← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11302

تلبيس إبليس - ت المزيد والسحيباني

ابن الجوزي

Полный текст (915 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وقال أحمد بن حنبل: لا يفلح صاحب كلام أبدًا، علماءُ الكلام زنادقةٌ (١). قال المصنف: قلت: وكيف لا يذم الكلام وقد أفضى بالمعتزلة إلى أنهم قالوا: إن الله تعالى يعلم جمل الأشياء ولا يعلم تفاصيلها (٢). وقال جهم بن صفوان: عِلْم الله وقدرته وحياته محدثة (٣). وحكى أبو محمد النُّوبَخْتي عن جهم أنه قال: إن الله ليس بشيء (٤). وقال أبو علي الجبائي وأبو هاشم ومن تابعهما من البصريين: المعدوم شيء وذات ونفس وجوهر وبياض وحمرة وصفرة، وإن الباري لا يقدر على جعل الذات ذاتًا ولا العرض عرضًا ولا الجوهر جوهرًا، وإنما هو قادر على إخراج الذات من العدم إلى الوجود (٥). وحكى القاضي أبو يعلى في كتاب المقتبس قال: قال العلاف المعتزلي (٦): لنعيم

стр. 247

أهل الجنة وعقاب أهل النار أمر لا يوصف الله بالقدرة على دفعه، ولا تصح الرغبة حينئذ إليه ولا الرهبة منه؛ لأنه لا يقدر إذ ذاك على خير ولا شرّ، ولا نفع فيه ولا ضرّ. قال: ويبقى أهل الجنة خمودًا سكوتًا، لا يفيضون بكلمة ولا يتحركون حركة ولا يقدرون ولا ربهم على فعل شيء من ذلك؛ لأن الحوادث كلها لابد لها من آخِر تنتهي إليه لا يكون بعده شيء. قال المصنف: قلت: وذكر أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمد البَلْخِي في (كتاب المقالات): أن أبا الهذيل اسمه محمد بن الهذيل العلاف، وهو من أهل البصرة من عبد القيس مولى لهم، وانفرد بأن قال (١): أهل الجنة تنقضي حركاتهم، فيصيرون إلى سكون دائم، وأن لِمَا يقدر الله عليه نهاية لو خرج إلى الفعل -ولن يخرج- استحال أن يوصف الله بالقدرة على غيره. وكان يقول (٢): إن علم الله هو الله، وإن قدرة الله هي الله. وقال أبو هاشم (٣): من تاب من كل شيء إلا أنه شرب جرعة خمر فإنه يعذب كعذاب أهل الكفر أبدًا، وقال النظام (٤): إن الله لا يقدر على شيء من الشر، وإن إبليس يقدر على الخير والشر. وقال هشام الفوطي (٥): إن الله لا يوصف بأنه عالم لم

стр. 248

يزل. وقال بعض المعتزلة: يجوز على الله سبحانه الكذب إلا أنه لم يقع منه (١). وقالت المجبرة (٢): لا قدرة للآدمي، بل هو كالجماد مسلوب الاختيار والفعل. وقالت المرجئة: إن من أقرَّ بالشهادتين وأتى بكل المعاصي لم يدخل النار أصلًا (٣)، وخالفوا الأحاديث الصحاح في إخراج الموحدين من النار. قال ابن عقيل: ما أشبه أن يكون واضع الإرجاء زنديقًا، فإن صلاح العالم بإثبات الوعيد واعتقاد الجزاء، فالمرجئة لما لم يمكنهم جحد الصانع لما فيه من نفور الناس ومخالفة العقل أسقطوا فائدة الإثبات وهي الخشية والمراقبة، وهدموا سياسة الشرع، فهم شرّ طائفة على الإسلام. قال المصنف: قلت: وتبع أبو عبد الله محمد بن كرام فاختار من المذاهب أردأها، ومن الأحاديث أضعفها، ومال إلى التشبيه، وأجاز حلول الحوادث في ذات الباري سبحانه (٤)، وقال (٥): إن الله لا يقدر على إعادة الأجسام والجواهر، إنما يقدر على إنشائها.

стр. 249

وقالت السالمية (١): إن الله يتجلى يوم القيامة لكل شيء في معناه، فيراه الآدمي آدميًّا والجني جنيًّا. وقالوا: لله سر، لو أظهره لبطل التدبير. قال المصنف: قلت: فأعوذ بالله من نظر وعلوم أوجبت هذه المذاهب القبيحة! وقد زعم أرباب الكلام أنه لا يتم الإيمان إلا بمعرفة ما رتبوه، وهؤلاء على الخطأ؛ لأن الرسول ﷺ أمر بالإيمان ولم يأمر ببحث المتكلمين، ودرجت الصحابة الذين شهد لهم الشارع بأنهم خير الناس على ذلك، وقد ورد ذم الكلام على ما قد أشرنا إليه، وقد نقل إلينا إقلاع متيقظي المتكلمين عما كانوا عليه لما رأوا من قبح غوائله. وأخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا أبو منصور محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزاز، قال: نا صالح بن أحمد بن محمد الحافظ، قال: نا أحمد بن عبيد بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث، قال: سمعت أحمد بن سنان، قال: كان الوليد بن أَبَانَ الكرابيسي خالي، فلما حضرته الوفاة قال لبنيه: تعلمون أحدًا أعلم بالكلام مني؟ قالوا: لا. قال: فتتهموني؟ قالوا: لا. قال: فإني أوصيكم أتقبلون؟ قالوا: نعم. قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث فإني رأيت الحق معهم (٢).

стр. 250

وكان أبو المعالي يقول: لقد خليت أهل الإسلام وعلومهم وركبت البحر الأعظم وغُصْت في الذي نهوا عنه، كل ذلك في طلب الحق وهربًا من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطف بره فأموت على دين العجائز ويختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص؛ فالويل لابن الجويني (١)! وكان يقول لأصحابه: يا أصحابنا، لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به (٢). وقال أبو الوفاء بن عقيل لبعض أصحابه: أنا أقطع أن الصحابة ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض، فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت أن طريقة المتكلمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت (٣)! قال: وقد أفضى الكلام بأهله إلى الشكوك، وبكثير منهم إلى الإلحاد، تشم روائح الإلحاد في فلتات كلام المتكلمين، وأصل ذلك أنهم ما قنعوا بما قنعت به الشرائع، وطلبوا الحقائق وليس في قوة العقل إدراك ما عند الله من الحكم التي انفرد بها، ولا أخرج الباري من علمه لخلقه ما علمه هو من حقائق الأمور.

стр. 251

قال: ولقد بالغت في الأصول طول عمري، ثم عدت القهقرى إلى مذهب المكتب، وإنما قالوا: إن مذهب العجائز أسلم لأنهم لما انتهوا إلى غاية التدقيق في النظر لم يشهدوا ما يشفي العقل من التعليلات والتأويلات، فوقفوا مع مراسم الشرع وجنحوا عن القول بالتعليل (١)، وأذعن العقل بأن فوقه حكمة إلهية؛ فسلم. وبيان هذا أن نقول: أحبَّ أن يُعْرَف، أراد أن يُذكر، فيقول قائل: هل شغف بإيصال النفع؟ هل دعاه داع إلى إفاضة الإحسان؟ ومعلوم أن الدواعي عوارض على الذات وتطلبات من النفس، وما يعقل ذلك إلا الذات، يدخل عليها داخل من شوق إلى تحصيل ما لم يكن لها وهي إليه محتاجة، فإذا وجد ذلك العرض سكن الشغف وفتر الداعي، وذلك الحاصل يسمى غِنًى، والقديم لم يزل موصوفًا بالغنى منعوتًا بالاستقلال بذاته الغنية عن استزادة أو عارض، ثم إذا نظرنا في إنعامه رأيناه

стр. 252

مشحونًا بالنقص والآلام وأذى الحيوانات، فإذا رام العقل أن يعلل بالإنعام جاء تحقيق النظر فرأى أن الفاعل قادر على الصفاء ولا صفاء، ورآه منزهًا بأدلة العقل عن البخل الموجب لمنع ما يقدر على تحصيله، وعن العجز عن دفع ما يعرض لهذه الموجودات من الفساد، فإذا عجز عن التعليل كان التسليم أولى، وإنما دخل الفساد من أن الخلق اقتضاؤه الفوائد، ودفع المضار على مقتضى قدرته، ولو مزجوا مع ذلك العلم بأنه حكيم لاقتضوا نفوسهم له التسليم بحسب حكمته، فعاشوا في بحبوحة التفويض بلا اعتراض (١). فصل وقد وقف أقوام مع الظواهر فحملوها على مقتضى الحس، فقال بعضهم: إن الله جسم، وهذا مذهب هشام بن الحكم، وعلي بن منصور، ومحمد بن الخليل، ويونس بن عبد الرحمن (٢). ثم اختلفوا فقال بعضهم: جسم كالأجسام، ومنهم من قال: لا كالأجسام. ثم اختلفوا، فمنهم من قال: هو نور، ومنهم من قال: هو على هيئة السبيكة البيضاء. هكذا كان يقول هشام بن الحكم (٣). وكان يقول: إن الإله سبعة أشبار بشبر نفسه (٤)، وأنه يرى ما تحت الثرى بشعاع

стр. 253

متصل منه بالمرئي (١). قلت: وما أتعجب إلا من حدّه بسبعة أشبار، حتى علمت أنه جعله كالآدميين، فالآدمي طوله سبعة أشبار بشبر نفسه! وذكر أبو محمد النبوبختي (٢)، عن الجاحظ، عن النظام، أن هشام بن الحكم قال في التشبيه في سنة واحدة خمسة أقاويل، قطع في آخرها أن معبوده بشبر نفسه سبعة أشبار، وأن قومًا قالوا: إنه على هيئة السبيكة (٣)، وأن قومًا قالوا: هو على هيئة البلورة الصافية المستوية الاستدارة التي من حيث أتيتها رأيتها على هيئة واحدة (٤)، وقال هشام: هو متناهي الذات (٥)، حتى قال: إن الجبل أكبر منه (٦)، قال: وله مائية يعلمها هو (٧).

стр. 254

وهذا يلزمه أن يكون له كيفية أيضًا وكمية، وذلك ينقض القول بالتوحيد، وقد استقر أن المائية لا تكون إلا لمن كان ذا جنس وله نظائر، فيحتاج أن يفرد منها ويبان عنها، والحق سبحانه ليس بذي جنسى ولا مثل له، ولا يجوز أن يوصف بأن ذاته متناهية لا على معنى أنه ذاهب في الجهات بلا نهاية، إنما المراد أنه ليس بجسم ولا جوهر (١) فتلزمه النهاية. قال النُّوبَخْتي: وقد حكى كثير من المتكلمين أن مقاتل

стр. 255

بن سليمان (١) ونُعيم بن حماد (٢) وداود الحواري يقولون: إن الله صورة

стр. 256

وأعضاء (١). أفتَرَى هؤلاء يثبتون له القدم دون الآدميين، ولم لا يجوز عليه عندهم ما يجوز على الآدميين من مرض وتلف؟!

стр. 257

ثم يقال لكل من ادعى التجسيم: بأي دليل أثبتَّ حدثَ الأجسام المشاهدة؟ وذلك يدلك على أن الإله الذي اعتقدته جسمًا محدثًا غير قديم. ومن قول المجسمة: إن الله تعالى يجوز أن يمس ويلمس (١)، فيقال لهم: فيجوز على قولكم أن يمس ويلمس ويعانق، وقال بعضهم: إنه جسم هو فضاء، والأجسام كلها فيه (٢). وكان بيان بن سمعان يزعم أن معبوده رجل من نور كله، وأنه على صورة رجل، وأنه يهلك جميع أعضائه إلا وجهه (٣)، فقتله خالد بن عبد الله. وكان المغيرة بن سعيد [البجلي] (٤) يزعم أن معبوده رجل من نور على رأسه تاج من نور، وله أعضاء وقلب تنبع منه الحكمة، وأعضاؤه على صورة حروف الهجاء، وكان هذا يقول بإمامة محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين (٥). وكان زرارة بن أعين يقول: لم يكن الباري عالمًا قادرًا حيًّا في الأزل حتى خلق لنفسه هذه الصفات (٦).

стр. 258

وقال داود الجواربي (١): هو جسم ولحم ودم، وله جوارح وأعضاء، وهو أجوف أجوف من فمه إلى صدره، ومصمت ما سوى ذلك (٢). ومن الواقفين مع الحس أقوام قالوا: هو على العرش بذاته على وجه المماسة (٣)،

стр. 259

فإذا نزل انتقل وتحرك (١)، وجعلوا لذاته نهاية، وهؤلاء قد أوجبوا عليه المساحة والمقدار (٢)، واستدلوا على أنه على العرش بذاته بقول رسول الله ﷺ : "ينزل الله إلى السماء الدنيا .. " (٣)، وقالوا: ولا ينزل إلا من هو فوق.

стр. 260

وهؤلاء حملوا نزوله على الأمر الحسي الذي توصف به الأجسام، وقد غلط المشبهة الذين حملوا الصفات على مقتضى الحس، وقد ذكرنا جمهور كلامهم في كتابنا المسمى بـ "منهاج الوصول إلى علم الأصول" (١). وربما تخايل بعضُ المشبهة في رؤية الحق يوم القيامة ما يراه في الأشخاص (٢)، فيمثل شخصًا يزيد حسنًا على كل حسن، فتراه يتنفس من الشوق إليه، ويمثل الزيادة فيزداد شوقه، ويصور رفع الحجاب فيقلق ويذكر الرؤية فيغشى عليه، ويسمع في الحديث أنه يدني عبده المؤمن إليه فيتخايل القرب الذاتي (٣)، كما يجالس

стр. 261

الجنس، وهذا كله جهل بالموصوف! ومن الناس من يقول: لله وجه هو صفة زائدة على صفة ذاته (١)؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]، وله يد، وله أصبع؛ لقول رسول الله ﷺ : "يضع السموات على أصبع" (٢)، وله قدم (٣)، إلى غير ذلك مما تضمنته الأخبار، وهذا كله إنما

стр. 262

استخرجوه من مفهوم الحس (١). وإنما الصواب قراءة الآيات والأحاديث من غير تفسير ولا كلام فيها (٢)، وما يؤمن هؤلاء أن يكون المراد بالوجه الذات (٣)، لا أنه صفة زائدة، وعلى هذا فسر الآية الآية المحققون (٤) فقالوا: ويبقى ربك، وقالوا في قوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]: يريدونه، وما يؤمنهم أن يكون أراد بقوله: "قلوب العباد بين أصبعين" (٥)، أن الأصبع لما كانت هي المقلبة للشيء وأن ما بين الإصبعين يتصرف فيه صاحبها كيف شاء؛ ذَكَرَ ذلك (٦)، لا أن ثم صفة زائدة.

стр. 263

والذي أراه السكوت عن هذا التفسير أيضًا (١)، إلا أنه يجوز أن يكون مرادًا، ولا يجوز أن يكون ثم ذات تقبل التجزّؤ والانقسام (٢). ومن أعجب أحوال الظاهرية قول السالمية: إن الميت يأكل في القبر ويشرب وينكح (٣)؛ لأنهم سمعوا بنعيم ولم يعرفوا من النعيم إلا هذا، ولو قنعوا بما ورد في الآثار من "أن أرواح المؤمنين تجعل في حواصل طير تأكل من شجر الجنة" (٤)، لسلموا لكنهم أضافوا ذلك إلى الجسد! قال ابن عقيل: وهذا المذهب مرض يضاهي الاستشعار الواقع للجاهلية وما كانوا يقولونه في الهام والصَّدَى (٥)، فالمكالمة لهؤلاء ينبغي أن تكون على سبيل المداراة

стр. 264

لاستشعارهم، لا على وجه المناظرة؛ فإن القاواة (١) تفسدهم، وإنما لبس إبليس على هؤلاء لتركهم البحث عن التأويل المطابق لأدلة الشرع والعقل (٢)، فإنه لما ورد النعيم والعذاب للميت علم أن الإضافة حصلت إلى الأجساد والقبور تعريفًا كأنه يقول: صاحب هذا القبر الروح التي كانت في هذا الجسد منعمة بنعيم الجنة معذبة بعذاب النار (٣). فصل فإن قال قائل: قد عِبْتَ طريق المقلدين في الأصول وطريق المتكلمين، فما الطريق السليم من تلبيس إبليس؟

стр. 265

فالجواب: أنه ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه وتابعوهم بإحسان: من إثبات الخالق سبحانه، وإثبات صفاته على ما وردت به الآيات والأخبار، من غير تنقير ولا بحث عما ليس في قوة البشر إدراكه، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق. قال علي بن أبي طالب ﵁: والله ما حكمت مخلوقًا، إنما حكمت القرآن (١)، وإنه المسموع لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] وإنه في المصاحف لقوله: ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣)﴾ [الطور: ٣]، ولا يتعدى مضمون الآيات ولا يتكلم في ذلك برأينا. وقد كان أحمد بن حنبل ينهى أن يقول الرجل: لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق؛ لئلا يخرج عن الاتباع للسلف إلى حدث (٢). والعجب ممن يدعي اتباع هذا الإمام ثم يتكلم في المسائل المحدثة (٣)! أخبرنا سعد الله بن علي الزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الطُرَيْثيثي، قال: أخبرنا هبة الله بن الحسن الطبري، قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن أبي طاهر الفقيه، قال: أخبرنا عمر بن أحمد الواعظ، قال: نا محمد بن هارون الحضرمي، قال: نا القاسم بن العباس الشيباني، قال: نا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: أدركت تسعة

стр. 266

من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: من قال: القرآن مخلوق؛ فهو كافر (١). وقال مالك بن أنس: من قال: القرآن مخلوق؛ يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه (٢). أخبرنا أبو البركات بن علي البزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي الطُرَيْثيثي، قال: أخبرنا هبة الله الطبري، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن القاسم، قال: أخبرنا أحمد بن عثمان، قال: حدثنا محمد بن ماهان، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن جعفر بن برقان، أن عمر بن العزيز قال لرجل وسأله عن الأهواء فقال: عليك بدين الصبي في الكُتَّاب والأعرابي، وَالْهَ عما سواهما (٣). قال ابن مهدي: ونا عبد الله بن المبارك، عن الأوزاعي، قال: قال عمر بن عبد العزيز: إذا رأيت قومًا يتناجون في دينهم بشيء دون العامة؛ فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة (٤). أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ، قال: نا محمد بن أحمد بن الحسن، قال: نا بشر بن موسى، قال: نا خلاد بن يحيى، عن سفيان الثوري، قال: بلغني عن عمر أنه كتب إلى بعض عماله: أوصيك

стр. 267

بتقوى الله، واتباع سنة رسوله، وترك ما أحدث المحدثون بعده مما قد كفوا مؤونته، واعلم أن من سن السنن قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل والتعمق، فإن التابعين الماضين عن علم توقفوا وتَبَصُّرِ ناقد كفوا (١). وفي رواية أخرى عن عمر: ولَهُمْ كانوا على كشف الأمور أقوى، وما أحدث إلا من اتبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، لقد قصر دونهم أقوام فجفوا، وطمح عنهم آخرون فغلو ا (٢). أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا بشر بن موسى، قال: نا عبد الصمد بن حسان، قال: سمعت سفيان الثوري يقول: عليكم بما عليه الحمالون، والنساء في البيوت، والصبيان في الكُتَّاب: من الإقرار، والعمل (٣). فإن قال قائل: هذا مقام عجز لا مقام الرجال! فقد أسلفنا جواب هذا، وقلنا: إن الوقوف على العمل ضرورة؛ لأن بلوغ ما يشفي العقل من التعليل لم يدركه من غاص من المتكلمين في البحار؛ فلذلك أمروا بالوقوف على الساحل كما ذكرنا عنهم. ذكر تلبيس إبليس على الخوارج قال المصنف: أول الخوارج وأقبحهم حالًا ذو الخويصرة.

стр. 268

أخبرنا ابن الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: نا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: نا محمد بن فضيل، قال: حدثنا عُمارة بن القعقاع، عن ابن أبي نعم (١)، عن أبي سعيد الخدري، قال: بعث عليٌّ من اليمن إلى رسول الله ﷺ بذهبة في أديم مقروظ، لم تخلص من ترابها، فقسمها رسول الله بين أربعة، بين: زيد الخيل، والأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، وعلقمة بن علاثة، أو عامر بن الطفيل، شك عُمارة. فوجد من ذلك بعض أصحابه والأنصار وغيرهم، فقال رسول الله ﷺ : "ألا [تتمنوني] (٢) وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباح مساء". ثم أتاه رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز (٣) الجبهة، كث اللحية، مشمر الإزار، محلوق الرأس، فقال: اتق الله يا رسول الله! فرفع رأسه إليه، وقال: "ويحك! أليس أحق الناس أن يتقى الله أنا؟! "، ثم أدبر، فقال خالد: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال رسول الله: "فلعله يصلي". فقال: إنه رب مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه. فقال رسول الله ﷺ : "إني لم أؤمر أن أنقب على قلوب الناس، ولا أشق بطونهم". ثم نظر إليه النبي ﷺ وهو مقفٍّ فقال: "إنه سيخرج من ضئضئ (٤) هذا قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم (٥)، يمرقون من الدين كما

стр. 269

يمرق السهم من الرمية (١) " (٢). قال المصنف: هذا الرجل يقال له: ذو الخويصرة التميمي، وفي لفظ: أنه قال له: اعدل. فقال: "ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل" (٣). فهذا أول خارجي خرج في الإسلام، وآفته أنه رضي برأي نفسه، ولو وُفق لَعَلِمَ أنه لا رأي فوق رأي رسول الله ﷺ . وأتباع هذا الرجل الذين قاتلوا علي بن أبي طالب ﵁، وذلك أنه لما طالت الحرب بين علي ومعاوية، رفع أصحاب معاوية المصاحف ودعوا أصحاب علي إلى

стр. 270

ما فيها وقالوا: تبعثون منكم رجلًا ونبعث منا رجلًا، ثم نأخذ عليهم أن يعملا بما في كتاب الله، فقال الناس: قد رضينا، فبعثوا عمرو بن العاص، فقال أصحاب علي: ابعث أبا موسى، فقال علي: لا أرى أن أولي أبا موسى، هذا ابن عباس، قالوا: لا نريد رجلًا منك، فبعث أبا موسى وأخر القضاء إلى رمضان (١)، فقال عروة بن أدية: تحكمون في أمر الله الرجال، لا حكم إلا لله. ورجع علي ﵁ من صفين، فدخل الكوفة ولم تدخل معه الخوارج، فأتوا حروراء، فنزل بها منهم اثنا عشر ألفًا، وقالوا: لا حكم إلا لله، وكان ذلك أول ظهورهم، ونادى مناديهم أن أمير القتال شبث بن ربعي التميمي وأمير الصلاة عبد الله بن الكواء اليشكري، وكانت الخوارج تتعبد إلا أن اعتقادهم أنهم أعلم من علي بن أبي طالب مرض صعب. أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أخبرنا محمد بن هبة الله الطبري، قال: أخبرنا محمد بن الحسين بن الفضل، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر بن دُرُسْتُوَيْه، قال: أخبرنا يعقوب بن سفيان، قال: حدثني موسى بن مسعود، قال: نا عكرمة بن عمار، عن سماك أبي زميل، قال: قال عبد الله بن عباس: إنه لما اعتزلت الخوارج دخلوا دارًا وهم ستة آلاف، وأجمعوا على أن يخرجوا على علي بن أبي طالب، فكان لا يزال يجيء إنسان فيقول: يا أمير المؤمنين، إن القوم خارجون عليك! فيقول: دعوهم فإني لا أقاتلهم حتى يقاتلوني، وسوف يفعلون. فلما كان ذات يوم أتيته قبل صلاة الظهر فقلت له: يا أمير المؤمنين: أبرد بالصلاة لعلي أدخل على هؤلاء القوم فأكلمهم، فقال: إنني أخاف عليك، فقلت:

стр. 271

كلا، وكنت رجلًا حسن الخلق لا أؤذي أحدًا. فأذن لي فلبست حلة من أحسن ما يكون من اليمن، وترجلت فدخلت عليهم نصف النهار، فدخلت على قوم لم أر قومًا قط أشد اجتهادًا منهم، جباههم قرحة من السجود، وأيديهم كأنها ثفن الإبل (١)، وعليهم قمص مرحضة (٢) مشمرين، مسهمة وجوههم من السهر، فسلمت عليهم فقالوا: مرحبًا يا ابن عباس، ما جاء بك؟ قلت: أتيتكم من عند المهاجرين والأنصار ومن عند صهر رسول الله ﷺ وعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بتأويله منكم. فقالت طائفة منهم: لا تخاصموا قريشًا، فإن الله يقول: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ [الزخرف: ٥٨]، فقال اثنان أو ثلاثة: لنكلمنه. فقلت: هاتوا ما نقمتم على صهر رسول الله ﷺ والمهاجرين والأنصار، وعليهم نزل القرآن، وليس فيكم منهم أحد، وهم أعلم بتأويله. قالوا: ثلاثًا. قلت: هاتوا. قالوا: أما إحداهن فإنه حكم الرجال في أمر الله، وقد قال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، فما شأن الرجال والحكم بعد قول الله؟ فقلت: هذه واحدة، وماذا؟ قالوا: وأما الثانية فإنه قاتل ولم يسب ولم يغنم فلئن كانوا مؤمنين ما حل لنا قتالهم وسباهم. قلت: وما الثالثة؟ قالوا: إنه محا نفسه من أمير المؤمنين؛ إن لم يكن أمير المؤمنين فإنه لأمير الكافرين. قلت: هل عندكم غير هذا؟ قالوا: كفانا هذا. قلت لهم: أما قولكم: حكم الرجال في أمر الله أنا أقرأ عليكم في كتاب الله ما ينقض قولكم، أترجعون؟ قالوا: نعم. قلت: فإن الله قد صير من حكمه إلى

стр. 272

الرجال في ربع درهم ثمن أرنب وتلا هذه الآية: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، إلى آخر الآية، وفي المرأة وزوجها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]، إلى آخر الآية، فنشدتكم بالله، هل تعلمون حكم الرجال في الإصلاح ذات بينهم وفي حقن فى مائهم أفضل، أم حكمهم في أرنب وبُضع امرأة، فأيهما ترون أفضل؟ قالوا: بل هذه. قلت: خرجت من هذه؟ قالوا: نعم. قلت: وأما قولكم: قَاتَلَ ولم يَسْبِ ولم يغنم، فتسبون أمكم عائشة؟ فوالله لئن قلتم ليست بأمنا لقد خرجتم من الإسلام، ووالله لئن قلتم لنسبينها ونستحل منها ما نستحل من غيرها لقد خرجتم من الإسلام، فأنتم بين ضلالتين، إن الله تعالى قال: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، فإن قلتم ليست بأمنا، فقد خرجتم من الإسلام. أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم. قلت: وأما قولكم: محا نفسه من أمير المؤمنين فأنا آتيكم بمن ترضون، إن النبي ﷺ يوم الحديبية كاتب المشركين أبا سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو، فقال: "يا علي، اكتب: هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله". فقال المشركون: والله ما نعلم أنك رسول الله، لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك. فقال رسول الله ﷺ : "اللهم إنك تعلم أني رسولك، امح يا علي! اكلتب: هذا ما كاتب عليه محمد بن عبد الله" (١)، فوالله لرسول الله ﷺ خير من علي، فقد محا نفسه. قال: فرجع منهم ألفان وخرج سائرهم فقتلوا (٢).

стр. 273

أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا ولاد بن علي الكوفي، قال: أخبرنا محمد بن علي بن دحيم الشيباني، قال: نا أحمد بن حازم، قال: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن -يعني: ابن أبي ليلى-، قال: نا سعيد بن خثيم، عن القعقاع بن عُمارة، عن أبي الخليل، عن أبي السابغة، عن جندب الأزدي، قال: لما عدلنا إلى الخوارج ونحن مع علي بن أبي طالب ﵁، قال: فانتهينا إلى معسكرهم فإذا لهم دوي كدوي النحل من قراءة القرآن (١). وفي رواية أخرى: أن عليًّا ﵇ لما حكم أتاه من الخوارج زرعة بن البرج الطائي وحرقوص بن زهير السعدي فدخلا عليه، فقالا له: لا حكم إلا لله. فقال علي: لا حكم إلا لله. فقال له حرقوص: تب من خطيئتك وارجع عن قضيتك، واخرج بنا إلى عدونا نقاتلهم حتى نلقى ربنا، ولئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله لأقاتلنك؛ أطلب بذلك وجه الله تعالى. واجتمعت الخوارج في منزل عبد الله بن وهب الراسبي، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن وينسبون إلى حكم القرآن، أن تكون هذه الدنيا التي إيثارها عناء آثر عنده من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بالحق، فاخرجوا بنا (٢). فكتب إليهم علي بن أبي طالب ﵇: أما بعد، فإن هذين الرجلين اللذين ارتضينا حكمين قد خالفا كتاب الله واتبعا أهواءهما (٣)، ونحن على الأمر الأول.

стр. 274

فكتبوا إليه: إنك لم تغضب لربك، إنما غضبت لنفسك، فإن شهدت على نفسك بالكفر واستقبلت التوبة نظرنا فيما بيننا وبينك، وإلا فقد نابذناك على سواء (١). ولقي الخوارج في طريقهم عبد الله بن خباب، فقالوا: هل سمعت من أبيك حديثًا يحدثه عن رسول الله ﷺ تحدثناه؟ قال: نعم. سمعته يحدث عن رسول الله ﷺ أنه ذكر: "فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، فإن أدركت ذلك فكن عبد الله المقتول" (٢). قالوا: أنت سمعت هذا من أبيك يحدثه عن رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. فقدموه إلى شفير النهر فضربوا عنقه فسال دمه كأنه شراك نعل، وبقروا أم ولده عما في بطنها وكانت حبلى، ونزلوا تحت مواقير فسقطت رطبة فأخذها أحدهم فقذف بها في فيه، فقال أحدهم: بغير حلها وبغير ثمن، فلفظها من فيه، واخترط أحدهم سيفه فأخذه يهزه فمر به خنزير لأهل الذمة فضربه به، فقالوا له: هذا فساد في الأرض، فلقي صاحب الخنزير فأرضاه (٣). فبعث إليهم علي ﵇: أَخْرِجوا إلينا قاتل عبد الله بن خباب. فقالوا: كلنا قَتَلَهُ، فناداهم ثلاثًا، كل ذلك يقولون هذا القول، فقال علي ﵁ لأصحابه: دونكم القوم! فما لبثوا أن قتلوهم، وكانوا وقت القتال يقول بعضهم لبعض: تهيأ للقاء الرب،

стр. 275

الرواح الرواح إلى الجنة (١). وخرج على علي ﵇ بعدهم جماعة منهم، فبعث إليهم من قاتلهم ثم اجتمع عبد الرحمن بن مُلجِم بأصحابه وذكروا أهل النهروان فترحموا عليهم، وقالوا: والله ما نعبأ بالبقاء في الدنيا شيئًا بعد إخواننا الذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، فلو أنا شرينا أنفسنا لله والتمسنا غرة هؤلاء الأئمة الضلال فثأرنا بهم إخواننا وأرحنا منهم العباد (٢). أخبر نا محمد بن أبي طاهر البزاز، قال: أخبر نا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا ابن حَيُّوَيْه، قال: أخبرنا أبو الحسن بن معروف، قال: أخبرنا الحسين بن الفهم، قال: نا محمد بن سعد، عن أشياخ له، قالوا: انْتُدِبَ ثلاثة نفر من الخوارج: عبد الرحمن بن مُلْجِم والبُرَك بن عبد الله، وعمرو بن بكير التميمي، فاجتمعوا بمكة وتعاهدوا وتعاقدوا لنقتلن هؤلاء الثلاثة: علي، ومعاوية، وعمر وبن العاص، ونريح العباد منهم، فقال ابن مُلْجَم: أنا لكم بعلي، وقال البُرَك: أنا لكم بمعاوية، وقال عمرو: أنا لكم بعمرو، فتواثقوا لا ينكص رجل منهم عن صاحبه. فقدم ابن مُلْجِم الكوفة، فلما كانت الليلة التي عزم على قتله فيها، خرج علي ﵇ لصلاة الصبح، فضربه فأصاب جبهته إلى قرنه ووصل إلى دماغه، فقال علي ﵁: لا يعوقكم الرجل وأُخِذَ، فقالت أم كلثوم: يا عدو الله، قتلت أمير المؤمنين،

стр. 276

فقال: ما قتلت إلا أباك، قالت: والله إني لأرجو ألا يكون على أمير المؤمنين بأس، قال: فلمَ تبكين إذن؟! ثم قال: والله لقد سممته شهرًا -يعني: سيفه- فإن أخلفني فأبعده الله وأسحقه. فلما مات علي أخرج ابن ملجم ليقتل، فقطع عبد الله بن جعفر يديه ورجليه، فلم يجزع ولم يتكلم، فكحل عينيه بمسمار محمى، فلم يجزع، وجعل يقرأ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [العلق: ١]، حتى ختمها، وإن عينيه لتسيلان، فعولج على قطع لسانه فجزع، فقيل له: لِمَ تجزع؟ قال: أكره أن أكون في الدنيا فواقا لا أذكر الله، وكان رجلًا أسمر في جبهته أثر السجود (١). قال المصنف: قلت: ولما أراد الحسن أن يصالح معاوية خرج عليه من الخوارج الجراح بن سنان، وقال: أشركت كما أشرك أبوك! ثم طعنه في أصل فخذه (٢). وما زالت الخوارج تخرج على الأمراء ولهم مذاهب مختلفة، وكان أصحاب نافع بن الأزرق يقولون: نحن مشركون ما دمنا في دار الشرك (٣)، فإذا خرجنا فنحن مسلمون. قالوا: ومخالفونا في المذهب مشركون، ومرتكبو الكبائر مشركون، والقاعدون عن مرافقتنا في القتال مشركون كفرة (٤). وأباح هؤلاء قتل النساء

стр. 277

والصبيان من المسلمين، وحكموا عليهم بالشرك. وكان نجدة بن عامر الثقفي من القوم، فخالف نافع بن الأزرق، وقال بتحريم دماء المسلمين وأموالهم، وزعم أن أصحاب الذنوب من موافقيه يعذبون في غير نار جهنم، وأن نار الجحيم لا يدخلها إلا مخالفوه في مذهبه (١). وقال إبراهيم الخارجي: قومنا كفار وتحل لنا مناكحتهم ومواريثهم كما كان الناس في بدء الإسلام (٢). وكان بعضهم يقول: لو أن رجلًا أكل من مال يتيم فَلْسَيْنِ وَجَبَتْ له النار، ولو قتله أو قطع يديه أو بَقَرَ بطنه لم يجب له النار؛ لأن الله أوعد على ذلك النار (٣). ولهم قصص تطول، ومذاهب عجيبة لم أر التطويل بذكرها، وإنما المقصود النظر في حيل إبليس وتلبيسه على هؤلاء الحمقى الذين عملوا بواقعاتهم، واعتقدوا

стр. 278

أن علي بن أبي طالب على الخطأ، وأنهم على الصواب، واستحلوا دماء الأطفال ولم يستحلوا أكل ثمرة بغير ثمنها، وتعبوا في العبادات وسهروا، وجزع ابن مُلْجِم عند قطع لسانه من فوات الذكر واستحل قتل علي ﵇. ثم شهروا السيوف على المسلمين، ولا أعجب من اقتناع هؤلاء بعلمهم واعتقادهم أنهم أعلم من علي ﵇، فقد قال ذو الخويصرة لرسول الله ﷺ : اعدل فما عدلت! وما كان إبليس ليهتدي إلى هذه المخازي، نعوذ بالله من الخذلان! أخبرنا ابن الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا أبو بكر بن مالك، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، قال: قرأت على عبد الرحمن عن [مالك] (١)، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يخرج قوم فيكم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وأعمالكم مع أعمالهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية". أخرجاه في "الصحيحين" (٢). وأنا سعد الله بن علي، قال: أخبرنا أبو بكر الطُرَيْثيثي، قال: نا هبة الله بن الحسن الطبري، قال: أنا أحمد بن عبيد، قال: نا علي بن عبد الله بن مبشر، قال: نا أحمد بن سنان، قال: نا إسحاق بن يوسف الأزرق، عن الأعمش، عن عبد الله بن أبي أوفى،

стр. 279

قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الخوارج كلاب أهل النار" (١). فصل ومن رأي الخوارج: أنه لا تختص الإمامة بشخص إلا أن يجتمع فيه العلم والزهد، فإذا اجتمعا كان إمامًا ولو كان نبطيًّا (٢). ومن رأي هؤلاء أحدث المعتزلةُ أن التحسين والتقبيح إلى العقل، وأن العدل ما يقتضيه (٣)، ثم حدث القدرية (٤) في زمن الصحابة، وصار معبد الجهني وغيلان

стр. 280

الدمشقي والجعد بن درهم إلى القول بالقدر، ونسج على منوال معبد واصل بن عطاء، وانضم إليه عمرو بن عبيد، وفي ذلك الزمان حدثت شُبه المرجئة (١) حين قالوا: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة (٢). ثم طَالَعَتْ المعتزلةُ مثل أبي الهذيل العلاف والنظام ومعمر والجاحظ كُتُبَ الفلاسفة في زمان المأمون، واستخرجوا منها ما خلطوه بأوضاع الشرع، مثل لفظ الجوهر والعرض والزمان والمكان والكون. وأول مسألة أظهروها القول بخلق القرآن، (٣) وحينئذٍ سمي هذا الفن: علم الكلام (٤).

стр. 281

وتلت هذه المسألة مسائل الصفات، مثل: العلم، والقدرة، والحياة، والسمع، والبصر، فقال قوم: هي معان زائدة على الذات. ونفتها المعتزلة وقالوا: عالم لذاته قادر لذاته (١). وكان أبو الحسن الأشعري على مذهب الجبائي، ثم انفرد عنه إلى مثبتي الصفات (٢)، ثم أخذ بعض مثبتي الصفات في اعتقاد التشبيه وإثبات الانتقال في النزول. ذكر تلبيسه على الرافضة قال المصنف: وكما لبَّس إبليس على هؤلاء الخوارج حتى قاتلوا علي بن أبي طالب ﵁ حمل آخرين على الغلو في حبِّه؛ فزادوه على الحد:

стр. 282

° فمنهم من كان يقول: هو الإله (١). ° منهم من يقول: هو خير من الأنبياء (٢). ° ومنهم من حمله حبه على سب أبي بكر وعمر، حتى إن بعضهم كفَّر أبا بكر وعمر (٣). إلى غير ذلك من المذاهب السخيفة التي يرغب عن

стр. 283

تضييع الزمان بذكرها، وإنما نشير إلى بعضها: • أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، قال: حدث أبو يعقوب إسحاق بن محمد النخعي، عن عبيد الله بن محمد بن عائشة، وأبي عثمان المازني، وغيرهما، وسمعت عبد الواحد بن علي بن برهان الأسدي يقول: إسحاق بن محمد النخعي الأحمر كان يقول: إن عليًّا هو الله. تعالى الله ! وبالمدائن (١) جماعة من الغلاة يعرفون بالإسحاقية ينسبون إليه (٢). قال الخطيب (٣): ووقع إليَّ كتاب لأبي محمد الحسن بن [موسى] (٤) النُّوبَخْتي من تصنيفه في الرد على الغلاة، وكان النُّوبَخْتي هذا من متكلمي الشيعة الإمامية، فذكر أصناف مقالات الغلاة إلى أن قال: وقد كان ممن جرد الجنون في الغلو في عصرنا إسحاق بن محمد المعروف بالأحمر، كان يزعم أن عليًّا هو الله، وأنه يظهر في كل وقت، فهو الحسن في وقت، وكذلك هو الحسين، وهو الذي بعث محمدًا ﷺ . قال المصنف: قلت: وقد اعتقد جماعة من الرافضة أن أبا بكر وعمر كانا كافرين، وقال بعضهم: ارتدَّا بعد موت رسول الله ﷺ (٥)، ومنهم من يقول بالتبري

стр. 284

من غير علي. قال المصنف: وقد روينا أن الشيعة طالبت زيد بن علي بالتبري ممن خالف عليًّا في إمامته فامتنع من ذلك فرفضوه فسموا الرافضة (١). • ومنهم أقوام قالوا (٢): الإمامة في موسى بن جعفر، ثم في ابنه علي، ثم إلى محمد بن علي، ثم إلى علي بن محمد، ثم إلى الحسن بن محمد العسكري، ثم إلى ابنه محمد، هو الثاني عشر، الإمام المنتظر (٣)، الذين يزعمون أنه لم يمت، وأنه سيرجع في آخر الزمان فيملأ الأرض عدلًا (٤).

стр. 285

• وكان أبو منصور العجلي يقول بانتظار محمد بن علي الباقر، ويدعي أنه خليفته، وأنه عرج به إلى السماء، فمسح الرب بيده على رأسه، وزعم أنه الكسف الساقط من السماء (١). • وكانت طائفة من الرافضة يقال لها: الجناحية -وهم أصحاب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن ذي الجناحين- يقولون: إن روح الإله دارت في أصلاب الأنبياء والأولياء إلى أن انتهى إلى عبد الله، وأنه لم يمت، وهو المنتظر (٢).
следующие страницы →