← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11302

تلبيس إبليس - ت المزيد والسحيباني

ابن الجوزي

Полный текст (915 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وتلت هذه المسألة مسائل الصفات، مثل: العلم، والقدرة، والحياة، والسمع، والبصر، فقال قوم: هي معان زائدة على الذات. ونفتها المعتزلة وقالوا: عالم لذاته قادر لذاته (١). وكان أبو الحسن الأشعري على مذهب الجبائي، ثم انفرد عنه إلى مثبتي الصفات (٢)، ثم أخذ بعض مثبتي الصفات في اعتقاد التشبيه وإثبات الانتقال في النزول. ذكر تلبيسه على الرافضة قال المصنف: وكما لبَّس إبليس على هؤلاء الخوارج حتى قاتلوا علي بن أبي طالب ﵁ حمل آخرين على الغلو في حبِّه؛ فزادوه على الحد:

стр. 282

° فمنهم من كان يقول: هو الإله (١). ° منهم من يقول: هو خير من الأنبياء (٢). ° ومنهم من حمله حبه على سب أبي بكر وعمر، حتى إن بعضهم كفَّر أبا بكر وعمر (٣). إلى غير ذلك من المذاهب السخيفة التي يرغب عن

стр. 283

تضييع الزمان بذكرها، وإنما نشير إلى بعضها: • أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، قال: حدث أبو يعقوب إسحاق بن محمد النخعي، عن عبيد الله بن محمد بن عائشة، وأبي عثمان المازني، وغيرهما، وسمعت عبد الواحد بن علي بن برهان الأسدي يقول: إسحاق بن محمد النخعي الأحمر كان يقول: إن عليًّا هو الله. تعالى الله ! وبالمدائن (١) جماعة من الغلاة يعرفون بالإسحاقية ينسبون إليه (٢). قال الخطيب (٣): ووقع إليَّ كتاب لأبي محمد الحسن بن [موسى] (٤) النُّوبَخْتي من تصنيفه في الرد على الغلاة، وكان النُّوبَخْتي هذا من متكلمي الشيعة الإمامية، فذكر أصناف مقالات الغلاة إلى أن قال: وقد كان ممن جرد الجنون في الغلو في عصرنا إسحاق بن محمد المعروف بالأحمر، كان يزعم أن عليًّا هو الله، وأنه يظهر في كل وقت، فهو الحسن في وقت، وكذلك هو الحسين، وهو الذي بعث محمدًا ﷺ . قال المصنف: قلت: وقد اعتقد جماعة من الرافضة أن أبا بكر وعمر كانا كافرين، وقال بعضهم: ارتدَّا بعد موت رسول الله ﷺ (٥)، ومنهم من يقول بالتبري

стр. 284

من غير علي. قال المصنف: وقد روينا أن الشيعة طالبت زيد بن علي بالتبري ممن خالف عليًّا في إمامته فامتنع من ذلك فرفضوه فسموا الرافضة (١). • ومنهم أقوام قالوا (٢): الإمامة في موسى بن جعفر، ثم في ابنه علي، ثم إلى محمد بن علي، ثم إلى علي بن محمد، ثم إلى الحسن بن محمد العسكري، ثم إلى ابنه محمد، هو الثاني عشر، الإمام المنتظر (٣)، الذين يزعمون أنه لم يمت، وأنه سيرجع في آخر الزمان فيملأ الأرض عدلًا (٤).

стр. 285

• وكان أبو منصور العجلي يقول بانتظار محمد بن علي الباقر، ويدعي أنه خليفته، وأنه عرج به إلى السماء، فمسح الرب بيده على رأسه، وزعم أنه الكسف الساقط من السماء (١). • وكانت طائفة من الرافضة يقال لها: الجناحية -وهم أصحاب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن ذي الجناحين- يقولون: إن روح الإله دارت في أصلاب الأنبياء والأولياء إلى أن انتهى إلى عبد الله، وأنه لم يمت، وهو المنتظر (٢).

стр. 286

• ومنهم طائفة يقال لها: الغرابية (١)، يثبتون شركة علي في النبوة. • وطائفة يقال لها: المفوِّضة، يقولون: إن الله تعالى خلق محمدًا ثم فوَّض خلق العالم إليه (٢). • وطائفة يقال لها: الذمية، يذمون جبريل، ويقولون: كان مأمورًا بالنزول على عليٍّ، فنزل إلى محمد (٣). • ومنهم من يقول: إن أبا بكر ظلم فاطمة ميراثها (٤).

стр. 287

قال المصنف: وقد روينا عن السفاح أنه خطب يومًا فقام رجل من آل علي ﵇، فقال: يا أمير المؤمنين، أعدني على من ظلمني، قال: ومن ظلمك؟ قال: أنا من أولاد علي ﵇، والذي ظلمني أبو بكر حين أخذ فدكًا (١) من فاطمة، قال: فدام على ظلمكم؟ قال: نعم. قال: ومن قام بعده؟ قال: عمر. قال: ودام على ظلمكم؟ قال: نعم. ومن قام بعده؟ قال: عثمان. قال ودام على ظلمكم؟ قال: نعم. قال: ومن قام بعده؟ قال: فجعل يلتفت كذا وكذا ينظر مكانًا يهرب إليه (٢).

стр. 288

قال ابن عقيل: الظاهر أن من وضع مذهب الرافضة قصد الطعن في أصل الدين والنبوة، وذلك أن الذي جاء به رسول الله ﷺ أمر غائب عنا، وإنما نثق في ذلك بقول السلف وجودة نظر الناظرين إلى ذلك منهم، فكأننا نظرنا إذ نظر لنا من نثق بدينه وعقله، فإذا قال قائل: إنهم أول ما بدؤوا بعد موته بظلم أهل بيته في الخلافة وابنته في إرثها فما هذا إلا لسوء اعتقاد في المتوفى؛ فإن الاعتقادات الصحيحة سيما في الأنبياء توجب حفظ قوانينهم بعدهم لا سيما في أهليهم وذريتهم، فإذا قالت الرافضة: إن القوم استحلوا هذا بعده؛ خابت آمالنا في الشرع؛ لأنه ليس بيننا وبينه إلا النقل عنهم والثقة بهم. فإذا كان هذا محصول ما حصل لهم بعد موته خِبْنا في المنقول، وزالت ثقتنا فيما عولنا عليه من اتباع ذوي العقول، ولم نأمن أن يكون القوم لم يروا ما يوجب اتباعه فراعوه مدة الحياة، وانفتلوا عن شريعته بعد الوفاة، ولم يبق على دينه إلا الأقل من أهله، فطاحت الاعتقادات، وضعفت النفوس عن قبول الروايات في الأصل وهو المعجزات، فهذا من أعظم المحن على الشريعة! وقال المصنف: وغلو الرافضة في حب علي ﵇، حملهم على أن وضعوا أحاديث كثيرة في فضائله أكثرها تشينه وتؤذيه (١)، وقد ذكرت منها جملة في كتاب "الموضوعات"، منها:

стр. 289

° أن الشمس غابت ففاتت عليًّا ﵇ العصر، فردت له الشمس. وهذا من حيث النقل محال، لم يروه ثقة (١)، ومن حيث المعنى فإن الوقت قد فات وعودها طلوع متجدد فلا يرد الوقت. ° وكذلك وضعوا أن فاطمة اغتسلت ثم ماتت، وأوصت أن يكتفى بذلك الغسل (٢). وهذا من حيث النقل كذب، ومن حيث المعنى قلة فهم؛ لأن الغسل عن حدث الموت فكيف يصح قبله. ثم لهم خرافات لا يسندونها إلى مستند، ولهم مذاهب في الفقه ابتدعوها تخالف الإجماع، فنقلت منها مسائل من خط ابن عقيل، قال: نقلتها من كتاب المرتضى فيما انفردت به الإمامية (٣). منها: - أنه لا يجوز السجود على ما ليس بأرض ولا من نبات الأرض، فأما الصوف والجلود والوبر فلا. - وأن الاستجمار لا يجزئ في البول، بل في الغائط خاصة، ولا يجزئ مسح الرأس إلا بباقي البلل الذي في اليد، فإن استأنف للرأس بللًا مستأنفًا لم يجزه، حتى لو نشفت يده من البلل احتاج إلى استئناف الطهارة. - وانفردوا بتحريم من زنا بها وهي تحت زوج أبدًا، فلو طلقها زوجها لم يحل للزاني بها نكاحها. - وحرموا الكتابيات.

стр. 290

- وأن الطلاق المعلق على شرط لا يقع وإن وجد شرطه، وأن الطلاق لا يقع إلا بحضور شاهدين عدلين. - وأن من نام عن صلاة العشاء إلى أن مضى نصف الليل وجب عليه إذا استيقظ القضاء، وأن يصبح صائمًا كفارة لذلك التفريط. - وأن المرأة إذا جزت شعرها فعليها كفارة قتل الخطأ. - وأن من شق ثوبه في موت ابن له أو زوجة فعليه كفارة يمين. - وأن من تزوج امرأة لها زوج وهو لا يعلم لزمه الصدقة بخمسة دراهم. - وأن شارب الخمر إذا حد ثانية قتل في الثالثة، ويحد شارب الفقاع (١) كشارب الخمر. - وأن قطع السارق من أصول الأصابع ويبقى له الكف (٢)، فإن سرق مرة أخرى قطعت الرجل اليسرى، فإن سرق ثالثة خلد في الحبس إلى أن يموت. - وحرموا السمك الجريّ (٣)، وذبائح أهل الكتاب، واشترطوا في الذبح استقبال القبلة، في مسائل كثيرة يطول ذكرها، خرقوا فيها الإجماع، وسول لهم إبليس وضعها على وجه لا يستندون فيه إلى أثر ولا قياس، بل إلى الواقعات. ومقابح الرافضة أكثر من أن تحصى!

стр. 291

وقد حرموا الصلاة لكونهم لا يغسلون أرجلهم في الوضوء، والجماعة لطلبهم إمامًا معصومًا، وابتلوا بسب الصحابة، وفي "الصحيحين": عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أُحُد ذهبًا ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه" (١). وقد أخبرنا محمد بن عبد الملك ويحيى بن علي، قالا: أخبرنا محمد بن أحمد بن المسلمة، قال: أخبرنا أبو الطاهر المخلص، قال: نا البغوي، قال: نا محمد بن عباد المكي، قال: نا محمد بن طلحة المدني، عن عبد الرحمن بن سالم بن عبد الله بن عويم بن ساعدة، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله اختارني واختار لي أصحابًا، فجعل لي منهم وزراء وأنصارًا وأصهارًا، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منهم يوم القيامة صرفًا ولا عدلا" (٢). قال المصنف: والمراد بالعدل: الفريضة، والصرف: النافلة (٣). أخبرنا أبو البركات بن علي البزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الطُرَيْثيثي، قال: أنا هبة الله بن الحسن الطبري، قال: أنا عبيد الله بن محمد بن أحمد. قال: أخبرنا علي بن محمد بن أحمد بن يزيد الرياحي، قال: نا أبي، قال: نا الحسن بن عُمارة، عن المنهال بن عمرو، عن سويد بن غفلة، قال: مررت بنفر من الشيعة يتناولون أبا بكر وعمر

стр. 292

وينتقصونهما، فدخلت على عليّ بن أبي طالب فقلت: يا أمير المؤمنين، مررت بنفر من أصحابك يذكرون أبا بكر وعمر بغير الذي هما له أهل، ولولا أنهم يرون أنك تضمر لهما على مثل ما أعلنوا ما اجترؤوا على ذلك. فقال علي: أعوذ بالله! أعوذ بالله أن أضمر لهما إلا الذي أتمنى المضي عليه، لعن الله من أضمر لهما إلا الحسن الجميل! أخوا رسول الله ﷺ وصاحباه ووزيراه رحمة الله عليهما! ثم نهض دامع العينين يبكي قابضًا على يديَّ حتى دخل المسجد، فصعد المنبر وجلس عليه متمكنًا قابضًا على لحيته، وهو ينظر فيها وهي بيضاء، حتى اجتمع له الناس، ثم قام فتشهد بخطبة موجزة بليغة، ثم قال: ما بال أقوام يذكرون سيِّديْ قريش وأبوي المسلمين، ما أنا عنه مُتَنَزِّهٌ، ومما قالوه بريء، وعلى ما قالوا مُعاقِب، أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا يحبهما إلا مؤمن تقي، ولا يبغضهما إلا فاجر رديّ، صحبا رسولَ الله ﷺ على الصدق والوفاء، يأمران وينهيان، ويقضيان ويعاقبان، فما يتجاوزان فيما يصنعان رأيَ رسول الله ﷺ ، لا كان رسول الله ﷺ يرى كرأيهما رأيًا، ولا يحب كحبهما أحدًا، مضى رسول الله ﷺ وهو راضٍ عنهما، ومضيا والمؤمنون عنهما راضون، أمَّره رسول الله ﷺ على صلاة المؤمنين، فصلى بهم تسعة أيام في حياة رسول الله ﷺ ، فلما قبض الله نبيه واختار له ما عنده، ولَّاه المؤمنون ذلك، وفوضوا إليه الزكاة، ثم أعطوه البيعة طائعين غير مكرهين، وأنا أول من سَنَّ له ذلك من بني عبد المطلب، وهو لذلك كاره يود لو أن منا أحدًا كفاه ذلك، وكان والله خَيْرَ من بقي، أرحمه رحمة، وأرأفه رأفة، وأيبسه ورعًا، وأقدمه سنًّا وإسلامًا، شبَّهه رسول الله ﷺ بميكائيل رأفة ورحمة، وبإبراهيم عفوًا ووقارًا، فسار بسيرة رسول الله ﷺ حتى مضى على ذلك رحمة الله عليه.

стр. 293

ثم تولى الأمر من بعد عمر، وكنت فيمن رضي، فأقام الأمر على منهاج النبي ﷺ وصاحبه، يتبع أثرهما كما يتبع الفصيل أثر أمه، وكان والله رفيقًا رحيمًا بالضعفاء، ناصرًا للمظلومين على الظالمين، لا يأخذه في الله لومة لائم، وضرب الله بالحق على لسانه، وجعل الصدق من شأنه، حتى إن كنا لنظن أن ملكًا ينطق على لسانه، أعز الله بإسلامه الإسلام، وجعل هجرته للدين قوامًا، ألقى له في قلوب المنافقين الرهبة، وفي قلوب المؤمنين الرحمة والمحبة، شبَّهه رسول الله ﷺ بجبريل فظًّا غليظًا على الأعداء. فمن لكم بمثلهما! فمن أحبني فليحبهما، ومن لم يحبهما فقد أبغضني، وأنا منه بريء، ولو كنت تقدمت إليكم في أمرهما لعاقبت على هذا أشد العقوبة، أَلا فمن أُتيت به يقول بعد هذا اليوم فإن عليه ما على المفتري، أَلا وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر، ثم الله أعلم بالخير أين هو؟ أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم (١). أخبرنا سعد الله بن علي، قال: أخبرنا الطُرَيْثيثي، قال: أخبرنا هبة الله الطبري، قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا البغوي، قال: حدثنا سويد بن سعيد، قال: نا محمد بن خازم، عن أبي جناب الكلبي، عن أبي سليمان الهمداني، عن علي قال: يخرج في آخر الزمان قوم لهم نبز يقال لهم: الرافضة، ينتحلون شيعتنا وليسوا من شيعتنا، وآية ذلك أنهم يشتمون أبا بكر وعمر، أينما أدركتموهم فاقتلوهم؛ فإنهم مشركون (٢).

стр. 294

ذكر تلبيس إبليس على الباطنية قال المصنف: الباطنية قوم تستروا بالإسلام ومالوا إلى الرفض (١)، وعقائدهم وأعمالهم تباين الإسلام بمرة، فمحصول قولهم تعطيل الصانع وإبطال النبوة والعبادات وإنكار البعث (٢)، ولكنهم لا يظهرون هذا في أول أمرهم، بل يزعمون أن الله حق، ومحمدًا رسول الله، والدين صحيح، ولكنهم يقولون: لذلك سر غير ظاهر، وقد تلاعب بهم إبليس فبالغ وحسن لهم مذاهب مختلفة. ولهم ثمانية أسماء (٣): ° الاسم الأول: الباطنية: سموا بذلك لأنهم يدعون أن لظواهر القرآن والأحاديث بواطنَ تجري من الظواهر مجرى اللب من القشر، وأنها بصورتها توهم الجهال صورًا جلية، وهي عند العقلاء رموز وإشارات إلى حقائق خفية، وأن من تقاعد عقله عن الغوص على

стр. 295

الخفايا والأسرار والبواطن والأغوار وقنع بظواهرها كان تحت الأغلال التي هي تكليفات الشرع، ومن ارتقى إلى علم الباطن انحط عنه التكليف واستراح من أعبائه. قالوا: وهم المرادون بقوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. ومرادهم: أن ينزعوا عن العقائد موجب الظواهر؛ ليقدروا بالتحكم بدعوى الباطل على إبطال الشرائع (١). ° الاسم الثاني: الإسماعيلية نُسِبوا إلى زعيم لهم يقال له محمد بن إسماعيل بن جعفر، ويزعمون أن دور الإمامة انتهى إليه؛ لأنه سابع، واحتجوا بأن السموات سبع والأرضين سبع وأيام الأسبوع سبعة، فدل على أن دور الأئمة يتم بسبعة (٢)، وعلى هذا فيما يتعلق بالسابع كانت الرواندية تتعلق بالمنصور فيقولون (٣): العباس، ثم ابنه عبد الله، ثم علي، ثم محمد بن علي، ثم إبراهيم، ثم السفاح، ثم المنصور.

стр. 296

فذكر أبو جعفر الطبري في "تاريخه" فقال: قال علي بن محمد، عن أبيه، إن رجلًا من الراوندية كان يقال له الأبلق وكان أبرص، فتكلم بالغلو، ودعا الراوندية إليه، وزعم أن الروح التي كانت في عيسى ابن مريم صارت في علي بن أبي طالب، ثم في الأئمة واحدًا بعد واحد، إلى إبراهيم بن محمد، واستحلوا الحرمات وكان الرجل منهم يدعو الجماعة إلى منزله، فيطعمهم ويسقيهم ويحملهم على امرأته، فبلغ ذلك أسد بن عبد الله فقتلهم وصلبهم، فلم يزل ذلك فيهم إلى اليوم، وعبدوا أبا جعفر، وصعدوا الخضراء (١) وألقوا أنفسهم كأنهم يطيرون، فلا يبلغون إلى الأرض إلا وقد هلكوا، وخرج جماعتهم على الناس في السلاح وأقبلوا يصيحون بأبي جعفر: أنت أنت! ° الاسم الثالث: السبعية لقبوا بذلك لأمرين: ° أحدهما: اعتقادهم أن أدوار الإمامة سبعة سبعة على ما بيَّنا، وأن الانتهاء إلى السابع هو آخِر الأدوار، وهو المراد بالقيامة، وأن تعاقب هذه الأدوار لا آخر لها. ° والثاني: لقولهم: إن تدبير العالم السفلي منوط بالكواكب السبعة: زحل، ثم المشتري، ثم المريخ، ثم الشمس، ثم الزهرة، ثم عطارد، ثم القمر (٢). ° الاسم الرابع: البَابَكِيَّة وهو اسم لطائفة منهم تبعوا رجلًا يقال له: بَابَك الخرمي، وكان من الباطنية (٣)،

стр. 297

وأصله أنه ولد زنا (١)، فظهر في بعض الجبال بناحية أذربيجان سنة إحدى ومائتين، وتبعه خلق كثير، واستفحل أمرهم، واستباح المحظورات (٢)، وكان إذا علم أن عند أحد بنتًا جميلة أو أختًا طلبها، فإن بعثها إليه وإلا بيَّته وأخذها (٣)، ومكث على هذا عشرين سنة، فقتل مائتي ألف وخمسة وخمسين ألفًا وخمسمائة إنسان (٤). وحاربه السلطان فهزم خلقًا من الجيوش، حتى بعث المعتصم أُفشين فحاربه، فجاء ببابك وأخيه في سنة ثلاث وعشرين، فلما أُدْخِلا، قال لبابك أخوه: يا بابك، قد عملت ما لم يعمله أحد فاصبر الآن صبرًا لم يصبره أحد. فقال: سترى صبري! فأمر المعتصم بقطع يده، فقطعت يمينه، فمسح بالدم وجهه. فسئل عن ذلك، فقال: خفت أن يرى في وجهي صفرة؛ فيظن أني قد جزعت من الموت. فقطعت أربعته ثم ضربت عنقه، وضرمت عليه النار، وفعل مثل ذلك بأخيه، فما فيهما من صاح (٥). وقد بقي من البابكية جماعة يقال لهم: إن لهم ليلة في كل سنة يجتمع فيها رجالهم ونساؤهم، ويطفئون السرج، ثم يتناهبون النساء فيثب كل رجل منهم إلى امرأة، ويزعمون أن من احتوى على امرأة استحلها بالاصطياد؛ لأن الصيد مباح (٦).

стр. 298

° الاسم الخامس: المحمرة سموا بذلك لأنهم صبغوا ثيابهم بالحمرة في أيام بابك ولبسوها (١). ° الاسم السادس: القرامطة وللمؤرخين في سبب تسميتهم بهذا قولان (٢): ° أحدهما (٣): أن رجلًا من ناحية خوزستان قدم سواد الكوفة (٤)، فأظهر الزهد ودعا إلى إمام من أهل بيت الرسول ﵇، ونزل على رجل يقال له: كرميتة، لقب بهذا لحمرة عينيه، وهو بالنبطية حاد العينين، فأخذه أمير تلك الناحية فحبسه وترك مفتاح البيت تحت رأسه ونام، فرقت له جارية فأخذت المفتاح ففتحت البيت وأخرجته وردت المفتاح إلى مكانه، فلما طلب فلم يوجد زاد افتتان الناس به فخرج إلى الشام، وتسمى: كرميتة، باسم الذي كان نازلًا عليه، ثم خفف فقيل قُرْمط، ثم توارث مكانه أولاده وأهله. ° والثاني (٥): أن القوم لقبوا بهذا نسبة إلى رجل يقال له حمدان قرمط، كان أحد

стр. 299

دعاتهم في الابتداء، فاستجاب له جماعة فسموا قرامطة وقرمطية، وكان هذا الرجل من أهل الكوفة، وكان يميل إلى الزهد، فصادفه أحد دعاة الباطنية في طريق وهو متوجه إلى القرية وبين يديه بقر يسوقها، فقال حمدان لذلك الراعي وهو لا يعرفه: أين مقصدك؟ فذكر قرية حمدان، فقال له: اركب بقرة من هذه لئلا تتعب، فقال: إني لم أؤمر بذلك، فقال: وكأنك لا تعمل إلا بأمر، قال: نعم. قال: وبأمر من تعمل؟ قال: بأمر مالكي ومالكك ومالك الدنيا والآخرة، فقال: ذلك إذن هو الله رب العالمين. فقال: صدقت. قال له: فما غرضك في هذه القرية التي تقصدها؟ قال: أمرت أن أدعو أهلها من الجهل إلى العلم، ومن الضلالة إلى الهدى، ومن الشقاء إلى السعادة، وأن أستنقذهم من ورطات الذل والفقر، وأُمَلِّكُهم ما يستغنون به عن الكد، فقال له حمدان: أنقذني أنقذك الله، وأَفِض عليَّ من العلم ما تحييني به، فما أشد احتياجي إلى مثل ما ذكرته! فقال: ما أمرت أن أخرج السر المخزون إلى كل أحد إلا بعد الثقة به والعهد إليه. قال: اذكر عهدك فإني ملتزم له! فقال: أن تجعل لي وللإمام على نفسك عهد الله وميثاقه ألَّا تخرج سر الإمام الذي ألقيه إليك، ولا تفش سري أيضًا. فالتزم حمدان عهده، ثم اندفع الداعي في تعليمه فنون جهله حتى استغواه فاستجاب له، ثم انتدب للدعاء، وصار أصلًا من أصول هذه البدعة فسمي أتباعه القرامطة والقرمطية. ثم لم يزل بنوه وأهله يتوارثون مكانه، وكان أشدهم بأسًا رجل يقال له أبو سعيد، ظهر في سنة ست وثمانين ومائتين، وقوي أمره، فقتل ما لا يحصى من المسلمين،

стр. 300

وخرب المساجد، وأحرق المصاحف، وفتك بالحاج، وسَنَّ لأصحابه سننًا، وأخبرهم بمحالات، وكان إذا قاتل يقول: قد وعدت النصر في هذه الساعة. فلما مات بنوا على قبره قبة وجعلوا على رأسها طائرًا من جصٍّ، وقالوا: إذا طار هذا الطائر خرج أبو سعيد من قبره، وجعلوا عند القبر فرسًا وخلعة ثياب وسلاحًا (١)، وقد سول إبليس لهذه الجماعة أنه من مات وعلى قبره فرس حشر راكبًا، وإن لم يكن ثَمَّ فرسٌ حشر ماشيًا. وكان أصحاب أبي سعيد يصلون عليه إذا ذكروه ولا يصلون على رسول الله ﷺ ، فإذا سمعوا من يصلي على رسول الله ﷺ يقولون: تأكل رزق أبي سعيد وتصلي على أبي القاسم! وخَلَّفَ بعده ابنَه أبا طاهر ففعل مثل فعله، وهجم على الكعبة فأخذ ما فيها من الذخائر، وقلع الحجر الأسود فحمله إلى بلده، وأوهم الناس أنه الله . ° الاسم السابع: الخُرَّمِيَّة وخُرَّم: لفظ أعجمي ينبئ عن الشيء المستلذ المستطاب الذي يرتاح الإنسان له، ومقصود هذا الاسم تسليط الناس على اتباع اللذات وطلب الشهوات كيف كانت، وَطَيِّ بساط التكليف وحط أعباء الشرع عن العباد، وقد كان هذا الاسم لقبًا للمَزْدَكية، وهم أهل الإباحة من المجوس (٢) الذين نبغوا في أيام قُبَاذ وأباحوا النساء المُحَرَّمات، وأحلوا كل محظور، فسمي هؤلاء بهذا الاسم لمشابهتهم إياهم في نهاية هذا المذهب وإن خالفوهم في مقدماته (٣).

стр. 301

° الاسم الثامن: التعليمية لقبوا بذلك لأن مبدأ مذهبهم إبطال الرأي، وإفساد تصرف العقول، ودعاء الخلق إلى التعلم من الإمام المعصوم، وأنه لا مدرك للعلوم إلا التعليم (١). فصل في ذكر السبب الباعث لهم على الدخول في هذه البدعة (٢) اعلم أن القوم أرادوا الانسلال من الدين فشاوروا جماعة من المجوس، والمَزْدَكية، والثنوية، وملحدة الفلاسفة في استنباط تدبير يخفف عنهم ما نابهم من استيلاء أهل الدين عليهم حتى أخرسوهم عن النطق بما يعتقدونه من إنكار الصانع، وتكذيب الرسل، وجحد البعث، وزعمهم أن الأنبياء مُمخْرِقُون (٣)، ومُنَمِّسون (٤)، ورأوا أمرَ محمد ﷺ قد استطار في الأقطار، وأنهم قد عجزوا عن مقاومته. فقالوا: سبيلنا أن ننتحل عقيدة طائفة من فرقهم أَرَكَّهم عقولًا، وأسخفهم رأيًا، وأقْبَلِهِم للمحالات والتصديق بالأكاذيب -وهم الروافض - فنتحصن بالانتساب إليهم، ونتودد إليهم بالحزن على ما جرى على آل محمد من الظلم والذل (٥)؛ ليمكننا

стр. 302

شتم القدماء الذين نقلوا إليهم الشريعة، فإذا هان أولئك عندهم لم يلتفتوا إلى ما نقلوه؛ فأمكن استدراجهم إلى الانخلاع عن الدين، فإن بقي منهم معتصم بظواهر القرآن والأخبار، أوهمناه أن تلك الظواهر لها أسرار وبواطن، وأن الانخداع بظواهرها حمق، وإنما الفطنة في اعتقاد بواطنها، ثم نبثّ إليهم عقائدنا، ونزعم أنها المراد بظواهرها عندهم، فإذا تكثرنا بهؤلاء سهل علينا استدراج باقي القوم. ثم قالوا: وطريقنا أن نختار رجلًا ممن يساعد على المذهب ويزعم أنه من أهل البيت، وأنه يجب على الخلق متابعُتُه ويتعين عليهم طاعته؛ لكونه خليفة رسول الله ﷺ ، والمعصوم من الخطأ والزلل من جهة الله تعالى، ثم لا نظهر هذه الدعوة على القرب من جوار هذا الخليفة الذي وسمناه بالعصمة، فإن قُرْبَ الدار يهتك الأسرار، وإذا بعدت الشقة وطالت المسافة فمتى يقدر المستجيب للدعوة أن يفتش عن حال الإمام أو يطلع على حقيقة أمره. وقصدهم بهذا كله: الملك والاستيلاء على أموال الناس، والانتقام منهم؛ لما عاملوهم به من سفك دمائهم ونهب أموالهم قديمًا، فهذا غاية مقصدهم ومبدأ أمرهم! فصل وللقوم (١) حيل في استزلال الناس، فهم يميزون من يجوز أن يطمع في استدراجه ممن لا يطمع فيه، فإذا طمعوا في شخص نظروا في طبعه، فإن كان مائلًا

стр. 303

إلى الزهد دعوه إلى الأمانة والصدق وترك الشهوات، وإن كان مائلًا إلى الخلاعة قرروا في نفسه أن العبادة بَلَهٌ، وأن الورع حماقة، وإنما الفطنة في اتباع اللذات من هذه الدنيا الفانية (١). ويبثون عند كل ذي مذهب ما يليق بمذهبهم، ثم يشككونه فيما يعتقدونه (٢)، فيستجيب لهم: ° إما رجل أبله. ° وإما رجل من أبناء الأكاسرة وأولاد المجوس، قد انقطعت دولة أسلافه بدولة الإسلام. ° أو رجل يميل إلى الاستيلاء ولا يساعده الزمان؛ فيعدونه بنيل آماله. ° أو شخص يحب الترفع عن مقامات العوام ويروم بزعمه الاطلاع على الحقائق. ° أو رافضي يتدين بسبِّ الصحابة. ° أو ملحد من الفلاسفة والثنوية والمتحيرين في الدين. ° أومن قد غلب عليه حب اللذات، وثقل عليه التكليف (٣).

стр. 304

فصل في ذكر نبذة من مذاهبهم قال أبو حامد الطوسي (١): الباطنية قوم يَدَّعون الإسلام ويميلون إلى الرفض، وعقائدهم وأعمالهم تباين الإسلام، فمن مذهبهم: ° القول بإلهين قديمين لا أول لوجودهما من حيث الزمان، إلا أن أحدهما علة لوجود الثاني، قالوا: والسابق لا يوصف بوجود ولا عدم، ولا هو موجود ولا هو معدوم، ولا هو معلوم ولا هو مجهول، ولا هو موصوف ولا هو غير موصوف، وحدث من السابق التالي، وهو أول ثم مبدع. ثم حدثت (٢) النفس الكلية. ° وعندهم أن النبي عبارة عن شخص فاضت عليه من السابق بواسطة التالي قوة قدسية صافية، وزعموا أن جبريل عبارة عن العقل الفائض عليه، لا أنه شخص. ° واتفقوا على أنه لابد في كل عصر من إمام معصوم قائم بالحق، يُرجع إليه في تأويل الظواهر، يساوي النبي في العصمة. ° وأنكروا المعاد وقالوا: معنى المعاد: عود الشيء إلى أصله، وتعود النفس إلى أصلها. ° وأما التكليف فالمنقول عنهم الإباحة المطلقة واستباحة المحظورات، وقد ينكرون هذا إذا حُكي عنهم، وإنما يقرّون بأنه لابدَّ للإنسان من التكليف، فإذا أُطلع على بواطن الظواهر ارتفعت التكاليف. ° ولما عجزوا عن صرف الناس عن القرآن والسنة صرفوهم عن المراد بهما إلى مخاريق زخرفوها؛ إذ لو صرحوا بالنفي المحض لقُتِلوا؛ فقالوا: ° معنى الجنابة: مبادرة المستجيب بإفشاء السر، ومعنى الغسل: تجديد العهد على من فعل ذلك.

стр. 305

° ومعنى الزنا: إلقاء نطفة العلم الباطن في نفس من لم يسبق معه عقد العهد. ° والصيام: الإمساك عن كشف السر. ° والكعبة: هي النبي، والباب: علي. ° والطوفان: طوفان العلم أغرق به المتمسكون بالشبه، والسفينة: حرزه الذي يحصن به من استجاب لدعوته. ° ونار إبراهيم: عبارة عن غضب نمرود لا عن نار حقيقة. وذبح إسحاق معناه أخذ العهد عليه. ° وعصا موسى: حجته. ° ويأجوج ومأجوج: هم أهل الظاهر. ° وذكر غيره أنهم يقولون: إن الله تعالى لما أوجد الأرواح ظهر لهم فيما بينهم كَهُم، فلم يشكوا أنه واحد منهم فعرفوه، فأول من عرفه سلمان الفارسي، والمقداد، وأبو ذر، وأول المنكرين الذي يسمى إبليس: عمرُ بن الخطاب، في خرافات ينبغي أن يصان الوقت العزيز عن التضييع بذكرها. ومثل هؤلاء لم يتمسكوا بشبهة فتكون معهم مناظرة، وإنما اخترعوا بواقعاتهم ما أرادوا، فإن اتفقت مناظرة لأحدهم فليقل له: أعرفتم هذه الأشياء التي تذكرونها عن ضرورة، أو عن نظر، أو عن نقل عن الإمام المعصوم؟ فإن قلتم: ضرورة، فكيف خالفكم ذوو العقول السليمة؟ ولو ساغ للإنسان أن يهذي بدعوى الضرورة في كل ما يهواه، جاز لخصمه دعوى الضرورة في نقض ما ادعاه، وإن قلتم بالنظر فالنظر عندكم باطل؛ لأنه تصرف بالعقل، وقضايا العقول عندكم لا يوثق بها، وإن قالوا: عن إمام معصوم، قلنا: فما الذي دعاكم إلى قبول قوله بلا معجزة، وترك قول

стр. 306

محمد ﷺ مع المعجزات؟ ثم ما يؤمنكم أن يكون ما سمع عن الإمام المعصوم له باطن غير ظاهره (١)؟ ثم يقال لهم: هذه البواطن والتأويلات يجب إخفاؤها أم إظهارها؟ فإن قالوا: يجب إظهارها، قلنا: فلم كتمها محمد ﷺ ؟ فإن قالوا: يجب إخفاؤها، قلنا: ما وجب على الرسول إخفاؤه كيف حل لكم إفشاؤه؟ قال ابن عقيل: هلك الإسلام بين طائفتين: بين الباطنية والظاهرية: - فأما أهل الباطن فإنهم عطّلوا ظواهر الشرع، بما ادعوه من تفاسيرهم التي لا برهان لهم عليها، حتى لم يبق في الشرع شيء إلا وقد وضعوا وراءه معنى، حتى أسقطوا إيجاب الواجب، والنهي عن المنهي. - وأما أهل الظاهر (٢) فإنهم أخذوا بكل ما ظهر مما لابدَّ من تأويله، فحملوا الأسماء والصفات على ما عقلوا. والحق: بين المنزلتين، وهو أن نأخذ بالظاهر ما لم يصرفنا عنه دليل، ونرفض كل باطن لا يشهد به دليل من أدلة الشرع. قال: ولو لقيت مُقَدَّم هذه الطائفة المعروفة بالباطنية، لم أكن سالكًا معه طريق العلم، بل التوبيخ والإزراء على عقله وعقول أتباعه، بأن أقول: إن للآمال طرقًا تسلك ووجوهًا توصل، ووضع الأمل في جهة الناس حمق، ومعلوم أن هذه الملل التي قد طبقت الأرض أَقْرَبُهَا شريعةُ الإسلام التي تتظاهرون بها، وتطمعون في

стр. 307

إفسادها، قد تمكنت تمكنًا يكون الطمع في تمحيقها فضلًا عن إزالتها حمقًا، فلها مجمع كل سنة بعَرَفَة، ومجمع كل أسبوع في الجوامع، ومجمع كل يوم في المساجد، فمتى تحدثون أنفسكم بتكدير هذا البحر الزاخر وتمحيق هذا الأمر الظاهر! في الآفاق يؤذن كل يوم على ما بين ألوف منابر أشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ ، وغاية ما أنتم عليه حديث في خلوة، أو متقدم في قلعة، إن نبس بكلمة رمي رأسه وقُتِلَ قتل الكلاب، فمتى يحدث العاقل منكم نفسه بظهور ما أنتم عليه على هذا الأمر الكلي الذي قد طبق البلاد! فما أعرف أحمق منكم إلى أن يجيء إلى باب المناظرة بالبراهين العقلية! فصل والتهبت جمرة الباطنية المتأخرين في سنة أربع وتسعين وأربعمائة، فقَتَلَ السلطان بَرْكيارُق خلقًا منهم تحقق مذهبهم، فبلغت عدة القتلى ثلثمائة ونيفًا، وتُتُبِّعت أموالهم فوجد لأحدهم سبعون بيتًا من الزلالي (١) المحفور، وكتب بذلك كتابًا إلى الخليفة، فتقدم بالقبض على قوم يظن فيهم ذلك المذهب، ولم يتجاسر أحد أن يشفع في أحد؛ لئلا يظن ميله إلى ذلك المذهب، وزاد تتبع العوام لكل من أرادوا، وصار كل من في نفسه شيء من إنسان يرميه بهذا المذهب؛ فيقصد وينهب (٢). وأول ما عُرِفَ من أحوال الباطنية في أيام ملك شاه جلال الدولة، أنهم اجتمعوا فصلوا صلاة العيد في ساوة، ففطن بهم السخنة (٣)، فأخذهم وحبسهم ثم أطلقهم، ثم احتالوا مؤذنًا من أهل ساوة، فاجتهدوا أن يدخل معهم فلم يفعل

стр. 308

فخافوا أن ينم عليهم فاغتالوه فقتلوه، فبلغ الخبر إلى نظام الملك فتقدم فأخذ من يتهم بقتله، فقتل المتهم وكان نجارًا، وكانت أول فتكة لهم قتل نظام الملك، وكانوا يقولون: قتلتم منا نجارًا وقتلنا به نظام الملك (١). فاستفحل أمرهم بأصبهان لما مات ملك شاه، وآل الأمر إلى أنهم كانوا يسرقون الإنسان ويقتلونه ويلقونه في البئر، فكان الإنسان إذا دنا وقت العصر ولم يعد إلى منزله يئسوا منه، وفتش الناس المواضع فوجدوا امرأة في دار لا تبرح فوق حصير، فأزالوها فوجدوا تحت الحصير أربعين قتيلًا، فقتلوا المرأة وأحر قوا الدار والمحلة. وكان يجلس رجل ضرير على باب الزقاق الذي فيه هذه الدار، فإذا مر إنسان سأله أن يقوده خطوات إلى الزقاق فإذا حصل هناك جذبه من في الدار واستولوا عليه، فجَدَّ المسلمون في طلبهم بأصبهان؛ فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا (٢). وأول قلعة تملكها الباطنية قلعة في ناحية يقال لها الرُّوذَباد من نواحي الديلم، وكانت هذه القلعة لقماح صاحب ملكشاه، وكان يستحفظها متهمًا (٣) بمذهب القوم، فأخذ ألفًا ومائتي دينار وسلم إليهم القلعة في سنة ثلاث وثمانين في أيام ملكشاه، فكان متقدمها الحسن بن الصباح وأصله من مَرْو، وكان كاتبًا للرئيس عبد الرزاق بن بُهْرَام إذ كان صبيًّا ثم صار إلى مصر، وتلقى من دعاتهم المذهب، وعاد داعية القوم ورأسًا فيهم، وحصلت له هذه القلعة، وكانت سيرته في دعاته أنه لا يدعو إلا غبيًّا لا يفرق بين شماله من يمينه مثلًا، ومن لا يعرف أمور الدنيا، ويطعمه الجوز والعسل والشُّونيز (٤) حتى ينشط دماغه، ثم يذكر له حينئذ ما تَمَّ على أهل بيت المصطفى من

стр. 309

الظلم والعدوان حتى يستقر ذلك في نفسه، ثم يقول: إذا كانت الأزارقة والخوارج سمحوا بنفوسهم في القتال مع بني أمية فما سبب بخلك بنفسك في نصرة إمامك؟! فيتركه بهذه المقالة طعمة للسباع (١). وكان ملكشاه قد أنفذ إلى هذا ابن الصباح يدعوه إلى الطاعة ويتهدده إن خالف، ويأمره بالكف عن بث أصحابه لقتل العلماء والأمراء، فقال في جواب الرسالة والرسول حاضر: الجواب ما ترى، ثم قال لجماعة وقوف بين يديه: أريد أن أنفذكم إلى مولاكم في حاجة فمن ينهض لها؟ فاشرأب كل منهم لذلك، وظن رسول السلطان أنها رسالة يحملها إياهم، وأَوْمَأَ إلى شاب منهم فقال له: اقتل نفسك. فجذب سكينه وضرب بها غَلْصَمَتَه (٢) فخرَّ ميتًا، وقال لآخر: ارم بنفسك من القلعة. فألقى نفسه فتمزق، ثم التفت إلى رسول السلطان فقال: أخبره أن عندي من هؤلاء عشرين ألفًا، هذا حد طاعتهم لي، وهذا هو الجواب. فعاد الرسول إلى السلطان ملكشاه فأخبره بما رأى فعجب من ذلك وترك كلامهم، وصار بأيديهم قلاع كثيرة، ثم قتلوا جماعة من الوزراء والأمراء (٣). قال المصنف: وقد ذكرنا من صفة إقدامهم على القوم في التاريخ أحوالًا عجيبة، فلم نر التطويل بها هاهنا (٤). فصل وكم من زنديق في قلبه حقد على الإسلام، خرج فبالغ واجتهد وزخرف دعاوى يلقى بها من يصحبه! وكان غور مقصده في الاعتقاد الانسلال من ربقة الدين، وفي

стр. 310

العمل نيل اللذات واستباحة المحظورات، فمنهم من حصل له مقصوده من اللذات، ولكن بعد أن قتل الناس وبالغ في الأذى، كبابك الخرمي والقرامطة، وصاحب الزنج الذي خرج فاستغوى المماليك السودان ووعدهم الملك، فنهب وقتل وبالغ، ومنهم من لم يبرح على تعثيره ففاتته الدنيا والآخرة، مثل ابن الرَّاوَنْدي والمعرِّي. أنبأنا محمد بن أبي طاهر، عن أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي، عن أبيه، قال: كان ابن الرَّاوَنْدي ملازم الرافضة وأهل الإلحاد، فإذا عُوتب قال: إنما أريد أن أعرف مذاهبهم، ثم كاشف وناظر (١). قال المصنف: قلت: من تأمل حال ابن الرَّاوَنْدي وَجَدَهُ من كبار الملحدة، وصنف كتابًا سماه "الدامغ" (٢) (٣)، زعم أنه يدمغ به الشريعة، فسبحان من دمغه فأخذه وهو في الشباب (٤)! وكان يعترض على القرآن ويدَّعي عليه التناقض وعدم الفصاحة (٥)، وهو يعلم أن العرب تحيرت عند سماعه فكيف بالألكن! وأما أبو العلاء المعري فأشعاره ظاهرة الإلحاد (٦)، وكان يبالغ في عداوة الأنبياء،

стр. 311

الأنبياء، ولم يزل متخبطًا في تعثيره، خائفًا من القتل إلى أن مات بحسراته. وما خلا زمان من خلف للفريقين، إلا أن جَمْرَة المنبسطين خَبَتْ بحمد الله، فليس هو إلا باطني مستتر ومتفلسف متكاتم هو أعثر الناس وأخسهم قدرًا، وأردأهم عيشًا، وقد شرحنا أحوال جماعة من الفريقين في التاريخ فلم نر التطويل بذلك.

стр. 312

الباب السادس في ذكر تلبيس إبليس على العلماء في فنون العلم اعلم أن إبليس يدخل على الناس في التلبيس من طرق: ° منها: ظاهر الأمر، ولكن يغلب الإنسان في إيثاره هواه فيغمض على علم يذلله. ° ومنها: غامض، وهو الذي يخفى على كثير من العلماء. ونحن نشير إلى فنون من تلبيسه يستدل بمذكورها على مُغْفَلِها؛ إذ حصر الطرق يطول، والله العاصم. ذكر تلبيسه على القراء ° فمن ذلك أن أحط هم يشتغل بالقراءات الشَّاذة وتحصيلها، فيبقى أكثر عمره في جمعها وتصنيفها والإقراء بها، ويشغله ذلك عن معرفة الفرائض والواجبات، فربما رأيت إمام مسجد تصدر للإقراء، ولا يعرف ما يفسد الصلاة، وربما حمله حب التصدر حتى لا يُرى بعين الجهل على أن يجيب في فتوى بما يقع له، وإن لم يُجَزْ في مذهب، ولو تفكروا لعلموا أن المراد حفظ القرآن، وتقويم ألفاظه، ثم فهمه، ثم العمل به، ثم الإقبال على ما يصلح النفس ويطهر أخلاقها، ثم التشاغل بالمهم من علوم الشرع، ومن الغبن الفاحش تضييع الزمان فيما غيرُهُ الأهمُّ. قال الحسن البصري: أُنزل القرآن ليُعمل به، فاتخذ الناس تلاوته عملًا (١). يعني: أنهم اقتصروا على التلاوة وتركوا العمل به.

стр. 313

° ومن ذلك أن أحدهم يقرأ في محرابه بالشَّاذ ويترك المشهور، والصحيح عند العلماء أن الصلاة لا تصح بهذا الشاذ، وإنما مقصود هذا إظهار الغريب لاستجلاب مدح الناس وإقبالهم عليه، وعنده أنه متشاغل بالقرآن، وفيهم من يجمع القراءات فيقول: (ملك، مالك، ملاك)، وهذا لا يجوز؛ لأنه إخراج للقرآن عن نظمه. وفيهم من يجمع السجدات والتهليلات والتكبيرات وذلك لا يجوز. وقد صاروا يوقدون النيران الكثيرة للختمة، فيجمعون بين تضييع المال والتشبه بالمجوس والتسبب إلى اجتماع النساء والرجال بالليل للفساد. ويريهم إبليس أن في إعزازًا للإسلام، وهذا تلبيس عظيم؛ لأن إعزاز الشرع باستعمال المشروع. ° ومن ذلك أن فيهم من يتسامح بادعاء القراءة على من لم يقرأ عليه وربما كانت له إجازة منه، فقال أخبرنا تدليسًا وهو يرى أن الأمر في ذلك قريب؛ لكونه يروي القراءات ويراها فعل خير، وينسى أن هذا كذب يلزمه إثم الكذابين! ° ومن ذلك أن المقرئ المجيد يأخذ على اثنين وثلاثة ويحدث من يدخل عليه، والقلب لا يطيق جمع هذه الأشياء، ثم يكتب خطه بأنه قد قرأ عليَّ فلان بقراءة فلان. وقد كان بعض المحققين يقول: ينبغي أن يجمع اثنان وثلاثة فيأخذوا على واحد، ومن ذلك أن أقوامًا من القراء يتبارون بكثرة القراءة. وقد رأيت من مشايخهم من يجمع الناس ويقيم شخصًا فيقرأ في النهار الطويل ثلاث ختمات، فإن قصر عِيْبَ وإن أتمَّ مُدِحَ، وتجتمع العوام لذلك ويحسنونه كما يفعلون في حق السُّعاة، ويريهم إبليس أن في كثرة التلاوة ثوابًا، وهذا من تلبيسه؛ لأن القراءة ينبغي أن تكون لله تعالى، لا للتحسين بها، وينبغي أن تكون على تمهل، قال الله : ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦]، وقال: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزمل: ٤].

стр. 314

° ومن ذلك أن جماعة من القراء أحدثوا قراءة الألحان، وقد كانت إلى حد قريب، وعلى ذلك فقد كرهها أحمد بن حنبل (١) وغيره، ولم يكرهها الشافعي (٢). وأنبأنا محمد بن ناصر، قال: أنبأنا أبو علي الحسن بن أبي سعد الهمذاني، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن لال، قال: نا الفضل بن الفضل، قال: نا الساجي، قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال: قال الشافعي: أما استماع الحداء ونشيد الأعراب فلا بأس به، ولا بأس بقراءة الألحان وتحسين الصوت (٣). قال المصنف: قلت: وإنما أشار الشافعي ﵀ إلى ما كان في زمانه وكانوا يلحنون يسيرًا، وأما اليوم فقد صيروا ذلك على قانون الأغاني، وكلما قرب ذلك من مشابهة الغناء زادت كراهته، فإن أخرج القرآن عن حد وضعه حرم ذلك. ° ومن ذلك أن قومًا من القراء يتسامحون بشيء من الخطايا كالغيبة للنظراء، وربما أتوا أكبر من ذلك الذنب واعتقدوا أن حفظ القرآن يدفع عنهم العذاب، واحتجوا بقوله ﵇: "لو جعل القرآن في إهاب ما احترق" (٤).

стр. 315

وذلك من تلبيس إبليس عليهم؛ لأن عذاب من يعلم أكبر من عذاب من لم يعلم؛ إذ زيادة العلم تقوِّي الحجة، وكون القارئ لم يحترم ما يحفظ ذنب آخر، قال الله : أفمن يعلم كمن لا يعلم (١). وقال في أزواج رسول الله ﷺ : ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]. وقد أخبرنا أحمد بن أحمد المتوكلي، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا أبو الحسن بن رِزْقويه، قال: أخبرنا إسماعيل الصفار، قال: حدثنا زكريا بن يحيى، قال: حدثنا معروف الكَرْخي، قال: قال بكر بن خنيس: "إن في جهنم لواديًا تتعوذ جهنم من ذلك الوادي كل يوم سبع مرات، وإن في الوادي لجبًّا يتعوذ الوادي وجهنم من ذلك الجب كل يوم سبع مرات، وإن في الجب لحيَّة يتعوذ الجب والوادي وجهنم من تلك الحيَّة كل يوم سبع مرات، يُبدأ بفسقة حملة القرآن فيقولون: أي رب بُدئ بنا قبل عبدة الأوثان؟! فقيل لهم: ليس من يعلم كمن لا يعلم" (٢). قال المصنف: فلنقتصر على هذا الأنموذج فيما يتعلق بالقُرَّاء. ذكر تلبيس إبليس على أصحاب الحديث • من ذلك أن قومًا استغرقوا أعمارهم في سماع الحديث، والرحلة فيه، وجمع الطرق الكثيرة، وطلب الأسانيد العالية والمتون الغريبة، وهؤلاء على قسمين: ° قسم: قصدوا حفظ الشرع بمعرفة صحيح الحديث من سقيمه، فهم مشكورون على هذا القصد، إلا أن إبليس يلبس عليهم بأن شغلهم بهذا عما هو فرض عين عن معرفة ما يجب عليهم، والاجتهاد في أداء اللازم والتفقه في الحديث.

стр. 316

فإن قال قائل: فقد فعل هذا خلق من السلف كيحيى بن معين وابن المديني، والبخاري، ومسلم؟ فالجواب: أن أولئك جمعوا بين معرفة المهم من أمور الدين والفقه فيه، وبين ما طلبوا من الحديث، وأعانهم على ذلك قصر الإسناد وقلة الحديث، فاتسع زمانهم للأمرين. فأما في هذا الزمان فإن طرق الحديث طالت، والتصانيف فيه اتسعت، وما في هذا الكتاب في هذا الكتاب، وإنما الطرق تختلف، فقلَّ أن يُمكّن أحد أن يجمع بين الأمرين، فترى المُحَدِّث يكتب ويسمع خمسين سنة، ويجمع الكتب ولا يدري ما فيها، ولو وقعت له حادثة في صلاته لافتقر إلى بعض أحداث المتفقهة الذين يترددون إليه لسماع الحديث منه، وبهؤلاء تمكَّن الطاعنون على المحدِّثين فقالوا: زوامل أسفار (١)، لا يدرون ما معهم! فإن أفلح أحدهم ونظر في حديثه فربما عمل بحديث منسوخ، وربما فهم من الحديث ما يفهمه العامي الجاهل وعمل بذلك وليس بالمراد من الحديث، كما روينا أن بعض المحدثين روى عن رسول الله ﷺ أنه نهى أن يسقي الرجل ماءه زرع غيره (٢)، فقال جماعة ممن حضر: قد كنا إذا فضل لنا ماء في بساتيننا سرحناه إلى

стр. 317

جيراننا ونحن نستغفر الله. فما فهم القارئ ولا السامع ولا شعروا أن المراد وطء الحبالى من السبايا. قال الخطابي: (١) وكان بعض مشايخنا يروي الحديث أن النبي ﷺ "نهى عن الحِلَق قبل الصلاة يوم الجمعة" (٢)، بإسكان اللام، قال: وأخبرني: أنه بقي أربعين لا يحلق رأسه قبل الصلاة، قال: فقلت: إنما هو الحِلَق جمع: حَلَقَة، وإنما كره الاجتماع قبل الصلاة للعلم والمذاكرة، وأمر أن يشتغل بالصلاة وينصت للخطبة، فقال: قد فرجت عني. وكان من الصالحين. وقد كان ابن صاعد كبير القدر في المحدثينِّ، لكنه لما قلت مخالطته للفقهاء كان لا يفهم جواب فتوى، حتى إنه قد أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، قال: سمعت البرقاني، يقول: قال لي أبو بكر الأبهري الفقيه: كنت عند يحيى بن محمد بن صاعد فجاءته امرأته فقالت: أيها الشيخ، ما تقول في بئر سقطت فيها دجاجة فماتت، هل الماء طاهر أو نجس؟ فقال يحيى: ويحك، كيف سقطت الدجاجة في البئر؟ قالت: لم تكن البئر مغطاة، فقال يحيى: ألا غطيتها حتى لا يقع فيها شيء. قال الأبهري: فقلت: يا هذه، إن كان الماء تغير وإلا فهو طاهر (٣).

стр. 318

قال المصنف: قلت: وكان ابن شاهين قد صنف في الحديث مصنفات كثيرة، أقلها جزء، وأكثرها التفسير وهو ألف جزء، وما كان يعرف من الفقه شيئًا، وقد كان فيهم من يقدم على الفتوى بالخطأ؛ لئلا يُرى بعين الجهل، فكان فيهم من يصير بما يفتي به ضُحكة، فسئل بعضهم عن مسألة من الفرائض فكتب في الفتوى: تقسم على فرائض الله سبحانه. وأنبأنا محمد بن أبي منصور، قال: أنبأنا أحمد بن [الحسن] (١) بن خيرون، قال: أخبرنا أحمد بن محمد العتيقي، قال: أخبرنا أبو عمر بن حَيُّوَيْه، قال: أخبرنا سليمان بن إسحاق الجلاب، قال: نا إبراهيم الحربي، قال: بلغني أن امرأة جاءت إلى علي بن داود وهو يحدث وبين يديه مقدار ألف نفس، فقالت له: حلفت بصدقة إزاري، قال: بكم اشتريتيه؟ قالت: باثنين وعشرين درهمًا. قال: اذهبي فصومي اثنين وعشرين يومًا، فلما مرت جعل يقول: آه، آه! غلطنا والله، أمرناها بكفارة الظهار (٢) (٣). قال المصنف: قلت: فانظر إلى هاتين الفضيحتين: فضيحة الجهل، وفضيحة الإقدام على الفتوى بمثل هذا التخليط! واعلم أن عموم المحدثين حملوا ظاهر ما تعلَّق من صفات الباري سبحانه على مقتضى الحس، فَشَبَّهوا لأنهم لم يخالطوا الفقهاء فيعرفوا حمل المتشابه على مقتضى

стр. 319

المحكم (١)، وقد رأينا في زماننا من يجمع الكتب منهم ويكثر السماع ولا يفهم ما حصل، ومنهم من لا يحفظ القرآن، ولا يعرف أركان الصلاة. فتشاغل هؤلاء على زعمهم بفروض الكفايات عن فروض الأعيان، وإيثار ما ليس بمهم على المهم: من تلبيس إبليس! ° والقسم الثاني: قوم أكثروا سماع الحديث ولم يكن مقصودهم صحيحًا، ولا أرادوا معرفة الصحيح من غيره بجمع الطرق، وإنما كان مرادهم العوالي والغرائب، فطافوا البلدان ليقول أحدهم: لقيت فلانًا ولي من الإسناد ما ليس لغيري، وعندي أحاديث ليست عند غيري. وقد كان دخل إلينا إلى بغداد بعض طلبة الحديث، فكان يأخذ الشيخ فيقعده في الرقة، وهي البستان الذي على شاطئ دجلة فيقرأ عليه، ويقول في مجموعاته: حدثني فلان بالرَّقَّة، ويوهم الناس أنها البلدة التي بناحية الشام؛ ليظنوا أنه قد تعب في الأسفار لطلب الحديث، وكان يقعد الشيخ بين نهر عيسى والصراة ويقول حدثني فلان من وراء النهر، يوهم أنه قد عبر خراسان في طلب الحديث، وكان يقول حدثني فلان في رحلتي الثانية والثالثة، ليعلم الناس قدر تعبه في طلب العلم، فما بورك له ومات في زمان الطلب! وهذا كله من الإخلاص بمعزل، وإنما مقصودهم الرياسة والمباهاة، ولذلك يتبعون شاذ الحديث وغريبه، وربما ظفر أحدهم بجزء فيه سماع أخيه المسلم فأخفاه

стр. 320

لينفرد هو بالرواية، وقد يموت ولا يرويه فيفوت الشخصين، وربما رحل أحدهم إلى شيخ أول اسمه قاف أوكاف ليكتب ذلك في مشيخته فحسب. • ومن تلبيس إبليس على أصحاب الحديث: قدح بعضهم في بعض طلبًا للتشفي، ويخرجون ذلك مخرج الجرح والتعديل الذي استعمله قدماء هذه الأمة للذب عن الشرع والله أعلم بالمقاصد، ودليل خبث مقصد هؤلاء سكوتهم عمن يحابونه، وما كان القدماء هكذا، فقد كان علي بن المديني يحدث عن أبيه وكان ضعيفًا ثم يقول: وفي حديث الشيخ ما فيه (١). أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري، قال: أخبرنا أبو سعد بن أبي صادق، قال: أنا أبو عبد الله ابن باكويه، قال: نا بكران بن أحمد الجيلي، قال: سمعت يوسف بن الحسين يقول: سألت حارثًا المحاسبي عن الغيبة، فقال لي: احذرها فإنها شر مكتسب، ما ظنك بشيء سلبك حسناتك فرضي بها خصماؤك؛ إذ ليس هناك درهم ولا دينار فاحذرها، وتعرف منبعها فإن منبع غيبة الهمج والجهال من إشفاء الغيظ، والحمية، والحسد، وسوء الظن، وتلك مكشوفة غير خفية، وأما غيبة العلماء فمنبعها من خدْعة النفس على إبداء النصيحة وتأويل ما لا يصلح من الخبر، ولو صحَّ ما كان عونًا على الغيبة، وهو قو له: "أترعون عن ذكر الفاجر اذكروه بما فيه يحذره الناس" (٢).
следующие страницы →