← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11302

تلبيس إبليس - ت المزيد والسحيباني

ابن الجوزي

Полный текст (915 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

قالوا: وما تصنع به؟ نحن أحق به، سَاوِمْ! قلت: عشرون دينارًا، فأعطوني عشرين دينارًا، فرجعت إلى الشيخ فقال: أخطأت لو ساومتهم عشرين ألفًا لأعطوك، هذا عز من لا يعبده، فانظر كيف يكون عز من تعبده يا حنفي، أَقْبِلْ على ربك (١)! قال المصنف: قلت: ولخوف الرياء ستر الصالحون أعمالهم حذرًا عليها وبهرجوها بضدها: ° فكان ابن سيرين يضحك بالنهار ويبكي بالليل (٢). ° وكان في ذيل أيوب السختياني بعض الطول (٣). ° وكان إبراهيم بن أدهم إذا مرض ترك عنده ما يأكله الأصحاء (٤). ° وأخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، قال: نا علي بن إسحاق، قال: حدثنا حسين بن الحسن المروزي، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، قال: نا بكار بن عبد الله، أنه سمع وهب بن منبه يقول: كان رجل من أفضل أهل زمانه وكان يُزار فيعظهم، فاجتمعوا إليه ذات يوم فقال: إنا قد خرجنا من الدنيا وفارقنا الأهل والأموال مخافة الطغيان، وقد خفتُ أن يكون قد دخل علينا في حالنا هذه من الطغيان أكثر مما يدخل على أهل الأموال في أموالهم: أرانا يُحبُّ أحدنا أن تقضى له حاجته، وإن اشترى بيعًا أن يقارب لمكان دينه، وإن لقي حُيِّيَ ووقر لمكان دينه.

стр. 387

فشاع ذلك الكلام حتى بلغ الملك، فعجب به فركب إليه ليسلم عليه وينظر إليه، فلما رآه الرجل قيل له: هذا الملك قد أتاك ليسلم عليك، فقال: ما يصنع؟ فقال: للكلام الذي وعظت به، قال: رده! فسأل غلامه، هل عندك طعام؟ فقال: شيء من ثمر الشجر مما كنت تفطر به، فأمر به فأتى على مِسْح فوُضِعَ بين يديه، فأخذ يأكل منه، وكان يصوم النهار لا يفطر، فوقف عليه الملك فسلم عليه، فأجابه بإجابة خفية وأقبل على طعامه يأكله، فقال الملك: فأين الرجل؟ قيل له: هو هذا. قال: هذا الذي يأكل؟ قالوا: نعم. قال: فما عند هذا من خير! فأدبر، فقال الرجل: الحمد لله الذي صرفك عني بما صرفك به (١)! قال المصنف: وفي رواية أخرى عن وهب: أنه لما أقبل الملك قدَّم الرجل طعامه، فجعل يجمع البقول في اللقمة الكبيرة ويغمسها في الزيت، فيأكل أكلًا عنيفًا، فقال له الملك: كيف أنت يا فلان؟ فقال: كالناس. فرد الملك عنان دابته فقال: ما في هذا من خير! فقال: الحمد لله الذي أذهبه عني وهو لي لائم (٢)! ° أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن إبراهيم في كتابه، قال: حدثنا أحمد بن هارون، قال: حدثنا أحمد بن منصور، قال: نا محمد بن [وهب] (٣)، قال: حدثنا سويد بن عبد العزيز، عن الوضين بن عطاء قال: أراد الوليد بن عبد الملك أن يولي يزيد بن مرثد، فبلغ ذلك يزيد، فلبس فروة: فجعل الجلد على ظهره والصوف خارجًا، وأخذ

стр. 388

بيده رغيفًا وعرقًا، وخرج بلا رداء ولا قلنسوة ولا نعل ولا خف، فجعل يمشي في الأسواق ويأكل، فقيل للوليد: إن يزيد قد اختلط، وأخبر بما فعل؛ فتركه (١). فصل ومن الزهاد من يستعمل الزهد ظاهرًا وباطنًا، لكنه قد علم أنه لابد أن يتحدث بتركه الدنيا أصحابه أو زوجته، فيهون عليه الصبر، كما هان على الراهب الذي ذكرنا قصته مع ابن أدهم (٢)، فلو أنه أراد الإخلاص في زهده لأكل مع أهله قدر ما ينمحي به جاه النفس ويقطع الحديث عنه، فقد كان داود بن أبي هند صام عشرين سنة ولم يعلم به أهله، كان يأخذ غداءه ويخرج إلى السوق فيتصدق به في الطريق، فأهل السوق يظنون أنه قد أكل في البيت، وأهل البيت يظنون أنه قد أكل في السوق (٣)، هكذا كان الناس! فصل ومن المتزهدين من قُوتُهُ الانقطاع في مسجد أو رباط أو جبل، فلذته علم الناس بانفراده، وربما احتج لانقطاعه: بأني أخاف أن أَرَى في خروجي المنكرات. وله في ذلك مقاصد: ° منها: الكبر واحتقار الناس. ° ومنها: أنه يخاف أن يقصروا في خدمته.

стр. 389

° ومنها: حفظ ناموسه ورياسته، وأن مخالطة الناس تذهب ذلك، وهو يريد أن تبقى طراوةُ ذكره. ° وربما كان مقصوده: ستر عيوبه ومقابحه وجهله بالعلم. فترى هذا يحب أن يزار ولا يزور، ويفرح بمجيء الأمراء إليه واجتماع العوام على بابه وتقبيلهم يده، فهو يترك عيادة المرضى وشهود الجنائز، ويقول أصحابه: اعذروا الشيخ؛ فهذه عادته! لا كانت عادة تخالف الشريعة! ولو احتاج هذا الشخص إلى القوت ولم يكن عنده من يشتري له صبر على الجوع؛ لئلا يخرج بنفسه لشراء ذلك، فيضيع جاهه بمشيه بين العوام، ولو أنه خرج فاشترى حاجته لانقطعت عنه الشهرة، ولكن في باطنه حفظ الناموس، وقد كان رسول الله ﷺ يخرج إلى السوق فيشتري حاجته ويحملها بنفسه (١)، وكان أبو بكر يحمل الثياب على كتفه فيبيع ويشتري (٢). وأخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، قال: أخبرنا عاصم بن الحسن، قال: أخبرنا أبو عمر بن مهدي، قال: نا الحسين بن إسماعيل المحاملي، قال: ثنا محمد بن المثنى، قال: نا إسماعيل بن سنان، قال: نا عكرمة بن عمار، قال: حدثنا محمد بن القاسم، قال: زعم عبد الله بن حنظلة قال: مر عبد الله بن سلام وعلى رأسه حزمة حطب،

стр. 390

فقال له ناس: ما يحملك على هذا وقد أغناك الله؟ قال: أردت أن أدفع الكبر وذاك أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يدخل الجنة عبد في قلبه مثقال ذرة من كبر" (١). فصل وهذا الذي ذكرته من الخروج لشراء حاجة ونحوها من التبذل كان عادة السلف القدماء، وقد تغيرت تلك العادة كما تغيرت الملابس والأحوال، فلا أرى للعَالِم اليوم أن يخرج لشراء حاجته؛ لأن ذلك يكشف ثوب العلم عند الجهلة، وتعظيمه عندهم مشروع، ومراعاة قلوبهم في مثل هذا لا يخرج إلى الرياء، واستعمال ما يوجب الهيبة في القلوب لا يمنع منه، وليس كل ما كان في السلف مما لا يتغير به قلوب الناس يومئذ ينبغي أن يفعل اليوم. قال الأوزاعي: كنا نضحك ونمزح فإذا صرنا يقتدى بنا فلا أرى ذلك يسعنا (٢). وقد روينا عن إبراهيم بن أدهم أن أصحابه كانوا يوفا يتمازحون فدق رجل الباب، فأمرهم بالسكون والسكوت، فقالوا له: تُعَلِّمُنَا الرياء؟! فقال: إني أكره أن يُعصى الله فيكم (٣). وإنما خاف قول الجهلة: انظروا إلى هؤلاء الزهاد كيف يفعلون! وذاك أن العوام لا يحتملون مثل هذا للمتعبدين.

стр. 391

فصل ومن هؤلاء قوم لو سئل أحدهم أن يلبس [اللين] (١) من ثوبه ما فعل؛ لئلا يتوكس جاهه في الزهد، ولو خرج لم يأكل والناس يرونه، ويحفظ نفسه من التبسم فضلًا عن الضحك، ويوهمه إبليس أن هذا لإصلاح الخلق، وإنما هو رياء يحفظ به قانون الناموس، فتراه مُطَأْطِئ الرأس، عليه آثار الحزن، فإذا خلا رأيته ليث شَرَى. فصل وقد كان السلف يدفعون عنهم كل ما يوجب الإشارة إليهم، ويهربون من المكان الذي يشار إليهم فيه. فأخبرنا المحمدان، ابن ناصر وابن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أنا أبو نعيم الأصبهاني، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد، قال: حدثنا عبد الله بن [خبيق] (٢)، قال: قال يوسف بن أسباط: خرجت من [سبج] (٣) راجلًا حتى أتيت المصيصة وجرابي على عنقي، فقام ذا من حانوته يسلم عليَّ وذا يسلم، فطرحت جرابي ودخلت المسجد أصلي ركعتين فأحدقوا بي، واطلع رجل في وجهي، فقلت في نفسي: كم بقاء قلبي على هذا! فأخذت جرابي ورجعت بعرقي وعنائي إلى سبج، فما رجع إليَّ قلبي سنتين (٤).

стр. 392

فصل ومن الزهاد من يلبس الثوب المخرق فلا يخيطه، ويترك إصلاح عمامته، وتسريح لحيته؛ ليرى أنه ما عنده من الدنيا خير. وهذا من أبواب الرياء، فإن كان صادقًا في إعراضه عن أغراضه، كما قيل لداود الطائي: ألا تسرح لحيتك؟ فقال: إني عنها مشغول (١)، فليعلم أنه قد سلك به غير الجادة، إذ ليست هذه طريقة الرسول ولا أصحابه، فإنه كان يسرح شعره، وينظر في المرآة، ويدهن ويتطيب (٢) وهو أشغل الخلق بالآخرة، وكان أبو بكر وعمر يخضبان بالحناء والكتم (٣) (٤) وهما أخوف الصحابة وأزهدهم، ومن ادعى رتبة تزيد على السنة السنة وأفعال الأكابر لم يُلتفت إليه! فصل ومن الزهاد من يلزم الصمت الدائم، وينفرد عن مخالطة أهله؛ فيؤذيهم بقبح

стр. 393

أخلاقه وزيادة انقباضه، وينسى قول النبي ﷺ : "إن لأهلك عليك حقًّا" (١). وقد كان رسول الله ﷺ يمزح (٢)، ويداعب الأطفال (٣) ويحدث أزواجه (٤)، ويسابق عائشة (٥)، إلى غير ذلك من الأخلاق اللطيفة. فهذا المتزهد الجاهل، زوجته كالأيِّم، وولده كاليتيم؛ لانفراده عنهم وقبح أخلاقه؛ لأنه يرى أن ذلك يشغله عن الآخرة، ولا يدري لقلة علمه أن الانبساط إلى الأهل من العون على الآخرة! وفي "الصحيحين": أن النبي ﷺ قال لجابر: "هلَّا تزوجت بكرًا تداعبها وتداعبك" (٦)! وربما غلب على هذا الزاهد التخفف، فترك مباضعة الزوجة فضيَّع فرضًا بنافلة غير ممدوحة.

стр. 394

فصل ومن الزهاد من يرى عمله ويعجبه، فلو قيل له: أنت من أوتاد الأرض! ظن ذلك حقًّا، ومنهم من يتزهد لظهور كرامته، ويخيل إليه أنه لو قرب من الماء قدر أن يمشي عليه، فإذا عرض له أمر فدعا فلم يجب تذمَّر في باطنه، فكأنه أجير يطلب أجر عمله، ولو رزق الفهم لعلم أنه عبد ملوك، والمملوك لا يمنُّ بعمله، ولو نظر إلى توفيقه للعمل لرأى وجوب الشكر فخاف من التقصير فيه. وقد كان ينبغي أن يشغله خوفُهُ على العمل من التقصير فيه عن النظر إليه، كما كانت رابعة تقول: أستغفر الله من قلة صدقي في قولي: أستغفر الله (١). وقيل لها: هل عملت عملًا ترين أنه يقبل منك؟ فقالت: إن كان فمخافتي أن يرد عليَّ (٢). فصل ومن تلبيس إبليس على قوم من الزهاد الذي دخل عليهم فيه من قلة العلم: أنهم يعملون بواقعهم ولا يلتفتون إلى قول الفقيه. قال ابن عقيل: كان أبو إسحاق الخراز صالحًا، وهو أول من لقنني كتاب الله، وكان من عادته الإمساك عن الكلام في رمضان، فكان يخاطب بآي القرآن فيما يعرض له من الحوائج، فيقول في إذنه: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ [المائدة: ٢٣]، ويقول لابنه في عشية الصوم: ﴿مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا﴾ [البقرة: ٦١]، آمرًا له أن يشتري البقل، فقلت له: هذا تعتقده عبادة وهو معصية، فغضب علي، فقلت: إن هذا القرآن العزيز نزل في بيان أحكام شرعية ولا يستعمل في أغراض دنيوية، وما هذا إلا بمثابة صرك

стр. 395

السدر (١) والأُشْنان (٢) في ورق المصحف أو توسدك له. فهجرني ولم يصغ إلى الحجة. قال المصنف: وقد يسمع الزاهد القليل العلم من العوام شيئًا فيفتي به. حدثني أبو حكيم إبراهيم بن دينار الفقيه، أن رجلًا استفتاه فقال: ما تقول في امرأة طلقت ثلاثًا فولدت ذكرًا، هل تحل لزوجها. قال: فقلت: لا. وكان عندي الشريف الدحالي، وكان مشهورًا بالزهد عظيم القدر بين العوام. فقال لي: بلى تحل. فقلت: ما قال بهذا أحد. فقال: والله لقد أفتيت بهذا من هاهنا إلى البصرة (٣). قال المصنف: قلت: فانظر ما يصنع الجهل بأهله ويضاف إليه حفظ الجاه! خوفًا أن يُرَى الزاهد بعين الجهل، وقد كان السلف ينكرون على الزاهد مع معرفته بكثير من العلم أن يفتي؛ لأنه لا يجمع شروط الفتوى، فكيف لو رأوا تخبيط المتزهدين اليوم في الفتاوى بالواقعات! أنبأنا زاهر بن طاهر، قال: أنبأنا أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الكعبي، قال: حدثنا إسماعيل بن [قتيبة] (٤)، قال: دخلت على أحمد بن حنبل وقد قدم أحمد بن حرب من مكة، فقال لي أحمد: من هذا الخراساني الذي قدم؟ قلت: من زهده كذا وكذا، ومن ورعه كذا وكذا. فقال: لا ينبغي لمن يدعي ما يدعيه أن يدخل نفسه في الفتيا (٥).

стр. 396

فصل ومن تلبيسه على الزهاد: احتقارهم العلماء وذمهم إياهم، فهم يقولون: المقصود العمل، ولا يفهمون أن العلم عمل القلوب، ولو عرفوا مرتبة العلماء في حفظ الشريعة، وأنها مرتبة الأنبياء لعدوا أنفسهم كالبكم عند الفصحاء، والعمي عند البصراء، والعلماء أدلة الطريق والخلق وراءهم، وسليم هؤلاء لا يمشي وحده! وفي "الصحيحين" من حديث سهل بن سعد: أن النبي ﷺ قال لعلي ﵁: "والله، لئن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حُمر النَّعم" (١). فصل ومما يعيبون به العلماء: تفسح العلماء في بعض المباحات التي يتقوون بها على دراسة العلم، ولذلك يعيبون جمع المال، ولو فهموا معنى المباح لعلموا أنه ما لا يذم فاعله (٢)، وغاية الأمر أن غيره أولى منه، أفيحسن بمن صلى الليل أن يعيب من أدَّى الفرض ونام! ولقد أخبرنا عمر بن ظفر، قال: نا جعفر بن أحمد السراج، قال: نا عبد العزيز بن علي الأزجي، قال: نا أبو الحسن بن جهضم، قال: نا إبراهيم بن أبي حصين، قال: نا عبد الله بن غنام النخعي، قال: نا الحسين بن محمد بن جعفر الحلواني، قال:. حدثني أبو عبد الله الخواص -وكان من أعظم أصحاب حاتم الأصم- قال: دخلنا مع حاتم البَلْخِي إلى الري ومعه ثلاثمائة وعشرون رجلًا يريد الحج، عليهم الصوف

стр. 397

والزرمانقات (١)، ليس فيهم من معه جراب ولا طعام. فنزلنا على رجل من التجار متنسك فضافنا تلك الليلة، فلما كان من الغد قال لحاتم: يا أبا عبد الرحمن ألك حاجة فإني أريد أن أعود فقيهًا لنا هو عليل؟ فقال حاتم: إن كان لكم فقيه عليل فعيادة الفقيه لها فضل كثير، والنظر إلى الفقيه عبادة، وأنا أجيء معك، وكان العليل محمد بن مقاتل قاضي الري، فقال له: مر بنا يا أبا عبد الرحمن. فجاءوا إلى باب داره فإذا البواب غائب، فبقي حاتم متفكرًا يقول: يا رب، دار عالم على هذه الحال، ثم أذن لهم فدخلوا، وإذا بالدار قوراء (٢)، وآلة حسنة، وبزة (٣) وفرش وستور. فبقي حاتم متفكرًا ينظر حتى دخلوا إلى المجلس الذي فيه محمد بن مقاتل، وإذا بفراش حسن وطيء وهو عليه راقد، وعند رأسه مذبة (٤) وناس وقوف، فقعد الرازي وبقي حاتم قائمًا فأومأ إليه محمد بن مقاتل بيده اجلس، فقال حاتم: لا أجلس. فقال له ابن مقاتل: فلك حاجة؟ قال: نعم. قال: وما هي؟ قال: مسألة أسألك عنها. قال: فاسألني! قال حاتم: قم فاستو جالسًا حتى أسألك، فأمر غلمانه فأسندوه، فقال حاتم: علمك هذا من أين جئت به؟ فقال: حدثني الثقات عن الثقات من الأئمة. قال: عمن أخذوه؟ قال: عن التابعين، قال: والتابعون عمن أخذوه؟ قال: عن أصحاب رسول الله ﷺ قال: وأصحاب رسول الله ﷺ عمن أخذوه؟ قال: عن رسول الله

стр. 398

ﷺ قال: ورسول الله ﷺ من أين جاء له؟ قال: عن جبريل ﵇ عن الله سبحانه عزَّ اسمُهُ. قال حاتم: ففيم أدَّاه جبريل عن الله إلى النبي ﷺ ، وأدَّاه النبي ﷺ إلى أصحابه، وأدَّاه أصحابه إلى تابعيهم، وأدَّاه التابعون إلى الأئمة، وأدَّاه الأئمة إلى الثقات، وأدَّاه الثقات إليك؟ هل سمعت في هذا العلم: من كانت داره في الدنيا أحسن وفراشه ألين ورتبته أكبر كان له المنزلة عند الله أكثر؟ قال: لا. قال: وكيف سمعت؟ قال: سمعت من زهد في الدنيا، ورغب في الآخرة، وأحب المساكين، وقدَّم لآخرته كان عند الله له المنزلة أكثر، وإليه أقرب. قال حاتم: فأنت بمن اقتديت؟ بالنبي ﷺ وبأصحابه وبالتابعين من بعدهم، وبالصالحين على أثرهم، أو بفرعون ونمرود أول من بنى بالجص والآجر؟ يا علماء السوء! إن الجاهل المتكالب على الدنيا الراغب فيها يقول: هذا العَالِم على هذه الحالة ألا أكون أنا. قال: فخرج من عنده وازداد محمد بن مقاتل مرضًا، وبلغ أهل الري ما جرى بين حاتم وابن مقاتل، فقالوا لحاتم: إن محمد بن عبيد الطنافسي بقزوين أكثر شيئًا من هذا! فصار إليه فدخل وعنده الخلق يحدثهم، فقال له: رحمك الله، أنا رجل أعجمي جئتك لتعلمني مبتدأ ديني، ومفتاح صلاتي كيف أتوضأ للصلاة؟ فقال: نعم وكرامة! يا غلام، ائت بإناء فيه ماء، فجاءه بإناء فيه ماء، فقعد محمد بن عبيد فتوضأ ثلاثًا ثم قال له: هكذا فتوضأ. قال حاتم: مكانك -رحمك الله- حتى أتوضأ بين يديك؛ ليكون آكد لما أريد، فقام الطنافسي وقعد حاتم مكانه فتوضأ وغسل وجهه ثلاثًا، حتى إذا بلغ الذراع غسل أربعًا، فقال الطنافسي: أسرفت، قال: حاتم: فيماذا أسرفت؟ قال: غسلت ذراعك أربعًا.

стр. 399

قال حاتم: يا سبحان الله! أنا في كف ماء أسرفت، وأنت في جميع هذا الذي أراه كله لم تسرف! فعلم الطنافسي أنه أراده بذلك، فدخل البيت ولم يخرج إلى الناس أربعين يومًا. وخرج حاتم إلى الحجاز، فلما صار إلى المدينة أحب أن يخاصم علماء المدينة، فلما دخل المدينة قال: يا قوم أي مدينة هذه؟ قالوا: مدينة الرسول ﷺ ! قال: فأين قصر رسول الله ﷺ حتى أذهب إليه فأصلي فيه ركعتين؟ قالوا: ما كان لرسول الله ﷺ قصر، إنما كان له بيت لاط (١). قال: فأين قصور أهله وقصور أصحابه وأزواجه؟ قالوا: ما كان لهم قصور إنما كانت لهم بيوت لاطئة. قال حاتم: يا قوم، فهذه مدينة فرعون! قال: فلببوه وذهبوا به إلى الوالي، فقالوا: هذا العجمي يقول: هذه مدينة فرعون. فقال الوالي: لم قلت ذلك؟ قال حاتم: لا تعجل عليَّ أيها الأمير، أنا رجل غريب دخلت هذه المدينة، فسألت أي مدينة هي؟ قالوا: مدينة الرسول ﷺ ، فقلت: وأين قصر رسول الله ﷺ وقصور أصحابه؟ قالوا: إنما كانت لهم بيوت لاطئة، وسمعت الله يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، فأنتم بمن تأسيتم بمحمد ﵇ أو بفرعون (٢)؟! قال المصنف: قلت: الويل للعلماء من الزاهد الجاهل الذي يقنع بعلمه فيرى الفضل فرضًا! فإن الذي أنكره مباح، والمباح مأذون فيه، الشرع لا يأذن في شيء ثم يعاتب عليه، فما أقبح الجهل!

стр. 400

ولو أنه قال لهم: لو قصرتم مما أنتم فيه ليقتدي الناس بكم كان أقرب حالة، ولو سمع هذا بأن عبد الرحمن بن عوف، والزبير، وابن مسعود، وفلانًا وفلانًا من الصحابة خلَّفوا مالًا (١) عظيمًا أتراه ماذا كان يقول؟ وقد اشترى تميم الداري حُلَّة بألف درهم كان يقوم فيها بالليل (٢)، ففرض الزاهد التعلم من العلماء، فإذا لم يتعلم فليسكت! أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نعيم الأصبهاني، قال: نا أبو محمد بن حيان، قال: حدثنا إسحاق بن أحمد، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن الجراح الجوزجاني، قال: نا عبد السلام بن مطهَّر، قال: نا جعفر بن سليمان قال: سمعت مالك بن دينار يقول: "إن الشيطان ليلعب بالقرّاء كما يلعب الصبيان بالجوز" (٣). أخبرنا محمد، قال: أخبرنا حمد، قال: أخبرنا أبو نعيم، قال: حدثنا أبو بكر بن مالك، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: أخبرت عن عبد الله بن أبي بكر المقدمي، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، قال: سمعت حبيبًا الفارسي يقول: "والله إن الشيطان ليلعب بالقرّاء كما يلعب الصبيان بالجوز" (٤). قال المصنف: قلت: المراد بالقرّاء: الزهاد، وهذا اسم قديم لهم معروف (٥).

стр. 401

الباب العاشر في ذكر تلبيس إبليس على الصوفية الصوفية من جملة الزهاد (١)، وقد ذكرنا تلبيس إبليس على الزهاد، إلا أن

стр. 402

الصوفية انفردوا عن الزهاد بصفات وأحوال وترسموا بسمات، فاحتجنا إلى إفرادهم بالذكر. والتصوف طريقة كان ابتداؤها الزهد الكلي، ثم ترخَّص المنتمون إليها في السماع (١) والرقص (٢)، فمال إليهم طلاب الآخرة من العوام لما يظهرونه من التزهد، ومال إليهم طلاب الدنيا لما يرون عندهم من الراحة واللعب، فلابد من كشف تلبيس إبليس في طريقة القوم، ولا ينكشف ذلك إلا بكشف أصل هذه الطريقة وفرعها وشرح أمورها، والله الموفق.

стр. 403

فصل كانت النسبة في زمن رسول الله ﷺ إلى الإسلام والإيمان، فيقال: مسلم ومؤمن، ثم حدث اسم زاهد وعابد، ثم نشأ أقوام تعلقوا بالزهد والتعبد، فتخلوا عن الدنيا وانقطعوا إلى العبادة، واتخذوا في ذلك طريقة انفردوا بها، وأخلاقًا تخلقوا بها، ورأوا أن أول من انفرد بخدمة الله سبحانه عند بيته الحرام رجل كان يقال له: صوفة، واسمه الغوث بن مُرٍّ، فانتسبوا إليه لمشابهتهم إياه في الانقطاع إلى الله سبحانه، فتسموا بالصوفية (١). أنبأنا محمد بن ناصر، عن أبي إسحاق إبراهيم بن سعيد الحبال، قال: قال أبو محمد عبد الغني الحافظ، سألت وليد بن القاسم: إلى أي شيء نسب الصوفي؟ فقال: كان قوم في الجاهلية يقال لهم: صوفة، انقطعوا إلى الله وقطنوا الكعبة، فمن تشبه بهم فهم الصوفية. قال عبد الغني: هؤلاء المعروفون بصوفة ولد الغوث بن مُرّ أخي تميم بن مُرّ (٢). وأنبأنا [الحسين] (٣) بن محمد بن عبد الوهاب النحوي، قال: نا أبو جعفر بن المسلمة، قال: أخبرنا أبو طاهر المخلص، قال: أخبرنا أحمد بن سليمان بن داود الطوسي، قال: حدئنا الزبير بن بكار، قال: كانت الإجازة بالحج للناس من عرفة إلى الغوث بن مُرّ بن أد بن طابخة، ئم كانت في ولده وكان يقال لهم: صوفة. فكان إذا حانت الإجازة قالت العرب: أجيزي صوفة (٤).

стр. 404

قال الزبير: قال أبو عبيدة: وصوفة وصوفان يقال لكل من ولي من البيت شيئًا من غير أهلها، أو قام بشيء من أمر المناسك، يقال لهم: صوفة وصوفان (١). قال الزبير: وحدثني أبو الحسن الأثرم، عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي، قال: إنما سُمِّي الغوث بن مرّ: صوفة؛ لأنه كان لا يعيش لأمه ولد، فنذرت: لئن عاش لتعلقن برأسه صوفة، ولتجعلنه ربيطًا للكعبة، ففعلت، فقيل له: صوفة، ولولده من بعده (٢). قال الزبير: وحدثني إبراهيم بن المنذر، عن عبد العزيز بن عمران، قال: أخبرني عقال بن شبة، قال: قالت أم تميم بن مرّ وولدت نسوة فقالت: لله عليَّ إن ولدت غلامًا لأُعَبِّدَنَّهُ للبيت، فولدت الغوث بن مرّ، فلما ربطته عند البيت أصابه الحر فمرت به وقد سقط واسترخى، فقالت: ما صار ابني إلا صوفة، فسُمِّي صوفة، وكان الحج وإجازة الناس من عرفة إلى منى ومن منى إلى مكة لصوفة. فلم تزل الإجازة إلى عقب صوفة حتى أخذتها عدوان، فلم تزل في عدوان حتى أخذتها قريش (٣). فصل ° وقد ذهب قوم إلى أن التصوف منسوب إلى أهل الصُّفَّة (٤)، وإنما ذهبوا إلى

стр. 405

هذا لأنهم رأوا أهل الصُّفَّة على ما ذكرنا من صفة صوفة في الانقطاع إلى الله سبحانه وملازمة الفقر، فإن أهل الصفة كانوا فقراء يَقْدِمون على رسول الله ﷺ وما لهم أهل ولا مال، فبنيت لهم صُّفَّة (١) في مسجد رسول الله ﷺ ، وقيل: أهل الصُّفَّة. أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار وعبد القادر بن محمد، قالا: أخبرنا أبو إسحاق البرمكي، قال: نا أبو بكر بن [بخيت] (٢)، قال: حدثنا أبو جعفر بن ذريح، قال: نا هناد، قال: نا يونس بن بكير، قال: حدثني سنان بن سيسن (٣) الحنفي، قال: حدثنا الحسن، قال: بنيت صُفَّة لضعفاء المسلمين، فجعل المسلمون يُوغلُون إليها ما استطاعوا من خير، فكان رسول الله يأتيهم فيقول: "السلام عليكم يا أهل الصفة"، فيقولون: وعليك السلام يا رسول الله. فيقول: "كيف أصبحتم"؟ فيقولون: بخير يا رسول الله (٤). أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله، قال: حدثت عن أبي سعيد أحمد بن محمد بن زياد، قال: نا محمد بن عبد الله العامري، قال: حدثنا بكر بن عبد الوهاب، قال: نا محمد بن عمر الأسلمي،

стр. 406

قال: حدثنا موسى بن عبيدة، عن نعيم المجمر عن أبيه، عن أبي ذر قال: كنت من أهل الصُّفَّة، وكنا إذا أمسينا حضرنا باب رسول الله ﷺ ، فيأمر كل رجل فينصرف برجل، فيبقى من بقي من أهل الصُّفَّة عشرة أو أقل، فيؤتى النبي ﷺ بعشائه فنتعشى معه، فإذا فرغنا قال رسول الله: "ناموا في المسجد" (١). قال المصنف: قلت: وهؤلاء القوم إنما قعدوا في المسجد ضرورة، وإنما أكلوا من الصدقة ضرورة، فلما فتح الله على المسلمين استغنوا عن تلك الحال وخرجوا (٢). ونسبة الصوفي إلى أهل الصُّفَّة غلط؛ لأنه لو كان كذلك لقيل: صُّفَّيّ (٣). ° وقد ذهب قوم إلى أنها من الصوفانة (٤)، وهي بقلة زغباء (٥) قصيرة، فنسبوا إليها لاجترائهم بنبات الصحراء، وهذا غلط أيضًا؛ لأنهم لو نسب إليها لقيل: صوفاني. ° وقال آخرون: هو منسوب إلى صوفة القفا (٦)، وهي الشعرات النابتة في مآخيره، كأن الصوفي عطف به إلى الحق وصرف عن الخلق.

стр. 407

° وقال آخرون: بل هو منسوب إلى الصوف (١)، وهذا محتمل (٢). والصحيح الأول (٣). وهذا الاسم ظهر للقوم قبل سنة مائتين، ولما أظهره أوائلهم تكلموا فيه وعبروا عن صفته بعبارات كثيرة، حاصلها: أن التصوف عندهم رياضة النفس، ومجاهدة الطبع بردِّه عن الأخلاق الرذيلة، وحمله على الأخلاق الجميلة من الزهد والحلم والصبر والإخلاص والصدق، إلى غير ذلك من الأخلاق الحسنة التي تكسب المدائح في الدنيا والثواب في الأخرى. أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد، قال: أخبرنا حمد بن أحمد الحداد، قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ، قال: سمعت نصر بن أبي نصر الطوسي يقول: سمعت

стр. 408

أبا بكر بن المثاقف يقول: سألت الجنيد بن محمد عن التصوف؟ فقال: الخروج عن كل خلق رديء، والدخول في كل خلق سَنِيٍّ (١). أخبرنا ابن ناصر، قال: أنبأنا أحمد بن علي بن خلف، قال: نا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: حدثنا عبد الواحد بن بكر، قال: سمعت محمد بن خفيف يقول: قال رويم: "كل الخلق قعدوا على الرسوم، وقعدت هذه الطائفة على الحقائق، وطَالَبَ الخلق كلهم أنفسهم بظواهر الشرع، وطالبوا هم أنفسهم بحقيقة الورع ومداومة الصدق" (٢). قال المصنف: قلت: وعلى هذا كان أوائل القوم، فلبس إبليس عليهم في أشياء، ثم لبس على من بعدهم من تابعيهم، وكلما مضى قرن زاد طمعه في القرن الثاني، فزاد تلبيسه عليهم إلى أن تمكن من المتأخرين غاية التمكن! وكان أصل تلبيسه عليهم أنه صدهم عن العلم وأراهم أن المقصود العمل، فلما أطفأ مصباح العلم عندهم تخبطوا في الظلمات، فمنهم من أراه أن المقصود ترك الدنيا في الجملة فرفضوا ما يصلح أبدانهم، وشبهوا المال بالعقارب، ونسوا أنه خلق للمصالح، وبالغوا في الحمل على النفوس حتى إنه كان فيهم من لا يضطجع، وهؤلاء كانت مقاصدهم حسنة غير أنهم على غير الجادة، وفيهم من كان لقلة علمه يعمل بما يقع إليه من الأحاديث الموضوعة وهو لا يدري. ثم جاء أقوام فتكلموا لهم في الجوع والفقر والوساوس والخطرات وصنفوا في ذلك مثل الحارث المحاسبي.

стр. 409

وجاء آخرون فهذبوا مذهب التصوف، وأفردوه بصفات ميزوه بها من الاختصاص بالمرقعة والسماع والوجد والرقص والتصفيق، وتميزوا بزيادة النظافة والطهارة. ثم ما زال الأمر ينمى والأشياخ يضعون لهم أوضاعًا ويتكلمون بواقعاتهم! ويتفق بُعْدُهُم عن العلماء، لا بل رؤيتهم ما هم فيه أوفى العلوم، حتى سموه العلم الباطن، وجعلوا علم الشريعة العلم الظاهر. ومنهم من خرج به الجوع إلى الخيالات الفاسدة، فادعى عشق الحق والهيمان فيه، فكأنهم تخايلوا شخصًا مستحسن الصورة فهاموا به، وهؤلاء بين الكفر والبدعة. ثم تشعبت بأقوام منهم الطرق، ففسدت عقائدهم! فمنهم من قال بالحلول (١) ومنهم من قال بالاتحاد (٢). وما زال إبليس يخبطهم بفنون البدع حتى جعلوا لأنفسهم سننًا، وجاء أبو عبد الرحمن السلمي فصنف لهم "كتاب السنن" (٣)، وجمع لهم حقائق التفسير (٤)،

стр. 410

فذكر عنهم فيه العجب من تفسيرهم القرآن بما يقع لهم من غير إسناد ذلك إلى أصل من أصول العلم، وإنما حملوه على مذاهبهم، فالعجب من ورعهم في الطعام وانبساطهم في القرآن! وقد أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: قال لي محمد بن يوسف القطان النيسابوري: كان أبو عبد الرحمن السلمي غير ثقة، ولم يكن سمع من الأصم إلا شيئًا يسيرًا، فلما مات الحاكم أبو عبد الله بن البيِّع حدَّث عن الأصم بتاريخ يحيى بن معين وبأشياء كثيرة سواه، وكان يضع للصوفية الأحاديث (١). قال المصنف: قلت: وصنف لهم أبو نصر السراج كتابًا سماه: "لمع الصوفية" ذكر فيه من الاعتقاد القبيح والكلام المرذول ما سنذكر منه جملة إن شاء الله. وصنف لهم أبو طالب المكي: "قوت القلوب" فذكر فيه الأحاديث الباطلة وما لا يستند إلى أصل من صلوات الأيام والليالي (٢)، وغير ذلك من الموضوع، وذكر فيه الاعتقاد الفاسد. وردد فيه قوله: قال بعض المكاشفين (٣). وهذا كلام فارغ، وذكر فيه عن بعض الصوفية أن الله تعالى يتجلى في الدنيا لأوليائه (٤).

стр. 411

أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: قال لي أبو طاهر محمد بن علي بن العلاف: دخل أبو طالب المكي البصرة بعد وفاة أبي الحسن بن سالم فانتمى إلى مقالته، وقدم بغداد فاجتمع الناس عليه في مجلس الوعظ، فخلط في كلامه، فحفظ عنه أنه قال: ليس على الخلق أضر من الخالق. فبدَّعه الناس وهجروه، وامتنع من الكلام على الناس بعد ذلك (١). قال الخطيب (٢): وصنف أبو طالب المكي كتابًا سماه: "قوت القلوب" على لسان الصوفية، وذكر فيه أشياء منكرة مستبشعة الصفات! قال المصنف: قلت: وجاء أبو نعيم الأصبهاني فصنف لهم كتاب "الحلية"، وذكر في حدود التصوف أشياء قبيحة ولم يستحي أن يذكر في الصوفية أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا وسادات الصحابة، وشريحًا القاضي والحسن البصري وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل (٣). وكذلك ذكر السلمي في "طبقات الصوفية": الفُضَيل وإبراهيم بن أدهم ومعروفًا الكرخي، وجعلهم من الصوفية، بأن أشار إلى أنهم من الزهاد (٤)، والتصوف مذهب معروف يزيد على الزهد، ويدل على الفرق بينهما أن الزهد لم يذمه أحد، وقد ذموا التصوف على ما سيأتي ذكره.

стр. 412

وصنف لهم عبد الكريم بن هوازن القشيري كتاب "الرسالة"، فذكر فيها العجائب: من الكلام (١) في الفناء، والبقاء، والقبض، والبسط، والوقت، والحال، والوجد، والوجود، والجمع، والتفرقة، والصحو، والسكر، والذوق، والشرب، والمحو، والإثبات، والتجلي، والمحاضرة، والمكاشفة، واللوائح، والطوالع، واللوامع، والتلوين، والتمكين، والشريعة، والحقيقة (٢)، إلى غير ذلك من التخليط الذي ليس بشيء وتفسيره أعجب منه! وجاء محمد بن طاهر المقدسي فصنف لهم "صفوة التصوف" (٣)، فذكر لهم فيه أشياء يستحيي العاقل من ذكرها، سنذكر منها ما يصلح ذكره في مواضعه إن شاء الله تعالى. وكان شيخنا أبو الفضل بن ناصر الحافظ يقول: كان ابن طاهر يذهب مذهب الإباحة (٤)، قال: وصنف كتابًا في جواز النظر إلى المرد، وأورد فيه حكاية عن يحيى بن معين: رأيت جارية مليحة بمصر صلى الله عليها. فقيل له: تصلي عليها؟ فقال: صلى الله عليها وعلى كل مليح (٥).

стр. 413

قال شيخنا ابن ناصر: وليس ابن طاهر ممن يحتج به (١). وجاء أبو حامد الغزالي فصنف كتاب "الإحياء" (٢) على طريقة القوم، وملأه بالأحاديث الباطلة وهو لا يعلم بطلانها، وتكلم في علم المكاشفة (٣)، وخرج عن قانون الفقه، وقال: إن المراد بالكوكب والشمس والقمر اللواتي رآهن إبراهيم أنوار هي حجب لله ، ولم يُرِدْ هذه المعروفات (٤). قال المصنف: وهذا من جنس كلام الباطنية! وقال في كتابه "المفصح بالأحوال" (٥): إن الصوفية في يقظتهم يشاهدون الملائكة الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتًا ويقتبسون منهم فوائد، ثم ترقى الحال من مشاهدة الصورة إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق. قال المصنف: قلت: وكان السبب في تصنيف هؤلاء هذه الأشياء قلة علمهم بالسنن والآثار، وإقبالهم على ما استحسنوه من طريقة القوم، وإنما استحسنوها لأنه

стр. 414

قد ثبت في النفوس مدح الزهد، وما رأوا حالة أحسن من حالة هؤلاء القوم في الصورة ولا كلامًا أرق من كلامهم. وفي سير السلف نوع خشونة، ثم إن ميل الناس إلى هؤلاء القوم شديد؛ لما ذكرنا من أنها طريقة ظاهرها النظافة والتعبد، وفي ضمنها الراحة والسماع، والطباع تميل إليها، وقد كان أوائل الصوفية ينفرون من السلاطين والأمراء، فصاروا أصدقاء. فصل وجمهور هذه التصانيف التي صنفت لهم لا تستند إلى أصل، وإنما هي واقعات تلقفها بعضهم من بعض ودونوها، وقد سموها بالعلم الباطن. أخبرنا محمد بن ناصر قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد بن يوسف، قال: نا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا ابن حَيُّوَيْه، قال: نا أبو محمد عبد الرحمن بن محمد الزهري، قال: حدثني أبو يعقوب إسحاق بن حبة قال: سمعت أحمد بن حنبل سُئل عن الوساوس والخطرات؟ فقال: "ما تكلم فيها الصحابة ولا التابعون" (١). قال المصنف: وقد روينا في أول كتابنا هذا عن ذي النون نحو هذا (٢)، وروينا عن أحمد بن حنبل أنه سمع كلام الحارث المحاسبي، وقال لصاحب له: لا أرى لك أن تجالسهم (٣). أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا أبو بكر البرقاني، قال: نا يعقوب بن موسى الأردبيلي، قال: حدثنا أحمد بن طاهر بن

стр. 415

النجم [الميانجي] (١)، قال: حدثنا سعيد بن عمرو البرذعي، قال: شهدت أبا زرعة وسئل عن الحارث المحاسبي وكُتُبِهِ؟ فقال للسائل: إياك وهذه الكتب! هذه كتب بدع وضلالات، عليك بالأثر فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب. قيل له: في هذه الكتب عبرة. قال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة، بلغكم أن مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والأئمة المتقدمة، صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس وهذه الأشياء؟! هؤلاء قوم خالفوا أهل العلم، يأتوننا مرة بالحارث المحاسبي ومرة بعبد الرحيم الدبيلي، ومرة بحاتم الأصم، ومرة بشقيق، ثم قال: ما أسرع الناس إلى البدع (٢)! أنبأنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سلمان، قال: أنبأنا أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: أول من تكلم ببلدته في ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية ذو النون المصري، فأنكر عليه ذلك عبد الله بن عبد الحكم، وكان رئيس مصر، وكان يذهب مذهب مالك، وهجره لذلك علماء مصر؛ لما شاع خبره أنه أحدث علمًا لم يتكلم فيه السلف، حتى رموه بالزندقة (٣). قال السلمي: وأُخرج أبو سليمان الداراني من دمشق، وقالوا: إنه زعم أنه يرى الملائكة وأنهم يكلمونه (٤)، وشهد قوم على أحمد بن أبي الحواري: أنه يفضل الأولياء

стр. 416

على الأنبياء، فهرب من دمشق إلى مكة (١)، وأنكر أهل بسطام على أبي يزيد البسطامي ما كان يقوله، حتى إنه ذكر للحسين بن عيسى أنه يقول: لي معراج كما كان للنبي ﵇ معراج، فأخرجه من بسطام، فأقام بمكة سنين ثم رجع إلى جرجان، فأقام بها إلى أن مات الحسين بن عيسى ثم رجع إلى بسطام (٢). قال السلمي: وحكى رجل عن سهل بن عبد الله التستري أنه يقول: إن الملائكة والجن والشياطين يحضرونه، وإنه يتكلم عليهم، فأنكر العوام ذلك حتى نسبوه إلى القبائح، فخرج إلى البصرة فمات بها (٣). قال السلمي: وتكلم الحارث المحاسبي في شيء من الكلام والصفات، فهجره أحمد بن حنبل، فاختفى إلى أن مات (٤).

стр. 417

قلت: وقد ذكر أبو بكر الخلال في "كتاب السنة" عن أحمد بن حنبل أنه قال: حَذِّروا عن حارث أشد التحذير! حارث أصل البلية -يعني: في حوادث كلام جهم- ذاك جالسه فلان وفلان فأخرجهم إلى رأي جهم، ما زال مأوى أصحاب الكلام، حارث بمنزلة الأسد المرابض أنظر أي وقت يثب على الناس (١). فصل وقد كان أوائل الصوفية يقرّون بأن التعويل على الكتاب والسنة (٢)، وإنما لبَّس الشيطان عليهم لقلة العلم: ° فأخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن خلف، قال: أخبرنا محمد بن الحسين السلمي، قال: سمعت الحسين بن يحيى، قال: سمعت جعفر الخلدي، قال: سمعت الجنيد يقول: قال أبو سليمان الداراني: ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أيامًا فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة (٣).

стр. 418

° أخبرنا ابن ناصر، قال: أنبأنا أبو الفضل محمد بن علي السهلكي، قال: سمعت أبا محمد عبد الله بن طاهر بن عبد الله الهروي، يقول: سمعت أبا طاهر الطيب بن محمد الصوفي، يقول: سمعت محمد بن [الحسين] (١) الصوفي يقول: سمعت عبد الله بن علي يقول: سمعت طيفور البسطامي، يقول: سمعت موسى بن عيسى يقول: قال أبي: قال أبو يزيد: لو نظرتم إلى رجل أُعطي من الكرامات حتى يرفع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود (٢). ° أخبرنا ابن ناصر، قال: أنبأنا السهلكي، قال: أخبرنا جمهور بن حيدر القرشي، قال: سمعت أبا الحسن العلوي، قال: سمعت جعفر الخلدي يقول: سمعت علي بن صخر الدبيلي يقول: سمعت أبا موسى يقول: سمعت أبا يزيد البسطامي يقول: من ترك قراءة القرآن والتقشف ولزوم الجماعات وحضور الجنائز وعيادة المرضى وادَّعى هذا الشأن فهو مدع (٣). ° أخبرنا المحمدان، ابن ناصر وابن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حمد بن أحمد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الأصبهاني، قال: حدثنا أبو نصر ظفر بن أحمد الصوفي، قال: نا علي بن أحمد البعلبي، قال: أخبرنا أحمد بن فارس الفرغاني، قال: سمعت علي بن عبد الحميد الحلبي يقول: سمعت سريًّا يقول: من ادعى باطن علم ينقض ظاهر حكم فهو غالط (٤).

стр. 419

° أخبرنا ابن ناصر، قال: أنبأنا علي بن عبد الرحمن بن عَلِيَّك، قال: سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا نصر الأصبهاني يقول: سمعت أبا علي الروذباري، عن الجنيد أنه قال: مذهبنا هذا مقيد بالأصول: الكتاب والسنة (١). ° أخبرنا محمد بن عبد الملك، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ، قال: سمعت علي بن هارون الحربي، يقول: سمعت الجنيد يقول: علمنا مضبوط بالكتاب والسنة، من لم يحفظ الكتاب ويكتب الحديث ولم يتفقه لا يُقتدَى به (٢). ° أخبرنا ابن عبد الملك، قال: أخبرنا أحمد بن علي، قال: أخبرنا السلمي، قال: سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول: سمعت الجريري يقول: سمعت الجنيد يقول: ما أخذنا التصوف عن القيل والقال، لكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات؛ لأن التصوف وهو صفاء المعاملة مع الله، وأصله التَّعزف عن الدنيا (٣)، كما قال حارثة: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري (٤). ° أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري، قال: أخبرنا أبو سعد بن أبي صادق، قال: أخبرنا أبو عبد الله بن باكويه، قال: ست عباس بن أحمد الرملي يقول:

стр. 420

سمعت أبا بكر الشقاق يقول: من ضيَّع حدود الأمر والنهي في الظاهر حرم مشاهدة القلب في الباطن (١). ° قال ابن باكويه: وسمعت أحمد بن محمد البرذعي يقول: سمعت المرتعش يقول: سمعت أبا الحسين النوري يقول لبعض أصحابه: من رأيتَه يدعي مع الله حالة تخرجه عن حد علم شرعي فلا تقربنَّه، ومن رأيته مدعيًا حالة لا يدل عليها ولا يشهد لها حفظ ظاهر فاتهمه على دينه (٢). ° قال ابن باكويه: وسمعت محمد بن داود الدينوري يقول: سمعت [الجريري] (٣) يقول: أمرنا هذا كله مجموع على فضل واحد، وهو أن تلزم قلبك المراقبة، ويكون العلم على ظاهرك قائمًا (٤). ° أخبرنا محمد بن عبد الباقي، قال: أخبرنا حمد، قال: نا أبو نعيم، قال: حدثنا محمد بن الحسين بن محمد قال: [سمعت أبي يقول] (٥): سمعت أبا علي الثقفي يقول: كان أبو حفص يقول: من لم يزن أفعاله وأحواله بالكتاب والسنة ولم يتهم خواطره فلا تعده في ديوان الرجال (٦). فصل وإذ قد ثبت هذا من أقوال شيوخهم فقد وقعت من بعض أشياخهم غلطات لبعدهم عن العلم، فإن كان ذلك صحيحًا عنهم توجه الرد عليهم؛ إذ لا محاباة في

стр. 421

الحق، وإن لم يصح عنهم حذرنا من مثل ذلك القول، وذلك المذهب من أي شخص صدر. وأما المتشبهون بالقوم وليسوا منهم فأغلاطهم كثيرة، ونحن نذكر بعض ما بلغنا من أغلاط القوم، والله يعلم أننا لم نقصد ببيان غلط الغالط إلا تنزيه الشريعة والغيرة عليها من الدَّخَل، وما علينا من القائل والفاعل، وإنما نؤدي بذلك أمانة العلم، وما زال العلماء يبين كل منهم غلط صاحبه قصدًا لبيان الحق لا لإظهار عيب الغالط، ولا اعتبار بقول جاهل يقول: كيف ترد على فلان الزاهد المتبرك به؟! لأن الانقياد إنما يكون إلى ما جاءت به الشريعة لا إلى الأشخاص، وقد يكون الرجل من الأولياء وأهل الجنة وله غلطات فلا تمنع منزلته بيان زلله. واعلم أنه من نظر إلى تعظيم شخص ولم ينظر بالدليل إلى ما صدر عنه كان كمن نظر إلى ما جرى على يد المسيح ﵇ من الأمور الخارقة ولم ينظر إليه فادعى فيه الإلهية، ولو نظر إليه وأنه لا يقوم إلا بالطعام لم يعطه ما لا يستحقه. وقد أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي، قال: أخبرنا عمر بن عبيد الله البقال: قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد، قال: حدثنا حنبل، قال: حدثني أبو عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- قال: حدثنا عفان، قال: نا يحيى بن سعيد، قال: سألت شعبة وسفيان بن سعيد، وسفيان بن عيينة ومالك بن أنس: عن الرجل لا يحفظ أو يتهم في الحديث؟ فقالوا جميعًا: بيِّنْ أمرَه (١).

стр. 422

وقد كان الإمام أحمد بن حنبل يمدح الرَّجُلَ ويبالغ ثم يذكُر غَلَطَهُ في الشيء بعد الشيء، وقال: نِعم الرجل فلان لولا خلة فيه. وقال عن سَرِيِّ السَّقطي: الشيخ المعروف بطيب المطعم، ثم حكي له عنه أنه قال: إن الله تعالى لما خلق الحروف سجدت الباء، فقال: نفِّروا الناس عنه (١). سياقا ما يروي عن جماعة منهم من سوء الاعتقاد (٢) ° أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد، قال: أخبرنا حمد بن أحمد الحداد، قال: أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني قال: حكى لي عبد الواحد بن بكر، قال: حدثني محمد بن عبد العزيز، قال: سمعت أبا عبد الله الرملي يقول: تكلم أبو حمزة في جامع طرسوس فقبلوه، فبينما هو ذات يوم يتكلم إذ صاح غرابٌ على سطح الجامع، فزعق أبو حمزة وقال: لبيك لبيك! فنسبوه إلى الزندقة وقالوا: حلولي زنديق، وبيع فرسه بالمناداة على باب الجامع: هذا فرس الزنديق (٣). أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري، قال: أخبرنا أبو سعد بن أبي صادق، قال: أخبرنا ابن باكويه قال: سمعتُ أبا علي الحسن بن أحمد قال: سمعتُ أبا بكر الدقي يقول: سمعت أبا بكر الفرغاني يقول: كان أبو حمزة إذا سمع شيئًا يقول: لبيك لبيك! فأطلقوا عليه أنه حلولي، ثم قال أبو علي (٤): وإنما جعله داعيًا من الحق أيقظه للذكر (٥).

стр. 423

أخبرنا محمد بن أبي القاسم البغدادي، قال: أنبأنا أبو علي الحسن بن محمد بن الفضل، قال: أخبرنا سهل بن علي الخشَّاب، قال: أخبرنا أبو نصر عبد الله بن علي السراج قال: سمعت الوجيهي يقول: سمعت أبا علي الروذباري يقول: أُطلق على أبي حمزة أنه حلولي؛ وذلك أنه كان إذا سمع صوتًا مثل هبوب الرياح وخرير الماء وصياح الطيور كان يصيح ويقول: لبيك! فرموه بالحلول (١) (٢). قال السَّرَّاج (٣): وبلغني عن أبي حمزة أنه دخل دار حارث المحاسبي، فصاحت الشاة: ميع. فشهق أبو حمزة شهقة وقال: لبيك يا سيدي! فغضب الحارث وعمد إلى سكين، وقال: إن لم تتب من هذا الذي أنت فيه أذبحك. فقال أبو حمزة: إذا أنت لم تحسن أن تسمع هذا الذي أنا فيه فلِمَ لا تأكل النخالة بالرماد! ° قال السراج (٤): وأنكر جماعة من العلماء على أبي سعيد أحمد بن عيسى الخراز، ونسبوه إلى الكفر؛ بألفاظ وجدوها في كتاب صنَّفه وهو "ذكر السر"، ومنه قوله: عبد طالع ما أذن له ولزم التعظيم لله، فقدس الله نفسه. ° قال: وأبو العباس أحمد بن عطاء نُسب إلى الكفر والزندقة.

стр. 424

° قال: وكم من مرة قد أُخذ الجنيد مع علمه وشُهد عليه بالكفر والزندقة. ° قال السراج (١): وذُكر عن أبي بكر محمد بن موسى الفرغاني الواسطي أنه قال: من ذكر افترى ومن صبر اجترى. وقال: إياك أن تلاحظ حبيبًا أو كليمًا أو خليلًا وأنت تَجِدُ إلى ملاحظة الحق سبيلًا (٢). فقيل له: أَوَلا أصلي عليهم؟ قال: صلِّ عليهم بلا وقار، ولا تجعل لها في قلبك مقدارًا. ° قال السراج (٣): وبلغني أن جماعة من الحلولية زعموا أن الحق اصطفى أجسامًا حلَّ فيها بمعاني الربوبية، وأزال عنها معاني البشرية، ومنهم من قال بالنظر إلى الشواهد المستحسنات، ومنهم من قال حالٌّ في المستحسنات. ° قال: وبلغني عن جماعة من أهل الشام أنهم يدعون الرؤية بالقلوب في الدنيا كالرؤية بالعيان في الآخرة. ° قال السراج (٤): وبلغني أن أبا الحسين النوري شهد عليه غلام الخليل أنه سمعه يقول: أنا أعشق الله وهو يعشقني، فقال النوري سمعت الله يقول: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وليس العشق بأكثر من المحبة.

стр. 425

° قال القاضي أبو يعلى: وقد ذهبت الحلولية إلى أن الله تعالى يعشق (١). قال المصنف: قلت: وهذا جهل من ثلاثة أوجه: ° أحدها: من حيث الاسم، فإن العشق عند أهل اللغة لا يكون إلا لما ينكح (٢). ° والثاني: أن صفات الله منقولة (٣)، وهو يُحِبُّ ولا يقال يَعْشَق، ويُحَب ولا يقال: يُعْشَق، كما يقال يُعرف ولا يقال يُعلم (٤).
следующие страницы →