← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11302

تلبيس إبليس - ت المزيد والسحيباني

ابن الجوزي

Полный текст (915 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

حديث الزُّهري عن عروة عن عائشة عن جوارٍ يغنين أي شيء هذا الغناء؟ قال: "غناء الرَّاكْب: أتيناكم" (١). قال: الخلَّال وحدثنا أحمد بن الفرج الحمصي قال: نا يحيى بن سعيد قال: نا أبو عقيل عن بُهَيَّة عن عائشة ﵂ قالت: كانت عندنا يتيمةٌ من الأنصار، فكنت فيمن أهداها إلى زوجها (٢) فقال رسول الله ﷺ : "يا عائشة إنَّ الأنصار أناسٌ فيهم غَزَلٌ، فما قلتِ؟ " قالت: دَعَوْنا بالبَرَكة "قال: أفلا قلتم: أتَيْنَاكُمْ أتَيْنَاكُمْ … فَحَيُّونَا نُحَيِّيكْمْ ولَولا الذَّهَبُ الأحمـ … رُ ما حَلَّتْ بِوادِيكُمْ ولَولا الحَبَّةُ السَّمـ … ــــرَاءُ لم تَسْمَنْ عَذارِيكُمْ" (٣) أخبرنا ابن الحصين قال: أخبرنا ابن المذهب قال: أخبرنا أحمد بن جعفر قال: نا عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي قال: نا أسود بن عامر قال: أخبرنا أبو بكر عن أجلح عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لعائشة ﵂: "أهديتم الجاريةَ إلى بيتها؟ " قالت: نعم. قال: "فَهَلَّا بعثتم معها مَنْ يُغَنِّيهم يقول: أتَيْنَاكُمْ أتَيْنَاكُمْ … فَحَيُّونَا نُحَيِّيكْمْ

стр. 527

فإن الأنصار قوم فيهم غَزَلٌ" (١). قال المصنف ﵀: قلت: فقد بانَ بما ذَكَرْنا ما كانوا يُغَنُّونَ به وليس ممَّا يُطْرِبُ ولا كانت دُفوفُهُنَّ على ما يُعْرَفُ اليوم. ومِن ذلك: أشعارٌ يُنْشِدُها المتزهِّدون بتطريبٍ وتَلحينٍ تُزعجُ القلوبَ إلى ذكر الآخرة، ويسمُّونَها الزُّهْدِيَّات كقول بعضهم: يا غَادِيًا في غَفْلَة ورَائِحا … إلى مَتى تَسْتَحْسِنُ القَبائِحا وكَمْ إلى كَمْ لا تخافُ مَوْقِفًا … يَسْتَنْطِقُ اللهُ به الجَوارِحَا يا عَجَبًا مِنْكَ وأنْتَ مُبْصِرٌ … كيفَ تجَنَّبْتَ الطَّرِيقَ الواضِحَا (٢) وهذا مباح أيضًا مِثْلَه أشار أحمدُ بن حنبل في الإباحة فيما أنبأنا به أبو العز بن كادش قال: نا المظفر بن الحسن الهمذاني قال: نا أبو بكر بن لال قال: نا الفضل بن الفضل الكندي قال: سمعت عَبْدوس يقول: سمعت أبا حامد الخُلْقَانيَّ يقول: قلت لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، هذه القصائد الرِّقاق التي في ذِكْر الجنَّة والنَّار، أيُّ شيءٍ تقول فيها؟ فقال: مِثْلُ أيِّ شيءٍ؟ قلتُ يقولون: إذا ما قالَ لي رَبِّي … أما اسْتَحْيَيْتَ تَعْصِيني وتُخْفِي الذَّنْبَ مِن خَلْقِي … وبالعِصْيانِ تَأْتِيْنِي

стр. 528

فقال: أعِدْ عَلَيَّ. فأعَدْتُ عليه، فقام ودخل بيتَه وردَّ الباب فسمعتُ نحيبَهُ من داخلٍ وهو يقولُ لنفسه: إذا ما قالَ لي رَبِّي … أما اسْتَحْيَيْتَ تَعْصِيني وتُخْفِي الذَّنْبَ مِن خَلْقِي … وبالعِصْيانِ تَأْتِيْنِي (١) ومن الأشعارِ أشعارٌ تَنْشِدُها النُّوَّاحُ يُثيرونَ بها الأحزانَ والبُكاءَ فيُنْهى عنها؛ لما في ضِمْنِها. فأمَّا الأشعارُ التي يُنْشِدُها المُغَنُّون المهيَّئُون للغناء ويصفونَ فيها المستَحْسَنات والخمر وغير ذلك مما يحرِّكُ الطِّبَاع ويُخرجُها عن الاعتدال ويُثير كامِنَها من حُبِّ اللَّهوِ وهو الغناءُ العروف في هذا الزَّمان، مثل قول الشاعر: ذَهَبيُّ اللَّونِ تَحْسَبُ مِن … وجْنَتَيْهِ النَّارُ تَقْتَدِحُ خَوَّفُونِي مِن فَضيحَتِهِ … لَيْتَهُ وَافَى (٢) وأفْتَضِحُ (٣) وقد أخْرَجوا لهذه الأغاني ألحانًا مختلفة كلُّها تُخْرِجُ سامِعَها عن حَيِّز الاعتدال، وتُثيرُ حُبَّ اللَّهو.

стр. 529

ولهم شيءٌ يسمُّونَه البَسِيطَ (١) يُزْعِجُ القلوبَ عن مَهَلٍ ثم يأتون بالنشيد بعده فيُجَعْجعُ القلوبَ. وقد أضافوا إلى ذلك ضرْبَ القضيبِ والإيقاعَ به على وفق الإنشاد، والدُّفَّ بالجلاجِل، والشَّبَّابةَ النائبةَ عن الزَّمْرِ فهذا الغناء المعروف اليوم. فصل: وقبلَ أنْ نتكَلَّم في إباحتِه أو تحريمه أو كراهته نقول: ينبغي للعاقل أنْ ينصح نفسه وإخوانه، ويحذر تلبيسَ إبليس في إجراء هذا الغناء مَجْرى الأقسام المتقدمة التي يُطْلَق عليها اسمُ الغناء فلا يحمل الكل محملًا واحدًا، فيقول: قد أباحه فلان وكرهه فلان. فنبدأُ بالكلام في النصيحة للنفس والإخوان فنقول: معلومٌ أن طباع الآدميِّين تتقاربُ ولا تكادُ تتفاوتُ فإذا ادَّعى الشَّابُ السَّليمُ البدن الصحيح المزاج أن رؤية المستحسنات لا تزعجه ولا تؤثِّر عنده ولا تضرُّه في دينه كَذَّبناه؛ لما نعلمُ من استواء الطِّبَاع، فإنْ ثبتَ صدْقُه عرفنا أن به مرضًا خرج به عن حَيِّز الاعتدال. فإنْ تعلَّل فقال: إنما أنظرُ إلى هذه المستحسنة مُعْتَبِرًا، فأتعجَّب من حُسْن الصنعة في دَعَج العينين (٢)، ورقَّة الأنف، ونقاءِ البياض. قلنا له: في أنواع المباحات ما يكفي في العبرة وهاهنا ميل من طبعك يَشْغَلُك عن الفكرة، ولا يدعُ لبلوغِ شهوتك وجودَ فكرةٍ فإنَّ ميل الطبع شاغلٌ عن ذلك.

стр. 530

وكذلك من قال: إنَّ هذا الغناءَ المطربَ المزعجَ للطباع المُحَرِّكَ لها إلى العشق وحُبِّ الدُّنيا لا يُؤْثِّر عندي ولا يَلْفِتُ قلبي إلى حبِّ الدنيا الموصوفة فيه! فإنا نُكَذِّبُه؛ لموضع اشتراك الطِّباع ثم لو كان قلبه بالخوف من الله تعالى غائبًا عن الهوى لأحْضَرَ هذا المسموعُ الطبعَ وإنْ كانت قد طالتْ غَيْبَتُهُ في سفر الخوف، وأقبح القبيح البَهْرَجَة، ثم كيف تمرُّ البَهْرجَة على مَنْ يعلم السرَّ وأخفى. ثم إنْ كان الأمرُ كما زعمَ هذا المتصوِّفُ فينبغي أن لا نبيحَه إلا لمن هذه صفته والقومُ قد أباحوهُ على الإطلاقِ للشَّابِّ المبتدئ، والصبيِّ الجاهل حتى قال أبو حامد الطوسي: إنَّ التشبيبَ بوصف الخدود، والأصداغ، وحسن القَدِّ والقامة، وسائر أوصاف النساء الصحيح أنَّه لا يحرم (١). قال المصنف ﵀: قلت: فأمَّا من قال: إنِّي لا أسمعُ الغناء للدُّنيا، وإنَّما آخُذُ منه إشاراتٍ (٢). فهو مخطئ من وجهين: أحدُهما: أن الطبعَ يسبقُ إلى مقصوده قبل أخذ الإشاراتِ فيكونُ كمن قال: إنِّي أنظرُ إلى المرأة المُسْتَحْسَنَةِ لأتفكَّرَ في الصنعة. والثاني: أنَّه يَقِلُّ فيه وجود شيءٍ يُشَارُ به إلى الخالق. وقد جلَّ الخالقُ ﵎ أنْ يُقَالَ في حقِّه: إنَّه يعشق (٣) ويقع الهَيَمانُ به،

стр. 531

وإنما نصيبُنا من معرفته الهيبةُ والتعظيمُ فقط. وإذْ قد انتهت النصيحة فلنذكر ما قيلَ في الغناء. فصل: أما مذهب أحمد ﵀: فإنَّه كان الغناء في زمانه إنشاد قصائد الزهد إلا أنَّهم لما كانوا يُلَحِّنونَها اختلفت الرواية عنه: • فروى عنه ابنه عبد الله أنَّه قال: الغناءُ يُنبتُ النِّفَاقَ في القلب لا يعجبني (١). • وروى عنه إسماعيل بن إسحاق الثَّقَفيُّ: أنَّه سُئِلَ عن استماع القصائد؟ فقال: أكرَهُه، هو بدعة، ولا يُجَالَسون (٢). • وروى عنه أبو الحارث أنَّه قال: التَّغبير بدعة. فقيل له: إنَّه يرقق القلبَ. فقال: هو بدعة (٣).

стр. 532

• وروى عنه يعقوب الهاشمي: التغبير بدعة محدث (١). • وروى عنه يعقوب بن بُخْتَان: أكره التغبيرَ. وأنَّه نهى عن استماعه (٢). قال المصنف ﵀: فهذه الروايات كلُّها دليل على كراهية الغناء. وقال أبو بكر الخَلَّال: كره أحمد القصائد لما قيلَ له: إنهم يتَمَاجَنون ثم روي عنه ما يدُلُّ على أنه لا بأسَ بها (٣). قال المروذيُّ: سألت أبا عبد الله عن القصائد؟ فقال: بدعة. فقلتُ له: يُهْجَرون؟ فقال: لا يبلُغُ بهم هذا كله (٤). قال المصنف ﵀ قلت: وقد رُوِّينا عن أحمد سمع قَوَّالًا (٥) عند ابنه صالح فلم ينكرْ عليه فقال له صالح: يا أبتِ أليسَ كنت تُنْكِرُ هذا؟ فقال: إنما قيلَ لي: إنهم يستعملون المُنْكَرَ فكرهته، فأمَّا هذا فإني لا أكرهه. قال المصنف ﵀: قلت: وقد ذكر أصحابنا عن أبي بكر الخلَّال وصاحبه عبد العزيز إباحة الغناء وإنما أشارا إلى ما كان في زمانهما من القصائد الزُّهْدِيَّات؛ وعلى هذا يُحْمَلُ ما لم يَكْرَهْهُ أحمد. ويدلُّ على ما قلتُ أن أحمد سُئلَ عن رجل مات وخلَّف ولدًا وجارية مُغَنِّيَةً واحتاج الصبيُّ إلى بيعها، فقال: تباع على أنها ساذجة، لا على أنها مُغَنِّيَةٌ فقيل له: إنها

стр. 533

تساوي ثلاثين ألفًا ولعلَّها إذا بيعت ساذِجَة تساوي عشرين دينارًا. فقال: لا تباعُ إلا على أنها ساذجة. قال المصنف: وإنما قال أحمد هذا لأنَّ الجارية مُغَنِّيةٌ لا تُغَنِّي بقصائد الزُّهْدِيَّات بل بالأشعار المطربة المثيرة للطبع إلى العِشْق، وهذا دليلٌ على أن الغناء محظورٌ؛ إذ لو لم يكن محظورًا ما أجاز تفويتَ المال على اليتيم وصار هذا كقول أبي طَلْحَةَ للنبي ﷺ : عندي خمرٌ لأيتام. فقال: "أرقها" (١). فلو جاز استصلاحها لما أمره بتضييع مال اليتامى. وروى المروذيُّ عن أحمد أنَّه قال: كَسْبُ المُخَنَّثِ خبيثٌ فكسبه بالغناء (٢). وهذا لأن المخنَّث لا يُغَنِّي بالقصائد الزُّهديَّة إنما يُغَنِّي بالغَزَل أو النَّوْح، فبانَ من هذه الجملة أن الروايتين عن أحمد في الكراهية وعدمِها تتعلَّقُ بالزُّهْدِيَّاتِ المُلَحَّنَة، فأمَّا الغناء المعروف اليوم فمحظورٌ عنده كيف ولو علم ما أحدثَ النالسُ فيه من الزيادات؟! فصل: • وأما مذهب مالك ﵀: فأخبرنا محمد بن ناصر قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار قال: أخبرنا أبو إسحاق البرمكي قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر قال: نا أبو بكر الجلَّال

стр. 534

وأخبرناه عاليًا سعيد بن الحسن (١) بن البَنَّا قال: أخبرنا أبو نصر محمد بن محمد الزَّيْنَبي قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر الوَرَّاق قال: نا محمد بن السَّرِيِّ بن عثمان التمار قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي قال: نا إسحاق بن عيسى الطَّبَّاع قال: سألتُ مالك بن أنس عمَّا يترخَّصُ فيه أهلُ المدينة من الغناء؟ فقال: إنما يفعله عندنا الفساق (٢). أخبرنا هبة الله بن أحمد الحريري قال: أنبأنا أبو الطَّيِّب الطَّبَري قال: أمَّا مالك بن أنس فإنه نهى عن الغناء وعن استماعه، وقال: إذا اشترى جاريةً فوجَدَها مُغَنِّيَةً كان له رَدُّها بالعيب (٣). وهو مذهب سائر أهل المدينة إلا إبراهيم بن سعد وَحْدَه فإنَّه قد حَكى زكريَّا السَاجِيُّ أنَّه لا يرى به بأسًا (٤). فصل: • وأما مذهب أبي حنيفة ﵀: أخبرنا هبة الله بن أحمد الحريري عن أبي الطَّيِّب الطَّبَري قال: أبو حنيفة يكره الغناء، مع إباحتِهِ شُرْبَ النَّبيذ ويجعلُ سماعَ الغناء من الذنوب (٥).

стр. 535

قال: وكذلك مذهبُ سائر أهل الكوفة: إبراهيم، والشَّعبِيِّ، وحمَّاد، وسفيان الثَّوريِّ، وغيرهم لا اختلاف بينهم في ذلك. قال: ولا يُعرف بين أهل البصرة خلافٌ في كراهية ذلك والمنع منه، إلا ما رُوِيَ عن عُبيد الله بن الحسن العَنْبَرِيِّ أنَّه كان لا يَرى به بأسًا (١). فصل: • وأما مذهب الشافعي ﵀: فأخبرنا إسماعيل بن أحمد قال: أخبرنا حمد بن أحمد الحداد قال: أخبرنا أبو نُعَيْم الأصبهاني قال: نا محمد بن عبد الرحمن قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الحارث قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن جناد قال: نا الحسن بن عبد العزيز الجرَويّ قال: سمعتُ محمد بن إدريس الشافعيَّ يقول: خَلَّفتُ بالعراق شيئًا أحْدَثته الزنادقة يُسَمُّونَهُ التَّغْبِيرَ يَشْغَلُون به الناس عن القرآن (٢). وقد ذكر أبو منصور الأزهريُّ: المُغَبِّرَةُ: قوم يُغَبِّرون يذكرون الله بدعاء وتضرُّع وقد سَمَّوْا ما يطرَبون فيه من الشعر في ذكر الله تعالى تغبيرًا كأنهم إذا تَنَاشَدوا بالألحان طَرِبوا ورَقَصوا فَسُمُّوا مُغَبِّرةً لهذا المعنى. وقال الزَّجَّاج: سُمُّوا مُغَبِّرين لتزهيدِهم الناسَ في الفاني من الدنيا وترغيبهم في الآخرة (٣).

стр. 536

وأخبرنا هبة الله بن أحمد الحريري عن أبي الطَّيِّب طاهر بن عبد الله الطَّبَري قال: قال الشافعيُّ: الغناء لهوٌ مكروهٌ يشبه الباطل، ومن استكثَرَ منه فهو سفيه تُرَدُّ شهادته. قال: وكان الشافعي يكره التغبير (١). قال الطَّبَرِيُّ (٢): فقد أجمع علماء الأمصار على كراهية الغناء والمنع منه وإنما فارق الجماعةَ إبراهيمُ بن سعد وعُبيدُ الله العَنْبَرِيُّ وقد قال رسول الله ﷺ : "عليكم بالسَّوَاد الأعظم" (٣)، وقال: "مَنْ فارق الجماعة مات مِيتةً جاهلية" (٤). قال المصنف: قلت: وقد كان رؤساء أصحاب الشافعي يُنْكِرُونَ السَّمَاعَ، أمَّا قُدَماؤُهم فلا يُعْرَفُ بينهم خلاف وأمَّا أكابر المتأخِّرين فعلى الإنكار منهم أبو الطَّيِّب الطَّبَريُّ، وله في ذمِّ الغناء والمنع منه كتابٌ مصنَّف (٥) حدثنا به عنه أبو القاسم الحريري.

стр. 537

ومنهم: القاضي أبو بكر محمد بن مظفَّر الشامي أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي عنه قال: لا يجوزُ الغناءُ ولا سماعُهُ ولا الضرْبُ بالقضيب. قال: ومن أضاف إلى الشافعي هذا فقد كَذَبَ عليه. وقد نَصَّ الشافعيُّ في كتاب "أدب القضاء" على أن الرجل إذا دام على سماع الغناء رُدَّتْ شهادتُهُ وبطَلَتْ عدالَتُه (١). قال المصنف ﵀ قلت: فهذا قولُ علماء الشافعيَّةِ وأهل التديُّن منهم وإنما رَخَّصَ في ذلك من مُتَأخِّريهم من قلَّ علمُهُ أو غَلَبَهُ هواه. وقال الفقهاء من أصحابنا: لا تُقبَلُ شهادةُ المُغَنِّي والرَّقاص (٢). فصلٌ في ذِكْر الأدلَّة على كراهِيَة الغناء والمنع منه قد استدلَّ أصحابُنا بالقرآن والسنة والمعنى: • فأما الاستدلالُ من القرآن فثلاث آيات: • الآيةُ الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦]. أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك ويحيى بن علي قالا: أخبرنا أبو محمد الصَّرِيفيني، قال: أخبرنا أبو بكر بن عبدان قال: نا عبد الله بن منيع قال: نا

стр. 538

عبد الله بن عمر قال: نا صفوان بن عيسى قال: حميد الخَرَّاط أخبرنا، عن عمار بن أبي معاوية عن سعيد بن جبير عن أبي الصَّهْباء، قال: سألتُ ابن مسعود ﵁ عن قول الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال: هو - والله - الغناء (١). أخبرنا عبد الله بن علي المقرئ ومحمد بن ناصر الحافظ قالا: أخبرنا طِرَاد بن محمد قال أخبرنا ابن بِشْران قال: نا ابن صفوان قال: حدثني أبو بكر القرشي قال: نا زهير بن حرب قال: نا جرير عن عطاء بن السَّائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵁: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾، قال: هو الغناءُ وأشباهُهُ (٢). أخبرنا عبد الله بن محمد الحاكم ويحيى بن علي المدير، قالا: أخبرنا أبو الحسين بن النقور قال: أخبرنا ابن حَيُّويَة قال: نا البغوي، قال: نا هُدْبة قال: نا حماد بن سلمة عن حميد، عن الحسن بن مسلم عن مجاهد (٣): ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾، قال: الغناء (٤). أخبرنا ابن ناصر قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قال: أخبرنا أبو إسحاق البرمكي قال: أنبأنا أحمد بن جعفر بن سلم قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن

стр. 539

عبد الخالق قال: نا أبو بكر المروذي قال: نا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا عَبْدَة قال: نا إسماعيل، عن شعيب بن يسار قال: سألتُ عكرمة عن لهو الحديث قال: هو الغناء (١). وكذلك قال الحسن وسعيد بن جُبَيْر وقتادة وإبراهيم النَّخَعيُّ. (٢) • الآية الثانية: قول الله : ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: ٦١]. أخبرنا عبد الله بن علي قال: أخبرنا طِراد بن محمد قال: أخبرنا ابن بشران قال: أخبرنا ابن صفوان قال: نا أبو بكر القرشي قال: نا عبيد الله بن عمر قال: حدثني يحيى بن سعيد عن سفيان عن أبيه عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ قال: هو الغناء بالحِمْيَريَّة. سَمَدَ لنا: غَنَّى لنا (٣) (٤).

стр. 540

• الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤]. أخبرنا موهوب بن أحمد قال: أخبرنا ثابت بن بُنْدار قال: أخبرنا عمر ابن إبراهيم الزهري، قال: نا عبد الله بن إبراهيم بن ماسي قال: نا الحسين بن الكميت، قال: نا محمد بن نعيم عن القاسم الجرمي عن سفيان الثوري عن ليث عن مجاهد: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ قال: الغناء والمزامير (١). • وأما السُّنَّة: • فأخبرنا ابن الحصين قال: أخبرنا ابن المذهب قال: أخبرنا أحمد بن جعفر قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد قال: حدثنى أبي قال: نا الوليد بن مسلم، قال: نا سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر ﵁ أنه سمع صوت زَمَّارة راع فوضع إصبَعَيْه في أُذُونَيْه وعَدَلَ راحلته عن الطريق وهو يقول: يا نافع، أتسمع؟ فأقول: نعم. فيمضي، حتى قلتُ: لا. فوضع يديه وأعاد راحلته إلى الطريق وقال: رأيتُ رسول الله ﷺ سمعَ زمارةَ راعٍ فصنعَ مثلَ هذا (٢). قال المصنف ﵀ قلت: إذا كان هذا فعلهم في حَقِّ صوت لا يخرُجُ عن الاعتدال فكيف بغناء أهل الزمان وزُمورِهِم؟!

стр. 541

• أخبرنا محمد بن ناصر قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قال: أخبرنا الحسين بن محمد النَّصِيبي، قال: نا إسماعيل بن سعيد بن سويد قال: نا أبو بكر بن الأنباري قال: نا عبيد بن عبد الواحد بن شريك البزار قال: نا ابن أبي مريم قال: نا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زَحْر عن علي بن يزيد، عن القاسم عن أبي أمامة قال: نهى رسول الله ﷺ عن شراء المغنيات وبيعهن وتعليمهن، وقال: "ثمنهن حرام، وتلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: ٦] (١). • أخبرنا عبد الله بن علي المقرئ قال: أخبرنا أبو منصور محمد بن أحمد المقرئ قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الملك بن محمد بن بشران قال: أخبرنا عمر بن أحمد بن عبد الرحمن الجُمَحي قال: نا علي بن عبد العزيز قال: نا أبو عنان قال: نا منصور بن أبي الأسود عن أبي المهلَّب عن عبيد الله بن زَحْر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع المُغَنِّيات وعن التجارة فيهن وعن تعليمهن الغناء وقال: "ثَمَنُهُنَّ حرام". وقال: "في هذا أو نحوه - أو قال: شبهه - نزلت عليّ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقال: "ما مِنْ رجل يرفع عَقِيرةَ صوته للغناء إلا بعث الله إليه شيطانين يَرْتَدِفَانِهِ هذا من ذا الجانب، وهذا من ذا الجانب ولا يزالان يضربان بأرجلهما في صدره حتى يكون هو الذي يسكت" (٢). • وروت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله حرم المغنية وبيعها

стр. 542

وثمنها وتعليمها والاستماع إليها. ثم قرأ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١). • وروى عبد الرحمن بن عوف ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إنما نهيتُ عن صوتَيْن أحمقَيْن فاجِرين: صوت عند نعمة وصوت عند مصيبة" (٢). • أخبرنا ظفر بن علي، قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد المقرئ، قال: أخبرنا أبو نُعَيم الحافظ قال: نا حبيب بن الحسن قال: نا الحسن بن علي بن الوليد قال: نا محمد بن كليب قال: حدثنا خَلَف بن خليفة، عن أَبَان المُكْتِب، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عطاء بن أبي رَبَاح، عن ابن عمر ﵂ قال: دخلتُ مع الرسول ﷺ فإذا ابنه إبراهيم يجود بنفسه فأخذه رسول الله ﷺ فوضَعَه في حِجْرِه ففاضتْ عيناهُ فقلتُ: يا رسول الله أتَبْكي وتنهانا عن البكاء؟! فقال: "لستُ عن البكاء نهيت، ولكن نهيت عن صوتَيْن أحَمَقْين فاجِرَيْن: صوتٍ عند نَعَمَة: لَعِبٍ ولهوٍ ومزاميرِ الشيطان، وصوتٍ عند مصيبة: ضرب وجهٍ وشقِّ جيوبٍ ورنَّةِ شيطان" (٣). • أخبرنا عبد الله بن علي المقرئ قال: نا جدي أبو منصور محمد بن أحمد الخياط

стр. 543

قال: نا عبد الملك بن محمد بن بشران قال: نا أبو علي أحمد بن الفضل بن خزيمة قال: نا محمد بن سويد الطحان قال: نا عاصم بن علي قال: نا عبد الرحمن بن ثابت، عن أبيه عن مكحول، عن جُبَيْر بن نُفَيْر عن مالك بن يحامر (١)، وعن الثقة عن عكرمة عن ابن عباس ﵂، أن النبي ﷺ قال: "بُعِثْتُ بهدمِ المزمار (٢) والطبل" (٣). • أخبرنا ابن الحصين، قال: أخبرنا أبو طالب بن غيلان قال: نا أبو بكر الشافعي قال: نا عبد الله بن محمد بن ناجية قال: نا عباد بن يعقوب، ثنا موسى بن عمير عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "بُعِثْتُ بكسر المزامير" (٤). • أخبرنا أبو الفتح الكروخي قال: أخبرنا أبو عامر الأزدي وأبو بكر الغورجي قالا: أخبرنا الجراحي، قال: نا المحبوبي، قال: نا الترمذي قال نا صالح بن عبد الله قال: نا الفرج بن فَضَالة عن يحيى بن سعيد عن محمد بن علي بن أبي طالب عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا فعلتْ أمتي خمسَ عشرة خصلة حَلَّ بها البلاء". فذكر منها: "إذا أتخذت القيان والمعازف" (٥).

стр. 544

• قال الترمذي: وحدثنا علي بن حُجْر قال: أخبرنا محمد بن يزيد عن مُسْتَلم بن سعيد، عن رميح الجُذَامي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا اتُّخِذَ الفيءُ دولًا، والأمانة مغنمًا، والزكاة مغرمًا، وتُعُلِّمَ لغير الله، وأطاعَ الرجلُ امرأته وعَقَّ أمه، وأدنى صديقه وأقصى أباه وظهرتِ الأصواتُ في المساجد، وساد القبيلةَ فاسِقُهُم وكان زعيم القوم أرذلهم، وأُكرِمَ الرجل مخافة شرِّه وظهرت القَيْنَاتُ والمعازف وشُربَت الخُمر ولَعَنَ آخرُ هذه الأمَّة أوَّلهَا فيترقبوا عند ذلك ريحًا حمراءَ وزلزلة ومَسْخًا وقذفًا وآيات تَتَابَعُ كنظامٍ بالٍ قُطِعَ سِلْكُه فتتابَعَ" (١). • وقد روي عن سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ أنَّه قال: "يكون في أمتي خسف وقذف ومسخ". قيل: يا رسول الله متى؟ قال: "إذا ظهرت المعازف والقينات واستحلت الخمر" (٢). • أنبأنا أبو الحسن سعد الخير بن محمد الأنصاري في كتاب السنن لابن ماجه قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد الاسْتَرَاباذي، قال: أخبر نا أبو منصور المقومي قال: أخبرنا أبو طلحة القاسم بن المنذر قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن إبراهيم القطان قال: حدثنا محمد بن يزيد بن ماجه قال: نا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال: نا عبد الرزاق قال: أخبرني يحيى بن العلاء أنه سمع مكحولًا يقول: أنه سمع يزيد بن عبد الله يقول: أنه سمع صفوان بن أمية قال: كنا عند رسول الله ﷺ فجاء

стр. 545

عمرو بن قرَّة (١) فقال: يا رسول الله، إن الله قد كتب عليّ الشقوة فما أراني أرزق إلّا من دُفِّي بكفي فَأْذَنْ لي في الغناء في غير فاحشة، فقال رسول الله ﷺ : "لا آذن لك ولا كرامة ولا نِعْمَة عين، كذبتَ يا عدو الله! لقد رزقك الله حلالًا طيبًا فاخترتَ ما حَرَّمَ اللهُ عليك من رزقه مكانَ ما أحلَّ الله لك من حَلاله، ولو كنت تقدمت إليك لفعلتُ بك وفعلتُ قُمْ عني وتُبْ إلى الله أمَا إنك إن قلتَ بعد التقدمة إليك ضربتُكَ ضربًا وجيعًا وحلقتُ رأسك مُثْلَةً ونَفَيْتُك من أهلك وأحللتُ سَلَبَك نُهْبَةً لفتيان المدينة". فقام عمرو وبه من الشر والخزي ما لا يعلمه إلا الله فلما وَلَّى قال رسول الله ﷺ : "هؤلاء العصاة من مات منهم بغير توبةٍ حشره اللهُ عُرْيانًا لا يستتر بهُدبة، كلما قام صُرِع" (٢). • وأما الآثار: • فقال ابن مسعود ﵁: الغناء يُنْبِتُ النفاقَ في القلب كما يُنْبِتُ الماءُ البَقْلَ (٣). وقال: إذا ركب الرجلُ الدابةَ ولم يُسَمِّ رَدِفَهُ الشيطان، وقال: تَغَنَّهْ! فإن لم يُحْسِنْ قال له: تمَحهْ! (٤). • ومرَّ ابن عمر ﵄ بقوم محرمين وفيهم رجل يتغنَّى، فقال: ألا لا سمعَ اللهُ

стр. 546

لكم! (١). ومرَّ بجاريةٍ صغيرةٍ تُغَنِّي فقال: لوْ ترك الشيطانُ أحدًا لترك هذه (٢). • وسأل رجلٌ القاسمَ بن محمد عن الغناء، فقال: أنهاكَ عنهُ وأكرهُه لكَ. قال: أحرامٌ هو؟ قال: انْظُرْ يا ابنَ أخي، إذا مَيّزَ الله الحقَّ من الباطل في أيِّهما يجعَلُ الغناء (٣)؟! • وقال الشعبي: لُعِنَ المُغَنِّى والمُغَنَّى لهُ (٤). • أخبرنا عبد الله بن علي المقرئ ومحمد بن ناصر قالا: نا طِراد بن محمد قال: نا أبو الحسين بن بِشران قال: أخبرنا أبو علي بن صفوان قال: نا أبو بكر القرشي قال: أخبرني أبو حفص عمر بن عبيد الله الأرموي قال: كتبَ عمرُ بن عبد العزيز إلى مُؤَدِّبِ ولده: ليكنْ أوَّلَ ما يعتقدونَ من أدبِك بُغْضُ الملاهي، التي بَدْؤُها من الشيطان وعاقبتُها سَخَطُ الرحمن فإنه بلغني عن الثقات من حَمَلَة العلم أن حضورَ المعازف واستماع الأغاني واللَّهَجَ بها ينبت النفاق في القلب كما ينبت العشبَ الماءُ ولَعَمْري! لَتَوَقِّي ذلك بترك حضور تلك المواطن أيسر على ذي الذِّهن من الثُّبوت على النفاق في قلبه (٥).

стр. 547

• وقال فُضيلُ بن عِيَاضٍ: الغناءُ رُقْيَةُ الزِّنَا (١). • وقال الضَّحَّاك: الغناء مَفْسَدةٌ للقلب مَسْخَطةٌ للرب (٢). • وقال يزيد بن الوليد: يا بني أُمَيَّةَ، إياكم والغناء! فإنه يزيدُ الشهوةَ ويَهدِمُ المروءَة وإنه لينوبُ عن الخمر ويفعَلُ ما يفعَلُ السكر فإن كنتم لأبدَّ فاعلين فجَنِّبوه النساء، فإن الغناءَ داعيةُ الزِّنا (٣). قال المصنف ﵀ قلت: وكم قد فَتَنَتِ الأصواتُ بالغناء من عابدٍ وزاهدٍ قد ذكرنا جملة من أخبارهم في كتابنا المسمَّى بـ "ذم الهوى" (٤). • أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا ثابت بن بندار قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن عبد الواحد بن رزمة قال: أخبرنا أبو سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي، قال: حدثني محمد بن منصور بن يزيد النحوي قال: نا الزبيري بن بكار قال: حدثني محمد بن يحيى عن معن بن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: كان سليمان بن عبد الملك في بادية له فسمر ليلةً على ظهر سطحٍ ثم تَفَرَّق عنه جلساؤه، فدعا بوضوء فجاءتْ به جارية له فبينما هي تَصُبُّ عليه إذ استمدها بيده، وأشار إليها فإذا هي ساهية مُصْغِيةٌ بسمعها مائلةٌ بجسدها كُلِّه إلى صوت غناءٍ تسمعه في ناحية العسكر فأمرها فَتَنَحَّتْ، واستمع هو الصوت فإذا صوت رجل يُغَنِّي فأنصتَ له حتى فَهِمَ ما يغنِّي به من الشعر ثم دعا جاريةً من جواريه غيرها فتوضأ فلما أصبح أذن للناس إذنًا عامًّا فلما أخذوا مجالسهم أجْرَى ذِكْرَ الغناء ومن كان يسمعه ولَيَّنَ فيه حتى ظنَّ القومُ أنه يشتهيه فأفاضوا في التليين والتحليل والتسهيل فقال: هل بقي أحد يسمع

стр. 548

منه؟ فقال رجل من القوم: يا أمير المؤمنين، عندي رجلان من الأيْلَة حاذقان. قال: وأين منزلك من العسكر؟ فَأَوْمَأَ إلى الناحية التي كان الغناء منها فقال سليمان: يُبَعث إليهما. فوجد الرسولُ أحَدَهما، فأقبلَ به حتى أدخله على سليمان، فقال له: ما اسمك؟ قال: سمير. فسأله عن الغناء كيف هو فيه؟ فقال: حاذقٌ محكِمٌ. قال: فمتى عهدك به؟ قال: في ليلتي هذه الماضية. قال: وفي أي نواحي العسكر كنت؟ فذكر له الناحيةَ التي سمع منها الصوت قال: فما غنيتَ؟ فذكر الشعرَ الذي سمع سليمان فأقبل سليمان فقال: هَدَرَ الجملُ فضَبِعت الناقة، وهبَّ التيس فسَكِرت الشاة، وهَدَلَ الحمام فزَافَت الحمامة، وغَنَّى الرجلُ فطربت المرأة. ثم أمر به فَخُصِيَ. وسأل عن الغناء أين أصله وأكثر ما يكون؟ قالوا: بالمدينة وهو في المُخَنَّثِين، وهم الحُذَّاقُ به والأئمة فيه. فكتب إلى عامله على المدينة وهو أبو بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم: أن أخْصِ مَنْ قِبَلَكَ من المُخَنَّثِينَ المغنين (١). • وأمَّا المعنى: فقد بيَّنَّا أن الغناء يُخْرِج الإنسانَ عن الاعتدال ويُغَيِّرُ العقل، وبيان هذا: أن الإنسان إذا طرِب فعَلَ ما يستَقْبِحُهُ في حال صحَّتِه من غيره: من تحريكِ رأْسِهِ، وتصفيقِ يديه، ودقِّ الأرض برجليه، إلى غير ذلك مما يفعلُهُ أرباب العقول السخيفة، والغناءُ يوجِبُ ذلك بل يقارِبُ فِعْلُهُ فعلَ الخمرِ في تغطيةِ العقل، فيَنْبَغي أن يقَعَ المنعُ منه. أخبرنا عمر بن ظفر قال: أنبأنا جعفر بن أحمد قال: أنبأنا عبد العزيز بن علي الأزجي قال: أنبأنا ابن جهضم قال: أنبأنا يحيى بن المؤمل قال: حدثنا أبو بكر

стр. 549

الشَّقَّاق قال: حدثنا أبو سعيد الخرَّاز قال: ذُكِرَ عند محمد بن منصور أصحابُ القصائد فقال: هؤلاء الفرَّارونَ من الله لو ناصَحوا الله وصدَّقوهُ لأفادَهم في سرائِرِهم ما يَشْغَلُهم عن كثرة التلاقي (١). أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أنبأنا عبد الرحمن بن أبي الحسين بن يوسف قال: أنبأنا محمد بن علي العُشَارِي قال: قال أبو عبد الله بن بَطَّةَ العُكْبَري: سألني سائلٌ عن استماع الغناء فنَهيْتُه عن ذلك وأعْلَمْتُه أنه مما أنْكَرَه العلماءُ واستحسنه السفهاء وإنما تفعلهُ طائفة تَسمَّوا بالصوفيَّة وسَمَّاهم المحقَقون الجبْريَّة: أهلُ هِمَمٍ دنية وشرائعَ بدعيَّة يُظهِرونَ الزُّهْدَ وكُلُ أسبابِهم ظُلمة يدَّعون الشوق والمحبة بإسقاط الخوف والرَّجاء يَسْمَعونه من الأحداث والنساء ويَطْرَبونَ ويُصعَقون ويَتَغَاشَوْنَ ويتماوتون وَيزْعُمون أن ذلك من شِدَّة حُبِّهم لرِّبهم وشوقِهم إليه، تعالى الله عمَّا يقوله الجاهلون علوًّا كبيرًا! (٢). فصل: في ذِكْر الشُّبه التي تعلَّقَ بها مَن أجازَ سماعَ الغِناء: • فمنها: حديث عائشة ﵂ أن جاريتين كانتا تضربان عندها بِدُفَّين وفي بعض ألفاظه: دخل عليَّ أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تُغَنِّيان بما تقاولتْ به الأنصارُ يوم بُعَاث (٣)، فقال أبو بكر: أمزمورُ الشيطان في بيت رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "دعهما يا أبا بكر؛ إنَّ لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا". وقد سبق ذكر هذا الحديث.

стр. 550

• ومنها: حديث عائشة ﵂ أيضًا: أنها زَفَّتْ امرأة إلى رجلٍ من الأنصار فقال النبي ﷺ : "يا عائشة، ما كان معكم من اللهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو". وقد سبق (١). • ومنها: حديث فَضَالَة بن عبيد عن النبي ﷺ أنه قال: "للهُ أشَدُ أَذَنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القَيْنة إلى قَيْنَتِه" (٢). قال ابن طاهر: وجه الحجَّة أنه أثبتَ تحليل استماع الغناء، إذ لا يجوزُ أن يُقاس على مُحَرَّم (٣). • ومنها: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "ما أذِنَ الله لشيءٍ ما أذِنَ لنبيٍّ يتغَنَّى بالقرآن" (٤). • ومنها: حديث محمد بن حاطب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "فصلُ ما بينَ الحلال والحرام الدُّفِّ" (٥).

стр. 551

والجواب: • أما حديثا عائشة ﵂ فقد سبق الكلام عليهما وبيَّنَّا أنهم كانوا ينشدونَ الشعر وسُمِّيَ بذلك غناءً لنوعٍ يثبت بالإنشاد وترجيع ومثل ذلك لا يُخْرِجُ الطِّباع عن الاعتدال. وكيف يُحْتَجُّ بذلك الواقع في الزمان السليم عندَ قلوب صافية على هذه الأصوات المُطْرِبَة الواقعة في زمان كدر عند نفوسٍ قد تملَّكَها الهوى؟! ما هذه إلا مغالطةٌ للفهم! أوليس قد صحَّ في الحديث عن عائشة ﵂ أنها قالت: لو رَأَى رسولُ الله ما أحدثَ النساءُ لمنعهُنَّ المسجدَ (١). وإنما ينبغي للمُفتي أن يَزِنَ الأحوالَ كما ينبغي للطبيب أن يَزِنَ الزمان والسنَّ والبلد ثم يصِف على مقدار ذلك. وأين الغناءُ بما تقاوَلَتْ به الأنصارُ يومَ بُعاثٍ، من غناءِ أمرَدَ مُستَحْسَنٍ بآلاتٍ مُسْتَطابةٍ وصناعةٍ تُجذَبُ إليها النفس وغزلياتٍ يُذكَر فيها الغزالُ والغزالة فهل يَثْبُتُ هناك طبع؟! هيهات بل ينزعِجُ شوقًا إلى المُسْتَلَذِّ. فلا يَدَّعي أنه لا يجدُ ذلك إلا كاذبٌ أو خارجٌ عن حدِّ الآدميَّةِ، ومن ادَّعى أخْذَ الأشارةِ من ذلك إلى الخالق فقد استعملَ في حَقِّه ما لا يليقُ به (٢) على أن الطبعَ يسبقه إلى ما يجدُ من الهوى.

стр. 552

وقد أجابَ أبو الطَّيِّب الطبري عن هذا الحديث بجوابٍ آخَرَ فأخبرنا أبو القاسم الحريري عنه أنه قال: هذا الحديثُ حُجَّتُنا؛ لأن أبا بكرٍ سمَّى ذلك مزمورَ الشيطان ولم يُنْكِر النبيُّ ﷺ على أبي بكر قولَهُ وإنما منَعَه من التغليظ في الإنكار لحسن رفقِه لا سيَّما في يوم العيد. وقد كانت عائشة ﵂ صغيرةً في ذلك الوقتِ ولم يُنْقَل عنها بعد بلوغِها وتحصيلها إلا ذَمُّ الغناء، وقد كان ابن أخيها القاسم بن محمد يَذُمُّ الغناءَ ويمنَعُ من سماعه وقد أخَذَ العلمَ عنها (١). وأما اللهوُ الذكورُ في الحديث الآخر فليس بصريح في الغناء، فيجوزُ أن يكون إنشادَ الشعر أو غيره. • وأما التشبيهُ بالاستماع إلى القَيْنَةِ فلا يمنع أن يكون المُشَبَّه به حرامًا، فإن الإنسان لو قال: وجدت للعسل لذَّةً أكثرَ من لذة الخمر كان كلامًا صحيحًا وإنما وقع التشبيه بالإصغاء في الحالتين فكونُ إحداهما حرامًا أو حلالًا لا يمنع من التشبيه، وقد قال ﵊: "إنكم لترَوْنَ ربَّكُمْ كما ترَوْنَ القمر" (٢). فشبَّهَ إيضاح الرؤية بإيضاح الرؤية وإن وقع الفرقُ بأن القمرَ في جهةٍ يحيط به نَظَرُ النَّاظرِ والحقُّ منزَّهٌ عن ذلك (٣).

стр. 553

والفقهاءُ يقولون في ماء الوضوء: لا تُنَشَّفُ الأعضاء منه لأنه أثَرُ عبادة ولا يسنُّ مسحه كدم الشهيد (١)، فقد جمعوا بينهما من جهة اتِّفاقهما في كونهما عبادة، وإن افترقا في الطهارة والنجاسة. فاستدلال ابن طاهر بأن القياس لا يكون إلا على مباح: فقه الصوفية لا علم الفقهاء. • وأما قوله: "يتغَنَّى بالقرآن" فقد فسَّره سفيان بن عُيينة فقال: معناه: يَسْتَغْني به. وفسره الشافعيُّ فقال: معناه: يتحَزَّنُ به ويترَنَّم. وقال غيرهما: يجعله مكان غناء الرُّكبان إذا ساروا (٢).

стр. 554

وأما الضرب بالدُّف، فقد كان جماعةٌ من التابعين يَكْسرون الدُّفوف وما كانت هكذا فكيف لو رَأَوْا هذه؟! (١) وكان الحسن البصريُّ يقول: ليس الدُّفُّ من سنَّةِ المسلمينَ في شيءٍ (٢). وقال أبو عبيد القاسم بن سَلَّام: من ذهبَ به إلى الصوت فهو خطأ في التأويل على رسول الله ﷺ وإنما معناه عندنا إعلانُ النكاح واضطراب الصوت به والذِّكْر في النَّاس (٣). قال المصنف ﵀: قلت: ولو حمل على الدُّف حقيقة على أنه قد قال أحمد بن حنبل: أرجو أن لا يكون بالدُّف بأسٌ في العُرس ونحوه وأكرهُ الطبل (٤). وأخبرنا عبد الله بن علي المقرئ قال: نا نصر بن أحمد بن البطر قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبيد الله المُؤَدِّب قال: نا الحسين بن إسماعيل المَحَامِلي قال: نا عبيد الله بن جرير بن جبلة قال: حدثنا عمرو بن مرزوق قال: نا زهير عن أبي إسحاق عن عامر بن سعد البجلي قال: طلبتُ ثابت بن يزيد وكان بدريًّا فوجدتُه في عرسٍ له. فقال: وإذا جوارٍ يُغَنِّينَ ويضربن بالدُّفوف. فقلت: ألا تنهى عن هذا؟!

стр. 555

قال: لا، إنَّ رسول الله ﷺ رخَّص لنا في هذا (١). أخبرنا عبد الله بن علي، قال: أخبرنا جدي أبو منصور محمد بن أحمد الخياط قال: أخبرنا عبد الملك بن بشران قال: نا أبو علي أحمد بن الفضل بن خزيمة قال: حدثنا أحمد بن القاسم الطائي قال: نا ابن سهم قال: حدثنا عيسى بن يونس عن خالد بن إلياس عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن القاسم، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "أظهروا النِّكاحَ واضربوا عليه بالغِرْبال" (٢). يعني: الدُّفَّ. قال المصنف ﵀: قلت: وكُلُّ ما احتجُّوا به لا يجوز أن يُسْتَدَلَّ به على جواز هذا الغناء المعروف المؤثِّر في الطِّباع. وقد احتجَّ لهم أقوامٌ مفتونون بحب التصوُّف بما لا حُجَّة فيه فمنهم: • أبو نُعيم الأصفهاني فإنه قال: كان البراء بن مالك يميلُ إلى السماعِ ويستَلِذُّ بالتَّرَنُّم (٣). قال المصنف ﵀: وإنما ذكر أبو نُعيم هذا عن البراء لأنه رُوي عنه أنه استلقى يومًا فترنَّم فانظر إلى هذا الاحتجاج البارد فإن الإنسانَ لا يخلو من أن يترنَّم فأين الترنُّم من سماع الغناء المُطْرِب؟!

стр. 556

• وقد استدل لهم محمد بن طاهر بأشياء لولا أنْ يعثر على مثلِها جاهلٌ فيغتَرَّ لم يصلُح ذكرها لأنها ليست بشيء، فمنها: • أنه قال في كتابه: باب الاقتراح على القوَّال والسنة فيه (١). فجعل الاقتراح على القوَّال سنَّة واستدل بما روى عمرو بن الشَّريد عن أبيه قال: اسْتَنْشَدَني رسول الله ﷺ من شعر أميَّة فأخذَ يقول: "هِيَ هِيَ". حتى أنشدته مائة قافية (٢). وقال ابن طاهر: باب الدليل على جواز استماع الغزل، قال العجاج: سألت أبا هريرة ﵁ عن "طاف الخيالان فهاجا سقمًا"، فقال أبو هريرة ﵁: كان يُنْشَدُ مثلُ هذا عند رسول الله ﷺ (٣). قال المصنف ﵀: قلت: انظر إلى احتجاج ابن طاهر ما أعْجَبَه! كيف يحتجُّ بجواز إنشاد الشعر على جواز أن يغَنَّى به؟! وما مَثَلُه إلا كَمَثَل من قال: يجوز أن يُضرب بالكَفِّ على ظهر العود فجاز أن يُضرب بأوتاره أو قال: يجوزُ أن يُعصَر

стр. 557

العنبُ ويشرب ماؤه منه في يومه فجاز أن يُشرب بعد أيام، وقد نسى أن إنشادَ الشعر لا يُطْرِبُ كما يُطْرِبُ الغناءُ. • وقد أنبأنا أبو زرعة بن محمد بن طاهر عن أبيه قال: أخبرنا أبو محمد التميمي قال: سألت الشريف أبا علي بن أبي موسى الهاشمي عن السماع فقال: ما أدري ما أقولُ فيه غير أني حضرتُ دار شيخنا أبي الحسن عبد العزيز بن الحارث التميمي سنة سبعين وثلاثمائة في دعوة عملها لأصحابه حضرها أبو بكر الأبهري شيخ المالكيين، وأبو القاسم الدَّاركي شيخ الشافعيين وأبو الحسن الجيش طاهر بن الحسين شيخ أصحاب الحديث وأبو الحسين بن سمعون شيخ الوعاظ والزهاد وأبو عبد الله بن مجاهد شيخ المتكلمين وصاحبه أبو بكر الباقلاني في دار شيخنا أبي الحسن التميمي شيخ الحنابلة فقال: أبو علي لو سقط السَّقف عليهم لم يبقَ بالعراق من يفتي في حادثة بسُنَّة. ومعهم أبو عبد الله غلام كان يقرأُ القرآنَ بصوتٍ حسن، فَقِيلَ له: قل شيئًا. فقال وهم يسمعون: خَطَّتْ أناملها في بطنِ قرطاس … في رسالة بعبيرٍ لا بأنفاسِ أنْ زُرْ فَدَيْتُكَ قِفْ لي غيرَ محتشِمٍ … فإنَّ حُبَّكَ لي قد شاعَ في الناسِ فكان قولي لمن أدَّى رسالتَها … قِفْ لأمشي على العينينِ والرأسِ قال أبو علي: فبعدما رأيتُ هذا لا يمكنني أن أفتي في هذه المسألة بِحَظْرٍ ولا إباحة (١). قال المصنف ﵀: قلت: وهذه الحكايةُ إن صدق فيها محمد بن طاهر - فإن شيخنا ابن ناصر الحافظ كان يقول: ليس محمد بن طاهر بثقة - حُمِلَتْ هذه الأبيات

стр. 558

على أنه أنشدها لا أنه غَنَّى بها بقضيب ومخدة؛ إذ لو كان ذلك لذكره ثم فيها كلام مُخْتَلٌّ قوله: لا يمكنني أن أفتي فيها بحظر ولا إباحة؛ لأنه إن كان مقلدًا لهم فينبغي أن يفتي بالإباحة وإن كان ينظر في الدليل فما يلزمه من حضورهم ثم تقدر صحتها، أفلا يكون اتباعُ المذهبِ أولى من اتباع أرباب المذهب؟ وقد ذكرنا عن أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ما يكفي في هذا وشَيَّدْنَا ذلك بالأدلة. • وقال ابن طاهر في كتابه: باب إكرامهم القوَّال وإفرادهم الموضع له (١) واحتج بأن النبي ﷺ : كان يضع لحسان المنبر في المسجد (٢). وقال: باب السنَّة في إلقائهم الثياب إلى القوَّال (٣)؛ لأن النبي ﷺ رمى بردةً كانت عليه إلى كعبِ بن زهير لما أنشده "بانت سعاد". قال المصنف ﵀: وإنما ذكرت هذا ليُعرَف قَدْر فقه هذا الرجل واستنباطه وإلا فالزمان أشرف من أن يُضَيَّع بمثل هذا التخليط. • وأنبأنا أبو زرعة عن أبيه محمد بن طاهر قال: أخبرنا أبو سعيد إسماعيل بن محمد الحجاجي قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد المقرئ قال: نا أبي قال: حدثنا علي بن أحمد قال: نا محمد بن العباس بن بلال قال: سمعت سعيد بن محمد قال: حدثني إبراهيم بن عبد الله وكان الناس يَتَبرَّكون به قال: حدثني المُزَنِيُّ قال: مررنا مع الشَّافعي وإبراهيم بن إسماعيل على دار قومٍ وجاريةٌ تُغَنِّيهم:

стр. 559

خليليَّ ما بالُ المَطايا كأنَّنا … نَرَاها على الأعقابِ بالقومِ تَنْكِصُ (١) فقال الشَّافعي: مِيلُوا بنا نسمع. فلمَّا فَرَغَتْ قال الشَّافعي لإبراهيم: أيُطْرِبُكَ هذا؟ قال: لا. قال: فما لك حِسٌّ (٢). قال المصنف ﵀: قلت: وهذا مُحَالٌ على الشافعي ﵀، وفي الرواة مجهولون وابن طاهر لا يُوثَقُ به وقد كان الشافعي ﵀ أجَلَّ من هذا. ويدلُّ على صحة ماذكرنا ما أخبرنا به أبو القاسم الحريري عن أبي الطيب الطبري قال: أما سماعُ الغناء من المرأة التي ليستْ بمَحْرَم، فإن أصحاب الشافعي قالوا: لا يجوزُ سواءٌ كانت حرةً أو مملوكة. قال: وقالَ الشافعيُّ: وصاحبُ الجارية إذا جمع الناسَ لسماعِها فهو سفيهٌ تُرَدُّ شهادته. ثم غَلَّظَ القولَ فيه فقال: وهو دِيَاثة. وإنما جعلَ صاحبها سفيهًا؛ لأنه دعا الناسَ إلى الباطل ومن دعا إلى الباطلِ كان سفيهًا فاسقًا (٣). • قال المصنف ﵀: قلت: وقد أخبرنا محمد بن أبي القاسم البغدادي عن أبي محمد التميمي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: اشترى سعد بن عبد الله الدمشقيُّ جاريةً قوَّالةً للفقراء (٤) فكانت تقول لهم القصائد.

стр. 560

• قال المصنف ﵀: قلت: وقد ذكرَ أبو طالب المكِّي في كتابه قال: أَدْرَكْنا أبا مروان القاضي وله جوار يسمعن التلحينَ قد أعدَّهُن للصُّوفية. قال: وكانتْ لعطاءٍ جارِيتان تُلَحِّنان وكان إخوانُه يستمعونَ إليهما (١). قال المصنف ﵀: قلت: أما سعد الدمشقي فرجل جاهل، والحكايةُ عن عطاء مُحَالٌ وكذبٌ، وإن صحَّت الحكايةُ عن أبي مروانَ؛ فهو فاسقٌ والدليلُ على ما قلنا ما ذكرنا عن الشافعي ﵀، وهؤلاء القوم جَهِلوا العلمَ فمالوا إلى الهوى. • وقد أنبأنا زاهر بن طاهر قال: أنبأنا أبو عثمان الصابوني وأبو بكر البيهقي قالا: أخبرنا الحاكم أبو عبد الله النيسابوري، قال: أكثرُ ما التقيتُ أنا وفارس بن عيسى الصوفي في دار أبي بكر الأبْرِيْسَمي للسَّماع من هَزَّارَةَ رحمها الله، فإنها كانت من مستورات القوَّالات (٢). قال المصنف ﵀: قلت: وهذا أقبح شيء من مثل الحاكم كيف خَفِيَ عنه أنه لا يحلُّ أن يسمع من امرأةٍ ليست له بمحرم ثم يذكر هذا في كتاب "تاريخ نيسابور" وهو كتاب علم من غير تحاش عن ذكر مثله لقد كفاه هذا قدحًا في عدالته. • فإن قيلَ: ما تقولُ فيما أخبركم به إسماعيل بن أحمد السَّمَرْقندي قال: أخبرنا عمر بن عبيد الله، قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران قال: أخبرنا عثمان بن أحمد قال: أخبرنا حنبل بن إسحاق قال: نا هارون بن معروف قال: نا جرير عن مغيرة قال: كان عون بن عبد الله يَقصُّ فإذا فَرَغَ أمَرَ جاريةً له تقص وتُطْرِب قال مغيرة:

стр. 561

فأرسلتُ إليه أو أردتُ أن أرسل إليه: إنَّك من أهل بيتِ صِدْقٍ وإن الله تعالى لم يبعث نبيّه ﷺ بالحمق وإن صَنِيعَك هذا صنيعُ أحَمْق (١). فالجواب: أنا لا نظن بعون أنه أمر الجارية أن تقص على الرجال بل أحَبَّ أن يسمعها مُنْفَردًا وهي مِلْكُه، فقال له مغيرةُ الفقيهُ هذا القولَ، وكره أن تطرب الجاريةُ له، فما ظَنُّكَ بمن يُسْمِعْهُنَّ الرجال. • وقد ذكر أبو طالب المكي: أن عبد الله بن جعفر كان يسمع الغناء، وإنما كان يسمع إنشاد جواريه (٢). • قال المصنف: وقد أردفَ ابن طاهر الحكايةَ التي ذكرها عن الشافعي ﵀ وقد ذكرناها آنفًا - بحكاية عن أحمد بن حنبل رواها من طريق أبي عبد الرحمن السلمي قال: نا الحسين بن أحمد قال: سمعت أبا العباس الفرغاني يقول: سمعت صالح بن أحمد بن حنبل يقول: كنت أحبُّ السَّماعَ وكان أبي يكرهُ ذلك فواعدتُ ليلةً ابن الخَبَّازة فمكث عندي إلى أن علمتُ أن أبي قد نام وأخذ يغنِّي فسمعتُ حِسَّه فوق السَّطْح فصعدت فرأيتُ أبي فوق السَّطح يسمع وذيله تحت إِبِطِه يتبختَر (٣) على السطح كأنه يرقص (٤).

стр. 562

قال المصنف ﵀: قلت: هذه الحكاية قد بلغتنا من غير طريق ففي بعض الطرق عن صالح قال: كنت أدعو ابنَ الخبازة القصائدي وكان يقولُ ويُلَحِّن وكان أبي في الزقاق يذهبُ ويجيء ويسمع إليه وكان بيننا وبينه باب وكان يقف من وراء الباب يستمع. وقد أخبرنا بها أبو منصور القزاز قال: نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا أحمد بن علي بن الحسين التَّوَّزِي قال: نا يوسف بن عمر القواس قال: سمعت أبا بكر بن مالك القطيعي يحكي - أظنُّه - عن عبد الله بن أحمد قال: كنت أدعو ابن الخبازة وكان أبي ينهانا عن الغناء فكنتُ إذا كان عندي أكْتُمُه من أبي؛ لئلا يسمع فكان ذات ليلة عندي وكان يقول فَعَرَضَتْ لأبي عندنا حاجة وكانوا في زُقَاق فجاء فسمعه يقول، فتسمع فوقع في سمعه شيء من قوله فخرجتُ لأنظرَ فإذا بأبي ذاهبًا وجائيًا فرددتُ البابَ ودخلت فلما كان من الغد قال لي: يابني، إذا كان مثل هذا: نعم .. هذا الكلام أو معناه (١). قال المصنف ﵀: قلت: وهذا ابن الخبازة كان ينشد القصائد الزُّهديات التي فيها ذكر الآخرة؛ ولذلك استمع إليه أحمد، وقول من قال: ينزعج، فإن الإنسان قد يزعجه الطَّربُ فيميل يمينًا وشمالًا. وأما رواية ابن طاهر التي فيها: فرأيته وذيله تحت إبطه يتبختر على السطح كأنه يرقص. فإنما هو من تغيير الرواة وتغييرهم بما يظنونه المَعْنِيَّ تصحيحًا لمذهبهم في الرقص. وقد ذكرنا القدح في السُّلَمي وفي ابن طاهر الرَّاوِيين لهذه اللقطات (٢).

стр. 563

• وقد احتجَّ لهم أبو طالبٍ المكيُّ على جوازِ السماعِ بمناماتٍ وقسَّم السماع إلى أنواعٍ وهو تقسيمٌ صوفيٌ لا أصلَ له (١). وقد ذَكَرْنا أن من ادَّعى أنه يسمعُ الغناءَ ولا يُؤثِّرُ عندَه تحريكَ النفسِ إلى الهوى فهو كاذبٌ. وقد أخبرنا أبو القاسم الحريري عن أبي الطيب الطبري قال: قال بعضهم: إنَّا لا نسمعُ الغناءَ بالطبعِ الذي يشتَرِكُ فيه الخاصُّ والعامُّ. قال: وهذا تجاهل منه عظيم لأمرين: أحدهما: أنه يلزَم على هذا أن يَستبيحَ العود والطنبور وسائر الملاهي؛ لأنه يسمعُه بالطبع الذي لا يُشَارِكُه فيه أحدٌ من الناس فإن لم يستَبح ذلك فقد نَقَضَ قوله وإن استباحَه فقد فسق. والثاني: أن هذا المُدَّعي لا يَخْلو من أن يَدَّعي أنه فارق طَبْعَ البشر وصار بمنزلة الملائكة! فإن قال هذا فقد تحَرَّضَ (٢) على طبعه وعَلِمَ كلُّ عاقل كَذِبَه إذا رَجَعَ إلى نفسه ووجب أن لا يكون مجاهدًا لنفسه ولا مخالفًا لهواهُ ولا يكونَ له ثواب على ترك اللَّذات والشهوات وهذا لا يقوله عاقل. وإن قال: أنا على طَبْع البشر المَجْبُولِ على الهوى والشهوة. قلنا له: فكيف تسمع الغناء المُطْرِب بغير طبعِكَ، أو تَطْرَبُ لسماعه لغير ما غُرِسَ في نفسك؟! (٣)

стр. 564

أخبرنا ابن ناصر قال: أنبأنا أحمد بن علي بن خلف قال: حدثنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت أبا القاسم الدمشقي يقول: سئل أبو علي الرُّوذَبَارِي عمَّن يسمع الملاهي ويقول: هي لي حلال؛ لأني قد وصلت إلى درجة لا تؤثَرُ فيَّ اختلاف الأحوال. فقال: نعم قد وصَلَ لعَمْري! ولكن إلى سَقَر (١). فإن قيل: قد بلغنا عن جماعة أنهم سمعوا من المُنشد شيئًا فأخذوه على مقصودهم فانتفعوا به قلنا: لا ننكر أن يسمع الإنسانُ بيتًا من الشعر أو حكمةً فيأْخُذَها إشارة فتزعِجُه لمعناها لا لأنَّ الصوتَ مُطرِبٌ كما سمعَ بعضُ المريدينَ صوت مغنِّيةٍ تقول: كُلُّ يَوْم تتلوَّن … غُيْرُ هذا بكَ أجْمَل فصاحَ ومات (٢). فهذا لم يَقْصِدْ سماع المرأة ولم يلتفتْ إلى التلحين وإنما قتَلَه المعنى. ثم ليس سماعُ كلمةٍ أو بيتٍ لم يُقْصَدْ سماعهما كالاستعداد لسماع الأبيات الكثيرة المطربة مع انضمامِ الضَّرب بالقضيب والتَّصفيق إلى غير ذلك. ثم إن ذلك السامعَ لم يقصدِ السماع، ولو سألَنا: هل يجوزُ لى أن أقصِد سماعَ ذلك؟ مَنَعْناه.

стр. 565

• وقد احتجَّ لهم أبو حامد الطُّوسي بأشياء نَزَلَ فيها عن رُتْبَتِه من الفهم، مجموعُها أنه قال: • ما يدلُّ على تحريم السماعِ نصٌّ ولا قياس. وجواب هذا قد أسْلفناه (١). • وقال: لا وجه لتحريم سماع صوت طيِّب فإذا كان موزونًا فلا يحرم أيضًا وإذا لم يحرم الآحادُ لم يحرم المجموع، فإن أفراد المباحات إذا اتجمعت كان المجموع مباحًا. قال: ولكن يُنْظَرُ فيما يُفهم من ذلك فإن كان فيه أمرٌ محظور حَرُمَ نثره ونظمه، وحرم التصويت به (٢). قال المصنف ﵀ قلت: وإني لأتعجَّبُ من هذا الكلام، فإن الوتَرَ بمفردِه أو العودَ وحده من غير وَتَر لو ضرب لم يحرم ولم يُطْرب فإذا اجتمعا وضرب بهما على وجه مخصوصٍ حَرُمَ وأزْعَج، وكذلك ماء العنب جائزٌ شُرْبُه فإذا حَدَثَتْ فيه شدَّةٌ مطربةٌ حَرُمَ فكذلك هذا المجموعُ يوجِبُ طربًا يُخرجُ عن الاعتدال فيُمنعُ منه لذلك. قال ابن عقيل: الأصواتُ على ثلاثةِ أضربٍ: محرمٌ ومكروهٌ ومُباحٌ: فالمحرم: الزَّمر والناي والسَّرناي والطنبور والمعزفةُ والرَّباب نصَّ أحمد بن حنبل على تحريم ذلك (٣)، ويُلحقُ به الجرَّافة والجُنْك؛ لأن هذه تُطرب فتُخْرِجُ عن حدِّ الاعتدال وتفعلُ في طباع الغالب من الناس ما يفعَلُه المُسكِر، وسواءٌ اسْتُعْمِلَتْ على حُزنٍ يُهَيِّجُهُ أو سُرور لأن النبي ﷺ نهى عن صوتين أحمقين: صوت
следующие страницы →