← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11302

تلبيس إبليس - ت المزيد والسحيباني

ابن الجوزي

Полный текст (915 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الحق، وإن لم يصح عنهم حذرنا من مثل ذلك القول، وذلك المذهب من أي شخص صدر. وأما المتشبهون بالقوم وليسوا منهم فأغلاطهم كثيرة، ونحن نذكر بعض ما بلغنا من أغلاط القوم، والله يعلم أننا لم نقصد ببيان غلط الغالط إلا تنزيه الشريعة والغيرة عليها من الدَّخَل، وما علينا من القائل والفاعل، وإنما نؤدي بذلك أمانة العلم، وما زال العلماء يبين كل منهم غلط صاحبه قصدًا لبيان الحق لا لإظهار عيب الغالط، ولا اعتبار بقول جاهل يقول: كيف ترد على فلان الزاهد المتبرك به؟! لأن الانقياد إنما يكون إلى ما جاءت به الشريعة لا إلى الأشخاص، وقد يكون الرجل من الأولياء وأهل الجنة وله غلطات فلا تمنع منزلته بيان زلله. واعلم أنه من نظر إلى تعظيم شخص ولم ينظر بالدليل إلى ما صدر عنه كان كمن نظر إلى ما جرى على يد المسيح ﵇ من الأمور الخارقة ولم ينظر إليه فادعى فيه الإلهية، ولو نظر إليه وأنه لا يقوم إلا بالطعام لم يعطه ما لا يستحقه. وقد أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي، قال: أخبرنا عمر بن عبيد الله البقال: قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد، قال: حدثنا حنبل، قال: حدثني أبو عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- قال: حدثنا عفان، قال: نا يحيى بن سعيد، قال: سألت شعبة وسفيان بن سعيد، وسفيان بن عيينة ومالك بن أنس: عن الرجل لا يحفظ أو يتهم في الحديث؟ فقالوا جميعًا: بيِّنْ أمرَه (١).

стр. 422

وقد كان الإمام أحمد بن حنبل يمدح الرَّجُلَ ويبالغ ثم يذكُر غَلَطَهُ في الشيء بعد الشيء، وقال: نِعم الرجل فلان لولا خلة فيه. وقال عن سَرِيِّ السَّقطي: الشيخ المعروف بطيب المطعم، ثم حكي له عنه أنه قال: إن الله تعالى لما خلق الحروف سجدت الباء، فقال: نفِّروا الناس عنه (١). سياقا ما يروي عن جماعة منهم من سوء الاعتقاد (٢) ° أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد، قال: أخبرنا حمد بن أحمد الحداد، قال: أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني قال: حكى لي عبد الواحد بن بكر، قال: حدثني محمد بن عبد العزيز، قال: سمعت أبا عبد الله الرملي يقول: تكلم أبو حمزة في جامع طرسوس فقبلوه، فبينما هو ذات يوم يتكلم إذ صاح غرابٌ على سطح الجامع، فزعق أبو حمزة وقال: لبيك لبيك! فنسبوه إلى الزندقة وقالوا: حلولي زنديق، وبيع فرسه بالمناداة على باب الجامع: هذا فرس الزنديق (٣). أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري، قال: أخبرنا أبو سعد بن أبي صادق، قال: أخبرنا ابن باكويه قال: سمعتُ أبا علي الحسن بن أحمد قال: سمعتُ أبا بكر الدقي يقول: سمعت أبا بكر الفرغاني يقول: كان أبو حمزة إذا سمع شيئًا يقول: لبيك لبيك! فأطلقوا عليه أنه حلولي، ثم قال أبو علي (٤): وإنما جعله داعيًا من الحق أيقظه للذكر (٥).

стр. 423

أخبرنا محمد بن أبي القاسم البغدادي، قال: أنبأنا أبو علي الحسن بن محمد بن الفضل، قال: أخبرنا سهل بن علي الخشَّاب، قال: أخبرنا أبو نصر عبد الله بن علي السراج قال: سمعت الوجيهي يقول: سمعت أبا علي الروذباري يقول: أُطلق على أبي حمزة أنه حلولي؛ وذلك أنه كان إذا سمع صوتًا مثل هبوب الرياح وخرير الماء وصياح الطيور كان يصيح ويقول: لبيك! فرموه بالحلول (١) (٢). قال السَّرَّاج (٣): وبلغني عن أبي حمزة أنه دخل دار حارث المحاسبي، فصاحت الشاة: ميع. فشهق أبو حمزة شهقة وقال: لبيك يا سيدي! فغضب الحارث وعمد إلى سكين، وقال: إن لم تتب من هذا الذي أنت فيه أذبحك. فقال أبو حمزة: إذا أنت لم تحسن أن تسمع هذا الذي أنا فيه فلِمَ لا تأكل النخالة بالرماد! ° قال السراج (٤): وأنكر جماعة من العلماء على أبي سعيد أحمد بن عيسى الخراز، ونسبوه إلى الكفر؛ بألفاظ وجدوها في كتاب صنَّفه وهو "ذكر السر"، ومنه قوله: عبد طالع ما أذن له ولزم التعظيم لله، فقدس الله نفسه. ° قال: وأبو العباس أحمد بن عطاء نُسب إلى الكفر والزندقة.

стр. 424

° قال: وكم من مرة قد أُخذ الجنيد مع علمه وشُهد عليه بالكفر والزندقة. ° قال السراج (١): وذُكر عن أبي بكر محمد بن موسى الفرغاني الواسطي أنه قال: من ذكر افترى ومن صبر اجترى. وقال: إياك أن تلاحظ حبيبًا أو كليمًا أو خليلًا وأنت تَجِدُ إلى ملاحظة الحق سبيلًا (٢). فقيل له: أَوَلا أصلي عليهم؟ قال: صلِّ عليهم بلا وقار، ولا تجعل لها في قلبك مقدارًا. ° قال السراج (٣): وبلغني أن جماعة من الحلولية زعموا أن الحق اصطفى أجسامًا حلَّ فيها بمعاني الربوبية، وأزال عنها معاني البشرية، ومنهم من قال بالنظر إلى الشواهد المستحسنات، ومنهم من قال حالٌّ في المستحسنات. ° قال: وبلغني عن جماعة من أهل الشام أنهم يدعون الرؤية بالقلوب في الدنيا كالرؤية بالعيان في الآخرة. ° قال السراج (٤): وبلغني أن أبا الحسين النوري شهد عليه غلام الخليل أنه سمعه يقول: أنا أعشق الله وهو يعشقني، فقال النوري سمعت الله يقول: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وليس العشق بأكثر من المحبة.

стр. 425

° قال القاضي أبو يعلى: وقد ذهبت الحلولية إلى أن الله تعالى يعشق (١). قال المصنف: قلت: وهذا جهل من ثلاثة أوجه: ° أحدها: من حيث الاسم، فإن العشق عند أهل اللغة لا يكون إلا لما ينكح (٢). ° والثاني: أن صفات الله منقولة (٣)، وهو يُحِبُّ ولا يقال يَعْشَق، ويُحَب ولا يقال: يُعْشَق، كما يقال يُعرف ولا يقال يُعلم (٤).

стр. 426

° والثالث: من أين له أن الله يحبه؟ وهذه دعوى بلا دليل، وقد قال النبي ﷺ : "مَنْ قال إني في الجنة فهو في النار" (١). ° أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا إسماعيل الحيري، قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلمي قال: حُكِيَ عن عمرو المكي أنه قال: كنت أماشي الحسين بن منصور في بعض أزقة مكة وكنت أقرأ القرآن، فسمع قراءتي فقال: يمكنني أن أقول مثل هذا! ففارقته (٢) (٣). أخبرنا القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: حدثني مسعود بن ناصر. قال: أخبرنا ابن باكويه الشيرازي، قال: سمعت أبا زرعة الطبري يقول: سمعت محمد بن يحيى الرازي يقول: سمعت عمرو بن عثمان يلعن الحلاج ويقول: لو قدرت عليه لقتلته بيدي، فقلت: أيَّ شيء الذي وجد الشيخ عليه؟ فقال: قرأت آية من كتاب الله فقال: يمكنني أن أقول أو أؤلف مثله وأتكلم به (٤)!

стр. 427

أخبرنا القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: حدثني محمد بن أبي الحسن الساحلي، عن أبي العباس أحمد بن محمد النسوي، قال: سمعتُ محمد بن الحسين الحافظ، يقول: سمعت إبراهيم بن محمد الواعظ، يقول: قال أبو القاسم الرازي: قال أبو بكر بن ممشاذ: حضر عندنا بالدِّينَوَر رجل ومعه مخلاة (١)، فما كان يفارقها بالليل ولا بالنهار، ففتشوا المخلاة فوجدوا فيها كتابا للحلاج عنوانه: من الرَّحْمَن الرحيم إِلَى فلان بْن فلان. فوجه إِلَى بغداد فأحضر وعُرض عليه فقال: هذا خطي وأنا كتبته. فقالوا: كنت تدعي النبوة فصرت تدعي الربوبية؟! فَقَالَ: مَا أدعي الربوبية ولكن هَذَا عين الجمع عندنا (٢) هل الكاتب إلا الله تعالى واليد فيه آلة؟ فَقِيلَ لَهُ: هل معك أحد؟ فَقَالَ: نعم ابْن عطاء، وأبو مُحَمَّد الجريري، وأبو بَكْر الشبلي. وأبو مُحَمَّد الجريري يستتر، والشبلي يستتر، فإن كان: فابن عطاء. فأُحضر الجريري وسُئل فقال: هذا كافر، يقتل من يقول هذا. وسُئل الشبلي فقال: من يقول هذا يمنع. وسئل ابن عطاء عن مقالة الحلاج فقال بمقالته فكان سبب قتله (٣). أخبرنا القزاز، قال: نا أبو بكر الخطيب، قال: حدثني مسعود بن ناصر، قال: أخبرنا ابن باكويه قال: سمعت عيسى بن بزول القزويني، وقد سأل أبا عبد الله بن خفيف عن معنى هذه الأبيات:

стр. 428

سبحان من أَظْهَرَ ناسُوتُه … سرَّ سَنَا لاهوتِهِ الثَّاقبِ ثُمَّ بدا في خَلْقهِ ظاهِرًا … في صورةِ الآكِلِ والشَّاربِ حتى لقدْ عايَنَهُ خَلْقُهُ … كلحظةِ الحاجبِ بالحاجبِ (١) فقال الشيخ: على قائله لعنة الله! قال عيسى بن بزول: هذا شعر الحسين بن منصور. فقال: إن كان هذا اعتقاده فهو كافر، إلا أنه ربما يكون متقولًا عليه (٢) (٣). أخبرنا القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: أخبرني علي بن المحسن القاضي، عن أبي القاسم إسماعيل بن محمد بن زنجي، عن أبيه، أن بنت السمري أدخلت على حامد الوزير، فسألها عن الحلاج، فقالت: حملني أبي إليه فقال لي: قد زوجتك من ابني سليمان وهو مقيم بنيسابور، فمتى جرى شيء تنكرينه من جهته فصومي يومك واصعدي في آخر النهار إلى السطح، وقومي على الرماد واجعلي فطرك عليه وعلى ملح جريش، واستقبليني بوجهك واذكري لي ما أنكرته منه، فإني أسمع وأرى. قالت: وكنت ليلة نائمة في السطح فأحسست به قد غشيني، فانتبهت مذعورة لما كان منه، فقال: إنما جئتك لأوقظك للصلاة، فلما نزلنا قالت ابنته: اسجدي له. فقلت أو يسجد أحد لغير الله، فسمع كلامي، فقال: نعم إله في السماء وإله في الأرض (٤)!

стр. 429

قال المصنف: قلت: اتفق علماء العصر على إباحة دم الحلاج (١)، وأول من قال إنه حلال الدم أبو عمر القاضي ووافقه العلماء، وإنما سكت عنه أبو العباس بن سريج. وقال: ما أدري ما يقول. والإجماع دليل معصوم من الخطأ (٢): أخبرنا عبد الحق بن عبد الخالق، قال: أخبرنا محمد بن مرزوق، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا أبو الفتح بن أبي الفوارس، قال: أخبرنا أحمد بن يوسف بن خلاد، قال: حدثنا الحارث بن محمد التميمي، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي إسماعيل [المؤدب] (٣)، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن عبيد الله عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله أجاركم أن تستجمعوا على ضلالة كلكم" (٤).

стр. 430

وأخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: حدثني مسعود بن ناصر، قال: أبنا ابن باكويه، قال: سمعت أبا القاسم يوسف بن يعقوب النعماني يقول: سمعت والدي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن داود الفقيه الأصبهاني يقول: "إن كان ما أنزل الله على نبيه ﷺ حقًا فما يقول الحلاج باطل! "، وكان شديدًا عليه (١). قال المصنف: وقلت: وقد تعصب للحلاج قوم من الصوفية جهلًا منهم وقلة مبالاةٍ بإجماع الفقهاء: فأخبرنا القزاز قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: أخبرنا محمد بن علي بن الفتح، قال: أخبرنا محمد بن الحسين النيسابوري، قال: سمعت إبراهيم بن محمد النصرأباذي يقول: "إن كان بعد النبيين والصديقين موحِّد فهو الحلاج" (٢). قال المصنف: قلت: وعلى هذا أكثر قصَّاص زماننا وصوفية وقتنا (٣)؛ جهلًا من الكل بالشرع، وبُعدًا عن معرفة النقل، وقد جمعت في أخبار الحلاج كتابًا، وبيَّنت حيله ومخاريقه وما قال العلماء فيه (٤)، والله المعين على قمع الجهال!

стр. 431

° أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ قال: سمعت عمر البنا البغدادي بمكة يحكي: أنه لما كانت محنة غلام الخليل، ونسب الصوفية إلى الزندقة، أمر الخليفة بالقبض عليهم، فأُخذ النوري في جماعة، فأدخلوا على الخليفة، فأمر بضرب أعناقهم، فتقدم النوري مبتدرًا إلى السَّياف ليضرب عنقه، فقال له السَّياف: ما دعاك إلى البدار؟! قال: آثرت حياة أصحابي على حياتي هذه اللحظة. فتوقف السَّياف فرفع الأمر إلى الخليفة، فرد أمرهم إلى قاضي القضاة إسماعيل بن إسحاق، فأمر بتخليتهم (١). أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري، قال: أخبرنا أبو سعد بن أبي صادق، قال: أخبرنا ابن باكويه، قال: سمعت عبد الواحد بن بكر الورثاني، قال: سمعت أبا بكر محمد بن داود الدينوري، يقول: سمعت أبا العباس أحمد بن عباس، يقول: كان قد سعى بالصوفية ببغداد غلام الخليل إلى الخليفة فقال: هاهنا قوم زنادقة! فأُخذ أبو الحسين النوري، وأبو حمزة الصوفي، وأبو بكر الدقاق (٢)، وجماعة من أقران هؤلاء، واستتر الجنيد بن محمد بالفقه على مذهب أبي ثور، فأدخلوا على الخليفة فأمر بضرب أعناقهم، فأول من بدر أبو الحسين النوري، فقال له السَّياف: لم بادرت أنت من بين أصحابك ولم تُرع؟! قال: أحببت أن أوثر أصحابي بالحياة مقدار هذه الساعة. فردَّ الخليفة أمرهم إلى القاضي فأطلقوا (٣). قال المصنف: قلت: ومن أسباب هذه القصة قول النوري: أنا أعشق الله والله يعشقني. فشُهد عليه بهذا (٤)، ثم تقدُّمُه ليقتل إعانةٌ على نفسه، فهو خطأ أيضًا.

стр. 432

° أخبرنا أبو بكر بن حبيب، قال: أخبرنا أبو سعد بن أبي صادق، قال: أنا ابن باكويه، قال: سمعت أبا عمر تلميذ الدقي قال: سمعت الدقي يقول: كان لنا بيت ضيافة، فجاءنا فقير، عليه خرقتان يكنى بأبي سليمان، فقال: الضيافة! فقلت لابني: امض به إلى البيت. فأقام عندنا تسعة أيام، فأكل في كل ثلاثة أيام أكلة، فسمته المُقَامَ. فقال: الضيافة ثلاث. فقلت له: لا تقطع عنا أخبارك. فغاب عنا اثنتي عشرة سنة، ثم قدم، فقلت: من أين؟ فقال: رأيت شيخًا يقال له أبو شعيب المقفع مُبتلًى، فأقمت عنده أخدمه سنة، فوقع في نفسي أن أسأله: أي شيء كان أصل بلائه؟ فلما دنوتُ منه ابتدأني قبل أن أسأله فقال: وما سؤالك عمَّا لا يعنيك (١)! فصبرت حتى تم لي ثلاث سنين، فقال لي في الثالثة: لابد لك؟ فقلت له: إن رأيتَ. فقال: بينما أنا أصلي بالليل إذ لاح لي من المحراب نور، فقلت: اخسأ يا ملعون! فإن ربي أجل من أن يبرز للخلق ثلاث مرات! قال: ثم سمعت نداءً من المحراب: يا شعيب، فقلت: لبيك! فقال: تحبُّ أن أقبضك في وقتك، أو نجازيك على ما مضى لك، أو نبتليك ببلاء نرفعك به في عليين؟ فاخترت البلاء، فسقطت عيناي ويداي ورجلاي. قال: فمكثت أخدمه تمام اثنتي عشرة سنة، فقال يومًا من الأيام: ادنُ مني! فدنوت فسمعت أعضاءه يخاطب بعضها بعضًا: أبْرُزْ منه! حتى برزت أعضاؤه كلها بين يديه وهو يسبِّح ويقدِّس، ثم مات (٢).

стр. 433

قال المصنف: قلت: وهذه الحكاية توهم أنَّ الرَّجل رأى الله تعالى، فلمَّا أنكر عُوتب (١)، وقد ذكرنا أن قومًا يقولون: إن الله يُرى في الدنيا (٢). وقد حكى أبو القاسم عبد الله بن أحمد البَلْخِي في كتاب "المقالات" قال: قد حكي عن قوم من المشبهة أنهم يجيزون رؤية الله تعالى بالأبصار في الدنيا، وأنهم لا ينكرون أن يكون بعض مَنْ يلقاهم في السكك، وإن قومًا يجيزون مع ذلك مصافحته وملامسته، ويدَّعون أنه يزورهم ويزورونه (٣)، وهم يُسمَّون بالعراق: أصحاب الباطن وأصحاب الوساوس وأصحاب الخطرات. وهذا فوق القبيح، نعوذ بالله من الخذلان! ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الطهارة قال المصنف: وقد ذكرنا تلبيسه على العُبَّادِ في الطهارة (٤) إلا أنه قد زاد في حق الصوفية على الحد، فقوى وساوسهم في استعمال الماء الكثير، حتى إنه بلغني أن ابن عقيل دخل إلى رباط فتوضأ، فضحكوا به لقلةِ استعماله الماء، وما علموا أنه من أسبغ الوضوء برطلٍ من الماء كفاهُ. وبلغنا عن أبي أحمد الشيرازي أنه قال لفقير: من أين؟ (٥) فقال: من النهر، بي وسوسةٌ في الطهارة. فقال: كان عهدي بالصوفية يسخرون من الشيطان، والآن يسخر بهم الشيطان!

стр. 434

ومنهم من يمشي بالمداس على البوري (١)، وهذا لا بأس به، إلا أنه ربما نظر المبتدئ إلى من يقتدي به فظن ذلك شريعةً، وما كان خيار السلف على هذا، والعجبُ ممن يبالغ في الاحتراز إلى هذا الحد تنظيفًا لظاهره وباطنه محشو بالوسخ والكدر! ذكر تلبيسه عليهم في الصلاة قد ذكرنا تلبيسه على العُبَّاد في الصلاة (٢)، وهو بذلك يلبس على الصوفية ويزيد، وقد ذكر محمد بن طاهر المقدسي (٣) أن من سنتهم التي ينفردون بها وينتسبون إليها صلاة ركعتين بعد لبس المرقعة والتوبة، واحتجَّ عليه بحديث ثُمامة بن أثال: "أن النبي ﷺ أمره حين أسلم أن يغتسل" (٤). قال المصنف: قلت: وما أقبح بالجاهل إذا تعاطى ما ليس من شغله! فإن ثُمامة كان كافرًا فأسلم، وإذا أسلم الكافر وَجَبَ عليه الغُسل في مذهب جماعة من الفقهاء، منهم أحمد بن حنبل، وأما صلاة ركعتين فما أمر بها أحد من العلماء من أسلم، وليس في حديث ثمامة ذِكْرُ صلاةٍ (٥) فيُقاس عليها، وهل هذا إلا ابتداع بالواقع سموه سُنة!

стр. 435

ثم من أقبح الأشياء قوله: إن الصوفية يتفردون بسنن! لأنها إن كانت مسنونة بالشرع فالمسلمون كلهم فيها سواء، والفقهاء أعرفُ بها، فما وجه انفراد الصوفية بها، وإن كانت بآرائهم فإنما انفردوا بها لأنهم اخترعوها. ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في المساكن أما بناء الأربطة (١) فإن قوما من متعبديهم الماضين اتخذوها للانفراد بالتعبد، وهؤلاء إذا صح قصدهم فهم على الخطأ من أوجه: ° أحدها: أنهم ابتدعوا هذا البناء، وإنما بنيانُ الإسلام المساجدُ. ° والثاني: أنهم جعلوا للمساجد نظيرا يُقلِّلُ جمعها. ° والثالث: أنهم أفاتوا أنفسهم نقل الخُطا إلى المساجد. ° والرابع: أنهم تشبَّهوا بانفراد النصارى في الديرة. ° والخامس: أنهم تعزَّبوا وهم شباب وأكثرهم محتاج إلى النكاح. ° والسادس: أنهم جعلوا لأنفسهم عَلَما ينطقُ بأنهم زُهَّاد؛ فيوجب ذلك زيارتهم والتبرك بهم. وإن كان قصدهم غير صحيح فإنهم قد بنوا دكاكين للكدية (٢)، ومناخًا للبطالة، وأعلامًا لإظهار التزهد! وقد رأينا جمهور المتأخرين منهم مستريحين في الأربطة من كَدِّ المعاش، متشاغلين بالأكل والشرب والغناء والرقص، يطلبون الدنيا من كل ظالم ولا

стр. 436

يتورعون من عطاء ماكسٍ، وأكثر أربطتهم قد بناها الظلمة، ووقفوا عليها الأموال الخبيثة، وقد لبَّس عليهم إبليس بأن ما يصل إليكم رزقكم، فأسقطوا عن أنفسكم كُلْفَةَ الورع! فمهمتهم دوران المطابخ والحمّام والماء المبرد، فأين جوعُ بِشْرٍ، وأين ورع سري، وأين جد الجُنيد؟! وهؤلاء أكثر زمانهم ينقضي في التفكه بالحديث أو زيارة أبناء الدنيا، فإذا أفلح أحدهم أدخل رأسه في زرمانقته فغلبت عليه السَّوداء (١) فقال: حدثني قلبي. ولقد بلغني أن رجلًا قرأ القرآن في رباط فمنعوه، وأن قومًا قرؤوا الحديث في رباط فقيل لهم: ليس هذا موضعه! ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الخروج من الأموال والتجرد عنها كان إبليس يلبس على أوائل الصوفية لصدقهم في الزهد؛ فيريهم عيب المال ويُخوفهم من شرّه، فيتجردون من الأموال ويجلسون على بساط الفقر، فكانت مقاصدهم صالحة، وأفعالهم في ذلك خطأ لقلة العلم، فأما الآن فقد كُفِيَ إبليس هذه المؤنة فإن أكف كسبهم للأموال ضياع. أخبرنا محمد بن ناصر قال: أنبأنا أبو بكر بن خلف، قال: نا محمد بن الحسين السُّلمي، قال: سمعت أبا نصر الطوسي يقول: سمعت جماعة من مشايخ الرَّي يقولون: ورث أبو عبد الله المقري من أبيه خمسين ألف دينار سوى الضِّياع والعَقَار، فخرج عن جميع ذلك وأنفقه على الفقراء (٢).

стр. 437

وقد روي مثلُ هذا عن جماعة كثيرة، وهذا الفعل لا ألومُ صاحبه إذا كان يرجع إلى كفاية قد ادخرها لنفسه، أو كانت له صناعة يستغني بها عن الناس، أو كان المال من شُبهةٍ فتصدَّق به (١). وأما إذا أخرج المال الحلال كله ثم احتاج إلى الناس أو افتقر عياله، فهو إما أن يتعرض بمنن الإخوان أو بصدقاتهم، أو يأخذ من أرباب الظلم والشبهات، فهذا الفعل هو المذموم المنهي عنه! ولست أتعجب من المتزهدين الذين فعلوا هذا مع قلة علمهم، وإنما أتعجب من أقوام لهم علم وعقل كيف حَثُّوا على هذا وأمروا به مع مضادته للشرع والعقل! فذكر الحارث المحاسبي في هذا كلامًا طويلًا (٢)، وشيده أبو حامد الطوسي ونصره (٣)، والحارثُ أعذر عندي من أبي حامد؛ لأن أبا حامد كان أفقه، غير أن دخوله في التصوف أوجب عليه نُصرة ما دخل فيه. فمن كلام المحاسبي في هذا أنه قال (٤): أيها المفتون، متى زعمت أن جمع المال الحلال أعلى وأفضل من تركه، فقد أزريت بمحمد ﷺ والمرسلين، وزعمت أن رسول الله لم ينصح الأمة إذ نهاهم عن جمع المال وقد علم أن جمعه خير لهم، وزعمت أن الله تعالى لم ينظر لعباده حين نهاهم عن جمع المال وقد علم أن جمعه خير لهم، وما ينفعك الاحتجاج بمال الصحابة، ودَّ ابن عوفٍ في القيامة أن لم يؤت من الدنيا إلا قوتًا.

стр. 438

ولقد بلغني (١) أنه لما توفي عبد الرحمن بن عوف، قال ناس من أصحاب رسول الله ﷺ : إنا نخاف على عبد الرحمن فيما ترك. فقال كعب: سبحان الله، وما تخافون على عبد الرحمن؟! كسبَ طَيِّبًا وأنفق طيِّبًا وترك طيِّبًا. فبلغ ذلك أبا ذر فخرج مُغضبًا يريد كعبًا، فمر بلحي بعير فأخذه بيده ثم انطلق يطلب كعبًا، فقيل لكعب: إن أبا ذر يطلبك، فخرج هاربًا حتى دخل على عثمان يستغيث به وأخبره الخبر، فأقبل أبو ذر يقتص الأثر في طلب كعب حتى انتهى إلى دار عثمان، فلما دخلوا قام كعب فجلس خلف عثمان هاربًا من أبي ذر، فقال له أبو ذر: هيه يا ابن اليهودية! تزعُمُ ألا بأس بما ترك عبد الرحمن بن عوف، لقد خرج رسول الله ﷺ يومًا فقال: "الأكثرون هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال هكذا وهكذا" (٢) ثم قال: "يا أبا ذر وأنت تريد الأكثر وإنا نريد الأقل"، فرسول الله يريد هذا وهذا وأنت تقول: يا ابن اليهودية لا بأس بما ترك عبد الرحمن بن عوف! كذبت وكذب مَنْ قال. فلم يرد عليه حرفًا حتى خرج (٣). قال الحارث (٤): فهذا عبد الرحمن في فضله يُوقف في عَرْصَة القيامة بسبب ما كسبه من حلال للتعفف ولصنائع المعروف، فمنع من السَّعي إلى الجنَّة مع الفقراء المهاجرين، وصار يحبو في آثارهم حبوًا (٥)، وقد كانت الصحابة إذا لم يكن عندهم شيء فرحوا وأنت تدَّخر المال وتجمعه خوفًا من الفقر! وذلك من سوء الظن بالله وقلة اليقين بضمانه، وكفى به إثمًا، وعساك تجمع المال لنعيم الدنيا وزهرتها ولذاتها! وقد بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ أَسِفَ على دنيا فاتته اقترب من النار مسيرة

стр. 439

سنة" (١)، وأنت تأسف على ما فاتك غير مكترث بقربك من عذاب الله، ويحك! هل تجد في دهرك من الحلال كما وجدت الصحابة؟ وأين الحلال فتجمعه؟ ويحك! إني لك ناصح، أرى لك أن تقنع بالبُلغة ولا تجمع المال لأعمال البر، فقد سئل بعض أهل العلم عن الرَّجل يجمع المال لأعمال البر، فقال: تركه أبرّ به! وبلغنا أن بعض خيار التابعين سئل عن رجلين: أحدهما: طلب الدنيا حلالًا فأصابها فوصل بها رحِمهُ وقدَّم لنفسه، والآخر: جانبها ولم يطلبها ولم يبذلها، فأيهما أفضل؟ فقال: بعيد والله ما بينهما، الذي جانبها أفضل كما بين مشارق الأرض ومغاربها (٢)! فصل قال المصنف: هذا كله كلام الحارث المحاسبي ذكره أبو حامد وشيده وقواه بحديث ثعلبة وأنه أُعطي المال فمَنَعَ الزكاةَ (٣). قال أبو حامد (٤): فمن راقب أحوال الأنبياء والأولياء وأقوالهم لم يشك في أن فَقْدَ المال أفضل من وجوده وإن صُرِفَ إلى الخيرات؛ إذ أقل ما فيه اشتغال الهمّ بإصلاحه عن ذكر الله، فينبغي للمريد أن يخرج عن ماله حتى لا يبقى له إلا قدر ضرورته، فما بقي له درهم يلتفت إليه قلبه فهو محجوب عن الله تعالى.

стр. 440

قال المصنف: وهذا كله خلاف الشرع والعقل، وسوء فهم للمراد بالمال! فصل في رد هذا الكلام أما شرف المال فإن الله تعالى عَظَّم قدره وأمر بحفظه؛ إذ جعله قوامًا للآدمي، وما جُعل قوامًا للآدمي الشريف فهو شريف، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]، ونهى أن يُسلَّم المال إلى غير رشيد، فقال: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن إضاعة المال (١)، وقال لسعد: "لأن تترك ورثتك أغنياء خير لك من أن تتركلهم عالة يتكففون الناس" (٢)، وقال: "ما نفعني مالٌ كمال أبي بكر" (٣). وأخبرنا ابن الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: نا عبد الرحمن، قال: نا موسى بن عُلَيّ، عن أبيه، قال: سمعتُ عمرو بن العاص يقول: بعث إليَّ رسولُ الله ﷺ فقال: "خذ عليك ثيابك وسلاحك، ثم ائتني"، فأتيته فقال: "إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك الله ويغنمك، وأرغب لك من المال رغبة صالحة". فقلت: يا رسول الله: ما أسلمتُ من أجل المال، ولكني أسلمت رغبة في الإسلام. فقال: "يا عمرو نِعمَّا بالمال الصالح للمرء الصالح! " (٤).

стр. 441

أخبرنا محمد بن ناصر وعمر بن ظفر، قالا: أخبرنا محمد بن الحسن [الباقلاني] (١)، قال: أخبرنا أبو العلاء محمد بن علي الواسطي، قال: أخبرنا أبو نصر أحمد بن محمد النيازكي، قال: أخبرنا أبو الخير أحمد بن محمد بن [الجليل] (٢)، قال: نا محمد بن إسماعيل البخاري، قال: نا موسى بن إسماعيل، قال: نا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس أن رسول الله ﷺ دعا له بكل خير، وكان في آخر دعائه أن قال: "اللهم أكثر ماله وولده وبارك له! " (٣). وأخبرنا ابن الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: نا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: نا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن أخي الزهري، قال: أخبرني عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديث توبته، قال: فقلت يا رسول الله: إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله تعالى وإلى رسوله، فقال: "أمسك بعض مالك فهو خير لك" (٤).

стр. 442

قال المصنف: هذه الأحاديث مخرجة في الصحاح، وهي على خلاف ما تعتقده المتصوفة من أن إكثار المال حجابٌ وعقوبة، وأن حبسه ينافي التوكل. ولا يُنكر أنه يُخاف من فتنته، وأن خلقًا كثيرًا اجتنبوه لخوف ذلك، وأن جمعه من وجهه يعز، وسلامة القلب من الافتتان به يبعد، واشتغال القلب مع وجوده بذكر الآخرة يندر؛ ولهذا خيفت فتنته. ° فأما كسب المال فإن مَنِ اقتصر على كسب البلغة من حِلِّها فذاك أمر لابد منه، وأما من قصد جمعه والاستكثار منه من الحلال نظر في مقصوده: فإن قصد نفس المفاخرة والمباهاة فبئس المقصود، وإن قصد إعفاف نفسه وعائلته، وادَّخر لحوادث زمانه وزمانهم، وقصد التوسعة على الإخوان وإغناء الفقراء وفعل المصالح أُثيب على قصده، وكان جمعه بهذه النية أفضل من كثير من الطاعات. وقد كانت نِيَّاتُ خَلقٍ كثير من الصحابة في جمع المال سليمة؛ لحسن مقاصدهم بجمعه، فحرصوا عليه وسألوا زيادته. وأخبرنا ابن الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثنا أبي، قال: ثنا حماد بن خالد، قال: ثنا عبد الله -يعني ابن عمر العمري- عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ أقطع الزبير حُضْر فرسه (١) بأرض يقال لها ثرير، وأجرى الفرس حتى قام، ثم رمى سوطه فقال: "أعطوه حيث بلغ السَّوطُ" (٢).

стр. 443

وكان سعد بن عبادة يدعو فيقول: اللهم وسِّع عليَّ (١)! وأبلغ من هذا: أن يعقوب ﵇ لما قال له بنوه: ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٦٥] مال إلى هذا فأرسل بنيامين معهم، وأن شعيبًا طمع في زيادة ما يناله فقال: ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ [القصص: ٢٧]، وأن أيوب لما عُوفي، نُثر عليه جراد من ذهب فأخذ يثني ثوبه يستكثر منه، وقيل له: أما شبعت؟ فقال: يا رب ومن يشبع من فضلك" (٢). وهذا أمر مركوز في الطباع فإذا قُصد به الخير كان خيرًا محضًا. ° وأما كلام المحاسبي فخطأ يدل على الجهل بالعلم، وقوله: إن الله تعالى نهى عباده عن جمع المال، وأن رسول الله نهى أمته عن جمع المال. فهذا محال! وإنما النهي عن سوء القصد بالجمع، أو عن جمع من غير حِلّه. ° وما ذكره من حديث كعب وأبي ذرّ فمحال من وضع الجُهال، وخفاء صحته عنه ألحقه بالقوم، وقد روي بعض هذا وإن كان طريقه لا يثبت. وأخبرنا ابن الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا ابن مالك، قال: نا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: نا حسن بن موسى، نا عبد الله بن لهيعة، حدثنا أبو قبيل، سمعت مالك بن عبد الله الزيادي يحدث عن أبي ذر أنه جاء يستأذن على عثمان فأذن له وبيده عصاة، فقال عثمان: يا كعب إن عبد الرحمن تُوفي وترك مالًا فما ترى فيه؟ فقال: إن كان يَصِلُ فيه حقَّ الله فلا بأس به، فرفع أبو ذر عصاه فضرب كعبًا، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما أحب لو أن لي هذا الجبل ذهبًا أنفقه

стр. 444

ويتقبل مني أَذَرُ خلفي منه سِتّ أواق، أنشدك الله يا عثمان أسمعته؟ -ثلاث مرات- قال: نعم (١). قال المصنف: وهذا الحديث لا يثبت، وابن لهيعة مطعون فيه، قال يحيى (٢): لا يحتج بحديثه. والصحيح في التاريخ أن أبا ذر توفي سنة خمس وعشرين، وعبد الرحمن توفي سنة اثنتين وثلاثين، فقد عاش بعد أبي ذر سبع سنين (٣)، ثم لفظ ما ذكروه من حديثهم يدل على أن حديثهم موضوع (٤). ثم كيف تقول الصحابة: إنا نخاف على عبد الرحمن؟! أَوَليس الإجماع منعقدًا على إباحة جمع المال من حِله، فما وجه الخوف مع الإباحة؟ أوَيأذن الشرع في شيء ثم يعاقب عليه! هذا قلة فهم وفقه. ثم أينكر أبو ذر على عبد الرحمن، وعبد الرحمن خير من أبي ذر بما لا يتقارب (٥).

стр. 445

ثم تعلقه بعبد الرحمن وحده دليل على أنه لم يَسِر سير الصحابة: فإنه قد خلَّف طلحة ثلاثمائة بهار، في كل بهار ثلاثة قناطير، والبهار (١): الحملُ (٢)، وكان مال الزبير خمسين ألف ألف ومائتي ألف (٣)، وخلف ابن مسعود تسعين ألفًا (٤)، وأكثر الصحابة كسبوا الأموال وخلَّفوها ولم يُنكر أحدٌ منهم على أحد. وأما قوله: إن عبد الرحمن يحبو حبوًا يوم القيامة. فهذا دليل على أنه ما يعرف الحديث، فإن هذا كان منامًا وليس هو في اليقظة، وأعوذ بالله أن يحبو عبد الرحمن في القيامة، أفترى مَنْ سبق وهو من العشرة المشهود لهم بالجنة ومن أهل بدر والشورى! ثم الحديث يرويه عُمارة بن زاذان، وقال البخاري (٥): ربما اضطرب حديثه. وقال أحمد (٦): يروي عن أنس أحاديث مناكير. وقال أبو حاتم الرازي (٧): لا يحتج به. وقال الدارقطني (٨): ضعيف.

стр. 446

أخبرنا به ابن الحصين: قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: نا أحمد بن جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا عبد الصمد بن حسان، قال: أخبرنا عُمارة، عن ثابت، عن أنس قال: بينما عائشة في بيتها سمعت صوتا في المدينة، فقالت: ما هذا؟ فقالوا: عِير لعبد الرحمن بن عوف قدمت من الشام تحمل من كل شيء، قال: وكانت سبعمائة بعير، فارتجت المدينة من الصوت، فقالت عائشة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قد رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوًا، فبلغ ذلك عبد الرحمن فقال: إن استطعتُ لأدخلنها قائمًا! فجعلها بأقتابها وأحمالها في سبيل الله (١). ° وقوله: ترك المال الحلال أفضل من جمعه. ليس كذلك! ومتى صحَّ القصد فجمعه أفضل بلا خلاف عند العلماء. ° والحديث الذي ذكره عن رسول الله ﷺ : "من أسف على دنيا فاتته". محُال! ما قاله رسول الله قط. ° وقوله: هل تجد في دهرك حلالًا؟ فيقال له: وما الذي أصاب الحلالَ والنبي ﷺ يقول: "الحلال بيِّن والحرام بيِّن" (٢)؟ أترى يريد بالحلال وجود حبة مذ خرجت من المعدن ما تقلبت في شبهة؟! هذا يبعد، وما طولبنا به. بل لو باع المسلم يهوديًا كان الثمن حلالًا بلا شك، هذه فتوى الفقهاء.

стр. 447

فأعجب لسكوت أبي حامد بل لنصرته ما حكى! وكيف يقول: إن فقد المال أفضل من وجوده، وإن صُرف إلى الخيرات! ولو ادُّعي الإجماع على خلاف هذا لصحَّ، ولكن تصوفه غيَّر فتواه. وقد أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قال: حدثنا الأزجي، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد الساجي، قال: أخبرنا عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا الخلال، قال: نا المروذي قال: سمعت رجلًا يقول لأبي عبد الله: إني في كفاية. فقال: الزم السوق تصل به الرحم وتعود به (١). ° وقوله: ينبغي للمريد أن يخرج من ماله. قد بينا أنه إن كان حرامًا، أو فيه شبهة، أو آثر أن يقنع هو باليسير أو بالكسب، جاز له أن يخرج منه، وإلا فلا وجه لذلك، وأما ثعلبة فما ضَرَّه المال، إنما البخل بالواجب (٢). وأما الأنبياء فقد كان لإبراهيم زرع ومال، ولشعيب وغيره، وكان سعيد بن المسيب يقول: لا خير فيمن لا يطلب المال؛ يقضي به دَيْنَه ويصون عِرضه، فإن مات تركه ميراثًا لمن بعده (٣). وخلَّف ابن المسيب أربعمائة دينار (٤)، وقد ذكرنا ما خلفت الصحابة، وقد خلَّف سفيان الثوري مائتين (٥)، وكان يقول: المال في هذا الزمان

стр. 448

سلاح (١). وما زال السلف يمدحون المال ويجمعونه للنوائب وإعانة الفقراء، وإنما تجافاه قوم منهم إيثارًا للتشاغل بالعبادات وجمع الهم فقنعوا باليسير، فلو قال هذا القائل إن التقلل منه أولى قرب الأمر، ولكنه زاحم به مرتبة الإثم! فصل واعلم أن الفقر مرض، فمن ابتلي به فصبر أثيب على صبره، ولهذا يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام (٢)؛ لمكان صبرهم على البلاء، والمال نعمة، والنعمة تحتاج إلى شكر، والغني وإن تعب وخاطر كالمفتي والمجاهد، والفقير كالمنعزل في زاوية. وقد ذكر أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب "سنن الصوفية"، باب كراهية أن يخلف الفقير شيئًا، فذكر حديث الذي مات من أهل الصُّفَّة وخلَّف دينارين، فقال رسول الله ﷺ : "كيَّتان" (٣). وهذا احتجاج من لم يفهم الحال، فإن ذلك الفقير كان يزاحم الفقراء في أخذ الصدقة وحبس ما معه، فلذلك قال: "كيَّتان"، ولو كان المكروه نفس ترك المال لما قال النبي ﷺ لسعد: "لئن تترك ورثتك أغنياء خير لك من أن تتركهم عالةً يتكففون الناس" (٤)، ولما كان أحد من الصحابة يخلف شيئًا.

стр. 449

وقد قال عمر بن الخطاب: حثَّ رسول الله ﷺ على الصَّدقة فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله: "ما أبقيت لأهلك؟ ". فقلت: "مِثله" (١). فلم يُنكر عليه رسول الله. قال ابن جرير الطبري (٢): وفي هذا الحديث دليل على بطلان ما يقوله جهلة المتصوفة أنه ليس للإنسان ادخار شيء في يومه لغده، وأن فاعل ذلك قد أساء الظن بربه ولم يتوكل علية حقّ توكله. قال ابن جرير (٣): وكذلك قوله ﵇: "اتخذوا الغنم؛ فإنها بركة" (٤): فيه دلالة على فساد قول مَن زعم من الصوفية أنه لا يصح لعبد التوكل على ربه إلا بأن يصبح ولا شيء عنده من عين ولا عرض ويمسي كذلك، أترى كيف ادَّخر رسول الله ﷺ لأزواجه قوت سنة (٥)! فصل وقد خرج أقوام من أموالهم الطيبة ثم عادوا يتعرضون بالأوساخ ويطلبون، وهذا لأن حاجة الإنسان لا تنقطع، والعاقل يُعد للمستقبل، وهؤلاء مثلهم في إخراج المال عند بداية تزهدهم مثل من رَوَى في طريق مكة فبدد الماء الذي معه.

стр. 450

أنبأنا أبو بكر بن أبي طاهر البزاز، قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا ابن حَيُّوَيْه، قال: أخبرنا أحمد بن معروف، قال: نا الحسين بن الفهم، قال: نا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: نا عبد الله بن أبي يحيى الأسلمي، عن عمر بن الحكم بن ثوبان عن جابر بن عبد الله قال: قدم أبو حصين السلمي بذهب من معدنهم، فقضى دينًا كان عليه وفضل معه مثل بيضة الحمام، فأتى بها رسول الله فقال: يا رسول الله، ضع هذه حيث أراك الله أو حيث رأيتَ. قال: فجاءه عن يمينه فأعرض عنه، ثم جاءه عن يساره فأعرض عنه، ثم جاءه من بين يديه فنكَّس رسول الله رأسه، فلما أكثر عليه أخذها من يده فحذفه بها لو أصابته لعَقَرَتْهُ، ثم أقبل عليه رسول الله، فقال: "يعمد أحدكم إلى ماله فيتصدق به ثم يقعد يتكفَّف الناس، وإنما الصدقة عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول" (١). وقد رواه أبو داود في سننه (٢) من حديث محمود بن لبيد، عن جابر بن عبد الله قال: كنا عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل بمثل بيضة (٣) من ذهب، فقال: يا رسول الله أصبتُ هذه من معدن، فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها. فأعرض رسول الله، ثم أتاه من قبل رُكنه الأيمن فقال مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم أتاه من قبل ركنه الأيسر، فأعرض عنه رسول الله، ثم أتاه من خلفه فأخذها رسول الله فحذفه بها فلو أصابته لأوجعته (٤) أو لعَقَرَتْه، فقال رسول الله: "يأتي أحدكم بما يملك فيقول: هذه صدقة ثم يقعد يستكف الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى". وفي رواية أخرى (٥): "خذ عنا مالك لا حاجة لنا به".

стр. 451

وروى أبو داود (١) من حديث أبي سعيد الخدري، قال: دخل رجل المسجد فأمر النبي ﷺ الناس أن يطرحوا ثيابًا فطرحوا، فأمر له منها بثوبين، ثم حث على الصدقة، فجاء فطرح أحد الثوبين فصاح به: "خذ ثوبك"! قال المصنف: ونقلت من خط أبي الوفاء بن عقيل: قال: قال ابن شاذان: دخل جماعة من الصوفية على الشبلي، فأنفذ إلى بعض المياسير يسأله ما ينفقه عليهم، فردَّ الرسول وقال: يا أبا بكر، أنت تعرف الحق فهلا طلبت منه! فقال للرسول: ارجع إليه وقل له: الدنيا سِفلة أطلبها من سِفلةٍ مثلك، وأطلب الحق من الحق! فبعث إليه مائة دينار. قال ابن عقيل: إن كان أنفذ إليه المائة دينار على الافتداء من هذا الكلام القبيح وأمثاله؛ فقد أكل الشبلي الخبيث من الرِّزق وأطعمه أضيافه! فصل وقد كان لبعضهم بضاعة فأنفقها، وقال: ما أريد أن تكون ثقتي إلا بالله. وهذا قِلة فهم؛ لأنهم يظنون أن التوكل قطع الأسباب وإخراج الأموال (٢).

стр. 452

وقد أخبرنا القزَّاز، قال: أخبرنا الخطيب، قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ قال: أخبرنا جعفر الخلدي في كتابه قال: سمعت الجنيد يقول: دققت على أبي يعقوب الزَّيات بابه في جماعة من أصحابنا، فقال: ما كان لكم شغل في الله يشغلكم عن المجيء إليَّ؟ فقلت له: إذا كان مجيئنا إليك من شغلنا به لم ننقطع عنه، فسألته عن مسألة في التوكل فأخرج درهمًا كان عنده ثم أجابني، فأعطى التوكل حقه، ثم قال: استحييت من الله تعالى أن أجيبك وعندي شيء (١). قال المصنف: قلت: لو فهم هؤلاء معنى التوكل، وأنه ثقة القلب بالله تعالى، لا إخراج صور المال، ما قالوا هذا! ولكن قلَّ فهمهم، وقد كان سادات الصحابة والتابعين يتجرون ويجمعون الأموال وما قال مثل هذا أحد منهم، وقد روينا عن أبي بكر الصديق أنه قال حين أُمر بترك الكسب لأجل شغله بالخلافة: فمن أين أطعم عيالي (٢)؟ وهذا القول منكر عند الصوفية يُخرجون قائله من التوكل، وكذلك ينكرون على من قال: هذا الطعام يضرني! وقد رووا في ذلك حكاية: أخبرنا بها أبو بكر بن حبيب، قال: أخبرنا أبو سعد بن أبي صادق، قال: أخبرنا ابن باكويه، قال: أخبرني أبو زرعة الطبري، وقال: أخبرني أبو بكر القاري، قال: سمعت أبا طالب الرازي يقول: حضرت مع أصحابنا في موضع فقدموا اللبن وقالوا لي: كُلْ. فقلت: لا آكل؛ فإنه يضرني! فلما كان بعد أربعين سنة صلّيت يومًا

стр. 453

خلف المقام ودعوت الله تعالى وقلت: اللهم إنك تعلم أني ما أشركت بك طرفة عين. فسمعت هاتفًا يهتف بي ويقول: ولا يوم اللبن (١)! قال المصنف: وهذه الحكاية الله أعلم بصحتها. واعلم أن من يقول: هذا يضرني، لا يريد أن ذلك يفعل الضرر بنفسه، وإنما يريد أنه سبب للضّرر كما قال الخليل ﵇: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وقد صحّ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ما نفعني مال كمال أبي بكر" (٢)، وقوله: "ما نفعني" مقابل لقول القائل: ما ضرَّني. وصح عنه أنه قال: "ما زالت أُكْلَةُ خيبر تُعَادُني حتى الآن حين قطعت أَبْهَرِي" (٣). وقد ثبت أنه لا رتبة أوفى من رتبة النبوة، وقد نسب النفع إلى المال، والضرر إلى الطعام، فالتحاشي عن سلوك طريقه تعاط على الشريعة، فلا يلتفت إلى هذيان من هذى في مثل هذا. فصل قد بيَّنا أنه كان أوائل الصوفية يخرجون من أموالهم زهدًا فيها، وذكرنا أنهم قصدوا بذلك الخير، إلا أنهم غلطوا في هذا الفعل، لما ذكرنا من مخالفتهم بذلك الشرع والعقل.

стр. 454

فأما متأخروهم فقد مالوا إلى الدُّنيا وجمع المال من أي وجه كان؛ إيثارًا للرَّاحة وحُبًّا للشهوات، فمنهم من يقدر على الكسب ولا يعمل، ويجلس في الرباط أو المسجد، ويعتمد على صدقات الناس وقلبه مُعلق بطرق الباب. ومعلوم "أن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مِرَّة سَوِيّ" (١)، ولا يبالون من بعث إليهم، فربما بعث الظالم والمكّاس فلم يردوه، وقد وضعوا بينهم في ذلك كلماتٍ: ° منها: تسمية ذلك بالفتوح (٢). ° ومنها: إن رزقنا لابد أن يصل إلينا (٣). ° ومنها: إنه مِن الله، ولا يرد عليه ولا يشكر سواه (٤). وهذا كله خلاف الشريعة وجهل بها! وعكس ما كان السلف الصالح عليه: فإن النبي ﷺ قال: "الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما متشابهات، فمن تركها استبرأ لدينه" (٥)، وقد قاء أبو بكر الصديق من أكل الشبهة (٦)، وكان الصالحون لا يقبلون عطاءَ ظالم ولا من في ماله شبهة، وكثير من السلف لم يقبل صلة الإخوان؛ عفافًا وتنزهًا.

стр. 455

أخبرنا ابن ناصر قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي الخياط، قال: نا محمد بن أبي الفوارس، قال: نا أحمد بن جعفر بن سلم، قال: نا أحمد بن محمد بن عبد الخالق، قال: حدثنا أبو بكر المروذي، قال: ذكرت لأبي عبد الله رجلًا من المحدثين، فقال ﵀: أي رجل كان لولا خلة واحدة! ثم سكت، ثم قال: ليس كل الخلال يكملها الرجل. فقلت له: أليس كان صاحب سنة؟ قال: لعمري! لقد كتبت عنه، ولكن خلة واحدة: كان لا يبالي ممن أخذ (١). قال المصنف: وقد بلغنا أن بعض الصوفية دخل على بعض الأمراء الظلمة (٢)، فوعظه فأعطاه شيئًا فقبله، فقال الأمير: كلنا صيَّاد وإنما الشِّباك تختلف (٣)! ثم أين هؤلاء من الأنفة من الذل للدنيا، فإن النبي ﷺ قال: "اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى" (٤)، واليد العليا هي المعطية، هكذا فسره العلماء (٥)، وهو الحقيقة، وقد تأوَّله بعض القوم فقال: العليا هي الآخذة (٦). قال ابن قتيبة (٧): ولا أرى هذا إلا إلا تأويل قومٍ استطابوا السؤال، وهم يحتجون للدناءة.

стр. 456

فصل ولقد كان أوائل الصوفية ينظرون في حصول الأموال من أي وجهٍ، ويفتشون عن مطاعمهم، وسئل أحمد بن حنبل عن سريّ، فقال: الشيخ المعروف بطيب الطعمة (١). وقال سري: صحبت جماعة إلى الغزو فاكترينا دارًا فنصبت فيها تنورًا، فتورعوا أن يأكلوا من خبز ذلك التنور (٢). فأما من يرى ما قد تجدد من صوفية زماننا من كونهم لا يبالون من أين أخذوا فإنه يعجب! ولقد دخلت بعض الأربطة فسألت عن شيخه فقيل لي: قد مضى إلى الأمير فلان يهنئه بخلعةٍ قد خُلعت عليه، وكان ذلك الأمير من كبار الظلمة، فقلت: ويحكم! ما كفاكم أن فتحتم الدُّكان حتى تطوفوا على رؤوسكم بالسِّلَع، يقعد أحدكم عن الكسب مع قدرته، معوِّلا على الصدقات والصِّلات، ثم لا يكفيه حتى يأخذ ممن كان، ثم لا يكفيه حتى يدور على الظلمة فيستعطي منهم، ويهنئهم بملبوس لا يحلُّ، وولاية لا عدل فيها، والله إنكم أضر على الإسلام من كل مُضِرٍّ! فصل وقد صار جماعة من أشياخهم يجمعون المال الحاصل من الشبهات ثم ينقسمون: ° فمنهم: من يدعي الزهد مع كثرة ماله وحرصه على الجمع، وهذه الدعوى مضادة للحال.

стр. 457

° ومنهم: من يظهر الفقر مع جمعه للمال، وأكثر هؤلاء يضيقون على الفقراء بأخذهم الزكاة ولا يجوز لهم ذلك. وقد كان أبو الحسن البسطامي شيخ رباط ابن المحلبان يلبس الصوف صيفًا وشتاءً، ويقصده الناس يتبركون به، فمات فخلّف أربعة آلاف دينار، وهذا فوق القبيح! وقد صح عن النبي ﷺ أن رجلًا من أهل الصُّفة مات فخلف دينارين فقال رسول الله: "كيَّتان" (١). ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في لباسهم قال المصنف: لما سمع أوائل القوم أن النبي ﷺ كان يرقع ثوبه (٢)، وأنه قال لعائشة ﵂: "لا ترفعي ثوبًا حتى ترقعيه" (٣)، وأن عمر بن الخطاب كان في ثوبه رقاع (٤)، وأن أويسًا القرني كان يلتقط الرِّقاع من المزابل، فيغسلها في الفرات، ثم يُخيطها فيلبسها (٥)؛ اختاروا المرقعات. ولقد أبعدوا في القياس! فإن رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا يؤثرون البذاذة (٦)، ويعرضون عن زينة الدنيا زهدًا، فكان أكثرهم يفعل هذا لأجل الفقر، كما روينا عن

стр. 458

مسلمة بن عبد الملك أنه دخل على عمر بن عبد العزيز وعليه قميص وسخ، فقال لامرأته فاطمة: اغسلي قميص أمير المؤمنين! فقالت: والله ما له قميص غيره (١). فأما إذا لم يكن هذا للفقر، وقصد البذاذة فما له معنى! فصل فأما صوفية زماننا فإنهم يعمدون إلى ثوبين أو ثلاثة، كل واحد منها على لون، فيجعلونها خرقًا ويلفقونها، فيجمع ذلك الثوب وصفين: الشهوة والشهرة، فإن لبس مثل هذه المرقعات أشهى عند خلق كثير من الديباج، وبها يشتهر صاحبها أنه من الزهاد، أفتراهم يصيرون بصورة الرقاع كالسلف؟ كذا قد ظنوا! فإن إبليس قد لبَّس عليهم وقال: أنتم صوفية؛ لأن الصوفية كانوا يلبسون المرقعات وأنتم كذلك (٢). أتراهم ما علموا أن التصوف معنى لا صورة (٣)؟! وهؤلاء قد فاتتهم النسبة في الصورة والمعنى: ° أما الصورة فإن القدماء كانوا يرقعون ضرورةً، ولا يقصدون التحسن بالرقع. ° وأما المعنى فإن أولئك كانوا أصحاب رياضة وزهد. فصل ومن هؤلاء المذمومين: من يلبس الصوف تحت الثياب ويلوح بكمه حتى يرى لباسه، وهذا لص ليلي! ومنهم: من يلبس الثياب اللينة على جسده، ثم يلبس الصوف فوقها وهذا نهاري مكشوف.

стр. 459

وجاء آخرون فأرادوا التشبه بالصوفية، وصعب عليهم البذاذة، وأحبُّوا التنعم، ولم يروا الخروج عن صورة التصوف؛ لئلا يتعطل المعاش، فلبسوا الفُوَطَ الرفيعة، واعتَمّوا بالرومي الرفيع، إلا أنه بغير طراز، فالقميص والعمامة على أحدهم بثمن خمسة أثواب من الحرير. وقد لبَّس عليهم إبليس أنكم صوفية بنفيس النفش (١)، وإنما أرادوا أن يجمعوا بين رسوم التصوف وتنعم أهل الدنيا، ومن علاماتهم مصادقة الأمراء ومفارقة الفقراء؛ كِبرًا وتعظمًا، وقد كان عيسى بن مريم يقول: "يا بني إسرائيل، ما لكم تأتون وعليكم ثياب الرهبان، وقلوبكم قلوب الذئاب الضواري، البسوا ثياب الملوك وألينوا قلوبكم بالخشية" (٢). أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمد بن أحمد الحداد، قال: أنا أبو نعيم الحافظ، قال: أنا أحمد بن جعفر بن معبد، قال: نا يحيى بن مُطرِّف، قال: حدثنا أبو ظفر، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن مالك بن دينار، قال: "إن من الناس ناسًا إذا لقوا القراء ضربوا معهم بسهم، وإذا لقوا الجبابرة وأبناء الدنيا أخذوا معهم بسهم، فكونوا من قراء الرحمن، بارك الله فيكم" (٣). أخبرنا محمد، قال: أخبرنا حمد، قال: أخبرنا أبو نعيم، قال: حدثنا الحسين بن محمد بن العباس الفقيه، قال: نا أحمد بن محمد الخلال، وقال: حدثنا أبو حاتم، قال: حدثنا هُدبة، قال: نا حزم، قال: سمعت مالك بن دينار يقول: "إنكم في زمان أشهب لا يبصر زمانكم إلا البصير، فإنكم في زمان كثير تفاحشهم، قد انتفخت

стр. 460

ألسنتهم في أفواههم، فطلبوا الدنيا بعمل الآخرة، فاحذروهم على أنفسكم لا يوقعوكم في شبكاتهم! " (١). أخبرنا محمد بن ناصر وابن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: نا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني مهنا الشامي، قال: نا ضمرة، عن سعيد بن شِبْل، قال: "نظر مالك بن دينار إلى شاب ملازم المسجد فجلس إليه، فقال له: هل لك أن أكلم لك بعض العشارين (٢) يجرون عليك شيئًا وتكون معهم؟ قال: ما شئتَ يا أبا يحيى. قال: فأخذ كفًّا من تراب فوضعه على رأسه" (٣). أخبرنا المحمدان قالا: أخبرنا حمد، قال: أخبرنا أحمد، قال: أخبرنا فاروق بن عبد الكبير الخطابي، قال: نا هشام بن علي السِّيرافي، قال: نا فِطر بن حماد بن واقد، قال: نا أبي، قال: نا مالك بن دينار، قال: كان فتى يتقرى فكان يأتيني، فابتلي فوَلِي الجسرَ، فبينما هو يصلي إذ مرت سفينة فيها بَطٌّ، فنادى بعض أعوانه: قَرِّب لنأخذ للعامل بطة. فأشار بيده: سبحان الله، أي: بطتين، قال: فكان أبي إذا حدث بهذا الحديث بكى وأضحك الجلساء (٤). أخبرنا أبو بكر بن حبيب، قال: أخبرنا أبو سعد بن أبي صادق، قال: أخبرنا ابن باكويه، قال: سمعت محمد بن خفيف يقول: قلت لرويم: أوصني! فقال: هو بذل الروح، وإلا فلا تشتغل بترهات الصوفية (٥).
следующие страницы →