← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11302

تلبيس إبليس - ت المزيد والسحيباني

ابن الجوزي

Полный текст (915 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ومنهم: من يلبس عليه بالنظر في الماء المتوضَّأ به، فيقول: من أين لك أنه طاهر؟ ويُقدِّر له فيه كل احتمال بعيد، وفتوى الشرع يكفيه بأن أصل الماء الطهارة فلا يترك الأصل باحتمال. ومنهم: من يلبس عليه بكثرة استعمال الماء، وذلك يجمع أربعة أشياء مكروهة: ° الإسراف في الماء. ° ويضيع العمر القيم فيما ليس بواجب ولا مندوب. ° والتعاطي على الشريعة إذا لم يقنع بما قنعت به من استعمال الماء القليل (١). ° والدخول فيما نهت عنه من الزيادة على الثلاث، وربما أطال الوضوء ففات وقت الصلاة، أو فات أوله الذي هو الفُضَيلة، أو فاتته الجماعة. ويلبس إبليس على هذا بأنك في عبادة ما لم تصح لا تصح الصلاة، ولو تدبر أمره علم أنه في تفريط ومخالفة، وقد رأينا من ينظر في هذه الوساوس ولا يبالي بمطعمه ومشربه، ولا يحفظ لسانه من غيبة، فليته قلب الأمر! أخبرنا هبة الله بن محمد، قال: أخبرنا الحسن بن علي التميمي، قال: أخبرنا أبو بكر بن مالك، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: نا قتيبة، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن [حُيَيّ] (٢) بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن النبي ﷺ مر بسعد وهو يتوضأ فقال: "ما هذا السَرَف يا سعد؟ ". فقال: أفي الوضوء سرف؟ فقال: "نعم، وإن كنت على نهر جار" (٣).

стр. 352

قال عبد الله بن أحمد: وحدثني محمد بن المثنى قال: نا أبو داود، قال: نا خارجة بن مصعب، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن عَتِيّ، عن أُبَيّ، عن النبي ﷺ قال: "للوضوء شيطان يقال له: الولهان؛ فاتقوه"، أو قال: "فاحذروه" (١). أنبأنا إسماعيل بن أحمد، قال: أخبرنا عاصم بن الحسن قال: أخبرنا علي بن محمد بن بشران، قال: حدثنا ابن صفوان، قال: نا عبد الله بن محمد القرشي، قال: حدثنا الحسن بن محبوب، قال: نا أبو النضر، قال: نا الأشجعي، عن سفيان، عن بيان، عن الحسن، قال: "شيطان الوضوء يدعى: الولهان، يضحك بالناس في الوضوء" (٢). أخبرنا عبد الأول بن عيسى، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن المظفر، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حمويه، قال: أخبرنا إبراهيم بن خزيم، قال: حدثنا عبد بن حميد، قال: حدثنا محمد بن الفضل، قال: نا حماد بن سلمة عن يزيد الرقاشي، عن أبي نعامة أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك الفردوس .. وأسألك. فقال له عبد الله: سل الله الجنة، وتعوذ به من النار، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور" (٣).

стр. 353

أخبرنا موهوب بن أحمد، ومحمد بن ناصر، قالا: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أنا عبد العزيز بن علي الأزجي، قال: أنا محمد بن عبد الرحمن المخلص، قال: أخبرنا عبيد الله بن عبد الرحمن السكري، قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن أبي سعد، قال: نا أبو الأصبغ، قال: نا ضمرة عن ابن شوذب، قال: كان الحسن يعرض بابن سيرين (١) يقول: يتوضأ أحدهم بقربة (٢)، ويغتسل بمزادة (٣) صبًّا صبًّا، ودلكًا دلكًا، تعذيبًا لأنفسهم، وخلافًا لسنة نبيهم ﷺ (٤). وكان أبو الوفاء بن عقيل يقول: أَجَلُّ محصول عند العقلاء الوقت، وأقل متعبد به الماء. وقد قال ﵇: "صبوا على بول الأعرابي ذنوبًا من ماء" (٥)، وقال في المني: "أمطه عنك بإذخرة" (٦) (٧)، وقال في الحذاء: "طهوره أن يُدلك بالأرض" (٨)، وفي ذيل

стр. 354

المرأة: "يطهره ما بعده" (١)، وقال: "يغسل بول الجارية وينضح بول الغلام" (٢)، وقد كان يحمل بنت أبي العاص بن الربيع في الصلاة (٣)، ونهى الراعي عن إعلام السائل له عن الماء وما يَرِدُهُ، وقال: "ما أبقت لنا طهور" (٤). وقال: "يا صاحب الميزاب لا تخبره"، وقد صافح رسول الله ﷺ الأعراب (٥)، وركب الحمار (٦)، وما عرف من خلقه التعبد بكثرة الماء (٧)، وتوضأ من سقاية المسجد (٨)، ومعلوم حال الأعراب الذي بان من أحدهم الإقدام على البول في المسجد.

стр. 355

كل ذلك لتعليمنا وإعلامنا أن الماء على أصل الطهارة، وتوضأ من غدير كأن ماءه نقاعة الحناء. فأما قوله: "تنزهوا من البول" (١): فإن للتنزه حدًّا معلومًا، وهو أن لا يغفل عن محل قد أصابه حتى يتبعه الماء، فأما الاستنثار فإنه إذا علق نما وانقطع الوقت بما لا يقضي بمثله الشرع. قال المصنف: قلت: وقد كان أسود بن سالم وهو من كبار الصالحين يستعمل ماءً كثيرًا في وضوئه، ثم ترك ذلك، فسأله رجل عن سبب تركه؟ فقال: نمت ليلة فإذا هاتف يهتف بي: يا أسود ما هذا؟! يحيى بن سعيد الأنصاري، حدثنا عن سعيد بن المسيب قال: إذا جاوز الوضوء ثلاثًا لم يرفع إلى السماء. قال: قلتُ: لا أعود لا أعود. فأنا اليوم يكفيني كف من ماء (٢). ذكر تلبيسه عليهم في الأذان من ذلك التلحين في الأذان، وقد كرهه مالك بن أنس وغيره من العلماء (٣) كراهية شديدة؛ لأنه يخرجه عن موضوع التعظيم إلى مشابهة الغناء.

стр. 356

ومنه: أنهم يخلطون الأذان للفجر بالتذكير والتسبيح والمواعظ ويجعلون الأذان وسطًا فيختلط، وقد كره العلماء كل ما يضاف إلى الأذان (١). قال المصنف: وقد رأيت من يقوم بليل كثير على المنارة فيعظ ويذكر، ويقرأ سورًا من القرآن بصوت مرتفع، فيمنع الناس من نومهم، ويخلط على المتهجدين قراءتهم، وكل ذلك من المنكرات! ذكر تلبيسه عليهم في الصلاة فمن ذلك: تلبيسه عليهم في الثياب التي يستتر بها، فترى أحدهم يغسل الثوب الطاهر مرارًا، وربما لمسه مسلم فيغسله، ومنهم من يغسل ثيابه في دجلة لا يرى أن غسلها في البيت يجزئ، ومنهم من يدليها في البئر كفعل اليهود وما كانت الصحابة تفعل هذا، بل قد صلوا في ثياب فارس لما فتحوها واستعملوا أوطئتهم وأكسيتهم. ومن الموسوسين من يقطر عليه قطرة ماء فيغسل الثوب كله وربما تأخر لذلك عن صلاة الجماعة، ومنهم من يترك صلاة الجمعة لأجل مطر يسير يخاف أن ينتضح عليه، ولا يظنن ظان أني أمنع من النظافة والورع ولكن المبالغة الخارجة عن حد الشرع المضيعة للزمان هي التي أنهى عنها. ومن ذلك: تلبيسه عليهم في نية الصلاة، فمنهم من يقول: أصلي صلاة كذا ثم يعيد هذا، ظنًّا منه أنه قد نقض النية، والنية لا تنتقض وإن لم يرض اللفظ، ومنهم من يكبر ثم ينقض، ثم يكبر ثم ينقض، فإذا ركع الإمام كبر الموسوس وركع معه، فليت شعري! ما الذي أحضر النية حينئذ؟ وما ذاك إلا لأن إبليس أراد أن تفوته الفُضَيلة.

стр. 357

ومن الموسوسين من يحلف بالله لا كَبَّرْتُ غير هذه المرة، وفيهم من يحلف بالخروج من ماله أو بالطلاق، وهذه كلها تلبيسات إبليس. والشريعة سمحة سهلة سليمة من هذه الآفات، وما جرى لرسول الله ﷺ ولا لأصحابه شيء من هذا، وقد بلغنا عن أبي حازم أنه دخل المسجد فوسوس إليه إبليس أنك تصلي بغير وضوء، فقال: ما بلغ نصحك إلى هذا (١)! وكشف هذا التلبيس: أن يقال للموسوس: إن كنت تريد إحضار النية فالنية حاضرة؛ لأنك قمت لتؤدي الفريضة، وهذه هي النية، ومحلها القلب لا اللفظ، فإن كنت تريد تصحيح اللفظ، فاللفظ لا يجب، ثم قد قلته صحيحًا، فما وجه الإعادة؟ أفتراك تظن وقد قلت إنك ما قلت؟ هذا مرض! قال المصنف: ولقد حكى لي بعض الأشياخ عن ابن عقيل حكاية عجيبة: أن رجلًا لقيه فقال: إني أغسل العضو وأقول ما غسلته، وأكبر وأقول: ما كبرت. فقال له ابن عقيل: دع الصلاة؛ فإنها ما تجب عليك. فقال قوم لابن عقيل: كيف تقول له هذا؟! فقال لهم: قد قال النبي ﷺ : "رفع القلم عن المجنون حتى يفيق" (٢)، ومن يكبر ويقول ما كبرت فليس بعاقل، والمجنون لا تجب عليه الصلاة. قال المصنف: قلت: واعلم أن الوسوسة في نية الصلاة سببها خبل في العقل أو جهل في الشرع، ومعلوم أن من دخل عليه عالم فقام له فلو قال: نويت أن أنتصب

стр. 358

قائمًا تعظيمًا لدخول هذا العالم لأجل علمه مقبلًا عليه بوجهي، سُفِّهَ في عقله؛ لأن هذا قد تصور في ذهنه منذ رأى العالم. فقيام الإنسان إلى الصلاة ليؤدي الفرض أمر يتصور في النفس في حالة واحدة لا يطول زمانه، وإنما يطول زمان نظم الألفاظ، والألفاظ لا تلزم، والوسواس محض جهل، فإن الموسوس يكلف نفسه أن يُحْضِرَ في قلبه الظهرية والأدائية والفرضية في حالة واحدة مفصلة بألفاظها وهو يطالعها، وذلك محال! ولو كلف نفسه ذلك في القيام للعالم لتعذر عليه، فمن عرف هذا عرف النية، ثم إنه يجوز تقديمها على التكبير بزمان يسير ما لم يفسخها (١)، فما وجه هذا التعب في إلصاقها بالتكبير؟ على أنه إذا حصلها ولم يفسخها فقد التصقت بالتكبير. أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا أبو علي بن المهدي، قال: أنا عبيد الله بن عمر بن شاهين، قال: أنا أبو بحر بن كوثر، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن محمد الجذوعي القاضي، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا أبو أسامة عن مسعر، قال: أخرج إليَّ معن بن عبد الرحمن كتابًا وحلف بالله أنه خط أبيه، فإذا فيه قال عبد الله: والذي لا إله غيره ما رأيت أحدًا كان أشد على المتنطعين من رسول الله ﷺ ، ولا رأيت بعده أشد خوفًا عليهم من أبي بكر، وإني لأظن عمر كان أشد أهل الأرض خوفًا عليهم (٢)!

стр. 359

فصل ومن الموسوسين من إذا صحت له النية وكبر ذهل عن باقي صلاته، كأن المقصود من الصلاة التكبير فقط، وهذا تلبيس، يكشفه: أن التكبير يراد للدخول في العبادة، فكيف تهمل العبادة التي هي كالدار، ويقتصر على التشاغل بحفظ الباب (١)! فصل ومن الموسوسين من تصح له التكبيرة خلف الإمام وقد بقي من الركعة يسير، فيستفتح ويستعيذ، فيركع الإمام، وهذا تلبيس أيضًا؛ لأن الذي شرع فيه من الاستفتاح والتعوذ مسنون، والذي تركه من قراءة الفاتحة واجب، وهو لازم للمأموم عند جماعة من العلماء، فلا ينبغي أن يُقدِّم عليه سنة. قال المصنف: وقد كنت أصلي وراء شيخنا أبي بكر الدينوري الفقيه في زمان الصبا، فرآني مرة أفعل هذا، فقال: يا بني إن الفقهاء قد اختلفوا في وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام، ولم يختلفوا أن الاستفتاح سنة؛ فاشتغل بالواجب ودع السنن (٢)! فصل وقد لبس إبليس على قوم فتركوا كثيرًا من السنن لواقعات وقعت لهم: فمنهم من كان يتأخر عن الصف الأول ويقول: إنما أراد قرب القلوب، ومنهم من لم يضع يدًا على يد في الصلاة وقال: أكره أن أظهر من الخشوع ما ليس في قلبي. قال المصنف: وقد روينا هذين الفعلين عن بعض أكابر الصالحين.

стр. 360

وهذا أمر أوجبه قلة العلم، ففي "الصحيحين" من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لو يعلم الناس ما لهم في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه" (١). وفي أفراد مسلم من حديثه عن النبي ﷺ أنه قال: "خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها" (٢). وأما وضع اليد على اليد فسنة، روى أبو داود في "سننه" أن ابن الزبير قال: وضع اليد على اليد من السنة (٣). وأن ابن مسعود كان يصلي فوضع يده اليسرى على اليمنى فرآه النبي ﷺ فوضع يده اليمنى على اليسرى (٤). ولا يَكْبُرَنَّ عليك إنكارُنا على من قال: أراد قرب القلوب ولا أضع يدًا على يد وإن كان من الأكابر؛ فإن الشرع المُنْكِرُ لا نحن. وقد قيل لأحمد بن حنبل: إن ابن المبارك يقول كذا وكذا. فقال: ابن المبارك لم ينزل من السماء (٥).

стр. 361

وقيل له: قال إبراهيم بن أدهم. فقال: جئتموني بِبُنَيَّات الطريق (١)، عليكم بالأصل (٢). فلا ينبغي أن يترك الشرع لقول مُعَظَّم في النفس، فإن الشرع أعظم، والخطأ في التأويل على الناس يجري، ومن الجائز أن تكون الأحاديث لم تبلغه. فصل وقد يلبس إبليس على بعض المصلين في مخارج الحروف فتراه يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، فيخرج بإعادة الكلمة عن قانون أدب الصلاة، وتارة يلبس عليه في تحقيق التشديد، وتارة في إخراج ضاد ﴿الْمَغْضُوبِ﴾. قال المصنف: ولقد رأيت من يقول: ﴿الْمَغْضُوبِ﴾ فيخرج بصاقه مع إخراج الضاد؛ لقوة تشديده، وإنما المراد تحقيق الحرف فحسب (٣). وإبليس يخرج هؤلاء بالزيادة عن حد التحقيق، ويشغلهم بالمبالغة في الحروف عن فهم التلاوة، وكل هذه الوساوس من إبليس. أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا أحمد بن عبد القادر بن يوسف، قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن علي بن صخر، قال: نا عمر بن محمد بن سيف، قال: حدثنا محمد بن هارون بن حميد، قال: نا محمد بن يحيى بن رزين، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء، أن سهل بن أبي أمامة حدثه: أنه دخل

стр. 362

هو وأبوه على أنس بن مالك وهو يصلي صلاة خفيفة كأنها صلاة مسافر، فلما سلم قال: يرحمك الله، أرأيت هذه الصلاة المكتوبة، أم شيء تنفلته؟ قال: إنها لصلاة رسول الله ﷺ ما أخطأت إلا شيئًا سهوت عنه، إن رسول الله ﷺ كان يقول: "لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قومًا شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧] " (١). وفي أفراد مسلم من حديث عثمان بن أبي العاص قال: قلت: يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها عليَّ؟ فقال رسول الله ﷺ : "ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسَسْتَهُ فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثًا"، ففعلت ذلك، فأذهبه الله عني (٢). فصل وقد لبس إبليس على خلق كثير من جهلة المتعبدين، فرأوا أن العبادة هي القيام والقعود فحسب، فهم يدأبون في ذلك ويُخِلُّون ببعض واجباتها ولا يعلمون، ولقد تأملت على جماعة يسلِّمون إذا سلَّم الإمام وقد بقي عليهم من التشهد الواجب شيء، وذلك لا يحمله الإمام عنهم. ولبَّس على آخرين منهم فهم يطيلون الصلاة ويكثرون القراءة، ويتركون المسنون في الصلاة، ويرتكبون المكروه فيها، ولقد دخلت على بعض المتعبدين، وهو

стр. 363

يتنفل بالنهار ويجهر بالقراءة، فقلت له: إن الجهر بالنهار مكروه! فقال لي: أنا أطرد النوم عني بالجهر! فقلت له: إن السنن لا تترك لأجل سهرك، ومتى غلبك النوم فنم؛ فإن للنفس عليك حقًّا (١). أخبرنا حمد بن منصور الهمذاني، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل بن الحسن الحسني قال: نا أبو سعد عبد الرحمن بن حمدان النّصروييّ قال: نا أبو الحسن السراج، قال: نا محمد بن عبد الله الحضرمي مُطيَّن، قال: نا أبو بلال الأشعري، قال: نا يزيد بن يوسف الدمشقي، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن بُرَيدة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من جهر بالقراءة بالنهار فارجموه بالبعر" (٢). فصل وقد لبَّس إبليس على جماعة من المتعبدين، فأكثروا من صلاة الليل، وفيهم من يسهره كله، ويفرح بقيام الليل وصلاة الضحى أكثر مما يفرح بأداء الفرائض، ثم يقع قبيل الفجر فتفوته الفريضة، أو يقوم فيتهيأ لها فتفوته الجماعة، أو يصبح كَسْلَانَ فلا يقدر على الكسب لعائلته. قال المصنف: ولقد رأيت شيخًا من المتعبدين يقال له: حسن القزويني، يمشي كثيرًا من النهار في جامع المنصور، فسألت عن سبب مشيه فقيل لي: لئلا ينام، فقلت: هذا جهل بمقتضى الشرع والعقل (٣):

стр. 364

° أما الشرع: فإن النبي ﷺ قال: "إن لنفسك عليك حقًّا" (١)، فقم ونم، وكان يقول: "عليكم هَدْيًا قاصدًا، فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه" (٢). أخبرنا ابن الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: نا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: نا إسماعيل، قال: نا عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد وحبل ممدود بين ساريتين، فقال: "ما هذا؟ ". قالوا: لزينب؛ تصلي فإذا كسلت أو فترت أمسكت به. فقال: "حُلُّوه". ثم قال: "ليُصلِّ أحدكم نشاطَهُ، فإذا كسل أو فتر فَلْيَقْعُدْ" (٣). قال عبد الله: وحدثني أبي، قال: نا ابن نمير، قال: نا هشام عن أبيه عن عائشة ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا نعس أحدكم فليرقد حتى يذهب عنه النوم؛ فإنه إذا صلى وهو ينعس لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه" (٤). قال المصنف: هذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم، وانفرد بالذي قبله البخاري (٥). ° وأما العقل: فإن النوم يجدد القوى التي قد كَلَّت بالسهر، فمتى دفعه الإنسان وقت الحاجة إليه أثَّر في بدنه وعقله، فنعوذ بالله من الجهل!

стр. 365

فإن قال قائل: فقد رويت لنا أن جماعة من السلف كانوا يحيون الليل؟ فالجواب: أولئك تدرجوا حتى قدروا على ذلك، وكانوا على ثقة من حفظ صلاة الفجر في جماعة، وكانوا يستعينون بالقائلة مع قلة المطعم، فصح لهم ذلك، ثم لم يبلغنا أن رسول الله ﷺ سهر ليلة لم ينم فيها، فسنته هي المتبوعة. فصل وقد لبس إبليس على جماعة من قوام الليل، فتحدثوا بذلك بالنهار، فربما قال أحدهم: فلان المؤذن أذن بوقت. ليعلم الناس أنه كان متنبهًا، وأقل ما في هذا -إذا سلم من الرياء- أن ينقل من ديوان السر إلى ديوان العلانية؛ فيقل الثواب. فصل وقد لبس على آخرين انفردوا في المساجد للصلاة والتعبد، فعُرِفُوا بذلك، واجتمع إليهم ناس فصلوا بصلاتهم، وشاع بين الناس حالهم، وذلك من دسائس إبليس، وبه تقوى النفس على التعبد؛ لعلمها أن ذلك يشيع ويوجب المدح. وقد أخبرنا ابن الحصين، قال: أخبرنا الحسن بن علي، قال: أخبرنا أبو بكر بن مالك، قال: نا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: نا عفان، قال: نا وهيب، قال: نا موسى بن عقبة قال: سمعت أبا النضر يحدث عن بسر بن سعيد عن زيد بن ثابت عن النبي ﷺ أنه قال: "إن أفضل صلاة المرء في بيته، إلا الصلاة المكتوبة" (١). أخرجاه في "الصحيحين".

стр. 366

وكان عامر بن عبد القيس يكره أنه يروه يصلي (١)، وكان لا يتنفل في المسجد (٢)، وكان يصلي كل يوم ألف ركعة (٣). وكان ابن أبي ليلى إذا صلى فدخل عليه داخل اضطجع (٤). فصل وقد لبس على قوم من المتعبدين فكانوا يبكون والناس حولهم، وهذا قد يقع غلبةً فلا يمكن دفعه، فمن قدر على ستره فأظهره فقد تعرض للرياء. أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا أبو محمد بن السراج، قال: أخبرنا أبو علي التميمي، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني يوسف بن يعقوب، قال: حدثنا أبو بكر عن عاصم، قال: كان أبو وائل إذا صلى في بيته ينشج نشيجًا، ولو جعلت له الدنيا على أن يفعله وأحد يراه ما فعله. وقد كان أيوب السختياني إذا غلبه البكاء قام (٥) (٦). فصل وقد لبس على جماعة من المتعبدين، فتراهم يصلون الليل والنهار، ولا ينظرون في إصلاح عيب باطن ولا في مطعم، والنظر في ذلك كان أولى بهم من كثرة التنفل.

стр. 367

ذكر تلبيسه عليهم في قراءة القرآن قد لبس على قوم بكثرة التلاوة، فهم يهذون هذًّا من غير ترتيل ولا تثبت، وهذه حالة ليست بمحمودة، وقد رُوي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يقرؤون القرآن في يوم أو في ركعة (١)، وهذا يكون نادرًا منهم، ومن دام عليه وإن كان جائزًا إلا أن الترتيل والتثبت أحب إلى العلماء؛ فقد قال رسول الله ﷺ : "لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث" (٢). وقد لبس على قوم من القراء، فهم يقرؤون في منارة المسجد بالليل بالأصوات المرتفعة الجزء والجزأين، فيجمعون بين أذى الناس ومنعهم من النوم، وبين التعرض للرياء، وفيهم من يقرأ في مسجده وقت الأذان لأنه حين اجتماع الناس في المسجد. ومن أعجب ما رأيت منهم: أن رجلًا كان يصلي بالناس صلاة الصبح يوم الجمعة، ثم يلتفت فيقرأ المعوذتين، ويدعو دعاء الختمة ليعلم الناس أني قد ختمت، وما هذه طريقة السلف، فإن السلف كانوا يسترون عباداتهم، كان عمل الربيع بن خثيم كله سرًّا، فربما دخل عليه الداخل وقد نشر المصحف فيغطيه بثوبه (٣)، وكان أحمد بن حنبل يقرأ القرآن كثيرًا ولا يُدرى متى يختم (٤). قال المصنف: قد سبق ذكر جملة من تلبيس إبليس على القراء.

стр. 368

ذكر تلبيسه عليهم في الصوم قال المصنف: وقد حسَّن لأقوام الصومَ الدائمَ، وذلك جائز إذا أفطر الإنسان الأيام المحرم صومها، إلا أن الآفة فيه من وجهين: ° أحدهما: أنه ربما عاد بِضَعْف القوى، فأعجز الإنسان عن القيام لعائلته، ومنعه من إعفاف زوجته، وفي "الصحيحين" عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن لزوجك عليك حقًّا" (١)، فكم من فرض يضيع بهذا النفل! ° والثاني: أنه يفوت الفُضَيلة، فإنه قد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أفضل الصيام صيام داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا" (٢). أخبرنا هبة الله بن محمد، قال: أخبرنا الحسن بن علي، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: نا عبد الرزاق، قال: نا معمر عن الزهري عن ابن المسيب وأبي سلمة ابن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو قال: لقيني رسول الله ﷺ ، فقال: "ألم أحدث أنك تقوم الليل؟ أَوَأنت الذي يقول: لأقومن الليل ولأصومن النهار؟ ". قال أحسبه قال: نعم يا رسول الله، قد قلت ذلك. قال: "فقم ونم، وصم وأفطر، وصم من كل شهر ثلاثة أيام، ولك مثل صيام الدهر". قلت: يا رسول الله، إني أطيق أكثر من ذلك. قال: "فصم يومًا وأفطر يومين". قلت: إني أطيق أفضل من ذلك. قال: "فصم يومًا وأفطر يومًا، وهو أعدل الصيام، وهو صيام داود ﷺ "، قلت: إني أطيق أفضل من ذلك. فقال رسول الله ﷺ : "لا أفضل من ذلك" (٣)، أخرجاه في "الصحيحين".

стр. 369

فإن قال قائل: فقد بلغنا عن جماعة من السلف أنهم كانوا يسردون الصوم؟ فالجواب: أنهم قد كانوا يقوون على الجمع بين ذلك وبين القيام بحقوق العائلة، ولعل أكثرهم لم تكن له عائلة ولا حاجة إلى الكسب، ثم فيهم من فعل هذا في آخر عمره، على أن قول رسول الله ﷺ : "لا أفضل من ذلك" يقطع هذا الحديث. وقد دام جماعة من القدماء على الصوم مع خشونة المطعم وقلته، فمنهم من ذهبت عينه، ومنهم من نشف دماغه، وهذا تفريط في حق النفس الواجب، وحمل عليها ما لاتطيق، فلا يجوز. فصل وقد يشيع عن المتعبد أنه يصوم الدهر، فيعلم بشياع ذلك فلا يفطر أصلًا، وإن أفطر اختفى بإفطاره؛ لئلا ينكسر جاهه، وهذا من خفي الرياء! ولو أراد الإخلاص وستر الحال لأفطر بين يدي من قد علم أنه يصوم، ثم عاد إلى الصوم ولم يعلم به، ومنهم من يخبر بما قد صام، فيقول: اليوم منذ عشرين سنة ما أفطرت، ويلبس عليه إبليس: بأنك إنما تخبر ليقتدى بك، والله أعلم بالمقاصد. قال سفيان الثوري: إن العبد ليعمل العمل في السر، ولا يزال به الشيطان حتى يتحدث به؛ فينقل من ديوان السر إلى ديوان العلانية (١). وفيهم: من عادته صوم الاثنين والخميس فإذا دعي إلى طعام قال: اليوم الخميس. ولو قال: أنا صائم كانت محنة، وإنما قوله: اليوم الخميس معناه: أنا أصوم كل خميس.

стр. 370

وفي هؤلاء: من يرى الناس بعين الاحتقار لكونه صائمًا وهم مفطرون. ومنهم: من يلازم الصوم ولا يبالي على ماذا أفطر، ولا يتحاشى في صومه عن غيبة ولا عن نظرة ولا عن فضول كلمة، وقد خيل له إبليس أن صومك يدفع إثمك. وكل هذا من التلبيس! ذكر تلبيسه عليهم في الحج قد يسقط الإنسان الفرض بالحج مرة، ثم يعود لا عن رضاء الوالدين، وهذا خطأ، وربما خرج وعليه ديون أو مظالم، وربما خرج للنزهة، وربما حج بمال فيه شبهة، ومنهم من يحب أن يُتَلَقَّى ويقال: الحاجي! وجمهورهم يضيِّع في الطريق فرائض من الطهارة والصلاة، ويجتمعون حول الكعبة بقلوب دنسة وبواطن غير نقية، وإبليس يريهم صورة الحج فيغرّهم، وإنما المراد من الحج القرب بالقلوب لا بالأبدان، وإنما يكون ذلك مع القيام بالتقوى (١). وكم من قاصد إلى مكة همته عدد حجاته فيقول لي عشرون وقفة، وكم من مجاور قد طال مكثه ولم يشرع في تنقية باطنه، وربما كانت همته متعلقة بفتوح تصل إليه ممن كان، وربما قال: إن لي اليوم عشرين سنة مجاورًا، وكم قد رأيت في طريق مكة من قاصد إلى الحج يضرب رفقاءه على الماء ويضايقهم في الطريق. وقد لبس إبليس على جماعة من القاصدين مكة فهم يضيعون الصلوات، ويطففون إذا باعوا، ويظنون أن الحج يدفع عنهم، وقد لبس على قوم منهم فابتدعوا

стр. 371

في المناسك ما ليس منها، فرأيت جماعة يصطنعون في إحرامهم، فيكشفون عن كتف واحدة ويبقون في الشمس أيامًا فتنكشط جلودهم، وتنتفخ رءوسهم، ويتزينون بين الناس بذلك. وفي أفراد البخاري من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ رأى رجلًا يطوف بالكعبة بزمام؛ فقطعه (١)، وفي لفظ: رأى إنسانًا يقود إنسانًا بخزامة في أنفه؛ فقطعها بيده، ثم أمره أن يقوده بيده (٢). قال المصنف: وهذا الحديث يتضمن النهي عن الابتداع في الدين وإن قصدتَ بذلك الطاعة. فصل وقد لبس على أقوام يدعون التوكل، فخرجوا بلا زاد، وظنوا أن هذا هو التوكل، وهم على غاية الخطأ! قال رجل للإمام أحمد بن حنبل: أريد أن أخرج إلى مكة على التوكل بغير زاد. فقال له أحمد: فاخرج في غير القافلة. قال: لا، إلا معهم، قال: فعلى جرب الناس توكلت (٣)! ذكر تلبيس إبليس على الغزاة قد لبس على خلق كثير فخرجوا إلى الجهاد ونيتهم المباهاة والرياء، ليقال: فلان غازٍ، وربما كان المقصود أن يقال: شجاع، أو كان طلب الغنيمة، وإنما الأعمال بالنيات.

стр. 372

أخبرنا هبة الله بن محمد، قال: أخبرنا الحسن بن علي، قال: أخبرنا أبو بكر بن مالك، قال: نا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: نا أبو معاوية، قال: نا الأعمش، عن شقيق، عن أبي موسى قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت الرجل يقاتل شجاعةً ويقاتل حميةً ويقاتل رياءً، فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "من قاتل لتكون كللمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". أخرجاه في "الصحيحين" (١). قال عبد الله: وحدثني أبي، قال: نا روح، قال: نا حماد، قال: أخبرنا عطاء بن السائب، عن أبي عبيدة عن ابن مسعود قال: "إياكم أن تقولوا مات فلان شهيدًا أو قتل فلان شهيدًا! فإن الرجل يقاتل ليغنم، ويقاتل ليذكر، ويقاتل ليرى مكانه" (٢). قال عبد الله: وحدثني أبي، قال: نا حجاج عن ابن جريج، قال: حدثني يونس بن يوسف عن سليمان بن يسار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "أول الناس يقضى فيه يوم القيامة ثلاثة: رجل استشهد فأتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، فقال: ما عملتَ فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى قتلت، قال: كذبت! ولكنك قاتلت ليقال: هذا جريء. فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار.

стр. 373

ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، فقال: ما عملتَ فيها؟ قال: تعلمت فيك العلم وعلمته، وقرأت القرآن. فقال: كذبت! ولكنك تعلمت ليقال: هو عالم. فقد قيل، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ. فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسَّع الله عليه، فأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، فقال: ما عملتَ فيها؟ فقال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت! ولكنك فعلت ليقال: هو جواد. فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار" (١). انفرد بإخراجه مسلم. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا أبو الطيب عبد العزيز بن علي بن محمد القرشي، قال: نا عمر بن أحمد بن هارون المقري، قال: نا [محمد] (٢) بن حمدويه المروزي، قال: نا أحمد بن سعيد بن مسعود المروزي، قال: حدثنا أبو حاتم الرازي قال: سمعت عبدة بن سليمان يقول: كنا في سرية مع عبد الله بن المبارك في بلاد الروم، فصادفنا العدو، فلما التقى الصفان خرج رجل من العدو فدعا إلى البِراز، فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله، ثم آخر فقتله، ثم آخر فقتله، ثم دعا إلى البِراز فخرج إليه رجل فطارده ساعة فقتله الرجل، فازدحم عليه الناس فكنت فيمن ازدحم عليه، فإذا هو ملثم وجهه بكمه، فأخذت بطرف كمه فمددته فإذا هو عبد الله بن المبارك فقال: وأنت يا أبا عمرو (٣)

стр. 374

ممن يُشنِّع علينا (١)! قال المصنف: قلت: فانظروا رحمكم الله إلى هذا السيد المخلص، كيف خاف على إخلاصه أن يدخله برؤية الناس له ومدحهم إياه شوب؛ فستر نفسه! وقد كان إبراهيم بن أدهم يقاتل، فإذا غنموا لم يأخذ شيئًا؛ ليتوفر له الأجر (٢). فصل وقد يلبس إبليس على المجاهد إذا غنم، فربما أخذ من الغنيمة ما ليس له أخذه، فإما أن يكون قليل العلم فيرى أن أموال الكفار مباحة لمن أخذها، ولا يدري أن الغلول من المغانم معصية! وفي "الصحيحين" من حديث أبي هريرة، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر ففتح الله علينا، فلم نغنم ذهبًا ولا وَرِقًا (٣)، غنمنا المتاع والطعام والثياب، ثم انطلقنا إلى الوادي ومع رسول الله ﷺ عبد له، فلما نزلنا قام عبد رسول الله يحل رحله فرمي بسهم فكان فيه حتفه، فقلنا: هنيئًا له الشهادة يا رسول الله! فقال: "كلا، والذي نفس محمد بيده، إن الشملة (٤) لتلتهب عليه نارًا، أخذها من المغانم يوم خيبر لم لم تصبها المقاسم"، قال: ففزع الناس، فجاء رجل بشراك أو شراكين فقال: أصبت يوم خيبر. فقال رسول الله ﷺ : "شراك من نار أو شراكان من نار" (٥).

стр. 375

فصل وقد يكون الغال عالمًا بالتحريم إلا أنه يرى الشيء الكثير ولا يصبر عنه، وربما ظن أن جهاده يدفع عنه ما فعل، وها هنا يتبين أثر الإيمان والعلم! أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين وأبو القاسم إسماعيل بن أحمد قالا: نا أبو الحسين بن النقور قال: أخبرنا أبو طاهر المخلص، قال: أنا أحمد بن عبد الله بن سيف، قال: أنا السري بن يحيى، قال: أخبرنا شعيب بن إبراهيم التيمي، قال: أخبرنا سيف بن عمر، عن هبيرة بن الأشعث عن أبي عبيدة العنبري قال: لما هبط المسلمون المدائن وجمعوا الأقباض أقبل رجل بحق معه، فدفعه إلى صاحب الأقباض، فقال الذين معه: ما رأينا مثل هذا قط. ما يعدله ما عندنا ولا يقاربه، فقالوا له: هل أخذت منه شيئًا؟ فقال: أما والله لولا الله ما أتيتكم به!، فعرفوا أن للرجل شأنًا فقالوا: من أنت؟ فقال: لا والله لا أخبركم لتحمدوني ولا غيركم [ليقرظوني] (١)، ولكني أحمد الله وأرضى بثوابه، فأتبعوه رجلًا حتى انتهى إلى أصحابه، فسأل عنه فإذا هو عامر بن عبد قيس (٢). ذكر تلبيسه على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وهم قسمان: عالم، وجاهل. فدخول إبليس على العالم من طريقين: ° الأول: التزين بذلك وطلب الذكر والعجب بذلك الفعل. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا علي بن محمد المعدل، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد، قال: نا إسحاق بن إبراهيم

стр. 376

الأنماطي، قال: نا أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت أبا سليمان يقول: سمعت أبا جعفر يبكي في خطبته يوم الجمعة، فاستقبلني الغضب وحضرتني نية أن أقوم فأعظه بما أعرف من فعله إذا نزل، قال: فتفكرت أن أقوم إلى خليفة فأعظه والناس جلوس يرمقونني بأبصارهم، فيعرض لي تزين، فيأمر بي فأقبل على غير تصحيح؛ فجلستُ وسكتُ (١). ° والطريق الثاني: الغضب للنفس، وربما كان ابتداء، وربما عرض في حالة الآمر بالمعروف لأجل ما يلقى به المُنْكِر من الإهانة؛ فيصير خصومة لنفسه (٢)، كما قال عمر بن عبد العزيز لرجل: لولا أني غضبان لعاقبتك (٣)! وإنما أراد أغضبتني فخفت أن تمتزج العقوبة من غضب لله تعالى ولي. فصل فأما إذا كان الآمر بالمعروف جاهلًا فإن الشيطان يتلاعب به، وربما كان إفساده في أمره أكثر من إصلاحه؛ لأنه ربما نهى عن شيء جائز بالإجماع، وربما أنكر ما قد تأول فيه صاحبه وتبع بعض المذاهب (٤)، وربما كسر الباب وتسور الحيطان وضرب

стр. 377

أهل المنكر وقذفهم (١)، فإن أجابوه بكلمة تصعب عليه صار غضبه لنفسه، وربما كشف ما قد أمره الشرع بستره، وقد سُئل أحمد بن حنبل عن القوم يكون معهم المنكر مغطى مثل طُنْبور ومُسكر، قال: إذا كان مغطى فلا تكسره (٢). وقال في رواية أخرى: اكسره (٣). وهذا محمول على أنه يكون مغطى بشيء خفيف يصفه (٤) فيتيقن والأولى على أنه لا يتيقن. وسُئل أحمد عن الرجل يسمع صوت الطبل والمزمار ولا يعرف مكانه؟ فقال: وما عليك! ما غاب عنك فلا تفتش (٥). وربما رفع هذا المُنْكِر أهلَ المُنْكَر إلى من يظلمهم، وقد قال أحمد بن حنبل: إن علمت أن السلطان يقيم الحدود فارفع إليه (٦). فصل ومن تلبيس إبليس على المُنْكِر أنه إذا أنكر جلس في مجلس يصف ما فعل ويتباهى به، ويسب أصحاب المُنْكَر سب الحنق عليهم ويلعنهم، ولعل القوم قد

стр. 378

تابوا، وربما كانوا خيرًا منه لندمهم وكبره، ويندرج في ضمن حديثه كشف عورات المسلمين؛ لأنه يُعْلِمُ مَنْ لا يَعْلَمُ، والستر على المسلم واجب مهما أمكن (١). وسمعت عن بعض الجهلة بالإنكار أنه يهجم على قوم ما تيقن ما عندهم، ويضربهم الضرب المبرح، ويكسر الأواني، وكل هذا يوجبه الجهل، فأما العالم إذا أنكر فأنت منه في أمان. وقد كان السلف يلطفون في الإنكار، فرأى صلة بن أشيم رجلًا يكلم امرأة، فقال: إن الله يراكما، سترنا الله وإياكما (٢)! وكان يمر بقوم يلعبون، فيقول: يا إخواني، ما تقولون فيمن أراد سفرًا فنام طول الليل ولعب طول النهار، متى يقطع سفره؟ فانتبه رجل منهم فقال: يا قوم إنما يعنينا بهذا! فتاب وصحبه (٣). فصل وأولى الناس أن يتلطف في الإنكار عليه الأمراء! فيصلح أن يقال لهم: إن الله تعالى قد رفعكم فاعرفوا قدر نعمته؛ فإن النعم تدوم بالشكر، ولا يحسن أن تقابل بالمعاصي. فصل وقد يلبس إبليس على بعض المتعبدين فيرى منكرًا ولا ينكره ويقول: إنما يأمر وينهى من قد صلح وأنا ليس بصالح، فكيف آمر غيري؟!

стр. 379

وهذا غلط؛ لأنه يجب عليه أن يأمر وينهى، ولو كانت تلك المعصية فيه، إلا أنه متى أنكر متنزهًا عن المنكر أثر إنكاره، وإذا لم يكن متنزهًا لم يكد إنكاره يعمل، فينبغي للمنكر أن ينزه نفسه؛ ليؤثر إنكاره (١) (٢). قال ابن عقيل: رأينا في عصرنا أبا بكر الأقفالي في أيام القائم إذا نهض لإنكار منكر استتبع معه مشايخ لا يأكلون إلا من صنعة أيديهم، كأبي بكر الخباز شيخ صالح أضر من اطلاعه في التنور، وجماعة ما فيهم من تلبَّس بأخذ صدقة ولا تدنَّس بقبول عطاء، صوام النهار قُوَّام الليل، أرباب بكاء، فإذا تبعهم مخلط ردَّه وقال: متى لقينا الجيش بمخلط انهزم الجيش.

стр. 380

الباب التاسع في ذكر تلبيس إبليس على الزهاد قد يسمع العامِّيُّ ذمَ الدنيا في القرآن والأحاديث فيرى أن النجاة تركها، ولا يدري ما الدنيا المذمومة، فيلبس عليه إبليس: بأنك لا تنجو في الآخرة إلا بترك الدنيا، فيخرج على وجهه إلى الجبال، فيبعد عن الجمعة والجماعة والعلم، ويصير كالوحش، ويخيل إليه أن هذا هو الزهد الحقيقي. كيف لا! وقد يسمع عن فلان أنه هام على وجهه، وعن فلان أنه تعبَّد في جبل، وربما كانت له عائلة فضاعت أو والدة فبكت لفراقه، وربما لم يعرف أركان الصلاة كما ينبغي، وربما كانت عليه مظالم لم يخرج منها. وإنما يتمكن إبليس من التلبيس على هذا لقلة علمه، ومن جهله رضاه عن نفسه بما تعلم، ولو أنه وفق لصحبة فقيه يفهم الحقائق لعرَّفه أن الدنيا لا تذم لذاتها، وكيف يذم ما منَّ الله تعالى به وما هو ضرورة في بقاء الآدمي وسبب في إعانته على تحصيل العلم والعبادة من مطعم ومشرب وملبس ومسجد يصلي فيه! وإنما المذموم أخذ الشيء من غير حله، أو تناوله على وجه السرف، لا على مقدار الحاجة، وتصرف النفس فيه بمقتضى رعوناتها لا بإذن الشرع. وإن الخروج إلى الجبال المنفردة منهي عنه: فإن النبي ﷺ "نهى أن يبيت الرجل وحده" (١)، وإن التعرض لترك الجمعة والجماعة خسران لا ربح، والبعد عن العلم

стр. 381

والعلماء يقوِّي سلطانَ الجهل، وفراق الوالد أو الوالدة في مثل هذا عقوق، والعقوق من الكبائر! وأما من يُسْمَعُ عنه أنه خرج إلى جبل فأحوالهم تحتمل أنهم لم يكن لهم عيال ولا والد ولا والدة، فخرجوا إلى مكان يتعبدون فيه مجتمعين، ومتى لم يحتمل حالهم وجهًا صحيحًا فهم على الخطأ من كانوا! وقد قال بعض السلف: خرجنا إلى جبل نتعبد فجاءنا سفيان الثوري فردَّنا (١). فصل ومن تلبيسه على الزهاد: إعراضهم عن العلم شغلًا بالزهد، فقد استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، وبيان ذلك: أن الزاهد لا يتعدَّى نفعه عتبة بابه، والعالم نفعه متعدٍّ، وكم قد رُدَّ إلى الصَّواب مِنْ مُتَعَدٍّ. فصل ومن تلبيسه عليهم: أنه يوهمهم أن الزهد ترك المباحات، فمنهم من لا يزيد على خبز الشعير، ومنهم من لا يذوق الفاكهة، ومنهم من يقلل المطعم حتى يبس بدنه، ويعذب نفسه بلبس الصوف، ويمنعها الماء البارد، وما هذه طريقة الرسول ﷺ ، ولا طريق أصحابه وأتباعهم، وإنما كانوا يجوعون إذا لم يجدوا، فإذا وجدوا أكلوا، وقد كان رسول الله ﷺ يأكل اللحم ويحبه (٢)، ويأكل الدجاج (٣)، ويحب

стр. 382

الحلوى (١)، ويستعذب له الماء (٢)، ويختار الماء البائت (٣)؛ فإن الماء الحار يؤذي المعدة ولا يروي. وقد كان رجل يقول: أنا لا آكل الخبيص (٤)؛ لأني لا أقوم بشكره. فقال الحسن البصري: هذا رجل أحمق، وهل يقوم بشكر الماء البارد؟! (٥) وقد كان سفيان الثوري إذا سافر حمل في سفرته الحَمَلَ المشوي والفالوذج (٦). وينبغي للإنسان أن يعلم أن نفسه مطيته، ولابد من الرفق بها؛ ليصل به إلى المقصود، فليأخذ ما يصلحها وليترك ما يؤذيها من الشبع والإفراط في تناول الشهوات، فإن ذلك يؤذي البدن والدين. ثم إن الناس يختلفون في طباعهم: فإن الأعراب إذا لبسوا الصوف واقتصروا على شرب اللبن لم نلمهم؛ لأن مطايا أبدانهم تحتمل ذلك، وأهل السواد إذا لبسوا

стр. 383

الصوف وأكلوا الكامخ (١) لم نلمهم أيضًا، ولا نقول في هؤلاء من قد حمل على نفسه؛ لأن هذه عادة القوم. فأما إذا كان البدن مترفًا قد نشأ على التنعم فإنا ننهى صاحبه أن يحمل عليه ما يؤذيه، فإن تزهد وآثر ترك الشهوات إما لأن الحلال لا يحتمل السرف، أو لأن الطعام اللذيذ يوجب كثرة التناول فيكثر النوم والكسل، وهذا يحتاج أن يعلم ما يضر تركه وما لا يضر؛ فيأخذ قدر القوام من غير أن يؤذي النفس. وقد ظن أقوام أن الخبز القفار يكفي في قوام البدن، ولو كفى إلا أن الاقتصار عليه يؤذي من جهة أن أخلاط البدن تفتقر إلى الحامض والحلو والحار والبارد والممسك والمسهل، وقد جعل في الطبع ميل إلى الملائم، فتارة يميل إلى الحامض وتارة إلى الحلو، ولذلك أسباب: مثل أن يقل عندها البلغم الذي لابد في قوامها منه فتشتاق إلى اللبن، وتكثر الصفراء فيميل إلى الحموضة، فمن كفها عن التصرف على مقتضى ما قد وضع في طبعها مما يصلحها فقد آذاها، إلا أن يكفها عن الشبع والشره، وما يخاف عاقبته؛ فإن ذلك يفسدها. فأما الكف المطلق فخطأ، فافهم هذا! ولا تلتفت إلى قول الحارث المحاسبي وأبي طالب المكي فيما ذكرا من تقليل المطعم ومجاهدة النفس بترك مباحاتها (٢)، فإن اتباع الشارع وصحابته أَوْلَى، وكان ابن عقيل يقول: ما أعجب أموركم في التدين: إما أهواء متبعة، أو رهبانية مبتدعة، بين تجرير أذيال المرح والصبا في اللعب، وبين إهمال الحقوق واطراح العيال واللحوق بزوايا المساجد، فهلَّا عبادة على عقل وشرع!

стр. 384

فصل ومن تلبيسه عليهم: أنه يوهمهم أن الزهد هو القناعة بالدون من المطعم والملبس فحسب، فهم يقنعون بذلك وقلوبهم راغبة في الرياسة وطلب الجاه، فتراهم يترصدون لزيارة الأمراء إياهم، ويكرمون الأغنياء دون الفقراء، ويتخاشعون عند لقاء الناس كأنهم قد خرجوا من مشاهدة، وربما رد أحدهم المال لئلا يقال: قد بدا له الزهد، وهم من تردد الناس إليهم وتقبيل أيديهم في أوسع باب من ولايات الدنيا؛ لأن غاية الدنيا الرياسة. فصل وأكثر ما يلبس به إبليس على العباد والزهاد خفي الرياء (١)، فأما الظاهر من الرياء فلا يدخل في التلبيس، مثل: إظهار النحول، وصفار الوجه، وشعث الشعر؛ ليستدل بذلك على الزهد، وكذلك خفض الصوت لإظهار الخشوع، وكذلك الرياء بالصلاة والصدقة، ومثل هذه الظواهر لا تخفى، وإنما نشير إلى خفي الرياء، وقد قال النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" (٢)، ومتى لم يرد بالعمل وجه الله تعالى لم يقبل. قال مالك بن دينار: قولوا لمن لم يكن صادقًا لا تتعنّ (٣). واعلم أن المؤمن لا يريد بعمله إلا الله سبحانه، وإنما يدخل عليه خفي الرياء فيلتبس الأمر، فنجاته منه صعبة.

стр. 385

أخبرنا المحمدان، ابن ناصر وابن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أنا أبو نعيم الحافظ، قال: حدثنا أبي، قال: نا إبراهيم بن محمد، قال: حدثنا عبد الله بن خبيق، قال: قال بشار: قال لي يوسف بن أسباط: تَعَلَّمُوا صحة العمل من سقمه، فإني تعلمته في اثنتين وعشرين سنة (١). أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: نا أحمد بن عبد الله الأصبهاني، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، قال: نا أبو حامد أحمد بن محمد بن حمدان النيسابوري، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: سمعت بقية بن الوليد يقول: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: تعلمت المعرفة من راهب يقال له: سمعان، دخلت عليه في صومعته فقلت له: يا سمعان، منذ كم أنت في صومعتك هذه؟ قال: منذ سبعين سنة. قلت: ما طعامك؟ قال: يا حنفي (٢)، وما دعاك إلى هذا؟ قلت: أحببت أن أعلم. قال: في كل ليلة حِمَّصَة. قلت: فما الذي يهيج من قلبك حتى تكفيك هذه الحِمَّصَةُ؟ قال: ترى الذي بحذائك؟ قلت: نعم. قال: إنهم يأتوني في كل سنة يومًا واحدًا، فيزينون صومعتي ويطوفون حولها ويعظمونني، بذلك، فكلما تثاقلت نفسي عن العبادة ذكرتها عز تلك الساعة، فأنا أحتمل جهد سنة لعز ساعة، فاحتمل يا حنيفي جهد ساعة لعز الأبد، فوقر في قلبي المعرفة. فقال: أزيدك! قلت: نعم. قال: انزل عن الصومعة فنزلت فأدلى إليَّ رَكْوَةً فيها عشرون حِمَّصَة، فقال لي: ادخل الدير فقد رأوا ما أدليت إليك. فلما دخلت الدير اجتمعت النصارى، فقالوا: يا حنفي (٣)، ما الذي أدلى إليك الشيخ؟ قلت: من قوته.

стр. 386

قالوا: وما تصنع به؟ نحن أحق به، سَاوِمْ! قلت: عشرون دينارًا، فأعطوني عشرين دينارًا، فرجعت إلى الشيخ فقال: أخطأت لو ساومتهم عشرين ألفًا لأعطوك، هذا عز من لا يعبده، فانظر كيف يكون عز من تعبده يا حنفي، أَقْبِلْ على ربك (١)! قال المصنف: قلت: ولخوف الرياء ستر الصالحون أعمالهم حذرًا عليها وبهرجوها بضدها: ° فكان ابن سيرين يضحك بالنهار ويبكي بالليل (٢). ° وكان في ذيل أيوب السختياني بعض الطول (٣). ° وكان إبراهيم بن أدهم إذا مرض ترك عنده ما يأكله الأصحاء (٤). ° وأخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، قال: نا علي بن إسحاق، قال: حدثنا حسين بن الحسن المروزي، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، قال: نا بكار بن عبد الله، أنه سمع وهب بن منبه يقول: كان رجل من أفضل أهل زمانه وكان يُزار فيعظهم، فاجتمعوا إليه ذات يوم فقال: إنا قد خرجنا من الدنيا وفارقنا الأهل والأموال مخافة الطغيان، وقد خفتُ أن يكون قد دخل علينا في حالنا هذه من الطغيان أكثر مما يدخل على أهل الأموال في أموالهم: أرانا يُحبُّ أحدنا أن تقضى له حاجته، وإن اشترى بيعًا أن يقارب لمكان دينه، وإن لقي حُيِّيَ ووقر لمكان دينه.

стр. 387

فشاع ذلك الكلام حتى بلغ الملك، فعجب به فركب إليه ليسلم عليه وينظر إليه، فلما رآه الرجل قيل له: هذا الملك قد أتاك ليسلم عليك، فقال: ما يصنع؟ فقال: للكلام الذي وعظت به، قال: رده! فسأل غلامه، هل عندك طعام؟ فقال: شيء من ثمر الشجر مما كنت تفطر به، فأمر به فأتى على مِسْح فوُضِعَ بين يديه، فأخذ يأكل منه، وكان يصوم النهار لا يفطر، فوقف عليه الملك فسلم عليه، فأجابه بإجابة خفية وأقبل على طعامه يأكله، فقال الملك: فأين الرجل؟ قيل له: هو هذا. قال: هذا الذي يأكل؟ قالوا: نعم. قال: فما عند هذا من خير! فأدبر، فقال الرجل: الحمد لله الذي صرفك عني بما صرفك به (١)! قال المصنف: وفي رواية أخرى عن وهب: أنه لما أقبل الملك قدَّم الرجل طعامه، فجعل يجمع البقول في اللقمة الكبيرة ويغمسها في الزيت، فيأكل أكلًا عنيفًا، فقال له الملك: كيف أنت يا فلان؟ فقال: كالناس. فرد الملك عنان دابته فقال: ما في هذا من خير! فقال: الحمد لله الذي أذهبه عني وهو لي لائم (٢)! ° أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن إبراهيم في كتابه، قال: حدثنا أحمد بن هارون، قال: حدثنا أحمد بن منصور، قال: نا محمد بن [وهب] (٣)، قال: حدثنا سويد بن عبد العزيز، عن الوضين بن عطاء قال: أراد الوليد بن عبد الملك أن يولي يزيد بن مرثد، فبلغ ذلك يزيد، فلبس فروة: فجعل الجلد على ظهره والصوف خارجًا، وأخذ

стр. 388

بيده رغيفًا وعرقًا، وخرج بلا رداء ولا قلنسوة ولا نعل ولا خف، فجعل يمشي في الأسواق ويأكل، فقيل للوليد: إن يزيد قد اختلط، وأخبر بما فعل؛ فتركه (١). فصل ومن الزهاد من يستعمل الزهد ظاهرًا وباطنًا، لكنه قد علم أنه لابد أن يتحدث بتركه الدنيا أصحابه أو زوجته، فيهون عليه الصبر، كما هان على الراهب الذي ذكرنا قصته مع ابن أدهم (٢)، فلو أنه أراد الإخلاص في زهده لأكل مع أهله قدر ما ينمحي به جاه النفس ويقطع الحديث عنه، فقد كان داود بن أبي هند صام عشرين سنة ولم يعلم به أهله، كان يأخذ غداءه ويخرج إلى السوق فيتصدق به في الطريق، فأهل السوق يظنون أنه قد أكل في البيت، وأهل البيت يظنون أنه قد أكل في السوق (٣)، هكذا كان الناس! فصل ومن المتزهدين من قُوتُهُ الانقطاع في مسجد أو رباط أو جبل، فلذته علم الناس بانفراده، وربما احتج لانقطاعه: بأني أخاف أن أَرَى في خروجي المنكرات. وله في ذلك مقاصد: ° منها: الكبر واحتقار الناس. ° ومنها: أنه يخاف أن يقصروا في خدمته.

стр. 389

° ومنها: حفظ ناموسه ورياسته، وأن مخالطة الناس تذهب ذلك، وهو يريد أن تبقى طراوةُ ذكره. ° وربما كان مقصوده: ستر عيوبه ومقابحه وجهله بالعلم. فترى هذا يحب أن يزار ولا يزور، ويفرح بمجيء الأمراء إليه واجتماع العوام على بابه وتقبيلهم يده، فهو يترك عيادة المرضى وشهود الجنائز، ويقول أصحابه: اعذروا الشيخ؛ فهذه عادته! لا كانت عادة تخالف الشريعة! ولو احتاج هذا الشخص إلى القوت ولم يكن عنده من يشتري له صبر على الجوع؛ لئلا يخرج بنفسه لشراء ذلك، فيضيع جاهه بمشيه بين العوام، ولو أنه خرج فاشترى حاجته لانقطعت عنه الشهرة، ولكن في باطنه حفظ الناموس، وقد كان رسول الله ﷺ يخرج إلى السوق فيشتري حاجته ويحملها بنفسه (١)، وكان أبو بكر يحمل الثياب على كتفه فيبيع ويشتري (٢). وأخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، قال: أخبرنا عاصم بن الحسن، قال: أخبرنا أبو عمر بن مهدي، قال: نا الحسين بن إسماعيل المحاملي، قال: ثنا محمد بن المثنى، قال: نا إسماعيل بن سنان، قال: نا عكرمة بن عمار، قال: حدثنا محمد بن القاسم، قال: زعم عبد الله بن حنظلة قال: مر عبد الله بن سلام وعلى رأسه حزمة حطب،

стр. 390

فقال له ناس: ما يحملك على هذا وقد أغناك الله؟ قال: أردت أن أدفع الكبر وذاك أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يدخل الجنة عبد في قلبه مثقال ذرة من كبر" (١). فصل وهذا الذي ذكرته من الخروج لشراء حاجة ونحوها من التبذل كان عادة السلف القدماء، وقد تغيرت تلك العادة كما تغيرت الملابس والأحوال، فلا أرى للعَالِم اليوم أن يخرج لشراء حاجته؛ لأن ذلك يكشف ثوب العلم عند الجهلة، وتعظيمه عندهم مشروع، ومراعاة قلوبهم في مثل هذا لا يخرج إلى الرياء، واستعمال ما يوجب الهيبة في القلوب لا يمنع منه، وليس كل ما كان في السلف مما لا يتغير به قلوب الناس يومئذ ينبغي أن يفعل اليوم. قال الأوزاعي: كنا نضحك ونمزح فإذا صرنا يقتدى بنا فلا أرى ذلك يسعنا (٢). وقد روينا عن إبراهيم بن أدهم أن أصحابه كانوا يوفا يتمازحون فدق رجل الباب، فأمرهم بالسكون والسكوت، فقالوا له: تُعَلِّمُنَا الرياء؟! فقال: إني أكره أن يُعصى الله فيكم (٣). وإنما خاف قول الجهلة: انظروا إلى هؤلاء الزهاد كيف يفعلون! وذاك أن العوام لا يحتملون مثل هذا للمتعبدين.
следующие страницы →