← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11302

تلبيس إبليس - ت المزيد والسحيباني

ابن الجوزي

Полный текст (915 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

فصل ولقد كان أوائل الصوفية ينظرون في حصول الأموال من أي وجهٍ، ويفتشون عن مطاعمهم، وسئل أحمد بن حنبل عن سريّ، فقال: الشيخ المعروف بطيب الطعمة (١). وقال سري: صحبت جماعة إلى الغزو فاكترينا دارًا فنصبت فيها تنورًا، فتورعوا أن يأكلوا من خبز ذلك التنور (٢). فأما من يرى ما قد تجدد من صوفية زماننا من كونهم لا يبالون من أين أخذوا فإنه يعجب! ولقد دخلت بعض الأربطة فسألت عن شيخه فقيل لي: قد مضى إلى الأمير فلان يهنئه بخلعةٍ قد خُلعت عليه، وكان ذلك الأمير من كبار الظلمة، فقلت: ويحكم! ما كفاكم أن فتحتم الدُّكان حتى تطوفوا على رؤوسكم بالسِّلَع، يقعد أحدكم عن الكسب مع قدرته، معوِّلا على الصدقات والصِّلات، ثم لا يكفيه حتى يأخذ ممن كان، ثم لا يكفيه حتى يدور على الظلمة فيستعطي منهم، ويهنئهم بملبوس لا يحلُّ، وولاية لا عدل فيها، والله إنكم أضر على الإسلام من كل مُضِرٍّ! فصل وقد صار جماعة من أشياخهم يجمعون المال الحاصل من الشبهات ثم ينقسمون: ° فمنهم: من يدعي الزهد مع كثرة ماله وحرصه على الجمع، وهذه الدعوى مضادة للحال.

стр. 457

° ومنهم: من يظهر الفقر مع جمعه للمال، وأكثر هؤلاء يضيقون على الفقراء بأخذهم الزكاة ولا يجوز لهم ذلك. وقد كان أبو الحسن البسطامي شيخ رباط ابن المحلبان يلبس الصوف صيفًا وشتاءً، ويقصده الناس يتبركون به، فمات فخلّف أربعة آلاف دينار، وهذا فوق القبيح! وقد صح عن النبي ﷺ أن رجلًا من أهل الصُّفة مات فخلف دينارين فقال رسول الله: "كيَّتان" (١). ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في لباسهم قال المصنف: لما سمع أوائل القوم أن النبي ﷺ كان يرقع ثوبه (٢)، وأنه قال لعائشة ﵂: "لا ترفعي ثوبًا حتى ترقعيه" (٣)، وأن عمر بن الخطاب كان في ثوبه رقاع (٤)، وأن أويسًا القرني كان يلتقط الرِّقاع من المزابل، فيغسلها في الفرات، ثم يُخيطها فيلبسها (٥)؛ اختاروا المرقعات. ولقد أبعدوا في القياس! فإن رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا يؤثرون البذاذة (٦)، ويعرضون عن زينة الدنيا زهدًا، فكان أكثرهم يفعل هذا لأجل الفقر، كما روينا عن

стр. 458

مسلمة بن عبد الملك أنه دخل على عمر بن عبد العزيز وعليه قميص وسخ، فقال لامرأته فاطمة: اغسلي قميص أمير المؤمنين! فقالت: والله ما له قميص غيره (١). فأما إذا لم يكن هذا للفقر، وقصد البذاذة فما له معنى! فصل فأما صوفية زماننا فإنهم يعمدون إلى ثوبين أو ثلاثة، كل واحد منها على لون، فيجعلونها خرقًا ويلفقونها، فيجمع ذلك الثوب وصفين: الشهوة والشهرة، فإن لبس مثل هذه المرقعات أشهى عند خلق كثير من الديباج، وبها يشتهر صاحبها أنه من الزهاد، أفتراهم يصيرون بصورة الرقاع كالسلف؟ كذا قد ظنوا! فإن إبليس قد لبَّس عليهم وقال: أنتم صوفية؛ لأن الصوفية كانوا يلبسون المرقعات وأنتم كذلك (٢). أتراهم ما علموا أن التصوف معنى لا صورة (٣)؟! وهؤلاء قد فاتتهم النسبة في الصورة والمعنى: ° أما الصورة فإن القدماء كانوا يرقعون ضرورةً، ولا يقصدون التحسن بالرقع. ° وأما المعنى فإن أولئك كانوا أصحاب رياضة وزهد. فصل ومن هؤلاء المذمومين: من يلبس الصوف تحت الثياب ويلوح بكمه حتى يرى لباسه، وهذا لص ليلي! ومنهم: من يلبس الثياب اللينة على جسده، ثم يلبس الصوف فوقها وهذا نهاري مكشوف.

стр. 459

وجاء آخرون فأرادوا التشبه بالصوفية، وصعب عليهم البذاذة، وأحبُّوا التنعم، ولم يروا الخروج عن صورة التصوف؛ لئلا يتعطل المعاش، فلبسوا الفُوَطَ الرفيعة، واعتَمّوا بالرومي الرفيع، إلا أنه بغير طراز، فالقميص والعمامة على أحدهم بثمن خمسة أثواب من الحرير. وقد لبَّس عليهم إبليس أنكم صوفية بنفيس النفش (١)، وإنما أرادوا أن يجمعوا بين رسوم التصوف وتنعم أهل الدنيا، ومن علاماتهم مصادقة الأمراء ومفارقة الفقراء؛ كِبرًا وتعظمًا، وقد كان عيسى بن مريم يقول: "يا بني إسرائيل، ما لكم تأتون وعليكم ثياب الرهبان، وقلوبكم قلوب الذئاب الضواري، البسوا ثياب الملوك وألينوا قلوبكم بالخشية" (٢). أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمد بن أحمد الحداد، قال: أنا أبو نعيم الحافظ، قال: أنا أحمد بن جعفر بن معبد، قال: نا يحيى بن مُطرِّف، قال: حدثنا أبو ظفر، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن مالك بن دينار، قال: "إن من الناس ناسًا إذا لقوا القراء ضربوا معهم بسهم، وإذا لقوا الجبابرة وأبناء الدنيا أخذوا معهم بسهم، فكونوا من قراء الرحمن، بارك الله فيكم" (٣). أخبرنا محمد، قال: أخبرنا حمد، قال: أخبرنا أبو نعيم، قال: حدثنا الحسين بن محمد بن العباس الفقيه، قال: نا أحمد بن محمد الخلال، وقال: حدثنا أبو حاتم، قال: حدثنا هُدبة، قال: نا حزم، قال: سمعت مالك بن دينار يقول: "إنكم في زمان أشهب لا يبصر زمانكم إلا البصير، فإنكم في زمان كثير تفاحشهم، قد انتفخت

стр. 460

ألسنتهم في أفواههم، فطلبوا الدنيا بعمل الآخرة، فاحذروهم على أنفسكم لا يوقعوكم في شبكاتهم! " (١). أخبرنا محمد بن ناصر وابن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: نا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني مهنا الشامي، قال: نا ضمرة، عن سعيد بن شِبْل، قال: "نظر مالك بن دينار إلى شاب ملازم المسجد فجلس إليه، فقال له: هل لك أن أكلم لك بعض العشارين (٢) يجرون عليك شيئًا وتكون معهم؟ قال: ما شئتَ يا أبا يحيى. قال: فأخذ كفًّا من تراب فوضعه على رأسه" (٣). أخبرنا المحمدان قالا: أخبرنا حمد، قال: أخبرنا أحمد، قال: أخبرنا فاروق بن عبد الكبير الخطابي، قال: نا هشام بن علي السِّيرافي، قال: نا فِطر بن حماد بن واقد، قال: نا أبي، قال: نا مالك بن دينار، قال: كان فتى يتقرى فكان يأتيني، فابتلي فوَلِي الجسرَ، فبينما هو يصلي إذ مرت سفينة فيها بَطٌّ، فنادى بعض أعوانه: قَرِّب لنأخذ للعامل بطة. فأشار بيده: سبحان الله، أي: بطتين، قال: فكان أبي إذا حدث بهذا الحديث بكى وأضحك الجلساء (٤). أخبرنا أبو بكر بن حبيب، قال: أخبرنا أبو سعد بن أبي صادق، قال: أخبرنا ابن باكويه، قال: سمعت محمد بن خفيف يقول: قلت لرويم: أوصني! فقال: هو بذل الروح، وإلا فلا تشتغل بترهات الصوفية (٥).

стр. 461

أخبرنا ابن ناصر، قال: أبو عبد الله الحميدي، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد الأردستاني، قال: نا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت أبي، يقول: بلغني أن رجلًا قال للشبلي: قد ورد جماعة من أصحابك وهم في الجامع، فمضى فرأى عليهم المرقعات والفوط، فأنشأ يقول (١): أما الخيامُ فإنها كخيامهم … وأرى نساء الحي غير نسائها (٢) قال المصنف: قلت: واعلم أن هذه البهرجة في تشبه هؤلاء بأولئك لا تخفى إلا على غبي في الغاية! فأما أهل الفطنة فيعلمون أنه تنميس بارد، والأمر في ذلك على نحو قول الشاعر (٣): تَشَبَّهَتْ حورُ الظباءِ بِهِمُ … إن سكنتْ فيكَ ولا مِثْلُ سكنْ أصامتٌ بناطقٍ ونافرٌ … بآنسٍ وذو خلا بذي شجنْ مُشْتَبِهٌ أعرِفُهُ وإنما … مغالطًا قلتُ لصحبي: دَارُ مَنْ فصل وأنا أكره لبس الفوط والمرقعات لأربعة أوجه: ° أحدها: أنه ليس من لباس السلف، وإنما كانوا يرقعون ضرورة. ° والثاني: أنه يتضمن ادعاء الفقر، وقد أُمر الإنسان أن يظهر نعمة الله عليه (٤).

стр. 462

° والثالث: أنه إظهار للزهد، وقد أُمرنا بستره (١). ° والرابع: أنه تشبه بهؤلاء المتزحزحين (٢) عن الشريعة، ومن تشبه بقوم فهو منهم. وقد أخبرنا ابن الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: نا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا أبو النضر، قال: حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، قال: نا حسان بن عطية، عن أبي منيب الجرشي، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "من تشبه بقوم فهو منهم" (٣). وقد أنبأنا أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر، قال: أخبرني أبي، قال: لما دخلت بغداد في رحلتي الثانية قصدت الشيخ أبا محمد عبد الله بن أحمد السُّكري لأقرأ عليه أحاديث، وكان من المنكرين على هذه الطائفة، فأخذت في القراءة، فقال: أيها الشيخ لو كنت من هؤلاء الجهال الصوفية لعذرتك! أنت رجل من أهل العلم تشتغل بحديث رسول الله ﷺ وتسعى في طلبه. فقلت: أيها الشيخ، وأي شيء أنكرت علي حتى أنظر فإن كان له أصل في الشريعة لزمته، وإن لم يكن له أصل في الشريعة تركته؟ فقال: هذه الشوازك (٤) التي في مرقعتك؟ فقلت: أيها الشيخ هذه أسماء بنت أبي بكر

стр. 463

تخبر أن النبي ﷺ كان له جُبَّة مكفوفة الجيب والكُمَّين والفرجين بالديباج (١)، وإنما وقع الإنكار لأن هذه الشوازك ليست من جنس الثوب، والديباج ليس من جنس الجُبَّة، فاستدللنا بذلك على أن لهذا أصلًا في الشرع يجوز مثله (٢). قال المصنف: قلت: لقد أصاب السُّكري في إنكاره وقل فقه ابن طاهر في الرد عليه، فإن الجبة المكفوفة الجيب والكمين قد جرت العادة بلبسها، كذلك فلا شهرة في لبسها، فأما الشوازك فتجمع شهرة الصورة، وشهرة دعوى الزهد، وقد أخبرتك أنهم يقطعون الثياب الصحاح ليجعلوها شوازك لا عن ضرورة، يقصدون الشهوة لحسن ذلك والشهرة بالزهد؛ ولهذا وقعت الكراهة، وقد كرهها جماعة من مشايخهم لما بيَّنا: ° أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري، قال: أخبرنا أبو سعد بن أبي صادق، قال: حدثنا أبو عبد الله بن باكويه قال: سمعت الحسين بن أحمد الفارسي يقول: سمعت أبا الحسين بن هند يقول: سمعت جعفرًا الحذاء، يقول: لما فقدوا الفوائد من القلوب اشتغلوا بالظواهر وزينتها. يعني بذلك: أصحاب المصبغات والفوط (٣). ° أخبرنا ابن حبيب، قال: أخبرنا ابن أبي صادق، قال: نا ابن باكويه، قال: أخبرني أبو يعقوب الخرَّاط، قال: سمعت النوري يقول: كانت المرقعات غطاء على الدُّر، فصارت جيفًا على المزَابِل (٤). ° قال ابن باكويه: وأخبرني أبو الحسن الحنظلي، قال: نظر محمد بن علي الكتاني إلى أصحاب المرقعات فقال: إخواني إن كان لباسكم موافقًا لسرائركم لقد أحببتم أن يطلع الناس عليها، وإن كان مخالفًا لسرائركم فقد هلكتم ورب الكعبة (٥)!

стр. 464

° أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أنبأنا أبو بكر بن خلف، قال: حدثنا محمد بن الحسين السلمي، قال: سمعت نصر بن أبي نصر يقول: قال أبو عبد الله محمد بن عبد الخالق الدّينوري لبعض أصحابه: لا يعجبنك ما ترى من هذه اللبسة الظاهرة عليهم، فما زينوا الظواهر إلا بعد أن خربوا البواطن (١). ° قال ابن عقيل: دخلت يومًا الحمام فرأيت على بعض أوتاد المسلخ (٢) جُبَّةً مشوزكة مرقعة بفوط، فقلت للحمامي: أرى سلخ الحية فمن داخل؟ فذكر لي بعض من يتصفف للبلاء حوشًا للأموال. فصل وفي الصوفية من يرقع المرقعة حتى تصير كثيفة خارجة في الحد: أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، أخبرنا القاضي أبو محمد الحسن بن رامين الإستراباذي، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد الشيرازي، قال: أخبرنا جعفر الخلدي، قال: نا ابن حباب أبو الحسين صاحب ابن الكرنبي قال: أوصى ابن الكرنبي بمرقعته، فوزنت فرد كُمِّ من أكمامها فإذا فيه أحد عشر رطلًا، قال جعفر: وكانت المرقعات تسمى في ذلك الوقت الكبْل (٣) (٤). فصل وقد قرروا أن هذه المرقعة لا تلبس إلا من يد شيخ، وجعلوا لها إسنادًا متصلًا،

стр. 465

كله كذب ومحال (١)، وقد ذكر محمد بن طاهر في كتابه (٢) فقال: باب السنة في لبس الخرقة من يد الشيخ. فجعل هذا من السنة! واحتج بحديث أم خالد أن النبي ﷺ أُتي بثياب فيها خميصة (٣) سوداء فقال: "مَنْ ترون أكسو هذه؟ " فسكت القوم، فقال رسول الله ﷺ : "ائتوني بأم خالد"، قالت: فأُتي بي فألبسنيها بيده. وقال: "أبلي وأخلقي! " (٤). قال المصنف: قلت: إنما ألبسها رسول الله لكونها صبية، وكان أبوها خالد بن سعيد بن العاص وأمها هُمَيْنَة بنت خلف قد هاجرا إلى أرض الحبشة، فولدت لهما هناك أم خالد، واسمها [أمة] (٥)، ثم قدموا فأكرمها رسول الله ﷺ بذلك لصغر سنها وكما اتفق، فلا يصير هذا سنة، وما كان من عادة رسول الله إلباس الناس، ولا فعل هذا أحد من أصحابه وتابعيهم. ثم ليس من السنة عند الصوفية أن يلبس الصغير دون الكبير ولا أن تكون الخرقة سوداء، بل مرقعة أو فوط، فهلا جعلوا السنة إلباس الخرق السود كما في حديث أم خالد!

стр. 466

وذكر محمد بن طاهر في كتابه (١) فقال: باب السنة فيما يشترط الشيخ على المريد في لبس المرقعة. واحتج بحديث عبادة: "بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر" (٢)، فانظر إلى هذا الفقه الدقيق، وأين اشتراط الشيخ على المريد من اشتراط رسول الله الواجب الطاعة في البيعة الإسلامية اللازمة (٣)! فصل فأما لبسهم المصبغات فإنها إن كانت زرقاء فقد فاتهم فضيلة البياض، وإن كانت فوطًا فهو ثوب شهرة، وشهرته أكثر من شهرة الأزرق، وإن كانت مرقعة فهي أكثر شهرة من المرقع، وقد أمر الشرع بالثياب البيض ونهى عن لبس الشهرة: ° فأما أمره بالثياب البيض: ° أخبرنا هبة الله بن محمد، قال: أخبرنا الحسن بن علي التميمي، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا علي- يعني: ابن عاصم- قال: أخبرنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "البسوا من ثيابكم البيض؛ فإنها من خير ثيابكم، وكفِّنوا فيها موتاكم" (٤).

стр. 467

° قال عبد الله، وحدثني أبي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثني حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ ، قال: "البسوا الثياب البيض؛ فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم" (١). قال الترمذي (٢): هذان حديثان صحيحان، وفي الباب عن ابن عمر. قال: وهذا الذي يستحبه أهل العلم، وقال أحمد بن حنبل وإسحاق: أحب الثياب إلينا أن نكفن فيها البياض. وقد ذكر محمد بن طاهر في كتابه (٣) فقال: باب السنة في لبسهم المصبغات، واحتج بأن النبي ﷺ لبس حُلة حمراء (٤)، وأنه دخل يوم الفتح وعليه عمامة سوداء (٥). قال المصنف: قلت: ولا ينكر أن رسول الله ﷺ لبس هذا، ولا أن لُبسه جائز، وقد روي أنه كان تعجبه الحبرة (٦)، وإنما المَسْنُون الذي يأمر به ويدوم عليه، وقد كانوا

стр. 468

يلبسون الأحمر والأسود، فأما الفوط والمُرقع فإنه لباس شهرة. فصل ° فأما النهي عن لباس الشهرة وكراهته: ° فأخبرنا أبو منصور بن خيرون، قال: أنبأنا أبو بكر الخطيب، قال: أنا ابن رزقويه، قال: حدثنا جعفر بن محمد الخلدي، قال: حدثنا محمد بن عبد الله أبو جعفر الحضرمي، قال: حدثنا روح بن عبد المؤمن، قال: نا وكيع بن محُرز السامي، قال: نا عثمان بن جهم، عن زر بن حبيش، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ لبس ثوب شهرة أعرض الله عنه حتى يضعه" (١). ° أخبرنا عبد الحق بن عبد الخالق، قال: أنبأنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو الفرج الحسين بن علي الطناجيري وأنبأنا هبة الله بن محمد قال: أنبأنا الحسن بن علي التميمي، قالا: أخبرنا أبو حفص بن شاهين، قال: حدثنا خيثمة بن سليمان بن حيدرة، قال: نا محمد بن الهيثم، قال: نا أحمد بن أبي شعيب الحرَّاني، قال: حدثنا مخلد بن يزيد، عن أبي نعيم، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة وزيد بن ثابت، عن النبي ﷺ : أنه "نهى عن الشهرتين، فقيل: يا رسول الله وما الشُّهرتان؟ قال: رِقة الثياب وغلظها، ولينها وخشونتها، وطولها وقصرها، ولكن سِدادٌ بين ذلك واقتصاد" (٢).

стр. 469

° أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا محمد بن علي بن ميمون، قال: أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الغُنْدجاني، قال: أخبرنا أبو بكر بن عبدان، قال: نا محمد بن إسماعيل البخاري، قال: قال موسى: نا حماد بن سلمة، عن ليث، عن مهاجر، عن ابن عمر قال: "من لبس ثوبًا مشهورًا أذلّه الله يوم القيامة" (١). قال المصنف: وقد روي لنا مرفوعًا: فأخبرنا ابن الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا حجَّاج، قال: حدثنا شريك، عن عثمان بن أبي [زرعة] (٢)، عن مهاجر الشامي، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب المذلة يوم القيامة" (٣). أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار وعبد القادر بن محمد بن يوسف، قالا: أخبرنا أبو إسحاق البرمكي، قال: أخبرنا أبو بكر بن بُخَيْت، قال: حدثنا أبو جعفر بن ذَرِيح، قال: نا هناد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن ليث، عن [مهاجر بن عمرو] (٤)، عن ابن عمر قال: "من لبس شهرة من الثياب ألبسه الله ذلة" (٥).

стр. 470

° وعن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أبي الدرداء قال: "من ركب مشهورًا من الدواب، أو لبس مشهورًا من الثياب؛ أعرض الله عنه ما دام عليه، وإن كان عليه كريمًا" (١). قال المصنف: وقد روينا أن ابن عمر رأى على ابنه ثوبًا قبيحًا دونًا فقال: لا تلبس هذا، فإن هذا ثوب شهرة (٢). ° أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أخبرنا إسماعيل بن مسعدة، قال: أخبرنا حمزة بن يوسف، قال: أخبرنا أبو أحمد بن عدي، قال: نا أحمد بن محمد بن الهيثم الدوري، قال: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: حدثنا محمد بن مزاحم، قال: نا بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: شهدت مع رسول الله ﷺ فتح خيبر فكنت فيمن صعد الثَّلْمَة، فقاتلت حتى رؤي مكاني، وأتيت وعليَّ ثوب أحمر، فما أعلم أني ركبت في الإسلام ذنبًا أعظم منه؛ للشهرة (٣). ° وقال سفيان الثوري: كانوا يكرهون الشُّهرتين: الثياب الجياد التي يشتهر بها ويرفع الناس إليه فيها أبصارهم. والثياب الرديئة التي يحتقر فيها ويستذل (٤). ° وقال معمر: عاتبت أيوب على طول قميصه، فقال: إن الشهرة فيما مضى كانت في طوله، وهي اليوم في تشميره (٥).

стр. 471

فصل ومن الصوفية من يلبس الصوف ويحتج بأن النبي ﷺ لبس الصوف، وبما روي في فضيلة لبس الصوف. فأما لبس رسول الله ﷺ الصوف (١): فقد كان يلبسه في بعض الأوقات، ولم يكن لبسه شهرة عند العرب. وأما ما يروى في فضل لبسه: فمن الموضوعات التي لا يثبت منها شيء. ولا يخلو لابس الصوف من أحد أمرين: ° إما أن يكون متعودًا لُبس الصوف وما يجانسه من غليظ الثياب، فلا يكره ذلك له؛ لأنه لا يشتهر به. ° وإما أن يكون مترفًا لم يتعوده، فلا ينبغي له لبسه لوجهين: - أحدهما: أنه يحمل بذلك على نفسه ما لا تطيق ولا يجوز له ذلك. - والثاني: أنه يجمع بلبسه بين الشهرة وإظهار الزهد. وقد أخبرنا حمد بن منصور الهمذاني، قال: أخبرنا أبو علي أحمد بن سعد بن علي العجلي، قال: أخبرنا أبو ثابت [هجير] (٢) بن منصور بن علي الصوفي إجازة، قال: نا أبو محمد جعفر بن محمد بن [الحسن] (٣) بن إسماعيل الأبهري، قال: حدثنا ابن روزبة، قال: نا محمد بن إسماعيل بن محمد الطائي، قال: حدثنا بكر بن سهل الدمياطي، قال:

стр. 472

نا محمد بن عبد الله بن سليمان، قال: نا داود، قال: حدثنا عباد بن العوام، عن عباد بن كثير، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ لبس الصوف ليعرفه الناس كان حقًا على الله أن يكسوه ثوبًا من جَرَبٍ حتى تساقط عروقه" (١). أنبأنا زاهر بن طاهر قال: أنبأنا أبو عثمان الصابوني وأبو بكر البيهقي قالا: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم، قال: نا أبو إسحاق إبرإهيم بن محمد بن يحيى، قال: نا العباس بن منصور، قال: حدثنا سهل بن عمار، قال: حدثنا نوح بن عبد الرحمن الصيرفي، قال: حدثنا محمد بن عبيد الهمذاني، قال: حدثني عبّاد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الأرض لتعج إلى ربها من الذين يلبسون الصوف رياءً" (٢). أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا جعفر بن أحمد، قال: أخبرنا الحسن بن علي التميمي، قال: نا أحمد بن جعفر، قال: نا عبد الله بن أحمد، قال: حدثنا أبي، قال: نا عبد الصمد، قال: نا خالد بن شوذب قال: شهدت الحسن وأتاه فرقد، فأخذ الحسن بكسائه فمده إليه، وقال: يا فريقد، يا ابن أم فريقد، إن البر ليس في هذا الكساء، إنما البر ما وقر في الصدر وصدَّقه العمل (٣). أنبأنا محمد بن عبد الباقى، قال: أنبأنا أبو محمد الجوهري، قال: أنا أبو عمر بن حَيُّوَيْه، قال: أخبرنا أحمد بن معروف، قال: أخبرنا الحسين بن الفهم، قال: حدثنا

стр. 473

محمد بن سعد، قال: أخبرنا عمرو بن عاصم، قال: نا يزيد بن عوانة، قال: حدثنا أبو شداد المجاشعي قال: سمعتُ الحسن -وذُكِرَ عنده الذين يلبسون الصوف- فقال: ما لهم تفاقدوا ثلاثًا: أَكَنُّوا الكبر في قلوبهم، وأظهروا التواضع في لباسهم، والله لأحدهم أشد عجبًا بكسائه من صاحب المِطْرَف (١) بمِطْرَفه (٢). أنبأنا ابن الحصين، قال: أنبأنا أبو علي التميمي، قال: أخبرنا أبو حفص بن شاهين، قال: نا محمد بن سعيد بن يحيى البزوري، قال: حدثنا عبد الله بن أيوب المخرمي، قال: حدثنا عبد المجيد يعني ابن أبي رواد، عن ابن طهمان يعني إبراهيم، عن أبي مالك الكوفي، عن الحسن: أنه جاءه رجل ممن يلبس الصوف وعليه جبة صوف وعمامة صوف ورداء صوف، فجلس فوضع بصره في الأرض، فجعل لا يرفع رأسه، فكأن الحسنَ خال فيه العُجْبَ، فقال الحسن: ها إن قومًا جعلوا كِبْرَهُم في صدورهم، شَنَّعوا والله دينهم بهذا الصوف! ثم قال: إن رسول الله ﷺ كان يتعوذ من زيِّ المنافقين. قالوا: يا أبا سعيد وما زي المنافقين؟ قال: خشوع اللباس بغير خشوع القلب (٣). قال ابن عقيل: هذا كلام رجل قد عرف الناس ولم يغُرَّه اللباس، وقد رأينا الواحد من هؤلاء يلبس الجبة الصوف، فإذا قال له قائل: يا أبا فلان! ظهر منه ومن أوباشه الإنكار، فعلم أن الصوف قد عمل عند هؤلاء ما لا يعمله الديباج عند الأوباش.

стр. 474

أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد، قال: أخبرنا حمد بن أحمد الحداد، قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ، قال: نا أبو حامد بن جبلة، قال: نا محمد بن إسحاق، قال: نا إسماعيل بن أبي الحارث، قال: نا هارون بن معروف، عن ضمرة، قال: سمعت رجلًا يقول: قدم حماد بن أبي سليمان البصرة فجاءه فرقد السَّبَخي وعليه ثوب صوفي، فقال له حماد: ضع عنك نصرانيتك هذه، فلقد رأيتنا ننظر إبراهيم -يعني: النخعي- فخرج علينا وعليه معصفرة (١) (٢). أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نُعيم الحافظ، قال: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: نا إبراهيم بن شريك الأسدي، قال: نا شهاب بن عباد، قال: نا حماد، عن خالد الحذاء، أن أبا قلابة قال: إياكم وأصحاب الأكسية (٣) (٤)! أخبرنا محمد بن ناصر وعمر بن ظفر، قالا: أخبرنا محمد بن الحسن [الباقلاني] (٥)، قال: أخبرنا القاضي أبو العلاء الواسطي، قال: نا أبو نصر أحمد بن محمد النيازكي، قال: أخبرنا أبو الخير أحمد بن محمد البزار، قال: نا محمد بن إسماعيل البخاري، قال: حدثنا علي بن حجر، قال: نا صالح بن عمر الواسطي، عن أبي خلدة قال: جاء عبد الكريم أبو أمية إلى أبي العالية وعليه ثياب صوف، فقال له أبو العالية: إنما هذه ثياب الرهبان، إن كان المسلمون إذا تزاوروا تَجمَّلوا (٦).

стр. 475

أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الأصبهاني، قال: نا أبو محمد بن حيَّان، قال: نا أحمد بن الحسين الحذاء، قال: نا أحمد بن إبراهيم الدَّورقي، قال: نا الفيض بن إسحاق، قال: سمعت الفُضَيل يقول: تزيَّنتَ لهم بالصوف فلم ترهم يرفعون بك رأسًا، تزيَّنتَ لهم بالقرآن فلم ترهم يرفعون بك رأسًا، تزينت لهم بشيء بعد شيء، كل ذلك إنما هو لحبِّ الدنيا (١). أنبأنا ابن الحصين قال: أنبأنا ابن المذهب، قال: أخبرنا أبو حفص بن شاهين، قال: حدثنا إسماعيل بن علي، قال: أنا الحسن بن علي بن شبيب، قال: نا أحمد بن أبي الحواري، قال: قال أبو سليمان: "يلبس أحدهم عباءة بثلاثة دراهم ونصف، وشهوته في قلبه بخمسة دراهم، أما يستحي أن يجاوز شهوته لباسه، ولو ستر زهده بثوبين أبيضين من أبصار الناس كان أسلم له" (٢). قال أحمد بن أبي الحواري: قال لي سليمان بن أبي سليمان -وكان يعدل بأبيه-: أي شيء أرادوا بلباس الصوف؟ قلت: التواضع. قال: ما يتكبر أحدهم إلا إذا لبس الصوف (٣). أخبرنا المبارك بن أحمد الأنصاري، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد السمرقندي، قال: نا أبو بكر الخطيب، قال: أنا الحسن بن الحسين النعالي، قال: أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن رميح، قال: نا روح بن عبد المجيب، قال: نا أحمد بن عمر بن يونس، قال: أبصر الثوري رجلًا صوفيًا فقال له الثوري: لباسك هذا بدعة (٤).

стр. 476

أخبرنا محمد بن عبد الباقي، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ، قال: نا عبد المنعم بن عمر، قال: نا أحمد بن محمد بن زياد، قال: سمعت أبا داود يقول: قال سفيان الثوري لرجل عليه صوف: "لباسك هذا بدعة" (١). أنبأنا زاهر بن طاهر، قال: أنبأنا أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم، قال: أخبرني محمد بن عمر، قال: نا محمد بن المنذر، قال: سمعت أحمد بن شداد، يقول: سمعت الحسن بن الربيع، يقول: سمعت عبد الله بن المبارك يقول لرجل رأى عليه صوفًا مشهورًا: أكره هذا، أكره هذا (٢)! أخبرنا أبو بكر بن حبيب، قال: أخبرنا أبو سعد بن أبي صادق، قال: أخبرنا ابن باكويه، قال: أخبرني عبد الواحد بن بكر، قال: حدثنا علي بن أبي عثمان بن زهير، قال: نا عثمان بن أحمد، قال: نا الحسن بن عمرو، قال: سمعت بشر بن الحارث، يقول: دخل عليٌّ الموصلي على المعافى وعليه جُبَّة صوف، فقال له: ما هذه الشهرة يا أبا الحسن! فقال: يا أبا مسعود أخرج أنا وأنت، فانظر أينا أشهر. فقال له المعافى: ليس شهرة البدن كشهرة اللباس (٣). أخبرنا إسماعيل بن أبي بكر المقرئ، قال: أنا طاهر بن أحمد، قال: أخبرنا علي بن محمد بن بشران، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق، قال: نا الحسن بن عمرو، قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: دخل بُديل على أيوب السختياني وقد مدّ على فراشه سبنية (٤) حمراء تدفع الرياء، فقال له بديل: ما هذا؟ فقال أيوب: "هذا خير من الصوف الذي عليك" (٥).

стр. 477

أخبرنا أبو بكر بن حبيب، قال: أخبرنا أبو سعد بن أبي صادق، قال: أخبرنا أبو عبد الله بن باكويه، قال: حدثنا علان بن أحمد، قال: نا حبيب بن الحسن، قال: حدثنا الفضل بن أحمد، قال: نا محمد بن بشار، قال: سمعت بشر بن الحارث وسُئل عن لبس الصوف، فشقَّ عليه وتبيَّن الكرأهة في وجهه، ثم قال: "لبس الخزِّ والمعصفر أحبُّ إليَّ من لبس الصوف في الأمصار" (١). أخبرنا يحيى بن ثابت بن بُندار، قال: أخبرنا أبي، قال: أخبرنا الحسين بن علي الطَّناجيري، قال: أخبرنا أحمد بن منصور النُوشَري، قال: نا محمد بن مخلد، قال: حدثنا أحمد بن منصور، قال: حدثني يزيد السَّقا رفيق محمد بن إدريس الأنباري، قال: رأيتُ فتًى عليه مُسوحٌ قال: فقلت: من لبس ذا من العلماء؟ مَنْ فعل هذا من العلماء؟ قال: قد رآني بشر بن الحارث فلم ينكر عليَّ. قال يزيد: فذهبت إلى بشر فقلت له: يا أبا نصر رأيتُ فلانًا عليه جُبَّة مسوح فأنكرتُ عليه، فقال: قد رآني أبو نصر فلم ينكر عليَّ. قال: فقال لي بشر: لم يستشرني يا أبا خالد، لو قلتُ له لقال: لبس فلان، ولبس فلان (٢). أخبرنا حمد بن منصور الهمذاني، قال: أخبرنا أبو علي أحمد بن سعد بن علي العجلي، قال: أخبرنا أبو ثابت هجير بن منصور بن علي الصُّوفي إجازة، قال: أخبرنا أبو محمد جعفر بن محمد بن الحسين بن إسماعيل الصوفي، قال: حدثنا ابن روزبة، قال: أنا عبد الله بن أحمد بن بشر القنطري، قال: نا إبراهيم بن محمد الإمام، قال: نا هشام بن خالد، قال: سمعت أبا سليمان الدَّاراني يقول لرجل لبس الصوف: إنك قد أظهرت آلة الزاهدين، فماذا أورثك هذا الصوف؟ فسكت الرجل، فقال له: يكون ظاهرك قطنيًا وباطنك صوفيًا (٣).

стр. 478

أخبرنا يحيى بن علي المدير، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي الخياط، قال: أخبرنا الحسن بن الحسين بن حمكان، قال: سمعت أبا محمد الحسن بن عثمان بن عبدويه البزاز، يقول: سمعت أبا بكر بن الزيات البغدادي، يقول: سمعت ابن شيرويه يقول: دخل أبو محمد بن أخي معروف الكرخي على أبي الحسن بن بشار وعليه جبة صوف، فقال له أبو الحسن: يا أبا محمد صَوَّفتَ قلبك أو جسمك، صوِّفْ قلبك والبس القوهي (١) على القوهي (٢). أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك الحافظ، قال: أخبرنا جعفر بن أحمد بن السراج، قال: أخبرنا عبد العزيز بن حسن الضَّرَّاب، قال: نا أبي، قال: نا أحمد بن مروان، قال: نا أبو بكر بن أبي الدنيا، قال: نا أحمد بن سعيد، قال: سمعت النَّضر بن شميل يقول: قلت لبعض الصوفية: تبيع جُبَّتك الصوف؟ فقال: إذا باع الصيادُ شبكته بأي شيء يصطاد (٣). قال أبو جعفر بن جرير الطبري: ولقد أخطأ من آثر لباس الشَّعر والصوف على لباس القطن والكتان، مع وجود السَّبيل إليه من حلّه، ومن أكل البقول والعدس واختاره على خُبز البُرِّ، ومن ترك أكل اللحم خوفًا من عارض شهوة النساء (٤). فصل قال المصنف: وقد كان السلف يلبسون الثياب المتوسطة لا المرتفعة ولا الدون، ويتخيرون أجودها للجمعة والعيد ولقاء الإخوان، ولم يكن تخير الأجود عندهم قبيحًا.

стр. 479

وقد أخرج مسلم في صحيحه (١) من حديث عمر بن الخطاب، أنه رأى حُلة سِيَرَاءَ (٢) تباع عند باب المسجد، فقال: يا رسول الله لو اشتريتها ليوم الجمعة وللوفود إذا قدموا عليك، فقال رسول الله ﷺ : "إنما يلبس هذه من لا خلاق (٣) له في الآخرة". فما أنكر عليه ذِكر التجمُّل بها، وإنما أنكر عليه لكونها حريرًا. وقد ذكرنا عن أبي العالية أنه قال: "كان المسلمون إذا تزاوروا تجمَّلوا". أخبرنا أبو بكر بن عبد الباقي، قال: أنبأنا الحسن بن علي الجوهري، قال: أخبرنا أبو عمر بن حَيُّوَيْه، قال: أخبر نا أحمد بن معروف، قال: أخبر نا الحسين بن الفهم، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي، عن ابن عون، عن محمد قال: كان المهاجرون والأنصار يلبسون لباسًا مرتفعًا، وقد اشترى تميم الدَّاري حُلِّة بألف، ولكنه كان يصلي فيها (٤). قال ابن سعد: وأخبرنا عفان، قال: نا حماد بن زيد، قال: نا أيوب، عن محمد بن سيرين، أن تميمًا الدَّاري اشترى حُلَّة بألف درهم، فكان يقوم فيها بالليل إلى صلاته (٥). قال: ونا عفان، قال: نا حماد بن سلمة، عن ثابت، أن تميمًا الدَّاري كانت له حُلَّة قد ابتاعها بألف كان يلبسها الليلة التي تُرجى فيها ليلة القدر (٦).

стр. 480

قال: وأخبرنا الفضل بن دكين، قال: حدثنا همام، عن قتادة أن ابن سيرين أخبره أن تميمًا الدَّاري اشترى رداء بألف، فكان يصلي بأصحابه فيه (١). قال المصنف: قلت: وقد كان ابن مسعود من أجود الناس ثوبًا وأطيبهم ريحًا (٢)، وكان الحسن البصري يلبس الثياب الجياد، قال كلثوم ابن جوشن (٣): خرج الحسن وعليه جبة يمنية ورداء يمني، فنظر إليه فرقد، فقال: يا أستاذ، ينبغي لمثلك أن يكون هذا لباسه. فقال الحسن: يا ابن أم فرقد، أما علمت أن أكثر أصحاب النار أصحاب الأكسية (٤)! وكان مالك بن أنس يلبس الثياب العدنية الجياد (٥)، وكان ثوب أحمد بن حنبل يُشترى بنحو الدينار، وقد كانوا يؤثرون البذاذة إلى حدٍّ، وربما لبسوا خُلقان الثياب في بيوتهم، فإذا خرجوا تجمَّلوا ولبسوا ما لا يشتهرون به من الدون ولا من الأعلى. أخبرنا أحمد بن منصور الهمذاني، قال: أخبرنا أبو علي أحمد بن سعد بن علي العجلي، قال: أخبرنا أبو ثابت هجير بن منصور بن علي الصوفي إجازة، قال: أخبرنا

стр. 481

أبو محمد جعفر بن محمد بن الحسين بن إسماعيل الصوفي، قال: حدثنا ابن روزبة، قال: نا أبو سليمان محمد بن الحسين بن علي بن إبراهيم الحرَّاني، قال: حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة، قال: حدثنا محمد بن خلف، قال: نا عيسى بن حازم، قال: كان لباس إبراهيم بن أدهم كتّانًا قطنًا فروًا، لم أر عليه ثياب صوفٍ ولا ثياب شهرة (١). وأخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله، قال: سمعت محمد بن إبراهيم، يقول: سمعت محمد بن زبان يقول: رأى عليَّ ذو النون خفًّا أحمر فقال: انزع هذا يا بُني؛ فإنه شهرة، ما لبسه رسول الله، إنما لبس النبي ﷺ خفين أسودين ساذجين (٢). أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا محمد بن علي بن ميمون، قال: أخبرنا عبد الكريم بن محمد المحاملي، قال: أخبرنا علي بن عمر الدارقطني، قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن [سالم] (٣)، قال: أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن شبيب المدني، قال: حدثني الزبير عن أبي غزيَّة الأنصاري، عن فليح بن سليمان، عن الربيع بن يونس، قال: قال أبو جعفر المنصور: العُرْي الفادح خير من الزيِّ الفاضح (٤). فصل قال المصنف: واعلم أن اللباس الذي يُزري بصاحبه يتضمن إظهار الزهد، وإظهار الفقر، وكأنه لسان شكوى من الله تعالى، ويوجب احتقار اللابس، كل ذلك مكروه منهي عنه.

стр. 482

أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا علي بن الحسين بن أيوب، قال: أخبرنا أبو علي بن شاذان، قال: نا أبو بكر أحمد بن سلمان النَّجَّاد، قال: نا أبو بكر عبد الله بن محمد القرشي، قال: نا عبيد الله بن عمر القواريري، قال: نا هشام بن عبد الملك، قال: نا شعبة، عن [أبي] (١) إسحاق، عن أبي الأحوص، عن أبيه، قال: "أتيت رسول الله ﷺ وأنا قَشِفُ الهيئة، فقال: هل لك مالٌ؟ قلت: نعم. قال: من أي المال؟ قلت: من كل المال قد آتاني الله : من الإبل، والخيل، والرقيق، والغنم. قال: فإذا آتاك الله -جلَّ وعزَّ- مالًا فلير عليك" (٢). أخبرنا ابن الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: نا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: نا مسكين بن بُكير، قال: حدثني الأوزاعي، عن حسَّان بن عطية، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: أتانا رسول الله ﷺ زائرًا في منزلنا فرأى رجلًا شعثًا، فقال: "أما كلان يجد هذا ما يسكن به رأسه؟! "، ورأى رجلًا عليه ثياب وسخة، فقال: "أما كان يجد هذا ما يغسلُ به ثيابه؟! " (٣). أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك ومحمد بن ناصر، قالا: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري وأبو القاسم علي بن المحسِّن التنوخي، قالا: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حَيُّوَيْه، قال: نا أبو بكر بن الأنباري، قال: حدثني أبي، قال: نا أبو عكرمة الضَّبي، قال: نا مسعود بن بشر، عن

стр. 483

أبي عبيدة معمر بن المثنى، قال: مضى علي بن أبي طالب ﵁ إلى الربيع بن زياد يعوده، فقال له: يا أمير المؤمنين، أشكو إليك عاصمًا أخي. قال: ما شأنه؟ قال: ترك الملاذ، ولبس العباءة فَغَمَّ أهله، وحزن ولده. فقال: عليَّ عاصمًا! فلما حضر سُرَّ في وجهه وقال: أترى الله أحل لك الدنيا وهو يكره أخذك منها؟! أنت والله أهون على الله من ذلك، فوالله لابتذالك نِعم الله بالفعال أحب إليه من ابتذالك إياها بالمقال. فقال: يا أمير المؤمنين، إني أراك تؤثر لبس الخشن وأكل الخشن. فتنفس الصعداء، ثم قال: ويحك يا عاصم! إن الله افترض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بالعوام؛ لئلا يتّبغ بالفقير فقره. قال أبو بكر بن الأنباري: العنى: لئلا يزيد ويغلو، يقال: تَبَيَّغَ به الدم (١)، إذا زاد وجاوز الحد (٢). فصل قال المصنف: فإن قال قائل: تجويد اللباس هوًى للنفس وقد أُمرنا بمجاهدتها، وتزيُّن للخلق وقد أُمرنا أن تكون أفعالنا لله لا للخلق. فالجواب: أنه ليس كل ما تهواه النفس يُذمُّ، ولا كل التزين للناس يكره، وإنما ينهى عن ذلك إذا كان الشرع قد نهى عنه، أو كان على وجه الرِّياء في باب الدين، فإن الإنسان يُحبُّ أن يُرى جميلًا وذلك حظ النفس لا يلام فيه، ولهذا يسرح شعره، وينظر في المرآة، ويُسوِّي عمامته، ويلبس بطانة الثوب الخشنة إلى داخل، وظهارته الحسنة إلى خارج، وليس في شيء من هذا ما يُكرهُ ولا يُذمُّ.

стр. 484

أخبرنا المبارك بن علي الصَّيرفي، قال: أخبرنا علي بن محمد بن العلاف، قال: أخبرنا عبد الملك بن محمد بن بشران، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم الكندي، قال: أخبرنا محمد بن جعفر الخرائطي، قال: نا بنان بن سليمان، قال: نا عبد الرحمن بن هانئ، عن العلاء بن كثير، عن مكحول، عن عائشة قالت: كان نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرونه على الباب فخرج يريدهم، وفي الدار ركوة فيها ماء، فجعل ينظر في الماء ويسوِّي شعره ولحيته، فقلت: يا رسول الله وأنت تفعل هذا؟ قال: "نعم، إذا خرج الرجل إلى إخوانه فليهيئ من نفسه؛ فإن الله جميل يحب الجمال" (١). أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أنبأنا عبد المحسن بن محمد بن علي، قال: نا مسعود بن ناصر بن أبي زيد، قال: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن أحمد، قال: نا أبو القاسم عبد الله بن أحمد الفقيه، قال: أخبرنا الحسن بن سفيان، قال: نا عبد الرحمن بن صالح، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العَرْزمي، عن أبيه، عن أم كلثوم، عن عائشة ﵁ قالت: "خرج رسول الله ﷺ فمرّ بركوة لنا فيها ماء، فنظر إلى ظِلّهِ فيها، ثم سوَّى لحيته ورأسه ثم مضى، فلما رجع قلت: يا رسول الله تفعل هذا؟ قال: وأيّ شيء فعلتُ؟ نظرت في ظل الماء فهيَّأت من لحيتي ورأسي، لا بأس أن يفعله الرجل المسلم إذا خرج إلى إخوانه يُهيئ من نفسه" (٢). قال المصنف: فإن قيل: فما وجه ما رويتم عن سري السقطي أنه قال: لو أحسست بإنسان يدخل عليَّ فقلت كذا بلحيتي -وأمرَّ يده على لحيته كأنه يريد أن يسويها من أجل دخول الداخل عليه- لخشيتُ أن يعذبني الله على ذلك بالنار (٣)؟

стр. 485

فالجواب: أن هذا محمول منه على أنه كان يقصد بذلك الرياء في باب الدين من إظهار التخشع وغيره، فأما إذا قصد تحسين صورته لئلا يُرى منه ما لا يستحسن فإن ذلك غير مذموم، فمن اعتقد ذلك مذمومًا فما عرف الرياء ولا فهم المذموم! أخبرنا سعد الخير بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا علي بن عبد الله بن محمد النيسابوري، قال: أخبرنا أبو الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي، قال: أخبرنا محمد بن عيسى بن عمرويه، قال: نا إبراهيم بن محمد بن سفيان، قال: نا مسلم بن الحجاج، قال: نا محمد بن مثنى، قال: حدثني يحيى بن حماد، قال: أخبرنا شعبة، عن أبان بن [تغلب] (١)، عن فضيل الفقيمي، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر"، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة، قال: "إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس"، انفرد بإخراجه مسلم، ومعناه: الكِبْرُ كِبْرُ من بطر الحق (٢)، وغمط: بمعنى ازدرى واحتقر (٣) (٤). فصل قال المصنف: وقد كان في الصوفية من يلبس الثياب المرتفعة: وأخبرنا محمد بن ناصر، قال: أنبأنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن أبي الصقر، قال: أخبرنا علي بن الحسن بن حجاف، قال: قال أبو عبد الله أحمد بن عطاء: كان

стр. 486

أبو العباس بن عطاء يلبس المرتفع من البزِّ كالدَّبيقي (١)، ويُسَبَّجُ بِسُبُجِ (٢) اللؤلؤ، ويؤثر ما طال من الثياب (٣). قال المصنف: قلت: وهذا في الشهرة كالمرقعات، وإنما ينبغي أن تكون ثياب أهل الخير وسطًا، فانظر إلى الشيطان كيف يتلاعب بهؤلاء بين طرفي نقيض! فصل قال المصنف: وقد كان في الصوفية من إذا لبس ثوبًا خرق بعضه، وربما أفسد الثوب الرفيع القدر: • أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرني الحسن بن غالب المقري، قال: سمعت عيسى بن علي الوزير، يقول: كان ابن مجاهد يومًا عند أبي، فقيل له: الشِّبلي؟ فقال: يدخل، فقال ابن مجاهد: سأسكته الساعة بين يديك. وكان من عادة الشبلي إذا لبس شيئًا خرق فيه موضعًا، فلما جلس، قال له ابن مجاهد: يا أبا بكر أين في العلم فساد ما ينتفع به؟ فقال له الشبلي: أين في العلم: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٣]! قال فسكت ابن مجاهد، فقال له أبي: أردت أن تسكته فأسكتك. ثم قال له: قد أجمع الناس أنك مقرئ الوقت، أين في القرآن: الحبيب لا يُعذِّب حبيبه؟ قال: فسكت ابن مجاهد، فقال

стр. 487

له أبي: قل يا أبا بكر، فقال قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨]، فقال ابن مجاهد: كأنني ما سمعتها قط (١)! قال المصنف: قلت: هذه الحكاية أنا مرتابٌ بصحتها؛ لأن الحسن بن غالب كان لا يوثق به؛ أخبرنا القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: ادَّعى الحسن بن غالب أشياء تبيَّن فيها كذبه واختلاقه (٢). فإن كانت صحيحة فقد أبانت عن قلة فهم الشبلي حين احتج بهذه الآية، وقلة فهم ابن مجاهد حين سكت عن جوابه، وذلك أن قوله: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ ليس بإفساد؛ لأنه لا يجوز أن ينسب إلى نبي معصوم أنه فعل الفساد (٣).

стр. 488

والمفسرون قد اختلفوا في معنى الآية: ° فمنهم من قال: مسح على أعناقها وسوقها، وقال: أنتِ في سبيل الله، فهذا إصلاح. ° ومنهم من قال: عقرها، وذبحُ الخيل وأكلُ لحمها جائز، فما فعل شيئًا عليه فيه جناح. فأما إفساد ثوب صحيح لا لغرض صحيح فإنه لا يجوز، ومن الجائز أن يكون في شريعة سليمان جواز ما فعل ولا يكون في شرعنا. • أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ، قال: أنبأنا محمد بن أحمد بن أبي الصقر، قال: أخبرنا علي بن الحسن بن حجاف الدمشقي، قال: قال أبو عبد الله أحمد بن عطاء: كان مذهب أبي علي الروذباري تخريق أكمامه وتفتيق قميصه، قال: وكان يخرق الثوب المُثَمَّن فيرتدي بنصفه ويأتزر بنصفه، حتى إنه دخل الحمام يومًا وعليه ثوب فلم يكن مع أصحابه ما يأتزرون به، فقطعه على عددهم فاتزروا به، وتقدم إليهم أن يدفعوا الخِرَق إذا خرجوا إلى الحمامي. قال ابن عطاء: قال لي أبو سعيد الكازروني: كنت معه في هذا اليوم، وكان الرداء الذي قطعه يقوم بنحو ثلاثين دينارًا (١). قال المصنف: ونظير هذا التفريط ما أنبأنا به زاهر بن طاهر قال: أنبأنا أبو بكر البيهقي، قال: أنا أبو عبد الله الحاكم، قال: سمعت عبد الله بن يوسف، يقول: سمعت أبا الحسن البوشنجي، يقول: كانت لي قُبَّجَة (٢) طلبت بمائة درهم، فحضرني ليلةً غريبان، فقلت للوالدة: عندك شيء لضيفيَّ؟ قالت: لا، إلا الخبز. فذبحت القُبَّجة وقدمتها إليهما (٣).

стр. 489

قال المصنف: قلت: قد كان يمكنه أن يستقرض ثم يبيعها ويعطي، فلقد فَرَّط! • أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد، قال: أنبأنا رزق الله بن عبد الوهاب، قال: أنبأنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت جدِّي يقول: دخل أبو الحسين الدَّرَّاج البغدادي الرَّيَّ، وكان يحتاج إلى لفات لرجله، فدفع إليه رجل منديلًا دبيقيًّا فشقَّه بنصفين وتلفَّف به، فقيل له: لو بعته واشتريت به لفافًا وأنفقتَ الباقي! فقال: أنا لا أخون المذهب (١). • قال المصنف: وقد كان أحمد الغزالي ببغداد، فخرج إلى المحوّل فوقف على ناعورة (٢) تَئِنُّ، فرمى طيلسانه عليها فدارت فتقطع الطيلسان (٣). وقال المصنف: قلت: فانظر إلى هذا الجهل والتفريط والبعد من العلم! فإنه قد صح عن رسول الله ﷺ أنه "نهى عن إضاعة المال" (٤) ولو أن رجلًا قطع دينارًا صحيحًا وأنفقه كان عند الفقهاء مفرطا، فكيف بهذا التبذير المحرَّم! ونظير هذا تمزيقهم الثياب المطروحة عند الوجد على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى، ثم يدَّعون أن هذه حالة، ولا خير في حالة تنافي الشرع (٥)، أفتراهم عبيد

стр. 490

نفوسهم أم أمروا أن يعملوا بآرائهم؟! ولئن كانوا عرفوا أنهم يخالفون الشرع بهذا ثم فعلوه إنه لعنادٌ، وإن كانوا لا يعتقدون فإنه لجهل شديد. • أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمد بن أحمد قال: أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: سمعت محمد بن الحسين، يقول: سمعت عبد الله الرازي يقول: لما تغيَّر الحال على أبي عثمان وقت وفاته، مزَّق ابنه أبو بكر قميصًا كان عليه، ففتح أبو عثمان عينه، وقال: يا بني خلاف السنة في الظاهر من (١) رياء باطن في القلب (٢). فصل قال المصنف: وفي الصوفية من يبالغ في تقصير ثوبه وذلك شهرة أيضًا. أخبرنا ابن الحصين، قال: أخبرنا ابن الذهب، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: نا محمد بن أبي عدي، عن شعبة، عن العلاء، عن أبيه، سمع أبا سعيد: سُئل عن الإزار؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إزار المسلم إلى أنصاف السَّاقين، لا جناح أو لا حرج عليه ما بينه وبين الكعبين، ما كان أسفل من ذلك فهو في النار" (٣). أخبرنا المحمدان: ابن ناصر وابن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله، قال: نا أبو حامد بن جبلة، قال: حدثنا محمد بن

стр. 491

إسحاق، قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: كتب إليَّ عبد الرزاق عن معمر قال: كان في قميص أيوب بعض التذييل، فقيل له: فقال: الشهرة اليوم في التشمير (١). وقد روى إسحاق بن إبراهيم بن هانئ، قال: دخلت يومًا على أبي عبد الله أحمد بن حنبل وعليَّ قميص قصير أسفل من الرُّكبة وفوق الساق، فقال: أي شيء هذا! وأنكره، وقال: هذا بمرة لا ينبغي. فصل وقد كان في الصوفية مَنْ يجعل على رأسه خرقة مكان العمامة، وهذا أيضا شهرة؛ لأنه على خلاف لباس أهل البلد، وكل ما فيه شهرة فهو مكروه. أخبرنا يحيى بن ثابت بن بُندار، قال: أخبرنا أبي، قال: أخبرنا الحسين بن علي الطناجيري، قال: أخبرنا أحمد بن منصور النوشري، قال: نا محمد بن نحلد، قال: حدثني محمد بن يوسف، قال: قال عباس بن عبد العظيم العنبري، قال بشر بن الحارث: إن ابن المبارك دخل المسجد يوم جمعة وعليه قلنسوة، فنظر إلى الناس ليس عليهم قلانس فأخذها فوضعها في كُمه (٢). فصل وقد كان في الصوفية من يستكثر من الثياب وسوسة، فيجعل للخلاء ثوبًا وللصلاة ثوبًا، وقد رُوي هذا عن جماعة، منهم: أبو يزيد، وهذا لا بأس به (٣) إلا أنه لا

стр. 492

ينبغي أن يتخذ سنة. أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن عبد الوهاب، قال: نا محمد بن إسحاق النيسابوري، قال: نا محمد بن الصباح، قال: نا حاتم -يعني: ابن إسماعيل-، قال: حدثني جعفر، عن أبيه، أن علي بن الحسين قال: يا بني لو اتخذت ثوبًا للغائط؛ رأيت الذباب يقع على الشيء، ثم يقع عليَّ، ثم أتيته، فقال: ما كان لرسول الله ﷺ ولأصحابه إلا ثوب. فرفضه (١). فصل قال المصنف: وقد كان فيهم من لا يكون له سوى ثوب واحد؛ زهدًا في الدنيا، وهذا حسن إلا أنه إذا أمكن اتخاذ ثوب للجمعة والعيد كان أحسن وأصلح. أخبرنا عبد الأول بن عيسى، قال: نا عبد الرحمن بن محمد بن المظفر، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حمويه، قال: أخبرنا إبراهيم بن خزيم، قال: حدثنا عبد بن حميد، قال: حدثني ابن أبي شيبة، قال: نا محمد بن عمر، عن عبد الحميد بن جعفر، عن محمد بن يحعى بن حبان، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه، قال: خطبنا رسول الله ﷺ في يوم جمعةٍ فقال: "ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم جمعة سوى ثوب مهنته" (٢). أخبرنا محمد بن عبد الباقي البزاز، قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا أبو عمر بن حَيُّوَيْه، قال: أخبرنا أحمد بن معروف الخشَّاب، قال: أخبرنا الحارث بن

стр. 493

أبي أسامة، قال: نا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد [عن] (١) عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، الزِّناد، عن عبد المجيد بن سهيل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: محمد ابن عمر: وحدثني غير محمد بن عبد الرحمن أيضًا ببعض ذلك، قالوا: "كان لرسول الله ﷺ بُرد يمنية وإزار من نسج عمان، فكان يلبسهما في يوم الجمعة ويوم العيد ثم يطويان" (٢). ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في مطاعمهم ومشاربهم قال المصنف: قد بالغ إبليس في تلبيسه على قدماء الصوفية، فأمرهم تقليل المطعم وخشونته، ومنعهم شرب الماء البارد، فلما بلغ إلى المتأخرين استراح من التعب، واشتغل بالتعجب من كثرة أكلهم ورفاهية عيشهم! ذكر طرف مما فعله قدماؤهم: قال المصنف: كان في القوم من يبقى الأيام لا يأكل إلا أن تضعف قوته، وفيهم من يتناول كل يوم الشيء اليسير الذي لا يقيم البدن. • فرُوي لنا عن سهل بن عبد الله أنه كان في بدايته يشتري بدرهم دِبسًا، وبدرهم سمنًا، وبدرهم دقيق الأرز، فيخلطه ويجعله ثلاثمائة وستين كرة، فيفطر كل ليلة على واحدة (٣)، وحكى عنه أبو حامد الطوسي قال: كان سهل يقتات ورق النبق مدة، وأكل دقاق ورق التبن مدة ثلاث سنين، واقتات بثلاثة دراهم في ثلاث سنين (٤).

стр. 494

• أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري، قال: أخبرنا أبو سعد بن أبي صادق، قال: أخبرنا ابن باكويه، قال: حدثني أبو الفرج بن حمزة التكريتي، قال: حدثني أبو عبد الله الحُصري، قال: سمعت أبا جعفر الحذاء يقول: أشرف عليَّ أبو تراب يومًا وأنا على بركة ماء ولي ستة عشر يومًا لم آكل شيئًا ولم أشرب فيها ماء، فقال: ما جلوسك هاهنا؟ فقلت: أنا بين العلم واليقين، وأنا أنظر من يغلب فأكون معه. فقال: سيكون لك شأن (١). • أخبرنا أبو بكر بن حبيب، قال: أخبرنا ابن أبي صادق، قال: نا ابن باكويه، قال: أنا عبد العزيز بن الفضل، قال: نا علي بن عبد الله العمري، قال: نا محمد بن فليح، قال: حدثني إبراهيم بن البنا البغدادي، قال: صحبت ذا النون من إخميم إلى الإسكندرية، فلما كان وقت إفطاره أخرجت قرصًا وملحًا كان معي، وقلت: هلُمَّ! فقال لي: ملحك مدقوق؟ قلت: نعم، قال: لست تفلح! فنظرت إلى مِزْوَدِهِ وإذا فيه قليل سويق شعير يَسْتَفُّ منه (٢). • أخبرنا ابن ظفر، قال: أخبرنا ابن السَّراج، قال: أخبرنا عبد العزيز بن علي الأزجي، قال: أنا ابن جهضم، قال: نا محمد بن عيسى بن هارون الدقاق، قال: نا أحمد بن أنس، قال: نا ابن أبي الحواري، قال: سمعت أبا سليمان يقول: الزُّبد بالعسل إسراف (٣). • قال ابن جهضم: وحدثنا محمد بن يوسف البصري، قال: سمعت أبا سعيد صاحب سهل يقول: بلغ أبا عبد الله الزبيري وزكريا الساجي وابن أبي أوفى أن

стр. 495

سهل بن عبد الله يقول: أنا حُجَّة الله على الخلق. فاجتمعوا عنده فأقبل عليه الزبيري فقال له: بلغنا أنك قلت: أنا حجة الله على الخلق، فبماذا؟ أنبيٌّ أنت؟ صِدِّيقٌ أنت؟ قال سهل: لم أذهب حيث تظن، ولكن إنما قلت هذا لأخذي الحلال، فتعالوا كلكم حتى نصحح الحلال! قال: فأنت قد صححته؟ قال: نعم. قال فكيف؟ قال سهل: قسمت معرفتي وعقلي وقوتي على سبعة أجزاء، فأترك حتى يذهب منها ستة أجزاء ويبقى جزء واحد، فإذا خفت أن يذهب ذلك الجزء وتتلف معه نفسي خفت أن أكون قد أعنت عليها أو قتلتها، دفعت إليها من البُلغة ما يرد الستة الأجزاء (١). • أخبرنا ابن حبيب، قال: أخبرنا ابن أبي صادق، قال: أخبرنا ابن باكويه، قال: أخبرني أبو عبد الله بن مفلح، قال: أخبرني أبي، قال: أخبرني أبو عبد الله بن ونده، قال: منذ أربعين سنة ما أطعمت نفسي طعامًا إلا في وقت ما أحلَّ اللهُ لها الميتة (٢). • أخبرنا ابن ناصر، قال: أنبأنا أبو الفضل محمد بن علي بن أحمد السهلكي، قال: حدثني أبو الحسن علي بن محمد القوهي، قال: نا عيسى بن محمد عن أبيه محمد بن عيسى، قال: نا موسى بن عيسى، قال: نا عيسى بن آدم بن أخي أبي يزيد، قال: جاء رجل إلى أبي يزيد فقال له: أريد أن أجلس في مجلسك الذي أنت فيه. قال: لا تطيق ذلك. فقال: إن رأيت أن توسع لي في ذلك. فأذن له فجلس يومًا لا يطعم فصبر، فلما كان في اليوم الثاني قال له: يا أستاذ نريد القوت! قال: يا غلام، القوت عندنا الله. فقال: يا أستاذ، لابد مما لابد منه. فقال: يا غلام، لابد من الله. قال: يا أستاذ، أريد شيئًا يقيم جسمي في طاعة الله تعالى. فقال: يا غلام، إن الأجسام لا تقوم إلا بالله (٣).
следующие страницы →