← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11302

تلبيس إبليس - ت المزيد والسحيباني

ابن الجوزي

Полный текст (915 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

والجواب: أن هذا كلام ينبغي أن يُسْتَحْيَا من إيراده فإنه لم يبق شيء من العقاقير إلا وقد وضحت خواصها وبان سرها، فلو ظفر واحد منهم بشيء وأظهر خاصيته لوقع الإنكار من العلماء بتلك الخواص، وقالوا: هذا ليس منك إنما هذه خاصية في هذا. ثم إن المعجزات ليست نوعا واحدا، بل هي بين صخرة خرجت منها ناقة، وعصا انقلبت حية، وحجر تفجر عيونا، وهذا القرآن الذي له منذ نزل دُوَيْن (١) الستمائة سنة، فالأسماع تدركه، والأفكار تتدبره والتحدي به على الدوام، ولم يقدر أحد على مداناة سورة منه، فأين هذا والخاصية والسحر والشعبذة؟ قال أبو الوفاء علي بن عقيل ﵁: ضنيت قلوب أهل الإلحاد لانتشار كلمة الحق وثبوت الشرائع بين الخلق والامتثال لأوامرها كابن الريوندي ومن شاكله كأبي العلاء، ثم مع ذلك لا يرون لمقالتهم نباهةً ولا أثرا، بل الجوامع تتدفق زحاما والأذانات تملأ أسماعهم بالتعظيم لشأن النبي ﷺ والإقرار بما جاء به، وإنفاق الأموال والأنفس في الحج مع ركوب الأخطار ومعاناة الأسفار ومفارقة الأهل والأولاد، فجعل بعضهم يَنْدَسُّ في أهل النقل فيضع المفاسد على الأسانيد ويضع السِيَر والأخبار، وبعضهم يروي ما يقارب المعجزات من ذكر خواص في أحجار وخوارق للعادات في بعض البلاد وأخبار عن الغيوب عن كثير من الكهنة (٢) والمنجمين (٣)، ويبالغ في تقرير ذلك حتى قالوا إن سطيحا قال في الخبئ الذي خبئ

стр. 212

له: حبة بر، في إحليل مُهْرٍ، والأسود كان يعظ ويقول الشيء قبل كونه. وهاهنا اليوم مُعزِّمون (١) يكلمون الجني الذي في باطن المجنون فيكلمهم بما كان ويكون، وما شاكل ذلك من الخرافات فمن رأى مثل هذا قال لقلة عقله وقلة تلمحه لقصد هؤلاء الملحدة: وهل ما جاءت به النبوات إلا مقارب هذا؟! وليس قول الكاهن: حبة بر في إحليل مهر، وقد أخفيت هذا الإخفاء بأكثر من قوله: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩]. وهل بقي لهذا وقع في القلوب وهذا التقويم ينطق بالمنع من الركوب اليوم؟! وهل ترك تلمح هذا إلا الغبي! والله ما قصدوا بذلك إلا قصدا ظاهرا ولمحوا لمحًا جليًا فقالوا: تعالوا نكثر الجولات على البلاد والأشخاص والنجوم والخواص ولا يخلوا مع الكثرة من مصادفة الاتفاق لواحدة من هذه، فيصدق بها الكل، ويبطل أن يكون ما جاء به الأنبياء خرقا للعادات. ثم دس قوم من الصوفية أن فلانا أهوى بإنائه إلى دجلة فامتلأ ذهبا فصار هذا كالعادة بطريق الكرامات من المتصوفين، وبطريق العادات في حق المنجمين، وبطريق الخواص في حق الطبائعيين، وبطريق الكهانة في حق المعزمين والعرافين (٢)،

стр. 213

فأي حكم بقي لقول عيسى ﵇: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩]! وأي خرق بقي للعادات! وهل العادات إلا استمرار الوجود، وكثرة الحصول، فإذا نبههم العاقل المتدين على ما في هذا من الفساد قال الصوفي: أتنكر كرامات الأولياء (١)؟! وقال أهل الخواص: أتنكر المغناطيس الذي يجذب الحديد؟ والنعامة تبلع النار (٢)؟ فسكت عن جحد ما لم يكن لأجل ما كان فَوَيْلٌ للمحق معهم. هذا والباطنية من جانب والمنجمون من جانب مع أرباب المناصب لا يعقدون ولا يحلون إلا بقولهم، فسبحان من يحفظ هذه الملة ويعلي كلمتها حتى إن كل الطوائف تحت قهرها؛ إقبالا من الله على حراسة النبوات، وقمعا لأهل المحال (٣). فصل ومن الهند البراهمة قوم قد حسَّن لهم إبليس أن يتقربوا بإحراق نفوسهم، فيحفر للإنسان منهم أخدود، ويجتمع الناس، فيجيء مضمخا بالخلوق (٤) والطيب،

стр. 214

وتضرب المعازف والطبول والصنوج، ويقولون: طوبى لهذه النفس التي تعلق إلى الجنة! ويقول هو: ليكن هذا القربان مقبولا ويكون ثوابي الجنة! ثم يلقي نفسه في الأخدود فيحترق، فإن هرب نابذوه ونفوه وتبرؤوا منه حتى يعود. ومنهم من يُحمى له الصخر، فلا يزال يلزم صخرة صخرة حتى يَثْقُب جوفه ويَخْرُج مِعَاه فيموت، ومنهم من يقف قريبا من النار إلى أن يسيل وَدَكُه (١) فيسقط. ومنهم من يقطع من ساقه وفخذه قطعا ويلقيها إلى النار، والناس يُزَكُّونه ويمدحونه ويسألون مثل مرتبته حتى يموت. ومنهم من يقف في أخثاء (٢) البقر إلى ساقه، ويشعل فيه النار فيحترق. ومنهم من يعبد الماء (٣) ويقول: هو حياة كل شيء فيسجد له، ومنهم من يحفر له أخدود قريبا من الماء، فيقع في الأخدود حتى إذا التهب قام فانغمس في الماء ثم رجع إلى الأخدود حتى يموت، فإن مات بينهما حزن أهله وقالوا: حُرِمَ الجنة، وإن مات في أحدهما شهدوا له بالجنة. ومنهم من تزهق نفسه بالجوع والعطش، فيسقط أولًا عن المشي، ثم عن الجلوس، ثم ينقطع كلامه، ثم تبطل حواسه، ثم تبطل حركته، ثم يخمد؟. ومنهم من يهيم في الأرض حتى يموت، ومنهم من يُغْرِق نفسه في النهر. ومنهم من لا يأتي النساء ولا يواري إلا العورة. ولهم جبل شاهق تحته شجرة وعندها رجل بيده كتاب يقرأ فيه يقول: طوبى لمن ارتقى هذا الجبل وبَعَجَ بطنه وأخرج مِعَاه بيده.

стр. 215

ومنهم من يأخذ الصخور فَرَضَّ (١) بها جسده حتى يموت، والناس يقولون: طوبى لك! وعندهم نهران فيخرج أقوام من عُبَّادهم يوم عيدهم، وهناك رجال فيأخذون ما على العباد من الثياب ويبطحونهم فيقطعونهم نصفين، ثم يلقون أحد النصفين في نهر، والنصف الآخر في نهر، ويزعمون أنهما يجريان إلى الجنة! ومنهم من يخرج إلى براح ومعه جماعة يدعون له ويهنئونه بنيته، فإذا أصحر جلس وجُمِعَ له سباع الطير من كل جهة، فيتجرد من ثوبه ثم يمتد والناس ينظرون إليه فتبتدره الطير فتأكله، فإذا تفرقت الطير جاءت الجماعة وأخذوا عظامه وأحرقوها وتبركوا بها .. في أفعال طويلة قد ذكرها أبو محمد النُّوبَخْتي (٢) يضيع الزمان في كتابتها. والعجب أن الهند تؤخذ عنهم الحكمة (٣)، ولهم دقائق الأعمال، فسبحان من أعمى قلوبهم حتى قادهم إبليس هذا المقاد! قال: وفيهم من يزعم أن الجنة ثنتان وثلاثون مرتبة، وأن مكث أهل الجنة في أدنى مرتبة منها أربع مائة ألف وثلاثة وثلاثون ألفا وستمائة وعشرون سنة، وكل

стр. 216

مرتبة أضعاف أضعاف ما دونها، وأن النار اثنتان وثلاثون مرتبة، منها ست عشرة مرتبة فيها الزمهرير وصنوف عذابه، وست عشرة مرتبة فيها الحريق وصنوف عذابه. ذكر تلبيس إبليس على اليهود قد لبس عليهم في أشياء كثيرة نذكر منها نبذة ليستدل بها على تلك: • فمن ذلك: تشبيههم الخالق بالخلق (١). ولو كان يشبههم لجاز عليه ما يجوز عليهم! وحكى أبو عبد الله بن حامد من أصحابنا أن اليهود تزعم أن الإله المعبود رجل من نور على كرسي من نور، على رأسه تاج من نور، وله أعضاء كما للآدميين.

стр. 217

• ومن ذلك: قولهم: عزير ابن الله. ولو فهموا أن حقيقة البنوة لا تكون إلا بالتبعيض، والخالق ليس بذي أبعاض؛ لأنه ليس بمؤلف (١) لم يثبتوا بنوة، ثم إن الولد في معنى الوالد، وقد كان عزير لا يقوم يقوم إلا بالطعام، والإله من قامت به الأشياء لا من قام بها، والذي دعاهم إلى هذا مع جهلهم بالحقائق أنهم رأوه قد عاد بعد الموت وقرأ التوراة من حفظه (٢)، فتكلموا بذلك على ظنونهم الفاسدة. ويدل على أن القوم كانوا في بعد من الذهن أنهم لما رأوا أثر القدرة في فَرْقِ البحر لهم ثم مروا على أصنام طلبوا مثلها فقالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، فلما زجرهم موسى عن ذلك بقي في نفوسهم فظهر المستور بعبادتهم العجل، والذي حملهم على هذا شيئان: ° أحدهما: جهلهم بالخالق. ° والثاني: أنهم أرادوا ما يسكن إليه الحس؛ لغلبة الحس عليهم وبُعْد العقل عنهم، ولولا جهلهم بالمعبود ما اجترؤوا عليه بالكلمات القبيحة كقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤].

стр. 218

• ومن تلبيسه عليهم: أنهم قالوا: لا يجوز نسخ الشرائع (١)، وقد علموا أن من دين آدم جواز نكاح الأخوات، وذوات المحارم (٢)، والعمل في يوم السبت، ثم نسخ ذلك بشريعة موسى، قالوا: إذا أمر الله بشيء كان حكمه، ولا يجوز تغييره. قلنا: قد يكون التغيير في بعض الأوقات حكمة: فإن تقلب الآدمي من صحة إلى مرض إلى موت كله حكمة، وقد حظر عليكم العمل يوم السبت وأطلق لكم يوم الأحد، وهذا من جنس ما أنكرتم! وقد أمر الله إبراهيم بذبح ابنه ثم نهاه عن ذلك. • ومن تلبيسه عليهم أنهم قالوا: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، وهي الأيام التي عبدنا فيها العجل، وفضائحهم كثيرة .. ثم حملهم إبليس على العناد المحض؛ فجحدوا ما في كتابهم من صفة نبينا محمد ﷺ وغيَّروا ذلك (٣)، وقد أمروا أن يؤمنوا به، ورضوا بعذاب الآخرة، فعلماؤهم

стр. 219

عاندوا وجهالهم قلدوا. ثم العجب أنهم غيروا ما أمروا به وحرفوا، ودانوا بما يريدون، فأين أثر العبودية ممن يترك الأمر ويعمل بالهوى! غير أنهم كانوا يخالفون موسى ويعيبونه (١)، حتى قالوا: هو آدر (٢). واتهموه بقتل هارون (٣)، واتهموا داود بزوجة أوريا (٤). أخبرنا محمد بن عبد الباقي البزاز، قال: أخبرنا الحسن بن على الجوهري، قال: أنا أبو عمر ابن حَيُّوَيْه، قال: أنا ابن معروف، قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا علي بن محمد عن علي بن مجاهد، عن محمد بن

стр. 220

إسحاق، عن سالم مولى عبد الله بن مطيع، عن أبي هريرة قال: "أتى رسول الله ﷺ بيت المِدْرَاس (١) فقال: "أخرجوا إلي أعلمكم"، فقالوا: عبد الله بن صوريا، فخلا به فناشده بدينه وبما أنعم الله عليهم وأطعمهم من المن والسلوى وظللهم به من الغمام: "أتعلم أني رسول الله؟ "، قال: اللهم نعم! وإن القوم ليعرفون ما أعرف وإن نعتك وصفتك لمبيَّن في التوراة ولكنهم حسدوك. قال: "فما يمنعك أنت؟ "، قال: أكره خلاف قومي، وعسى أن يتبعوك ويسلموا فأسلم) (٢). أخبرنا هبة الله بن محمد بن عبد الواحد، قال: أخبرنا الحسن بن علي، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: نا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: نا يعقوب، قال: نا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني صالح بن عبد الرحمن بن عوف، عن محمود بن لبيد، عن سلمة بن سلامة بن وقش، قال: كان لنا جار من اليهود في بني عبد الأشهل قال: فخرج علينا يومًا من بيته قبل مبعث النبي ﷺ حتى وقف على مجلس بني عبد الأشهل، قال سلمة: وأنا يومئذ أحدث من فيه سنًّا، عليَّ بردة مضطجعًا فيها بفناء أهلي، فذكر البعث والقيامة والحساب والميزان والجنة والنار، فقال: ذلك القوم أهل شرك وأصحاب أوثان لا يرون أن بعثًا كائن بعد الموت، فقالوا له: ويحك يا فلان! ترى هذا كائنًا أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم؟ قال: نعم، والذي يحلف به يود أحدهم أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدار يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطبقونه عليه وأن ينجو من تلك النار غدا، قالوا له: ويحك وما آية ذلك؟ قال: نبي مبعوث من نحو هذه

стр. 221

البلاد وأشار بيده نحو مكة واليمن، قالوا: ومتى تراه؟ قال: فنظر إلي وأنا أحدثهم سنًّا فقال: إن يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه، قال سلمة: فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله ﷺ وهو حي بين أظهرنا فآمنا به وكفر به بغيًّا وحسدًا، فقلنا: ويلك يا فلان! ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال: بلى ولكن ليس به (١). ذكر تلبيسه على النصارى تلبيسه عليهم كثير: • فمن ذلك أنه أوهمهم أن الخالق سبحانه جوهر (٢)، فقالت اليعقوبية (٣) (أصحاب يعقوب)، والملكية (٤) (أهل دين الملك)، والنسطورية (٥) (أصحاب

стр. 222

نسيطورس): إن الله جوهر واحد أقانيم ثلاثة، فهو واحد في الجوهرية، ثلاثة في الأقنومية (١)، وأحد الأقانيم عندهم: الأب، والآخر: ابن، والآخر: روح القدس (٢)، فبعضهم يقول: الأقانيم خواص، وبعضهم يقول: صفات، وبعضهم يقول: أشخاص (٣).

стр. 223

وهؤلاء قد نسوا أنه لو كان الإله جوهرًا لجاز عليه ما يجوز على الجواهر من التحيز بمكان والتحرك والسكون والألوان (١)! • ثم سول لبعضهم أن المسيح هو الله، قال أبو محمد النُّوبَخْتي: زعمت الملكية واليعقوبية أن الذي ولدت مريم هو الإله، وسول الشيطان لبعضهم أن المسيح ابن الله، وقال بعضهم: المسيح جوهران: أحدهما: قديم، والآخر: محدث. ومع قولهم هذا في المسيح يقرون بحاجته إلى الطعام، ولا يختلفون في أنه صلب ولم يقدر على الدفع عن نفسه، ويقولون: إنما فعل هذا بالناسوت. (٢) فهلا دفع عن الناسوت ما فيه من اللاهوت (٣)! • ثم لبس عليهم أمر نبينا ﷺ حتى جحدوه بعد ذكره في الإنجيل (٤)، ومن

стр. 224

الكتابيين من يقول عن نبينا ﷺ إنه نبي إلا أنه مبعوث إلى العرب خاصة (١)، وهذا تلبيس من إبليس استغفلهم فيه؛ لأنه متى ثبت أنه نبي، فالنبي لا يكذب، وقد قال: "بعثت إلى الناس كافة" (٢)، وقد كتب إلى قيصر (٣) وكسرى (٤) وسائر ملوك الأعاجم (٥). • ومن تلبيس إبليس على اليهود والنصارى أنهم قالوا: لا يعذبنا الله لأجل أسلافنا، فمنا الأنبياء والأولياء، فأخبرنا الله عنهم بذلك: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، أي: منا ابنه عزير وعيسى. وكشف هذا التلبيس: أن كل شخص مطالب بحق الله عليه، ولا يدفعه عنه ذو قرابته، ولو تعدت المحبة لشخص إلى غيره لموضع القرابة لتعدى البعض، وقد

стр. 225

قال نبينا ﷺ لابنته فاطمة: "لا أغني عنك من الله شيئًا" (١)، وإنما فضل المحبوب بالتقوى فمن عدمها عدم المحبة، ثم إن محبة الله تعالى للعبد ليست بشغف كمحبة الآدميين بعضهم بعضًا (٢)، إذ لو كانت كذلك كان الأمر يحتمل. ذكر تلبيسه على الصابئين أصل هذه الكلمة -أعني: الصابئين- من قولهم: صبأت إذا خرجت من شيء إلى شيء، وصبأت النجوم: إذا ظهرت، وصبأ نابه: إذا خرج، والصابئون: الخارجون من دين إلى دين (٣)، وللعلماء في مذهبهم عشرة أقوال (٤): أحدها: أنهم قوم بين النصارى والمجوس، رواه سالم عن سعيد بن جبير، وليث عن مجاهد (٥). والثاني: أنهم بين اليهود والمجوس، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد (٦).

стр. 226

والثالث: أنهم بين اليهود والنصارى، رواه القاسم بن أبي بزة عن مجاهد (١). والرابع: أنهم صنف من النصارى ألين قولًا منهم، رواه أبو صالح عن ابن عباس (٢). والخامس: أنهم قوم من المشركين لا كتاب لهم، رواه القاسم أيضا عن مجاهد (٣). والسادس: أنهم كالمجوس قاله الحسن (٤). والسابع: أنهم فرقة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور، قاله أبو العالية (٥). والثامن: أنهم قوم يصلون للقبلة ويعبدون الملائكة ويقرؤون الزبور (٦)، قاله قتادة ومقاتل.

стр. 227

والتاسع: أنهم طائفة من أهل الكتاب (١)، قاله السدي. والعاشر: أنهم كانوا يقولون: لا إله إلا الله، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي إلا قول لا إله إلا الله (٢)، قاله ابن زيد، هذه أقوال المفسرين (٣). فأما المتكلمون فقالوا: مذاهب الصابئين تختلف: ° فمنهم من يقول إن هناك هيولى كان لم يزل، ولم يزل يصنع الصانع العالم من ذلك الهيولى (٤). ° وقال أكثرهم: العالم محدث وسمّوا الكواكب ملائكة، وسماها قوم منهم آلهة، وعبدوها (٥) وبنوا لها بيوت عبادات (٦)، وهم يدعون أن بيت الله الحرام واحد منها، وهو بيت زحل.

стр. 228

° وزعم بعضهم أنه لا يوصف الله إلا بالنفي دون الإثبات، فيقال: ليس بمحدث ولا موات ولا جاهل ولا عاجز (١)، قالوا: لئلا يقع تشبيه. ولهم تعبدات في شرائع، منها: - أنهم زعموا أن عليهم ثلاث صلوات في كل يوم، أولها: ثمان ركعات وثلاث سجدات في كل ركعة، وانقضاء وقتها عند طلوع الشمس، والثانية: خمس ركعات، والثالثة: كذلك. - وعليهم صيام شهر: أوله لثمان ليال تمضي من آذار، وسبعة أيام أولها لتسع بقين من كانون الأول، وسبعة أيام أولها لثمان ليال يمضين من شباط، ويختمون صيامهم بالصدقة والذبائح، وحرموا لحم الجزور في خرافات يضيع الزمان بذكرها (٢). - وزعموا أن الأرواح الخيرة تصعد إلى الكواكب الثابتة وإلى الضياء، وأن الشريرة تنزل إلى أسفل الأرض وإلى الظلمة (٣). ° وبعضهم يقول: هذا العالم لا يفنى وأن الثواب والعقاب في التناسخ (٤).

стр. 229

ومثل هذه المذاهب لا يحتاج إلى تكلف ردها إذ هي دعاوى بلا دليل! وقد حسن إبليس لقوم من الصابئين أنهم رأوا الكمال يحصل مناسبة بينهم وبين الروحانيات العلوية باستعمال الطهارات وقوانين ودعوات، واشتغلوا بالتنجيم والتبخير، وقالوا: لابد من متوسط بين الله وبين خلقه من تعريف المعارف والإرشاد للمصالح، إلا أن ذلك المتوسط ينبغي أن يكون روحانيا لا جسمانيا، قالوا: فنحن نحصل لأنفسنا مناسبة قدسية بيننا؛ فيكون ذلك وسيلة لنا إليه (١)، وهؤلاء ينكرون بعث الأجساد (٢). ذكر تلبيس إبليس على المجوس (٣) قال يحى بن بشر بن عمير النهاوندي: كان أول ملوك المجوس كومرث (٤) فجاءهم بدينهم، ثم تتابع المدعون للنبوة فيهم حتى اشتهر بها زرادشت، وكانوا يقولون إن الله شخص روحاني ظهر فظهرت معه الأشياء روحانية تامة فقال: لا

стр. 230

يتهيأ لغيري أن يبدع مثل هذه التي ابتدعتها! فتولد من فكرته هذه ظلمة؛ إذ كان فيها جحود لقدرة غيره، فقامت الظلمة تغالبه (١). وكان مما سنَّهُ زرادشت: عبادة النار، والصلاة إلى الشمس (٢) يتأولون فيها أنها ملكة العالم وهي التي تأتي بالنهار وتذهب بالليل وتحيي النبات (٣) والحيوانات وترد الحرارات إلى أجسادها. وكانوا لا يدفنون موتاهم في الأرض؛ تعظيما لها، ويقولون منها نشوء الحيوانات ولا نقذرها، وكانوا لا يغتسلون بالماء؛ تعظيما له (٤)، وقالوا لأن به حياة كل كل شيء، إلا أن يستعملوا قبله بول البقر ونحوه، ولا يبزقون فيه. ولا يرون قتل الحيوانات ولا ذبحها، وكانوا يغسلون وجوههم ببول البقر تبركا به (٥)، وإذا كان عتيقا كان أكثر بركةً، ويستحلون فروج الأمهات (٦)، قالوا: الابن أحرى بتسكين شهوة أمه، وإذا مات الزوج فابنه أولى بالمرأة، فإن لم يكن ابن، اكتُرِي رجل من مال الميت، ويجيزون للرجل أن يتزوج بمائة وألف، وإذا أرادت الحائض أن تغتسل دفعت دينارا إلى الهربذ (٧) فيحملها إلى بيت النار ويقيمها على أربع وينظفها بسبَّابته.

стр. 231

وأظهر هذا الأمر مَزْدَك في أيام قُبَاذ، وأباح النساء لكل من شاء (١)، ونكح نساء قُبَاذ لتقتدي به العامة؛ فيفعلوا بالنساء مثله، فلما بلغ إلى أم أنوشروان قال لقُبَاذ: أخرجها إلي، فإنك إن منعتني شهوتي لم يتم إيمانك، فهَمَّ بإخراجها فجعل أنوشروان يبكي بين يدي مَزْدَك ويقبل رجله بين يدي أبيه قُبَاذ ويسأله أن يهب له أمه، فقال قُبَاذ لمَزْدَك: ألست تزعم أن المؤمن لا ينبغي أن يرد عن شهوته؟ قال: بلى. قال: فلم ترد أنوشروان عن شهوته؟! قال: قد وهبتها له (٢). ثم أطلق للناس أكل الميتة، فلما ولى أنوشروان أفنى المَزْدَكية (٣) (٤). قال: ومن أقوال المجوس: إن الأرض لا نهاية لها من أسفلها، وإن السماء خلقت من جلود الشياطين، والرعد إنما هو خرخرة العفاريت المحبوسة في الأفلاك، المأسورة في جرب حرث، والجبال من عظامهم، والبحور من أبوالهم ومائهم. ونبع للمجوس رجل في زمان انتقال دولة بني أمية إلى بني العباس، فاستغوى خلقا، وجرت له قصص يطول الأمر بذكرها فهو آخر من ظهر للمجوس (٥).

стр. 232

وقد ذكر بعض العلماء أنه كان للمجوس كتب يدرسونها، وأنهم أحدثوا دينًا فرُفِعَتْ كُتبهُم (١). ومن أظرف تلبيس إبليس عليهم أنهم رأوا في الأفعال خيرًا وشرًّا، فسوَّل لهم أن فاعل الخير لا يفعل الشر، فأثبتوا إلهين، وقالوا: أحدهما نور حكيم لا يفعل إلا الخير، والآخر شيطان هو ظلمة لا يفعل إلا الشر، على نحو ما ذكرنا عن الثنوية (٢). وقد سبق ذكر شبههم وجوابها، وقال بعضهم: الباري قديم، ولا يكون منه إلا الخير، والشيطان محدث ولا يكون منه إلا الشر. فيقال لهم: إذا أقررتم بأن النور خلق الشيطان فقد خلق رأس الشر. وزعم بعضهم أن الخالق الذي هو النور تفكر فكرة رديئة، فقال: أخاف أن يحدث في ملكي من يضادني، وكانت فكرة رديئة فحدث منها إبليس، فرضي إبليس أن ينسب إلى الرداءة بعد إثبات أنه شريك. وحكى النُّوبَخْتي أن بعضهم قال: إن الخالق شك في شيء فكان الشيطان من ذلك الشك (٣)، قال: وزعم بعضهم أن الإله والشيطان جسمان قديمان، بينهما فضاء، وكانت الدنيا سليمة من آفة، والشيطان بمعزل عنها، فاحتال إبليس حتى خرق السماء بجنوده، فهرب الرب عن قولهم- بملائكته، فاتبعه إبليس حتى حاصره وحاربه ثلاثة آلاف سنة لا هو يصل إليه ولا الرب يدفعه، ثم صالحه على أن

стр. 233

يكون إبليس وجنوده بالدنيا سبعة آلاف سنة، ورأى الرب أن الصلاح في احتمال مكروه إبليس إلى أن ينقضي الشرط، فالناس في البلايا إلى انقضائه ثم يعودون إلى النعيم، وشَرَطَ إبليس عليه أن يمكَّنه من أشياء رديئة يوقعها في هذا العالم، وأنهما لما فرغا من شرطهما أشهدا عدلين ودفعا سيفيهما إلى العدل، قالا: من نكث قتلناه بسيفه. في هذيانات كثيرة يضيع الوقت بذكرها فتنكبناها لذلك، ولولا ذكر (١) ما انتهى تلبيس إبليس إليه ما آثرنا ذكر شيء من هذا التخليط. والعجب أنهم يجعلون الخالق خيرًا ثم يزعمون أنه حدثت له فكرة رديئة، فعلى قولهم يجوز أن يحدث من فكرة إبليس ملك! ثم يقال لهم: أيجوز أن يفي الشيطان بما ضمن؟ فإن قالوا: لا. قيل لهم: فلا يليق بالحكمة استيفاؤه. وإن قالوا: نعم. فقد أقروا بوجود الوفاء المحمود من الشرير (٢). وكيف أطاع الشيطان العدلين وقد عصى ربه؟! وكيف يجوز القتل على الإله؟! وهذه خرافات لولا التفرج فيما صنعه إبليس بالعقول ما كان لذكرها معنى. ذكر تلبيسه على المنجمين وأصحاب الفلك قال أبو محمد النُّوبَخْتي: ذهب قوم إلى أن، الفلك قديم لا صانع له (٣). قال: وحكى جالينوس عن قوم أنهم قالوا: زحل وحده قديم (٤). وزعم قوم أن الفلك

стр. 234

طبيعة خامسة (١)، ليست فيه حرارة ولا برودة ولا رطوبة ولا يبوسة، وليس بخفيف ولا ثقيل، وكان بعضهم يرى أن الفلك جوهر ناري، وأنه اختطف من الأرض بقوة دورانه. وقال بعضهم: الكواكب من جسم يشابه الحجارة. وقال بعضهم: هي من غيم يطفأ كل يوم وتستنير بالليل، مثل الفحم يشتعل وينطفئ. وقال بعضهم: جسم القمر مركب من نار وهواء. وقال آخرون: الفلك من الماء والريح والنار، وأنه بمنزلة الكرة، وأنه يتحرك حركتين: من المشرق إلى المغرب، ومن المغرب إلى المشرق. قالوا: وزحل يدور الفلك في نحو من ثلاثين سنة، والمشتري في نحو من اثنتي عشرة سنة، والمريخ في نحو سنتين، والشمس والزهرة وعطارد في سنة، والقمر في ثلاثين يومًا (٢). وقال بعضهم: أفلاك الكواكب سبعة: فالذي يلينا فلك القمر، ثم فلك عطارد، ثم فلك الزهرة، ثم فلك الشمس، ثم فلك المريخ، ثم فلك المشتري، ثم فلك زحل، ثم فلك الكواكب الثابتة (٣). واختلفوا في مقادير أجرام الكواكب، فقال أكثر الفلاسفة: أعظمها جرمًا الشمس، وهو نحو من مائة وست وستين مرة مثل الأرض (٤)، والكواكب الثابتة

стр. 235

مقدار كل واحد منها نحو من أربع وتسعين مرة مثل الأرض (١)، والمشتري نحو من اثنتين وثمانين مرة مثل الأرض (٢)، والمريخ نحو من مرة ونصف مثل الأرض (٣)، قالوا: ومن كل موضع من أعلى الفلك إلى أن يعود إليه مائة ألف ألف فرسخ وستمائة ألف فرسخ وأربعة وستون فرسخا. وقال بعضهم: الفلك حي، والسماء حيوان، وفي كل كوكب نفس (٤). قال قدماء الفلاسفة (٥): والنجوم تفعل الخير والشر، وتعطي وتمنع على حسب طبائعها من السعود والنحس، وتؤثر في النفوس والأبدان، وإنها حية فعالة (٦). ذكر تلبيسه على جاحدى البعث قد لبَّس إبليس على خلق كثير فجحدوا البعث، واستهولوا الإعادة بعد البلاء، وأقام لهم شبهتين:

стр. 236

إحداهما: أنه أراهم ضعف المادة. والثانية: اختلاط الأجزاء المتفرقة في أعماق الأرض، قالوا: وقد يأكل الحيوان الحيوان فكيف يتهيأ إعادته؟! وقد حكى القرآن شبهتهم فقال تعالى في الأولى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥، ٣٦]، وقال في الثانية: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠]. وهذا كان مذهب أكثر الجاهلية قال قائلهم (١): يخبرنا الرسول بأَنْ سنحيا … وكيف حياة أصداء وهام وقال آخر (٢): حياةٌ ثم موتٌ ثم نشرٌ … حديثُ خُرافةَ يا أُمَّ عمرِو والجواب عن شبهتهم الأولى: أن ضعف المادة في الثانية وهو التراب يدفعه كون البداية من نطفة ومضغة وعلقة (٣). ثم إن أصل الآدميين -وهو آدم- من تراب، على أن الله سبحانه لم يخلق شيئًا مستحسنًا إلا من مادة سخيفة، فإنه أخرج هذا الآدمي من نطفة، والطاووس من

стр. 237

البيضة المذرة، والطاقة الخضراء من الحبة العفنة (١). فالنظر ينبغي أن يكون إلى قوة الفاعل وقدرته، لا إلى ضعف المواد، وبالنظر إلى قدرته يحصل جواب الشبهة الثانية. ثم قد أرانا كالأنموذج في جمع المتمزق: فإن سحالة (٢) الذهب المتفرقة في التراب الكثير إذا ألقي عليها قليل من زئبق اجتمع الذهب مع تبدده، فكيف بالقدرة الإلهية التي من تأثيرها خلق شيء لا من شيء! على أنا لو قدرنا أن هذا التراب غير ما استحالت إليه الأبدان لم يضر؛ لأن الآدمي بنفسه لا ببدنه، فإنه ينحل ويسمن ويتغير من صغر إلى كبر وهو هو. ومن أعجب الأدلة على البعث: أن الله تعالى قد أظهر على أيدي أنبيائه ما هو أعظم من البعث، وهو قلب العصا حيوانًا (٣)، وإخراج ناقة من صخرة (٤)، وأظهر حقيقة البعث على يد عيسى ﵇ (٥)، وقد زدنا هذا شرحًا في الرد على الفلاسفة (٦). فصل وقد لبس إبليس على أقوام شاهدوا قدرة الخالق سبحانه، ثم اعترضت لهم الشبهتان اللتان ذكرناهما فترددوا في البعث، فقال قائلهم: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾

стр. 238

[الكهف: ٣٦]، وقال العاص بن وائل: ﴿وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]، وإنما قالوا هذا لموضع شكهم، ولبَّس عليهم إبليس في ذلك، فقالوا: إن كان بعث فنحن على خير؛ لأن من أنعم علينا في الدنيا بالمال لا يمنعناه في الآخرة. وهذا غلط منهم، لأنه يجوز أن يكون الإعطاء استدراجًا أو عقوبة (١)، والإنسان قد يحمي ولده ويطلق في الشهوات عبده. ذكر تلبيسه على القائلين بالتناسخ وقد لبَّس إبليس على أقوام فقالوا بالتناسخ (٢)، وأن أرواح أهل الخير إذا خرجت دخلت في أبدان خيَّرة فاستراحت، وأرواح أهل الشر تدخل في أبدان شريرة فتحمل المشاق، وهذا المذهب (٣) ظهر في زمن فرعون موسى.

стр. 239

وذكر أبو القاسم البَلْخِي: أن أرباب التناسخ لما رأوا ألم الأطفال والسباع والبهائم، استحال عندهم أن يكون ألمها يمتحن به غيرها أو ليتعوض أولا لمعنى أكثر من أنها مملوكة، فصحَّ عندهم أن ذلك لذنوب سلفت منها قبل تلك الحال (١). وذكر يحيى بن بشر بن عمير النهاوندي أن الهند (٢) يقولون: الطبائع أربع: هيولى مركبة، ونفس، وعقل، وهيولى مرسلة. فالمركبة هي الرب الأصغر، والنفس هي الهيولى الأصغر، والعقل الرب الأكابر، والهيولى هو أيضا أكبر. وأن الأنفس إذا فارقت الدنيا صارت إلى الرب الأصغر وهو الهيولى المركب، فإن كانت محسنة صافية قبلها في طبعه، فصفاها حتى يخرجها إلى الهيولى الأصغر وهو النفس، ثم يصفي ذلك الروح بمجاورة النفس، حتى تصير إلى الرب الأكبر، فيخلصه إلى الهيولى الأكبر. فإن كان محسنا تام الإحسان أقام عنده في العالم البسيط، وإن كان محسنا غير تام أعاده إلى الرب الأكبر، ثم يعيده الرب الأكبر إلى الهيولى الأصغر، ثم يعيده الهيولى

стр. 240

الأصغر إلى الرب الأصغر، فيخرجه ممازجًا لشعاع الشمس حتى تقلبه حشيشة يأكلها الإنسان، فيتحول إنسانًا ويولد ثانية في العالم، وهكذا يكون حاله في كل موتة يموتها. وأما المسيئون فإنهم إذا بلغت نفوسهم إلى الهيولى الأصغر انعكست فصارت حشائش تأكلها البهائم، فتصير الروح في بهيمة، ثم تنسخ من بهيمة في أخرى عند موت تلك البهيمة، فلا يزال منسوخًا مترددًا في العالم، ويعود كل ألف سنة إلى صورة الإنس، وإن أحسن في صورة الإنس لحق بالمحسنين (١). قالل المصنف: قلت: انظر إلى هذه الترتيبات التي زينها لهم إبليس على ما عَنَّ له لا تستند إلى شئ! أنبأنا محمد بن أبي طاهر البزاز، قال أنبأنا علي بن المحسن، عن أبيه، قال: حدثني أبو الحسن علي بن نظيف المتكلم، قال: كان يحضر معنا ببغداد شيخ للإمامية يُعرف بأبي بكر بن الفلاس، فحدثنا أنه دخل على بعض من كان يعرفه بالتشيع، ثم صار يقول بمذهب أهل التناسخ، قال: فوجدته بين يديه سنور سوداء وهو يمسحها ويحك بين عينيها، ورأيتها وعينها تدمع كما جرت عادة السنانير بذلك، وهو يبكي بكاء شديدًا فقلت له: لم تبكي؟ فقال: ويحك ما ترى هذه السنور تبكي كلما مسحتها، هذه أمي لا شكَّ، وإنما تبكي من رؤيتها إليَّ حسرة، قال: وأخذ يخاطبها

стр. 241

خطاب مَنْ عنده أنها تفهم عنه، وجعلت السنور تصيح قليلًا قليلًا، فقلت له: فهي تفهم عنك ما تخاطبها به؟ فقال: نعم. فقلت: أفتفهم أنت عنها صياحها؟ قال: لا. قلت: فأنت إذا المنسوخ وهي الإنسان (١). ذكر تلبيس إبليس على أمتنا فى العقائد والديانات دخل إبليس على هذه الأمة في عقائدها من طريقين: أحدهما: التقليد للآباء والأسلاف (٢). والثاني: الخوض فيما لا يدرك غوره أو يعجز الخائض عن الوصول إلى عمقه، فأوقع أصحاب هذا القسم في فنون من التخبيط. • فأما الطريق الأول: فإن إبليس زين للمقلدين أن الأدلة قد تشتبه، والصواب قد يخفى والتقليد سليم، وقد ضل في هذا الطريق خلق كثير وبه هلاك عامة الناس، فإن اليهود والنصارى قلدوا آباءهم وعلماءهم، وكذلك أهل الجاهلية، واعلم أن العلة التي بها مدحوا التقليد بها يذم، لأنه إذا كانت الأدلة تشتبه والصواب يخفى وجب هجر التقليد؛ لئلا يوقع في ضلال.

стр. 242

وقد ذم الله سبحانه الواقفين مع تقليد آبائهم وأسلافهم، فقال تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٢ - ٢٤]، المعنى: أتتبعونهم؟! وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٦٩ - ٧٠]. واعلم أن المقلد على غير ثقة مما قلَّد فيه، وفي التقليد إبطال منفعة العقل؛ لأنه إنما خلق للتأمل والتدبر، وقبيح بمن أعطي شمعة يستضيء بها أن يطفئها ويمشي في الظلم! واعلم أن عموم أصحاب المذاهب يعظم في قلوبهم الشخص فيتبعون قوله من غير تدبر لما قال، وهذا عين الضلال؛ لأن النظر ينبغي أن يكون إلى القول لا إلى القائل، كما قال علي ﵇ للحارث بن حوط وقد قال له: أتظن أنا نظن أن طلحة والزبير كانا على باطل (١)؟ فقال: يا حارث إنه ملبوس عليك؛ إن الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله (٢). وكان أحمد بن حنبل يقول: من ضيق علم الرجل أن يقلد في اعتقاده رجلًا (٣)، ولهذا أخذ أحمد بقول زيد في الجدّ وترك قول أبي بكر الصديق (٤)، فإن قال قائل: فالعوام لا يعرفون الدليل فكيف لا يقلدون؟

стр. 243

فالجواب: إن دليل الاعتقاد ظاهر (١) على ما أشرنا إليه في ذكر الدهرية، ومثل ذلك لا يخفى على عاقل، وأما الفروعيات فإنها لما كثرت حوادثها واعتاص على

стр. 244

العامي عرفانها، وقرب أمر الخطأ فيها؛ كان أصلح ما يفعله العامي التقليد فيها لمن قد سبر ونظر، إلا أن اجتهاد العامي في اختيار مَن يقلده (١). فصل • وأما الطريق الثاني: فإن إبليس كما تمكَّن من الأغبياء فورَّطهم قي التقليد وساقهم سوق البهائم، رأى خلقًا فيهم نوع ذكاء وفطنة فاستغواهم على قدر تمكُّنه منهم: ° فمنهم من قبَّح عنده الجمود على التقليد وأمره بالنظر، ثم استغوى كلًا من هؤلاء بفن: - فمنهم من أراه أن الوقوف مع ظواهر الشرائع عجز، فساقهم إلى مذهب الفلاسفة، ولم يزل بهؤلاء حتى خرجوا عن الإسلام، وقد سبق ذكرهم في الرد على الفلاسفة (٢). - ومنهم من حسَّن له أن لا يعتقد إلا ما أدركته حواسه، فيقال لهؤلاء: أبالحواس علمتم صحة قولكم؟ فإن قالوا: نعم، كابروا؛ لأن حواسنا لم تدرك ما قالوا، إذ ما يدرك بالحواس لا يقع فيه خلاف، وإن قالوا: بغير الحواس؛ نقضوا قولهم. - ومنهم من نفره إبليس عن التقليد وحسَّن له الخوض في علوم الكلام، والنظر في أوضاع الفلاسفة؛ ليخرج -بزعمه- عن غمار العوام.

стр. 245

وقد تنوعت أحوال المتكلمين، وأفضى الكلام بأكثرهم إلى الشكوك وببعضهم إلى الإلحاد! ولم يسكت القدماء من فقهاء هذه الأمة عن الكلام عجزًا، ولكنهم رأوا أنه لا يشفي غليلًا ثم يرد الصحيح عليلًا، فأمسكوا عنه ونهوا عن الخوض فيه (١)، حتى قال الشافعي: لأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه ما عدا الشرك، خير له من أن ينظر في الكلام (٢). قال: وإذا سمعت الرجل يقول: الاسم هو المسمى أو غير المسمى فاشهد أنه من أهل الكلام ولا دين له (٣). وقال: وحكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام (٤)!

стр. 246

وقال أحمد بن حنبل: لا يفلح صاحب كلام أبدًا، علماءُ الكلام زنادقةٌ (١). قال المصنف: قلت: وكيف لا يذم الكلام وقد أفضى بالمعتزلة إلى أنهم قالوا: إن الله تعالى يعلم جمل الأشياء ولا يعلم تفاصيلها (٢). وقال جهم بن صفوان: عِلْم الله وقدرته وحياته محدثة (٣). وحكى أبو محمد النُّوبَخْتي عن جهم أنه قال: إن الله ليس بشيء (٤). وقال أبو علي الجبائي وأبو هاشم ومن تابعهما من البصريين: المعدوم شيء وذات ونفس وجوهر وبياض وحمرة وصفرة، وإن الباري لا يقدر على جعل الذات ذاتًا ولا العرض عرضًا ولا الجوهر جوهرًا، وإنما هو قادر على إخراج الذات من العدم إلى الوجود (٥). وحكى القاضي أبو يعلى في كتاب المقتبس قال: قال العلاف المعتزلي (٦): لنعيم

стр. 247

أهل الجنة وعقاب أهل النار أمر لا يوصف الله بالقدرة على دفعه، ولا تصح الرغبة حينئذ إليه ولا الرهبة منه؛ لأنه لا يقدر إذ ذاك على خير ولا شرّ، ولا نفع فيه ولا ضرّ. قال: ويبقى أهل الجنة خمودًا سكوتًا، لا يفيضون بكلمة ولا يتحركون حركة ولا يقدرون ولا ربهم على فعل شيء من ذلك؛ لأن الحوادث كلها لابد لها من آخِر تنتهي إليه لا يكون بعده شيء. قال المصنف: قلت: وذكر أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمد البَلْخِي في (كتاب المقالات): أن أبا الهذيل اسمه محمد بن الهذيل العلاف، وهو من أهل البصرة من عبد القيس مولى لهم، وانفرد بأن قال (١): أهل الجنة تنقضي حركاتهم، فيصيرون إلى سكون دائم، وأن لِمَا يقدر الله عليه نهاية لو خرج إلى الفعل -ولن يخرج- استحال أن يوصف الله بالقدرة على غيره. وكان يقول (٢): إن علم الله هو الله، وإن قدرة الله هي الله. وقال أبو هاشم (٣): من تاب من كل شيء إلا أنه شرب جرعة خمر فإنه يعذب كعذاب أهل الكفر أبدًا، وقال النظام (٤): إن الله لا يقدر على شيء من الشر، وإن إبليس يقدر على الخير والشر. وقال هشام الفوطي (٥): إن الله لا يوصف بأنه عالم لم

стр. 248

يزل. وقال بعض المعتزلة: يجوز على الله سبحانه الكذب إلا أنه لم يقع منه (١). وقالت المجبرة (٢): لا قدرة للآدمي، بل هو كالجماد مسلوب الاختيار والفعل. وقالت المرجئة: إن من أقرَّ بالشهادتين وأتى بكل المعاصي لم يدخل النار أصلًا (٣)، وخالفوا الأحاديث الصحاح في إخراج الموحدين من النار. قال ابن عقيل: ما أشبه أن يكون واضع الإرجاء زنديقًا، فإن صلاح العالم بإثبات الوعيد واعتقاد الجزاء، فالمرجئة لما لم يمكنهم جحد الصانع لما فيه من نفور الناس ومخالفة العقل أسقطوا فائدة الإثبات وهي الخشية والمراقبة، وهدموا سياسة الشرع، فهم شرّ طائفة على الإسلام. قال المصنف: قلت: وتبع أبو عبد الله محمد بن كرام فاختار من المذاهب أردأها، ومن الأحاديث أضعفها، ومال إلى التشبيه، وأجاز حلول الحوادث في ذات الباري سبحانه (٤)، وقال (٥): إن الله لا يقدر على إعادة الأجسام والجواهر، إنما يقدر على إنشائها.

стр. 249

وقالت السالمية (١): إن الله يتجلى يوم القيامة لكل شيء في معناه، فيراه الآدمي آدميًّا والجني جنيًّا. وقالوا: لله سر، لو أظهره لبطل التدبير. قال المصنف: قلت: فأعوذ بالله من نظر وعلوم أوجبت هذه المذاهب القبيحة! وقد زعم أرباب الكلام أنه لا يتم الإيمان إلا بمعرفة ما رتبوه، وهؤلاء على الخطأ؛ لأن الرسول ﷺ أمر بالإيمان ولم يأمر ببحث المتكلمين، ودرجت الصحابة الذين شهد لهم الشارع بأنهم خير الناس على ذلك، وقد ورد ذم الكلام على ما قد أشرنا إليه، وقد نقل إلينا إقلاع متيقظي المتكلمين عما كانوا عليه لما رأوا من قبح غوائله. وأخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا أبو منصور محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزاز، قال: نا صالح بن أحمد بن محمد الحافظ، قال: نا أحمد بن عبيد بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث، قال: سمعت أحمد بن سنان، قال: كان الوليد بن أَبَانَ الكرابيسي خالي، فلما حضرته الوفاة قال لبنيه: تعلمون أحدًا أعلم بالكلام مني؟ قالوا: لا. قال: فتتهموني؟ قالوا: لا. قال: فإني أوصيكم أتقبلون؟ قالوا: نعم. قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث فإني رأيت الحق معهم (٢).

стр. 250

وكان أبو المعالي يقول: لقد خليت أهل الإسلام وعلومهم وركبت البحر الأعظم وغُصْت في الذي نهوا عنه، كل ذلك في طلب الحق وهربًا من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطف بره فأموت على دين العجائز ويختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص؛ فالويل لابن الجويني (١)! وكان يقول لأصحابه: يا أصحابنا، لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به (٢). وقال أبو الوفاء بن عقيل لبعض أصحابه: أنا أقطع أن الصحابة ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض، فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت أن طريقة المتكلمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت (٣)! قال: وقد أفضى الكلام بأهله إلى الشكوك، وبكثير منهم إلى الإلحاد، تشم روائح الإلحاد في فلتات كلام المتكلمين، وأصل ذلك أنهم ما قنعوا بما قنعت به الشرائع، وطلبوا الحقائق وليس في قوة العقل إدراك ما عند الله من الحكم التي انفرد بها، ولا أخرج الباري من علمه لخلقه ما علمه هو من حقائق الأمور.
следующие страницы →