو هيكله، ونسبته إلى الروحاني المختص به نسبة أبداننا إلى أرواحنا، فيكون هو مدبر هو المتصرف فيه (١)، فمن جملة الهياكل العلوية: السيارات (٢) والثوابت (٣)، قالوا: ولا سبيل لها إلى الروحاني بعينه، فتقرب إلى هيكله بكل عبادة وقربان (٤) وقال آخرون (٥): لكل هيكل سماوي شخص من الأشخاص السفلية على صورته وجوهره، فعمل هؤلاء الصور ونحتوا الأصنام وبنوا لها بيوتًا.

стр. 181

وقد ذكر يحيى بن بشر النهاوندي أن قومًا قالوا: الكواكب السبعة -وهي: زحل، والمشتري، والمريخ، والشمس، والزهرة، وعطارد، والقمر- هي المدبرات لهذا العالم (١)، وهن يصدرن عن أمر الملأ الأعلى، ونصبوا لها الأصنام على صورتها (٢)، وقربوا لكل واحد منها ما يشبهه من الحيوان: ° فجعلوا لزحل صنمًا عظيمًا من الآنك أعمى، يُقَرَّب إليه بثَوْر مسن يؤتى به إلى بيت تحته محفور وفوقه الدرابزين من حديد على تلك الحفرة، فيضرب الثور حتى يدخل البيت ويمشي على ذلك الدرابزين من الحديد، فتغوص يداه ورجلاه هنالك، ثم توقد تحته النار حتى يحترق، ويقول المقرِّبون له: مقدس أنت أيها الإله الأعمى المطبوع على الشر الذي لا يفعل خيرا، قربنا لك ما يشبهك؛ فتقبل منا واكفنا شرك وشر أرواحك الخبيثة! ° ويقربون للمشتري صبيًّا طفلًا: وذلك أنهم يشترون جارية فتطأها السدنة للأصنام السبعة، فتحمل وتترك حتى تضع، ويأتون بها والصبي على يدها ابن ثمانية أيام فينخسونه بالمِسَال (٣) والإبر، وهو يبكي على يد أمه، ويقولون له: أيها الرب الخير الذي لا يعرف الشر، قد قرَّبنا لك من لم يعرف الشر يجانسك في الطبيعة، فتقبل قرباننا وارزقنا خيرك وخير أرواحك الخيرة! ° ويقربون للمريخ رجلا أشقر أنمش أبيض الرأس من الشقرة: يأتون به فيدخلونه في حوض عظيم، ويشدون قيوده إلى أوتاد في قعر الحوض، ويملؤون الحوض زيتًا حتى يبقى الرجل فيه قائما إلى حلقه، ويخلطون بالزيت الأدوية المقوية

стр. 182

للعصب والمعفنة للحم، حتى إذا دار عليه الحول بعد أن يغذى بالأغذية المعفنة اللحم والجلد قبضوا على رأسه، فملخوا عصبه من جلده ولفوه تحت رأسه، وأتوا به إلى صنمهم الذي هو على صورة المريخ، فقالوا: أيها الإله الشرير ذو الفتن والجوائح قربنا إليك ما يشبهك؛ لتقبل قرباننا وتكفينا شرك وشر أرواحك الخبيثة الشريرة! ويزعمون أن الرأس تبقى فيه الحياة سبعة أيام، ويكلمهم بعلم ما يصيبهم تلك السنة من خير وشر. ° ويقربون للشمس تلك المرأة التي قتلوا ولدها للمشتري: ويطوفون بصورة الشمس ويقولون: مسبحة ومهللة أنت أيتها الآلهة النورانية، قربنا لك ما يشبهك، فتقبلي قرباننا وارزقينا من خيرك، وأعيذينا من شرك! ° ويقربون للزهرة عجوزا شمطاء ماجنة: يقدمونها بين يديها وينادون حولها: أيتها الآلهة الماجنة، آتيناك قربانا ببياض كبياضك، ومجانة كمجانتك وظرف كظرفك؛ فتقبليها، ثم يأتون بالحطب فيجعلونه حول العجوز ويضرمون فيه النار إلى أن تحترق فيحثون رمادها في وجه الصنم. ° ويقربون لعطارد شابًا أسمر حاسبًا كاتبًا متأدبًا يأتون به بحيلة، وكذا يفعلون بالكل يخدعونهم ويبنجونهم ويسقونهم أدوية تزيل العقل وتخرس الألسنة، فيقدمون هذا الشاب إلى صنم عطارد ويقولون: أيها الرب الظريف، أتيناك بشخص ظريف وبطبعك اهتدينا؛ فتقبل منا، ثم ينشر الشاب نصفين ويربع ويجعل على أربع خشبات حوله، ويضرم في كل خشبة النار حتى تحترق ويحترق الربع معها، ويحثون رماده في وجهه. ° ويقربون للقمر رجلا آدم كبير الوجه: ويقولون: يا بريد الآلهة وخفيف الأجرام العلوية.

стр. 183

ذكر تلبيس إبليس على عباد الأصنام كل محنة لبس بها إبليس على الناس فسببها الميل إلى الحس والإعراض عن مقتضى العقل، ولما كان الحس يأنس بالمثل دعا إبليس خلقًا كثيرًا إلى عبادة الصور، وأبطل عند هؤلاء عمل العقل بمرة: ° فمنهم: من حسَّن له أنها الآلهة وحدها. ° ومنهم: من وجد فيه قليل فطنة فعلم أنه لا يوافقه إلى هذا؛ فزين له أن عبادة هذه تقرب على الخالق، فقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. ذكر بداية تلبيسه على عباد الأصنام أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك الحافظ، قال: أنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن المسلمة، قال: أنبأنا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الله الجوهري، قال: نا أبو علي الحسن بن عليل العنزي، قال: نا أبو الحسن علي بن الصباح بن الفرات، قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي، قال: أخبرني أبي، قال: أول ما عُبِدت الأصنام أن آدم ﵇ لما مات جعله بنو شيث بن آدم في مغارة في الجبل الذي أهبط عليه آدم بأرض الهند، ويقال للجبل (بوذ)، وهو أخصب جبل في الأرض (١). قال هشام: فأخبرني أبي، عن أبي صالح عن ابن عباس قال: فكان بنو شيث يأتون جسد آدم في المغارة فيعظمونه ويترحمون عليه، فقال رجل من بني قابيل: يا

стр. 184

بني قابيل، إن لبني شيث دوارًا يدورون حوله ويعظمونه وليس لكم شيء، فنحت لهم صنمًا، فكان أول من عملها (١). قال هشام: وأخبرني أبي، قال: كان ود، وسواع، ويغوث، ويعوق ونسر (٢) قومًا صالحين، فماتوا في شهر، فجزع عليهم ذوو أقاربهم، فقال رجل من بني قابيل: يا قوم، هل لكم أن أعمل لكم خمسة أصنام على صورهم غير أني لا أقدر أن أجعل فيها أرواحا! قالوا: نعم. فنحت لهم خمسة أصنام على صورهم ونصبها لهم، فكان الرجل يأتي أخاه وعمه وابن عمه فيعظمه ويسعى حوله حتى ذهب ذلك القرن الأول، وعملت على عهد يزد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث ابن آدم، ثم جاء قرن آخر فعظموهم أشد من تعظيم القرن الأول (٣). ثم جاء من بعدهم القرن الثالث فقالوا: ما عظَّم أولونا هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم عند الله؛ فعبدوهم. وعظم أمرهم واشتد كفرهم، فبعث الله تعالى إليهم إدريس ﵇ فدعاهم فكذبوه فرفعه الله مكانا عليًّا. ولم يزل أمرهم يشتد فيما قال الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: حتى أَدْرَكَ نُوحٌ، فبعثه الله نبيًّا وهو يومئذ ابن أربعمائة وثمانين سنة، فدعاهم إلى الله في نبوته عشرين ومائة سنة، فعصوه وكذبوه، فأمره الله أن يصنع الفلك، ففرغ منها وركبها وهو ابن ستمائة سنة، وغرق من غرق، ومكث بعد ذلك ثلاثمائة وخمسين

стр. 185

سنة، فكان بين آدم ونوح ألفا سنة ومائتا سنة، فأهبط الماء هذه الأصنام من أرض إلى أرض، حتى قذفها إلى أرض جدة، فلما نضب الماء بقيت على الشط فسفت الريح عليها حتى وارتها (١). قال الكلبي: وكان عمرو بن لحُي كاهنا -وكان يكنى أبا ثمامة- له رئي من الجن، فقال له: عجِّل السير والظعن من تهامة، بالسعد والسلامة، ائت ضفَّ جدة، تجد فيها أصنامًا معدة، فأوردها تهامة ولا تهب، ثم ادع العرب إلى عبادتها تجب! فأتى نهر جدة فاستثارها، ثم حملها حتى ورد بها تهامة، وحضر الحج فدعا العرب إلى عبادتها قاطبة، فأجابه عوف بن عذرة بن زيد اللات فدفع إليه ودًّا فحمله، فكان بوادي القرى بدومة الجندل، وسمى ابنه عبد ود، فهو أول من سمي به، وجعل عوف ابنه عامرًا سادنا له، فلم يزل بنوه يسدنونه حتى جاء الله بالإسلام (٢). قال الكلبي (٣): فحدثني مالك بن حارثة أنه رأى ودًّا، قال: وكان أبي يبعثني باللبن إليه فيقول: اسقه إلهك. فأشربه، قال: ثم رأيت خالد بن الوليد بعدُ كسره فجعله جذاذًا، وكان رسول الله ﷺ بعث خالد بن الوليد من غزوة تبوك لهدمه، فحالت بينه وبين هدمه بنو عبد ود وبنو عامر، فقاتلهم فقتلهم وهدمه وكسره،

стр. 186

وقتل يومئذ رجلا من بني عبد ود يقال له قطن بن شريح، فأقبلت أمه وهو مقتول وهي تقول: أَلا تِلْكَ المودةُ لا تدومُ … ولا يبقى على الدَّهر النعيمُ ولا يبقى على الحَدَثانِ عُفْرٌ … له أَمٌّ بشاهقةٍ رؤومُ ثم قالت: يَا جامعًا جامِعَ الأحشاءِ والكَبِدِ … يَا ليتَ أُمَّك لم تُولدْ ولم تَلِدِ ثم أكبت عليه فشهقت فماتت (١). قال الكلبي: فقلت لمالك بن حارثة صف لي ودا حتى كأني أنظر إليه. قال: كان تمثال رجل كأعظم ما يكون من الرجال، قد ذبر - أي: نقش - عليه حلتان، متزر بحلة مرتد بأخرى، عليه سيف قد تقلده، وقد تنكب قوسًا، وبين يديه حربة فيها لواء، ووفضة فيها نبل (٢). يعني: جعبته (٣). قال (٤): وأجابت عمرو بن لُحي مضر بن نزار؛ فدفع إلى رجل من هذيل يقال له الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر سواعًا، فكان بأرض يقال لها رهاط من بطن نخلة، فعبده من يليه من مضر، فقال رجل من العرب:

стр. 187

تَرَاهُمْ حَوْلَ قِبْلَتِهِمْ عُكُوفًا … كَمَا عَكَفَتْ هُذَيْلُ على سُواع تَظَلُّ جَنَابُهُ صَرْعى لَديهِ … عتايرُ مِنْ ذخائرِ كلِّ راع فأجابته مذحج؛ فدفع إلى أنعم بن عمرو المرادي يغوث، وكان بأكمة باليمن تعبده مذحج ومن والاها، وأجابته همدان؛ فدفع إلى مالك بن مرثد بن جشم يعوق، وكان بقرية يقال لها حيوان (١)، تعبده همدان ومن والاها من اليمن (٢). وأجابته حمير؛ فدفع إلى رجل من ذي رعين يقال له معدي كرب نسرا، فكان بموضع من أرض سبأ يقال له بَلْخَع، تعبده حمير ومن والاها، فلم يزل يعبدونه حتى هودهم ذو نواس. فلم تزل هذه الأصنام تعبد حتى بعث الله النبي ﷺ فأمرهم بهدمها (٣). قال هشام، وحدثنا الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : "رفعت لي النار فرأيت عمرو بن لحُي قصيرًا أحمر أزرق يجر قصبه في النار، قلت: مَنْ هذا؟ قيل: هذا عمرو بن لُحي أول من بحر البحيرة، ووصل الوصيلة، وسيب السائبة، وحمى الحام، وغير دين إسماعيل، ودعا العرب إلى عبادة الأوثان" (٤).

стр. 188

قال هشام (١): وحدثنا أبي وغيره أن إسماعيل ﵇ لما سكن مكة وولد له بها أولاد فكثروا حتى ملؤوا مكة ونفوا من كان بها من العماليق ضاقت عليهم مكة ووقعت بينهم الحروب والعداوات، وأخرج بعضهم بعضا فتفسحوا في البلاد والتماس المعاش. فكان الذي حملهم على عبادة الأوثان والحجارة أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجرًا من حجارة الحرم؛ تعظيمًا للحرم وصبابة بمكة، فحيثما حلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة؛ تيمنًا منهم بها وصبابة بالحرم وحبًّا له، وهم بعد يعظمون الكعبة ومكة، يحجون ويعتمرون على إرث إبراهيم وإسماعيل. ثم عبدوا ما استحسنوا ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره، فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم، واستخرجوا ما كان يعبد قوم نوح، وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل يتمسكون بها: من تعظيم البيت والطواف به، والحج والعمرة، والوقوف بعرفة والمزدلفة، وإهداء البدن، والإهلال بالحج والعمرة. وكانت نزار تقول إذا ما أهلت: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شرك لك إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك) (٢).

стр. 189

وكان أول من غير دين إسماعيل فنصب الأوثان وسيب السائبة ووصل الوصيلة عمرو بن ربيعة وهو لحي بن حارثة وهو أبو خزاعة، وكانت أم عمرو بن لُحَي فهيرة بنت عامر بن الحارث، وكان الحارث هو الذي يلي أمر الكعبة فلما بلغ عمرو بن لُحي نازعه في الولاية وقاتل جرهم بني إسماعيل، فظفر بهم وأجلاهم عن الكعبة ونفاهم من بلاد مكة، وتولى حجابة البيت من بعدهم. ثم إنه مرض مرضًا شديدًا فقيل له: إن بالبلقاء من الشام حِمَّة إن أتيتها برئت. فأتاها فاستحم بها فبرأ، ووجد أهلها يعبدون الأصنام فقال: ما هذه؟ فقالوا: نستسقي بها المطر ونستنصر بها على العدو، فسألهم أن يعطوه منها ففعلوا، فقدم بها مكة ونصبها حول الكعبة، واتخذت العرب الأصنام (١). فكان أقدمها مناة وكان منصوبًا على ساحل البحر من ناحية المشلّل بقُدَيْد بين مكة والمدينة فكانت العرب جميعا تعظمه وكانت الأوس والخزرج ومن نزل المدينة ومكة وما قارب من المواضع يعظمونه ويذبحون له ويهدون له، ولم يكن أحد أشد إعظاما له من الأوس والخزرج (٢). قال هشام: ونا رجل من قريش، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: كانت الأوس والخزرج ومَن يأخذ مأخذهم من عرب

стр. 190

أهل يثرب وغيرها يحجون فيقفون مع الناس المواقف كلها ولا يحلقون رؤوسهم، فإذا نفروا أتوه فحلقوا عنده رؤوسهم وأقاموا عنده لا يرون لحجهم تماما إلا بذلك، وكانت مناة لهذيل وخزاعة، فبعث رسول الله ﷺ عليا ﵁ فهدمها عام الفتح. ثم اتخذوا اللات، واللات بالطائف وهي أحدث من مناة، وكانت صخرة مربعة وكان سدنتها من ثقيف، وكانوا قد بنوا عليها بناء، وكانت قريش وجميع العرب تعظمها، وبها كانت العرب تسمى زيد اللات وتيم اللات، وكانت في موضع منارة مسجد الطائف اليسرى اليوم، فلم تزل كذلك حتى أسلمت ثقيف، فبعث رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة فهدمها وحرقها بالنار. ثم اتخذوا العزى وهي أحدث من اللات، اتخذها ظالم بن أسعد، وكانت بواد من نخلة الشامية فوق ذات عرق، وبنوا عليها بيتا، وكانوا يسمعون منه الصوت. قال هشام: وحدثني أبي، عن أبي صالح عن ابن عباس، قال: كانت العزى شيطانة تأتي ثلاث سَمُرَات ببطن نخلة، فلما افتتح رسول الله مكة بعث خالد بن الوليد فقال: "ائت بطن نخلة، فإنك تجد ثلاث سُمَرَات: فاعضد الأولى"، فأتاها فعضدها، فلما جاء إليه قال: "هل رأيت شيئا"؟ قال: لا، قال: "فاعضد الثانية"، فأتاها فعضدها، ثم أتى النبي ﷺ فقال: "هل رأيت شيئا"؟ قال: لا، قال: "فاعضد الثالثة"، فأتاها فإذا بحبشية نافشة شعرها واضعة يدها على عاتقها تصرف بأنيابها، وخلفها دُبَيَّة السلمي وكان سادنها، فقال خالد: كفْرانَكِ لا سُبْحَانَكْ … إنِّي رَأيتُ اللهَ قَدْ أَهانَكْ (١)

стр. 191

ثم ضربها ففلق رأسها فإذا هي حُمَمَة ثم عضد الشجرة وقتل دُبَيَّة السادن، ثم أتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: "تلك العزى ولا عزى بعدها للعرب" (١). قال هشام (٢): وكانت لقريش أصنام في جوف الكعبة وحولها، وأعظمها عندهم هبل، وكان فيما بلغني من عقيق أحمر على صورة الإنسان مكسور اليد اليمنى، أدركته قريش كذلك فجعلوا له يدا من ذهب، وكان أول من نصبه خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وكان في جوف الكعبة، وكان قدامه سبعة أقداح، مكتوب في أحدها: صريح، والآخر: ملصق، فإذا شكوا في مولود أهدوا له هدية، ثم ضربوا بالقداح: فإن خرج صريح ألحقوه، وإن كان ملصقًا دفعوه. وكانوا إذا اختصموا في أمر أو أرادوا سفرا أو عملا أتوه فاستقسموا بالقداح عنده، وهو الذي قال له أبو سفيان يوم أحد: اعل هبل! أي: علا دينك، فقال رسول الله ﷺ : "الله أعلى وأجل" (٣). وكان لهم إساف ونائلة.

стр. 192

قال هشام: فحدث الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: أن إسافا ونائلة: رجل من جرهم يقال له: إساف بن يعلى، ونائلة بنت زيد من جرهم، وكان يتعشَّقُها في أرض اليمن، فأقبلوا حجاجًا، فدخلا البيت فوجدا غفلة من الناس وخلوة من البيت، ففجر بها في البيت فمسخا، فأصبحوا فوجدوهما مسخين، فأخرجوهما فوضعوهما موضعهما، فعبدتهما خزاعة وقريش ومن حج البيت بعد من العرب (١). قال هشام: لما مسخا حجرين وضعا عند الكعبة ليتعظ الناس بهما، فلما طال مكثهما وعبدت الأصنام عُبدا معها، وكان أحدهما بلصق الكعبة، والآخر في موضع زمزم، فنقلت قريش الذي كان بلصق الكعبة إلى الآخر، فكانوا ينحرون ويذبحون عندهما (٢). وكان من تلك الأصنام ذو الخلصة وكان مروة (٣) بيضاء منقوشة، عليها كهيئة التاج، وكانت بتبالة بين مكة واليمن، على مسيرة سبع ليال من مكة، وكانت تعظمها وتهدي لها خثعم وبجيلة (٤)، فقال رسول الله ﷺ : "ألا تكفيني ذا الخلصة؟ " فوجهه إليه، فسار إليه بأحمس، فقاتلته خثعم وباهلة، فظفر بهم وهدم بنيان ذي الخلصة وأضرم فيه النار (٥)، وذو الخلصة اليوم عتبة باب مسجد تبالة (٦).

стр. 193

وكان لدوس صنم يقال له: ذو الكفين، فلما أسلموا بعث رسول الله ﷺ الطفيل بن عمرو فحرقه (١). وكان لبني الحارث بن يشكر صنم يقال له ذو الشرى (٢)، وكان لقضاعة ولخم وجذام وعاملة وغطفان صنم في مشارق الشام يقال له الأقيصر (٣). وكان لمزينة صنم يقال له نُهْم، وبه كانت تسمي: عبد نُهْم (٤)، وكان لعنزة صنم يقال له سُعَير (٥)، وكان لطيء صنم يقال له [الفَلْس] (٦) (٧)، وكان لأهل كل دار من مكة صنم في دارهم يعبدونه، فإذا أراد أحدهم السفر كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح به، وإذا قدم من سفره كان أول ما يصنع إذا دخل منزله أن يتمسح به، وفيهم من اتخذ بيتًا، ومن لم يكن له صنم ولا بيت نصب حجرًا مما استحسن ثم طاف به وسموها الأنصاب (٨). وكان الرجل إذا سافر فنزل منزلا أخذ أربعة أحجار، فنظر إلى أحسنها فاتخذه ربا، وجعل ثلاثا أثافي لقدره، وإذا ارتحل تركه، فإذا نزل منزلا آخر فعل مثل ذلك. ولما ظهر رسول الله على مكة دخل المسجد والأصنام منصوبة حول الكعبة، فجعل يطعن بسية قوسه (٩) في عيونها ووجوهها ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل إن

стр. 194

إن الباطل كان زهوقًا"، ثم أمر بها فكفئت على وجوهها، ثم أخرجت من المسجد فحرقت (١). وقد روى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: في زمان يزد عبدت الأصنام ورجع من رجع عن الإسلام (٢). أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال: أنا عمر بن عبيد الله، قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق، قال: نا حنبل، قال: نا حسن بن الربيع، قال: حدثنا مهدي بن ميمون، قال: سمعت أبا رجاء العطاردي يقول: لما بعث النبي ﷺ فسمعنا به لحقنا بمسيلمة الكذاب، لحقنا بالنار، قال: وكنا نعبد الحجر في الجاهلية فإذا وجدنا حجرًا هو أحسن منه نلقى ذاك ونأخذه، فإذا لم نجد حجرا جمعنا حثية من تراب ثم جئنا بغنم فحلبناها عليه، ثم طفنا به (٣). أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد، قال: أخبرنا حمد بن أحمد الحداد، قال: أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله، قال: نا أبو حامد بن جبلة، قال: نا أبو العباس السراج، قال: نا أحمد بن الحسن بن خراش، قال: نا مسلم بن إبراهيم، قال: نا عُمارة المعولي، قال: سمعت أبا رجاء العطاردي يقول: كنا نعمد إلى الرمل فنجمعه ونحلب عليه فنعبده، وكنا نعمد إلى الحجر الأبيض فنعبده زمانًا ثم نلقيه (٤).

стр. 195

أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر بن ثابت، قال: أخبرنا عبد العزيز بن علي الوراق، قال: نا أحمد بن إبراهيم، قال: نا يوسف بن يعقوب النيسابوري، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا الحجاج بن أبي زينب، قال: سمعت أبا عثمان النهدي يقول: كنا في الجاهلية نعبد حجرا فسمعنا مناديا ينادي: يا أهل الرحال إن ربكم قد هلك فالتمسوا ربا، قال: فخرجنا على كل صعب وذلول فبينما نحن كذلك نطلب، إذا نحن بمناد ينادي: إنا قد وجدنا ربكم أو شبهه، قال: فجئنا فإذا حجر فنحرنا عليه الجُزُر (١). أنبأنا محمد بن أبي طاهر، قال: أنبأنا أبو إسحاق البرمكي، قال: أخبرنا أبو عمر بن حَيُّوَيْه، قال: أخبرنا أحمد بن معروف، قال: أخبرنا الحسين بن الفهم، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا محمد بن عمر، قال: حدثني الحجاج بن صفوان، عن ابن أبي حسين، عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن [عبسة] (٢) قال: كنت امرأ ممن يعبد الحجارة، فينزل الحي ليس معهم آلهة فيخرج الرجل منهم فيأتي بأربعة أحجار: فينصب ثلاثة لقدره ويجعل أحسنها إلها يعبده، ثم لعله يجد ما هو أحسن منه قبل أن يرتحل فيتركه ويأخذ غيره (٣). أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك، قال: أنبأنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو الحسن العتيقي، قال: أخبرنا عثمان بن عمرو بن المنتاب، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن سليمان الفامي، قال: حدثني أبو الفضل محمد بن أبي هارون الوراق، قال: نا الحسن بن عبد العزيز الجروي، عن شيخ من ساكني مكة، قال: سئل سفيان بن

стр. 196

عيينة: كيف عبدت العربُ الحجارةَ والأصنامَ؟ فقال: أصلُ عبادتهم الحجارة أنهم قالوا: البيت حجر، فحيثما نصبنا حجرًا فهو بمنزلة البيت (١). وقال أبو معشر: كان كثير من أهل الهند يعتقدون الربوبية، ويقرون بأن لله تعالى ملائكة، إلا أنهم يعتقدونه كأحسن الصور، وأن الملائكة أجسام حسان، وأنه وملائكته محتجبون بالسماء، فاتخذوا أصنامًا على صورة الله عندهم وعلى صورة الملائكة، فعبدوها وقربوا لها؛ لموضع المشابهة على زعمهم، وقيل لبعضهم: إن الكواكب والأفلاك أقرب الأجسام إلى الخالق؟ فعظموها وقربوا لها، ثم عملوا الأصنام (٢). وبنى جماعة من القدماء بيوتًا كانت للأصنام (٣)، فمنها: ° بيت على رأس جبل بأصبهان، كانت فيه أصنام أخرجها سبتاسب لما تمجّس وجعله بيت نار. ° والبيت الثاني والثالث في أرض الهند. ° والرابع بمدينة بلخ، بناه منوشهر، فلما ظهر الإسلام خربه أهل بلخ. ° والخامس بيت بصنعاء، بناه الضحاك على اسم الزهرة، فخربه عثمان بن عفان. ° والسادس بناه قابوس الملك على اسم الشمس بمدينة فرغانة، فخربه المعتصم. وذكر يحيى بن بشر بن عمير النهاوندي: أن شريعة الهند وضعها لهم رجل يقال له برهمن (٤)، ووضع لهم أصناما، وجعل أعظم بيوتهم بيتًا بملتان، وهي مدينة من

стр. 197

مدائن السند، وجعل فيه صنمهم الأعظم الذي هو لصورة الهيولى الأكبر (١)، وهذه المدينة فتحت في أيام الحجاج، وأرادوا قلع الصنم فقيل لهم: إن تركتموه ولم تقلعوه جمعنا لكم ثلث ما يجتمع له من مال، فأمر عبد الملك بن مروان بتركه، فالهند تحج إليه من ألفي فرسخ، ولابد للحاج أن يحمل معه دراهم على قدر ما يمكنه من مائة إلى عشرة آلاف لا يكون أقل من هذا، ومن لم يحمل معه ذلك لم يتم حجه، فيلقيه في صندوق عظيم هناك ويطوفون بالصنم، فإذا ذهبوا قسم ذلك المال: فثلثه للمسلمين، وثلثه لعمارة المدينة وحصونها، وثلثه لسدنة الصنم ومصالحه (٢). قال المصنف: قلت: انظر كيف تلاعب الشيطان بهم، وذهب بعقولهم فنحتوا بأيديهم ما عبدوه، وما أحسن ما عاب الحق أصنامهم فقال: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٥]، فكانت الإشارة إلى العباد، أي أنتم تمشون وتبطشون وتبصرون وتسمعون، والأصنام عاجزة عن ذلك وهي جماد وهم حيوان، فكيف عبد التام الناقص؟! قال المصنف: ولو تفكروا لعلموا أن الإله يصنع ولا يصنع، ويجمع وليس بمجموع، وتقوم الأشياء به ولا يقوم بها (٣)، وإنما ينبغي للإنسان أن يعبد من صنعه لا ما صنعه، وما خيل إليهم من أن الأصنام تشفع فخيال، ليس فيه شبهة يتعلق بها (٤).

стр. 198

ذكر تلبيس إبليس على عابدي النار قد لبس إبليس على جماعة فحسن لهم عبادة النار وقال: هي الجوهر الذي لا يستغني العالم عنه (١)، ومن هاهنا زيّن عبادة الشمس (٢). وذكر أبو جعفر بن جرير الطبري (٣): أنه لما قتل قابيل هابيل وهرب من أبيه آدم إلى اليمن أتاه إبليس، فقال له: إن هابيل إنما قبل قربانه وأكلته النار لأنه كان يخدم النار ويعبدها، فانصب أنت نارا تكون لك ولعقبك، فبنى بيت نار، فهو أول من نصب النار وعبدها. قال الجاحظ: وجاء زرادشت من بلخ وهو صاحب المجوس، فادعى أن الوحي نزل عليه على جبل سيلان، فدعا أهل تلك النواحي الباردة الذين لا يعرفون إلا البرد وجعل الوعيد بتضاعف البرد، وأقر بأنه لم يبعث إلا إلى أهل الجبال فقط (٤)، وشرع لأصحابه التوضؤ بالأبوال، وغشيان الأمهات، وتعظيم النيران (٥)، مع أمور سمجة (٦)، قال: ومن قول زرادشت: كان الله وحده، فلما طالت وحدته فكر فتولد

стр. 199

من فكره إبليس، فلما مثل بين يديه أراد قتله فامتنع منه، فلما رأى امتناعه وادعه إلى مدة. قال المصنف: وقد بنى عابدوا النار لها بيوتا كثيرة، وأول من رُسم لها بيتا أفريدون، فاتخذ لها بيتا بطوس وآخر ببخارى، واتخذ لها بهمن بيتا بسجستان، واتخذ لها بيتا أبو قباذ (١) بناحية بخارى، وبنيت بعد ذلك بيوت كثيرة لها (٢)، وكان زرادشت قد وضع نارا زعم أنها جاءت من السماء فأكلت قربانهم، وذلك أنه بنى بيتا وجعل في وسطه مرآة، ولف القربان في حطب وطرح عليه الكبريت فلما استوت الشمس في كبد السماء قابلت كوة قد جعلها في ذلك البيت، فدخل شعاع الشمس فوقع على المرآة، فانعكس على الحطب فوقعت فيه النار، فقال: لا تطفئوا هذه النار. فصل وقد لبس إبليس لأقوام عبادة القمر (٣) ولآخرين عبادة النجوم (٤)، قال ابن قتيبة: كان قوم في الجاهلية عبدوا الشعرى العبور (٥) وفُتِنوا بها، وكان أبو كبشة (٦)

стр. 200

الذي كان المشركون ينسبون إليه رسول الله أول من عبدها، وقال: قطعت السماء عرضا ولم يقطع السماء عرضا نجم غيرها فعبدها، وخالف قريشا، فلما بعث رسول الله ﷺ ودعا إلى عبادة الله وترك الأوثان قالوا: هذا ابن أبي كبشة أي شبهه ومثله في الخلاف، كما قال بنو إسرائيل لمريم: يا أخت هارون أي يا شبه هارون في الصلاح، وهما شعرتان إحداهما هذه والشعرى الأخرى هي الغميصاء (١)، وهي تقابلها وبينهما المجرة (٢)، والغميصاء من الذراع المبسوطة في نجم الأسد (٣) وتلك في الجوزاء (٤). وزين إبليس لآخرين عبادة الملائكة قالوا: هي بنات الله، تعالى عن ذلك، وزين لآخرين عبادة الخيل والبقر، وكان السامري من قوم يعبدون البقر فلهذا صاغ عجلا، وجاء في التفسير أن فرعون كان يعبد تيسا (٥)، وليس في هؤلاء من أعمل فكره ولا من استعمل عقله في تدبير ما يفعل. ذكر تلبيسة على الجاهلية قال المصنف: قد ذكرنا كيف لبس عليهم في عبادة الأصنام (٦)، ومن أقبح تلبيسه تلبيسه عليهم في ذلك تقليد الآباء من غير نظر في دليل كما قال : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ

стр. 201

اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]، المعنى: أتتبعونهم أيضا! وقد لبس على طائفة منهم فقالوا بمذاهب الدهرية وأنكروا الخالق وجحدوا البعث (١)، وهؤلاء الذي قال الله فيهم: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]، وعلى آخرين منهم فأقروا بالخالق لكنهم جحدوا الرسل والبعث (٢)، وعلى آخرين منهم فزعموا أن الملائكة بنات الله (٣)، وأمال آخرين منهم منهم إلى مذهب اليهود (٤)، وآخرين إلى مذهب المجوس (٥)، وكان هذا في بني تميم، تميم، منهم زُرَارَة بن [عدس] (٦) التميمي وابنه حاجب. وممن كان يقر بالخالق والابتداء والإعادة والثواب والعقاب عبد المطلب بن هاشم، وزيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة، وعامر بن الظرب، وكان عبد المطلب قد رأى ظالما لم تصبه عقوبة فقال: تالله إن وراء هذه الدار لدارًا يجزي فيها المحسن والمسيء، ومنهم زهير بن أبي سلمى وهو القائل: تؤخر فتوضع في كتاب فيدخر … ليوم الحساب أو تعجل فتنقم (٧)

стр. 202

ثم أسلم (١). ومنهم زيد الفوارس بن حصن (٢)، ومنهم القلمس بن أمية الكناني كان يخطب بفناء الكعبة، وكانت العرب لا تصدر عن مواسمها حتى يخطبها ويوصيها، فقال يوما: يا معشر العرب أطيعوني ترشدوا! قالوا: وما ذاك؟ قال إنكم تفردتم بآلهة شتى، إني لأعلم ما الله بكل هذا راض، وأن الله رب هذه الآلهة، وأنه ليحب أن يُعبَد وحده، فتفرقت عنه العرب ذلك العام ولم يسمعوا مواعظه، وكان فيهم قوم يقولون: من مات فربطت على قبره راحلة وتركت حتى تموت حشر عليها، ومن لم يُفْعَل به ذلك حشر ماشيًا (٣)، وممن قاله عمر بن زيد الكلبي. وأكثر هؤلاء لم يزل عن الشرك، وإنما تمسك منهم بالتوحيد ورفض الأصنام القليل كقس وزيد. وما زالت الجاهلية تبتدع البدع الكثيرة، فمنها: النسيء، وهو تحريم الشهر الحلال وتحليل الشهر الحرام، وذلك أن العرب كانت قد تمسكت من ملة إبراهيم ﵇ بتحريم الأشهر الأربعة، فإذا احتاجوا إلى تحليل المحرم للحرب أخّروا تحريمه إلى صفر، ثم يحتاجون إلى صفر ثم كذلك حتى تدافع السنة، وكانوا إذا حجوا قالوا:

стр. 203

لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك (١). ومنها: توريث الذكر دون الأنثى، ومنها: أن أحدهم كان إذا مات وَرثَ نكاح زوجته أقربُ الناس منه. ومنها: البَحِيرة، وهي الناقة تلد خمسة أبطن، فإن كان الخامس أنثى شقوا أذنها وحرمت على النساء. والسائبة من الأنعام كانوا يسيبونها فلا يركبون لها ظهرا ولا يحلبون لها لبنا. والوصيلة: الشاة تلد سبعة أبطن، فإن كان السابع ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها، فلا تذبح، وتكون منافعها للرجال دون النساء، فإن ماتت اشترك فيها الرجال والنساء. والحام: الفحل ينتج من ظهره عشرة أبطن، فيقولون قد حمي ظهره، فيسيبونه لأصنامهم ولا يحمل عليه، ثم يقولون: إن الله أمرنا بهذا فذلك معنى قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣]. ثم إن الله رد عليهم فيما حرموه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وفيما أحلوه بقولهم: ﴿خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩]، فقال: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣]. المعنى: إن كان حرم الذكرين فكل الذكور حرام، وإن كان حرم الأنثيين فكل الإناث حرام، وإن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين فإنها تشتمل على الذكور والإناث فيكون كل جنين حراما، وزين لهم إبليس قتل أولادهم فالإنسان منهم يقتل ابنته ويغذو كلبه.

стр. 204

ومن جملة ما لبس عليهم إبليس أنهم قالوا: لو شاء الله ما أشركنا. أي: لو لم يرض شركنا حال بيننا وبينه، فتعلقوا بالمشيئة وتركوا الأمر، ومشيئة الله تعم الكائنات وأمره لا يعم مراداته، فليس لأحد أن يتعلق بالمشيئة بعد ورود الأمر (١)، ومذاهبهم السخيفة التي ابتدعوها كثيرة لا يصلح تضييع الزمان بذكرها، ولا هي مما يحتاج إلى تكلف ردها! ذكر تلبيس إبليس على جاحدى النبوات قال المصنف: قد لبس إبليس على البراهمة (٢) والهند وغيرهم، فزين لهم جحد النبوات (٣)؛ ليسد طريق ما يصل من الإله!

стр. 205

وقد اختلف الهند: ° فمنهم دهرية (١). ° ومنهم ثنوية (٢). ° ومنهم على مذهب البراهمة (٣). ° ومنهم من يعتقد نبوة آدم وإبراهيم فقط (٤). وقد حكى أبو محمد النُّوبَخْتي في كتاب (الآراء والديانات) أن قوما من الهند من البراهمة أثبتوا الخالق والرسل والجنة والنار، وزعموا أن رسولهم ملَكٌ أتاهم في صورة البشر من غير كتاب، له أربعة أيدٍ واثنا عشر رأسا، من ذلك: رأس إنسان، ورأس أسد، ورأس فرس، ورأس فيل، ورأس خنزير، وغير ذلك من رؤوس الحيوان، وأنه أمرهم بتعظيم النار ونهاهم عن القتل والذبائح إلا ما كان للنار، ونهاهم عن الكذب وشرب الخمر، وأباح لهم الزنا، وأمرهم أن يعبدوا البقر (٥)، ومن

стр. 206

ارتدّ منهم ثم رجع حلقوا رأسه ولحيته وحاجبيه وأشفار عينيه، ثم يذهب فيسجد للبقر، في هَذَيَانَاتٍ يضيع الزمان بذكرها! وقد ألقى إبليس إلى البراهمة ست شبهات: الشبهة الأولى (١): استبعاد اطلاع بعضهم على ما خفي عن بعض، فقالوا: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٣]، والمعنى: فكيف اطلع على ما خفي عنكم؟! وجواب هذه الشبهة: أنهم لو ناطقوا العقول لأجازت اختيار شخص يخص بخصائص يعلو بها جنسه، فيصلح بتلك الخصائص لتلقف الوحي، إذ ليس كل أحد يصلح لذلك، وقد علم الكل أن الله سبحانه ركَّب الأمزجة متفاوتةً وأخرج إلى الوجود أدوية تقاوم ما يعرض من الفساد البدني، فإذا أمد النبات والأحجار بخواص لإصلاح أبدان خلقت للفناء هاهنا وللبقاء في الدار الآخرة، لم يبعد أن يخص أشخاصا من خلقه بالحكمة البالغة والدعاية إليه إصلاحا لمن يفسد في العالم بسوء الأخلاق والأفعال، ومعلوم أن المخالفين لا يستنكرون أن يُخَص أقوام بالحكمة؟ ليُسكِّنوا فورات الطباع الشريرة بالموعظة، فكيف ينكرون إمداد الباري سبحانه بعض الناس برسائل وقضايا يصلح بها العالم، ويطب أخلاقهم، ويقيم بها سياستهم! وقد أشار إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ [يونس: ٢]. الشبهة الثانية (٢): قالوا: هلا أرسل ملكا! فإن الملائكة إليه أقرب ومن الشك

стр. 207

فيهم أبعد، والآدميون يحبون الرياسة على جنسهم فيوقع ذلك شكًا. وجواب هذا من ثلاث أوجه: ° أحدها: أن في قوى الملائكة قلب الجبال والصخور، فلا يمكن إظهار معجزة تدل على صدقهم؛ لأن المعجزة ما خرقت العادات، وهذه عادة الملائكة، وإنما المعجزة الظاهرة على يدي بشر ضعيف تكون دليلًا. ° والثاني: أن الجنس إلى الجنس أميل، فصلح أن يرسل إليهم من جنسهم؛ لئلا ينفروا، وليعقلوا عنه، ثم تخصيص ذلك الجنس بما عجز عنه جنسه دليل على صدقه. ° والثالث: أنه ليس في قرى البشر رؤية الملك، وإنما الله تعالى يقوي الأنبياء بما يرزقهم من إدراك الملائكة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩]، أي: لينظروا إليه ويأنسوا به ويفهموا عنه، ثم قال: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]، أي: لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حتى يشكوا، فلا يدرون أملك هو أم آدمي! الشبهة الثالثة (١): قالوا: نرى ما يدعيه الأنبياء من علم الغيب والمعجزات وما يلقى إليهم من الوحي يظهر جنسه على الكهنة والسحرة، فلم يبق لنا دليل نفرق بين الصحيح والفاسد.

стр. 208

والجواب أن نقول: إن الله تعالى بيَّن الحجج ثم بثَّ الشُّبَه وكلف العقول الفرق، فلا يقدر ساحر أن يحيي ميتا، ولا أن يخرج من عصا حية، وأما الكاهن فقد يصيب وقد يخطئ بخلاف النبوة التي لا خطأ فيها بوجه (١). الشبهة الرابعة (٢): قالوا: لا يخلوا أن تجيء الأنبياء بما يوافق العقل أو بما يخالفه فإن جاؤوا بما يخالفه لم يقبل، وإن جاؤوا بما يوافقه فالعقل يغني.

стр. 209

والجواب أن نقول: قد ثبت أن كثيرًا من الناس يعجزون عن سياسات الدنيا حتى يحتاجوا (١) إلى متمم كالحكماء والسلاطين، فكيف بأمور الإلهية والآخرة (٢)! الشبهة الخامسة (٣): قالوا: قد جاءت الشرائع بأشياء ينفر منها العقل، وكيف يجوز أن تكون صحيحة؟! من ذلك إيلام الحيوان. والجواب: أن العقل ينكر إيلام الحيوان بعضه لبعض، فأما إذا حكم الخالق بالإيلام لم يبق للعقل اعتراض. وبيان ذلك: أن العقل قد عرف حكمة الخالق سبحانه، وأنه لا خلل فيها ولا نقص، فأوجبت عليه هذه المعرفة بالتسليم (٤) لما خفي عنه، ومتى اشتبه علينا أمر في فرع لم يجز أن يحكم على الأصل بالبطلان. ثم قد ظهرت حكمة ذلك؛ فإنا نعلم أن الحيوان يفضل على الجماد، ثم الناطق أفضل مما ليس بناطق؛ بما أوتي من الفهم والفطنة والقوى النظرية والعملية، وحاجة هذا الناطق إلى بقائه مهمة ولا يقوم في إبقاء القوى مقام اللحم شيء، فلا يستطرف تناول القوي الضعيف وما فيه فائدة عظيمة لما قلت فائدته، وإنما خلق الحيوان البهيم للحيوان الكريم، فلو لم يذبح كثر وضاق به المرعى، ومات فتأذى الحيوان الكريم بجيفته، فلم يكن لإيجاده فائدة.

стр. 210

فأما ألم الذبح فإنه يسير (١)، وقد قيل: لا يوجد أصلا، لأن الحساس للألم أغشية الدماغ، لأن فيه الأعصاب الحساسة، ولذلك إذا أصابتها آفة من صرع أو سكتة لم يحس الإنسان بألم، فإذا قطعت الأوداج سريعا لم يصل ألم الجسم إلى محل الحس، ولهذا قال ﵇: "إذا ذبح أحدكم فليحد شفرته وليرح ذبيحته" (٢). الشبهة السادسة (٣): قالوا: ربما يكون أهل الشرائع قد ظفروا بخواص من حجارة وخشب.

стр. 211

والجواب: أن هذا كلام ينبغي أن يُسْتَحْيَا من إيراده فإنه لم يبق شيء من العقاقير إلا وقد وضحت خواصها وبان سرها، فلو ظفر واحد منهم بشيء وأظهر خاصيته لوقع الإنكار من العلماء بتلك الخواص، وقالوا: هذا ليس منك إنما هذه خاصية في هذا. ثم إن المعجزات ليست نوعا واحدا، بل هي بين صخرة خرجت منها ناقة، وعصا انقلبت حية، وحجر تفجر عيونا، وهذا القرآن الذي له منذ نزل دُوَيْن (١) الستمائة سنة، فالأسماع تدركه، والأفكار تتدبره والتحدي به على الدوام، ولم يقدر أحد على مداناة سورة منه، فأين هذا والخاصية والسحر والشعبذة؟ قال أبو الوفاء علي بن عقيل ﵁: ضنيت قلوب أهل الإلحاد لانتشار كلمة الحق وثبوت الشرائع بين الخلق والامتثال لأوامرها كابن الريوندي ومن شاكله كأبي العلاء، ثم مع ذلك لا يرون لمقالتهم نباهةً ولا أثرا، بل الجوامع تتدفق زحاما والأذانات تملأ أسماعهم بالتعظيم لشأن النبي ﷺ والإقرار بما جاء به، وإنفاق الأموال والأنفس في الحج مع ركوب الأخطار ومعاناة الأسفار ومفارقة الأهل والأولاد، فجعل بعضهم يَنْدَسُّ في أهل النقل فيضع المفاسد على الأسانيد ويضع السِيَر والأخبار، وبعضهم يروي ما يقارب المعجزات من ذكر خواص في أحجار وخوارق للعادات في بعض البلاد وأخبار عن الغيوب عن كثير من الكهنة (٢) والمنجمين (٣)، ويبالغ في تقرير ذلك حتى قالوا إن سطيحا قال في الخبئ الذي خبئ

стр. 212

له: حبة بر، في إحليل مُهْرٍ، والأسود كان يعظ ويقول الشيء قبل كونه. وهاهنا اليوم مُعزِّمون (١) يكلمون الجني الذي في باطن المجنون فيكلمهم بما كان ويكون، وما شاكل ذلك من الخرافات فمن رأى مثل هذا قال لقلة عقله وقلة تلمحه لقصد هؤلاء الملحدة: وهل ما جاءت به النبوات إلا مقارب هذا؟! وليس قول الكاهن: حبة بر في إحليل مهر، وقد أخفيت هذا الإخفاء بأكثر من قوله: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩]. وهل بقي لهذا وقع في القلوب وهذا التقويم ينطق بالمنع من الركوب اليوم؟! وهل ترك تلمح هذا إلا الغبي! والله ما قصدوا بذلك إلا قصدا ظاهرا ولمحوا لمحًا جليًا فقالوا: تعالوا نكثر الجولات على البلاد والأشخاص والنجوم والخواص ولا يخلوا مع الكثرة من مصادفة الاتفاق لواحدة من هذه، فيصدق بها الكل، ويبطل أن يكون ما جاء به الأنبياء خرقا للعادات. ثم دس قوم من الصوفية أن فلانا أهوى بإنائه إلى دجلة فامتلأ ذهبا فصار هذا كالعادة بطريق الكرامات من المتصوفين، وبطريق العادات في حق المنجمين، وبطريق الخواص في حق الطبائعيين، وبطريق الكهانة في حق المعزمين والعرافين (٢)،

стр. 213

فأي حكم بقي لقول عيسى ﵇: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩]! وأي خرق بقي للعادات! وهل العادات إلا استمرار الوجود، وكثرة الحصول، فإذا نبههم العاقل المتدين على ما في هذا من الفساد قال الصوفي: أتنكر كرامات الأولياء (١)؟! وقال أهل الخواص: أتنكر المغناطيس الذي يجذب الحديد؟ والنعامة تبلع النار (٢)؟ فسكت عن جحد ما لم يكن لأجل ما كان فَوَيْلٌ للمحق معهم. هذا والباطنية من جانب والمنجمون من جانب مع أرباب المناصب لا يعقدون ولا يحلون إلا بقولهم، فسبحان من يحفظ هذه الملة ويعلي كلمتها حتى إن كل الطوائف تحت قهرها؛ إقبالا من الله على حراسة النبوات، وقمعا لأهل المحال (٣). فصل ومن الهند البراهمة قوم قد حسَّن لهم إبليس أن يتقربوا بإحراق نفوسهم، فيحفر للإنسان منهم أخدود، ويجتمع الناس، فيجيء مضمخا بالخلوق (٤) والطيب،

стр. 214

وتضرب المعازف والطبول والصنوج، ويقولون: طوبى لهذه النفس التي تعلق إلى الجنة! ويقول هو: ليكن هذا القربان مقبولا ويكون ثوابي الجنة! ثم يلقي نفسه في الأخدود فيحترق، فإن هرب نابذوه ونفوه وتبرؤوا منه حتى يعود. ومنهم من يُحمى له الصخر، فلا يزال يلزم صخرة صخرة حتى يَثْقُب جوفه ويَخْرُج مِعَاه فيموت، ومنهم من يقف قريبا من النار إلى أن يسيل وَدَكُه (١) فيسقط. ومنهم من يقطع من ساقه وفخذه قطعا ويلقيها إلى النار، والناس يُزَكُّونه ويمدحونه ويسألون مثل مرتبته حتى يموت. ومنهم من يقف في أخثاء (٢) البقر إلى ساقه، ويشعل فيه النار فيحترق. ومنهم من يعبد الماء (٣) ويقول: هو حياة كل شيء فيسجد له، ومنهم من يحفر له أخدود قريبا من الماء، فيقع في الأخدود حتى إذا التهب قام فانغمس في الماء ثم رجع إلى الأخدود حتى يموت، فإن مات بينهما حزن أهله وقالوا: حُرِمَ الجنة، وإن مات في أحدهما شهدوا له بالجنة. ومنهم من تزهق نفسه بالجوع والعطش، فيسقط أولًا عن المشي، ثم عن الجلوس، ثم ينقطع كلامه، ثم تبطل حواسه، ثم تبطل حركته، ثم يخمد؟. ومنهم من يهيم في الأرض حتى يموت، ومنهم من يُغْرِق نفسه في النهر. ومنهم من لا يأتي النساء ولا يواري إلا العورة. ولهم جبل شاهق تحته شجرة وعندها رجل بيده كتاب يقرأ فيه يقول: طوبى لمن ارتقى هذا الجبل وبَعَجَ بطنه وأخرج مِعَاه بيده.

стр. 215

ومنهم من يأخذ الصخور فَرَضَّ (١) بها جسده حتى يموت، والناس يقولون: طوبى لك! وعندهم نهران فيخرج أقوام من عُبَّادهم يوم عيدهم، وهناك رجال فيأخذون ما على العباد من الثياب ويبطحونهم فيقطعونهم نصفين، ثم يلقون أحد النصفين في نهر، والنصف الآخر في نهر، ويزعمون أنهما يجريان إلى الجنة! ومنهم من يخرج إلى براح ومعه جماعة يدعون له ويهنئونه بنيته، فإذا أصحر جلس وجُمِعَ له سباع الطير من كل جهة، فيتجرد من ثوبه ثم يمتد والناس ينظرون إليه فتبتدره الطير فتأكله، فإذا تفرقت الطير جاءت الجماعة وأخذوا عظامه وأحرقوها وتبركوا بها .. في أفعال طويلة قد ذكرها أبو محمد النُّوبَخْتي (٢) يضيع الزمان في كتابتها. والعجب أن الهند تؤخذ عنهم الحكمة (٣)، ولهم دقائق الأعمال، فسبحان من أعمى قلوبهم حتى قادهم إبليس هذا المقاد! قال: وفيهم من يزعم أن الجنة ثنتان وثلاثون مرتبة، وأن مكث أهل الجنة في أدنى مرتبة منها أربع مائة ألف وثلاثة وثلاثون ألفا وستمائة وعشرون سنة، وكل
следующие страницы →