← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11302

تلبيس إبليس - ت المزيد والسحيباني

ابن الجوزي

Полный текст (915 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

إسحاق، قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: كتب إليَّ عبد الرزاق عن معمر قال: كان في قميص أيوب بعض التذييل، فقيل له: فقال: الشهرة اليوم في التشمير (١). وقد روى إسحاق بن إبراهيم بن هانئ، قال: دخلت يومًا على أبي عبد الله أحمد بن حنبل وعليَّ قميص قصير أسفل من الرُّكبة وفوق الساق، فقال: أي شيء هذا! وأنكره، وقال: هذا بمرة لا ينبغي. فصل وقد كان في الصوفية مَنْ يجعل على رأسه خرقة مكان العمامة، وهذا أيضا شهرة؛ لأنه على خلاف لباس أهل البلد، وكل ما فيه شهرة فهو مكروه. أخبرنا يحيى بن ثابت بن بُندار، قال: أخبرنا أبي، قال: أخبرنا الحسين بن علي الطناجيري، قال: أخبرنا أحمد بن منصور النوشري، قال: نا محمد بن نحلد، قال: حدثني محمد بن يوسف، قال: قال عباس بن عبد العظيم العنبري، قال بشر بن الحارث: إن ابن المبارك دخل المسجد يوم جمعة وعليه قلنسوة، فنظر إلى الناس ليس عليهم قلانس فأخذها فوضعها في كُمه (٢). فصل وقد كان في الصوفية من يستكثر من الثياب وسوسة، فيجعل للخلاء ثوبًا وللصلاة ثوبًا، وقد رُوي هذا عن جماعة، منهم: أبو يزيد، وهذا لا بأس به (٣) إلا أنه لا

стр. 492

ينبغي أن يتخذ سنة. أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن عبد الوهاب، قال: نا محمد بن إسحاق النيسابوري، قال: نا محمد بن الصباح، قال: نا حاتم -يعني: ابن إسماعيل-، قال: حدثني جعفر، عن أبيه، أن علي بن الحسين قال: يا بني لو اتخذت ثوبًا للغائط؛ رأيت الذباب يقع على الشيء، ثم يقع عليَّ، ثم أتيته، فقال: ما كان لرسول الله ﷺ ولأصحابه إلا ثوب. فرفضه (١). فصل قال المصنف: وقد كان فيهم من لا يكون له سوى ثوب واحد؛ زهدًا في الدنيا، وهذا حسن إلا أنه إذا أمكن اتخاذ ثوب للجمعة والعيد كان أحسن وأصلح. أخبرنا عبد الأول بن عيسى، قال: نا عبد الرحمن بن محمد بن المظفر، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حمويه، قال: أخبرنا إبراهيم بن خزيم، قال: حدثنا عبد بن حميد، قال: حدثني ابن أبي شيبة، قال: نا محمد بن عمر، عن عبد الحميد بن جعفر، عن محمد بن يحعى بن حبان، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه، قال: خطبنا رسول الله ﷺ في يوم جمعةٍ فقال: "ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم جمعة سوى ثوب مهنته" (٢). أخبرنا محمد بن عبد الباقي البزاز، قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا أبو عمر بن حَيُّوَيْه، قال: أخبرنا أحمد بن معروف الخشَّاب، قال: أخبرنا الحارث بن

стр. 493

أبي أسامة، قال: نا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد [عن] (١) عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، الزِّناد، عن عبد المجيد بن سهيل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: محمد ابن عمر: وحدثني غير محمد بن عبد الرحمن أيضًا ببعض ذلك، قالوا: "كان لرسول الله ﷺ بُرد يمنية وإزار من نسج عمان، فكان يلبسهما في يوم الجمعة ويوم العيد ثم يطويان" (٢). ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في مطاعمهم ومشاربهم قال المصنف: قد بالغ إبليس في تلبيسه على قدماء الصوفية، فأمرهم تقليل المطعم وخشونته، ومنعهم شرب الماء البارد، فلما بلغ إلى المتأخرين استراح من التعب، واشتغل بالتعجب من كثرة أكلهم ورفاهية عيشهم! ذكر طرف مما فعله قدماؤهم: قال المصنف: كان في القوم من يبقى الأيام لا يأكل إلا أن تضعف قوته، وفيهم من يتناول كل يوم الشيء اليسير الذي لا يقيم البدن. • فرُوي لنا عن سهل بن عبد الله أنه كان في بدايته يشتري بدرهم دِبسًا، وبدرهم سمنًا، وبدرهم دقيق الأرز، فيخلطه ويجعله ثلاثمائة وستين كرة، فيفطر كل ليلة على واحدة (٣)، وحكى عنه أبو حامد الطوسي قال: كان سهل يقتات ورق النبق مدة، وأكل دقاق ورق التبن مدة ثلاث سنين، واقتات بثلاثة دراهم في ثلاث سنين (٤).

стр. 494

• أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري، قال: أخبرنا أبو سعد بن أبي صادق، قال: أخبرنا ابن باكويه، قال: حدثني أبو الفرج بن حمزة التكريتي، قال: حدثني أبو عبد الله الحُصري، قال: سمعت أبا جعفر الحذاء يقول: أشرف عليَّ أبو تراب يومًا وأنا على بركة ماء ولي ستة عشر يومًا لم آكل شيئًا ولم أشرب فيها ماء، فقال: ما جلوسك هاهنا؟ فقلت: أنا بين العلم واليقين، وأنا أنظر من يغلب فأكون معه. فقال: سيكون لك شأن (١). • أخبرنا أبو بكر بن حبيب، قال: أخبرنا ابن أبي صادق، قال: نا ابن باكويه، قال: أنا عبد العزيز بن الفضل، قال: نا علي بن عبد الله العمري، قال: نا محمد بن فليح، قال: حدثني إبراهيم بن البنا البغدادي، قال: صحبت ذا النون من إخميم إلى الإسكندرية، فلما كان وقت إفطاره أخرجت قرصًا وملحًا كان معي، وقلت: هلُمَّ! فقال لي: ملحك مدقوق؟ قلت: نعم، قال: لست تفلح! فنظرت إلى مِزْوَدِهِ وإذا فيه قليل سويق شعير يَسْتَفُّ منه (٢). • أخبرنا ابن ظفر، قال: أخبرنا ابن السَّراج، قال: أخبرنا عبد العزيز بن علي الأزجي، قال: أنا ابن جهضم، قال: نا محمد بن عيسى بن هارون الدقاق، قال: نا أحمد بن أنس، قال: نا ابن أبي الحواري، قال: سمعت أبا سليمان يقول: الزُّبد بالعسل إسراف (٣). • قال ابن جهضم: وحدثنا محمد بن يوسف البصري، قال: سمعت أبا سعيد صاحب سهل يقول: بلغ أبا عبد الله الزبيري وزكريا الساجي وابن أبي أوفى أن

стр. 495

سهل بن عبد الله يقول: أنا حُجَّة الله على الخلق. فاجتمعوا عنده فأقبل عليه الزبيري فقال له: بلغنا أنك قلت: أنا حجة الله على الخلق، فبماذا؟ أنبيٌّ أنت؟ صِدِّيقٌ أنت؟ قال سهل: لم أذهب حيث تظن، ولكن إنما قلت هذا لأخذي الحلال، فتعالوا كلكم حتى نصحح الحلال! قال: فأنت قد صححته؟ قال: نعم. قال فكيف؟ قال سهل: قسمت معرفتي وعقلي وقوتي على سبعة أجزاء، فأترك حتى يذهب منها ستة أجزاء ويبقى جزء واحد، فإذا خفت أن يذهب ذلك الجزء وتتلف معه نفسي خفت أن أكون قد أعنت عليها أو قتلتها، دفعت إليها من البُلغة ما يرد الستة الأجزاء (١). • أخبرنا ابن حبيب، قال: أخبرنا ابن أبي صادق، قال: أخبرنا ابن باكويه، قال: أخبرني أبو عبد الله بن مفلح، قال: أخبرني أبي، قال: أخبرني أبو عبد الله بن ونده، قال: منذ أربعين سنة ما أطعمت نفسي طعامًا إلا في وقت ما أحلَّ اللهُ لها الميتة (٢). • أخبرنا ابن ناصر، قال: أنبأنا أبو الفضل محمد بن علي بن أحمد السهلكي، قال: حدثني أبو الحسن علي بن محمد القوهي، قال: نا عيسى بن محمد عن أبيه محمد بن عيسى، قال: نا موسى بن عيسى، قال: نا عيسى بن آدم بن أخي أبي يزيد، قال: جاء رجل إلى أبي يزيد فقال له: أريد أن أجلس في مجلسك الذي أنت فيه. قال: لا تطيق ذلك. فقال: إن رأيت أن توسع لي في ذلك. فأذن له فجلس يومًا لا يطعم فصبر، فلما كان في اليوم الثاني قال له: يا أستاذ نريد القوت! قال: يا غلام، القوت عندنا الله. فقال: يا أستاذ، لابد مما لابد منه. فقال: يا غلام، لابد من الله. قال: يا أستاذ، أريد شيئًا يقيم جسمي في طاعة الله تعالى. فقال: يا غلام، إن الأجسام لا تقوم إلا بالله (٣).

стр. 496

• أخبرنا المحمدان، ابن ناصر وابن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ، قال: سمعت محمد بن الحسين، يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان، يقول: سمعت أبا عثمان الأدَمي، يقول: سمعت إبراهيم الخواص يقول: حدثني أخ لي كان يصحب أبا تراب، نظر إلى صوفي مَدَّ يده إلى قشور البطيخ، وقد كان طوى ثلاثة أيام، فقال له: تمد يدك إلى قشور البطيخ؟ أنت لا يصلح لك التصوف، الزم السوق (١)! • أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أنبأنا رزق الله بن عبد الوهاب، قال: أنبأنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت أبا القاسم القرواني (٢)، يقول: سمعت بعض أصحابنا يقول: قام أبو الحسن النصيبي بالحرم أيامًا مع أصحاب له سبعة لم يأكلوا، فخرج بعض أصحابه ليتطهر فرأى قشر بطيخ فأخذه فأكله، فرآه إنسان فاتبعه بشيء وجاء برفق فوضعه بين يدي القوم، فقال الشيخ: من جنى منكم هذه الجناية؟ فقال الرجل: أنا وجدت قشر بطيخ فأكلته، فقال: كن مع جنايتك ومع هذا الرفق، وخرج من الحرم ومعه أصحابه وتبعه الرجل، فقال: ألم أقل لك كن مع جنايتك؟ فقال الرجل: أنا تائب مما جرى، فقال الشيخ: لا كلام بعد التوبة (٣). • أخبرنا عمر بن ظفر، قال: أخبرنا ابن السراج، قال: أخبرنا أبو القاسم الأزجي، قال: أخبرنا أبو الحسن بن جهضم، قال: نا إبراهيم بن محمد السيوري، قال: سمعت بيان بن محمد، يقول: كنت بمكة مجاورًا ورأيت بها إبراهيم الخواص وأتى عليَّ أيام لم يفتح عليَّ بشيء، وكان بمكة مُزَيَّن (٤) يحب الفقراء، وكان من أخلاقه إذا جاءه

стр. 497

الفقير يحتجم اشترى له لحمًا وطبخه فأطعمه فقصدته وقلت: أريد أن أحتجم. فأَرسَلَ من يشتري لحمًا وأمر بإصلاحه، وجلست بين يديه فجعلت نفسي تقول: ترى يكون فراغ القدر مع فراغ الحجامة؟ ثم استيقظت وقلت: يا نفس، إنما جئت تحتجمين لتطعميني، عاهدت الله إن ذقت من طعامه شيئًا! فلما فرغ انصرفت، فقال: سبحان الله أنت تعرف الرسم. فقلت: ثَمَّ عقد! فسكت. وجئت إلى المسجد الحرام ولم يُقدَّر لي شيء آكله، فلما كان من الغد بقيت إلى آخر النهار ولم يتفق أيضًا، فلما قمت لصلاة العصر سقطت وغشي عليَّ واجتمع حولي ناس وحسبوا أني مجنون، فقام إبراهيم وفرَّق الناس، وجلس عندي يحدثني، ثم قال: تأكل شيئًا؟ قلت: قرب الليل. فقال: أحسنتم يا مبتدئون، اثبتوا على هذا تفلحوا. ثم قام، فلما صلينا عشاء الآخرة إذا هو قد جاءني ومعه قصعة فيها عدس ورغيفان ودورق ماء، فوضعه بين يدي وقال: كُلْ! فأكلت الرغيفين والعدس، فقال: فيك فضل تأكل شيئًا آخر؟ قلت: نعم. فمضى وجاء بقصعة عدس ورغيفين فأكلتهما، وقلتُ: قد اكتفيت. فاضطجعت فما قمت ليلتي، ونمت إلى الصباح ما صليت ولا طفت (١). • أنبأنا أبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم، قال: حدثنا أبي، قال: سمعت محمد بن عبد الله الصوفي، يقول: سمعت منصور بن عبد الله الأصبهاني، يقول: سمعت أبا علي الروذباري يقول: إذا قال الصوفي بعد خمسة أيام: أنا جائع. فألزموه السوق وأمروه بالكسب (٢). • أنبأنا عبد المنعم، قال: نا أبي، قال: سمعت ابن باكويه يقول: سمعت أبا أحمد الصغير يقول: أمرني أبو عبد الله بن خفيف أن أقدم إليه كل ليلة عشر حبات زبيب

стр. 498

لإفطاره، فأشفقت عليه ليلة فحملت إليه خمس عشرة حبة، فنظر إليَّ وقال: من أمرك بهذا؟! وأكل عشر حبات وترك الباقي (١). أخبرنا أبو بكر بن حبيب، قال: أخبرنا علي بن أبي صادق، قال: أخبرنا ابن باكويه قال: سمعت أبا عبد الله بن خفيف، يقول: كنت في ابتدائي بقيت أربعين شهرًا أفطر كل ليلة بكف باقلي، فمضيت يومًا فاقتصدت فخرج من عرقي شبيه ماء اللحم وغشي عليَّ، فتحيَّر الفَصَّادُ وقال: ما رأيت جسدًا لا دم فيه إلا هذا (٢)! • قال المصنف: وقد كان فيهم قوم لا يأكلون اللحم حتى قال بعضهم: أكل درهم من اللحم يُقسي القلب أربعين صباحًا. • وكان فيهم من يمتنع من الطيبات كلها ويحتج بما أخبرنا به علي بن عبد الواحد الدينوري، قال: أخبرنا أبو الحسن القزويني، قال: أخبرنا أبو حفص بن الزيات، قال: نا ابن ناجية، قال: نا أزهر بن جميل، قال: نا بزيع، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ "احرموا أنفسكم طيب الطعام؛ فإنما قوي الشيطان أن يجري في العروق منها" (٣). • وفيهم من كان يمتنع من شرب الماء الصافي، ومنهم من يمتنع من شرب الماء البارد فيشرب الحار (٤)، وفيهم من كان يجعل ماءه في دنّ مدفون في الأرض فيصير حارًا، وفيهم من كان يعاقب نفسه بترك الماء مدة.

стр. 499

• وأخبرنا محمد بن ناصر، قال: أنبأنا أبو الفضل محمد بن علي السهلكي، قال: سمعت عبد الواحد بن بكر الورثاني، قال: حدثني محمد بن سعدان، قال: حدثني عيسى بن موسى البسطامي، قال: سمعت أبي يقول: سمعت عمي خادم أبي يزيد يقول: سمعت أبا يزيد يقول: ما أكلت شيئًا مما يأكله بنو آدم أربعين سنة، قال: وأسهل ما لاقت نفسي مني أني سألتها أمرًا من الأمور فأبت، فعزمت أن لا أشرب الماء سنة، فما شربت الماء سنة (١). وحكى أبو حامد الغزالي عن أبي يزيد أنه قال: دعوت نفسي إلى الله تعالى فجمحت، فعزمت عليها أن لا أشرب الماء سنة، ولا أذوق النوم سنة، فوفت لي بذلك (٢). فصل وقد رتب أبو طالب المكي للقوم ترتيبات في المطاعم: ° فقال (٣): أستحب للمريد ألا يزيد على رغيفين في يوم وليلة. ° قال (٤): ومن الناس من كان يعمل في الأقوات فيقلها، وكان بعضهم يزن قوته بكَرَبَةٍ (٥) من كرب النخل وهي تجف كل يوم قليلًا، فينقص من قوته بمقدار ذلك.

стр. 500

° قال (١): ومنهم من كان يعمل في الأوقات فيأكل كل يوم ثم يتدرج إلى يومين وثلاثة. ° قال (٢): والجوع ينقص دم الفؤاد فيبيضه وفي بياضه نوره، ويذيب شحم الفؤاد، وفي ذوبانه رقته، ورقته مفتاح المكاشفة. وقد صنف لهم أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي كتابًا سماه "رياضة النفوس" (٣)، قال فيه (٤): ينبغي للمبتدئ في هذا الأمر أن يصوم شهرين متتابعين توبة من الله، ثم يفطر فيطعم اليسير ويأكل كسرة كسرة، ويقطع الإدام والفواكه واللذة، ومجالسة الإخوان، والنظر في الكتب، فهذه كلها أفراح للنفس، فيمنع النفس لذتها حتى تمتلئ غمًّا. وقد أخرج لهم بعض المتأخرين الأربعينية: يبقى أحدهم أربعين يومًا لا يأكل الخبز، ولكنه يشرب الربوبات (٥) ويأكل الفواكه الكثيرة اللذيذة. فهذه نبذة من ذكر أفعالهم في مطاعمهم يدل مذكورها على مُغْفَلها.

стр. 501

فصل في بيان تلبيس إيليس عليهم في هذه الأفعال وإيضاح خطئهم فيها • قال المصنف: أما ما نُقِلَ عن سهل ففِعْل لا يجوز؛ لأنه حمل على النفس ما لا تطيق، ثم إن الله تعالى أكرم الآدميين بالحنطة وجعل قشورها لبهائمهم، فلا يصلح مزاحمة البهائم في أكل التبن، وأي غذاء للتبن! ومثل هذه الأشياء أشهر من أن يحتاج إلى رد. وقد حكى أبو حامد (١) عن سهل أنه كان يرى أن صلاة الجائع الذي قد أضعفه الجوع قاعدًا أفضل من صلاته قائمًا إذا قوَّاه الأكل. وهذا خطأ بل إذا تقوَّى على القيام كان أكله عبادة؛ لأنه يعين على العبادة، وإذا تجوَّع إلى أن يصلي قاعدًا فقد تسبب إلى ترك الفرائض فلم يجز له (٢)، ولو كان المتناول ميتة ما جاز هذا، كيف وهو حلال! ثم أي قُربة في هذا الجوع المعطل أدوات العبادة؟! • وأما قول الحذاء (٣): أنا أنظر أيغلب العلم أم اليقين؟ فإنه جهل محض؛ لأنه ليس بين اليقين والعلم تضاد، إنما اليقين أعلى مراتب العلم، وأين من العلم واليقين ترك ما تحتاج إليه النفس من المطعم والمشرب؟! وإنما أشار بالعلم إلى أمر الشرع، وأشار باليقين إلى قوة الصبر، وهذا تخليط قبيح، وهؤلاء قوم تشددوا فيما ابتدعوا، فكانوا كقريش في تشددهم حتى سموا بالحُمْس (٤)، فجحدوا الأصل وتشددوا في الفرع.

стр. 502

• وقول الآخر (١): ملحك مدقوق لست تفلح. من أقبح الأشياء! وكيف يقال عمَّن استعمل ما أبيح له لست تفلح، وأما سويق الشعير فإنه يورث القولنج (٢). • وقول الآخر (٣): الزبد بالعسل إسراف. قول مرذول؛ لأن الإسراف ممنوع منه شرعًا، وهذا مأذون فيه، وقد صح عن رسول الله ﷺ : "أنه كان يأكل القثاء بالرطب" (٤)، "وكان يحب الحلوى والعسل" (٥). • وأما ما روينا عن سهل أنه قال (٦): قسمتُ قوتي وعقلي سبعة أجزاء. ففِعل يذم به فلا يمدح عليه، لم يأمر الشرع بمثله وهو إلى التحريم أقرب؛ لأنه ظلم للنفس وترك لحقها. • وكذلك قول الذي قال (٧): ما أكلت إلا وقت أن تباح لي الميتة. فإنه فعل برأيه المرذول، وحمل على النفس مع وجود الحلال!

стр. 503

• وقول أبي يزيد (١): القوت عندنا الله. كلام ركيك، فإن البدن قد بُني على الحاجة إلى الطعام حتى إن أهل النار يحتاجون إلى الطعام. • وأما التقبيح بفعل من أخذ قشر البطيخ بعد الجوع الطويل (٢). فلا وجه له. • والذي طوى ثلاثًا (٣). لم يسلم من لوم الشرع. • وكذلك الذي عاهد أن لا يأكل حين احتجم حتى وقع من الضعف (٤). فإنه فعل ما لا يحل له. • وقول إبراهيم له: أحسنتم يا مبتدئون (٥). خطأ أيضًا؛ فإنه كان ينبغي أن يلزمه بالفطر ولو كان في رمضان، إذ مَنْ له أيام لم يأكل وقد احتجم وغشي عليه لا يجوز له أن يصوم: أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر بن ثابت، قال: أخبرنا الأزهري، قال: نا علي بن عمر، قال: نا أبو حامد الحضرمي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن يونس السراج، قال: نا بقية بن الوليد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "من

стр. 504

أصابه جهد في رمضان فلم يفطر فمات دخل النار" (١). قال المصنف: قلت: كل رجاله ثقات، فقد أخبرنا به عاليًا محمد بن عبد الباقي قال: أخبرنا أبو يعلى محمد بن الحسين قال: أخبرنا علي بن عمر السكري، قال: نا أحمد بن محمد الأسدي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن يونس فذكره وقال: من أصابه جهد في رمضان فلم يفطر دخل النار (٢). • وأما تقليل ابن خفيف (٣). ففعل قبيح لا مستحسن. وما يورد هذه الأخبار عنهم إيرادَ مُستحسِن لها إلا جاهل بأصول الشرع، فأما العالم المتمكن فإنه لا يهوله قول معظم، فكيف بفعل جاهل مُبَرْسَم (٤)! • وأما كونهم لا يأكلون اللحم. فهذا مذهب البراهمة الذين لا يرون ذبح الحيوان (٥)، فإن الله تعالى علم مصالح الأبدان فأباح اللحم لتقويتها، فأكل اللحم يقوي القوة، وتركه يضعفها ويسيء الخلق، وقد "كان رسول الله ﷺ يأكل اللحم ويحب الذراع من الشاة" (٦)، ودخل يومًا

стр. 505

فقدم إليه طعام من طعام البيت قال: "لم أر لكم برمة تفور؟ " (١). وكان الحسن البصري يشتري كل يوم لحمًا (٢)، وعلى هذا كان السلف إلا أن يكون يكون فيهم فقير فيبعد عهده باللحم لأجل الفقر. • وأما من منع نفسه الشهوات فإن هذا على الإطلاق لا يصلح؛ لأن الله تعالى لما بنى الآدمي على الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة وجعل صحته موقوفة على تعادل الأخلاط: الدم والبلغم والمرة الصفراء والمرة السوداء، فتارة تزيد بعض الأخلاط فتميل الطبيعة إلى ما ينقصه، مثل أن تزيد الصفراء فيميل الطبع إلى الحموضة، أو ينقص البلغم فتميل النفس إلى المرطبات، فقد رُكّب في الطبع الميل إلى ما يوافقه، فإذا مالت النفس إلى ما يصلحها فمنعت فقد قُووِمت حكمة الباري سبحانه بردها! ثم يؤثر ذلك في البدن، فكان هذا الفعل مخالفًا للشرع والعقل. ومعلوم أن البدن مطية الآدمي، ومتى لم يرفق بالمطية لم يبلغ، وإنما قَلَّت علوم هؤلاء فتكلموا بآرائهم الفاسدة، فإن أسندوا فإلى حديث ضعيف أو موضوع أو يكون فهمهم منه رديئًا! • ولقد عجبت لأبي حامد الفقيه كيف نزل مع القوم من رتبة الفقه إلى مذاهبهم حتى إنه قال: لا ينبغي للمريد (٣) إذا تاقت نفسه إلى الجماع أن يأكل ويجامع، فيعطي نفسه شهوتين فتقوى عليه!

стр. 506

قال المصنف: قلت: وهذا قبيح في الغاية؛ فإن الإدام شهوة فوق الطعام فينبغي أن لا يأكل إدامًا، والماء شهوة أخرى، أَوَليس في الصحيح أن رسول الله ﷺ : "طاف على نسائه بغسل واحد" (١)، فهلا اقتصر على شهوة واحدة! أَوَليس في الصحيحين أنه ﵇ "كان يأكل القثاء بالرطب" (٢)، وهاتان شهوتان! أَوَما أكل عند أبي الهيثم ابن التيهان خبزًا وشواء وبُسرًا وشرب ماء باردًا (٣)؟! وقد كان الثوري يأكل اللحم والعنب والفالوذج ثم يقوم فيصلي (٤)، أَوَما تُعَلَفُ الفرسُ الشعير والتبن والقتَّ (٥)، وتُطعم الناقة الخبط (٦) والحمض، وهل البدن إلا ناقة؟! وإنما نهى بعض القدماء عن الجمع بين إدامين على الدوام لئلا يتخذ ذلك عادة فيحوج إلى كلفة، وإنما تجتنب فضول العيش في الشهوات لئلا يكون سببًا لكثرة الأكل وجلب النوم، أو لئلا يتعود فيقل الصبر عنها، فيحتاج الإنسان إلى تضييع العمر في كسبها، وربما تناولها من غير وجهها، فهذا طريق السلف في ترك فضول الشهوات. • والحديث الذي احتجوا به "احرموا أنفسكم طيب الطعام" (٧).

стр. 507

حديث موضوع عملته يدا بزيع الراوي. وأما إذا اقتصر الإنسان على خبز الشعير والملح الجريش فإنه ينحرف مزاجه؛ لأن خبز الشعير يابس مجفف والملح يابس قابض يضر الدماغ والبصر، وتقليل المطعم يوجب تنشيف المعدة وضيقها، وقد حكى يوسف الهمداني عن شيخه عبد الله الجوني أنه كان يأكل خبز البلوط (١) بغير إدام، وكان أصحابه يسألونه أن يأكل شيئًا من الدهن والدسومات فلا يفعل، وهذا يورث القولنج الشديد. واعلم أن المذموم من الأكل الشبع، وأحسنُ الآداب في المطعم أدب الشارع ﷺ (٢): أخبرنا ابن الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أنا أبو بكر بن حمدان، قال: نا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: نا أبو المغيرة، قال: نا سليمان بن سُليم الكناني، قال: نا يحيى بن جابر الطائي، قال: سمعت المقدام بن معدي كرب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما ملأ آدمي وعاء شرًّا من بطن، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه! فإن كان لا محالة فثلث طعام، وثلث شراب، وثلث نَفَس" (٣). قال المصنف: قلت: فقد أمر الشرع بما يقيم النفس حفظًا لها وسعيًا في مصلحتها، ولو سمع بقراط هذه القسمة في قوله: ثلث وثلث، لدهش من هذه الحكمة؛ لأن الطعام والشراب يربوان في المعدة فيقارب مِلْأَها، فيبقى للنفس من الثلث قريب،

стр. 508

فهذا أعدل الأمور، فإن نقص منه قليلًا لم يضر، فإن زاد النقصان أضعف القوة وضيّق مجاري الطعام. فصل واعلم أن الصوفية إنما يأمرون بالتقلل شئانهم ومبتدئتهم، ومن أضر الأشياء على الشباب الجوع؛ فإن المشايخ يصبرون عليه والكهول أيضًا، فأما الشباب فلا صبر لهم على الجوع، وسبب ذلك أن حرارة الشباب شديدة، فلذلك يجود هضمه، ويكثر تحلل بدنه، فيحتاج إلى كثرة الطعام كما يحتاج السراج الكبير إلى زيادة زيت، فإذا صابر الشاب الجوع وبنيته في أول النشوء قمع نشوء نفسه، وكان كمن يعرقب أصول الحيطان، ثم تمتد يد المعدة لعدم الغذاء إلى أخذ الفضول المجتمعة في البدن، فتغذيه بالأخلاط فيفسد الجسم والذهن، وهذا أصل عظيم يحتاج إلى تأمل! فصل قال المصنف: قد كره العلماء التقلل الذي يضعف البدن: ° أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ، قال: أنبأنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال: أبنا عبد العزيز بن علي الأزجي، قال: أبنا إبراهيم بن جعفر قال أبنا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر قال: أبنا أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال، قال: أبنا عبد الله بن إبراهيم بن يعقوب الجبلي، قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، قال له عقبة بن مكرم: هؤلاء الذين يأكلون قليلًا ويقللون من مطعمهم؟ فقال: ما يعجبني؛ سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: فَعَلَ قومٌ هذا فقطعهم عن الفرض (١).

стр. 509

° قال الخلال: وأخبرني أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الله بن صدقة، قال: أبنا إسحاق بن داود بن صبيح، قال: قلت لعبد الرحمن بن مهدي: يا أبا سعيد إن ببلدنا قومًا من هؤلاء الصوفية؟ فقال: لا تقرب هؤلاء؛ فإنا قد رأينا من هؤلاء قومًا أخرجهم الأمر إلى الجنون، وبعضهم أخرجه إلى الزندقة، ثم قال: خرج سفيان الثوري في سفر فشيَّعته فكان معه سُفرة فيها فالوذج وكان فيها حَمَل (١). ° قال الخلال: وأخبرني المروذي قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، فقال له رجل: إني منذ خمس عشرة سنة قد ولع بي إبليس، وربما وجدت وسوسة أتفكر في الله؟ فقال: لعلك كنت تدمن الصوم! أفطر وكُل دسمًا وجالس القُصَّاص (٢). قال المصنف: ومن هؤلاء القوم من يتناول المطاعم الرديئة ويهجر الدسم، فيجتمع في معدته أخلاط فجة، فتغتذي المعدة منها مدة؛ لأن المعدة لابد لها من شيء تهضمه، فإذا هضمت ما عندها من الطعام ولم تجد شيئًا تناولت الأخلاط فهضمتها وجعلتها غذاء، وذلك الغذاء الرديء يخرج إلى الوسواس والجنون وسوء الأخلاق. وهؤلاء المتقللون يتناولون مع التقلل أردأ المأكولات، فتكثر أخلاطهم فتتشاغل المعدة بهضم الأخلاط، ويتفق لهم تعود التقلل بالتدريج وتضييق المعدة؛ فيمكنهم الصبر عن الطعام أيامًا، وتعينهم على هذا قوة الشباب، فيعتقدون الصبر عن الطعام كرامة! وإنما السبب ما عرَّفتك. وقد أنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم، قال: حدثني أبي قال: كانت امرأة قد طعنت في السن فسئلت عن حالها؟ فقالت: كنت في حال الشباب أجد من نفسي أحوالًا أظنها قوة الحال، فلما كبرت زالت عني، فعلمت أن ذلك كان قوة الشباب

стр. 510

فتوهمتها أحوالًا، قال: وسمعت أبا علي الدقاق يقول: ما سمع أحد هذه الحكاية من الشيوخ إلا رق لهذه العجوز وقال: إنها كانت منصفة (١). قال المصنف: فإن قيل: كيف تمنعون من التقلل وقد رويتم أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان يأكل في اليوم إحدى عشرة لقمة (٢)، وأن ابن الزبير كان يبقى أسبوعًا لا يأكل (٣)، وأن إبراهيم التيمي بقي شهرين (٤)؟ قلنا: قد يجري للإنسان من هذا الفن في بعض الأوقات غير أنه لا يدوم، ولا يقصد الترقي إليه، وقد كان في السلف ﵁ من يجوع عوزًا، وفيهم من كان الصبر له عادة لا يضر بدنه، وفي العرب من يبقى أيامًا لا يزيد على شرب اللبن، ونحن لا نأمر بالشبع، وإنما ننهى عن جوع يضعف القوة ويؤذي البدن، وإذا ضعف البدن قلّت العبادة، فإن حملت قوة الشباب جاء الشيب فأبدع بالراكب. وقد أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ، قال: أخبرنا عبد القادر بن يوسف، قال: أخبرنا أبو إسحاق البرمكي، قال: أنبأنا أبو يعقوب بن سعد النسائي، قال: أنبأنا جدي الحسن بن سفيان قال: ثنا حرملة بن يحيى، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن مالك بن أنس، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس قال: كان يطرح لعمر بن الخطاب كت الصاع من التمر فيأكله حتى حَشَفَه (٥). وقد روينا عن إبراهيم بن أدهم: أنه اشترى زبدًا وعسلًا، وخبزًا حُوَّارَى (٦).

стр. 511

فقيل له: هذا تأكله؟ فقال: إذا وجدنا أكلنا أكل الرجال، وإذا عدمنا صبرنا صبر الرجال (١). فصل • قال المصنف: وأما شرب الماء الصافي. فقد تخيره رسول الله ﷺ : فأخبرنا ابن الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: نا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: نا أبو عامر، قال: نا فليح بن سليمان، عن سعيد بن الحارث، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ : "أتى قومًا من الأنصار يعود مريضًا فاستسقى وجدول قريب منه، فقال: إن كان عندكم ماء بات في شن (٢) وإلا كرعنا (٣) "أخرجه البخاري (٤). وأخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: أخبرنا أبو عمر بن مهدي، قال: نا الحسين بن إسماعيل المحاملي، قال: نا محمد بن عمرو بن أبي مذعور، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، قال: أنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: "أن رسول الله ﷺ كان يُستقى له الماء العذب من بئر السُّقْيا" (٥). قال المصنف: وينبغي أن يعلم أن الماء الكدر يُولِّد الحمى في الكلى والسَّدد في الكبد، فأما الماء البارد فإنه إذا كانت برودته معتدلة يشد المعدة، ويقوي الشهوة،

стр. 512

ويحسن اللون، ويمنع عفن الدم وصعود البخارات إلى الدماغ، ويحفظ الصحة، وإذا كان الماء حارًا أفسد الهضم، وأحدث الرهل، وأذبل البدن، وأدى إلى الاستسقاء والدق، فإن سُخِّن بالشمس خيف منه البرص. وقد كان بعض الزهاد يقول: إذا أكلت الطيب وشربت الماء البارد متى تحب الموت؟! وكذا قال أبو حامد الطوسي (١): إذا أكل الإنسان ما يستلذه قسا قلبه وكره الموت، وإذا منع نفسه شهواتها، وحرمها لذاتها اشتهت نفسه الإفلات من الدنيا بالموت. وقال المصنف: قلت: واعجبًا كيف يصدر هذا الكلام من فقيه! أترى لو تقلبت النفس في أي فن كان من التعذيب أحبت الموت، ثم كيف يجوز لنا تعذيبها وقد قال الله : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، ورضي منا بالإفطار في السفر رفقًا بها، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، أوليست مطيتنا التي عليها وصولنا؟! وكيف لا نأوي لها وهي التي … بها قطعنا السهلَ والحزونا • وأما معاقبة أبي يزيد نفسه بترك الماء سنة (٢). فإنها حالة مذمومة لا يراها مستحسنة إلا الجهال، ووجه ذمها أن للنفس حقًّا، ومنعُ الحقِّ مستحِقَّه ظلمٌ، ولا يحل للإنسان أن يؤذي نفسه، ولا أن يقعد في الشمس في الصيف بقدر ما يتأذَّى، ولا في الثلج في الشتاء، والماء يحفظ الرطوبات الأصلية في البدن وينفذ الأغذية، وقوام النفس بالأغذية، فإذا منعها أغذية الآدميين ومنعها الماء فقد أعان عليها، وهذا من أفحش الخطأ! وكذلك منعه إياها النوم.

стр. 513

قال ابن عقيل: وليس للناس إقامة العقوبات ولا استيفاؤها لله من أنفسهم، يدل عليه أن إقامة الإنسان الحد على نفسه لا يجزئ فإن فعله أعاده الإمام، وهذه النفوس ودائع لله حتى إن التصرف في الأموال لم يطلق لأربابها إلا على وجوه مخصوصة. وقال المصنف: قلت: وقد روينا في حديث الهجرة أن النبي ﷺ تزود طعامًا وشرابًا، وأن أبا بكر فرش له في ظل صخرة وحلب له لبنًا في قدح ثم صب ماء على القدح حتى برد أسفله (١)، وكل ذلك من الرفق بالنفس. • وأما ما رتبه أبو طالب المكي. فحمل على النفس ما يضعفها، وإنما يمدح الجوع إذا كان بمقدار، وذكر المكاشفة من الحديث الفارغ. • وما صنفه الترمذي. فكأنه ابتداء شرع برأيه الفاسد، وما وجه صوم شهرين متتابعين عند التوبة، وما فائدة قطع الفواكه الباحة؟! وإذا لم ينظر في الكتب فبأي سيرة يقتدي؟! • وأما الأربعينية. فحديث فارغ رتبوه على حديث لا أصل له: "من أخلص لله أربعين صباحًا" (٢)، ثم الإخلاص يجب أبدًا، فما وجه تقديره بأربعين صباحًا؟! ثم لو قدرنا ذلك

стр. 514

فالإخلاص عمل القلب فما بال المطعم؟! ثم ما الذي حسّن أكل الفاكهة ومنع الخبز؟! وهل هذا كله إلا جهل! وقد أنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم القشيري، قال: نا أبي، قال: حجج الصوفية أظهر من حجج كل أحد، وقواعد مذهبهم أقوى من قواعد كل مذهب؛ لأن الناس: إما أصحاب نقل وأثر، وإما أرباب عقل وفكر؛ وشيوخ هذه الطائفة ارتقوا عن هذه الجملة، فالذي للناس غيب فلهم ظهور، فهم أهل الوصال، والناس أهل الاستدلال، فينبغي لمريدهم أن يقطع العلائق، وأولها الخروج من المال، ثم الخروج من الجاه، وأن لا ينام إلا غلبة، وأن يقلل غذاءه بالتدريج (١). قال المصنف: قلت: من له أدنى فهم يعرف أن هذا الكلام تخليط؛ لأن من خرج عن النقل والعقل فليس بمعدودٍ في الناس، وهل أحد من الخلق إلا وهو مستدل، وذكر الوصال حديث فارغ، فنسأل الله العصمة من تخليط المريدين والأشياخ! فصل في ذكر أحاديث تبين خطأهم في أفعالهم ° أخبرنا يحيى بن علي المدير، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي الخياط، قال: نا الحسن بن الحسين بن حمكان، قال: نا عبدان بن يزيد العطار. وأخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أنبأنا الحسن بن أحمد الفقيه، قال: نا محمد بن أحمد الحافظ، قال: نا أبو عبد الله محمد بن عيسى البُرُوجِرْدي، قال: نا عمير بن مرداس، قال: نا محمد بن بكير الحضرمي، قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم العمري، عن عبيد الله بن عمر، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب قال: "جاء عثمان بن مظعون إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، غلبني حديث النفس، فلم أحب أن أحدِّث شيئًا حتى أذكر لك ذلك. فقال رسول الله: وما تحدثك نفسك يا عثمان؟

стр. 515

قال: تحدثني نفسي بأن أختصي. فقال: مهلا يا عثمان! فإن خصاء أمتي الصيام. قال: يا رسول الله، فإن نفسي تحدثني أن أترهب في الجبال. قال: مهلًا يا عثمان! فإن ترهب أمتي الجلوس في المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة. قال: يا رسول الله وإن نفسي تحدثني بأن أسيح في الأرض. قال: مهلًا يا عثمان! فإن سياحة أمتي الغزو في سبيل الله والحج والعمرة. قال: يا رسول الله، وإن نفسي تحدثني بأن أخرج من مالي كله. قال: مهلًا يَا عثمان! فإن صدقتك يومًا بيوم وتكف نفسك وعيالك وترحم المسكين واليتيم وتطعمه أفضل من ذلك. قال: يا رسول الله، فإن نفسي تحدثني بأن أطلق خولة امرأتي. قال: مهلًا يا عثمان، فإن هجرة أمتي من هجر ما حرم الله عليه، أو هاجر إليَّ في حياتي، أو زار قبري بعد موتي، أو مات وله امرأة أو امرأتان أو ثلاث أو أربع. قال: يا رسول الله، فإن نفسي تحدثني أن لا أغشاها. قال: مهلًا يا عثمان! فإن الرجل المسلم إذا غشي أهله وإن لم يكن من وقعته تلك ولد؛ كان له وصيف في الجنة، وإن كان من وقعته تلك ولد، فمات قبله، كان له فرطًا وشفيعًا يوم القيامة، وإن كان بعده كان له نورًا يوم القيامة. قال: يا رسول الله، فإن نفسي تحدثني أن لا آكل اللحم. قال: مهلًا يا عثمان! فإني أحب اللحم وآكله إذا وجدته، ولو سألت ربي أن يطعمني إياه كل يوم لأطعمني. قال: يا رسول الله، فإن نفسي تحدثني أن لا أمس طيبًا. قال: مهلًا يا عثمان! فإن جبريل أمرني بالطيب غبًّا، ويوم الجمعة لا مترك له.

стр. 516

يا عثمان، لا ترغب عن سنتي، فمن رغب عن سنتي ثم مات قبل أن يتوب صرفت الملائكة وجهه عن حوضي" (١). قال المصنف: هذا حديث عمير بن مرداس. ° أخبرنا محمد بن أبي طاهر، قال: أخبرنا الجوهري، قال: أخبرنا أبو عمر بن حَيُّوَيْه، قال: أخبرنا أحمد بن معروف، قال: أخبرنا الحسين بن الفهم، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أنا الفضل بن دكين، قال: نا إسرائيل، قال: نا أبو إسحاق، عن أبي بردة، قال: "دخلت امرأة عثمان بن مظعون على نساء النبي ﷺ فرأَيْنها سيئة الهيئة، فقلن لها: ما لك؟ فما في قريش رجل أغنى من بعلك؟ قالت: ما لنا منه شيء، أما ليله فقائم، وأما نهاره فصائم. فدخلن إلى النبي ﷺ فذكرن ذلك له، فلقيه فقال: يا عثمان، أما لك بي أسوة؟ قال: بأبي وأمي، وما ذاك؟ قال: تصوم النهار وتقوم الليل. قال: إني لأفعل، قال: لا تفعل! إن لعينيك عليك حقًّا، وإن لجسدك عليك حقًّا، وإن لأهلك عليك حقًّا، فصلِّ ونم وصم وأفطر" (٢). ° قال ابن سعد: وأخبرنا عارم بن الفضل، قال: نا حماد بن زيد، قال: حدثنا معاوية بن عباس الجرمي، عن أبي قلابة، أن عثمان اتخذ بيتًا فقعد يتعبد فيه، فبلغ ذلك إلى النبي ﷺ ، فأتاه فأخذ بعضادتي (٣) باب البيت الذي هو فيه وقال: "يا عثمان، إن الله

стр. 517

لم يبعثني بالرهبانية - مرتين أو ثلاثًا - وإن خير الدين عند الله الحنيفية السمحة" (١). ° أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا محمد بن علي بن ميمون، قال: أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الغُنْدَجَاني، قال: أخبرنا أبو بكر بن عَبْدان، قال: أنا محمد بن سهل، قال: نا البخاري، قال: قال موسى بن إسماعيل: نا حماد بن يزيد بن مسلم، قال: حدثنا معاوية بن قرة، عن كهمس الهلالي، قال: "أسلمت وأتيت النبي ﷺ فأخبرته بإسلامي، فمكثت حولًا ثم أتيته وقد ضمرت ونحل جسمي، فخفض في البصر ثم رفعه، قلتُ: أما تعرفني؟ قال: ومَنْ أنت؟ قلت: أنا كهمسٌ الهلالي. قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قلت: ما أفطرت بعدك نهارًا، ولا نمت ليلًا. قال: ومن أمرك أن تعذب نفسك؟! صم شهر الصبر ومن كل شهر يومًا. قلت: زدني! قال: صم شهر الصبر ومن كل شهر يومين، قلت: زدني! قال: صم شهر الصبر ومن كل شهر ثلاثة أيام" (٢). ° أنبأنا محمد بن عبد الملك بن خيرون، قال: أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا أبو حازم عمر بن أحمد العَبْدُويِّ، قال: أخبرنا أبو أحمد محمد بن أحمد بن الغطريف، قال: نا أبو بكر الذهبي، قال: نا حميد بن الربيع، قال: نا عبيدة بن حميد، عن الأعمش، عن جرير بن حازم، عن أيوب، عن أبي قلابة، بلغ به النبي ﷺ أن ناسًا من أصحابه احتموا النساء واللحم، فأوعد فيه وعيدًا شديدًا، وقال: "لو كنت تقدمت فيه لفعلت"، ثم قال: "إني لم أرسل بالرهبانية، إن خير الدين الحنيفية السمحة" (٣).

стр. 518

° قال المصنف: فقد روينا في حديث آخر عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده في مأكله ومشربه" (١). وقال بكر بن عبد الله: من أُعطي خيرًا فرُئِيَ عليه سُمِّيَ حبيب الله محدثًا بنعمة الله ، ومن أعطي خيرًا فلم ير عليه سُمِّيَ بغيض الله ماديًا لنعمة الله (٢). فصل قال المصنف: وهذا الذي نُهينا عنه من التقلل الزائد في الحد، قد انعكس في صوفية زماننا، فصارت همتهم في الأكل كما كانت همة متقدميهم في الجوع، لهم الغداء والعشاء والحلوى، وكل ذلك أو أكثره حاصل من أموال وسخة، وقد تركوا كسب الدنيا، وأعرضوا عن التعبد، وافترشوا فرش البطالة، ولا همَّة لاكثرهم إلا الأكل واللعب، فإن أحسن منهم مُحسن قالوا: طرح شكرًا. وإن أساء قالوا: استغفر. ويسمون ما يلزمونه واجبًا وتسمية ما لم يسمه الشرع واجبًا جناية عليه! أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد الحافظ، النيسابوري، قال: نا أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري، قال: نا أحمد بن سلمة، قال: نا محمد بن عبدوس السراج البغدادي، قال: قام أبو مرحوم القاص بالبصرة يقص على الناس فأبكى، فلما فرغ من قصصه قال: من يطعمنا أرزَّة في الله؟ فقام شاب من

стр. 519

المجلس فقال: أنا! فقال: اجلس رحمك الله فقد عرفنا موضعك. ثم قام الثانية ذلك الشاب، فقال: اجلس فقد عرفنا موضعك. فقام الثالثة فقال أبو مرحوم لأصحابه: قوموا بنا إليه. فقاموا معه، فأتوا منزله، قال: فأتينا بقدر من باقلي فأكلناه بلا ملح. ثم قال أبو مرحوم: عليَّ بِخِوان (١) خماسي وخمسة مكاكيك (٢) أرز، وخمسة أمنا سمن، وعشرة أمنا سكر، وخمسة أمنا صنوبر، وخمسة أمنا فستق، فجيء بها كلها، فقال أبو مرحوم لأصحابه: يا إخواني كيف أصبحت الدنيا؟ قالوا: مشرق لونها، مبيضة شمسها، قال: أجروا فيها أنهارها. قال: فأتي بذلك السمن فأجري فيها. ثم أقبل أبو مرحوم على أصحابه فقال: يا إخواني، كيف أصبحت الدنيا قالوا: مشرق لونها، مبيضة شمسها مجرية فيها أنهارها. فقال: يا إخواني، اغرسوا فيها أشجارها. قال: فأتي بذلك الفستق والصنوبر، فألقي فيها. ثم أقبل أبو مرحوم على أصحابه، فقال: يا إخواني، كيف أصبحت الدنيا؟ قالوا: مشرق لونها، مبيضة شمسها، مجرية فيها أنهارها، وقد غرست فيها أشجارها، وقد تدلى لنا ثمارها. قال: يا إخواني، ارموا الدنيا بحجارتها. قال: فأتي بذلك السُّكر فألقي فيها. ثم أقبل أبو مرحوم على أصحابه، فقال: يا إخواني، كيف أصبحت الدنيا؟ قالوا: مشرق لونها مبيضة شمسها وقد أجري فيها أنهارها، وقد غرس فيها أشجارها، وقد تدلى لنا ثمارها، فقال إخواني: ما لنا وللدنيا، اضربوا فيها براحتها، قال: فجعل الرجل يضرب فيها براحته ويدفعه بالخمس.

стр. 520

قال أبو الفضل أحمد بن سلمة: ذكرته لأبي حاتم الرازي فقال: أمله عليَّ فأمليته عليه، فقال: هذا شأن الصوفية (١)! قال المصنف: قلت: وقد رأيت منهم من إذا حضر دعوة بالغ في الأكل، ثم اختان (٢) من الطعام، فربما ملأ كميه من غير إذن صاحب الدار، وذلك حرام بالإجماع، ولقد رأيت شيخًا منهم قد أخذ شيئًا من الطعام ليحمله، فوثب صاحب الدار وأخذه منه.

стр. 521

ذكْر تلبيس إبليس على الصوفية في السماع والرقص والوجد قال المصنِّفُ ﵀: اعلَمْ أن سماع الغناء يجمعُ شيئين: أحدهما: أنَّه يُلهي القلبَ عن التفكُّر في عظمة الله سبحانه والقيام بخدمته. والثَّاني: أنَّه يُميلُه إلى اللَّذات العاجلة ويدعو إلى استيفائها من جميع الشهوات الحسِّيَّة ومعظمُها النِّكاح وليس تمام لذَّته إلا في المتجَدِّدات ولا سبيل إلى كثرة المتجدِّدات مِن الحِلِّ فحثَّ على الزِّنا. فبَيْن الغناء والزِّنا تناسب من جهة أن الغناء لذة الروح والزِّنا أكبر لذَّات النفس؛ ولهذا جاء في الحديث: "الغناء رُقْيَة الزِّنا" (١). وقد ذكر أبو جعفر الطبري: أنَّ الذي اتخذ الملاهيَ من ولد قَابِيل رجل يقال له: ثَوْبَال (٢) اتخذ في زمان مِهلائِيل بن قَيْنان آلات اللهو من المزامير والطبول والعيدان فانهَمَك ولد قابيل في اللهو وتناهى خبرهم إلى مَن بالجبل من نسل شِيث (٣) فنزل منهم قوم وفشتِ الفاحشةُ وشُرْبُ الخمر (٤).

стр. 522

قال المصنف ﵀: وهذا لأنَّ الالتذاذ بشيء يدعو إلى الالتذاذ بغيره خصوصًا ما يُناسبه ولما يئس إبليس من المتعبِّدين أن يسمعَ أحدهم شيئًا من الأصوات المحرمة كالعود نظرَ إلى المعنى الحاصل بالعود فدَرَجه في ضمن الغناء بغير العود وحَسَّنهُ لهم وإنما مراده التدريج من شيء إلى شيء والفقيه من نظر في الأسباب والنَّتائج وتَأمَّل المقاصد. فإنَّ النظر إلى الأمرد مباح إن أُمِن ثوران الشهوة فإنْ لم يُؤمن لم يجز، وتقبيل الصَّبيَّة التي لها من العمر ثلاث سنين جائز؛ إذ لا شهوة تقع هناك في الأغلب فإنْ وجد شهوة حرم ذلك وكذلك الخَلْوَةُ بذالت المحارم فإنْ خيف من ذلك حرم فتأَمَّلْ هذه القاعدة! فصل: قال المصنف ﵀: وقد تكلم الناس في الغناء فأطالوا، فمنهم مَنْ حرَّمه، ومنهم من أباحه من غير كراهة، ومنهم من كرهه مع الإباحة. وفَصْلُ الخطاب أَنْ نقول: ينبغي أن يُنْظَرَ في ماهية الشيء ثم يطلق عليه التحريم أو الكراهة وغير ذلك. والغناء: اسم يُطْلَقُ على أشياء، منها: غناء الحجيج في الطُّرُقات فإِنَّ أقوامًا يقْدُمون من الأعاجم للحج فيُنْشِدون في الطُّرُقات أشعارًا يصفون فيها الكعبة وزمزم والمقام وربما ضربوا مع إنشادهم بطبل فسماعُ تلك الأشعار مباح وليس إنشادهم إِيَّاها ممَّا يُطْرب ويُخرج عن الاعتدال.

стр. 523

وفي معنى هؤلاء الغزاة؛ فإِنَّهم ينشدون أشعارًا يحرِّضون بها على الغَزْو، وفي معنى هذا إنشاد المتبارِزين للقتال للأشعار تفاخرًا عند النِّزال. وفي معنى هذا أشعارُ الحُدَاةِ في طريق مكة، كقول قائلهم: بَشَّرَهَا دَلِيْلُهَا وقَالا … غَدًا تَرَينَ الطَّلْحَ والجِبَالا (١) وهذا يُحَرِّكُ الإِبلَ والآدَمِيَّ إلَّا أَنَّ ذلك التحريكَ لا يُوجبُ الطَّرَبَ المُخْرِجَ عن حَدِّ الاعتدال. وأصل الحداء ما أنبأنا به يحيى بن الحسن بن البَنَّا، قال: أخبرنا أبو جعفر بن المُسْلِمَة قال: نا المُخلِّص قال: أخبرنا أحمد بن سليمان الطُّوسي، قال: نا الزبير بن بكار، قال: حدثني إبراهيم بن المنذر قال: نا أبو البحتري وهب عن طلحة المكي، عن بعض علمائهم: أن رسول الله ﷺ مال ذاتَ ليلة بطريق مكة إلى حادٍ مع قومٍ فَسَلَّمَ عليهم فقال: "إنَّ حادينا وفي فسمعنا حَادِيَكُم فمِلْتُ إليكم فهل تدرون أنَّى كان الحِدَاء؟ " قالوا: لا والله. قال: "إنَّ أباهم مُضَر خرج إلى بعض رُعَاته فوجد إِبلَه قد تفرقتْ فأخذ عصًا فَضَربَ بها كَفَّ (٢) غلامه، فعَاد الغلام في الوادي وهو يصيح: وا يداه وا يداه! فسمعتِ الإبلُ ذلك فَعَطَفَتْ عليه فقال مضر: لو اشتقَّ مثل هذا لانتفعت به الإبل واجتمعت. فاشتق الحُدَاء" (٣).

стр. 524

قال المصنف ﵀ قلت: وقد كان لرسول الله ﷺ حادٍ يقال له: أنْجَشَةُ (١)، يحدو فيَعْنَقُ (٢) بالإبل، فقال رسول الله ﷺ : "يا أنْجَشَة، رُوَيْدَكَ سَوْقًا بالقوارير" (٣). وفي حديث سلمةَ بن الأكوع قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خَيْبَرَ فَسِرْنا ليلًا، فقال رجل من القوم لعامر بن الاكوع: ألا تُسمعنا من هُنَيَّاتِك! وكان عامر رجلًا شاعرًا فنزل يَحْدو بالقوم ويقول: اللهُمَّ لولا أنْتَ ما اهْتَدَيْنا ولا تَصَدَّقْنا ولا صَلَّيْنَا فأَلْقِيَنْ سَكِيْنَةً عَلَيْنا فقال رسول الله ﷺ : "من هذا السَّائق؟ " فقالوا: عامر بن الأكوع فقال: "يَرْحمُه الله" (٤). قال المصنف ﵀: وقد رُوِّينا عن الشافعيِّ ﵀ أنه قال: أما استماع الحُداء ونشيد الأعراب فلا بأس به (٥). قال المصنف ﵀ قلت: ومن إنشاد العرب قول أهل المدينة عند قدوم رسول الله ﷺ عليهم:

стр. 525

طَلَعَ البَدْرُ عَلَيْنا … مِنْ ثَنِيَّاتِ الوَدَاعِ وجَبَ الشُّكرُ عَلَيْنا … مَا دَعا لله دَاعِ (١) ومن هذا الجنس كانوا يُنْشِدونَ بالمدينة، وربَّما ضَرَبوا عليه بالدُّفِّ عند إنشاده. ومنه ما أخبرنا به ابن الحصين قال: أخبرنا ابن المذهب قال: أخبرنا أحمد بن جعفر قال: نا عبد الله بن أحمد قال: نا أبي قال: نا أبو المغيرة قال: نا الأوزاعي قال: حدثني الزهري عن عروة عن عائشة ﵂: أن أَبا بكر ﵁ دخلَ عليها وعندها جاريتان في أيام مِنَى تضرِبان بِدُفَّيْن ورسول الله ﷺ مُسَجًّى عليه بثوبه فانْتَهَرَهُما فكشف رسول الله ﷺ وجهه. وقال: "دَعْهُنَّ يا أبا بكر فإنَّها أيامُ عيدٍ". أخرجاه في الصحيحين (٢). والظاهرُ من هاتين الجاريتين صِغَرُ السِّنِّ؛ لأنَّ عائشة كانت صغيرة وكان النبي ﷺ يُسَرِّي إليها الجَواريَ فيَلْعَبْنَ معها (٣). وقد أخبرنا محمد بن ناصر قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار قال: نا أبو إسحاق البرمكي قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر قال: نا أبو بكر الخلَّال قال: أخبرني منصور بن الوليد، أن جعفر بن محمد حدثهم قال: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل:

стр. 526

حديث الزُّهري عن عروة عن عائشة عن جوارٍ يغنين أي شيء هذا الغناء؟ قال: "غناء الرَّاكْب: أتيناكم" (١). قال: الخلَّال وحدثنا أحمد بن الفرج الحمصي قال: نا يحيى بن سعيد قال: نا أبو عقيل عن بُهَيَّة عن عائشة ﵂ قالت: كانت عندنا يتيمةٌ من الأنصار، فكنت فيمن أهداها إلى زوجها (٢) فقال رسول الله ﷺ : "يا عائشة إنَّ الأنصار أناسٌ فيهم غَزَلٌ، فما قلتِ؟ " قالت: دَعَوْنا بالبَرَكة "قال: أفلا قلتم: أتَيْنَاكُمْ أتَيْنَاكُمْ … فَحَيُّونَا نُحَيِّيكْمْ ولَولا الذَّهَبُ الأحمـ … رُ ما حَلَّتْ بِوادِيكُمْ ولَولا الحَبَّةُ السَّمـ … ــــرَاءُ لم تَسْمَنْ عَذارِيكُمْ" (٣) أخبرنا ابن الحصين قال: أخبرنا ابن المذهب قال: أخبرنا أحمد بن جعفر قال: نا عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي قال: نا أسود بن عامر قال: أخبرنا أبو بكر عن أجلح عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لعائشة ﵂: "أهديتم الجاريةَ إلى بيتها؟ " قالت: نعم. قال: "فَهَلَّا بعثتم معها مَنْ يُغَنِّيهم يقول: أتَيْنَاكُمْ أتَيْنَاكُمْ … فَحَيُّونَا نُحَيِّيكْمْ

стр. 527

فإن الأنصار قوم فيهم غَزَلٌ" (١). قال المصنف ﵀: قلت: فقد بانَ بما ذَكَرْنا ما كانوا يُغَنُّونَ به وليس ممَّا يُطْرِبُ ولا كانت دُفوفُهُنَّ على ما يُعْرَفُ اليوم. ومِن ذلك: أشعارٌ يُنْشِدُها المتزهِّدون بتطريبٍ وتَلحينٍ تُزعجُ القلوبَ إلى ذكر الآخرة، ويسمُّونَها الزُّهْدِيَّات كقول بعضهم: يا غَادِيًا في غَفْلَة ورَائِحا … إلى مَتى تَسْتَحْسِنُ القَبائِحا وكَمْ إلى كَمْ لا تخافُ مَوْقِفًا … يَسْتَنْطِقُ اللهُ به الجَوارِحَا يا عَجَبًا مِنْكَ وأنْتَ مُبْصِرٌ … كيفَ تجَنَّبْتَ الطَّرِيقَ الواضِحَا (٢) وهذا مباح أيضًا مِثْلَه أشار أحمدُ بن حنبل في الإباحة فيما أنبأنا به أبو العز بن كادش قال: نا المظفر بن الحسن الهمذاني قال: نا أبو بكر بن لال قال: نا الفضل بن الفضل الكندي قال: سمعت عَبْدوس يقول: سمعت أبا حامد الخُلْقَانيَّ يقول: قلت لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، هذه القصائد الرِّقاق التي في ذِكْر الجنَّة والنَّار، أيُّ شيءٍ تقول فيها؟ فقال: مِثْلُ أيِّ شيءٍ؟ قلتُ يقولون: إذا ما قالَ لي رَبِّي … أما اسْتَحْيَيْتَ تَعْصِيني وتُخْفِي الذَّنْبَ مِن خَلْقِي … وبالعِصْيانِ تَأْتِيْنِي

стр. 528

فقال: أعِدْ عَلَيَّ. فأعَدْتُ عليه، فقام ودخل بيتَه وردَّ الباب فسمعتُ نحيبَهُ من داخلٍ وهو يقولُ لنفسه: إذا ما قالَ لي رَبِّي … أما اسْتَحْيَيْتَ تَعْصِيني وتُخْفِي الذَّنْبَ مِن خَلْقِي … وبالعِصْيانِ تَأْتِيْنِي (١) ومن الأشعارِ أشعارٌ تَنْشِدُها النُّوَّاحُ يُثيرونَ بها الأحزانَ والبُكاءَ فيُنْهى عنها؛ لما في ضِمْنِها. فأمَّا الأشعارُ التي يُنْشِدُها المُغَنُّون المهيَّئُون للغناء ويصفونَ فيها المستَحْسَنات والخمر وغير ذلك مما يحرِّكُ الطِّبَاع ويُخرجُها عن الاعتدال ويُثير كامِنَها من حُبِّ اللَّهوِ وهو الغناءُ العروف في هذا الزَّمان، مثل قول الشاعر: ذَهَبيُّ اللَّونِ تَحْسَبُ مِن … وجْنَتَيْهِ النَّارُ تَقْتَدِحُ خَوَّفُونِي مِن فَضيحَتِهِ … لَيْتَهُ وَافَى (٢) وأفْتَضِحُ (٣) وقد أخْرَجوا لهذه الأغاني ألحانًا مختلفة كلُّها تُخْرِجُ سامِعَها عن حَيِّز الاعتدال، وتُثيرُ حُبَّ اللَّهو.

стр. 529

ولهم شيءٌ يسمُّونَه البَسِيطَ (١) يُزْعِجُ القلوبَ عن مَهَلٍ ثم يأتون بالنشيد بعده فيُجَعْجعُ القلوبَ. وقد أضافوا إلى ذلك ضرْبَ القضيبِ والإيقاعَ به على وفق الإنشاد، والدُّفَّ بالجلاجِل، والشَّبَّابةَ النائبةَ عن الزَّمْرِ فهذا الغناء المعروف اليوم. فصل: وقبلَ أنْ نتكَلَّم في إباحتِه أو تحريمه أو كراهته نقول: ينبغي للعاقل أنْ ينصح نفسه وإخوانه، ويحذر تلبيسَ إبليس في إجراء هذا الغناء مَجْرى الأقسام المتقدمة التي يُطْلَق عليها اسمُ الغناء فلا يحمل الكل محملًا واحدًا، فيقول: قد أباحه فلان وكرهه فلان. فنبدأُ بالكلام في النصيحة للنفس والإخوان فنقول: معلومٌ أن طباع الآدميِّين تتقاربُ ولا تكادُ تتفاوتُ فإذا ادَّعى الشَّابُ السَّليمُ البدن الصحيح المزاج أن رؤية المستحسنات لا تزعجه ولا تؤثِّر عنده ولا تضرُّه في دينه كَذَّبناه؛ لما نعلمُ من استواء الطِّبَاع، فإنْ ثبتَ صدْقُه عرفنا أن به مرضًا خرج به عن حَيِّز الاعتدال. فإنْ تعلَّل فقال: إنما أنظرُ إلى هذه المستحسنة مُعْتَبِرًا، فأتعجَّب من حُسْن الصنعة في دَعَج العينين (٢)، ورقَّة الأنف، ونقاءِ البياض. قلنا له: في أنواع المباحات ما يكفي في العبرة وهاهنا ميل من طبعك يَشْغَلُك عن الفكرة، ولا يدعُ لبلوغِ شهوتك وجودَ فكرةٍ فإنَّ ميل الطبع شاغلٌ عن ذلك.

стр. 530

وكذلك من قال: إنَّ هذا الغناءَ المطربَ المزعجَ للطباع المُحَرِّكَ لها إلى العشق وحُبِّ الدُّنيا لا يُؤْثِّر عندي ولا يَلْفِتُ قلبي إلى حبِّ الدنيا الموصوفة فيه! فإنا نُكَذِّبُه؛ لموضع اشتراك الطِّباع ثم لو كان قلبه بالخوف من الله تعالى غائبًا عن الهوى لأحْضَرَ هذا المسموعُ الطبعَ وإنْ كانت قد طالتْ غَيْبَتُهُ في سفر الخوف، وأقبح القبيح البَهْرَجَة، ثم كيف تمرُّ البَهْرجَة على مَنْ يعلم السرَّ وأخفى. ثم إنْ كان الأمرُ كما زعمَ هذا المتصوِّفُ فينبغي أن لا نبيحَه إلا لمن هذه صفته والقومُ قد أباحوهُ على الإطلاقِ للشَّابِّ المبتدئ، والصبيِّ الجاهل حتى قال أبو حامد الطوسي: إنَّ التشبيبَ بوصف الخدود، والأصداغ، وحسن القَدِّ والقامة، وسائر أوصاف النساء الصحيح أنَّه لا يحرم (١). قال المصنف ﵀: قلت: فأمَّا من قال: إنِّي لا أسمعُ الغناء للدُّنيا، وإنَّما آخُذُ منه إشاراتٍ (٢). فهو مخطئ من وجهين: أحدُهما: أن الطبعَ يسبقُ إلى مقصوده قبل أخذ الإشاراتِ فيكونُ كمن قال: إنِّي أنظرُ إلى المرأة المُسْتَحْسَنَةِ لأتفكَّرَ في الصنعة. والثاني: أنَّه يَقِلُّ فيه وجود شيءٍ يُشَارُ به إلى الخالق. وقد جلَّ الخالقُ ﵎ أنْ يُقَالَ في حقِّه: إنَّه يعشق (٣) ويقع الهَيَمانُ به،
следующие страницы →