← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11302

تلبيس إبليس - ت المزيد والسحيباني

ابن الجوزي

Полный текст (915 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فإن قال قائل: فقد فعل هذا خلق من السلف كيحيى بن معين وابن المديني، والبخاري، ومسلم؟ فالجواب: أن أولئك جمعوا بين معرفة المهم من أمور الدين والفقه فيه، وبين ما طلبوا من الحديث، وأعانهم على ذلك قصر الإسناد وقلة الحديث، فاتسع زمانهم للأمرين. فأما في هذا الزمان فإن طرق الحديث طالت، والتصانيف فيه اتسعت، وما في هذا الكتاب في هذا الكتاب، وإنما الطرق تختلف، فقلَّ أن يُمكّن أحد أن يجمع بين الأمرين، فترى المُحَدِّث يكتب ويسمع خمسين سنة، ويجمع الكتب ولا يدري ما فيها، ولو وقعت له حادثة في صلاته لافتقر إلى بعض أحداث المتفقهة الذين يترددون إليه لسماع الحديث منه، وبهؤلاء تمكَّن الطاعنون على المحدِّثين فقالوا: زوامل أسفار (١)، لا يدرون ما معهم! فإن أفلح أحدهم ونظر في حديثه فربما عمل بحديث منسوخ، وربما فهم من الحديث ما يفهمه العامي الجاهل وعمل بذلك وليس بالمراد من الحديث، كما روينا أن بعض المحدثين روى عن رسول الله ﷺ أنه نهى أن يسقي الرجل ماءه زرع غيره (٢)، فقال جماعة ممن حضر: قد كنا إذا فضل لنا ماء في بساتيننا سرحناه إلى

стр. 317

جيراننا ونحن نستغفر الله. فما فهم القارئ ولا السامع ولا شعروا أن المراد وطء الحبالى من السبايا. قال الخطابي: (١) وكان بعض مشايخنا يروي الحديث أن النبي ﷺ "نهى عن الحِلَق قبل الصلاة يوم الجمعة" (٢)، بإسكان اللام، قال: وأخبرني: أنه بقي أربعين لا يحلق رأسه قبل الصلاة، قال: فقلت: إنما هو الحِلَق جمع: حَلَقَة، وإنما كره الاجتماع قبل الصلاة للعلم والمذاكرة، وأمر أن يشتغل بالصلاة وينصت للخطبة، فقال: قد فرجت عني. وكان من الصالحين. وقد كان ابن صاعد كبير القدر في المحدثينِّ، لكنه لما قلت مخالطته للفقهاء كان لا يفهم جواب فتوى، حتى إنه قد أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، قال: سمعت البرقاني، يقول: قال لي أبو بكر الأبهري الفقيه: كنت عند يحيى بن محمد بن صاعد فجاءته امرأته فقالت: أيها الشيخ، ما تقول في بئر سقطت فيها دجاجة فماتت، هل الماء طاهر أو نجس؟ فقال يحيى: ويحك، كيف سقطت الدجاجة في البئر؟ قالت: لم تكن البئر مغطاة، فقال يحيى: ألا غطيتها حتى لا يقع فيها شيء. قال الأبهري: فقلت: يا هذه، إن كان الماء تغير وإلا فهو طاهر (٣).

стр. 318

قال المصنف: قلت: وكان ابن شاهين قد صنف في الحديث مصنفات كثيرة، أقلها جزء، وأكثرها التفسير وهو ألف جزء، وما كان يعرف من الفقه شيئًا، وقد كان فيهم من يقدم على الفتوى بالخطأ؛ لئلا يُرى بعين الجهل، فكان فيهم من يصير بما يفتي به ضُحكة، فسئل بعضهم عن مسألة من الفرائض فكتب في الفتوى: تقسم على فرائض الله سبحانه. وأنبأنا محمد بن أبي منصور، قال: أنبأنا أحمد بن [الحسن] (١) بن خيرون، قال: أخبرنا أحمد بن محمد العتيقي، قال: أخبرنا أبو عمر بن حَيُّوَيْه، قال: أخبرنا سليمان بن إسحاق الجلاب، قال: نا إبراهيم الحربي، قال: بلغني أن امرأة جاءت إلى علي بن داود وهو يحدث وبين يديه مقدار ألف نفس، فقالت له: حلفت بصدقة إزاري، قال: بكم اشتريتيه؟ قالت: باثنين وعشرين درهمًا. قال: اذهبي فصومي اثنين وعشرين يومًا، فلما مرت جعل يقول: آه، آه! غلطنا والله، أمرناها بكفارة الظهار (٢) (٣). قال المصنف: قلت: فانظر إلى هاتين الفضيحتين: فضيحة الجهل، وفضيحة الإقدام على الفتوى بمثل هذا التخليط! واعلم أن عموم المحدثين حملوا ظاهر ما تعلَّق من صفات الباري سبحانه على مقتضى الحس، فَشَبَّهوا لأنهم لم يخالطوا الفقهاء فيعرفوا حمل المتشابه على مقتضى

стр. 319

المحكم (١)، وقد رأينا في زماننا من يجمع الكتب منهم ويكثر السماع ولا يفهم ما حصل، ومنهم من لا يحفظ القرآن، ولا يعرف أركان الصلاة. فتشاغل هؤلاء على زعمهم بفروض الكفايات عن فروض الأعيان، وإيثار ما ليس بمهم على المهم: من تلبيس إبليس! ° والقسم الثاني: قوم أكثروا سماع الحديث ولم يكن مقصودهم صحيحًا، ولا أرادوا معرفة الصحيح من غيره بجمع الطرق، وإنما كان مرادهم العوالي والغرائب، فطافوا البلدان ليقول أحدهم: لقيت فلانًا ولي من الإسناد ما ليس لغيري، وعندي أحاديث ليست عند غيري. وقد كان دخل إلينا إلى بغداد بعض طلبة الحديث، فكان يأخذ الشيخ فيقعده في الرقة، وهي البستان الذي على شاطئ دجلة فيقرأ عليه، ويقول في مجموعاته: حدثني فلان بالرَّقَّة، ويوهم الناس أنها البلدة التي بناحية الشام؛ ليظنوا أنه قد تعب في الأسفار لطلب الحديث، وكان يقعد الشيخ بين نهر عيسى والصراة ويقول حدثني فلان من وراء النهر، يوهم أنه قد عبر خراسان في طلب الحديث، وكان يقول حدثني فلان في رحلتي الثانية والثالثة، ليعلم الناس قدر تعبه في طلب العلم، فما بورك له ومات في زمان الطلب! وهذا كله من الإخلاص بمعزل، وإنما مقصودهم الرياسة والمباهاة، ولذلك يتبعون شاذ الحديث وغريبه، وربما ظفر أحدهم بجزء فيه سماع أخيه المسلم فأخفاه

стр. 320

لينفرد هو بالرواية، وقد يموت ولا يرويه فيفوت الشخصين، وربما رحل أحدهم إلى شيخ أول اسمه قاف أوكاف ليكتب ذلك في مشيخته فحسب. • ومن تلبيس إبليس على أصحاب الحديث: قدح بعضهم في بعض طلبًا للتشفي، ويخرجون ذلك مخرج الجرح والتعديل الذي استعمله قدماء هذه الأمة للذب عن الشرع والله أعلم بالمقاصد، ودليل خبث مقصد هؤلاء سكوتهم عمن يحابونه، وما كان القدماء هكذا، فقد كان علي بن المديني يحدث عن أبيه وكان ضعيفًا ثم يقول: وفي حديث الشيخ ما فيه (١). أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري، قال: أخبرنا أبو سعد بن أبي صادق، قال: أنا أبو عبد الله ابن باكويه، قال: نا بكران بن أحمد الجيلي، قال: سمعت يوسف بن الحسين يقول: سألت حارثًا المحاسبي عن الغيبة، فقال لي: احذرها فإنها شر مكتسب، ما ظنك بشيء سلبك حسناتك فرضي بها خصماؤك؛ إذ ليس هناك درهم ولا دينار فاحذرها، وتعرف منبعها فإن منبع غيبة الهمج والجهال من إشفاء الغيظ، والحمية، والحسد، وسوء الظن، وتلك مكشوفة غير خفية، وأما غيبة العلماء فمنبعها من خدْعة النفس على إبداء النصيحة وتأويل ما لا يصلح من الخبر، ولو صحَّ ما كان عونًا على الغيبة، وهو قو له: "أترعون عن ذكر الفاجر اذكروه بما فيه يحذره الناس" (٢).

стр. 321

ولو كان الخبر محفوظًا صحيحًا لم يكن فيه إبداء شناعة على أخيك المسلم من غير أن تسأل عنه، وأما إذا جاءك مسترشد فقال: أريد أن أزوج كريمتي من فلان؛ فعرفت منه بدعة أو أنه غير مأمون على حرم المسلمين صرفته عنه بأحسن صرف، أو يجيئك آخر فيقول لك: أريد أن أودع مالي فلانًا؛ وليس ذاك الرجل موضعًا للأمانة، فتصرف عنه أحسن صرف، أو يقول لك رجل: أريد أن أصلي خلف فلان أو أجعله إمامي في علم؛ فتصرفه عنه بأحسن الوجوه ولا تشف غيظك من غيبته. وأما منبع الغيبة من القراء والنساك: فمن طريق التعجب يُبْدي عُوَارَ الأخ، ثم يتصنع بالدعاء في ظهر الغيب، فيتمكن من لحم أخيه المسلم ثم يتزين بالدعاء له وأما منبع الغيبة من الرؤساء والأستاذين والنساك: فمن طريق إبداء الرحمة والشفقة حين تقول: مسكين فلان ابتلي بكذا، وامتحن بكذا، نعوذ بالله من الخذلان، فيتصنع بإبداء الرحمة والشفقة على أخيه، ثم يتصنع بالدعاء له عند إخوانه ويقول: إنما أبديت لكم ذاك لتكثروا دعاءكم له، ونعوذ بالله من الغيبة تعريضًا وتصريحًا! فاتَّقٍ الغيبةَ! فقد نطق القرآن بكراهتها، فقال تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢] (١)، وقد روي عن النبي ﷺ في ذلك أخبار كثيرة (٢). • ومن تلبيس إبليس على علما، المحدثين: رواية الحديث الموضوع من غير أن يبينوا أنه موضوع، وهذه خيانة منهم على الشرع، ومقصودهم تنفيق أحاديثهم،

стр. 322

وكثرة رواياتهم، وقد قال النبي ﷺ : "من روى عني حديثًا يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين" (١). • ومن هذا الفن: تدليسهم في الرواية، فتارة يقول أحدهم: فلان عن فلان، أو قال فلان عن فلان، يُوهم أنه سمع منه ولم يسمع، وهذا قبيح؛ لأنه يجعل المنقطع في مرتبة المتصل، ومنهم من يروي عن الضعيف والكذاب فيُعَمِّي اسمه، فربما سماه بغير اسمه، وربما كنَّاه، وربما نسبه إلى جده؛ لئلا يُعرف، وهذه خيانة للشرع؛ لأنه يثبت حكمًا بما لا يثبت به، فأما إذا كان المروي عنه ثقة فنسبه إلى جده أو اقتصر على كنيته لئلا يرى أنه قد ردد الرواية عنه، أو يكون المروي عنه في مرتبة الراوي فيستحي الراوي من ذكره؛ فهذا على الكراهة والبعد من الصواب قريب بشرط أن يكون المروي عنه ثقة. ذكر تلبيس إبليس على الفقهاء كان الفقهاء في قديم الزمان هم أهل القرآن والحديث، فما زال الأمر يتناقص حتى قال المتأخرون: يكفينا أن نعرف آيات الأحكام من القرآن، وأن نعتمد على الكتب المشهورة في الحديث كسنن أبي داود ونحوها، ثم استهانوا بهذا الأمر أيضًا وصار أحدهم يحتج بآية لا يعرف معناها، وبحديث لا يدري أصحيح هو أم لا؟ وربما اعتمد على قياس يعارضه حديث صحيح ولا يعلم؛ لقلة التفاته إلى معرفة النقل، وإنما الفقه استخراج من الكتاب والسنة فكيف يستخرج من شيء لا يعرف؟! ومن القبيح تعليق حكم على حديث لا يدري أصحيح هو أم لا؟

стр. 323

ولقد كانت معرفة هذا تصعب ويحتاج الإنسان إلى السفر الطويل والتعب الكثير حتى يعرف ذلك، فصنفت الكتب وتقررت السنن وعرف الصحيح من السقيم، ولكن غلب المتأخرين الكسلُ بمرة عن أن يطالعوا علم الحديث، حتى إني رأيت بعض الاكابر من الفقهاء يقول في تصنيفه عن ألفاظ في الصحاح: لا يجوز أن يكون رسول الله ﷺ قال هذا، ورأيته يحتج في مسألة فيقول: دليلنا ما روى بعضهم أن رسول الله ﷺ قال كذا، ويجعل الجواب عن حديث صحيح قد احتج به خصمه أن يقول: هذا الحديث لا يُعرف. وهذا كله جناية على الإسلام! • ومن تلبيس إبليس على الفقهاء: أن جُلَّ اعتمادهم على تحصيل علم الجدل، يطلبون بزعمهم تصحيح الدليل على الحكم والاستنباط لدقائق الشرع وعلل المذاهب، ولو صحت هذه الدعوى منهم لتشاغلوا بجميع المسائل، وإنما يتشاغلون بالمسائل الكبار ليتسع فيها الكلام، فيتقدم المناظر بذلك عند الناس في خصام النظر، فَهَمُّ أحدهم ترتيب المجادلة والتفتيش على المناقضات، طلبًا للمفاخرة والمباهاة، وربما لم يعرف الحكم في مسألة صغيرة تعم بها البلوى. • ومن تلبيس إبليس عليهم: إدخالهم في الجدال كلام الفلاسفة، واعتمادهم على تلك الأوضاع. • ومن ذلك: إيثارهم للقياس على الحديث المستدل به في المسألة؛ ليتسع لهم المجال في النظر، فإن استدل أحد منهم بالحديث هُجِّنَ، ومن الأدب تقديم الاستدلال بالحديث. • ومن ذلك: أنهم جعلوا النظر جل أشغالهم، ولم يمزجوه بما يرقق القلوب من قراءة القرآن وسماع الحديث وسيرة الرسول ﷺ وأصحابه.

стр. 324

ومعلوم أن القلوب لا تخشع بتكرار إزالة النجاسة والماء المتغير، وهي محتاجة إلى التذكار والمواعظ لتنهض لطلب الآخرة، ومسائل الخلاف وإن كانت من علوم الشرع إلا أنها لا تنهض بكل المطلوب. ومن لم يطلع على أسرار سِيَر السلف وحال الذي تمذهب له لم يمكنه سلوك طريقهم، وينبغي أن يعلم أن الطبع لص فإذا ترك مع أهل هذا الزمان سرق من طباعهم فصار مثلهم، وإذا نظر في سير القدماء زاحمهم وتأدب بأخلاقهم. وقد كان بعض السلف يقول: حديث يرق له قلبي أحب إليَّ من مائة قضية من قضايا شريح (١)، وإنما قال هذا لأن رقة القلب مقصودة ولها أسباب. • ومن ذلك: أنهم اقتصروا على علم المناظرة وأعرضوا عن حفظ المذهب وباقي علوم الشرع، فترى الفقيه المفتي يسأل عن آية أو حديث ولا يدري، وهذا غَبْن، فأين الأنفة من التقصير؟! • ومن ذلك: أن المجادلة إنما وضعت ليبين الصواب، وقد كان مقصود السلف المناصحة بإظهار الحق، وقد كانوا ينتقلون من دليل إلى دليل، وإذا خفي على أحدهم شيء نبَّهه الآخر؛ لأن المقصود كان إظهار الحق، فصار هؤلاء إذا قاس الفقيه على أصل بعلة يظنها، فقيل له: ما الدليل على أن الحكم في الأصل معلل بهذه العلة؟ فقال: هذا الذي يظهر لي، فإن ظهر لكم ما هو أولى من ذلك فاذكروه. قال المعترض: لا يلزمني ذلك. ولقد صدق في أنه لا يلزمه، ولكن فيما ابتدع من الجدل، بل في باب النصح وإظهار الحق يلزمه!

стр. 325

• ومن ذلك: أن أحدهم يبين له الصواب مع خصمه ولا يرجع، ويضيق صدره كيف ظهر الحق مع خصمه، وربما اجتهد في رده مع علمه أنه الحق، وهذا من أقبح القبيح؛ لأن المناظرة إنما وضعت لبيان الحق. وقد قال الشافعي رحمة الله عليه: ما ناظرت أحدا فأنكر الحجة إلا سقط من عيني، ولا قبلها إلا هِبْتُهُ، وما ناظرت أحدًا فباليت مع من كانت الحجة، إن كانت معه صرت إليه (١). • ومن ذلك: أن طلبهم للرياسة بالمناظرة يثير الكامن في النفس من حب الرياسة، فإذا رأى أحدهم في كلامه ضعفًا يوجب قهر خصمه له خرج إلى المكابرة، وإن رأى خصمه قد استطال عليه بلفظة ظهرت حمية الكبر، فقابل ذلك بالسب، فصارت المجادلة مجالدة. • ومن ذلك: ترخصهم في الغيبة بحجة الحكاية عن المناظرة، فيقول أحدهم: تكلمت مع فلان فما قال شيئًا، ويتكلم بما يوجب التشفي من عرض خصمه بتلك الحجة. • ومن ذلك: أن إبليس لبَّس عليهم بأن الفقه وحده هو علم الشرع ليس ثَمَّ غيره، فإن ذكر لهم محُدِّث، قالوا: ذاك لا يفهم، وينسون أن الحديث هو الأصل، فإن ذكر لهم كلام يلين به القلب، قالوا: هذا كلام الوعاظ. • ومن ذلك: إقدامهم على الفتوى وما بلغوا مرتبتها، وربما أفتوا بواقعهم المخالف للنصوص، ولو توقفوا في المشكلات كان أولى! فقد أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي، قال: أخبرنا محمد بن هبة الله الطبري، قال: أنا محمد بن الحسين بن الفضل، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر بن

стр. 326

دُرُسْتُوَيْه، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: نا الحميدي، قال: نا سفيان، قال: حدثنا عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله ﷺ يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول (١). قال يعقوب: ونا أبو نعيم، قال: نا سفيان، عن عطاء بن السائب، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى يقول: أدركت في هذا المسجد عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ ما منهم من يحدث حديثًا إلا ودَّ أن أخاه كفاه الحديث، ولا يسأل عن فتيا إلا ودَّ أن أخاه كفاه الفتيا (٢). قال المصنف: وقد روينا عن إبراهيم النخعي أن رجلًا سأله عن مسألة فقال: ما وجدت من تسأله غيري (٣)؟! وعن مالك بن أنس أنه قال: ما أفتيتُ حتى سألت سبعين شيخًا هل ترون لي أن أفتي؟ فقالوا: نعم. فقيل له: فلو نَهَوْك؟ قال: لو نهوني انتهيت (٤). وقال رجل لأحمد بن حنبل: إني حلفت ولا أدري كيف حلفت؟ فقال: ليتك إذا دريت كيف حلفت دريت أنا كيف أفتيك (٥).

стр. 327

وإنما كانت هذه سجية السلف لخشيتهم الله وخوفهم منه، ومن نظر في سيرهم تأدّب. • ومن تلبيس إبليس على الفقهاء: مخالطتهم للأمراء والسلاطين ومداهنتهم وترك الإنكار عليهم مع القدرة على ذلك، وربما رخصوا لهم ما لا رخصة فيه؛ لينالوا من دنياهم، فيقع بذلك الفساد لثلاثة أوجه: ° الأول: الأمير: فيقول: لولا أني على صواب لأنكر عليَّ الفقيه، وكيف لا أكون مصيبًا وهو يأكل من مالي! ° والثاني: العامي: فإنه يقول: لا بأس بهذا الأمير ولا بماله ولا بأفعاله؛ فإن فلانًا الفقيه لا يبرح عنده. ° والثالث: الفقيه: فإنه يفسد دينه بذلك. وقد يلبس إبليس عليهم في الدخول على السلطان فيقول: إنما ندخل لنشفع في مسلم. وينكشف هذا التلبيس بأنه لو دخل غيره فشفع لما أعجبه ذلك ولربما قدح في ذلك الشخص لينفرد بالسلطان. ويلبس عليه إبليس في أخذ أموالهم فيقول: لك فيها حق! ومعلوم أنها إن كانت من حرام لم يحل له منها شيء، وإن كانت من شبهة فتركها أولى، وإن كانت من مباح جاز له الأخذ بمقدار مكانه من الدين، لا على وجه إنفاقه في إقامة الرعونة، وربما اقتدى العوام بظاهر فعله فاستباحوا ما لا يستباح. وقد لبس إبليس على قوم من العلماء ينقطعون عن السلطان إقبالًا على التعبد والدين، فيزين لهم غِيْبة من يدخل على السلطان من العلماء، فجمع لهم آفتين: غيبة الناس، ومدح النفس.

стр. 328

وفي الجملة فالدخول على السلاطين خطر عظيم؛ لأن النية قد تحسن في أول الدخول، ثم تتغير بإكرامهم وإنعامهم أو بالطمع فيهم، فلا يتماسك عن مداهنتهم وترك الإنكار عليهم. وقد كان سفيان الثوري يقول: ما أخاف من إهانتهم لي، إنما أخاف من إكرامهم؛ فيميل قلبي إليهم (١). وقد كان علماء السلف يبعدون عن الأمراء لما يظهر من جورهم، فيطلبهم الأمراء لحاجتهم إليهم في الفتاوى والولايات، فنشأ أقوام قويت رغبتهم في الدنيا، فتعلموا العلوم التي تصلح للأمراء وحملوها إليهم؛ لينالوا من دنياهم. ويدلك على أنهم قصدوا بالعلوم الأمراء: أن الأمراء كانوا قديمًا يميلون إلى سماع الحجج في الأصول، فأظهر الناس علم الكلام، ثم مال بعض الأمراء إلى المناظرة في الفقه، فمال الناس إلى الجدل، ثم مال بعض الأمراء إلى المواعظ فمال خلق كثير من المتعلمين إليها، ولما كان جمهور العوام يميلون إلى القصص كَثُرَ القُصَّاصُ وقلَّ الفقهاءُ (٢). • ومن تلبيس ابليس على الفقهاء: أن أحدهم يأكل من وقف المدرسة المبنية على المتشاغلين بالعلم، فيمكث فيها سنين ولا يتشاغل ويقنع بما قد عرف، أو ينتهي في العلم ولا يبقى له في الوقف حظ؛ لأنه إنما جعل لمن يتعلم إلا أن يكون ذلك الشخص معيدًا أو مدرسًا فإن شغله دائم. • ومن ذلك: ما يحكى عن بعض الأحداث المتفقهة من الانبساط في المنهيات: فبعضهم يلبس الحرير ويتختم بالذهب، ويحال على المكس فيأخذ، إلى غير ذلك من المعاصي.

стр. 329

وسبب انبساط هؤلاء يختلف، فمنهم من يكون فاسد العقيدة في أصل الدين وهو يتفقه ليستر نفسه، أو ليأخذ من الوقف، أو ليرؤس، أو ليناظر. ومنهم من عقيدته صحيحة لكن يغلبه الهوى وحب الشهوات، وليس عنده صارف عن ذلك؛ لأن نفس الجدل والمناظرة محرك إلى الكبر والعجب، وإنما يتقوم الإنسان بالرياضة ومطالعة سِيَر السلف، وأكثر القوم في بُعْد عن هذا، وليس عندهم إلا ما يعين الطبع على شموخه، فحينئذ يسرح الهوى بلا رادٍّ! • ومنهم: من يلبس عليه إبليس بأنك عالم وفقيه ومُفْتٍ، والعلم يدفع عن أربابه. وهيهات! فإن العلم أولى أن يُحاجَّه ويضاعف عذابه كما ذكرنا في حق القراء (١). وقد قال الحسن البصري: إنما الفقيه من يخشى الله (٢). قال ابن عقيل: رأيت فقيهًا خراسانيًّا عليه حرير وخواتيم ذهب فقلت له: ما هذا؟ فقال: خُلَعُ السلطان وكَمَدُ الأعداء. فقلت: بل هو شماتة الأعداء بك إن كنت مسلمًا؛ لأن إبليس عدوك، وإذا بلغ منك مبلغًا ألبسك ما يسخط الشرع فقد أشمته بنفسك، وهل خلع السلطان سابقة لنهي الرحمن؟! يا مسكين! خَلَعَ عليك السلطان فانخلعتَ به من الإيمان، وقد كان ينبغي أن يخلع عنك السلطان لباس الفسق ويُلْبِسَ لباسَ التقوى. رماكم الله بخزية! حيث هَوَّنْتُم أمرَه هكذا، ليتك قلتَ: هذه رعونات الطبع! الآن تمَّتْ محنتُك؛ لأن عذرك دليل على فساد باطنك.

стр. 330

• ومن تلبيسه عليهم: أن يحسن لهم ازدراء الوعاظ، ويمنعهم من الحضور عندهم، فيقولون: من هؤلاء؟ هؤلاء قُصَّاص! ومراد الشيطان أن لا يحضروا في موضع يلين فيه القلب ويخشع، والقُصَّاص لا يذمون من حيث هذا الاسم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ [يوسف: ٣]، وقال: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾ [الأعراف: ١٧٦]. وإنما ذُمَّ القُصَّاص لأن الغالب منهم الاقتناع بذكر القصص دون ذكر العلم المفيد، ثم غالبهم يخلط فيما يورده، وربما اعتمد على ما أكثره محال، فأما إذا كان القصص صدقًا ويُوجِب وعظًا فهو ممدوح، وقد كان أحمد بن حنبل يقول: ما أحوج الناس إلى قاص صدوق (١)! ذكر تلبيسه على الوعاظ والقصاص وقال المصنف: كان الوعاظ في قديم الزمان علماء فقهاء، وقد حضر ابن عمر مجلس عبيد بن عمير (٢)، وكان عمر بن عبد العزيز يحضر مجلس القاصِّ، ثم خسّت (٣) هذه الصناعة فتعرض لها الجهال، فبَعُدَ عنهم المميزون من الناس، وتعلق بهم العوام والنساء، فلم يتشاغلوا بالعلم وأقبلوا على القصص وما يعجب الجهلةَ، وتنوعت البدع في هذا الفن! وقد ذكرنا آفاتهم في كتاب "القُصَّاص والمذكرين" (٤)، إلا أنا نذكر هاهنا جملة:

стр. 331

• فمن ذلك: أن قومًا منهم كانوا يضعون أحاديث الترغيب والترهيب، ولبَّس عليهم إبليس: بأننا نقصد حث الناس على الخير وكفهم عن الشر. وهذا تعاط على الشريعة؛ لأنها عندهم على هذا الفعل منهم ناقصة تحتاج إلى تتمة، ثم قد نسوا قوله ﵇: "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (١). • ومن ذلك: أنهم تلمحوا ما يزعج النفوس، ويطرب القلوب، فنوعوا فيه الكلام، فتراهم ينشدون الأشعار الغزلية في العشق (٢)، ويلبِّس عليهم إبليس: بأننا نقصد الإشارة إلى محبة الله تعالى. ومعلوم أن عامة من [يخصهم] (٣): العوام الذين بواطنهم محشوة بحب الهوى؛ فيضل القاص ويضل. • ومنهم: مَن يظهر مِن التواجد (٤) والتخاشع زيادة على ما في قلبه، وكثرة الجمع يُوجب زيادة تُعْمَلُ فتسمح النفس بفضل بكاء وخشوع، فمن كان منهم كاذبًا فقد خسر الآخرة، ومن كان صادقًا لم يسلم صدقه من رياء يخالطه (٥). • ومنهم من يتحرك الحركات التي يوقع بها على قراءة الألحان، والألحان التي قد أخرجوها اليوم مشابهة للغناء فهي إلى التحريم أقرب منها إلى الكراهة، فالقارئ يطرب والقاص ينشد الغزل مع تصفيق بيديه وإيقاع برجليه، فتشبه الخنكر (٦)،

стр. 332

ويوجب ذلك تحريك الطباع وتهييج النفوس وصياح الرجال والنساء وتمزيق الثياب، لما في النفوس من دفائن الهوى، ثم يخرجون فيقولون: كان المجلس طيبًا! ويشيرون بالطّيبة إلى ما لا يجوز (١). • ومنهم من يجري في مثل تلك الحال التي شرحناها لكنه ينشد أشعار النوح على الموتى، ويصف ما جرى لهم في البلاء، ويذكر الغربة ومن مات غريبًا، فيكثر بكاء النساء، ويصير المكان كالمأتم، وإنما ينبغي أن يذكر الصبر على فقد الأحباب لا ما يوجب الجزع (٢). • ومنهم من يتكلم في دقائق الزهد ومحبة الحق سبحانه، فيلبس عليه إبليس: إنك من جملة الموصوفين بذلك؛ لأنك لم تقدر على الوصف حتى عرفت ما تصف وسلكت الطريق. وكَشْفُ هذا التلبيس: أن الوصف علم، والسلوك غير العلم. • ومنهم من يتكلم بالظلمات والشطح (٣) الخارج عن الشرع، ويستشهد بأشعار العشق، وغرضه أن يكثر في مجلسه الصياح ولو على كلام فاسد، وكم منهم من يزوِّق عبارة لا معنى تحتها، وأكثر كلامهم اليوم في موسى والجبل، وزليخا ويوسف (٤)، ولا يكادون يذكرون الفرائض ولا ينهون عن ذنب، فمتى يرجع صاحب الزنا ومستعمل الربا، وتعرف المرأة حق زوجها، وتحفظ صلاتها، هيهات! هؤلاء تركوا الشرع وراء ظهورهم، ولهذا نفقت سلعتهم؛ لأن الحق ثقيل والباطل خفف.

стр. 333

• ومنهم من يحث على الزهد وقيام الليل، ولا يبين للعامة المقصود (١)، فربما تاب الرجل منهم وانقطع إلى زاوية، أو خرج إلى جبل فبقيت عائلته لا شيء لهم (٢). • ومنهم من يتكلم في الرجاء والطمع من غير أن يمزج ذلك بما يوجب الخوف والحذر (٣)، فيزيد الناس جرأة على المعاصي، ثم يقوي ما ذكر بميله إلى الدنيا من المراكب الفارهة والملابس الفاخرة، فيفسد القلوب بقوله وفعله (٤). فصل وقد يكون الواعظ صادقًا قاصدًا للنصيحة، إلا أن منهم من تتربَّى الرئاسة في قلبه مع الزمان فيحب أن يُعظَّم، وعلامته أنه إذا ظهر واعظٌ ينوب عنه أو يعينه على الخلق [أكبر] (٥) ذلك، ولو صح قصده لم يكره من يعينه على خلائق الخلائق. فصل ومن القُصَّاص من يختلط في مجلسه الرجال والنساء، ويُرى النساء يكثرْن الصياح وجدًا على زعمهن، فلا ينكر ذلك جمعًا للقلوب عليه (٦).

стр. 334

ولقد ظهر في زماننا هذا من القُصَّاص ما لا يدخل في التلبيس؛ لأنه أمر صريح: من جعلهم القصص معاشًا يستميحون به الأمراء والظلمة، والأخذ من أصحاب المكوس، والتكسب به في البلدان (١)، وفيهم من يحضر المقابر فيذكر البلى وفراق الأحبة؛ فتبكي النسوة، ولا يحث على الصبر. فصل وقد يلبس إبليس على الواعظ المحقق فيقول له: مثلك لا يَعِظُ، وإنما يَعِظُ متيقظٌ، فيحمله على السكوت والانقطاع، وذلك من دسائس إبليس؛ لأنه يقصد منع الخير. وقد يقول له: إنك تلتذ بما تورده وتجد لذلك راحة، وربما دخل الرياء في قولك، وطريق الوحدة أسلم. ومقصوده بذلك سد باب الخير. أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا جعفر بن أحمد، قال: أخبرنا الحسن بن علي، قال: أنا أحمد بن جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: نا أبي، قال: نا عتاب بن زياد، قال: حدثنا عبد الله، قال: أخبرنا سلام بن أبي مطيع، عن ثابت، قال: كان الحسن في مجلس فقيل للعلاء: تكلم! فقال: أوهناك أنا؟ ثم ذكر الكلام ومؤونته وتبعته. قال ثابت: فأعجبني. قال: ثم تكلم الحسن فقال: وأنا (٢) هناك؟ لود الشيطان أنكم أخذتموها عنه، فلم يأمر أحد بخير ولم يَنْهَ عن شر (٣). ذكر تلبيسه على أهل اللغة والأدب قد لبَّس على جمهورهم؛ فشغلهم بعلوم النحو واللغة عن المهمات اللازمة التي هي فرض عين، من معرفة ما يلزمهم عرفانه من العبادات، ومما هو أولى بهم، من

стр. 335

آداب النفوس وصلاح القلوب، ومما هو أفضل من علوم التفسير والحديث والفقه، فأذهبوا الزمان كله في علوم لا تراد لنفسها بل لغيرها، فإن الإنسان إذا فهم الكلمة فينبغي أن يرقى إلى العمل بها؛ إذ هي مرادة لغيرها، فترى الإنسان منهم لا يكاد يعرف من آداب الشريعة إلا القليل، ولا من الفقه، ولا يلتفت إلى تزكية نفسه وصلاح قلبه. ومع هذا ففيهم كبر عظيم! وقد خيل إليهم إبليس أنكم من علماء الإسلام؛ لأن النحو واللغة من علوم الإسلام، وبها يعرف معنى القرآن العزيز، ولعمري! إن هذا لا ينكر، ولكن معرفة ما يلزم من النحو لإصلاح اللسان، وما يحتاج إليه من اللغة في تفسير القرآن والحديث أمر قريب، وهو كاللازم، وما عدا ذلك فضل لا يحتاج إليه، فإنفاق الزمان في تحصيل هذا الفاضل وليس بمهم مع ترك المهم غلط، وإيثاره على ما هو أنفع وأعلى رتبة كالفقه والحديث غبْنٌ، ولو اتسع العمر لمعرفة الكل كان حسنًا، ولكن العمر قصير فينبغي إيثار الأهم والأفضل! فصل ومما ظنوه صوابًا وهو خطأ: ما أخبرنا به أبو منصور اللغوي وأبو الفضل بن ناصر، وأبو الحسن الأنصاري، قالوا: حدثنا أبو زكريا التبريزي، قال: أنا سليم بن أيوب قال: أخبرنا أبو الحسين بن فارس قال: قيل لفقيه العرب (١): هل يجب على الرجل إذا أشهد الوضوء؟ قال: نعم. قال: والإشهاد (٢) أن يمذي

стр. 336

الرجل (١). وذكر من هذا الجنس مسائل كثيرة، وهذا غاية في الخطأ؛ لأنه متى كان الاسم مشتركًا بين مسميَيْن كان إطلاق الفتوى على أحدهما دون الآخر خطأ. مثاله: أن يقول المستفتي: ما تقول في وطء الرجل زوجته في قرئها؟ فإن القرء يقع عند اللغويين والفقهاء على الأطهار والحيض. فيقول الفقيه: يجوز إشارة إلى الطهر، أو لا يجوز إشارة الحيض خطأ. قال: وكذلك لو قال السائل: هل يجوز للصائم أن يأكل بعد طلوع الفجر؟ لم يجز إطلاق الجواب. فما ذكره فقيه العرب خطأ من وجهين: ° أحدهما: أنه لم يستفصل في المجملات. ° والثاني: أنه صرف الفتوى إلى أبعد المحتملات وترك الأظهر. وقد استحسنوا هذا؛ وترك الأظهر وقلة الفقه أوجبت هذا الزلل! فصل ولما كان عموم اشتغالهم بأشعار الجاهلية، ولم يجد الطبع صادًّا عما وضع عليه من مطالعة الأحاديث ومعرفة سير السلف الصالح، سالت بهم الطباع إلى هوة الهوى، فانبثَّ سرح البطالة يعبث، فقل أن ترى منهم متشاغلًا بالتقوى أو ناظرًا في مطعم، فإن النحو يغلب طلبه على السلاطين، فيأكل النحاة من أموالهم الحرام كما كان أبو علي الفارسي في ظل عضد الدولة وغيره.

стр. 337

وقد يظنون جواز الشيء وهو غير جائز لقلة فقههم كما جرى للزجاج: أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا علي بن أبي علي، قال: أخبرني أبي، قال: حدثني أبو الحسين عبد الله بن أحمد بن عياش القاضي، قال: حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج، قال: كنت أؤدِّب القاسم بن عبيد الله وأقول له: إن بَلَّغَكَ الله مبلغ أبيك ووليت الوزارة ماذا تصنع بي؟ فقال: ما أحببتَ. فأقول له: تعطيني عشرين ألف دينار، وكانت غاية أمنيتي. فما مضت إلا سنون حتى ولي القاسم الوزارة وأنا على ملازمتي له، وقد صرت نديمه فدعتني نفسي إلى إذكاره بالوعد ثم هبته، فلما كان في اليوم الثالث من وزارته قال لي: يا أبا إسحاق، لم أرك أذكرتني بالنذر؟ فقلت: عولت على رعاية الوزير أيَّده الله، وأنه لا يحتاج إلى إذكاري لنذر عليه في أمر خادم واجب الحق. فقال لي: إنه المعتضد، ولولاه ما تعاظمني دفع ذلك إليك في مكان واحد، ولكن أخاف أن تصير لي معه حديثًا، فاسمح لي بأخذه متفرقًا. فقلت: أفعل. فقال: اجلس للناس وخذ رقاعَهم في الحوائج الكبار واستجعل عليها، ولا تمتنع من مساءلتي شيئًا تخاطب فيه صحيحًا كان أو محالًا إلى أن يحصل لك مال النذر. ففعلت ذلك، وكنت أعرض عليه كل يوم رقاعًا فيوقع فيها وربما قال لي: كم ضمن لك على هذا؟ فأقول: كذا وكذا، فيقول: غُبِنْتَ! هذا يساوي كذا وكذا؛ فاستَزِدْ. فأراجع القوم، فلا أزال أماكسهم ويزيدوني حتى أبلغ الحد الذي رسمه. قال: فعرضت عليه شيئًا عظيمًا فحصلت عندي عشرون ألف دينار وأكثر منها في مُدَيْدَة. فقال لي بعد شهور: يا أبا إسحاق حصل مال النذر؟ فقلت: لا. فسكت، وكنت أعرض، ثم يسألني في كل شهر أو نحوه هل حصل المال؟ فأقول: لا؛ خوفًا من انقطاع الكسب إلى أن حصل عندي ضعف المال، وسألني يومًا فاستحييت من الكذب المتصل فقلت: قد حصل ذلك ببركة الوزير.

стр. 338

فقال: فرجت والله عني! فقد كنت مشغول القلب إلى أن يحصل لك، قال: ثم أخذ الدواة فوقَّع لي إلى خازنه بثلاثة آلاف دينار صلة، فأخذتها وامتنعت أن أعرض عليه شيئًا، ولم أدر كيف أقع منه، فلما كان من غد جئته وجلست على رسمي، فأومأ إليَّ هات ما معك يستدعي مني الرقاع على الرسم، فقلت: ما أخذت من أحد رقعة؛ لأن النذر قد وقع الوفاء به ولم أدر كيف أقع من الوزير؟ فقال: يا سبحان الله أتراني كنت أقطع عنك شيئًا قد صار لك عادة، وعلم به الناس، وصارت لك به منزلة عندهم وجاه وغدو ورواح إلى بابك، ولا يعلم سبب انقطاعه؛ فيظن ذلك لضعف جاهك عندي أو تغير رتبتك، اعرض عليَّ رسمك وخذ بلا حساب! فقبلت يده وباكرته من غد بالرقاع، وكنت أعرض عليه كل يوم شيئًا إلى أن مات وقد تأثلت (١) حالي هذه (٢). قال المصنف: قلت: انظروا ما يصنع قلة الفقه! فإن هذا الرجل الكبير القدر في معرفة النحو واللغة لو علم أن هذا الذي جرى له لا يجوز شرعًا ما حكاه وتبجَّح به، وإن إيصال الظلامات واجب، لا يجوز أخذ البرطيل (٣) عليها، ولا على شيء مما نصب الوزير له من أمور الدولة، وبهذا تَبِيْنُ مرتبةُ الفقيه على غيره! ذكر تلبيس إبليس على الشعراء قد لبَّس عليهم فأراهم أنكم من أهل الأدب، وأنكم قد خصصتم بفطنة تميزتم بها عن غيركم، ومَن خصكم بهذه الفطنة ربما عفا عن زللكم، فتراهم يهيمون في كل وادٍ من الكذب والقذف والهجاء وهتك الأعراض والإقرار بالفواحش، وأقل

стр. 339

أحوالهم أن الشاعر يمدح الإنسان فيخاف أن يهجوه فيعطيه اتقاء شره، أو يمدحه بين جماعة فيعطيه حياءً من الحاضرين، وجميع ذلك من جنس المصادرة (١). وترى خلقًا من الشعراء وأهل الأدب لا يتحاشون من لبس الحرير، والكذب في المدح خارجًا عن الحد، ويحكون اجتماعهم على الفسق وشرب الخمر، ويقول أحدهم: اجتمعت أنا وجماعة من الأدباء ففعلنا كذا وكذا، هيهات! ليس الأدب إلا مع الله باستعمال التقوى له، ولا قدر للفطن في أمور الدنيا ولا للحسن العبارة عند الله إذا لم يتقه. وجمهور الأدباء والشعراء إذا ضاق بهم رزق تسخطوا وكفروا وأخذوا في لوم الأقدار كقول بعضهم: إن أصبحت هممي في الأفق عالية … فإن حَظِّي ببطنِ الأرضِ مُلْتَصِقُ كلم يفعل الدَّهرُ بي ما لا أُسَرُّ بِهِ … وكلمْ يُسِيءُ زَمَانٌ جائر حَنِقُ (٢) وقد نسي هؤلاء أن معاصيهم تضيِّق أرزاقهم، فقد رأوا أنفسهم مستحقين للنعم، مستوجبين للسلامة من البلاء، ولم يتلمحوا ما يجب عليهم من امتثال أوامر الشرع، فلقد ضلت فطنهم في هذه الغفلة!

стр. 340

ذكر تلبيس إبليس على الكاملين من العلماء إن أقوامًا علت هممهم فحصَّلوا علوم الشرع من القرآن والحديث والفقه والأدب وغير ذلك، فأتاهم إبليس بخفي التلبيس، فأراهم أنفسهم بعين عظيمة لما نالوا وأفادوا غيرهم. فمنهم من استفزه لطول عناية في الطلب فحسن له اللذات وقال له: إلى متى في النصب؟! فأرحْ جوارحك من كُلَف التكاليف وافسح لنفسك في مشتهاها، فإن وقعت زلة فالعلم يدفع عنك العقوبة. وأورد عليه فضل العلماء. فإن خُذِلَ هذا العبد قَبِلَ هذا التلبيس؛ فهلك، وإن وُفق فينبغي له أن يقول له: جوابك من ثلاثة أوجه: • أحدها: إنه إنما فضل العلماء بالعمل بالعلم، ولولا العمل به ما كان له معنى، فإن أنا لم أعمل به كنتُ كمن لم يفهم المقصود به، ويصير مثلي كمثل رجل جمع الطعام وأطعم الجياع ولم يأكل؛ فلا ينفعه ذلك من جوعه. • والثاني: أن يعارضه بما ورد في ذم من لم يعمل بالعلم، كقول النبي ﷺ : "أشد الناس عذابًا عالم لم ينفعه الله بعلمه" (١)، وحكايته ﵇ عن رجل يلقى في النار فتندلق أقتابه فيقول: "كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه" (٢)، وقول أبي الدرداء: ويل لمن لم يعلم مرة، وويل لمن علم ولم يعمل سبع مرات (٣). والأخبار في هذا كثيرة.

стр. 341

• والثالث: أن يذكر له عقاب من أُهلك من العلماء التاركين للعمل بالعلم، كإبليس وبلعام، ويكفي في ذم العالم إذا لم يعمل قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]. فصل وقد لبس على قوم من المُحْكِمَين للعلم والعمل من جهة أخرى: فحسَّن لهم الكبر بالعلم، والحسد للنظير، والرياء لطلب الرياسة، فتارة يُريهم أن هذا كالحق الواجب لكم، وتارة يقوِّي حبَّ ذلك عندهم؛ فلا يتركونه مع علمهم أنه خطأ. وعلاج هذا لمن وُفِّقَ: إدمان النظر في إثم الكبر والحسد والرياء، وإعلام النفس أن العلم لا يدفع شر هذه المكتسبات، بل يضاعف عقابها؛ لتضاعف الحجة بها، ومن نظر في سِيَر السلف من العلماء والعالمين احتقر نفسه فلم يتكبر، ومن عرف الله لم يُرَاء، ومن لاحظ جريان أقداره على مقتضى إرادته لم يحسد. وقد يدخل إبليس على هؤلاء بشبهة ظريفة فيقول: طلبكم للرفعة ليس بتكبر؛ لأنكم نواب الشرع، فأنتم تطلبون إعزاز الدين، ودحض أهل البدع، وإطلاقكم اللسان في الحساد غضب للشرع؛ إذ الحساد قد ذموا من قام به، وما تظنونه رياء فليس برياء؛ لأن من تخاشع منكم وتباكى اقتدى به الناس كما يقتدون بالطبيب إذا احتمى أكثر من اقتدائهم بقوله إذا وصف. وكشف هذا التلبيس: أنه لو تكبر متكبر على غيرهم من جنسهم وصعد في المجلس فوقه أو قال حاسده عنه شيئًا، لم يغضب هذا العالم لذلك كغضبه لنفسه وإن كان المذكور من نواب الشرع، فعلم أنه إنما يغضب لنفسه لا للعلم.

стр. 342

وأما الرياء فلا عذر فيه لأحد، ولا يصلح أن يجعل طريقًا لدعاية الناس، وقد كان أيوب السختياني إذا تحدث فَرِقَ ومسح وجهه وقال: ما أشد الزكام (١)! وبعد هذا، فالأعمال بالنيات، والناقد بصير، وكم من ساكت عن غيبة المسلمين إذا اغتيبوا عنده فرح قلبه، وهو آثم بذلك من ثلاثة أوجه: ° أحدها: الفرح، فإنه حصل بوجود هذه المعصية من المغتاب. ° والثاني: لسروره بثلب المسلم. ° والثالث: إذا لم ينكر. فصل وقد يلبس إبليس على الكاملين في العلوم، فيسهرون ليلهم ويدأبون نهارهم في تصانيف العلوم، ويريهم إبليس أن المقصود نشر الدين ويكون مقصودهم الباطن انتشار الذكر، وعلو الصيت، والرياسة، وطلب الرحلة من الآفاق إلى المصنف. وينكشف هذا التلبيس: بأنه لو انتفع بمصنفاته الناس من غير تردد إليه، أو قرئت على نظيره في العلم فرح بذلك إن كان مراده نشر العلم، وقد قال بعض السلف (٢): ما من علم علمته إلا أحببت أن يستفيده الناس من غير أن ينسب إليَّ. ومنهم من يفرح بكثرة الأتباع، ويلبس عليه إبليس بأن هذا الفرح لكثرة طلاب العلم، وإنما مراده كثرة الأصحاب واستطارة الذكر، وينكشف هذا التلبيس بأنه لو انقطع بعضهم إلى غيره ممن هو أعلم منه ثقل ذلك عليه، وما هذه صفة

стр. 343

المخلص في التعليم؛ لأن مثل المخلصين مثل الأطباء الذين يداوون المرضى لله ، فإذا شفي بعض المرضى على يد طبيب منهم فرح الآخر، وقد ذكرنا آنفًا حديث ابن أبي ليلى، ونعيده بإسناده آخر: أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أخبرنا عمر بن عبيد الله البقال، قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران، قال: حدثنا عثمان بن أحمد، قال: نا حنبل، قال: حدثني أبو عبد الله، قال: حدثنا جرير عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: "أدركت عشرين ومائة من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار، ما منهم رجل يسأل عن شيء إلا ودَّ أن أخاه كفاه، ولا يحدث حديثًا إلا ودَّ أن أخاه كفاه" (١). فصل وقد يتخلص العلماء الكاملون من تلبيسات إبليس الظاهرة، فيأتيهم بخفي من تلبيسه فيقول له: ما لقيت مثلك، ما أعرفك بمداخلي ومخارجي! فإن سكن إلى هذا هلك بالعُجْب، وإن سلم من المساكنة له سلم. وقد قال سري السقطي: لو أن رجلًا دخل إلى بستان فيه من جميع ما خلق الله تعالى من الأشجار، عليها من جميع ما خلق الله من الأطيار، فخاطبه كل طائر بلغته وقال: السلام عليك يا ولي الله، فسكنت نفسه إلى ذلك؛ كان في أيديها أسيرًا (٢).

стр. 344

الباب السابع في ذكر تلبيس إبليس على الولاة والسلاطين قد لبس عليهم إبليس من وجوه كثيرة نذكر أمهاتها. • فالوجه الأول: أنه يريهم أن الله يحبكم، ولولا ذلك ما ولاكم سلطانه وجعلكم نوابًا عنه في عباده! وينكشف هذا التلبيس: بأنهم إن كانوا نوابًا عنه في الحقيقة فليحكموا بشرعه وليتبعوا مراضيه، فحينئذ يحبهم لطاعتهم، فأما صورة الملك والسلطنة فإنه قد أعطاها خلقًا ممن يبغضه، وقد يبسط الدنيا لكثير ممن لا ينظر إليه، وسلط جماعة من أولئك على الأنبياء والصالحين فقتلوهم وقهروهم، فكان ما أعطاهم عليهم لا لهم، ودخل ذلك في قوله: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]. • والثاني في: أنه يقول لهم: الولاية تفتقر إلى هيبة. فيتكبرون عن طلب العلم ومجالسة العلماء؛ فيعملون بآرائهم فيتلف الدين، ومن المعلوم أن الطبع يسرق من خصال المخالطين، فإذا خالطوا مُؤْثري الدنيا الجهال بالشرع سرق الطبع من خصالهم مع ما عنده منها، ولا يرى ما يقاومها ولا ما يزجر عنها، وذلك سبب الهلاك! • والثالث: أنه يخوفهم الأعداء، ويأمرهم بتشديد الحجاب. فلا يصل أهل المظالم، ويتوانى من جُعِلَ بصدد رفع المظالم. وقد روى أبو مريم الأسدي عن النبي ﷺ أنه قال: "من ولاه الله شيئًا من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله ﷺ دون حاجته وخلَّتِه وفقره" (١).

стр. 345

• والرابع: أنهم يستعملون من لا يصلح، ممن لا علم عنده ولا تقوى، فيستجلب الدعاء عليهم بظلمه للناس، ويطعمهم الحرام بالبيوع الفاسدة، ويحد من لا يجب عليه الحد، ويظنون أنهم يتخلصون من الله تعالى بما جعلوه في عنق الوالي، هيهات! إن العامل على الزكاة إذا وكَّل الفساقَ بتفريقها فخانوا؛ ضمن. • والخامس: أنه يحسِّن لهم العمل برأيهم؛ فيقطعون من لا يجوز قطعه، ويقتلون من لا يحل قتله، ويوهمهم أن هذه سياسة، وتحت هذا من المعنى أن الشريعة ناقصة تحتاج إلى تمام، ونحن نتمها بآرائنا (١). وهذا من أقبح التلبيس! لأن الشريعة سياسة إلهية، ومحال أن يقع في سياسة الإله خلل يحتاج معه إلى سياسة الخلق، قال الله : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. وقال: ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١]، فمدعي السياسة مدعٍ للخلل في الشريعة، وهذا يزاحم الكفر. وقد روينا (٢) عن عضد الدولة أنه كان يميل إلى جارية فكانت تشغل قلبه، فأمر بتغريقها؛ لئلا تشغل قلبه عن تدبير الملك، وهذا هو الجنون المحض! لأن قتل مسلم بلا جرم لا يحل، واعتقاد أن هذا جائز كفر (٣)، فإن اعتقده غير جائز لكنه رآه مصلحة فلا مصلحة فيما يخالف الشرع.

стр. 346

• والسادس: أنه يحسن لهم الانبساط في الأموال ظانين أنها بحكمهم (١)، وهذا تلبيس يكشفه وجوب الحجر على المفرط في مال نفسه، فكيف بالمستأجر في حفظ مال غيره، وإنما له من المال بقدر عمله فلا وجه للانبساط. قال ابن عقيل: وقد روي عن حماد الرواية أنه أنشد الوليد بن يزيد أبياتًا فأعطاه خمسين ألفًا وجاريتين (٢). قال: فهذا مما يروى على وجه المدح لهم، وهو غاية القدح؛ لأنه تبذير في بيت مال المسلمين، وقد يزين لبعضهم منع المستحقين، وهو نظير التبذير. • والسابع: أنه يحسن لهم الانبساط في المعاصي، ويلبس عليهم بأن حفظكم للسبيل وأمن البلاد بكم يدفع عنكم العقاب. وجواب هذا أن يقال: إنما وليتم لتحفظوا البلاد وتؤمنوا السبيل، فهذا واجب عليهم، وما انبسطوا فيه من المعاصي منهي عنه؛ فلا يدفع هذا ذاك. • والثامن: أنه يلبس على أكثرهم بأنه قد قام بما يجب من جهة أن ظواهر الأحوال مستقيمة، ولو حقق النظر لرأى اختلالًا كثيرًا. وقد أنبأنا محمد بن عبد الباقي البزاز، قال: أنبأنا علي بن المحسن عن أبيه قال: قال لي القاسم بن طلحة بن محمد الشاهد: رأيت علي بن عيسى الوزير وقد وَكَّل بِدُورِ البِطِّيخ رجلًا برزق يطوف على باعة العنب، فإذا اشترى أحد سلة عنب خمري لم يعرض له، وإن اشترى اثنتين فصاعدًا طرح عليها الملح؛ لئلا يمكن عملها خمرًا.

стр. 347

قال: وأدركت السلاطين يمنعون المنجمين من القعود في الطريق حتى لا يفشو العمل بالنجوم، وأدركنا الجند ليس فيهم أحد معه غلام أمرد له طُرَّة (١) ولا شعر، إلى أن بدأ تحكم العجم (٢)! • والتاسع: أنه يحسن لهم استجلاب الأموال واستخراجها بالضرب العنيف، أو أخذ كل ما يملكه الخائن، وإنما الطريق إقامة البينة على الخائن واستحلافه. وقد روينا عن عمر بن عبد العزيز أن عاملًا له كتب إليه: أن قومًا خانوا من مال الله، ولا أقدر على استخلاص ما في أيديهم، إلا أن أنالهم بعذاب؟ فكتب: لئن يلقوا الله بخيانتهم أحب إليَّ من أن ألقاه بدمائهم (٣). • والعاشر: أنه يُحسِّن لهم التصدق بعد الغصب، يُريهم أن هذا يمحو ذلك، فيقول: إن درهمًا من الصدقة يمحو إثم عشرة من الغصب. وهذا محال؛ لأن إثم الغصب باق، ودرهم الصدقة إذا كان من الغصب لم يقبل، فإن كانت الصدقة من مال حلال لم يدفع أيضًا إثم الغصب؛ لأن إعطاء الفقير لا يمنع تعلق الذمة بحق آخر. • والحادي عشر: أنه يحسن لهم مع الإصرار على المعاصي زيارة الصالحين وسؤالهم الدعاء، ويُريهم أن هذا يخفف ذلك الإثم. وهذا الخير لا يدفع ذاك الشر. أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله، قال: نا عبد الله بن محمد، قال: نا أحمد بن الحسين، قال: نا أحمد بن إبراهيم الدورقي، قال: نا الحسين بن زياد، قال: سمعت منيعًا يقول: مرَّ تاجر بعَشَّار، فحبسوا عليه سفينته، فجاء إلى مالك بن دينار فذكر ذلك له، فقام مالك

стр. 348

فمشى معه إلى العَشَّار، فلما رأوه قالوا: يا أبا يحيى، ألا بعثت إلينا حاجتك؟! قال: حاجتي أن تخلوا سفينة هذا الرجل. قالوا: قد فعلنا. قال: وكان عندهم كوز يجعلون فيه ما يأخذون من الناس من الدراهم، فقالوا: ادع لنا يا أبا يحيى. قال: قولوا للكوز يدعو لكم؛ كيف أدعو لكم وألف يدعون عليكم، أترى يستجاب لواحد ولا يستجاب لألف (١)! • والثاني عشر: أن من الولاة من يعمل لمن فوقه، فيأمره بالظلم فيظلم، ويلبس عليه إبليس بأن الإثم على الأمراء لا عليك، وهذا باطل؛ لأنه معين على الظلم، وكل معين على المعاصي عاص، فإن رسول الله ﷺ : "لعن في الخمر عشرة" (٢)، "ولعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه" (٣). ومن هذا الفن: أن يجبي المال لوالٍ فوقه، وقد علم أنه يبذر فيه ويخون، فهذا معين على الظلم أيضًا. أخبرنا يحيى بن علي المدير، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي الخياط، قال: أخبرنا الحسن بن حمكان، قال: نا عبدان بن يزيد، قال: نا محمد بن نصر القطان، قال: حدثنا هارون بن عبد الله الحمال، قال: حدثنا سيار، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، قال: سمعت مالك بن دينار يقول: "كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينًا للخونة" (٤).

стр. 349

الباب الثامن في ذكر تلبيس إبليس على العباد في العبادات اعلم أن الباب الأعظم الذي منه مدخل إبليس على الناس هو الجهل، فهو يدخل منه على الجهَّال بأمان، فأما العالم فلا يدخل عليه إلا مسارقة. وقد لبس على كثير من المتعبدين لقلة علمهم؛ لأن جمهورهم مشتغل بالتعبد ولم يُحْكِم العلم، وقد قال الربيع بن خثيم: تفقه ثم اعتزل (١). فأول تلبيسه عليهم: إيثارهم التعبد على العلم، والعلم أفضل من النوافل (٢)، فأراهم أن المقصود من العلم العمل، وما فهموا من العمل إلا عمل الجوارح، وما علموا أن العلم عمل القلب، وعمل القلب أفضل من عمل الجوارح. قال مطرف بن عبد الله: فضل العلم خير من فضل العبادة (٣). وقال يوسف بن أسباط: باب من العلم تتعلمه أفضل من سبعين غزوة (٤). وقال المعافى بن عمران: كتابة حديث واحد أحب إليَّ من صلاة ليلة (٥). فلما مر عليهم هذا التلبيس وآثروا التعبد بالجوارح على العلم تمكَّن من التلبيس عليهم في فنون التعبد.

стр. 350

ذكر تلبيسه عليهم في الاستطابة الحدث من ذلك: أنه يأمرهم بطول المكث في الخلاء، وذلك يؤذي الكبد، وإنما ينبغي أن يكون بمقدار، وفيهم من يقوم فيمشي ويتنحنح، ويرفع قدمًا ويحط أخرى وعنده أنه يستنقي بهذا، وكلما زاد في هذا نزل البول، وبيان هذا أن الماء يرشح إلى المثانة ويجتمع فيها، فإذا تهيأ الإنسان للبول خرج ما اجتمع، فإذا مشى وتنحنح وتوقف رشح شيء آخر، فالرشح لا ينقطع، وإنما يكفيه أن يحتلب ما في الذكر بين أصبعيه ثم يتبعه الماء (١). ومنهم: من يحسن له استعمال الماء الكثير، وإنما يجزئه بعد زوال العين سبع مرات على أشد المذاهب، فإن استعمل الأحجار فيما لم يتعد المخرج أجزأه ثلاثة أحجار إذا أنقى بهن، ومن لم يقنع بما قنع به الشرع فهو مبتدئ شرعًا لا متبع! ذكر تلبيسه عليهم في الوضوء منهم: من لبَّس عليه في النية فتراه يقول: أرفع الحدث، ثم يقول: أستبيح الصلاة، ثم يعيد فيقول: أرفع الحدث. وسبب هذا التلبيس الجهل بالشرع؛ لأن النية بالقلب لا باللفظ (٢)، فتكلف اللفظ أمر لا يحتاج إليه، ثم لا معنى لتكرار اللفظ.

стр. 351

ومنهم: من يلبس عليه بالنظر في الماء المتوضَّأ به، فيقول: من أين لك أنه طاهر؟ ويُقدِّر له فيه كل احتمال بعيد، وفتوى الشرع يكفيه بأن أصل الماء الطهارة فلا يترك الأصل باحتمال. ومنهم: من يلبس عليه بكثرة استعمال الماء، وذلك يجمع أربعة أشياء مكروهة: ° الإسراف في الماء. ° ويضيع العمر القيم فيما ليس بواجب ولا مندوب. ° والتعاطي على الشريعة إذا لم يقنع بما قنعت به من استعمال الماء القليل (١). ° والدخول فيما نهت عنه من الزيادة على الثلاث، وربما أطال الوضوء ففات وقت الصلاة، أو فات أوله الذي هو الفُضَيلة، أو فاتته الجماعة. ويلبس إبليس على هذا بأنك في عبادة ما لم تصح لا تصح الصلاة، ولو تدبر أمره علم أنه في تفريط ومخالفة، وقد رأينا من ينظر في هذه الوساوس ولا يبالي بمطعمه ومشربه، ولا يحفظ لسانه من غيبة، فليته قلب الأمر! أخبرنا هبة الله بن محمد، قال: أخبرنا الحسن بن علي التميمي، قال: أخبرنا أبو بكر بن مالك، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: نا قتيبة، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن [حُيَيّ] (٢) بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن النبي ﷺ مر بسعد وهو يتوضأ فقال: "ما هذا السَرَف يا سعد؟ ". فقال: أفي الوضوء سرف؟ فقال: "نعم، وإن كنت على نهر جار" (٣).

стр. 352

قال عبد الله بن أحمد: وحدثني محمد بن المثنى قال: نا أبو داود، قال: نا خارجة بن مصعب، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن عَتِيّ، عن أُبَيّ، عن النبي ﷺ قال: "للوضوء شيطان يقال له: الولهان؛ فاتقوه"، أو قال: "فاحذروه" (١). أنبأنا إسماعيل بن أحمد، قال: أخبرنا عاصم بن الحسن قال: أخبرنا علي بن محمد بن بشران، قال: حدثنا ابن صفوان، قال: نا عبد الله بن محمد القرشي، قال: حدثنا الحسن بن محبوب، قال: نا أبو النضر، قال: نا الأشجعي، عن سفيان، عن بيان، عن الحسن، قال: "شيطان الوضوء يدعى: الولهان، يضحك بالناس في الوضوء" (٢). أخبرنا عبد الأول بن عيسى، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن المظفر، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حمويه، قال: أخبرنا إبراهيم بن خزيم، قال: حدثنا عبد بن حميد، قال: حدثنا محمد بن الفضل، قال: نا حماد بن سلمة عن يزيد الرقاشي، عن أبي نعامة أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك الفردوس .. وأسألك. فقال له عبد الله: سل الله الجنة، وتعوذ به من النار، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور" (٣).

стр. 353

أخبرنا موهوب بن أحمد، ومحمد بن ناصر، قالا: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أنا عبد العزيز بن علي الأزجي، قال: أنا محمد بن عبد الرحمن المخلص، قال: أخبرنا عبيد الله بن عبد الرحمن السكري، قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن أبي سعد، قال: نا أبو الأصبغ، قال: نا ضمرة عن ابن شوذب، قال: كان الحسن يعرض بابن سيرين (١) يقول: يتوضأ أحدهم بقربة (٢)، ويغتسل بمزادة (٣) صبًّا صبًّا، ودلكًا دلكًا، تعذيبًا لأنفسهم، وخلافًا لسنة نبيهم ﷺ (٤). وكان أبو الوفاء بن عقيل يقول: أَجَلُّ محصول عند العقلاء الوقت، وأقل متعبد به الماء. وقد قال ﵇: "صبوا على بول الأعرابي ذنوبًا من ماء" (٥)، وقال في المني: "أمطه عنك بإذخرة" (٦) (٧)، وقال في الحذاء: "طهوره أن يُدلك بالأرض" (٨)، وفي ذيل

стр. 354

المرأة: "يطهره ما بعده" (١)، وقال: "يغسل بول الجارية وينضح بول الغلام" (٢)، وقد كان يحمل بنت أبي العاص بن الربيع في الصلاة (٣)، ونهى الراعي عن إعلام السائل له عن الماء وما يَرِدُهُ، وقال: "ما أبقت لنا طهور" (٤). وقال: "يا صاحب الميزاب لا تخبره"، وقد صافح رسول الله ﷺ الأعراب (٥)، وركب الحمار (٦)، وما عرف من خلقه التعبد بكثرة الماء (٧)، وتوضأ من سقاية المسجد (٨)، ومعلوم حال الأعراب الذي بان من أحدهم الإقدام على البول في المسجد.

стр. 355

كل ذلك لتعليمنا وإعلامنا أن الماء على أصل الطهارة، وتوضأ من غدير كأن ماءه نقاعة الحناء. فأما قوله: "تنزهوا من البول" (١): فإن للتنزه حدًّا معلومًا، وهو أن لا يغفل عن محل قد أصابه حتى يتبعه الماء، فأما الاستنثار فإنه إذا علق نما وانقطع الوقت بما لا يقضي بمثله الشرع. قال المصنف: قلت: وقد كان أسود بن سالم وهو من كبار الصالحين يستعمل ماءً كثيرًا في وضوئه، ثم ترك ذلك، فسأله رجل عن سبب تركه؟ فقال: نمت ليلة فإذا هاتف يهتف بي: يا أسود ما هذا؟! يحيى بن سعيد الأنصاري، حدثنا عن سعيد بن المسيب قال: إذا جاوز الوضوء ثلاثًا لم يرفع إلى السماء. قال: قلتُ: لا أعود لا أعود. فأنا اليوم يكفيني كف من ماء (٢). ذكر تلبيسه عليهم في الأذان من ذلك التلحين في الأذان، وقد كرهه مالك بن أنس وغيره من العلماء (٣) كراهية شديدة؛ لأنه يخرجه عن موضوع التعظيم إلى مشابهة الغناء.
следующие страницы →